← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

[مسألة: الميت يحرف على القبلة فيوضع على شقه الأيسر ثم يعلم بذلك قوم يعرفون السنة] مسألة وسئل ابن القاسم: عن الميت يحرف على القبلة فيوضع على شقه الأيسر، ثم يعلم بذلك قوم يعرفون السنة ساعتئذ؛ كيف الأمر فيه؟ قال ابن القاسم: إن كانوا لم يواروه بحدثان ذلك، وألقوا عليه شيئا يسيرا، فأرى أن يحول ويوجه إلى القبلة؛ وإن كانوا دفنوه وفرغوا من دفنه، فليترك ولا ينبش. قال محمد بن رشد: إنما يوجه الميت في لحده إلى القبلة؛ لأنها أشرف الجهات، إذ رضيها الله تعالى قبلة لعباده في صلواتهم، وليس ذلك بواجب فرضا، لقول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] . ولذلك لم ير ابن القاسم ﵀ أن ينبش الميت إذا كانوا قد فرغوا من دفنه، لما في ذلك من كشفه لمعنى غير واجب. [مسألة: يسبق الجنازة إلى المصلى أيجلس حتى يؤتى بها] مسألة وسئل ابن القاسم: عن الذي يسبق الجنازة إلى المصلى، أيجلس حتى يؤتى بها، أم يقوم؟ وكيف إن سبقها الرجل إلى القبر، أيجلس قبل أن توضع على الأرض أم لا؟ فقال: قال مالك: يجلس ولا بأس به في هذا كله. قال محمد بن رشد: روي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى توضع أو تخلفكم» . وروي عنه - صلى

стр. 772

الله عليه وسلم - «إذ مر عليه بجنازة فقام، فقيل: إنه يهودي، فقال: أليس ميتا؟ أو أليس نفسا؟» وروي عنه ﵊ أنه قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد» . فكان القيام للجنائز مأمورا به في ثلاثة مواضع: أحدها: من كان جالسا فمرت به أن يقوم حتى يخلفه. والثاني: من اتبع جنازة ألا يجلس حتى توضع. والثالث: من سبق الجنازة إلى المقبرة فقعد ينتظرها، أن يقوم إذا رآها حتى توضع؛ ثم نسخ ذلك كله بما روي من «أن رسول الله ﷺ كان يقوم في الجنائز، ثم جلس، وأمرهم بالجلوس» . وروي أنه فعل ذلك مرة، وكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نهى انتهى. وأما القيام على الجنازة حتى تدفن فلا بأس به، وليس ذلك مما نسخ؛ روي أن رسول الله ﷺ قام على قبر حتى دفن. وقد قيل: إنه منسوخ وليس ذلك بصحيح. روي أن علي بن أبي طالب قام على قبر المكفف، فقيل له: ألا تجلس يا أمير المؤمنين؟ فقال: قليل لأخينا قيامنا على قبره، وهو الذي روى النسخ؛ فدل ذلك على أنه لم يدخل فيه عنده القيام على القبر - عند الدفن وبعده - والله أعلم. وذهب ابن حبيب إلى أنه إنما نسخ من القيام في الجنائز الوجوب فيمن جلس في سعة، ومن قام فمأجور، وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: اللوح واللبن والقصب توضع على اللحد] مسألة وسئل ابن القاسم: عن اللوح واللبن والقصب توضع على اللحد، ويجعل الرجل في تابوت من خشب، ويدفن فيه أو يبنى عليه الآجر؛ فقال ابن القاسم: أما التابوت فأكرهه، ولا يعجبني أن يدفن

стр. 773

فيه أحد، وأما اللبن فهي السنة والشأن، وأما الألواح فلا أرى ذلك إلا ألا يوجد لبن ولا آجر. قال محمد بن رشد: في بعض الروايات ولا ثرى - مكان - ولا آجر، والصواب: ولا آجر؛ لأن الأفضل فيما يجعل على الميت في قبره اللبن، ثم الألواح، ثم القراميد، ثم الآجر، ثم الحجارة، ثم القصب، ثم سن التراب، وسن التراب خير من التابوت، قال ذلك ابن حبيب. وقد روي عن ابن القاسم وأشهب: أنه لا بأس أن يجعل على اللحد اللبن، أو القصب، أو اللوح، وذلك خفيف. وروي عن سحنون أنه قال: ما سمعت حدا كره اللوح إلا ابن القاسم. [مسألة: قبة النعش التي تصنع للنساء] مسألة وسئل ابن القاسم: عن قبة النعش التي تصنع للنساء، أواجب ذلك لكل امرأة بلغت المحيض أم لا؟ وكيف المرأة التي تموت في السفر، هل تستر بقبة كما يصنع أهل الحضر؟ أم كيف يصنع بها إذا وضعت على سريرها؟ وكم حد طول قبة النعش الذي لا يجوز أن يرفع فوقه؟ قال ابن القاسم: قد فعله عمر بن الخطاب. وأخبرني مالك: أن أول من فعل به ذلك زينب زوج النبي ﵊. فقال عمر للتي فعلته بها: سترتها سترك الله. فقد استحسنه عمر، فأرى ألا يترك في سفر ولا حضر،

стр. 774

وهو يقدر على ذلك؟ وأما حد طوله فليس فيه حد إلا ما وارى، وأكره ما أحدث الناس فيه من المباهاة والفخر من طول ذلك، حتى صار عندهم زينة من الزينة، فأنا أكره ذلك. قال محمد بن رشد: ليس في هذه المسألة معنى يشكل، فيحتاج إلى التكلم عليه، وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: نفر من المسلمين وفيهم مشرك وقع عليه بيت فهلكوا كيف يغسلون] مسألة وسئل ابن القاسم: عن نفر من المسلمين - وفيهم رجل مشرك - وقع عليهم بيت فهلكوا، أيغسلون جميعا ويصلى عليهم؟ فقال ابن القاسم: ما سمعت من مالك فيه شيئا، وأرى أن يغسلوا ويصلى عليهم، وتكون نيتهم في الصلاة على المسلمين منهم. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها، وإنما الاختلاف إذا كان نفر من المشركين وفيهم رجل مسلم لا يعرف بعينه، فقال أشهب: إنه لا يصلى عليهم؛ وقال سحنون: إنهم يغسلون ويصلى عليهم، وتكون نيتهم في الصلاة على المسلم منهم، ولا تترك حرمة مسلم تضيع، هكذا وقع هذا الاختلاف في سماع ابن غانم من بعض الروايات. [مسألة: الميت يوجد بفلاة من الأرض ولا يدرى أمسلم هو أو كافر] مسألة وسئل ابن القاسم: عن الميت يوجد بفلاة من الأرض، ولا يدرى أمسلم هو أو كافر؟ أيغسل ويكفن ويصلى عليه؟ أو الميت يوجد أحد شقيه بلا رأس، أو يوجد أحد شقيه برأسه؟ فقال ابن القاسم: لم أسمع من مالك فيه شيئا، وأرى أن يوارى ولا يصلى عليه،

стр. 775

ويوارى بلا غسل؟ وكذلك لو وجد في مدينة من المدائن ميت في زقاق، ولا يدرى أمسلم هو أو كافر. قال محمد بن رشد: وإن كان مختونا، إذ قد علم أن اليهود يختنون أولادهم، وقال ابن حبيب: وإن لم يدر إن كان مسلما أو نصرانيا. فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وإن كان مختونا، إذ من النصارى من يختتن. وقال ابن وهب في سماع عبد الملك: أنه يجر يده على ذكره، فإن كان مختونا غسله وصلى عليه، وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: يصلون على الجنازة فيضعون الرأس موضع الرجلين] مسألة وسئل ابن القاسم: عن القوم يصلون على الجنازة فيضعون الرأس موضع الرجلين، ثم يعلمون بذلك قبل دفنها، أيعيدون الصلاة عليها؟ قال ابن القاسم: ما أرى ذلك، وصلاتهم مجزئة عنهم. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه قد صلى عليه وهو أمامه إلى القبلة، فالأمر في ذلك واسع، وكذلك لو أخطأ في ترتيب الجنائز للصلاة عليها، فقدم النساء على الرجال والصغار على الكبار، لمضت الصلاة، ولم تجب إعادتها، وإن علم بذلك بالقرب قبل الدفن. [مسألة: أدركوا إمام جنازة حين سلم أتحبس لهم الجنازة] مسألة وسئل ابن القاسم: عن قوم أدركوا إمام جنازة حين سلم، أتحبس لهم الجنازة حتى يصلوا عليها فرادى، أم لا تحبس إذا كان قد صلي عليها؟ قال ابن القاسم: لا تحبس ولا تعاد الصلاة عليها.

