← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

فرق بين الموضعين فيما يلزم الشاهد في تحمل الشهادة، وبالله التوفيق. [مسألة: رجل قال لرجل من الموالي يا ساقط] مسألة وسئل مالك عن رجل قال لرجل من الموالي يا ساقط، قال: يضرب الحد، قيل لابن القاسم: فإن لجأ إلى أمر يريده؟ أما أنا فأرى أن يحلف ما أراد نفيه. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة أظهر من قول مالك لاحتمال أن يريد يا ساقط المرتبة في النسب، إذ لست من العرب، وحمله مالك على أنه أراد يا ساقط النسب؛ كأنه قال له: لست من الموالي، ولو قال لرجل من العرب يا ساقط لحد على قولهما جميعا والله أعلم. [مسألة: شهد عليه شاهد بشرب الخمر وشهد عليه آخر بشرب النبيذ المسكر] مسألة وسمعت ابن القاسم وسئل عمن شهد عليه شاهد بشرب الخمر وشهد عليه آخر بشرب النبيذ المسكر، فقال يضرب الحد ثمانين؛ لأن شهادتهما قد اجتمعت على المسكر. قال محمد بن رشد: لفق ابن القاسم الشهادة في هذا وإن كان كل واحد من الشاهدين إنما شهد على غير الشرب الذي شهد عليه صاحبه إذ لو شهدا عليه بهذه الشهادة في موضع واحد لبطلت الشهادة وسقط عنه الحد على ما قاله بعد هذا في سماع أبي زيد، وهو مثل قوله في سماع أبي زيد بعد هذا ومثل روايته عن مالك في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الشهادات في أنه إذا شهد رجلان على رجل بطلاق أو فرية أو شرب الخمر في أيام مختلفة فقال هذا: أشهد أنه طلق امرأته أو رأيته يشرب الخمر أو قذف فلانا في شوال وشهد آخر على مثل ذلك إلا أنه قال في رمضان؛ فإنه يضرب في الفرية والخمر وتطلق عليه امرأته، وكذلك رأى ابن القاسم، وإذا لفق ابن القاسم

стр. 7772

الشهادة في الشرب وإن كان فعلا، ومن مذهبه أن الأفعال لا تلفق من أجل أن الشهادة في هذا على الفعل مسندة إلى القول، وهو المعبر فيها لأنه إنما يحد في الشرب حد القذف من أجل أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى كما قال علي بن أبي طالب ﵁، هذا وجه قول ابن القاسم هذا وروايته عن مالك، والقياس ألا تلفق الشهادة في الشرب؛ لأنه فعل كما لا تلفق في سائر الأفعال، وهو قول محمد بن مسلمة وابن نافع وقد مضى بيان هذا كله في رسم أوصى ورسم العرية ورسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الشهادات، وبالله التوفيق. [: قولهما إنا رأينا فلانا يزني ومعنا فلان وفلان] من سماع أبي زيد من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن رجلين شهدا على رجل بالزنا فقالا: معنا شاهدان آخران فلان وفلان، وهما في البلد هل يمكنهما أن يأتيا بهما أم يحدا إذ لم يأتوا جميعا، قال: أرى أن يحدا وذلك لأن قولهما إنا رأينا فلانا يزني ومعنا فلان وفلان، إنما يقولان سلوا فلانا وفلانا عن تصديق ما قلنا، فليس هذا بوجه الشهادة إلا أن يأتوا جميعا. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة في أول رسم من سماع عيسى من كتاب الشهادات، وزاد فيها " قد بلغني ذلك عن مالك "، وعلل ابن القاسم تضعيف الشهادة وإيجاب الحد على الشاهدين في هذه المسألة بعلتين، إحداهما تفرق الشهود في الشهادة فقال: ليس وجه الشهادة إلا أن يأتوا جميعا، والثانية قول الشاهدين اللذين شهدا: معنا فلان وفلان لأنهما حصلا قولهما هذا في معنى من قام على رجل في الزنا وشهد عليه في ذلك فلا يجزئه أن يأتي بثلاثة شهود سواه ويحد إلا أن يأتي بأربعة شهداء، فكذلك

стр. 7773

هذان يحدان إن لم يأتيا على تصديق شهادتهما عليه إلا بشاهدين، وقوله: فإن قالا نعم ثبتت شهادتهما وإن قالا لا كانا قاذفين، هو من قول ابن القاسم على سبيل الإنكار بعد تمام ما حكى من معنى قولهما، كأنه قال تثبت شهادتهما إذا قالا نعم وإلا كانا قاذفين، هذا ما لا يصلح بل قاذفين على كل حال، وقد قيل: إن الشهادة على الزنا جائزة وإن تفرق الشهود ولم يأتوا معا، وعلى هذا القول يأتي ما وقع لابن القاسم في أول رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الشهادات وهو قول ابن الماجشون، واختلف أيضا، إن كان الشهود في الزنا هم القائمون على المشهود عليه به، فقال ابن القاسم في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الشهادات: إن شهادتهم لا تجوز، وحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ أن شهادتهم جائزة وإن كانوا هم القائمين بذلك مجتمعين جاءوا أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضهم من بعض، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لرجل من مشاتمة ما أعرف أباك وهو يعرفه] مسألة وقال من قال لرجل من مشاتمة ما أعرف أباك وهو يعرفه، قال: يضرب الحد ثمانين. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه قد نفى أن يكون أبوه هو الذي يعرفه، فقد قطع نسبه منه ونفاه عنه. [مسألة: قالت لابنها لست ابن أبيك] مسألة وقال في امرأة قالت لابنها لست ابن أبيك، قال: عليها الحد. قال محمد بن رشد: وهذا بين أيضا كالمسألة التي قبلها بل هي أبين منها في وجوب الحد إذا قالت ذلك له في مشاتمة؛ لأنها إذا قالت ذلك له

стр. 7774

في غير مشاتمة أشبه قول الرجل في ولده ما أنت لي بابن يريد في عصيانه إياه وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لجماعة من المسلمين والله ما ترون إلا أني ولد زنا وأنتم أولاد حلال] مسألة ومن قال لجماعة من المسلمين: والله ما ترون إلا أني ولد زنا وأنتم أولاد حلال معرضا بأشباه هذا، قال: ينظر؛ فإن كانت بينهم عداوة حلف ما أراد حدا، وإن لم تكن عداوة كانت بينهم حلف أيضا، ولم يحد إذا قال ما أردت بذلك فاحشة. قال محمد بن رشد: قوله " ينظر فإن كانت بينهما عداوة " يقتضي الفرق بين أن تكون بينهما عداوة أو لا تكون، وهو قد ساوى بين ذلك بقوله: إنه يحلف في الموضعين. فآخر كلامه يقضي على أوله، وإنما لم ير عليه الحد إذ ليس بتعريض بين لاحتمال أن يريد: والله ما ترون إلا أني لست ولد حلال كما أنتم، وفي قوله: حلف ولم يحد، ما يدل على أنه إن نكل عن اليمين حد، وفي هذا الأصل اختلاف، فالمشهور من قول ابن القاسم فيه أنه ينكل إذا أبى أن يحلف بعد أن يسجن، وله في بعض المسائل أنه يحد إذا لم يحلف، وهو مذهب أشهب، وقد مضى هذا المعنى في رسم الحدود من سماع أصبغ قبل هذا، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لامرأته قد سرحتك من زنا] مسألة وقال: من قال لامرأته قد سرحتك من زنا، قال: يحد ولا طلاق عليه. قال محمد بن رشد: قوله يحد ولا طلاق عليه يريد إلا أن يلاعن على ما قاله في رسم سلف من سماع عيسى، وهذا على أحد قوليه في المدونة في إيجاب اللعان بالقذف، وفي قوله: إنه لا طلاق عليه نظر وكان القياس أن

