Полный текст (9 112 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.
стр. 7736
قال ابن القاسم: وإن كان الابن صغيرا في حجر أبيه أو صبيان المعلم كذلك لم يبلغوا الحلم ومتعلم الصانع صغيرا أيضا لم يبلغ الحلم ولم تجر الحدود عليهم فمن قتل منهم بأمر من يليه ويلزمه أن يطيعه فإن الآمر يقتل، ويكون على عاقلة الصبي المأمور نصف عقل المقتول، وإن كثر الصبيان المأمورون بالقتل قتل الآمر وقسم العقل على عواقل الصبيان، وإن لم يصر على كل صبي في نصيبه من العقل الأقل من ثلث الدية فإن العاقلة تحمله، ومن سماع أصبغ من ابن القاسم، قال أصبغ: لا أرى أن يقتل أبو الصبي إذا كان الصبي قد بلغ مبلغ العقل مثله يعرف ويتناهى عن ما ينهى عنه بمعرفة مثل اليفاع والمراهق وما أشبه فهو كالخطأ وهو كغير ولده لو أمره بذلك، وهو على عاقلته، ولا قتل على واحد منهم وذلك إذا كان أمره بالقتل بإرسال وأمر يغيب عليه دونه، فأما أن يحضره ويأمره بالقتل وهو مشدد ذلك له إما بإمساك وإما بإشلاء فهو قاتل حينئذ بأمر بين أبا كان أو غيره، كما لو اجتمع اثنان أجنبيان على قتل رجل وقد صمدا لذلك صمدا أو أخذ يباشر الضرب أو الجرح بيده يحد لحديده أو غيره والآخر يقول " اقتل اقتل " قتلا جميعا، وقد نزلت هذه بأصحابنا عندنا ومشايخنا الفقهاء متوافرون فرأوا أن يقتل بقوله " اقتل " إذا كان على هذه الصفة.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة تشتمل على ست مسائل: إحداها: أن يأمر الرجل رجلا حرا أو عبدا لغيره بقتل رجل فيقتله، والثانية: أن يأمر الرجل عبده بقتل رجل فيقتله، والثالثة: أن يأمر الإمام بعض أعوانه بقتل رجل ظلما فيقتله، الرابعة: أن يأمر الرجل ابنه الذي في حجره ومن بلغ الحلم بقتل رجل فيقتله أو الصانع لمتعلميه والمؤدب لمن يؤدبه والخامسة: أن يكون مراهقا لم يبلغ الحلم مثله يتناهى عما ينهى عنه، والسادسة: أن يكون ذلك في السن في
стр. 7737
حد الإثغار أو فوقه، فأما إذا أمر الرجل رجلا آخر أو عبدا لغيره بقتل رجل فقتله فلا اختلاف في أنه يقتل القاتل ويضرب الآمر مائة ويسجن سنة، وأما إذا أمر الرجل عبده بقتل رجل فقتله فإنهما يقتلان جميعا عند ابن القاسم، ثم يختلف في ذلك قوله: كان العبد فصيحا أو أعجميا، وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن ابن وهب كان يقول من أمر عبده الأعجمي بقتل رجل فقتله فعلى السيد وحده القتل وعلى العبد جلد مائة وحبس سنة، وأما عبده الفصيح فالقتل على العبد وحده ويجلد السيد مائة ويسجن سنة، قال أصبغ: وهو استحسان، وقولنا أن يقتلا جميعا السيد والعبد كان أعجميا أو فصيحا، وأما إذا أمر الإمام بعض أعوانه بقتل رجل ظلما فقتله فلا اختلاف في أنهما يقتلان جميعا، وأما إن أمر الأب ابنه الذي في حجره وقد بلغ الحلم أو أمر الصانع بعض متعلميه ممن قد بلغ الحلم أو المؤدب بعض من يعلمه ممن قد بلغ الحلم بقتل رجل فقتله، فاختلف في ذلك قول ابن القاسم، روى يحيى عنه في هذه الرواية أنه يقتل القاتل ويبالغ في عقوبة الآمر، وروى سحنون عنه أنهما يقتلان جميعا، وأما إن كان مراهقا لم يبلغ الحلم مثله يتناهى عما ينهى عنه فإن الآمر يقتل ويكون على عاقلة الصبي القاتل نصف عقل المقتول عند ابن القاسم، فإن كثر الصبيان المأمورون كانت الدية على عواقلهم وإن لم يصر على عاقلة كل واحد منهم إلا أقل من ثلث الدية، وقد كان ابن القاسم يقول: إن على عاقلة الصبي الدية كلها. قال أبو محمد: ولا يعجبني، قال أبو محمد: يريد: ولا يؤدب، وقال أصبغ: من رأيه في هذه الرواية لا قتل على واحد منهما، وهو من الخطأ كما لو أمر غير ولده بذلك، قال في كتاب ابن المواز: ويضرب الآمر مائة سوط ويسجن سنة، ويضرب الغلام ضربا صالحا بقدر احتماله إلا أن يكون الأب أو المعلم أو المؤدب مباشرا لذلك ومسددا له ومغريا به فحينئذ يجب القتل عليه، وأما إن كان دون ذلك في السن فلا اختلاف في أن الآمر يقتل، ويكون على عاقلة الصبي الصغير نصف العقل، وبالله التوفيق.
стр. 7738
[مسألة: وطئ امرأة بملك اليمين ممن تحرم عليه بالرضاعة]
مسألة قال عيسى: قال لي ابن القاسم: كل من وطئ امرأة بملك اليمين ممن تحرم عليه بالرضاعة من أم أو ابنة أو أخت أو ما كان ممن يشبههن فلا حد عليه وإن علم أنهن محرمات عليه؛ لأنهن لا يعتقن عليه إذا ملكهن وهذا ماله يبيع ويحترم ويتصدق ويصنع فيهن ما شاء غير الوطء إلا أن يكون حملهن منه فإنه يلحق فيه الولد ويعتقن عليه ويعجل عتقهن، وذلك أحب ما فيه إلي؛ لأنه ليس له فيهن متعة ولا منفعة، وكل من وطئ امرأة بملك اليمين ممن تحرم عليه بالنسب ولا تعتق عليه إذا ملكها من عمة أو خالة أو بنت أخت أو ما أشبه ذلك فلا حد عليه أيضا وإن علم أنهن محرمات عليه؛ لأنهن لا يعتقن عليه بالملك، ولأنه يجوز له بيعهن واشتراؤهن واختدامهن، وسبيلهن سبيل الأول المحرمات بالرضاع في البيع وغير ذلك إلا أن يحملن فيلحق به الولد ويعجل لهن العتق كالأول، وكل من وطئ شيئا من هؤلاء النسوة المحرمات عليه من النسب أو الرضاعة فإنه إذا أتى شيئا منهن عامدا عالما بالتحريم فعليه العقوبة المملكة ويبعن عليه إذا لم يحملن، وكل من وطئ امرأة بالملك ممن تحرم عليه بالنسب وتعتق عليه بالملك إذا ملكها مثل البنت والأم والأخت والجدة وما أشبههن عامدا عالما فإني أرى أن يقام عليه الحد ولا يلحق به الولد، قال ابن القاسم: إلا أن يعذر بالجهالة، فإن عذر بالجهالة فإنه يدرأ عنه الحد ويلحق به الولد ويعتق عليه.
فإن قال قائل: إن العمة وبنت الأخت ممن لا يعذر أحد فيهن
стр. 7739
بالجهالة وقد أسقطت عنه الحد بالملك فإنه كما قال، ولكن العمة والخالة وبنت الأخ ممن لا يعتقن عليه، وهن لما يملكهن؛ فلذلك أسقطت عنه الحد بالملك، ولا يجتمع حد وملك، ولو حددته فيهن في النسب لحددته فيما يملك من أخته وأمه في الرضاعة، فهذا وجه ما سمعت في ذلك والله أعلم، قال ابن القاسم: إلا أن يعذر أحد فيمن يعتق عليه بجهالة فأرى أن يدرأ عنه الحد ويلحق به الولد ويعتق عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها لا اختلاف في شيء منها إلا في قوله: إذا وطئ أمة من ذوات محارمه بنسب أو رضاع فحملت منه أنه يعجل عتقها عليه، فمن الناس من يقول: إنه يستخدمها بالمعروف ولا تعتق عليه، وقع ذلك في رسم الفصاحة من سماع عيسى من كتاب الاستبراء من أمهات الأولاد.
واختلف في المذهب في الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما فتحمل ولا مال له فيتمسك شريكه بنصيبه أو يباع على الواطئ فيما لزمه من نصف قيمتها على الاختلاف في ذلك، هل يعتق على الواطئ نصيبه منها أم لا؟ فقال ابن القاسم في المدونة: إنه يعتق عليه نصيبه منها إذ ليس له استخدامها ولا يعذر على وطئها، وقال غيره فيها: إنه لا يعتق عليه نصيبه لا أن يعتق الشريك نصيبه إذ قد تشتريه فيحل له وطؤها، وعلى قول بعض الناس لا يعتق عليه نصيبه بحال، فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال، وبالله التوفيق.
[مسألة: جاءت تدمي فادعت أن رجلا من أهل الفسق اغتصبها]
مسألة وسئل عن شهيدين شهدا على ثلاثة نفر أنهم غصبوا امرأة فذهبوا بها إلى الصحراء، فادعت المرأة أنهم وطئوها كلهم، ثم أبرأت
стр. 7740
بعضهم قال: تحلف المرأة وتأخذ صداقا صداقا من كل من ادعت عليه أنه وطئها، ويكون القول قولها ولا حد عليهم إلا أن يقروا أولا عليها إذا علم أنها غصبت.
ولو أن امرأة جاءت تدمي فادعت أن رجلا من أهل الفسق اغتصبها لم تأخذ من صداقها شيئا ولو كان أشر من عبد الله الأزرق في زمانه إلا أن يشهد على أخذه إياها، كأنه يقول فتحلف وتأخذ الصداق، قال: وإلا فحسبها أن تدفع الحد عن نفسها بذلك إن جاءت تدمي، قال ابن القاسم: قال مالك: وينظر الإمام في ذلك فإن رآه أهلا للعقوبة عاقبه، قال أصبغ: سألت ابن القاسم فقلت له المغتصبة التي يجب لها الصداق على من اغتصبها هل يجب ذلك لها بشهادة رجلين؟ قال لي لا يجب ذلك عليه إلا بما يجب به الحدود، وذلك أربعة شهداء، وإلا كانوا قذفة يجلدون الحد، قال سحنون، قال ابن القاسم: لو شهد رجلان أنهما رأيا رجلا اغتصب امرأة فأدخلها منزلا وغاب عليها وشهدا على ذلك فادعت المرأة أنه أصابها وأنكر ذلك الرجل حلفت المرأة مع شهادتهما واستوجبت الصداق صداق مثلها ولم يكن عليه في ذلك حد.