стр. 776

قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم "الجنائز والصيد والذبائح" في موضعين، ومضى الكلام عليها في الموضع الأول منهما، فلا وجه لإعادته هنا. [مسألة: الميت لا يوجد له رأس أو يوجد جسده تام أيغسل ويصلى عليه] مسألة وسئل ابن القاسم: عن الميت لا يوجد له رأس، أو يوجد جسده تام، أيغسل ويصلى عليه؟ أو الميت يوجد أحد شقيه بلا رأس، أو يوجد أحد شقيه برأسه، أو يوجد صدره برأسه، أو توجد فخذاه من السرة إلى أسفل، أو يوجد يد أو رجل بائنة من الجسد؟ أيصلى عليه على هذه الصفة؟ وهل يجب دفن شيء من ذلك على من وجده؟ وكيف إن وجد رأسه منفردا من الجسد ولم يوجد غيره؟ أو وجد أعضاؤه متفرقة بغير رأس؟ أو وجد الرأس؟ أيجمعها ويصلي عليها؟ فقال ابن القاسم: قال لي مالك: لا يصلى على يد ولا فخذ، ويصلى على الجسد - وإن لم يكن فيه رأس - فقلنا لمالك: فما حد ذلك؟ فقال: إذا وجد جله أو أكثره، صلي عليه. وأما يد، أو رأس، أو فخذ، فإني أرى أن يدفن ولا يصلى عليه. وأما ما ذكرت إذا وجد متقطعا، فإنه ينظر إلى ما وجد من ذلك، فإن كان هو جله أو كله، فلا يبالى كان متقطعا أو مجتمعا، فإنه يغسل ويصلى عليه؛ وإن كان ذلك يسيرا حتى يكون مثل الرجل

стр. 777

أو اليد أو الرأس لم يصل عليه، ولا يغسل؛ لأني لا أرى أن يغسل إلا ما كان منه يصلى عليه، وإن كان يسيرا لم يصل عليه. وإن وجد متشدخا لا يستطاع أن يغسل، صب عليه الماء صبا، وكذلك صاحب الجدري وما أشبهه من القروح التي إذا مس سلخ، فإنه يصب عليه الماء ويترفق به، وكذلك قال مالك. قال محمد بن رشد: هذا مثل قوله في المدونة: إنه لا يصلى على يد، ولا على رجل، ولا على رأس، ولا يصلى إلا على جل الجسد. قال هاهنا: وجد مجتمعا أو متفرقا. وقال في كتاب ابن حبيب: إذا وجد مجتمعا؛ والمعنى في ذلك عند مالك: أنه لا يصلى على غائب، فإذا وجد بعض الميت وغاب بعضه، جعل القليل تبعا للجل مما غاب أو حضر، ولم يجعل الأقل تبعا للأكثر حتى يكون الأكثر هو الجل، وإن أدى ذلك إلى أن لا يصلى عليه أصلا؛ إذ قد يوجد منه أكثر من النصف ودون الجل فلا يصلى عليه، ثم إن وجدت بقيته لم يصل عليها - كما قال أشهب: إنه إذا وجد أحد شقيه برأسه لم يصل عليه، والأظهر أن يجعل الأقل منه تبعا للأكثر فيصلى عليه؛ لأنه إذا صلي عليه وهو أكثر من النصف، فقد أمر أن يصلى على الباقي منه - إذا وجد، وأن يصلى على النصف أيضا إذا وجد؛ لأنه إن لم يصل عليه - وكان من وجد النصف الثاني لم يصل عليه أيضا، بقي الميت بلا صلاة؛ فلأن يصلى عليه مرتين، أولى من أن لا يصلى عليه؛ إلا أنهم لم يعتبروا شيئا من ذلك إلا بقاءه بلا صلاة، ولا الصلاة عليه مرتين، فقد روي عن ابن الماجشون: أنه يصلى على الرأس؛ لأن فيه أكثر الديات، فإذا كان عنده يصلى على الرأس، ويصلى على البدن دون رأس، فلم تبق الصلاة عليه مرتين. فإنما العلة عند مالك وأصحابه

стр. 778

في هذه المسألة - ما ذكرناه من أن الصلاة لا تجوز على غائب لا ما سوى ذلك، واستخفوا إذا غاب منه اليسير، الثلث فدون، إلا ما كان من قول ابن الماجشون: إنه إذا وجد الرأس يصلى عليه؛ لأن فيه أكثر الديات، فمن علل مذهب مالك في أنه لا يصلى إلا على جل الجسد بإبقاء الصلاة عليه مرتين، أو بقائه دون صلاة فقد أخطأ؛ وعبد العزيز بن أبي سلمة يرى أن يصلى على ما وجد منه من يد أو رجل، وإن لم يوجد منه شيء وعلم أنه قد مات غريقا، أو أكلته السباع، صلي عليه أيضا عنده، وحجته صلاة النبي ﵊ على النجاشي بالمدينة - وهو ميت بأرض الحبشة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب. واحتج من نصر قول مالك بما روي عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: «إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه". قال: ونحن نرى أن الجنازة قد أتت، قال: فصففنا فصلينا عليه، وإنما مات بالحبشة فصلى عليه رسول الله ﷺ حين دخل المدينة» . قال: فإذا كان الله قد حمله إلى المدينة بلطيف قدرته - حتى وضعه بين يديه بالمصلى فصلى عليه، بطل تعلق عبد العزيز بن أبي سلمة بالحديث، وفي خروج النبي ﵊ إلى المصلى للصلاة عليه، دليل على أنه كان بها؛ إذ لو كان بمكانه بأرض الحبشة، لم يكن لخروجه إلى المصلى للصلاة عليه معنى. واحتج أيضا بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بعد دفنه - مع ما في الصلاة عليه من عظيم الأجر، والحجة الأولى أظهر، إذ قد قيل: إنما لم يصل على النبي ﵊ بعد ذلك، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يتخذ قبره مسجدا، وقد نهى عن ذلك ﷺ .

стр. 779

[مسألة: الصغير مع أبويه لم يكره على الإسلام] مسألة قال معن بن عيسى: وقال مالك: إذا كان الصغير مع أبويه لم يكره على الإسلام، وإن كان وحده أمر بالإسلام. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مجودا في رسم " الشجرة تطعم بطنين في السنة" من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة ذلك. [مسألة: الرجال والنساء والصبيان إذا اجتمعوا في قبر واحد من ضرورة] مسألة قال موسى بن معاوية: وسئل ابن القاسم: عن الرجال والنساء والصبيان إذا اجتمعوا في قبر واحد من ضرورة، فقال: يكون الرجال من داخل مما يلي القبلة، والصبيان من خلفهم، والنساء من ورائهم؛ فقلت: فكيف يكونون في الصلاة؟ فقال: يكون الرجال مما يلي الإمام، والصبيان إذا كانوا ذكورا إليهم، ثم النساء مما يلي القبلة، وسواء كان الرجال عبيدا أو أحرارا يجعلون أبدا مما يلي الإمام، والنساء إلى القبلة. قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن العبد الكبير يقدم إلى الإمام، ثم الحر الصغير من ورائه، وقد مضى من تحصيل القول في هذه المسألة في رسم "الجنائز والصيد " من سماع أشهب، ما لا مزيد عليه، فلا معنى لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: المرأة تتوفى في سفر مع رجال ولا امرأة معهم فتيممها أتدفن في ثيابها] من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم مسألة قال محمد بن خالد: سألت عبد الرحمن بن القاسم: عن المرأة تتوفى في سفر مع رجال - ولا امرأة معهم فتيممها، أتدفن في ثيابها؟ فقال ابن القاسم: يفعل في ذلك أفضل ما يقدر عليه؛ قال ابن

стр. 780

القاسم: إن ناسا من أهل المغرب سألوا مالكا عن المرأة تخرج معهم حاجة - وليس معها ذو محرم فتسألهم أن يحملوها على الدابة، كيف ترى في ذلك؟ فكان من قوله لهم وما أمرهم به أن يتطأطأ لها الذي يريد أن يحملها، حتى تستوي عليه ثم تركب، وهذا حين لم يقدر على أفضل من ذلك. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وأحسن ما يقدر عليه في هذا أن تلف كما هي في ثيابها في ثوب تدرج فيه وتدفن، والله تعالى أعلم. [مسألة: تكون له امرأة نصرانية فتلد منه ثم يغيب عنها فيموت ولده منها في غيبته] مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل تكون له امرأة نصرانية فتلد منه، ثم يغيب عنها فيموت ولده منها في غيبته، فيدفن ولده أولياء أمه مع أهل دينهم، ثم يعلم بذلك من يومهم أو من الغد؛ أفترى أن ينبش فيحول إلى مقبرة المسلمين؟ قال ابن القاسم: إن كان بحضرة ذلك، ولم يخف أن يكون قد تغير، فلا أرى بأسا أن يخرج، ثم يدفن في مقبرة المسلمين؛ وإن خيف عليه التغيير، فلا أرى أن يحرك. قال محمد بن رشد: قوله فلا أرى بذلك بأسا - يدل على أن ذلك جائز غير لازم، والذي مضى في رسم "النسمة" من سماع عيسى أبين وأوضح؛ لأنه إذا لم يكن في نبشه بأس، فتحويله إلى مقبرة المسلمين لازم. [مسألة: الرجل يقتل ثم يصلب متى يصلى عليه] مسألة قال: وأخبرني ابن القاسم في الرجل يقتل ثم يصلب، أنه يصلى عليه قبل أن يصلب، وأما الذي يصلب حيا ثم يقتل، فإني لم أسمع