стр. 7775

يحد وتطلق عليه امرأته لأن الظاهر من قوله قد سرحتك من زنا أي قد سرحتك من أجل أنك زانية، ومن قال لامرأته قد سرحتك فهي ثلاث في التي قد دخل بها إلا أن ينوي واحدة، وفي التي لم يدخل بها واحدة إلا أن ينوي ثلاثا، وقد قيل: إنها في التي لم يدخل بها ثلاث أيضا إلا أن ينوي واحدة كالتي قد دخل بها، وقد مضى هذا في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك، وإنما قال: إنه لا طلاق عليه لاحتمال أن يريد بقوله قد سرحتك من زنا، أي: قد سرحت لك بأنك زانية، وإذا قلنا: إن هذا معنى ما ذهب إليه؛ فيجب على أصولهم أن يحلف ما أراد إلا ذلك، وحينئذ يسقط عنه الطلاق فيجب أن يتأول قوله على ذلك والله الموفق. [مسألة: رجل قال لرجل يا ساقط] مسألة وقال في رجل قال لرجل يا ساقط، قال يحلف بالله ما أراد قذفا فإن حلف لم يكن عليه شيء إلا الأدب إلا أن يقول يا ساقط يتتبع الولائم وما أشبهه. قال محمد بن رشد: قد مضى في آخر رسم الحدود من سماع أصبغ من قول مالك: إنه يحد في قوله يا ساقط إذا قاله لرجل من الموالي، فأحرى أن يحد إذا قاله لرجل من العرب، وقال ابن القاسم في هذه الرواية: إنه يحلف، ولم يفرق بين أن يكون من الموالي أو من العرب، وظاهره أنه لا فرق بين أن يكون من الموالي أو من العرب، والأظهر أن يفرق بينهما على ما حملنا عليه قوله في رسم الحدود المذكور، وقوله: إلا أن يقول يا ساقط يتتبع الولائم وما أشبهه، يريد: فلا يجب عليه يمين؛ لأنه يجب عليه الحد، وبالله التوفيق. [مسألة: شهدا على رجل أحدهما أنه سكر في رمضان والآخر أنه سكر في شعبان] مسألة وقال في رجلين شهدا على رجل شهد أحدهما أنه شرب خمرا

стр. 7776

في رمضان وشهد الآخر أنه شرب المسكر في شعبان، قال: يضرب الحد، قيل له: أرأيت إن شهدا بهذه الشهادة في موضع واحد؟ قال: لا يحد. قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها في آخر رسم الحدود من سماع أصبغ فلا معنى لإعادته. [مسألة: قال لرجل يا محدود في الزنا] مسألة وقال في من قال لرجل يا محدود في الزنا: فإن لم يأت بأربعة شهداء على أن الإمام جلده في زنا جلد الحد. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة في آخر رسم من سماع أصبغ فلا معنى لإعادته. [مسألة: تقاذفا فأرادا أن يتعافيا قبل أن يبلغا السلطان] مسألة وسئل عن رجلين تقاذفا فأرادا أن يتعافيا قبل أن يبلغا السلطان، قال: ذلك لهما، وإن لم يتعافيا إلا بعد أن يبلغا السلطان فليس ذلك لهما، فهو بمنزلة السرقة. قال محمد بن رشد: هذا مثل أحد قولي مالك في المدونة أن للمقذوف أن يعفو عمن قذفه ما لم ينته الأمر إلى السلطان، فإذا انتهى إليه لم يجز عفوه عنه إلا أن يريد سترا، وقد مضى في أول رسم من سماع أشهب الكلام على هذا المعنى مستوفى، وأنه يتحصل فيه ثلاثة أقوال، أحدها أنه لا يتعلق بالقذف، حق الله تعالى، فللمقذوف أن يعفو عمن قذفه وإن بلغ إلى السلطان أراد سترا أو لم يرده، والثاني أنه يتعلق به حق الله تعالى فلا يجوز للمقذوف أن يعفو عمن قذفه بلغ السلطان أو لم يبلغ، والثالث قوله في هذه الرواية: إنه لا يتعلق به حق الله تعالى حتى يبلغ إلى السلطان فله أن يعفو إن لم

стр. 7777

يبلغ إلى السلطان، فإذا بلغ لم يجز له العفو عنه إلا أن يريد سترا، وبالله التوفيق. [مسألة: أربعة نفر شهدوا على رجل أنه زنى بامرأة فأخذ الرجل وهربت المرأة] مسألة وسئل عن أربعة نفر شهدوا على رجل أنه زنى بامرأة فأخذ الرجل وهربت المرأة، قال شاهدان: رأيناه يزني بفلانة التي هربت، وقال الآخران: رأيناه يزني بامرأة، وشهادتهم معتدلة في موضع واحد على أمر واحد إلا أنهما لا يدريان أهي فلانة أو غيرها؟ ولا يعرفان المرأة، قال: يحد الشهود جميعا لأنهم قذفة للمرأة. قال محمد بن رشد: قوله: يحد الشهود جميعا لأنهم قذفة للمرأة، معناه: يحد الشهود جميعا للرجل؛ لأن شهادتهم عليه بالزنا تسقط بقذفهم للمرأة التي شهدوا أنها زنى بها؛ إذ لم يعينها منهم إلا اثنان، ولو عينوها جميعا أو لم يعينها واحد منهم لجازت شهادتهم في الزنا وحد حد الزنا، وحدت المرأة أيضا إن عينوها جميعا، وإسقاط شهادتهم في الزنا بقذفهم المرأة خلاف المشهور في المذهب من أن شهادة القاذف لا تسقط إلا بعد إقامة الحد عليه، والذي يأتي في هذه المسألة على المشهور في المذهب من أن شهادة القاذف لا تسقط إلا بعد إقامة الحد عليه أن تجوز شهادتهم على الرجل في الزنا فيحد بها حد الزنا، وإن كان الاثنان منهم قاذفين للمرأة التي شهدا أنه زنى بها وعرفاها فهربت، وإن أتت فقامت بحدها عليهما حدا لها، وقد مضت شهادتهما قبل في الزنا على الرجل، وما ذهب إليه ابن القاسم في هذه المسألة من أن القاذف تسقط شهادته بالقذف قبل إقامة الحد عليه مثله لأصبغ في نوازله من كتاب الشهادات، ولابن الماجشون وسحنون وهو مذهب الشافعي قال: هو قبل الحد شر منه بعد الحد؛ لأن الحدود كفارات لأهلها فكيف تقبل شهادته في شر حاليه، وخالفه مالك وأكثر أصحابه وأبو حنيفة وأصحابه، وقد حمل