قال محمد بن رشد: أما إذا ثبت اغتصابه لها ومغيبه عليها، فلا اختلاف في أن القول قولها في أنه وطئها وتستوجب بذلك صداق مثلها، وكذلك إن كانوا جماعة فادعت ذلك على كل واحد منهم تأخذ من كل من ادعت عليه منهم أنه وطئها صداق مثلها، قيل بيمين وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وقيل بغير يمين وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز وقول مالك في سماع أشهب من كتاب الغصب، ويثبت اغتصابه لها ومغيبه عليها بشهادة شاهدين على ما قاله في رواية سحنون هذه عنه، وقوله في رواية أصبغ هذه عنه أن المغتصبة التي يجب لها الصداق على من اغتصبها لا يجب ذلك
стр. 7741
لها إلا بما تجب به الحدود وذلك أربعة شهداء معناه على معاينة الوطء، وذلك بين من قوله: وإلا كانوا قذفة يجلدون الحد، فالصداق يجب لها بدعواها مع ثبوت مغيبه عليها، ولا يجب عليه الحد بذلك، وإنما يجب الحد بأربعة شهداء على معاينة الوطء، وإذا وجب الحد بذلك وجب به الصداق أيضا، وأما إذا ادعت عليه أنه اغتصبها وغاب عليها ولم يعلم ذلك إلا بقولها فيفترق الأمر في ذلك بين أن تأتي متشبثة به وهي تدمي إن كانت بكرا، أو لا تأتي متشبثة به وبين أن تدعي ذلك على من لا يليق به ذلك أو على من يليق به، وقد مضى القول على ذلك مستوفى في أول سماع أشهب من كتاب الغصب فأغنى ذلك عن إعادته.
[مسألة: أتى الحر إلى سيد العبد فقال قذفني أفبأمرك هذا قال نعم]
مسألة وقال ابن القاسم في عبد قذف حرا فأتى الحر إلى سيد العبد فقال: ألا ترى ما فعل لي عبدك قذفني أفبأمرك هذا؟ قال: نعم، عن أمري، قال ابن القاسم: أما في قول مالك فإنه يضرب السيد الحد قال ابن القاسم: وهو رأيي ويضرب العبد أيضا الحد.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في هذا الرسم، وقد مضى أنه يدخل في ذلك اختلاف بالمعنى من قول ابن وهب في تفرقته بين أن يكون العبد فصيحا أو أعجميا.
[: السلطان إذا سمع الرجل يفتري على رجل أو رآه على حد من الحدود]
من كتاب العرية قلت: فالسلطان الذي يقيم الحد يسمع رجلا يفتري على رجل أو يراه على حد من حدود الله؟ قال: يرفعه إلى من فوقه ويكون شاهدا، قلت أفيجوز العفو فيه إذا اطلع عليه هذا السلطان قبل أن
стр. 7742
يرفعه إلى من فوقه؟ قال: نعم العفو فيه جائز؛ لأن ذلك السلطان شاهد وهو كغيره من الشهداء.
قال محمد بن رشد: قوله: إن السلطان إذا سمع الرجل يفتري على رجل أو رآه على حد من الحدود: إنه يرفعه إلى من فوقه ويكون شاهدا، هو مثل ما في المدونة وغيرها، ولا اختلاف في ذلك، إذ لا يقضي القاضي بعلمه لا في الأموال ولا في الحدود، وفرق أهل العراق بين الأموال والحدود، فقالوا: ينفذ الإقرار في ولايته ولا ينفذ الحدود. والإقرار ينقسم على ثلاثة أقسام، فما كان منه قبل ولايته لا يقضي به عند الجميع، وما كان منه في ولايته في غير مجلس الحكم يقضي به عند أهل العراق، وما كان منه في مجلس الحكم بين المتخاصمين يقضي به عند مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون، وهو دليل قول النبي ﵇ «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بما أسمع منه» ، خلاف مذهب مالك وابن القاسم، وقوله في الرواية: إن العفو يجوز في القذف إذا سمعه الإمام لأنه شاهد، هو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وقد مضى الاختلاف في ذلك في أول سماع أشهب فلا معنى لإعادته.
[مسألة: افترى على قوم فلم يقم به حتى أخذ في شرب خمر فجلد الحد]
مسألة وسئل عن رجل افترى على قوم فلم يقم به حتى أخذ في شرب خمر فجلد الحد، قال: إذا جلد الحد في الخمر فقد سقطت عنه كل فرية كانت قبله.
قال محمد بن رشد: هذا مذهبه في المدونة وروايته عن مالك؛ لأنه قال فيها: إنه إذا قذف وسكر أو شرب الخمر ولم يسكر جلد حدا واحدا، فرأى أن حد الشرب والفرية يتداخلان فينوب أحدهما على الآخر؛ لأنهما من جنس واحد، بدليل أن حد الشرب إنما أخذ من حد الفرية بقول علي بن أبي
стр. 7743
طالب لبعض الصحابة: إذ استشار عمر بن الخطاب في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، أو كما قال، وجلد عمر بن الخطاب في الخمر ثمانين، وكذلك إذا قذف الرجل جماعة مفترقين أو مجتمعين فحد لهم أو لأحدهم فذلك لكل قذف تقدم قام طالبوه أو لم يقوموا في مذهب مالك وجميع أصحابه إلا المغيرة - فإنه قال: إن قاموا جميعا فحد فذلك حد لهم أجمعين، وإن قاموا مفترقين حد لكل واحد منهم، وقول المغيرة هو القياس؛ لأنهم قد قالوا: إن القتل يأتي على جميع الحدود إلا الفرية فإنه يجلد فيها ثم يقتل، لما في ذلك من حق المقذوف؛ لأنه تعرض له بذلك فيقال له: إنك كذلك إذ لم تحده، فإذا لم يسقط حد المقذوف بالقتل فأحرى ألا يسقط بحده في الشرب أو بحده لغيره، والحجة لمالك في أنه ليس على قاذف الجماعة إلا حد واحد، أن قاذف المحصنة قاذف للذي زناها، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية، فلم يوجب على قاذف المحصنة إلا حدا واحدا، وقد جلد عمر أبا بكرة وأصحابه حدا واحدا ولم يحدهم للمرأة، وسواء على مذهب مالك وأصحابه قذف الجماعة في كلمة واحدة أو مفترقين، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال الشافعي: يحد لكل واحد منهم قذفهم في كلمة واحدة أو مفترقين، وفرق ابن أبي ليلى بين أن يقذفهم في كلمة واحدة أو في مجالس شتى، وقال ابن المواز: ومن قال لجماعة أحدكم زان أو يا ابن زانية فلا يحد إذ لا يعرف من أراد، وإن قام به جماعتهم فقد قيل لا حد عليه، ولو قام به أحدهم فادعى أنه أراده لم يقبل منه إلا بالبيان أنه أراده، ولو عرف من أراد لم يكن للإمام أن يحده له إلا بقيامه عليه، قال: ومن قذف من لا يعرف فلا حد عليه، وقول ابن المواز في الذي قال لجماعة أحدكم زان إلى آخر قوله بين
стр. 7744
كله إلا ما حكاه من أنه قد قيل: إنه لا يحد وإن قام به جماعتهم، فهو بعيد؛ لأنه يعلم أنه قد قاله لأحدهم، فلا حجة له إذا قام عليه جميعهم، ووجه على ما فيه من البعد أنه لما كان المقذوف لا يعرف من هو منهم لم يحد إنما هو لإسقاط المعرة عن المقذوف والمعرة لم تلحق بواحد منهم بحينه فيحد له ولا لجميعهم إذ لم يقذف إلا واحدا منهم، وأما إذا قام به أحدهم فمن حجته أن يقول: لم أرد إلا سواك ممن لم يقم، وبالله التوفيق.
[: قال لرجل يا زوج الزانية وتحته امرأتان فعفت واحدة وقامت الأخرى تطلب حدها]
ومن كتاب يوصي لمكاتبه وسألت ابن القاسم عن رجل قال لرجل يا زوج الزانية وتحته امرأتان فعفت واحدة وقامت الأخرى تطلب حدها، قال: أرى أن يحلف بالله الذي لا إله إلا الله هو ما أردت بالقذف إلا التي عفت ويبرأ، فإن نكل قال: يحد إن نكل.
وكذلك لو كانت له امرأة واحدة وقد ماتت له امرأة فقالت، فقامت امرأته الحية بحدها لكان القول قوله مع يمينه أنه إنما أراد التي قد ماتت.
قال ابن المواز: من قال يا قران؛ فعليه الحد إن قامت به امرأته؛ لأن القران عند الناس زوج الفاعلة، قال أبو بكر بن محمد: وقاله ابن القاسم، ولم ير يحيى بن عمر فيه حدا، وقال يعزر عشرين سوطا.
стр. 7745
وقال يحيى بن عمر فيمن قال لامرأة " يا قحبا ": إنه يحد، ومن رمى امرأته بامرأة ثانية أدب أدبا موجعا، ولعل يحيى بن عمر لم يتحقق أن القران عند الناس زوج الفاعلة كما تحقق عندهم أن القحبا الزانية، وإلا فذلك اضطراب من قوله، وبالله التوفيق.
مسألة قال: وسألته عن الرجل يقذف الرجل المسلم وأبواه نصرانيان فقال: إن كان رجل له هيئة فأرى أن يضرب عشرين سوطا أو أكثر، وإن كان لا هيئة له فأدنى من ذلك.
قال محمد بن رشد: معناه: إذا قال له يا ابن الزاني ويا ابن الزانية، وأما إن قال له يا ولد الزنا أو لست لأبيك أو يا زان فالحد عليه واجب، وبالله التوفيق.