стр. 781

فيه شيئا. قال سحنون: ينزل عن الخشبة ويصلى عليه، ثم يرد فيها ليذعر أهل الفساد. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في سماع موسى، فلا وجه لإعادته - وبالله التوفيق. [مسألة: رجلين نزلا في قرية فسقط عليهما البيت فلم يدر من المسلم من اليهودي] من مسائل نوازل سئل عنها سحنون قيل لسحنون: فلو أن رجلين نزلا في قرية أحدهما مسلم، والآخر يهودي، قد عرف ذلك، ولأحدهما مال، والآخر لا مال له، فسقط عليهما البيت فلم يدر من المسلم من اليهودي؟ كيف يصنع بغسلهما والصلاة عليهما؟ قال: يغسلان جميعا ويصلى عليهما، وتكون النية عليهما على من كان منهما مسلما. قيل له: فالكفن كيف يكفنان جميعا - وأحدهما كان معروفا أنه كان ذا مال، والآخر لا مال له، إلا أنهما لما ماتا لم يعرف صاحب المال من الذي لا مال له؟ فقال: يكون الكفن من المال الذي كان معهما. قيل له: فبقية المال أيكون موقوفا عند السلطان؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: قوله: إنهما يغسلان جميعا - بين، لا سيما على قوله: إن النفر من المشركين إذا كان معهم رجل مسلم فماتوا ولم يعلم المسلم منهم، أنهم يغسلون جميعا، ويصلى عليهم، ولا تترك حرمة مسلم، هكذا يصنع وقد

стр. 782

مضى ذلك في سماع موسى بن معاوية، وإذا كفنا جميعا من المال الذي وجد معهما، وأوقفت بقيته عند السلطان، فاستحقه ورثة أحدهما دون صاحبه، جبر عليه ما كفن به الآخر من بيت مال المسلمين؛ لأنه لو علم أنه لا مال له، لكان الواجب أن يكفن من بيت المال، وإن ادعاه ورثتهما جميعا ولم يأت أحدهما ببينة، حلفا واقتسما البقية بينهما، ولم يكن لأحدهما رجوع على صاحبه. [مسألة: صاحب الصلاة إذا فوض الصلاة إليه الأمير] مسألة قال سحنون: صاحب الصلاة إذا فوض الصلاة إليه الأمير، أو صاحب الشرطة، أو القاضي، من كان صاحب الصلاة؟ والمنبر منهم، فهو أولى بالصلاة على الجنازة من الأولياء؛ قال: وإن لم تكن الصلاة إلى القاضي، فهو كغيره من الناس، وإن صاحب المنبر أمير الجند؛ وصاحب شرطة إذا كان موكلا بالخطبة والصلاة، أولى من الأولياء، وليس للقاضي في هذا عمل، إلا أن تكون الصلاة إليه؛ قيل: فوكيل أمير الجند على الخطبة والصلاة - إذا غاب الأمير - إن لم يعرف الخطبة مثل وكيله بالناس وليس إليه شرطة، ولا ضرب الجند، ولا شيء من الصلاة؛ قال: لا أرى لهذا في الصلاة على الجنائز شيئا. قال محمد بن رشد: في هذا الكلام التباس، ومذهبه أنه لا يكون

стр. 783

أحق من الأولياء بالصلاة على ميتهم إلا الأمير، أو قاضيه، أو صاحب شرطة، أو مؤمره على الجند - إذا كانت الخطبة والصلاة إلى كل واحد منهم، فإن انفرد أحدهم بالخطبة والصلاة - دون أن يكون إليه حكم بقضاء، أو شرطة أو إمارة على الجند، أو انفرد بالحكم بالقضاء، أو الشرطة، أو الإمارة على الجند، دون أن تكون إليه الخطبة والصلاة، لم يكن له في الصلاة على الجنازة حق؛ وكل من كان إليهم الحكم بوجه من الوجوه والصلاة، فوكيله عليهما جميعا بمنزلته في أنه أحق من الأولياء بالصلاة على الجنازة، وأما إن كان وكله على الحكم دون الصلاة، أو على الصلاة والخطبة دون الحكم، فلا حق له في الصلاة على الجنازة، وهذا مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، في المدونة. وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم: أن ذلك لكل من كانت إليه الخطبة والصلاة - يريد: وإن لم يكن إليه حكم، ولا يوجد ذلك لابن القاسم نصا، وظاهر ما في سماع ابن الحسن عن ابن وهب أن القاضي أحق بالصلاة على الجنازة من الأولياء، وإن لم تكن الصلاة إليه. وقال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: ليس لواحد من هؤلاء في الصلاة على الجنازة حق سوى الأمير المؤمر الذي تؤدى إليه الطاعة، فهي أربعة أقوال؛ ولا اختلاف في أنه لا حق في الصلاة على الجنائز لمن انفرد بالصلاة دون الخطبة والقضاء، أو بالحكم - دون القضاء، والخطبة، والصلاة، فهذا تحصيل هذه المسألة؛ وأولى الأولياء بالصلاة على الميت الابن، وابن الابن، وإن سفل، ثم الأب، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، وإن سفل، ثم الجد، ثم العم، ثم ابن العم، وإن سفل، ثم أب الجد، ثم بنوه، على هذا الترتيب؛ كولاية النكاح، وميراث الولاء؛ فإن استووا في القعد والقرب من الميت، فأعلمهم أولا، ثم أفضلهم، ثم

стр. 784

أسنهم، فإن استووا في العلم والفضل والسن، فأحسنهم خلقا؛ لقوله ﵊: «إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة القائم بالليل الظامئ بالهواجر» . فإن استووا في ذلك وتشاحوا في الصلاة عليه، أقرع بينهم. وقيل: يقدم أحسنهم خلقا، فإن أراد الأحق بالصلاة أن يقدم أجنبيا من الناس، أو بعيدا من الأولياء على من هو أقرب منه، فقد مضى في آخر أول رسم من سماع أشهب - الخلاف في ذلك. وأما إن أوصى الميت إلى أحد بالصلاة عليه، فهو أحق من الأولياء، ومن الوالي إن حضر، قاله ابن حبيب. وحكاه عن مالك. وروى ابن غانم عن مالك: أنه أحق من الولي. وحكى عنه سحنون في نوازله: أنه أحق منه، إلا أن يعلم أن بينه وبينه عداوة، وإنما أراد بذلك نقصه، فلا تجوز وصيته بذلك، وقع في سماع ابن غانم ونوازل سحنون في بعض الروايات. [مسألة: أوصى عند موته أن يكفن في ثوب واحد، فزاد ورثته في كفنه ثوبين] مسألة وسئل سحنون: عن رجل أوصى عند موته أن يكفن في ثوب واحد، فزاد ورثته في كفنه ثوبين، فقال بعض الورثة: لا نرضى، ونحن نرد هذه الزيادة؛ فقال: إن كان في مال الميت محمل لمثل كفنه الذي كفن فيه، فلا أرى عليهم ضمانا. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لا يلزم أن ينفذ من الوصايا إلا ما فيه قربة وبر، ولا قربة ولا فضيلة في أن يكفن الرجل في ثوب واحد، بل المستحب ألا يكفن في أقل من ثلاثة أثواب، كما كفن رسول الله ﷺ . وفي كتاب ابن شعبان: أنه إذا أوصى بشيء يسير في كفنه وحنوطه لم يكن

стр. 785

لبعض الورثة الزيادة فيه بغير ممالاة من جميعهم، وذلك عندي إذا أوصى بشيء يسير في قيمة الأكفان، دون أن ينقص من العدد في الثلاثة الأثواب؛ لأن الرخص في الكفن مستحب، والمغالاة فيه مكروهة؛ لأنه للمهلة كما قال أبو بكر ﵁. ولسحنون في كتاب ابنه: أنه إذا أوصى بسرف في كفنه، أو الحفر له، جعل في ثلثه الزائد على القصد، وهو بعيد لوجهين: أحدهما: أنه لم يرد بذلك الثلث، والثاني: أن ذلك مكروه لا طاعة فيه، ولا ينفصل من وصية الميت، إلا ما فيه طاعة. وقيل: إنه يرجع ميراثا، وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب. وهو الصواب على ما ذكرناه من أنه لا ينفذ من وصية الميت إلا ما كان فيه طاعة. [مسألة: الجنازة يحضرها الولي والقاضي] من سماع عبد الملك بن الحسن وسؤاله ابن وهب مسألة قال عبد الملك بن الحسن: سألت ابن وهب: عن الجنازة يحضرها الولي، والقاضي؛ هل يستحب للولي أن يقدم القاضي؟ أم تراه في سعة من ترك تقديمه؟ فقال: إذا حضر القاضي جنازة لم ينبغ لولي الميت أن يتقدم، والقاضي أولى وأحق؛ قيل له: فصاحب الشرطة، أهو عندك مثل القاضي في مثل هذا؟ قال: لا. قيل له: فالقرشي الذي له الحال والصلاح يحضر الجنازة، وولي الميت حاضر، أهو عندك بمنزلة القاضي؟ فقال: إذا كان على مثل ما وصفت من حاله، وممن ترجى بركة دعائه، فإني استحب لوليه أن يقدمه.