стр. 7778

بعض أهل النظر قوله: يحد الشهود لأنهم قذفة للمرأة على ظاهره، واعترض المسألة فقال: انظر قوله: يحد الشهود لأنهم قذفة فإن من أصله ألا يحد في القذف للغائب، وهم إذا لم يحدوا كيف يستجرحوا؟ فتدبر ذلك، والمعنى في المسألة إنما هو ما قد ذكرته، وبالله التوفيق. [مسألة: يؤخذ مع المرأة في بيت واحد وهما متهمان] مسألة وسئل عن رجل يؤخذ مع المرأة في بيت واحد وهما متهمان، قال: يضربان ضربا جيدا وجيعا، قيل له: بثيابهما؟ قال: لا؛ بل على حال تضرب الحدود. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، وكذلك قال مالك في الذي يوجد مع قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب: إنه يؤدب، وإن قال إني صائم ولا يلتفت إلى قوله. [مسألة: المرأة في ضرب الحد يكون عليها ثوبان] مسألة قيل له: المرأة في ضرب الحد يكون عليها ثوبان؟ قال: لا أرى بأسا بثوبين وينزع عنها ما سوى ذلك. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها أنه ينزع عنها ما يقيها الضرب ويترك عليها ما سوى ذلك، وقد مضى في مساجد القبائل من سماع ابن القاسم زيادات في هذا المعنى، وبالله التوفيق. [مسألة: شهد أربعة نفر بالزنا على رجل ثم نزع واحد بعدما تمت الشهادة وأنفذت] مسألة قال ابن القاسم: إذا شهد أربعة نفر بالزنا على رجل ثم نزع واحد بعدما تمت الشهادة وأنفذت: إنه لا يضرب الحد إلا الذي نزع، قيل له: فإن نزع أيضا آخر بعد ذلك من الأربعة وذلك بعدما أقيم عليه الحد؟ قال يضرب الخامس الذي نزع أولا والرابع الذي

стр. 7779

نزع آخرا، ولا شيء على الثلاثة الذين ثبتوا على الشهادة، وكذلك لو رجم ثم نزع الخامس لم يكن عليه شيء، فإن نزع أحد من الأربعة ضرب الخامس الذي نزع والرابع الذي نزع وكان عليهما ربع الدية. قال محمد بن رشد: أما إذا رجع الخامس من الشهود في الزنا فسواء كان رجوعه قبل إنفاذ الشهادة بإقامة الحد أو بعد ذلك لا شيء عليه كما قاله ابن القاسم في هذه الرواية، وقد روي عنه أن عليه الحد، ذكر ابن المواز اختلاف قوله في ذلك وأن قول أشهب اختلف في ذلك أيضا، واختار هو قوله هاهنا أنه لا حد عليه، ولا اختلاف في أنه لا شيء عليه من الدية إن كان رجوعه بعد إقامة الحد عليه بالرجم، وأما إن رجع بعد ذلك أحد الأربعة؛ فإن كان ذلك قبل إقامة الحد عليه حدوا كلهم بدليل قوله في هذه الرواية: إنه لا يضرب إذا نزع أحدهم بعدما تمت الشهادة وأنفذت إلا الذي نزع وحده، وقد قيل: إنه لا يضرب إذا نزع أحدهم إلا الذي نزع وحده كان نزوعه ورجوعه قبل إقامة الحد أو بعده، وهو ظاهر قوله في المسألة التي بعد هذه، قيل له: فإن نزع أحد من الشهود الأربعة؟ قال: يضرب الذي نزع، وهو الذي يوجبه النظر؛ لأنه يتهم أن ينزع عن الشهادة ليوجب الحد على من شهد معه، وإنما يحد الشهود كلهم إذا شهد الثلاثة منهم ولم يأت الرابع بالشهادة على وجهها، وإن كان ذلك بعد إقامة الحد عليه حد هو والخامس الذي رجع قبله إن كان لم يحد، ولا حد على الثلاثة الذين ثبتوا على الشهادة، ولا اختلاف في هذا، واختلف فيما يكون عليه وعلى الخامس من الدية إن كان رجوعه بعد أن رجم فقال في هذه الرواية: إنه يكون عليهما ربع الدية، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وقيل: يكون عليهما خمسا الدية، وهو قول ابن وهب وأشهب، ولا اختلاف في أن الدية تكون عليهم أخماسا إن رجعوا كلهم، وبالله التوفيق.

стр. 7780

[مسألة: رجع واحد منهم قبل أن تتم الشهادة على الزنا] مسألة قال ابن القاسم: ولو أن رجلا قذف رجلا بالزنا فلما أرادوا أن يقيموا عليه حد الفرية قال: أنا آتي بالمخرج مما قلت، فأتى بأربعة شهداء فشهدوا عليه، قال: يضرب المقذوف ولا شيء على القاذف لأنه قد أتى بالمخرج مما قال، قيل له: فإن نزع أحد من الشهود الأربعة؟ قال: يضرب المقذوف ولا شيء على القاذف؛ لأنه قد برئ أولا وتمت الشهادة، فليس نزوع أحد الشهود بالذي يوجب عليه الحد، وقد برئ منه أولا، وكذا لو نزع الأربعة ضربوا كلهم الحد ولا شيء على القاذف. قال محمد بن رشد: قوله: إذا أتى بأربعة شهداء فشهدوا يضرب المقذوف الذي نزع يريد يحد حد الزنا: الجلد إن كان بكرا أو الرجم إن كان ثيبا، وقوله: ولا شيء على القاذف؛ لأنه قد أتى بالمخرج مما قال وهو كما قال بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] لأن فيه دليلا هو كالنص لإجماع العلماء عليه أنه إن أتى بأربعة شهداء سقط عنه الحد، وأما قوله: إنه إن نزع أحد الشهود الأربعة يضرب الذي نزع ولا شيء على القاذف فمعناه: يضرب الذي نزع وحده ولا شيء على القاذف وذلك إذا رجع واحد منهم بعد أن شهدوا كلهم وتمت الشهادة، وكذلك إن رجعوا كلهم بعد أن شهدوا وتمت الشهادة، وأما إن رجع واحد منهم قبل أن تتم الشهادة مثل أن يشهد ثلاثة فيرجع الواحد منهم ثم يأتي الرابع فيشهد؛ فإنهم يحدون كلهم إذ لم تتم الشهادة ويحد القاذف إلا أن يأتي