[: يقيم الرجل الحدود على عبيده وإمائه في الزنا]
ومن كتاب أوصى
قال ابن القاسم: يقيم الرجل الحدود على عبيده وإمائه في الزنا ولا يقيمها عليهم حتى يشهد أربعة شهداء سواه، ولا يقيم على أمته إذا كان لها زوج، كان زوجها عبدا أو حرا، إلا أن يكون زوجها عبده فإنه يقيم عليها الحد إذا كان زوجها عبده، قال ابن القاسم: لأنه يقيم عليه وعليها، ولا يقيم على زوجها إذا لم يكن عبده، ولا على أمته إلا السلطان.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح بين على معنى ما في المدونة وغيرها، والأصل في ذلك «قول النبي ﵇ لما سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت
стр. 7746
فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير» فالرجل يقيم حد الزنا والقذف والشرب على عبيده وإمائه، كانوا متزوجين أو غير متزوجين إلا أن يكون للأمة زوج حرا أو عبدا لغيره فلا يقيم عليها حد الزنا إلا السلطان؛ لما يتعلق بذلك من حق الزوج، ولا يقيم عليه الحد في السرقة ولا في القتل، وهذا كله ما لا اختلاف فيه.
[: يطؤها بعد التطليقة ويقول ظننت أن الواحدة لا تبينها مني]
ومن كتاب القطعان وسألته عن الرجل يطلق امرأته التي قد دخل بها واحدة فتحيض ثلاث حيض فتبين منه ثم يدخل عليها فيطؤها فيدعي أنه جاهل أو أنه كان رأى أن ذلك يجوز له، وتدعي ذلك المرأة أو لا تدعي جهالة وليس هو من أهلها والمرأة ليست بجاهلة أو هو جاهل والمرأة ليست بجاهلة، فقال ابن القاسم: من كان منهما ممن يعذر بالجهالة لم يكن عليه الحد ومن أقر منهم أنه عالم وأقر بمعرفة ذلك وأن ذلك عليه حرام أقيم عليه الحد، قال: وإن كان ممن لا يعذر بجهالة والمرأة ممن تعذر بالجهالة فإنه يقام عليه الحد ويؤخذ لها من ماله الصداق، وإن كان هو والمرأة عالمين أقيم عليهما الحد ولم يكن لها صداق.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة؛ لأنه قال فيها في الذي يطلق امرأته تطليقة قبل البناء بها فيطؤها بعد التطليقة ويقول: ظننت أن الواحدة لا تبينها مني وأنه لا يبرئها مني إلا الثلاث أو يطلقها ثلاثا فيطؤها في العدة، ويقول: ظننت أنها تحل لي أنه يعذر بالجهالة فلا يحد ولا يكون عليه إلا صداق واحد فكذلك هذا إذا قال: ظننت أنها لا تبين مني بالثلاث حيض فيصدق في ذلك فلا يحد ولا يكون عليه صداق ويلحقه
стр. 7747
الولد، وكذلك هي لا تحد إن عذرت بالجهالة، ومن لم يعذر منهما بالجهالة لزمه الحد، فإن لم يعذر واحد منهما بالجهالة حدا جميعا ولم يلحق به الولد ولا كان لها صداق، وإن عذرا جميعا بالجهالة لم يحدا ولحقه الولد ولم يكن لها صداق، وإن عذر هو ولم تعذر هي لحقه الولد ولم يلزمه صداق وحدت هي، وإن عذرت هي ولم يعذر هو حد ولم يلحقه الولد ولم تحد هي وكان لها صداق مثلها.
[مسألة: يصب العسل على النبيذ]
مسألة وقال ابن القاسم: لا خير في أن يصب العسل على النبيذ وإن حل شربه وكرهه، قال أصبغ: وذلك إذا كان نبيذا من غير عسل، وأما إن كان نبيذ عسل فلا بأس أن يجعل فيه العسل.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ صحيح مبين لابن القاسم لأنه إنما كره أن يصب العسل على النبيذ الحلال الذي لا يسكر من ناحية ما نهي عنه من خلط الشرابين وانتباذ الشيئين معا، فإذا كان النبيذ من العسل جاز أن يخلط بالعسل لأنه منه، وكذلك يبين قول أصبغ، هذا ما وقع في المدونة من أنه لا يصلح للرجل أن يخلط عسلا بنبيذ فيشربه أن معنى ذلك إذا كان النبيذ من غير عسل، وقد وقع في بعض الروايات " بنبيذه " بإثبات الهاء، فيتأول ذلك على أن الهاء عائدة على الرجل لا على النبيذ فتصح المسألة.
[: قال قائل إن رمى من رماني فهو ابن الزانية فرماه رجل]
ومن كتاب استأذن سيده وسئل عن رجل كان في مجلس فرمي بحجر، فقال: من رماني فهو ابن الزانية، فقال رجل من المجلس أنا رميتك، قال: قال مالك: لا يحد له إلا أن يقيم البينة أنه رماه لأنه مدع الحد. قال ابن
стр. 7748
القاسم وإن كان أصابه بجرح لزمه الغرم بإقراره ولا يلزم الآخر الحد.
قال محمد بن رشد: المعنى في قوله " من رماني فهو ابن الزانية، الذي رماني فهو ابن الزانية " فيحمل عليه أنه علم الذي رماه فقذفه وأبهمه لقوله من رماني فهو ابن الزانية لينجو بذلك من الحد، فالذي يدعي أنه رماه يقول: إني قصدت بالقذف؛ لأني إنما رميتك فلا يحد له إلا أن يقيم البينة أنه رماه، ولو قاموا به جميعا كل واحد منهم يدعي أنه هو رماه لجرى ذلك على الاختلاف في الذي يقول للجماعة: أحدكم زان؛ فتقوم كلها عليه، وقد مضى القول على ذلك في رسم العرية، ولو قال قائل: إن رمى من رماني فهو ابن الزانية فرماه رجل لم يحد بخلاف من قال: من دخل المسجد فهو ابن الزانية، فقد سئل ابن القاسم عن هذا فقال: سمعت من مالك فيما يشبهه أنه يضرب ثمانين، وهو رأي، والفرق بينهما أن المسجد لا بد للناس من دخوله، والأظهر عندي ألا حد في ذلك أيضا؛ إذ لم يتعين المقذوف، والحد إنما هو لإسقاط المعرة بالقذف عن المقذوف، وبالله التوفيق.
[: الشهادة في الزنا]
ومن كتاب..
قال ابن القاسم في الشهادة في الزنا إنها لا تجوز حتى يشهد أربعة في موضع واحد في يوم واحد في ساعة واحدة.
قال محمد بن رشد: معنى قوله في موضع واحد في ساعة واحدة أن يكون الزاني الذي شهد عليه الأربعة زنا واحد وليس من شرط صحة
стр. 7749
الشهادة على الزنا تسميته المواضع ولا ذكر اليوم والساعة، وإنما من شرط صحتها عنده ألا يختلف الشهود بذلك، فإنما معنى قوله إن الشهادة لا تجوز حتى يشهد أربعة في موضع واحد في يوم واحد في ساعة واحدة أنها لا تجوز إذا اختلفوا في ذلك، خلاف مذهب ابن الماجشون في إجازتها وإن اختلفوا في ذلك، وأما قوله في موقف واحد فالمعنى في ذلك أن تكون تأديتهم للشهادة عند الإمام في ذلك معا، فإن تفرقوا في تأدية الشهادة بطلت على قوله هذا، وهو قوله وروايته عن مالك في أول رسم من سماع عيسى من كتاب الشهادات، وقد قيل: إن الشهادة جائزة وإن تفرق الشهود في تأدية الشهادة، وهو مذهب ابن الماجشون، وعليه يأتي ما وقع لابن القاسم في أول رسم المكاتب من سماع عيسى من كتاب الشهادات، وأما قوله: على صفة واحدة، فهي الصفة التي لا تتم الشهادة إلا بها، وهي معاينة الفرج كالمرود في المكحلة، وقد مضت هذه المسألة والكلام عليها بأوعب من هذا في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الشهادات.
[مسألة: الرجل يقول للرجل يا سارق]
مسألة وقال في الرجل يقول للرجل يا سارق، قال: يضربه خمسه عشر سوطا أو نحوها.
قال محمد بن رشد: تحديده للخمسة عشر سوطا أو نحوها هذا ليس له أصل يرجع إليه من الكتاب والسنة؛ إنما هو الاجتهاد، ويختلف باختلاف حال القائل والمقول له حسبما مضى القول فيه في رسم الأشربة والحدود من سماع أشهب، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال لامرأته يا زانية قالت زنيت بك]
مسألة وسئل عن رجل قال لامرأته يا زانية، قالت: زنيت بك، قال ابن القاسم: هي؛ لم تقذفه فليس عليها حد، ويجلد هو الحد إلا أن
стр. 7750
يلاعن، قال عيسى: لا يعجبني هذا، ولا حد عليه ولا لعان.
قال محمد بن رشد: لم ير ابن القاسم مجاوبتها له بقولها زنيت بك. إقرارا منها على نفسها بالزنا ولا قاذفة؛ لاحتمال أن تريد بقولها " زنيت بك " إصابته إياها بالنكاح، وذلك بين من قوله في سماع يحيى بعد هذا، فلما لم يرها بهذا القول مقرة على نفسها بالزنا ولا مصدقة فيما زناها به منه، قال: إنه يجلد الحد إلا أن يلاعن، وذلك على القول بأن اللعان يجب بالقذف، وهو أحد قولي ابن القاسم في المدونة، وقول عيسى: إنه لا حد عليه ولا لعان، المعنى فيه أنه رأى قولها إقرارا منها على نفسها بالزنا وتصديقا له فيما رماها به منه، فأسقط عنه حكم القذف بذلك يريد ويجب عليها بذلك حد الزنا إلا أن ينزع عنه، وحد القذف لزوجها إلا أن يعفو عنها كما لو قال لأجنبية يا زانية، فقالت زنيت بك، حسبما قاله ابن القاسم في سماع يحيى، فلم يفرق عيسى في ذلك بين الزوجة والأجنبية كما فعل ابن القاسم، ولأصبغ في الزوجة قول ثالث في سماع يحيى، وهو أنها تكون في مراجعتها لزوجها بهذا القول قاذفة له غير مقرة على نفسها بالزنا فيحد كل واحد منهما لصاحبه إلا أن يلاعن هو على القول بأن اللعان يكون في القذف، ولأشهب في الأجنبية قول ثان في كتاب ابن المواز، وهو أنها تكون بمراجعتها له بهذا القول مقرة على نفسها بالزنا وقاذفة له إلا أن تنزع عن ذلك فتقول: إنما قلت ذلك على المجاوبة فيحد الرجل ولا تحد هي في قذف ولا زنا، وقول ابن القاسم أظهر أنه يقبل رجوعها في إقرارها على نفسها بالزنا ولا تقبل في قذفها لزوجها، وقد حكى أبو إسحاق عن أشهب في الأجنبية أن قولها له: بك زنيت ليس بإقرار منها على نفسها بالزنا ولا قذف منها للرجل، كأنها قالت إن كان الأمر كما تقول فبك زنيت، وهو يقول ما زنيت بها فكأنها أنكرت أن يكون هناك زنا منها ومنه بحال، وإذا قال أشهب هذا في الأجنبية فأحرى أن يقوله في الزوجة، وإذا قال أصبغ في الزوجة إنه يحد كل واحد منهما لصاحبه فأحرى أن يقوله في الأجنبية، وابن القاسم هو الذي يفرق بين الزوجة والأجنبية على ما تقدم بيانه، وبالله التوفيق.