стр. 786

قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن وهب هذا، أن القاضي أحق بالصلاة على الجنازة من وليها - وإن لم تكن الصلاة والخطبة إليه، خلاف ما تقدم في نوازل سحنون، وقد تقدم هناك تحصيل القول في ذلك؛ وأما استحسانه لولي الميت أن يقدم القرشي الذي له الصلاة والفضل، فذلك حسن من الفعل؛ لأنه شفيع للميت، فينبغي أن يتوخى فيمن يتقدم للصلاة عليه من يرجى أن يشفع فيه. [مسألة: يمر بفلاة من الأرض فيجد رجلا ميتا لا يدري أمسلما أو نصرانيا] مسألة وسئل: عن الرجل يمر بفلاة من الأرض، فيجد رجلا ميتا لا يدري أمسلما أو نصرانيا؟ ما العمل فيه؟ قال ابن وهب: إذا لم يعلم، جر يده على ذكره من فوق الثوب، فإن كان مختونا، غسله وصلى عليه ودفنه، وإن لم يكن مختونا واراه. قال محمد بن رشد: وقال ابن حبيب: إنه يواريه ولا يغسله ولا يصلي عليه - وإن كان مختونا، إذ من النصارى من يختتن؛ ولو لم يعلم أن كان مسلما، أو كافرا، لواراه بلا غسل، قاله في سماع موسى بن معاوية. ولا اختلاف في هذا أعلمه، إذ قد علم أن اليهود يختتنون. [مسألة: الميت إذا حضرته الوفاة هل يستقبل به القبلة] مسألة وسئل ابن وهب: عن الميت إذا حضرته الوفاة، هل يستقبل به القبلة؟ فقال: نعم يستقبل به القبلة، فقيل له: فكيف يستقبل به القبلة؟ فقال: يجعل على شقه الأيمن - إن قدر على ذلك، كما يصنع به في اللحد، وإن لم يقدر على ذلك، جعل مستلقيا على قفاه - ورجلاه مما يلي القبلة.

стр. 787

قال محمد بن رشد: اختلف في التوجيه: فروي عن مالك أنه مستحب، وهو الذي عليه الجمهور؛ وروى علي بن زياد عن مالك، أنه قال في التوجيه: ما هو من الأمر القديم، وذلك نحو ما روي عن سعيد بن المسيب أنه أنكر ذلك على من فعله به في مرضه؛ وتأول ابن حبيب أنه إنما كره ذلك لاستعجالهم به قبل أن ينزل به أسباب الموت؛ والأظهر أنه كرهه بكل حال. والذي يدل أنه غير مشروع، أن ذلك لم يرو أنه فعل بالنبي ﷺ ولا بأحد من الصحابة المتقدمين الكرام، ولو كان ذلك، لنقل وذكر - والله أعلم. وإلى هذا نحا مالك في رواية علي بن زياد، لقوله ما هو بالأمر القديم. وأما صفته عند مالك، وجميع أصحابه، فعلى جنبه الأيمن، كما يجعل في لحده، وكما يصلي المريض الذي لا يقدر على الجلوس عندهم. واختلف الذين قالوا في المريض الذي لا يقدر على الجلوس، أنه يصلي على ظهره - ورجلاه إلى القبلة في التوجيه، فمنهم من قاسه على الصلاة، ومنهم من قاسه على جعله في قبره؛ لأن المعاينة سبب من أسباب الموت. فقياس التوجيه فيها على حال الموت، أولى من قياسه على الصلاة، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. [مسألة: الرجلين يكونان في السفر فيجنب أحدهما ويموت الآخر] مسألة وسئل: عن الرجلين يكونان في السفر، فيجنب أحدهما، ويموت الآخر - وليس معهما من الماء إلا ما يتطهر به واحد، قال: فالحي أولى بالماء من الميت، قيل: أيتيمم الميت؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: إنما كان الحي أولى بالماء من الميت، من أجل أن الميت لا يقاومه إياه، وإذا اغتسل الحي بالماء، كان عليه قيمة نصيب الميت منه لورثته - إن كانت له قيمة؛ وانظر لو أراد ورثته أن يقاوموه إياه، هل يكون ذلك لهم أم لا؟ وقد مضى في سماع سحنون، وموسى بن معاوية، من كتاب الوضوء، ما يوضح هذه المسألة ويبين معناه، فقف على ذلك هناك - وبالله التوفيق.

стр. 788

[مسألة: الجنائز هل ينادى بها في المساجد] مسألة قلت: فالجنائز هل ينادى بها في المساجد؟ قال: لا ينادى بها إلا على أبواب المساجد. قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما تقدم في رسم "حلف" من سماع ابن القاسم، وقد مضى هناك القول على ذلك بأوعب ما فيه، وبالله التوفيق. تم سماع عبد الملك بن الحسن بحمد الله. [لفرق بين الروح والنفس] البيان والتحصيل من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب القضاء العاشر قال أصبغ: سمعت عبد الرحيم بن خالد يقول: بلغني أن الروح له جسد، ويدان، ورجلان، وعينان، ورأس، يسل من الجسد سلا. قال محمد بن رشد: ذكر هذه الرواية عن عبد الرحيم بن خالد، أن الروح له جسد ويدان ورجلان وعينان ورأس، يسل من الجسد سلا. وحكى ابن حبيب عنه: أن النفس هي التي لها جسد ويدان وعينان ورأس تسل من الجسد سلا، وأن الروح هو النفس المتردد في الإنسان، ففرق عبد الرحيم بن خالد - فيما حكى ابن حبيب عنه - بين الروح والنفس، وسمى نفسا ما سماه في هذه الرواية روحا - وهو الجسد المجسد الذي

стр. 789

يحيا الجسم بكونه فيه، ويموت بإخراجه منه - وهو الصواب - أن النفس والروح اسمان لشيء واحد؛ وهو الذي يحيا به الجسم، وإن كان كل واحد منهما قد يقع بانفراده على مسميات لا يقع عليها الآخر، فيقع النفس على ذات الشيء وحقيقته؛ وعلى الدم، وعلى الحياة الموجودة بالإنسان، ويقع الروح على الملك، وعلى القرآن، وعلى النفس المتردد في الإنسان، وعلى الحياة الموجودة فيه وفي غيره من الحيوان، فإذا عبر بالنفس والروح عن شيء واحد، فالمراد به ما يحيا به الجسم، ويتوفاه ملك الموت، فيدفعه إلى ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب؛ وهو النسمة التي قال رسول الله ﷺ فيها: «إنما نسمة المؤمن طائر، يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» . فالنفس، والروح، والنسمة، شيء واحد؛ وقد يسمى الإنسان نسمة اتساعا ومجازا. والدليل على أن النفس والروح شيء واحد: أن الله ﵎ قال: ﴿يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] . وقال ﷺ ؛ إذ نام عن الصلاة في الوادي، حتى طلعت الشمس: «إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا» . فسمى ﷺ روحا ما سماه الله نفسا، وهذا بين، وإنما قلنا إنه هو الذي يحيا به الجسم، ولم نقل إنه الحياة الموجودة به؛ لأن الحياة الموجودة به معنى من المعاني، والمعاني لا تقوم بأنفسها، ولا يصح عليها ما وصف الله به الأنفس والأرواح في كتابه، وعلى لسان نبيه من القبض والإخراج والرجوع والطمأنينة والصعود والتنعيم والتعذيب. فمعنى قولنا: الذي يحيا به الجسم، أي: ما أجرى الله العادة بأن الجسم يحييه بكونه فيه،

стр. 790

ويميته بإخراجه منه؛ لأن ما يحيا به الجسم وجوبا لإعادة هي الحياة، ولا تكون إلا معنى؛ لأن الجواهر والأجسام لا توجب الأحكام في الأجسام، فإذا قلنا: إن النفس والروح شيء واحد، وإنه هو الذي أخبر الله تعالى أنه يتوفاه عند الموت وعند النوم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] . فقد قال بعض المتقدمين: إن قبضه في حال النوم - هو أن يقبض وله حبل ممدود إلى الجسم كشعاع الشمس، فإذا حرك الجسم رجع إليه الروح أسرع من طرف العين. والأظهر - عندي - في ذلك أن قبضه في حال الوفاة هو بإخراجه من الجسم، وقبضه في النوم، ليس بإخراج له من الجسد، وإنما معناه منعه من الميز والحس والإدراك، وقبضه عن ذلك، كما يقال: قبض فلان عبده، وقبض السلطان وزيره؛ إذا منعه مما كان مطلقا عليه - قبل، وإن لم يزله عن مكانه في الحقيقة، فالقبض على هذا، والتوفي في الوفاة حقيقة، وفي النوم مجاز، والله أعلم بحقيقة الصواب في ذلك كله، قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ... الآية، وبالله التوفيق. [مسألة: ولد المسلم يولد مخبولا أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل] مسألة قال أصبغ: وسألت ابن القاسم: عن ولد المسلم يولد مخبولا، أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل؛ قال: ما سمعت فيهم شيئا، إلا أن الله ﵎ يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] ،