стр. 7781

بأربعة شهداء سواهم؛ لأن الشهادة إذا تمت فقد سقط بتمامها الحد عن القاذف ووجب الحد على المشهود عليه، فإن رجع واحد منهم بعد ذلك أو رجعوا كلهم لم يصح أن يرجع برجوع من رجع منهم عن الشهادة الحد على القاذف الذي قد سقط عنه، ولا أن يحد المشهود عليه وقد رجع بعض الشهود عليه عن الشهادة، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق. [مسألة: ضرب عبده الحد في الزنا بالدرة] مسألة وقال في رجل ضرب عبده الحد في الزنا بالدرة قال إن كان ضربه بها الظهر أجزأه، وما هو بالبين. قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في رسم العتق من سماع عيسى فلا معنى لإعادته. [مسألة: البكر يزني فيوجد بمكة وهو محرم حاج] مسألة وسئل عن البكر يزني فيوجد بمكة وهو محرم حاج أترى إذا أقيم عليه الحد أن ينفى وهو محرم ولا يترك يحج؟ قال: نعم ينفى ولا ينتظر به أن يفرغ من الحج. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن التغريب على البكر الزاني من تمام الحد الذي أوجبه الله على لسان رسوله، فتعجيله واجب لا يصح أن يؤخر من أجل إحرامه بالحج ولعله إنما أحرم به فرارا من السجن، وقد كان مالك إذا سئل في شيء من الحدود أسرع الجواب وأظهر السرور، وقال: بلغني أنه يقال: لحد يقام بأرض خير من مطر أربعين صباحا، وإذا سجن في ذلك بما أوجبه الله تعالى عليه على لسان رسوله كان حكمه كحكم المحصر بمرض لا يحل من شيء من إحرامه حتى يطوف بالبيت، فإن بقي على إحرامه إلى حج قابل فحج به لم يكن عليه هدي، وإن حل بعمرة قبل أن يحج كان عليه قضاء الحج وهدي عن تحلله من إحرامه بالعمرة،

стр. 7782

ينحره في حج القضاء لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية فهذا الهدي على مذهب مالك هو الهدي الأول، وعند عروة بن الزبير وجماعة من العلماء أن الهدي الأول غير الثاني، وأن الأول يجب له به لبس الثياب وإلقاء التفث وهو بموضعه إذا وصل الهدي إلى مكة بميعاد يضربه، والثاني لفوات الحج وتحلله بالعمرة، وبالله التوفيق. [مسألة: قال فمن أكرمني لابني فهو ابن الفاعلة] مسألة وقال في رجلين كانت بينهما منازعة فقال أحدهما لصاحبه إنما أكرمك لكرامة ابنك، وكثير من جيرتك يكرمونك لولدك قال فمن أكرمني لابني فهو ابن الفاعلة، قال: ينظر فإن كان ذلك أمرا معروفا لا شك فيه إنما يكرم لولده ضرب الحد وإلا فلا شيء عليه، ونزلت. قال محمد بن رشد: المعنى عندي في هذه المسألة أن الذي قال إنما أكرمك لكرامة ابنك ادعى لما قال: فمن أكرمني لابني فهو ابن الفاعلة فهو إنما أكرمه لابنه فقال: إن كان ذلك أمرا معروفا لا شك فيه أنه إنما يكرم لولده ضرب الحد أي صدق فيما ادعاه من أنه إنما أكرمه لابنه فوجب عليه الحد دون يمين على ظاهر هذه الرواية؛ لأنها يمين تهمة، وقد سقطت التهمة عنه في ذلك بكون إكرام الناس له بسبب ابنه أمرا معروفا لا شك فيه، وهذا من معنى ما تقدم في رسم استأذن من سماع عيسى، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لرجل يا مرائي ما ترى عليه] مسألة وسئل عن رجل قال لرجل يا مرائي ما ترى عليه؟ قال على

стр. 7783

قدر ما يرى الإمام، أرأيت لو قال رجل لليث بن سعد يا مرائي، وقال لي مثل ذلك أكنت ترى أن يضرب الذي قال لي مثل ربع ما يضرب الذي قال لليث؟ ومن الناس ناس لو قيل لهم ذلك لرأيتهم لذلك أهلا. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الإذاية بالشتم فيما دون الحد، العقوبة فيه على قدر حال القائل والمقول له، وضرب ابن القاسم المثل في هذا بنفسه مع الليث بن سعد تواضعا منه وإقرارا بموضع الليث بن سعد من الجلالة والفضل، وله هو من الجلالة والفضل والورع ما يستوجب به قائل ذلك أشد ما يستوجب من قال لأحد من الناس ذلك القول، وبالله التوفيق. [مسألة: قالت له امرأته زنيت بجاريتي ثم نزعت وقالت حملتني على ذلك الغيرة] مسألة قال ابن القاسم في رجل قالت له امرأته زنيت بجاريتي أو بجارية فلان ثم نزعت وقالت حملتني على ذلك الغيرة، قال: لا حد عليها، وقد قال مالك في امرأة قالت لزوجها رأيتك تلوط بصبي، قال فلم ير عليها الحد. قال محمد بن رشد: المسألة التي لم ير مالك فيها الحد على المرأة بقولها لزوجها رأيتك تلوط بصبي هي نازلة نزلت في زمنه وقعت في الثمانية بكمالها من رواية مطرف قال: ولقد كانت عندنا بالمدينة امرأة لها زوج فكان يدخل عليها كل يوم ومعه صبي فيرقى به في سطح ويكون معه ويقعد ثم يخرج فيذهب، فكانت امرأته تقول له: ما شأن هذا الصبي يرقى معك إلى السطح كل يوم وكأنها اتهمته؟ فاعتذر لها وقال: هو ابن صديق لي، وإنما

стр. 7784

أقعد معه أتحدث ومثل ذلك من العذر، وإن زوجها جاء به يوما فصعد به إلى السطح فذهبت.. ما يصنع؟ فوجدته على الصبي فذهبت به إلى الأمير فرفعت ذلك إليه وأعلمته بالقصة، فاستشار الأمير فيها فقهاء المدينة المغيرة وغيرهم، فكلهم قال: أرى أنها قد رمته بحد فنرى عليها الحد ولا نرى عليه شيئا إذ لم يكن إلا قولها واستشار فيها مالكا وبعث إليه بالمرأة فأخبرته بالخبر، فأشار عليه مالك أن يخلي سبيلها وأن يضرب زوجها خمسة وسبعين سوطا، قال: فخلاها وضربه خمسة وسبعين سوطا، وقال أصبغ مثل قول مالك، وقال: هو الحق والصواب إن شاء الله، وإنما أسقط الحد عنها المغيرة وقد جاء عن النبي ﵇ «إن الغيرة ألا تدري أين أعلى الوادي من أسفله» ، قال أصبغ: الغيرة شبه الجنون، ولا أظن ضربه مالك إلا بأمر قد أقر به على نفسه، قال أصبغ: فالغيرة شبهتها التي سقط عنها بها الحد، ولو كانت غير زوجة كان عليها الحد، وبهذا المعنى أسقط ابن القاسم الحد عن التي قالت لزوجها زنيت - بجاريتها أو بجارية فلان - ثم نزعت. والله الموفق. [مسألة: قال رأيت امرأتي في لحاف واحد مع رجل] مسألة قال في رجل قال رأيت امرأتي في لحاف واحد مع رجل: إنه يؤدب وكذلك الرجل يقول لامرأته رأيت على بطنها رجلا: إنه يؤدب أدبا شديدا ولا يبلغ به الحد. قال محمد بن رشد: أما إذا قال رأيت امرأتي في لحاف واحد مع رجل أو رأيت امرأة أجنبية مع فلان في بيت فبين أنه لا حد عليه، وأما إذا قال رأيت رجلا على بطن امرأتي أو على بطن فلانة - لأجنبية - فإنه يشبه أن يكون ذلك من التعريض الذي يجب فيه الحد، فقد قال في المدونة في الذي قال