стр. 7751
[مسألة: شهد عليه أربعة بالزنا اثنان بالطواعية واثنان بالاغتصاب أنه اغتصبها]
مسألة قال ابن القاسم في رجل شهد عليه أربعة بالزنا شهد اثنان بالطواعية أنها طاوعته، وشهد الاثنان بالاغتصاب أنه اغتصبها، قال: يضرب الشهود ولا يحد الرجل؛ لأن الشهادة قد اختلفت عليه، إلا أن يقر الرجل فإن أقر حد، وإن أنكر جلدوا هم جميعا الشهود، وإن أنكرت المرأة ضربوا الحد، وإن أقر الرجل أقيم عليه الحد بإقراره؛ لأنهم قذفوها فصدقهم واحد ولم يصدقهم الآخر.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة إلا أن في سياقتها إشكالا يرجع في التحصيل إلى أن الشهادة ساقطة فيحد الشهود ولا يجب بشهادتهم شيء على الرجل ولا على المرأة إن أنكر، فإن أقر حد وسقط الحد عن الشهود، وإن أقر أحدهما وأنكر الآخر حد المقر والشهود من أجل إنكار المنكر منهما وسقط الحد من المنكر، وبالله التوفيق.
[: يقر بعد ضرب عشرة أسواط أو بعد حبس سنة]
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار
وسئل ابن القاسم عن الرجل يقر بعد ضرب عشرة أسواط أو بعد حبس سنة، قال: لا يلزمه إقراره عدلا كان الوالي أو غير عدل، وربما أخطأ الوالي العدل، وقد قال رجل لعمر بن عبد العزيز: إن ضربتني سوطا واحدا أقررت على نفسي، فقال: ما له قبحه الله، فإذا أقر على خوف لم يلزمه إقراره إلا أن يعين، يعني: يري بعض ما أقر.
قال محمد بن رشد: قوله: إلا أن يري بعض ما أقر به يدل على أن السارق يقطع إذا أقر بالسرقة بعد الوعيد والتهديد وعينها، وقد قيل إنه لا يقطع
стр. 7752
وإن عينها إذا كان إقراره بها وتعينه لها بعد الوعيد والتهديد، ولا خلاف في أنه يقطع بغير تعيين إذا أقر قبل أن يؤخذ، ولا في أنه لا يقطع دون تعيين إذا أقر بعد أن أخذ، وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم السرقة من سماع أشهب من كتاب السرقة، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة تؤخذ مع المرأة تساحقها فتقر أو يشهد عليهما]
مسألة وسئل عن المرأة تؤخذ مع المرأة تساحقها فتقر أو يشهد عليهما، كم يضربان على ذلك وما عقوبتهما؟ قال ابن القاسم: ليس في ذلك إلا اجتهاد الإمام على ما يرى من شنعة ذلك وخبثه.
قال محمد بن رشد: هذا الفعل من الفواحش التي دل القرآن على تحريمها، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] إلى قوله ﴿الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] ، وأجمعت الأمة على تحريمه، فمن تعدى أمر الله في ذلك وخالف سلف الأمة فيه كان حقيقا بالضرب الوجيع، وليس في ذلك حد يرجع إليه في الكتاب والسنة، وإنما هو الاجتهاد كما قال، وقد روي عن ابن شهاب أنه قال: سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إنهما يحدان مائة مائة، وقال أصبغ: يجلدان خمسين خمسين وعليهما الغسل إن أنزلتا، وقاله ابن وهب، وبالله التوفيق.
[مسألة: شهد رجلان أنهما رأيا رجلا وامرأة تحت لحاف]
مسألة وقال: إذا شهد رجلان أنهما رأيا رجلا وامرأة تحت لحاف أو شهدا أنهما رأيا رجليها على عنقه أو شيئا هو أدنى من أن يرياه مثل المرود في المكحلة عوقب الرجل والمرأة ولم يكن على الشهيدين شيء؛ لأنهما لم يقذفا، ولو قالا: رأيناه يزني بها مثل المرود في
стр. 7753
المكحلة ضرب كل واحد منهما ثمانين جلدة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن شهادتهما لا تسقط إلا بما يوجب الحد عليهما من الشهادة التامة بالزنا، وإذا لم تسقط شهادتهما وجب بها الأدب عليهما.
[: جاع فباع امرأته من رجل وأقرت له بذلك فوطئها مشتريها ثم عثر على ذلك]
ومن كتاب جاع فباع امرأته
وسألت ابن القاسم عن رجل جاع فباع امرأته من رجل وأقرت له بذلك فوطئها مشتريها ثم عثر على ذلك، قال: وجدت في مسائل بعض أصحابنا عن مالك وهو رأيي أنهما يعذران بالجوع وتكون تطليقة من زوجها بائنة حين أوطأها غيره، ويرجع عليه المشتري بالثمن، قلت: فلو لم يكن بهما الجوع؟ قال فحري إذا أن تحد وينكل زوجها، ولكن قد جاء الحديث «ادرءوا الحدود بالشبهات» ودرء الحد أحب إلي، وقد قال مالك في الرجل يسرق من جوع يصيبه: إنه لا قطع عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: إنهما يعذران بالجوع بين؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وأي شبهة أقوى من الجوع الذي قد أباح الله به أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا قطع في سنة، وحكى ابن حبيب عن أبي هريرة أنه قال: لا قطع في سنة مجاعة، وذلك للمضطر.
стр. 7754
وأما قوله في بيعه إياها إنه يكون طلقة بائنة فهو ظاهر قول مالك في رسم يشتري الدور من سماع يحيى من كتاب العتق، ومثله في كتاب الاستبراء من الأسدية على ما وقع في سماع عبد الملك من كتاب طلاق السنة، وهو قول ابن نافع فيه، وقد قيل: إنها تبين منه بالبتة، وهو قول مالك فيما روى عنه محمد بن عبد الحكم، وقد قيل: إنه لا يقع عليه بذلك طلاق ويؤدب على فعله، وترد إليه امرأته، وهو قول محمد بن عبد الحكم وقول ابن وهب في سماع عبد الملك من كتاب طلاق السنة ومثله في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة في الذي يزوج امرأته، إذ لا فرق في المعنى بين أن يزوجها أو يبيعها، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى، وأما قوله: إذا لم يكن بهما فحري أن تحد وينكل زوجها ولكن قد جاء الحديث «ادرءوا الحدود بالشبهات» ودرء الحد أحب إلي، فوجه الشبهة في ذلك هو أنها وإن طاعت له ببيعه إياها دون جوع ولا ضرورة فالمشتري يملكها بشرائه إياها ملك الأمة، فتكون في وطئه إياها كالمكرهة، وإن كانت طائعة، إذ لو امتنعت لقدر على إكراهها وهذا نحو ما في رسم حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان من سماع ابن القاسم من كتاب الحج أن المحرم إذا وطئ جاريته وهي محرمة فعليه أن يحجها ويهدي عنها أكرهها أو لم يكرهها؛ لأن الأمة ليست في الاستكراه مثل الحرة، ومثله ما في رسم نقدها من سماع عيسى من كتاب النكاح في الذي تزوج امرأة فأدخلت عليه جارية امرأته فوطئها وهو لا يعلم أنه لا حد عليه، ولا على الجارية خلاف قول ابن الماجشون في الذي زوج ابنته رجلا فحبسها وأرسل إليه بأمته فوطئها أنها تحد إلا أن تدعي أنها ظنت أنها زوجت منه، فيأتي على قول ابن الماجشون أنها تحد إذا طاعت لزوجها ببيعها فوطئها المشتري إلا أن تدعي أن المشتري أكرهها على الوطء، وهو قول ابن وهب في سماع عبد الملك من كتاب طلاق السنة أنها ترجم إن طاوعته على البيع وأقرت أن مشتريها قد أصابها طائعة، وإن زعمت أنه استكرهها برئت من الحد.
стр. 7755
[: أربعة شهدوا على رجل بالزنا وهم عدول وأحدهم ولد زنا]
ومن كتاب العتق
وسألته عن نفر أربعة شهدوا على رجل بالزنا وهم عدول وأحدهم ولد زنا أو ابن ملاعنة، قال: أما ولد الزنا فلا تجوز له الشهادة في مثل هذا، وأما ابن الملاعنة فتجوز شهادته في القذف وغيره ويضربون جميعا الحد.