стр. 791

فأرجو أن يجعلوا معهم، فأما من احتلم وجرى عليه القلم، ثم أصيب بعد ذلك، فإني سمعت بعض أهل العلم والفضل يقول: إنه يطبع على عمله بمنزلة من مات. قال محمد بن رشد: الذي يولد مخبولا أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل، فهو بمنزلة من مات صغيرا من أولاد المسلمين، إذ لم يلحق بالمكلفين، فهو مولود على الفطرة، وصائر بفضل الله ورحمته إلى الجنة، وما رجاه ابن القاسم بتأويل الآية من أن يلحقوا بآبائهم. فروي عن النبي، ﵊، روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في جنته، وإن لم يبلغها في العمل، لتقر بهم عينه". ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] » ... الآية. وأما من أصابه الخبل بعد أن احتلم، وجرى عليه القلم، فما حكي أنه سمعه من بعض أهل العلم فيه من أنه يطبع على عمله بمنزلة من مات - صحيح في المعنى؛ لارتفاع القلم عنه بالخبل، قال ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» فذكر فيهم: «المجنون حتى يفيق» . [مسألة: هلك فلم يكن له كفن فطلب له في الناس فجمع له عشرون درهما وعليه دين] مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول: عن مالك في رجل هلك فلم يكن له كفن، فطلب له في الناس فجمع له عشرون درهما،

стр. 792

فكفنه رجل من عنده، وبقيت الدراهم، فأراد غرماؤه أخذها، أو ورثته؛ قال: ليس هي لغرمائه ولا لورثته، وترد إلى أهلها. وقاله ابن القاسم، إلا أن يشاء ويسلموها لورثته، وأحب إلي لأصحابها أن يفعلوا. وفي سماع أبي زيد مثله عن ابن القاسم. قال محمد بن رشد: قوله إن العشرين درهما ترد إلى أهلها، هو مثل ما في كتاب المكاتب من المدونة - في المكاتب: إذا أعين في كتابته، ففضلت عنده فضلة مما أعين به، أنه يرد ذلك على الذي أعانوه أو يستحلهم منه - إذا كان ذلك منهم على وجه الفكاك لرقبته، ولم يكن صدقة عليه منهم، ومعارض لما في سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات في السائل يقف بالباب فيأمر له بدرهم فيجده قد انصرف: أنه يتصدق به ولا يسترجعه؛ فيأتي على قياس هذا في مسألة الكفن أن يجعل العشرين درهما أصحابها في كفن غيره، ولا يسترجعونها لأنفسهم مالا من مالهم، واستحب ذلك في سماع ابن القاسم من كتاب العارية في مسألة السائل، ولم يوجبه؛ فكذلك مسألة الكفن يستحب لأصحابها أن يجعلوا العشرين درهما في كفن مثله من غير إيجاب؛ وأما استحبابه لأصحابها أن يسلموها للورثة، ففيه نظر؛ لأنهم لم يقصدوا بذلك الصدقة على الورثة، والله أعلم وبه التوفيق. [أهل الحرب يغيرون على بعض ثغور الإسلام فيقتلون رجالا هل هم شهداء] ومن كتاب المجالس وسئل أصبغ: عن أهل الحرب يغيرون على بعض ثغور الإسلام، فيقتلون الرجال في منازلهم في غير معترك، ولا مجتمع، ولا ملاقاة؛ ما حالهم عندك، أحال الشهداء؟ أم كيف يصنع بهم؟ فقال لي: سمعت ابن القاسم يقول في هؤلاء: إنهم يغسلون ويصلى

стр. 793

عليهم، ويقول: لا يدفن بدمه وثيابه، وتترك الصلاة عليه، إلا من قتل في معترك ومزاحفة، فأما من قتله أهل الحرب في غير معترك، ولا مزاحفة، فلا. قال أصبغ: فسألت عن ذلك ابن وهب، فقال لي: هم شهداء حيث ما نالهم العدو بالقتل، في معترك أو مزاحفة؛ وهو رأي على ما قال ابن وهب، وهو كان أعلم بهذا وشبهه مما يشاكل الآثار والسنة من جميع أصحابنا. قيل لأصبغ: فسواء عندك ناصبوهم بالسلاح حين غشوهم في منازلهم، أو قتلوهم معافصة نياما، أو غافلين. قال أصبغ: نعم ذلك سواء، وهم شهداء، يصنع بهم ما يصنع بالشهداء. قيل: أرأيت إن قتلوا امرأة بالغة، أو صبية صغيرة، أهم عندك مثل الرجال البالغين؟ وبأي قتلة قتلوا فهم بتلك الحال، يصنع بهم ما يصنع بالشهداء في ترك غسلهم، والصلاة عليهم، وقتلوا بسلاح، أو بغير سلاح؟ قال: نعم، هم عندي سواء في جميع ما ذكرت. قال محمد بن رشد: المنصوص في المدونة مثل قول ابن وهب، وفيها دليل على مثل قول ابن القاسم. وجه قول ابن القاسم أن قتلى أحد الذين أمر رسول الله ﷺ بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، إنما قتلوا في المعترك. ووجه قول ابن وهب: أنه لما كان الذين قتلهم العدو في غير

стр. 794

المعترك لهم حكم المقتولين في المعترك في الشهادة، وجب أن يكون لهم حكمهم فيما سوى ذلك، مما يختص به المقتول في المعترك. [الميت هل يكفن في الحرير] ومن مسائل نوازل سئل عنها أصبغ وسئل أصبغ: عن الميت هل يكفن في الحرير؟ وعن لباس الملحم للرجال؟ وكيف بالقلنسية منه؟ قال أصبغ: لا يكفن الميت في حرير لا رجل ولا امرأة، إلا أن يضطروا إلى ذلك بموضع لا يوجد غيره؛ ولا يجوز لباس الملحم للرجال، لا قميص، ولا ساج، ولا قلنسوة، لا بما قل منه ولا بما كثر؛ لأنه لباس كله؛ ولو أن رجلا حلف ألا يلبس الحرير، أو الخز، فلبس منه قلنسوة، كان لباسا، وكان حانثا. قال محمد بن رشد: الملحم الثوب الخالص من الحرير، وسمي ملحما؛ لأنه ألحم فيه الحرير في الحرير، بخلاف الخز؛ لأنه ألحم فيه الخز في الحرير. وقوله "إنه لا يكفن في الحرير الرجال ولا النساء" هو مثل ما في المدونة من كراهيته الحرير والخز والمعصفر في أكفان الرجال والنساء. وإنما كره الحرير في أكفان النساء - وإن كان من لباسهن في حال الحياة؛ لأنه من الزينة، فجاز في الحياة دون الموت كالحلي؛ ولأنه قد قيل: إنه حرام على الرجال والنساء، وممن ذهب إلى ذلك عبد الله بن الزبير، تعلقا بعموم قول النبي - عليه

стр. 795

الصلاة والسلام -: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة» . وروي عنه ﵁ أنه خطب، فقال: يا أيها الناس، لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة» . قال ابن الزبير: وأنا أقول: من لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] . وليس تأويل ابن الزبير كما تأول؛ لأنه قد روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة، ولو دخل الجنة يلبسه أهل الجنة ولا يلبسه هو» . وأجاز ابن حبيب أن يكفن في الحرير والخز والمعصفر النساء دون الرجال؛ لأن ذلك من لباسهن في الحياة، وقد وسع في سماع ابن وهب في ذلك للرجال؛ لأن العبادة قد ارتفعت عنهم، فأشبهوا الصبيان، وفي ذلك بعد؛ لأن العبادة - وإن كانت قد ارتفعت عنهم، فأولياؤهم متعبدون فيهم، فلا ينبغي لهم أن يقلبوهم إلى ربهم بعد وفاتهم، بما حرم عليهم لباسه في حياتهم؛ فهي ثلاثة أقوال، القياس منها قول ابن حبيب، وقول مالك استحسان، وما في سماع ابن وهب توسعة بعيدة. [مسألة: الشهيد إذا عراه العدو أيكفن] مسألة وسئل: عن الشهيد إذا عراه العدو، أيكفن؟ فقال: نعم، أرى ذلك حسنا؛ قيل: فإن استشهد وعليه ثيابه - وفيها ما يجزئه - فأراد