стр. 7785

جامعت فلانة بين فخديها أو في أعكانها: إنه من التعريض الذي يجب فيه الحد، فالذي يجيء على أصله في المدونة، إذا قال رأيت فلانا على بطن امرأتي أو على بطن فلانة - لأجنبية - ألا يؤدب إلا بعد أن يحلف أنه ما أراد بذلك تزنيتها، وإن نكل عن اليمين أدب أدبا شديدا لا يبلغ به الحد وعلى أصل أشهب: يحد إذا نكل عن اليمين، وقد مضى هذا المعنى في رسم الحدود من سماع أصبغ. [مسألة: قال أنا أقذفك بالزنا إن كنت في عيال زوج أمي] مسألة وقال في رجل قال لرجل ألا تستحي وأنت في عيال زوج أمك؟ فقال أنا أقذفك بالزنا إن كنت في عيال زوج أمي، قال ابن القاسم: إن وجد بينة أنه في عيال زوج أمه ضرب الحد، وإن لم تكن له بينة أدب. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن من قال: إن كان كذا وكذا لشيء يعلم أن ذلك الشيء كذلك ففلان زان أو ولد زنا فعليه الحد فكذلك هذا إذا أثبت المقول له أن القائل في عيال زوج أمه حد له حد القذف لأنه قد حصل قاذفا له بوجود الشرط الذي شرط قذفه به، وبالله التوفيق. [مسألة: لا يضرب السكران الحد حتى يفيق] مسألة قال ابن القاسم: لا يضرب السكران الحد حتى يفيق، قيل له: فإن خشي الإمام أن تأتيه شفاعة فيبطل حدا من حدود الله، أترى أن يضربه وهو سكران؟ قال: لا. قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو لا اختلاف فيه؛ لأن السكران إذا لم يكن معه عقله لا يجد ألم الضرب، ولم يقل إن فعل هل يجزئه من الحد أم لا؟ والذي أقول به: إن كان مستغرقا في السكر قد بلغ منه

стр. 7786

إلى حد لا يعرف فيه الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فلا يجزئه، ويحد إذا أفاق، وإن كان ممن يخطئ ويصيب ويميز بعض الميز فلا يعاد عليه الضرب إذا أفاق، وبالله التوفيق. [مسألة: حكم دردي النبيذ الذي يسكر] مسألة وسئل عن عجين عجن بدردي، وذلك أنه لم توجد خميرة تجعل فيه، أترى أن يؤكل؟ قال: يطرح ولا يؤكل، والدردي: الخاتر الذي يكون في قاع القلة من النبيذ. قال محمد بن رشد: يريد دردي النبيذ الذي يسكر؛ لأن حكم دردي النبيذ الذي يسكر حكم النبيذ المسكر، كما أن حكم دردي الخمر حكم الخمر، فكما لا يجوز أن يعجن العجين بالخمر ولا بدرديه ويطرح إن عجن بذلك، فكذلك يطرح على مذهبه إذا عجن بدردي النبيذ المسكر أو بالنبيذ المسكر، وإنما يخالف في هذا أهل العراق الذين يقولون: إن ما دون المسكر من الأنبذة المسكرة حلال، ويرد قولهم السنة الثابتة عن النبي ﵇ المنقولة نقل التواتر «ما أسكر كثيره فقليله حرام» ولو لم ترد في ذلك سنة لوجب تحريم قليل الأنبذة المسكرة وكثيرها بالقياس على الخمر لوجود علة التحريم فيها وهي الإسكار الذي يوجب العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله والصلاة، وقد نص الله تعالى على هذه العلة في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١] الآية، وبالله التوفيق. تم كتاب الحدود والقذف بحمد الله.

стр. 7787

[: كتاب المرتدين والمحاربين] [ مسألة: اقتتلت طائفتان من المؤمنين] من سماع ابن القاسم من مالك بن أنس قال: وحدثني محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة عن عائشة أنها قالت: ما رأيت ما ترك الناس في هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا﴾ [الحجرات: ٩] الآية. قال محمد بن رشد: روي عن عبد الله بن عباس أنه قال في تأويل هذه الآية: إن الله تعالى أمر نبيه ﷺ إذا ما اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم بينهم بكتاب الله حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم فهو باغ وحق على الإمام أن يجاهدهم ويقاسمهم حتى يفوا إلى أمر الله ويقروا بحكم الله، وروي أن الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه وروي «أن رسول الله ﷺ -

стр. 7788

أقبل على حمار حتى وقف في مجلس من مجالس الأنصار فكره بعضهم موقفه وهو عبد الله بن أبي بن سلول، فقال له: خل لنا سبيل الريح من نتن هذا الحمار وأمسك بأنفه، فمضى رسول الله ﷺ وغضب له بعض القوم وهو عبد الله بن رواحة، فقال له: قلت هذا القول؟ فوالله لحماره أطيب ريحا منك، فاستبا، ثم اقتتلت عشائرهما، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأقبل يصلح بينهم فكأنهم كرهوا ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: ٩] إلى آخر الآية» فأرادت عائشة ﵂ بقولها، والله أعلم: ما رأيت ما ترك الناس في هذه الآية نسبة التقصير إلى من أمسك من الصحابة عن الدخول في الحرب التي وقعت بينهم واعتزلهم وكف عنهم ولم يكن مع بعضهم على بعض، ورأت أن الحظ لهم والواجب عليهم إنما كان أن يروموا الإصلاح بينهم، فإن لم يقدروا عليه، كانوا مع من رأوا أنه على الحق منهم على ما تقضيه الآية، وإنما أمسك من أمسك منهم عن نصرة بعضهم على بعض طلبا للخلاص والنجاة مما شجر بينهم إذ لم يبن لهم من كان على الحق منهم والله أعلم، فكان فرضهم ما فعلوه من الإمساك، إذ لا يحل قتال مسلم بشك، كما كان فرض كل من قاتل منهم ما فعلوه من القتال لاعتقاد أنه مصيب به باجتهاده، فكلهم محمود على ما فعله، القاتل منهم والمقتول في الجنة، فهذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم لأن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله فقال عز من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، أي خيارا عدولا، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] ، الآية، وقال رسول الله ﷺ :

стр. 7789

«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ، وقال: «عشرة من قريش في الجنة» فسمى فيهم عليا وطلحة والزبير والذي يقول أئمة أهل السنة والحق أن عليا ﵁ ومن اتبعه كان على الصواب والحق، وأن طلحة والزبير كانا على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما فكان فرضهما ما فعلاه، إذ هما من أهل الاجتهاد، ومن الناس من يجعل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، ويقول: إن كل مجتهد فيها مصيب كسائر مسائل الأحكام، وليس ذلك بصحيح، ومن أئمة المعتزلة من يقف في علي وطلحة والزبير وعائشة فيقول: لا يدرى من المصيب منهم من المخطئ؟ ومن الناس من يقول: إن من خالف عليا كان على الخطأ والعصيان إلا أنهم تابوا ورجعوا إلى موالاة علي ﵁ قبل أن يموتوا، واستدلوا على ذلك برجوع الزبير وندم عائشة وبكائها إذ ذكر لها يوم الجمل، وقول طلحة لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه: امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين. والذي قلناه من أنهم اجتهدوا فأصاب علي وأخطأ طلحة والزبير هو الصحيح الذي يلزم اعتقاده، فلعلي أجران لموافقته الحق باجتهاده ولطلحة والزبير أجر واحد لاجتهادهما، وبالله التوفيق.