قال محمد بن رشد: قوله: إن شهادة ولد الزنا لا تجوز في الزنا هو مثل ما له في سماع أبي زيد من كتاب الشهادات، وهو مذهب سحنون؛ لأنه قال في آخر نوازله منه: إنه لا تجوز شهادة أحد فيما حد فيه من الحدود، وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك وقول ابن القاسم وقول أصبغ حسبما بيناه في النوازل المذكورة، وقال في هذه الرواية: إنه إذا كان أحد الشهود الأربعة الذين شهدوا على الزنا ولد زنا لم تجز شهادته ولم يقل ما يكون الحكم فيهم؟ وقد اختلف في ذلك، فقيل: إنهم يحدون كما لو كان أحدهم عبدا، وهو قول أصبغ ومذهب ابن القاسم في المدونة؛ لأنه قال فيها إذا شهد على المرأة أربعة شهود بالزنا أحدهم زوجها جلد الثلاثة ولاعن الزوج، ولا فرق بين المسألتين، وقيل: إنهم لا يحدون بخلاف إذا كان أحدهم عبدا وهو قول ابن أبي حازم في المبسوطة واستحسان ابن القاسم فيها، وأما إن لم يعثر على أنه ولد زنا أو على أنه زوجها حتى يقيم الحد فيدرأ الحد عن الثلاثة ويحد ولد الزنا والزوج إلا أن يلاعن، وقد مضى بقية القول في هذه المسألة في النوازل المذكورة، وبالله التوفيق.
[مسألة: زنى عبده فضربه خمسين ضربة بغير سوط]
مسألة وسألته عن رجل زنى عبده فضربه خمسين ضربة بغير سوط هل يجزيه ذلك من الحد؟ قال: قال مالك: لا يضرب الحد إلا بالسياط.
стр. 7756
قال محمد بن رشد: سأله في هذه الرواية: هل يجزيه ذلك من الحد فلم يجبه على ذلك، وحكى له ما قال مالك من أن الحدود لا تضرب إلا بالسياط، وقال في سماع أبي زيد بعد هذا: إنه إن ضربه في الزنا بالدرة في ظهره أجزأه، قال: وما هو بالبين، فيحمل قوله في سماع أبي زيد على التفسير لقوله في هذه الرواية؛ لأنه وإن كان الواجب أن تضرب الحدود بالسياط كما قاله مالك فلا يجب أن يعاد عليه الضرب بالسياط إذا ضرب بالدرة؛ إذ قد يكون من الدرر ما هو أوجع من كثير من السياط فلا يجمع عليه حدين، إلا أن تكون الدرة التي ضرب بها لطيفة لا تؤلم ولا توجع فلا بد من إعادة الحد بالسوط، وبالله التوفيق.
[مسألة: رجل من الموالي قال لرجل من العرب لست لي بكفء]
مسألة وسأله عن رجل من الموالي قال لرجل من العرب: لست لي بكفء، هل يكون عليه الحد؟ قال مالك يقول في رجل قال لرجل من العرب وهو من الموالي " أنا خير منك وأقرب نسبا برسول الله ﷺ "، قال: ليس في مثل هذا حد، قال ابن القاسم: وذلك أن يقول الرجل الرومي أنا خير من عربي وأكرم حسبا، فلا يكون في ذلك حد؛ إنما الحد في قذف أو نفي أو تعريض يرى أنه أراد به حدا، وسألته عن رجل قال لرجل في منازعة: إنك لعظيم في نفسك، فقال الآخر: وما يمنعني وأنا معروف الحسب والنسب، فقال له الذي نازعه: إنك لتعرض بي، فاستعدى عليه، فهل يكون عليه في هذا القول حد؟ قال: قال مالك في رجل نازع رجلا فقال أحدهما لصاحبه أنا خير منك وأبي خير من أبيك وأمي خير من أمك، فقال له الآخر: هلم أباك الذي تزعم أنه أبوك، قال مالك:
стр. 7757
لقد قال قولا عظيما، وما أرى في مثل هذا حدا، قال ابن القاسم: وهذا عندي أشد من مسألتك، ولكن يحلف بالله ما أراد نفيا ولا حد عليه.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير على المولى حدا في قوله للعربي أنا أقرب نسبا برسول الله ﷺ منك؛ لأنه رآه كاذبا في قوله إذ جعل الموالي أقرب من النبي ﵇ في النسب من العرب لا نافيا له عن أبيه، وابن أبي حازم يقول في المولى يقول للعربي أنا أكرم منك نسبا: إن عليه الحد، ففي هذا عنده أحرى أن يحد، وقد مضى بيان هذا في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، وإنما لم ير عليه الحد أيضا في قوله: وما يمنعني وأنا معروف الحسب والنسب، إذ ليس بتعريض له في نفي حسبه ونسبه؛ لأن كلامه إنما خرج على نفي النقيصة عن نفسه التي ألحقها به في قوله: إنك لعظيم في نفسك، لا على إلحاق النقيصة به في نفسه عن حسبه ونسبه، واستظهر عليه مع ذلك باليمين، وأما المسألة التي احتج بها من قول مالك في الذي نازع رجلا فقال له: أنا خير منك وأبي خير من أبيك، إلى آخر المسألة، فقد مضى الكلام عليها في رسم ليرفعن أمرا إلى السلطان من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[: يقول للمرأة يا زانية فتقول بك زنيت]
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم قال يحيى: وسألته عن الرجل يقول للمرأة يا زانية فتقول بك زنيت، فقال: أراها قد أقرت بالذي رماها به، وهي له مع إقرارها على نفسها قاذفة، فإن أقامت على الإقرار رجمت وإن كانت محصنة
стр. 7758
بعد أن تجلد ثمانين جلدة للفرية التي افترت على الرجل حين قالت: بك زنيت، وإن كانت بكرا جلدت ثمانين للفرية ومائة للإقرار على نفسها بالزنا، وإن لم تقم على الإقرار جلدت حد الفرية ووضع عنها الحد الذي كانت أقرت به على نفسها، قيل له: فإن كان إنما قال ذلك لامرأته فقالت بك زنيت، فقال: لا أرى عليها شيئا؛ لأنه يجوز لها أن تقول: إنما أرادت إصابته إياي بالنكاح، فذلك يدرأ عنها حد القذف ولا تعد بهذا القول مقرة بالزنا مثل الأجنبية، قال أصبغ: ليس قولها تصديقا إنما هو جواب؛ أي إن كنت زنيت فبك إلا أني أرى عليه لها حد الفرية، وله عليها حد الفرية؛ لأن كل واحد منهما قاذف.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في رسم سلف دينارا من سماع عيسى مستوفى فلا معنى لإعادته.
[: الصبية تمكن من نفسها رجلا فيطأها]
من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب قال: وسألت أشهب عن الصبية تمكن من نفسها رجلا فيطأها، قال: إن كان مثلها يخدع فالصداق على الواطئ، وإن كان مثلها لا يخدع وإن كانت لم تحض فلا صداق عليه، قلت: وكذلك الأمة البالغة العذراء إذا أمكنت من نفسها فافتضت؟ قال: لا أرى على الذي افتضها غرما، وعليه الحد، قال سحنون: وكذلك قال غيره في الأمة البالغة.
قال محمد بن رشد: قوله في الصبية إذا كان مثلها يخدع: إن الصداق على واطئها، بين على ما قاله؛ لأنها في حكم المغتصبة ولا اختلاف
стр. 7759
في ذلك أحفظه، وأما قوله في الأمة البالغة العذراء إذا أمكنت من نفسها فافتضت: إنه لا غرم على الذي افتضها، ففيها ثلاثة أقوال، أحدها أنه لا غرم على الذي زنا بها طائعة بكرا كانت أو ثيبا وهو قوله في هذه الرواية لأنه إذا لم ير عليه غرما إذا كانت بكرا فأحرى أن لا يكون عليه غرم إذا كانت ثيبا، والثاني أن عليه ما نقصها بكرا كانت أو ثيبا، وهو ظاهر ما في كتاب المكاتب من المدونة، ودليل ما في كتاب الرهون منها، والثالث الفرق بين أن تكون بكرا أو ثيبا، وهو قوله في كتاب الرهون منها، المدونة في بعض الروايات، وأما إذا اغتصبها فلا اختلاف في أن عليه ما نقصها بكرا كانت أو ثيبا كانت صغيرة مثلها يخدع فهي في حكم المغتصبة على ما قاله في الحرة، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
[مسألة: الخليطين من النبيذ إذا تخللا]
مسألة قال ابن القاسم في الخليطين من النبيذ إذا تخللا فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا على قياس ما قاله مالك في رسم الحدود من سماع أشهب من أنه لا بأس أن يخلط الزبيب والتمر للخل وأن ذلك إنما يكره في الشراب الذي يشرب، وقد مضى هناك الاختلاف في ذلك وتوجهه، فعلى القول بأنه يكره خلط التمر والزبيب للخل يكره الخليطان من النبيذ وان تخللا.
[مسألة: النصراني يغتصب الحرة المسلمة فيطؤها فيجب عليه بذلك القتل]
مسألة قال سحنون: وسئل ابن القاسم عن النصراني يغتصب الحرة المسلمة فيطؤها فيجب عليه بذلك القتل أيجزي في ذلك شهادة رجلين؟ فقال ابن القاسم: لا يقتل حتى يشهد عليه بذلك الفعل
стр. 7760
أربعة شهود أنهم رأوه كالمرود في المكحلة مثل الزنا سواء؛ لأنه لا يستوجب القتل إلا بالوطء، ولا يثبت إلا بأربعة شهداء، قال سحنون: وقد كان ابن القاسم يقول: يجزئ في ذلك شهادة رجلين، ثم رجع إلى هذا.
قال محمد بن رشد: وجه ما كان ابن القاسم يقوله في أنه يجزئ في ذلك شهادة رجلين هو أنه كان يرى اغتصابه إياها وغيبته عليها نقضا لعهده يوجب عليه القتل لما جاء من أن امرأة مرت تسير على بغل فنخس بها علج، فوقعت من البغل فبدا بعض عورتها فكتب بذلك أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر أن اصلب العلج في ذلك المكان، فإنا لم نعاهدهم على هذا، إنما عاهدناهم على أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ووجه القول الذي رجع إليه أنه لا يراه ناقضا لعهده بغصبه إياها حتى يطأها على ما روي من أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إذا اغتصب النصراني المسلمة نفسها فليقتل فإن ذلك ليس مما صولح عليه، فإنما يقتل إذا اغتصبها فوطئها؛ لنقض العهد لا على حد الزنا، ولا يلحق به الولد وهو على دينه، فإن أسلم هدر عنه القتل، وإن رئي ذلك خوف من القتل إذا ثبت صحة إسلامه، وعليه صداق مثلها أسلم أو لم يسلم؛ لأنه حق للمرأة، قال ذلك ابن حبيب وحكاه عن أصبغ، فلا اختلاف إذا اغتصبها نفسها فوطئها أن ذلك نقض لعهده، واختلف إذا زنى بها وهي طائعة فقال ربيعة: هو نقض لعهده، وقال في سماع عبد الملك بعد هذا: إنه يضرب ضربا يموت منه، وقال أشهب: يضرب الضرب الموجع لما لم يوف لهم بالعهد، ولو وفي لهم بالعهد كان هذا منهم نقضا للعهد، وقال محمد بن عبد الحكم: لا يكون نقضا للعهد وإن وفى لهم بالعهد إذا كان على الطوع، وأما جرح النصراني للمسلم وقذفه إياه فلم يروه نقضا لعهده، وبالله التوفيق.