стр. 796

أولياؤه أن يزيدوه كفنا على ثيابه، فقال: ما أرى به بأسا يفعلون - إن شاءوا. قال محمد بن رشد: قوله في تكفين من عراه العدو من الشهداء أن ذلك حسن، لفظ فيه تجاوز وتسامح، بل ذلك لازم لا رخصة في تركه. ومما يدل على ذلك: أن رسول الله ﷺ كفن الشهداء يوم أحد اثنين في ثوب، فلو كان ترك تكفينهم واسعا، لما جمع منهم اثنين في ثوب، ولكفن من وجد ما يكفنه فيه وترك من لم يجد - والله أعلم؛ وأما الزيادة على ثيابه - إذا كان فيها ما يجزئه، فلا بأس به كما قال، إذ إنما الكراهية في أن ينزع عنهم ثيابهم، لقوله ﷺ : «زملوهم بثيابهم» . [مسألة: العلة في ترك الصلاة على الشهيد] مسألة قيل: من أي وجه تركت الصلاة على الشهيد؟ فقال: هي السنة، من فعل رسول الله، ﷺ . قال محمد بن رشد: وإن كانت هي السنة، فلا يمتنع أن تعلل السنن إذا وجد لها علة، والعلة في ترك الصلاة على الشهيد، أن الصلاة على الميت شفاعة له، ولا يشفع إلا للمذنبين؛ والشهداء قد غفرت ذنوبهم، وصاروا إلى كرامة الله ورحمته وجنته أجمعين، فارتفعت حالهم عن أن يصلى عليهم، كما يصلى على سائر موتى المسلمين - والحمد لله رب العالمين؛ ولهذا لم يصل على النبي، ﵊، وإنما كان الناس يدخلون عليه أفواجا فيدعون وينصرفون. وقد روي عن ابن وهب: أنه قال: كيف يصلى على

стр. 797

حي؟ وهذا اعتلال فيه نظر، إذ لا شك في أنهم قد ماتوا وخرجوا من الدنيا، وصاروا في عداد الموتى ووجب أن تنكح نساؤهم، وتقسم أموالهم، فليس كون أرواحهم حية عند الله، بمانع من الصلاة عليهم، كما لا يمنع ذلك من الصلاة على سائر المؤمنين، وإن كانت لحياتهم مزية بأنهم عند ربهم يرزقون، ويأكلون في الجنة وينعمون، وعند النفخ في الصور لا يفزعون، ولا يخمدون، ولا يصعقون. وأبو حنيفة يرى أن يصلى على الشهيد، ومن حجته ما روي أن رسول الله ﷺ صلى يوم أحد على حمزة، وقد سئل مالك عن ذلك، فقال: ما سمعت، وأما غسله فلا اختلاف أحفظه في أنه لا يغسل. [مسألة: الرجل يأتي إلى الرجل في كفن يبتاعه] مسألة وسئل أصبغ: عن الرجل يأتي إلى الرجل في كفن يبتاعه منه، فيقول له: إن الرجل لم يمت بعد، فأخذه منه بثمن قد سماه، واشترط المبتاع على البائع - إن مات، وإلا رددته؛ قال: لا يجوز، قيل له: فإن فات، قال: فلصاحب الكفن القيمة؛ قيل: فإن كانت القيمة أقل، قال: لم يكن له إلا القيمة؛ قيل له: فإن كانت أكثر، قال: فله الأكثر، إلا أن يشاء أن يمضيه له بذلك الذي واجبه عليه، قيل: فإن الثياب أخذت لنصراني، أترى إن ردت الثياب أن يطهرها؟ قال: أراه خفيفا، وما أرى أن تغسل إلا أن تلبس. قال محمد بن رشد: قوله إن البيع على هذا الشرط لا يجوز صحيح، وقوله فإن فات فلصاحب الكفن القيمة - بالغة ما بلغت، كانت أقل من الثمن أو أكثر، معناه: إن فات بأن كفن فيه الميت ومضى، وأما إن فات قبل موته،

стр. 798

فمصيبته من ربه، إلا أن يتلف بيد المبتاع، ولا يعلم تلفه إلا بقوله، فيلزمه فيه القيمة؛ لأنه إنما هو كرجل اشترى سلعة من رجل بثمن معلوم، إن مات فلان من مرضه، فهو عقد فاسد، يجب أن يفسخ، وترد السلعة إلى بائعها؛ فإن تلفت قبل موت فلان، فمصيبتها من البائع - وإن كانت بيد المبتاع، إلا ألا يعلم تلفها إلا بقوله، فتلزمه فيها القيمة، وإن تلفت أو فاتت بعد موت فلان، بما تفوت به البيوع الفاسدة، صحح البيع فيها بالقيمة، بالغة ما بلغت؛ فهذا وجه القول في هذه المسألة، وليست من بيوع الثنيا، فيكون للمبتاع فيها أن يسقط الشرط، ويلتزم البيع، كما يكون له ذلك في بيوع الثنيا، لما للبائع في هذا الشرط من الحق، إذ لم ينعقد به البيع إلا بموت فلان. وقوله إن الثياب إن كانت أخذت للنصراني وردت، فلا تغسل إلا أن تلبس، صحيح على ما في المدونة من الفرق بين ما نسج النصارى، أو لبسوا - وبالله التوفيق. [مسألة: أدرك الإمام على الجنازة وهو ممن يكبر خمسا ففاتته تكبيرتان] مسألة قال أصبغ، في رجل أدرك الإمام على الجنازة وهو ممن يكبر خمسا، ففاتته تكبيرتان، قال أصبغ: يكبر معه الثلاثة ويحتسب بالخامسة؛ فإذا سلم الإمام، كبر واحدة، فصارت له أربعا، ولا يكبر الخامسة؟ قال سحنون: وقال أشهب: لا آمر أن يكبر هذا الذي فاته بعض التكبير مع الإمام الخامسة، فإن كبرها معه لم تجزه، ورأيت إذا سلم الإمام أن يقضي ما فاته من التكبير. قال محمد بن رشد: قول أشهب هو القياس على مذهب مالك؛ لأن التكبيرة الخامسة إذا كانت عنده زائدة في الصلاة، لا يراعى قوله فيها إنه

стр. 799

لا يتبع الإمام فيها إذا لم يفته من التكبير معه شيء، كما قال في رسم " الشجرة " من سماع ابن القاسم؛ فلا يصح أن يكبرها معه، ويعتد بها مما فاته؛ لأن أرفع أحوالها أن يحكم لها بحكم النافلة؛ ومن مذهبه أنه لا يجوز لمن يصلي فريضة أن يأتم بمن يصلي نافلة، فكيف بمن يصلي ما يكره له أن يصليه؟ وفي الواضحة لمالك من رواية ابن الماجشون عنه مثل قول أشهب - وهو قول مطرف؛ وأما قول أصبغ فهو استحسان على غير قياس، مراعاة لقول من يرى أن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة الإمام في الفرائض، فاستخف ذلك في صلاة الجنائز؛ إذ (ليست بفرض) عليه، وإنما هي له نافلة، إذ قد صحت الصلاة على الميت بصلاة الإمام ومن معه سواء، وبالله تعالى التوفيق، والصلاة على محمد وآله. تم كتاب الجنائز بحمد الله وحسن عونه الجميل

стр. 800

[كتاب الصيام والاعتكاف] [ مسألة: المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها فيطلقها زوجها قبل أن ترجع إلى المسجد] من سماع عبد الرحمن بن القاسم من مالك من كتاب أوله سلعة سماها قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها، فيطلقها زوجها قبل أن ترجع إلى المسجد، أين تعتد؟ قال: إنما هو بمنزلة ما لو طلقها في المسجد، فإذا طلقها في المسجد لم ينبغ لها أن تخرج من المسجد حتى تتم اعتكافها؛ فهذه ينبغي لها أن ترجع إلى المسجد حتى تتم اعتكافها. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المعتكفة إذا حاضت في اعتكافها فخرجت إلى منزلها، لا ينتقض اعتكافها، فتكون إذا طهرت مبتدئة لاعتكاف، بل هي باقية في حرمة الاعتكاف الذي دخلت فيه، قيل في حرمته كله، وهو قول سحنون، وقيل في حرمته من جهة لذي الرجال خاصة، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم، فإذا طهرت، رجعت إلى تمامه، فوجب أن

стр. 801

يكون حكم طلاق زوجها إياها بعد أن دخلت في الاعتكاف في حال الطهر أو الحيض، سواء فيما يلزمها من التمادي على اعتكافها الذي قد سبق وجوب العدة عليها؛ لأن الاعتكاف إذا سبق العدة، لم تخرج منه حتى ينقضي اعتكافها، كما أن العدة إذا سبقت الاعتكاف، لم تخرج منها إلى الاعتكاف حتى تنقضي عدتها، وإن كان اعتكافا واجبا عليها في أيام بأعيانها، قد كانت نذرت اعتكافها - قاله بعض شيوخ القرويين، وهو صحيح، فقف عليه، وإذا طهرت في بعض يومها فرجعت إلى المسجد، فلا تمسك عن الأكل بقية يومها، ولا تعتد به في اعتكافها، إلا أن تطهر قبل الفجر، فتنوي صيام ذلك اليوم، وتدخل معتكفها - حينئذ، وهي رواية ابن وهب عن مالك؛ وقيل: إنها لا تعتد بذلك اليوم إلا أن تطهر قبل الغروب، وتدخل معتكفها حينئذ في الوقت الذي يبتدئ المعتكف فيه باعتكافه، وهو قول سحنون. وقد قيل: إنها إذا طهرت في بعض النهار، لا ترجع إلى المسجد بقية يومها، قياسا على قول ابن القاسم في الذي يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فيمرض فيها ثم يصح فيغشاه العيد قبل أن يتم اعتكافه، إنه يخرج إلى العيد، ولا يرجع ذلك اليوم من أجل أنه غير صائم، فتدبر ذلك. [مسألة: ينذر صيام يوم الخميس فيمر يوم الخميس وهو غير ذاكر له] مسألة وسئل: عن الذي ينذر صيام يوم الخميس، فيمر يوم الخميس - وهو غير ذاكر له، فإذا كان يوم الجمعة، أصبح صائما - وهو يرى أنه يوم الخميس، أترى أن يجزئه من قضاء صيام يوم الخميس الذي جعله عليه؟ قال: نعم، إني أرجو أن يجزئه - إن شاء الله - من صيامه؛ وإني لأكره للرجل أن يجعل على نفسه الشيء، هكذا يصومه حتى كأنه فريضة، ولكن يصوم ولا يجعل على نفسه شيئا؛ فإن شاء صام، وإن شاء أفطر.