стр. 7790

[مسألة: طاعة ولى الأمر] مسألة قال مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن شهاب: إن شداد بن أوس غطى رأسه فبكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: إنما أخاف عليكم من قبل رؤسائكم الذين إذا أمروا بطاعة الله أطيعوا، وإذا أمروا بمعصيته أطيعوا، إنما مثل المنافق كالجمل المختنق فمات في ريفه لا يعدو شره ريقه، قال عيسى: قال ابن القاسم: الريق الذي يجعل للخروف يمنع به الرضاع. قال محمد بن رشد: شداد بن أوس هذا من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار ابن أخي حسان بن ثابت الأنصاري قال فيه عبادة بن الصامت: كان شداد بن أوس ممن أوتي العلم والحلم، وقال أبو الدرداء: يؤتي الرجل العلم ولا يؤتيه الحلم ويؤتيه الحلم ولا يؤتيه العلم وإن أبا يعلى شداد بن أوس ممن آتاه الله العلم والحلم، وبكاؤه من حذره على الناس طاعتهم لرؤسائهم في الطاعة والمعصية من الحلم الذي آتاه الله إياه، وتمثيله للمنافق بالجمل الذي يختنق في ريقه فيموت فيه من العلم الذي قد آتاه إياه لأنه تمثيل صحيح؛ لأن المنافق يهلك باعتقاده فلا يتأذى به سواه إذ لا يظهره كالخروف يموت بريقه إذا اختنق به فلا يتأذى به سواه وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: التكذيب برسول الله مضاد للإيمان] مسألة قال مالك: قال آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ويقول الله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الآية، قال مالك: فأي كلام

стр. 7791

أبين من هذا؟ قال ابن القاسم وروايته تأولها على أهل الأهواء قال ابن القاسم: قال مالك: إنما هذه الآية. لأهل القبلة، قال مالك: كان هاهنا رجل يقول والله ما بقي دين إلا وقد دخلت فيه، يعني الأهواء فلم أر شيئا مستقيما، يعني بذلك فرق الإسلام فقال له رجل: أنا أخبرك، ما شأنك لا تعرف المستقيم لأنك رجل لا تتقي الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قال سحنون: بلغني أن الذي قال له ذلك القاسم بن محمد. قال محمد بن رشد: تأويل مالك لهذه الآية في أهل القبلة يدل على أنه رآهم كفارا بما يؤول إليه قولهم وذلك في مثل القدرية الذين يقولون إنهم خالقون لأفعالهم قادرون عليها بمشيئتهم وإرادتهم دون مشيئة الله، لم يرد الكفر والعصيان من عباده ولا شاءه ولا قدره عليهم، ففعلوه هم بمشيئتهم وقدرتهم وإرادتهم، وفي مثل المعتزلة الذين ينكرون صفات ذات البارئ من علمه وكلامه وإرادته وحياته إلى ما سوى ذلك من الأشياء التي تسد عليهم طريق المعرفة بالله تعالى وأشباههم من الروافض والخوارج والمرجئة لأن هؤلاء ونحوهم هم الذين يختلف في تكفيرهم بما لقولهم فيرى من يكفرهم بما لقولهم على من صلى خلفهم إعادة الصلاة في الوقت وبعده ويستتيبهم أسروا بدعتهم أو أعلنوها على ما قاله في رسم يدبر من سماع عيسى، فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بالمرتد، ولا يرى من لا يكفرهم بما لقولهم إعادة الصلاة على من صلى خلفهم ولا استتابهم وإنما يفعل بهم كما فعل عمر بن الخطاب بصبيغ من ضربه أبدا حتى يتوب، ومنهم من يستحب له إعادة الصلاة في الوقت، ومنهم من يفرق بين أن يكون الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة أو غيره من الناس حسبما مضى القول فيه في رسم الصلاة الثاني من

стр. 7792

سماع أشهب من كتاب الصلاة، ومن أهل الأهواء ما هو اعتقادهم كفر فلا يختلف في تكفيرهم، ومنه ما هو خفيف لا يؤدي بمعتقديه إلى الكفر إلا بالتركيب، وهو أن يلزم على قوله ما هو أغلظ منه وعلى ذلك الأغلظ ما هو أغلظ حتى يؤول به ذلك الأغلظ إلى الكفر فهذا لا يكفر به بإجماع، والكفر بالله الذي هو التكذيب برسول الله أو بشيء مما جاء به عن الله مضاد للإيمان الذي هو المعرفة بالله والتصديق به وبكل ما جاء به رسوله من عنده، فلا يجتمع الكفر والإيمان في محل واحد لتضادهما، وهما من أفعال القلوب، فلا يعلم أحد كفر واحد ولا إيمانه قطعا لاحتمال أن يظن خلاف ما يظهر كالمنافقين والزنادقة وشبههم إلا بالنص من صاحب الشرع على كفر أحد أو إيمانه أو بأن يظهر منه عند المناظرة والمجادلة والمباحثة لمن ناظره أو باحثه ما يقع له به العلم الضروري لأنه معتقد لما يجادل عليه من كفر أو ما يدل عليه من مذهب يعتقده إلا أن أحكامه تجري على الظاهر من حاله، فمن ظهر منه ما يدل على الكفر حكم له بأحكام الكفر، ومن ظهر منه ما يدل على الإيمان حكم له بأحكام الإيمان. ويدل على الكفر وجهان باتفاق، أحدهما أن يقر على نفسه بالكفر، والثاني أن يفعل فعلا أو يقول قولا قد ورد السمع والتوقيف بأنه لا يقع إلا من كافر فيصير ذلك علما على الكفر، وإن لم يكن كفرا في نفسه، وذلك نحو استحلال شرب الخمر وغصب الأموال واستباحة القتل والزنا والسرقة وعبادة شيء من دون الله والاستخفاف بالرسل وجحد سورة من كتاب الله وأمثال ذلك مما ورد التوقيف فيه أنه لا يكون إلا من كافر، ووجه ثالث على اختلاف وهو أن يقر - على نفسه باعتقاد - مذهبا يسد عليه طريق المعرفة بالله كنحو ما يعتقده القدرية والمعتزلة والخوارج والروافض، فقيل إنهم يكفرون بذلك، وهو الذي يدل عليه قول مالك في هذه الرواية حسبما ذكرناه، وقوله في آخر كتاب الجهاد في المدونة: إنهم يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا لأن هذا هو حكم المرتد، وقيل إنهم لا يكفرون بذلك وهو الأظهر لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 7793