стр. 7761
[مسألة: يقدم فيجد مع امرأته ولدا فيقول لها ليس هذا الولد ابني ولا ابنك]
مسألة وقال أشهب في الرجل يقدم فيجد مع امرأته ولدا فيقول لها: ليس هذا الولد ابني ولا ابنك، قال: يحلف بالله ما أراد قذفا ولا شيء عليه، وأما إن كان حاضرا مقرا بالولد ثم قال بعد: ليس هذا الولد مني ولا من امرأتي جلد الحد.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: إنه إذا أنكر الولد الذي وجد معها حين قدم من مغيبه ثم رجع إلى تصديقها والإقرار بالولد أن القول قوله مع يمينه أنه ما أراد بذلك قذفا؛ إذ لم يتقدم له به إقرار قبل أن ينكره، وأما إذا كان حاضرا مقرا بالولد فأنكره، فإنه يجلد الحد ويلزمه، وهذا ما لا اختلاف فيه.
[مسألة: رجل قال لرجل يا ابن الجافي]
مسألة وقال مالك في رجل قال لرجل يا ابن الجافي: أرى عليه العقوبة وإن قال له يا بن الجافي والجافية عوقب وزيد في العقوبة لما سب أمه، وذلك أنه يقول أردت الجفا في الدين.
قال محمد بن رشد: هذا بين لا إشكال فيه؛ لأنه من السب الذي فيه العقوبة على حال القائل والمقول له، وقد تقدم هذا المعنى في رسم الأشربة من سماع أشهب وفي غيره من المواضع، وبالله التوفيق.
[مسألة: النصراني يغتصب الأمة المسلمة]
مسألة وسئل عن النصراني يغتصب الأمة المسلمة، قال: إذا شهد على ذلك أربعة شهداء كان عليه القتل.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو قول الليث وابن عبد
стр. 7762
الحكم لأن لها حرمة الإسلام وإن كانت أمة ويكون في ماله ما نقص من ثمنها بكرا كانت أو ثيبا، روى ذلك ابن وهب عن مالك في سماعه، وبالله التوفيق.
[: قال أردت أن أباك الذي هو أبوك أعتق أمس]
من سماع عبد الملك بن الحسن من أشهب قال عبد الملك: سألت ابن وهب عن رجل من العرب نازع رجلا من الموالي فقال العربي للمولى: إنما أعتق أبوك أمس في زمان كذا وكذا، فقال له المولى مجيبا: أنا أقدم منك ومن أبيك، فهل يجب عليه في مثل هذا القول حد أم لا يكون إلا النكال، قال: ليس عليه حد وإنما هو عندي بمنزلة أن لو قال له: أنا أخير منك، فليس في هذا حد، وكذلك قال مالك في هذا فيما أعلم: وأرى عليه النكال والحبس، وقال: وإن كان إنما أراد بقوله إني أقدم منك في الإسلام هذا وما يشبه فلا حد عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا حد عليه في قوله له: أنا أقدم منك في العتق ومن أبيك، بين لا إشكال فيه ولا اختلاف؛ لأنه إنما نفى عن نفسه أن يكون أبوه معتقا فكذبه في ذلك عليها، وأما قوله: إن كان إنما أراد بقوله إني مثلك أي إن أباك أعتق أمس وإني مثلك فعليه الحد، فمعناه: أنه إن قال أردت أن أباك إنما هو الذي أعتق أمس كان عليه الحد، وأما إن قال أردت أن أباك الذي هو أبوك أعتق أمس فلا حد عليه وهو مصدق فيما يذكره من ذلك مع يمينه؛ لأن إرادته لا تعلم إلا من قبله، وأما إذا قال له نصا في منازعة أو مشاتمة إن أباك أعتق أمس وهو عربي فيحد على مذهب ابن القاسم؛ لأنه بمنزلة أن لو قال له إن أباك كان معتقا أو إنه كان نصرانيا أو يهوديا أو أسود أو أقطع أو يا ابن المعتق أو يا ابن النصراني أو اليهودي أو الأسود أو الأقطع، ولا يحد على مذهب أشهب لأنه عنده واصف لأبيه بغير صفته كما لو سمى أباه باسمه فقال له يا ابن فلان
стр. 7763
الأسود أو الأقطع أو اليهودي أو النصراني، وبالله التوفيق.
[مسألة: البنس يجعل فيه العسل هل تراه من الخليطين]
مسألة وسئل عن البنس يجعل فيه العسل هل تراه من الخليطين الذي كرهه أهل العلم؟ قال: لا بأس به، والبنس بمنزلة الماء.
قال محمد بن رشد: البنس والله أعلم هو شراب الفقع الذي كان يعمل في الأعراس، وهو شراب يصنع من العسل ويجعل فيه خمير القمح وأفاوه الطيب على ما قد ذكرناه في سماع أبي زيد من كتاب بيع الخيار، فسأله: هل هو من الخليطين من أجل ما يضاف إلى العسل من خمير القمح فخففه ولم ير به بأسا ليسارة ما فيه من العجين، فقال: إنما هو بمنزلة الماء الصرف، فجائز أن يضاف إليه العسل، وقوله في هذه الرواية هو على أحد قولي مالك في المدونة لأنه سأله فيها عن النبيذ يجعل فيه العجين أو الدقيق والسويق ليشتد به قليلا أو ليتعجل؛ فقال إنه سأل مالكا عنه فأرخص فيه ولم ير به بأسا، ثم سأله عنه فنهي عنه، وبالله التوفيق.
[مسألة: اللبن يضرب بالعسل]
مسألة وسئل: وأنا أسمع عن اللبن يضرب بالعسل، قال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول فيه في رسم البز من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته.
[مسألة: نصراني زنى بمسلمة]
مسألة وسئل: وأنا أسمع عن نصراني زنى بمسلمة فقال: إن كان طاوعته بذلك ضربت الحد وضرب النصراني ضربا يموت منه، وإن كان اغتصبها نفسها صلب.
стр. 7764
قال محمد بن رشد: مضى الكلام على هذه المسألة في سماع سحنون مستوفى فلا معنى لإعادته.
[: أربعة نفر شهدوا على رجل بالزنا فتعلقوا به وأتوا السلطان فشهدوا عليه]
من سماع أصبغ وسؤاله ابن القاسم من كتاب البيوع قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في أربعة نفر شهدوا على رجل بالزنا فتعلقوا به وأتوا السلطان فشهدوا عليه، قال: لا أرى أن تجوز شهادتهم وأراهم قذفة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الشهادات، وقلنا فيها هناك: إنه إنما لم تجز شهادتهم عليه لأن ما فعلوه من أخذه وتعلقهم به ورفعهم إياه إلى السلطان لا يلزمهم ولا يجب عليهم، بل هو مكروه لهم؛ لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، قال رسول الله ﷺ : «من أصاب من هذه القاذورة شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبدي صفحته نقم عليه كتاب الله» ، «وقال لهزال: يا هزال لو سترته بردائك لكان خيرا لك» فلما فعلوا ذلك صاروا طالبين له ومدعين الزنا عليه وقذفة له، فوجب عليهم الحد إلا أن يأتوا بأربعة شهداء سواهم على معاينة الفعل كالمرود في المكحلة ولو كانوا أصحاب شرط موكلين بتغيير المنكر ... أحدهم فأخذوه أو أخذه فجاءوا به وشهدوا عليه لقبلت شهادتهم لأنهم فعلوا في أخذه ورفعه ما يلزمهم، وفي الواضحة
стр. 7765
لمطرف وابن الماجشون وأصبغ أنه إذا شهد أربعة بالزنا على رجل جازت شهادتهم وان كانوا هم القائمين بذلك مجتمعين جاءوا أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضه من بعض، ووجه ذلك أنه لما كان ما فعلوه من قيامهم عليه مباحا لهم، وان كان الستر أفضل لم يكونوا خصماء إذ لم يقوموا لأنفسهم وإنما قاموا لله؛ فوجب أن تجوز شهادتهم، ولو كانت الشهادة فيما يستلزم فيه التحريم من حقوق الله كالطلاق والعتق لجازت شهادتهما في ذلك، وإن كانا هما القائمين بذلك؛ لأن القيام بذلك متعين عليهما، وقد قال بعض المتأخرين: إن ذلك لا يجوز على مذهب ابن القاسم، وقوله في هذه المسألة خلاف لمطرف وابن الماجشون وأصبغ، ووجه ذلك بأن كل من قام في حق يريد إتمامه فهو يتهم أن يزيد في شهادته ليتم ما قام فيه، وهو عندي بعيد، وبالله التوفيق.