стр. 802

قال محمد بن رشد: قوله في الذي أصبح يوم الجمعة صائما يرى أنه الخميس الذي كان نذر صيامه، أنه يجزئه من قضائه صحيح؛ لأن صوم يوم الخميس واجب عليه كوجوب قضائه، فناب في النية فرض عن فرض، وذلك مثل قولهم في الأسير يخطئ في الشهور، فيصوم شوالا - وهو يرى أنه رمضان، فلا اختلاف بينهم في أنه يجزئه؛ وستأتي متكررة في رسم "سلف"، ورسم "جاع" من سماع عيسى، وكراهيته أن ينذر على نفسه صيام يوم بوقته أبدا، هو مثل ما في المدونة، وإنما كره ذلك لمشقة تكرره، وقد يسهو عنه، أو لعله يفرط فيه مع طول المدة فيأثم، والله أعلم. [مسألة: نذر صياما بمكة أو ببلد من البلدان رجا فيه الفضل] مسألة وسئل مالك: عمن نذر صياما بمكة، أو بالمدينة، أو بعسقلان، أو بالإسكندرية، أو ببلد من البلدان، رجا فيه الفضل؟ قال: قال مالك: من نذر صياما في مثل المدينة، ومكة، وساحل من السواحل ترجى بركة الصيام فيه، فإني أرى ذلك عليه، ومن نذر في غير ذلك مثل العراق، وما أشبهه، فلا أرى أن يأتيه. قال ابن القاسم: ومعنى قوله: إنه يصوم ذلك الصيام بمكانه الذي هو فيه. قال محمد بن رشد: فهذا مثل ما في المدونة، والأصل فيه قوله ﵊: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه» . فمن نذر أن يصوم في موضع يتقرب إلى الله بالصيام فيه، لزمه الخروج إليه؛ ومن نذر أن يصوم في موضع لا قربة لله في الصيام فيه، صام بموضعه ولم يخرج إلى ذلك الموضع؛ إذ ليس لله في ذلك طاعة، وهذا ما لا اختلاف فيه - وبالله التوفيق.

стр. 803

[مسألة: عن المعتكف يرقع ثوبه في المسجد ويكتب المصاحف] ومن كتاب أوله شك في طوافه مسألة وسئل مالك: عن المعتكف يرقع ثوبه في المسجد، ويكتب المصاحف؛ قال: ليس هذا من شأن المعتكف، ليرقع قبل أن يدخل، ويكتب المصاحف إن أحب؛ ورأيته يرى أن وجه من يريد الاعتكاف أن يكون في مؤخر المسجد ورحابه. قال محمد بن رشد: قوله ليرقع قبل أن يدخل، ويكتب المصاحف إن أحب؛ معناه ليرقع ويكتب المصاحف قبل أن يدخل إن أحب، وهذا على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، الذي يرى أن الاعتكاف يختص من أعمال البر بذكر الله تعالى، وقراءة القرآن والصلاة. وأما على مذهب ابن وهب الذي يبيح للمعتكف جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، فيجيز له مدارسة العلم، وعيادة المرضى في موضع معتكفه، والصلاة على الجنائز - إذا انتهى إليه زحام الناس الذين يصلون عليها، فيجوز له أن يكتب المصاحف للثواب، لا ليتمولها، ولا على أجرة يأخذها؛ إلا ليقرأ فيها، وينتفع بها من احتاج إليها، وأما ترقيعه ثوبه فمكروه، ولا ينتقض به اعتكافه إذا كان شيئا خفيفا. [مسألة: الاعتكاف يوما أو يومين] مسألة وسئل مالك: عن الاعتكاف يوما أو يومين، قال: ما عرفت هذا من اعتكاف الناس؛ قال ابن القاسم: قد سئل عنه قبل ذلك فلم ير به بأسا، وأنا لست أرى بأسا؛ لأن الحديث قد جاء أدنى الاعتكاف يوم وليلة.

стр. 804

قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك في أدنى الاعتكاف: فمرة قال أدناه يوم وليلة، ومرة قال أدناه عشرة أيام؛ وهو اختلاف في أدنى ما يستحب للرجل أن يعتكفه، إذ لا يقول أحد إن من نذر أن يعتكف ما دون عشرة أيام، يلزمه اعتكاف عشرة أيام على القول بأن أدنى الاعتكاف عشرة أيام، فبان بذلك ما قلناه؛ ويتصور الاختلاف في وجه آخر أيضا - وهو أن من نذر اعتكافا مبهما غير محدود، ودخل فيه ولم ينو شيئا، يلزمه يوم وليلة على القول بأن أدنى الاعتكاف يوم وليلة، أو عشرة أيام على القول بأن أدنى الاعتكاف عشرة أيام. وقال ابن حبيب: أدنى الاعتكاف في الاستحباب يوم وليلة، وأعلاه في الاستحباب عشرة أيام، فجعل أعلاه في الاستحباب عشرة أيام على القول بأن أدناه يوم وليلة. ولم يتكلم في أعلاه في الاستحباب، على القول بأن أدناه عشرة أيام؛ والذي يصح أن يقال على هذا القول في أعلاه: إنه شهر كامل، ولا يستحب لأحد أن يعتكف أكثر من شهر، بل يكره ذلك له مخافة ألا يفي بشروطه. وقد «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» . [مسألة: المعتكف يخرج ليلة الفطر من اعتكافه هل عليه إعاد] مسألة وسئل مالك: عن المعتكف يخرج ليلة الفطر من اعتكافه، أترى عليه إعادة؟ قال: لا. قال سحنون: لا أقول ما قال، وأرى ذلك يفسد اعتكافه؛ لأن ذلك سنة مجتمع عليها ألا يخرج وأن

стр. 805

يبيت في معتكفه حتى يصبح. وقال عبد الملك بن الماجشون بقول سحنون: إن ذلك يفسد اعتكافه، قال: وإن أصاب أهلا، أو فعل ما ينقض اعتكافه في ليلة الفطر، كان ذلك ناقضا لاعتكافه؛ لأنها من اعتكافه، له فيها ما للمعتكف، وعليه ما عليه؛ وقاسها ابن الماجشون بركعتي الطواف، وقال: هو من بابه وجدت الطواف ينقضي بالركعتين، ووجدته إن انتقض وضوؤه في الركعتين أو قبلهما، انتقض طوافه، وقد يرى أنهما ليستا من أشواطه السبعة، كما أن ليلة الفطر ليست من ليالي صومه، والاعتكاف لا يكون إلا بصومه. قال محمد بن رشد: قد احتج ابن الماجشون لقوله، وقول مالك أظهر، ووجهه: أن ليلة الفطر ليست من العشر الأواخر، فلو أن رجلا حلف ألا يكلم فلانا في العشر الأواخر، فكلمه بعد غروب الشمس من ليلة الفطر لم يحنث؛ فكذلك من نوى اعتكاف العشر الأواخر، ودخل فيها أو نذرها، لما يلزمه المقام ليلة الفطر في اعتكافه بموجب نذره، وإنما يؤمر بذلك اتباعا لفعل النبي ﷺ ؛ فإن لم يفعل فقد قضى ما لزمه من الاعتكاف، وقصر في ترك السنة؛ إذ ليس في مقام رسول الله ﷺ ليلة الفطر في معتكفه، ما يدل على أن الليلة من العشر، ولا أن لها حكم العشر، إذ قد زاد ﷺ في كثير من الشرائع زيادات، فكانت سننا فيها، ولم يكن لها حكمها في الوجوب؛ من ذلك سنن الوضوء، ورفع اليدين في الإحرام، والركعتان عند الإهلال؛ وقد اشترى ﷺ من جابر بن عبد الله جملا فقضاه الثمن وزاده زيادة، فلم يكن على من اشترى شيئا، أن يزيد البائع عند القضاء؛ وإن زاد لم يكن للزيادة حكم الثمن المزيد عليه في جميع أحواله، وفي دون هذا كفاية، ولما كانت زيادة الليلة في الاعتكاف تختص باعتكاف العشر الأواخر دون ما سواه من الاعتكاف، ضعف قياس ذلك على ركعتي الطواف، لكونهما أصلا في كل