وسلم في الخوارج ويتمارى في الفرق لأنه يدل على الشك في خروجهم عن الإيمان وإذا شك في خروجهم منه وجب ألا يخرجوا إلا بيقين، وبالله التوفيق. [مسألة: يبيع السلاح لمن يناوئ به أهل الإسلام] مسألة وقال مالك في الذي يسافر إلى أرض البربر فيدخل بلاد أهل الأهواء فيكون معه السيف والسرج فيريد أن يبيع منهم وهم أصحاب بدع وأصحاب أهواء يقاتل بعضهم بعضا، قال: لا أحب أن يبيع السلاح لمن يناوئ به أهل الإسلام. قال محمد بن رشد: قوله: لا أحب، معناه: لا يجوز أن يفعل ذلك، وقد اختلف إن فعل ذلك ومضى وفات ولم يعلم من باعه منه ولا قدر على رده فيما يلزمه فيما بينه وبين ربه في التوبة من ذلك على ثلاثة أقوال، أحدها أنه يلزم أن يتصدق بجميع الثمن وهذا على القول بأن البيع فيها غير منعقد وأنها باقية على ملكه لوجوب رد الثمن على هذا القول إلى المبتاع إن علمه والصدقة عنه به إن جهله كالربا والثاني أنه لا يلزم أن يتصدق إلا بالزائد على قيمته لو بيع على وجه جائز، وهذا على القول بوجوب فسخ البيع في القيام وتصحيحه بالقيمة في الفوات، والثالث أنه لا يجب عليه أن يتصدق بشيء منه إلا على وجه الاستحباب مراعاة للاختلاف، وهذا على القول بأن البيع إن عثر عليه لم يفسخ ويباع على المبتاع، وقد مضى هذا المعنى في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب التجارة إلى أرض الحرب. [: الرد على أهل القدر] ومن كتاب الحرب وسمعت مالكا يقول لرجل: سألتني أمس عن القدر؟ فقال له

стр. 7794

الرجل: نعم، قال: يقول الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] حقت كلمته ليملأن جهنم منهم، فلا بد من أن يكون ما قال. قال محمد بن رشد: هذه الآية بينة في الرد على أهل القدر كما قال، وذلك أنهم يقولون إن الله تعالى أمر عباده بالطاعة وأرادها منهم ونهاهم عن المعصية ولم يردها منهم، فلم يكن ما أراد من الطاعة وكان ما لم يرد من المعصية؛ لأن العباد عندهم خالقون لأفعالهم بمشيئتهم وإرادتهم، دون إرادة ربهم وخالقهم، وذلك ضلال بين وكفر صريح عند أكثر العلماء؛ لأنهم يلحقون العجز بالله تعالى في أن يكون ما لا يريد، ويريد ما لا يكون، والجهل به أيضا؛ لأنهم إذا كانوا هم الخالقون لأفعالهم بمشيئتهم فلا يعلم وقوعها منهم على قولهم حتى يفعلوها، وهذا كفر صريح، وتكذيب لِقَوْلِهِ تَعَالَى في غير ما آية من كتابه، وذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وقال: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] والآيات في

стр. 7795

الرد عليهم أكثر من أن تحصى وأبين من أن تخفى، وقد قال عون بن معمر: سمعت سعيد بن أبي عروبة - وكان يترهب بمذهب أهل القدر - يقول: ما في القرآن آية أشد علي من قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] قال: فقلت القرآن يشق عليك؟ والله لا أكلمك أبدا، فما كلمته حتى مات، فرحم الله عون بن معمر، والآثار في ذلك عن النبي ﷺ متواترة، لا تحصى، من ذلك قوله: «كل شيء بقدر» وقوله: «لا تسأل المرأة طلاق أختها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها» وقوله ﷺ : «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: ففيم العمل؟ فقال رسول الله: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار» «وقول آدم لموسى في حديث محاجته: أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق» وبالله التوفيق. [مسألة: الرحمن على العرش استوى كيف كان استواؤه] مسألة قال سحنون: وأخبرني بعض أصحاب مالك، أنه كان قاعدا عند مالك، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله: مسألة، فسكت عنه، ثم قال له مسألة، فسكت عنه، ثم عاد عليه، فرفع إليه مالك رأسه

стр. 7796

كالمجيب له، فقال له السائل: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف كان استواؤه؟ قال: فطأطأ مالك رأسه ساعة ثم رفعه، فقال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، ولا أراك إلا امرأ سوء، أخرجوه. قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك أنه أجاب هذا بأن قال: استواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، وأراك صاحب بدعة، وأمر بإخراجه، وهذه الرواية تبين معنى قوله: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول؛ لأن التكييف هو الذي لا يعقل، إذ لا يصح في صفات الباري لما يوجبه من التشبيه بخلقه تعالى عن ذلك، وأما الاستواء فهو معلوم غير مجهول كما قال؛ لأن الله وصف به نفسه فقال في محكم كتابه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٦] وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] فوجب الإيمان بذلك، وأن يوصف بما وصف به نفسه من ذلك، ويعتقد أنها صفة من صفات ذاته، وهي العلو؛ لأن معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] على العرش علا، كما يقال: استوى فلان على العرش، علا عليه، واستوت الشمس في كبد السماء، علت، ولما كان العرش أشرف المخلوقات وأعلاها وأرفعها مرتبة ومكانا، أعلم الله تعالى عباده بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أي: علا، فإنه أعلى منه، وإذا كان أعلى منه فهو أعلى من كل شيء، إذ كل شيء من المخلوقات دون العرش في الشرف والعلو والرفعة، فالمعنى في وصف الله نفسه بأنه استوى على العرش، أنه أعلى منه ومن كل مخلوق، لا أنه استوى عليه بمعنى الجلوس عليه والتحيز فيه