[مسألة: الاستنكاه هل يعمل به]
مسألة ومن كتاب الحدود قال أصبغ: وسألته عن الاستنكاه أيعمل به؟ قال: نعم، وذلك رأس الفقه، قال أصبغ: وهو رأيي فيمن استنكر سكره واستكره اختلاطه، وقد حضرت العمري القاضي أمر بالاستنكاه في مجلسه بمحضر جماعة من الناس فيهم أهل العلم والفقه وفيهم ابن وهب فختله المستنكه بالكلام والسؤال والمراجعة والمفاوهة ثم أدخل شق أنفه وشمه في شدقه ثم قطع عليه أنها خمر، قال أصبغ: والأحب إلي أن يكون اثنان كالشهادة، فإن لم يكن إلا واحد
стр. 7766
أمضي عليه الحد إذا كان الإمام هو الذي يأمر بالاستنكاه حين استرابه ووكله به، فإن كان إنما هو شاهد يؤدي علمه بالاستنكاه منه من قبل نفسه فلا يجوز إلا اثنان؛ لأنهما شهادة مؤداة كالشهادة على الشرب بعينه ( ... ) الاستنكاه والشهادة به، وجوازه أن أبا هريرة قد شهد أنه قاءها ولم يشهد أنه شربها، ثم قال له عمر تجويزا لذلك: فلا وربك ما قاءها حتى شربها، قال أصبغ: سألت ابن القاسم فقلت له: أرأيت الموكل بالمسلحة يمر بالرجل أو يمر به الرجل يتهمه بالشراب أيأمر به فيستنكه؟ قال: إن رأى تخليطا واختلاطا فنعم، قال أصبغ: شبه السكران الذي يخلط في مشيه وكلامه وتكفيه بنفسه وميلانه وعبثه وشتمه، فإن كان كذلك أمر به ولا يسعه تركه؛ لأنه سلطانه، كحد انتهى إلى السلطان فلا يتركه، وإن كان على غير ذلك من الصفة ولم يكن كنحو ذلك تركه، ولم يتحسس عليه، وإن رأى مخرجه مخرج سوء تهمة نظر في مخرجه إن خرج من مخرج سوء فعاقبه على نحوه ولم يبلغ كشفه في الشرب ولا تفتيشه إذا لم يكن كنحو ما وصفنا وكان صاحيا متشكلا.
قال محمد بن رشد: العمري القاضي الذي حكى عنه ما حكاه من الحكم بالاستنكاه هو عبد الرحمن بن عبد الله بن المجير بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، ولاه هارون الرشيد قضاء مصر سنة خمس وثمانين ومائة، ثم شكي به إليه فقال: انظروا كم ولي القضاء من ولد عمر؟ فلم يوجد أحد، فقال: والله لا عزلته، فبقي قاضيا إلى أن عزله الأمين سنة أربع وتسعين، والمسألة كلها صحيحة بينة من قول ابن القاسم وأصبغ لا اختلاف فيها ولا إشكال في شيء من معانيها، وبالله التوفيق.
стр. 7767
[مسألة: المسلم يقول للنصراني يا ابن الفاعلة فيقول أخزى الله كل ابن فاعلة]
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن المسلم يقول للنصراني يا ابن الفاعلة، فيقول أخزى الله كل ابن فاعلة، فقال: إن النصراني يحلف بالله ما أراد قذفا، فإن لم يحلف سجن حتى يحلف، قال أصبغ: بل أرى أن يجلد الحد وأرى هذا جوابا في مشاتمة فهو رد عليه وتعريض له، كالذي يقول للمرأة يا زانية فتقول زنيت بك فيكون جوابا وردا لمثل ما قال، فيضرب له الحد، فالنصراني مثله غير أن المسلمين يحدان البادئ والراد عليه، والنصراني والمسلم كذلك يجب عليهما جميعا ويكونان قاذفين جميعا ومشاتمين له، غير أن النصراني لا حد له فيعاقب له قاذفه المسلم فيكون ذلك هو حده، وقد حرمته من الحد وهو يحد للمسلم الحد بعينه كاملا ثمانين سوطا.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في المذهب في أن الحد يجب بالتعريض البين كما يجب بالتصريح به، فرأى أصبغ قوله هذا في مجاوبته إياه من التعريض البين، ولم ير ذلك ابن القاسم، وقوله أظهر؛ لاحتمال أن يكون أراد بما قاله نفي ما رماه به عن نفسه من أن يكون ابن زانية لا قذفة، فرأى أن يحلف بهذا الاحتمال، وقال: إنه إن لم يحلف سجن حتى يحلف، ولم يقل ما يكون الحكم فيه إن طال الأمر ولم يحلف وذلك يتخرج على قولين، أحدهما أنه يطلق ولا يكون عليه شيء، والثاني أنه يحد إذا طال حبسه وأبى أن يحلف، والأصل في هذا اختلافهم في الكلام المحتمل أن يراد به القذف كقول الرجل للرجل يا خبيث أو يا ابن الخبيثة، فقال ابن القاسم: إنه ينكل إن طال حبسه فلم يحلف، وقال أشهب: إنه يحد إن طال حبسه ولم يحلف، فعلى أصل ابن القاسم في هذا أنه ينكل ولا يحد إذا طال حبسه فخلي سبيله في هذه المسألة؛ إذ لا موضع فيها للنكال، وكذلك إذا حلف ابتداء لا ينكل، ولو قال الشهود الذي شهدوا عليه بذلك تبين لنا من قصده أنه أراد بذلك
стр. 7768
القذف أو أنه لم يرد بذلك القذف لأعمل قولهم في ذلك وارتفع الخلاف في المسألة؛ لأن هذا مما قد يظهر بصورة الحال حتى يقع العلم به للشاهد، وبالله التوفيق.
[مسألة: الذي يقوم عليه بشاهد واحد بالقذف فلا يحلف ويسجن حتى يحلف]
مسألة وقال في الذي يقوم عليه بشاهد واحد بالقذف فلا يحلف ويسجن حتى يحلف: إنه إذا طال حبسه جدا ولم يحلف فأرى أن يخلي سبيله، قلت: فيؤدب إذا طال ولم يحلف فخلي، أيؤدب له بهذا الشاهد الواحد؟ فقال: أما الأدب في هذا فلست أعرفه، قال أصبغ: وأنا أرى أن يؤدب له إذا كان معروفا بالأذى والفحش والمشارة للناس، وإلا فأدبه حبسه الذي حبس، ولا يؤدب المتساهل للأدب في هذا إلا بعد الإياس من حلفه أو ثباته عليه أو غير ثباته عليه وعند تخليته.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم والكلام عليها هناك فلا معنى لإعادته، وقوله: إنه لا يؤدب في المتساهل للأدب في هذا إلا بعد الإياس من حلفه أو ثباته عليه معناه بعد الإياس من حلفه وثباته عليه فأو هاهنا بمعنى الواو؛ لأنه إنما أراد أنه لا يؤدب إلا بعد الإياس من حلفه ومن ثبات ذلك عليه، وهو معنى قوله أو ثبات ذلك عليه، وبالله التوفيق.
[مسألة: رجل يقول للرجل يا ولد الخبث]
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول وسئل عن رجل يقول للرجل يا ولد الخبث، قال: يضرب الحد، ولا يعلم الخبث إلا الزنا، وقاله أصبغ، وذلك إنما مخرجه على القذف، وإنما ولد
стр. 7769
الخبث ولد الزنا، ليس الخبث بالحديث الذي يذكر إذا كثر الخبث أنه من أشراط الساعة، والخبث في ذلك أولاد الزنا، فإذا قال يا ولد الخبث كان قاذفا له بأنه ولد الزنا، وإنما حرف الناس بذلك الكلام فقالوا يا ولد الخبث وجرت مجرى الخبث في القذف في المشاتمة على اللسان، ومعنى ذلك بينهما الحد، ورواها عيسى بن دينار في كتاب العتق، قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول فيمن قال لرجل يا خبيث الفرج أو قال أنا أعف منك فرجا: إن ذلك كله يضرب فيه الحد تاما، وقاله أصبغ إذا كان في مشاتمة أو غضب ورواها عيسى أيضا في كتاب لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يقول للرجل يا ولد الخبث: إنه يضرب ثمانين، مثله في كتاب ابن المواز وغيره ولا أعرف فيه نص خلاف، وهو بين في المعنى؛ لأن الخبث اسم الفعل من خبث يخبث فنسبة الرجل إليه (نفي له عن) أبيه، إذ ليس هو بصفة فيقال: إنه إنما وصف أباه بذلك، ومخرجه عند الناس أيضا مخرج القذف على ما قاله أصبغ، فإيجاب الحد فيه ظاهر.
وقوله: ليس الخبث بالحديث الذي ذكر إذا كثر الخبث إنه من أشراط الساعة، والخبث في ذلك أولاد الزنا، معناه: ليس الخبث في قوله الرجل للرجل يا ولد الخبث من الخبث المذكور في الحديث وإن كان المراد به أيضا أولاد الزنا؛ لأنه الخبث بفتح الخاء لا الخبث بضمها، وقد قيل: تفسير الحديث «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» : إنهم شرار الناس، ولو
стр. 7770
قال له يا خبيث أو يا ولد الخبيثة لم يجب عليه في ذلك حد، قال في المدونة: ويحلف ما أراد بذلك قذفا، فإن أبى أن يحلف ما أراد بذلك قذفا حبس حتى يحلف فإن طال حبسه نكل، وقال أشهب: إنه يحد إذا أبى أن يحلف، ولابن القاسم في المدونة مثل قول أشهب في نظير هذه المسألة: إنه يحد إذا أبى أن يحلف وهو أظهر، وإنما لم يحد في ذلك لأن الخبث قد يكون في الأخلاق والأفعال فيحلف أنه ما أراد إلا ذلك، وأما إذا قال له يا خبيث الفرج فلا إشكال في أنه يحد إذ قد بين أنه أراد بالخبث الزنا، وبالله التوفيق.
[مسألة: قذف رجلا فأتى بشاهدين شهدا أنهما حضراه يضرب الحد في الزنا]
مسألة وسئل عن رجل قذف رجلا فأتى بشاهدين شهدا أنهما حضراه يضرب الحد في الزنا، قال: لا ينفعه، ويضرب الحد والشاهدان جميعا، قال: ولو جاء بأربعة شهداء أنه حد في الزنا سقط عنه الحد.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة يأتي على قياس قول سحنون في آخر نوازله من كتاب الشهادات في أنه لا يثبت كتاب القاضي إلى القاضي في الزنا إلا بأربعة شهداء على رواية مطرف عن مالك في أن الشهادة على الشهادة في الزنا لا تجوز فيها إلا أربعة على كل واحد من الأربعة اجتمعوا في الشهادة على جميعهم أو افترقوا مثل أن يشهد ثلاثة على الرؤية ويغيب واحد فلا تثبت شهادته إلا بأربعة، وابن القاسم يجوز أن يشهد على شهادته اثنان، وهو مذهب ابن الماجشون، فيأتي على قياس قولهما: إنه يجوز أن يشهد على كتاب القاضي في الزنا شاهدان، وإنه إذا جاء القاذف بشاهدين يشهدان أن المقذوف قد حد في الزنا سقط عنه حد القذف، وهو الذي يوجبه القياس والنظر؛ لأن الشهادة قد تمت على الزنا بأربعة شهداء، فلا يحتاج إلا إلى إثبات قول القاضي على كتابه أو على ضربه أنه إنما يضربه في الزنا، فينبغي أن يثبت ذلك من قوله في الزنا بما يثبت في غير الزنا، إذ لا
стр. 7771
فرق بين الموضعين فيما يلزم الشاهد في تحمل الشهادة، وبالله التوفيق.