стр. 806

طواف، لا يختص بطواف دون طواف؛ وقد ذهب ابن لبابة إلى أن على كل معتكف أن يزيد في اعتكافه ليلة يخرج في صبيحتها من اعتكافه على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري من قوله فيه: «وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه» وهو شذوذ من القول، لا متابع له عليه من الفقهاء؛ لأن أكثر الرواة يقولون في الحديث «وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه» - وبالله التوفيق. [مسألة: النقص من قيام رمضان] مسألة وسمعت مالكا - وذكر أن جعفر بن سليمان أرسل إليه يسأله أن ينقص من قيام رمضان، قال: فنهيته عن ذلك؛ فقيل له: أفتكره ذلك؟ قال: نعم - وقد قام الناس هذا القيام، فقيل له: فكم القيام عندكم؟ قال: تسعة وثلاثون ركعة بالوتر. قال محمد بن رشد: لما كان قيام رمضان مرغبا فيه، لقوله ﷺ : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . وكان للجمع فيه أصل للسنة، وكان العمل قد استمر فيه على هذا العدد من يوم الحرة إلى زمنه، وذلك أن عمر بن الخطاب كان أمر أبي بن كعب، وتميما الداري، أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، فكانا يطيلان القيام، حتى لقد

стр. 807

كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا في فروع الفجر؛ فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمرهما أن يزيدا في عدد الركوع، وينقصا من طول القيام؛ فكانا يقومان بالناس بثلاث وعشرين ركعة، وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثمان ركعات؛ فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة، رأى الناس أنه قد خفف، فكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، ثم شكوا ذلك لما اشتد عليهم، فنقصوا من طول القيام، وزادوا في عدد الركوع، حتى أتموا تسعا وثلاثين ركعة بالوتر، ومضى الأمر على ذلك من يوم الحرة، وأمر عمر بن عبد العزيز أن يقوموا بذلك، وأن يقرءوا في كل ركعة بعشر آيات، فكره مالك أن ينقص من ذلك، إذ لا ينبغي أن يحمل الناس على انتقاص الخير، وإنما ينبغي أن يرغبوا في الازدياد فيه، ويحملوا على ذلك إن أمكن، وكان بالناس عليه طاقة، وإليه نشاط، وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: صيام العبد بغير إذن سيده] ومن كتاب الشجرة مسألة وسئل: عن صيام العبد بغير إذن سيده، قال: لا بأس بذلك، إلا أن يكون مضرا بسيده. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العبد مكلف، مثاب على طاعته، فليس لسيده أن يمنعه مما يثاب عليه، ولا يضر به؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» ، فإذا لم يكن لسيده أن يمنعه، لم يكن عليه أن يستأذنه. وكذلك خادم الخدمة، بخلاف الزوجة، والسرية، وأم الولد، إلا أن يكون غائبا أو مسنا لا ينبسط للنساء، فلا إذن عليهن؛ وذلك

стр. 808

في صيام التطوع، وما أوجبوه على أنفسهم من نذر، أو كفارة يمين، أو ظهار، أو فدية أداء، أو جزاء صيد في الإحرام، أو الحرم، وقد قيل: إنه إذا أذن له في النكاح، كان له أن يصوم في الظهار، وإن كان ذلك مضرا بسيده، كما إذا أذن له في الإحرام، فأصاب خطأ ما أوجب عليه الصيام، والأول أظهر؛ لأنه وإن أذن له في النكاح، فهو أدخل على نفسه الظهار، فهو بمنزلة إذا أذن له في الإحرام فأصاب عمدا ما أوجب عليه الصيام. وأما قضاء رمضان، فلا إذن عليهم فيه، وإذا أذن لهم في صيام التطوع، لم يكن له أن يرجع في الإذن؛ وإذا صاموا بإذنه، فلا يجوز لهم الفطر إلى الليل، وبالله التوفيق. [مسألة: المؤذن يعتكف أيؤذن فوق المنار] ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان مسألة وسئل مالك: عن المؤذن يعتكف، أيؤذن فوق المنار؟ قال عيسى به وضعفه؛ وقال: وما رأيت مؤذنا يعتكف، وكأنه كره الأذان له؛ وقال ابن القاسم: وقد سمعته يكرهه غير مرة، ويجيزه. وجل رأيه فيما أعلم - الكراهية؛ وقوله: في الكراهية أحب إلي. قال محمد بن رشد: القولان في المدونة، والكراهة أجرى على أصله في أن الاعتكاف يختص من أعمال البر بذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن. وقد مضى ذلك في رسم "شك في طوافه". [مسألة: المعتكف ينصرف إلى منزله لأخذ طعامه] ومن كتاب طلق بن حبيب مسألة وسئل عن المعتكف: ينصرف إلى منزله لأخذ طعامه، قال: لا يعجبني ذلك. قيل له: أيغتسل في موضعه للجمعة الذي يخرج فيه

стр. 809

لحاجته، قال: لا بأس بذلك؛ ولغير الجمعة - إن أحب ذلك - تَبَرُّدًا أو غير ذلك، فلا بأس عليه في الغسل؛ ولقد كان رجال من أهل الفضل يغتسلون في كل يوم لرواحهم، منهم: عامر بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، كانوا يغتسلون كل يوم. قال محمد بن رشد: كراهيته للمعتكف أن ينصرف إلى منزله لأخذ طعامه، معناه: إذا كان له من يكفيه ذلك؛ وأما إذا لم يكن له من يكفيه ذلك، فلا يكره له ذلك؛ لأنه مضطر إليه، لكنه يكره له أن يدخل في الاعتكاف - إذا لم يكن له من يكفيه ذلك - على أحد قولي مالك في المدونة، فاختلاف قوله فيها إنما يعود إلى الدخول في الاعتكاف إذا لم يكن له من يكفيه الخروج عن طعامه، فمرة أجاز ذلك له، ومرة كرهه له، ورأى ترك الاعتكاف خيرا له. وأما إذا دخل فيه، فلا اختلاف في أن له أن يخرج عن طعامه - إذا لم يجد من يسوقه إليه؛ لأنه مضطر إلى ذلك، ولا يقطع اعتكافه؛ لأنه قد لزمه. وأما خروجه للغسل إلى الموضع الذي يخرج فيه لحاجة الإنسان، فذلك جائز، إذ لا يصح له فعله في المسجد، وهو مما له أن يفعله تبردا - وإن لم يكن واجبا عليه؛ لأن ذلك يعينه على ما هو فيه، ولأنه من النظافة المشروعة في الدين - وبالله التوفيق. [مسألة: ينظر إلى أهله في رمضان على غير تعمد فيخرج منه المذي] مسألة وسئل: عن الذي ينظر إلى أهله في رمضان على غير تعمد منه، فيخرج منه المذي، ماذا ترى عليه؟ قال: أرى أن يقضي يوما مكانه، ولقد كان رجل من أصحابنا من أهل الفضل إذا دخل رمضان، لا يدخل بيته حتى يمسي، خوفا على نفسه من أهله. قال ابن القاسم:

стр. 810

وسمعت مالكا قال: ليس على من قبل امرأته في رمضان قضاء، إلا أن يكون أنعظ ووجد اللذة، فعليه القضاء - وإن لم يمذ إذا كان ذلك حرك منه اللذة التي وجدها؛ وإن أمذى فعليه القضاء؛ قال عيسى: قال ابن القاسم: إذا قبل فلا شيء عليه، أنعظ أو لم ينعظ ما لم يمذ، وإذا باشر فأنعظ فعليه القضاء، أمذى أو لم يمذ؛ أنكر سحنون قول ابن القاسم هذا - ولم يره شيئا. قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة: أنه إن نظر قاصدا إلى التلذذ بالنظر، أو تذكر - قاصدا إلى التلذذ بذلك؛ أو لمس، أو قبل، أو باشر فسلم، فلا شيء عليه؛ وإن أنعظ ولم يمذ، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن عليه القضاء - وهي رواية ابن القاسم. والثاني: أنه لا شيء عليه، وهي رواية أشهب عن مالك في المدونة. والثالث: الفرق بين ما بين المباشرة، وما دونها من قبلة، أو لمس، فإن أنعظ من مباشرة فعليه القضاء، وإن أنعظ فيما دونها فلا قضاء عليه، وهو قول ابن القاسم الذي أنكره سحنون؛ وإن أمذى فعليه القضاء. وإن أنزل، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن عليه القضاء والكفارة - وهو قول مالك في المدونة في القبلة، والملامسة، والمباشرة؛ والنظر، والتذكر للذة، محمولان على ذلك. والثاني: أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه، إلا أن يتابع حتى ينزل، وهو قول أشهب، وأصح الأقوال؛ لأن الكفارة لا تجب إلا على من قصد انتهاك حرمة الصوم، وهذا لم يفعل إلا ما وسع له فيه، فغلبه الإنزال. والثالث: الفرق بين اللمس، والقبلة، والمباشرة، وبين النظر، والتذكر، فإن لمس أو قبل، أو باشر فأنزل، فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يتابع ذلك؛ وإن نظر وتذكر فأنزل، فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ إلا أن
следующие страницы →