[مسألة: رجل قال لرجل من الموالي يا ساقط]
مسألة وسئل مالك عن رجل قال لرجل من الموالي يا ساقط، قال: يضرب الحد، قيل لابن القاسم: فإن لجأ إلى أمر يريده؟ أما أنا فأرى أن يحلف ما أراد نفيه.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة أظهر من قول مالك لاحتمال أن يريد يا ساقط المرتبة في النسب، إذ لست من العرب، وحمله مالك على أنه أراد يا ساقط النسب؛ كأنه قال له: لست من الموالي، ولو قال لرجل من العرب يا ساقط لحد على قولهما جميعا والله أعلم.
[مسألة: شهد عليه شاهد بشرب الخمر وشهد عليه آخر بشرب النبيذ المسكر]
مسألة وسمعت ابن القاسم وسئل عمن شهد عليه شاهد بشرب الخمر وشهد عليه آخر بشرب النبيذ المسكر، فقال يضرب الحد ثمانين؛ لأن شهادتهما قد اجتمعت على المسكر.
قال محمد بن رشد: لفق ابن القاسم الشهادة في هذا وإن كان كل واحد من الشاهدين إنما شهد على غير الشرب الذي شهد عليه صاحبه إذ لو شهدا عليه بهذه الشهادة في موضع واحد لبطلت الشهادة وسقط عنه الحد على ما قاله بعد هذا في سماع أبي زيد، وهو مثل قوله في سماع أبي زيد بعد هذا ومثل روايته عن مالك في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الشهادات في أنه إذا شهد رجلان على رجل بطلاق أو فرية أو شرب الخمر في أيام مختلفة فقال هذا: أشهد أنه طلق امرأته أو رأيته يشرب الخمر أو قذف فلانا في شوال وشهد آخر على مثل ذلك إلا أنه قال في رمضان؛ فإنه يضرب في الفرية والخمر وتطلق عليه امرأته، وكذلك رأى ابن القاسم، وإذا لفق ابن القاسم
стр. 7772
الشهادة في الشرب وإن كان فعلا، ومن مذهبه أن الأفعال لا تلفق من أجل أن الشهادة في هذا على الفعل مسندة إلى القول، وهو المعبر فيها لأنه إنما يحد في الشرب حد القذف من أجل أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى كما قال علي بن أبي طالب ﵁، هذا وجه قول ابن القاسم هذا وروايته عن مالك، والقياس ألا تلفق الشهادة في الشرب؛ لأنه فعل كما لا تلفق في سائر الأفعال، وهو قول محمد بن مسلمة وابن نافع وقد مضى بيان هذا كله في رسم أوصى ورسم العرية ورسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الشهادات، وبالله التوفيق.
[: قولهما إنا رأينا فلانا يزني ومعنا فلان وفلان]
من سماع أبي زيد من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن رجلين شهدا على رجل بالزنا فقالا: معنا شاهدان آخران فلان وفلان، وهما في البلد هل يمكنهما أن يأتيا بهما أم يحدا إذ لم يأتوا جميعا، قال: أرى أن يحدا وذلك لأن قولهما إنا رأينا فلانا يزني ومعنا فلان وفلان، إنما يقولان سلوا فلانا وفلانا عن تصديق ما قلنا، فليس هذا بوجه الشهادة إلا أن يأتوا جميعا.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة في أول رسم من سماع عيسى من كتاب الشهادات، وزاد فيها " قد بلغني ذلك عن مالك "، وعلل ابن القاسم تضعيف الشهادة وإيجاب الحد على الشاهدين في هذه المسألة بعلتين، إحداهما تفرق الشهود في الشهادة فقال: ليس وجه الشهادة إلا أن يأتوا جميعا، والثانية قول الشاهدين اللذين شهدا: معنا فلان وفلان لأنهما حصلا قولهما هذا في معنى من قام على رجل في الزنا وشهد عليه في ذلك فلا يجزئه أن يأتي بثلاثة شهود سواه ويحد إلا أن يأتي بأربعة شهداء، فكذلك
стр. 7773
هذان يحدان إن لم يأتيا على تصديق شهادتهما عليه إلا بشاهدين، وقوله: فإن قالا نعم ثبتت شهادتهما وإن قالا لا كانا قاذفين، هو من قول ابن القاسم على سبيل الإنكار بعد تمام ما حكى من معنى قولهما، كأنه قال تثبت شهادتهما إذا قالا نعم وإلا كانا قاذفين، هذا ما لا يصلح بل قاذفين على كل حال، وقد قيل: إن الشهادة على الزنا جائزة وإن تفرق الشهود ولم يأتوا معا، وعلى هذا القول يأتي ما وقع لابن القاسم في أول رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الشهادات وهو قول ابن الماجشون، واختلف أيضا، إن كان الشهود في الزنا هم القائمون على المشهود عليه به، فقال ابن القاسم في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الشهادات: إن شهادتهم لا تجوز، وحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ أن شهادتهم جائزة وإن كانوا هم القائمين بذلك مجتمعين جاءوا أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضهم من بعض، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال لرجل من مشاتمة ما أعرف أباك وهو يعرفه]
مسألة وقال من قال لرجل من مشاتمة ما أعرف أباك وهو يعرفه، قال: يضرب الحد ثمانين.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه قد نفى أن يكون أبوه هو الذي يعرفه، فقد قطع نسبه منه ونفاه عنه.
[مسألة: قالت لابنها لست ابن أبيك]
مسألة وقال في امرأة قالت لابنها لست ابن أبيك، قال: عليها الحد.
قال محمد بن رشد: وهذا بين أيضا كالمسألة التي قبلها بل هي أبين منها في وجوب الحد إذا قالت ذلك له في مشاتمة؛ لأنها إذا قالت ذلك له
стр. 7774
في غير مشاتمة أشبه قول الرجل في ولده ما أنت لي بابن يريد في عصيانه إياه وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال لجماعة من المسلمين والله ما ترون إلا أني ولد زنا وأنتم أولاد حلال]
مسألة ومن قال لجماعة من المسلمين: والله ما ترون إلا أني ولد زنا وأنتم أولاد حلال معرضا بأشباه هذا، قال: ينظر؛ فإن كانت بينهم عداوة حلف ما أراد حدا، وإن لم تكن عداوة كانت بينهم حلف أيضا، ولم يحد إذا قال ما أردت بذلك فاحشة.
قال محمد بن رشد: قوله " ينظر فإن كانت بينهما عداوة " يقتضي الفرق بين أن تكون بينهما عداوة أو لا تكون، وهو قد ساوى بين ذلك بقوله: إنه يحلف في الموضعين. فآخر كلامه يقضي على أوله، وإنما لم ير عليه الحد إذ ليس بتعريض بين لاحتمال أن يريد: والله ما ترون إلا أني لست ولد حلال كما أنتم، وفي قوله: حلف ولم يحد، ما يدل على أنه إن نكل عن اليمين حد، وفي هذا الأصل اختلاف، فالمشهور من قول ابن القاسم فيه أنه ينكل إذا أبى أن يحلف بعد أن يسجن، وله في بعض المسائل أنه يحد إذا لم يحلف، وهو مذهب أشهب، وقد مضى هذا المعنى في رسم الحدود من سماع أصبغ قبل هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال لامرأته قد سرحتك من زنا]
مسألة وقال: من قال لامرأته قد سرحتك من زنا، قال: يحد ولا طلاق عليه.
قال محمد بن رشد: قوله يحد ولا طلاق عليه يريد إلا أن يلاعن على ما قاله في رسم سلف من سماع عيسى، وهذا على أحد قوليه في المدونة في إيجاب اللعان بالقذف، وفي قوله: إنه لا طلاق عليه نظر وكان القياس أن
стр. 7775
يحد وتطلق عليه امرأته لأن الظاهر من قوله قد سرحتك من زنا أي قد سرحتك من أجل أنك زانية، ومن قال لامرأته قد سرحتك فهي ثلاث في التي قد دخل بها إلا أن ينوي واحدة، وفي التي لم يدخل بها واحدة إلا أن ينوي ثلاثا، وقد قيل: إنها في التي لم يدخل بها ثلاث أيضا إلا أن ينوي واحدة كالتي قد دخل بها، وقد مضى هذا في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك، وإنما قال: إنه لا طلاق عليه لاحتمال أن يريد بقوله قد سرحتك من زنا، أي: قد سرحت لك بأنك زانية، وإذا قلنا: إن هذا معنى ما ذهب إليه؛ فيجب على أصولهم أن يحلف ما أراد إلا ذلك، وحينئذ يسقط عنه الطلاق فيجب أن يتأول قوله على ذلك والله الموفق.
[مسألة: رجل قال لرجل يا ساقط]
مسألة وقال في رجل قال لرجل يا ساقط، قال يحلف بالله ما أراد قذفا فإن حلف لم يكن عليه شيء إلا الأدب إلا أن يقول يا ساقط يتتبع الولائم وما أشبهه.
قال محمد بن رشد: قد مضى في آخر رسم الحدود من سماع أصبغ من قول مالك: إنه يحد في قوله يا ساقط إذا قاله لرجل من الموالي، فأحرى أن يحد إذا قاله لرجل من العرب، وقال ابن القاسم في هذه الرواية: إنه يحلف، ولم يفرق بين أن يكون من الموالي أو من العرب، وظاهره أنه لا فرق بين أن يكون من الموالي أو من العرب، والأظهر أن يفرق بينهما على ما حملنا عليه قوله في رسم الحدود المذكور، وقوله: إلا أن يقول يا ساقط يتتبع الولائم وما أشبهه، يريد: فلا يجب عليه يمين؛ لأنه يجب عليه الحد، وبالله التوفيق.
[مسألة: شهدا على رجل أحدهما أنه سكر في رمضان والآخر أنه سكر في شعبان]
مسألة وقال في رجلين شهدا على رجل شهد أحدهما أنه شرب خمرا
следующие страницы →