стр. 7797

والممارسة؛ لأنه مستحيل في صفات الله تعالى؛ لأنه من التكييف الذي هو من صفات المخلوق، ولذلك قال فيه مالك في الرواية: إنه غير معقول، ولا أنه استوى عليه بمعنى أنه استولى عليه لوجهين، أحدهما: أن الاستيلاء إنما هو بعد المدافعة والمقالبة، والرب ﵎ منزه عن ذلك، والوجه الثاني: أن الاستيلاء هو القهر والقدرة، والله تعالى لم يزل قادرا قاهرا عزيزا مقتدرا، قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، ولا يمتنع أن يكون استواء الله على عرشه من صفات ذاته، وإن لم يصح وصفه بها إلا بعد وجود العرش، كما لا يوصف بأنه غير لما غايره إلا بعد وجود سواه، وقد قيل: إن استواء الله تعالى على عرشه من صفات فعله، بمعنى أنه فعل في العرش فعلا سمى نفسه به مستويا على العرش، أو بمعنى أنه قصد إلى إيجاده أو إحداثه؛ لأن الاستواء يكون بمعنى الإيجاد والإحداث، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] قصد إلى إيجادها وإحداثها. وحمل الاستواء فيما وصف الله به نفسه من استوائه على عرشه على أنها صفة ذات من العلو والارتفاع أولى ما قيل في ذلك، والله أعلم. [: من جعل دينه غرضا للخصومات] ومن كتاب مرض وله أم ولد قال ابن القاسم: قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر للتنقل، قال مالك: أراه يعني أصحاب الأهواء. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأن من خاصم أهل الأهواء والبدع وجادلهم، يوشك أن يسمع من شبههم ما لا يظهر له إبطاله

стр. 7798

فينتقل عن اعتقاده إلى ذلك، فلا ينبغي للرجل أن يمكن زائغا من أذنه، ولا ينعمه عينا بالمجادلة في بدعته، وبالله التوفيق. [مسألة: اصطحبا في سفر فقتل أحدهما صاحبه] مسألة وقال مالك في رجلين اصطحبا في سفر فقتل أحدهما صاحبه فقال: إن كان قتله على وجه الحرابة أو أخذ متاعه فإني أرى أن يقتل، وإن كان قتله على وجه العداوة أو نائرة، فذلك إلى أوليائه، إن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا عفوا. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن القتل على أربعة أوجه خطأ وعمد وشبه عمد وغيلة، فالخطأ فيه الدية على العاقلة، والعمد فيه القصاص للأولياء إلا أن يعفوا على الدية أو بغير دية، وهو أن يقتل قاصدا للقتل على وجه النائرة والعداوة، وشبه العمد قيل فيه الدية ولا قصاص، وقيل فيه القصاص، وهو أن يعمد للضرب فيقتل به غير قاصد للقتل، والقولان لمالك، والمشهور عنه أن فيه القصاص، وقتل الغيلة وهو أن يقتله على ماله، فهذا يجب عليه القتل حدا من حدود الله ، لا عفو للأولياء فيه، قياسا على المحارب في قوله ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية. [: نادى رجلا باسمه فقال لبيك اللهم لبيك] ومن كتاب صلى نهارا وسئل مالك عن رجل نادى رجلا باسمه فقال: لبيك اللهم لبيك أعليه شيء؟ قال مالك: إن كان جاهلا أو على وجه السفه فلا شيء عليه.

стр. 7799

قال محمد بن رشد: أما الجاهل فبين أنه لا شيء عليه؛ لأنه لا يدري ما معنى الكلام، وإنما هو شيء حفظه من تلبية الملبين فجرى على لسانه، وأما الذي قاله على وجه السفه فلم ير عليه مالك في ذلك شيئا، فمعناه الذي يقوله على وجه الاستخفاف بالداعي له لإرادته بإجابته إياه بهذا الكلام ضد هذا الكلام الذي لا يليق به معناه، فعرض له بذلك أنه لا شرف له ولا حق ولا كرامة يستوجب بها الإجابة، وأما لو قال ذلك على وجه السفه استخفافا بالتلبية في الحج لوجب عليه الأدب المؤلم، وهو محمول على أنه قاله على وجه الاستخفاف بالداعي، حتى يعلم أنه أراد بذلك الاستخفاف بالتلبية؛ لأن هذا معلوم في كلام الناس أن يراد بالكلام ضد موجبه، فمعناه فيقال لابن الأسود ابن الأبيض، ومنه تسمية الأعمى أبو بصير، والمهلكة الفائزة، ومثل هذا كثير، ولا يحمل على أحد أنه قال لأحد مجدا معتقدا أنه إلهه إلا أن يقر بذلك على نفسه وهو عاقل غير مجنون ولا سكران، وبالله تعالى التوفيق. [: توعد قرة بن هبيرة لعمرو بن العاص بعد وفاة النبي] ومن كتاب طلق بن حبيب قال مالك: بلغني أن رجلا قال لعمرو بن العاص - وكان عمرو عاملا على البحرين في زمان النبي ﵇ وأنه قال له: إن النبي قد توفي فالحق ببلدك، فالحق ببلدك، وإلا فعلنا وفعلنا - يتواعده - فقال له عمرو بن العاص: لو كنت في حفش أمك لدخلنا عليك فيه. قال محمد بن رشد: القائل لعمرو قرة بن هبيرة بن سلمة، كان ارتد وأتي به موثقا إلى أبي بكر مع عيينة، وشهد عليه بذلك عمرو بن العاص، فأراد بقوله هذا: أنه لا يفلته ولا ينجو منه حتى يقيم حد الله عليه، وبالله التوفيق.

стр. 7800

[: حراسة القليل من المسلمين] ومن كتاب ليرفعن أمرا قال: وسئل مالك عن طريق بخراسان وبه قوم من أهل الكفر قريبا منهم يخرجون إلى تلك الطريق فيقطعون على المضعفين من المسلمين مثل الرجل والقافلة الضعيفة، وإن كانت جماعة لهم قوة لم يقدموا عليهم، وهم ليست لهم من القوة أن يظهروا على ما حاز المسلمون، إلا أنهم يقطعون على هؤلاء، أترى هذا مرابطا؟ قال: نعم، إذا كانوا يقطعون، فإنما مثل هؤلاء مثل اللصوص، فأرى أن يحرس ذلك الموضع، وكأنه رآه مرابطا. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه يجب حراسة القليل من المسلمين كما يجب حراسة الكثير، وقد قال تعالى: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا﴾ [المائدة: ٣٢] الآية. فملازمة حراسة هذه الطريق رباط، والأجر في الرباط على قدر الخوف على أهل ذلك الموضع، وقد قال عبد الله بن عمر: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين، فكان يقول: حقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين، يريد والله أعلم: أن الرباط أحب إليه من الجهاد على غير إصابة السنة، فقد قيل: إنه إنما قال ذلك حين دخل الجهاد ما دخل؛ لأن الرباط إنما هو شعبة من شعب الجهاد، والأجر فيه على قدر الخوف في ذلك الموضع، وبالله التوفيق. [مسألة: يكونون على السفر فيلقاهم اللصوص] مسألة وقال مالك في القوم يكونون على السفر فيلقاهم اللصوص، قال: يناشدونهم بالله، فإن أبوا فيقاتلونهم، وسئل عنها سحنون فقال:

стр. 7801

أرى أن يقاتلوا ولا يدعوا؛ لأن الدعوة لا تزيد إلا شدة واستئسادا وجرأة، فلا يرى أن يدعوا، ويقاتلوا بلا دعوة. قال محمد بن رشد: تكلم سحنون على ما يعرف من غالب أمرهم، وتكلم مالك على قدر ما يرجى في النادر منهم، وذلك يرجع إلى أنه إن رجي إن دعوا أو نشدوا أن يكفوا استحب دعاؤهم وترك معاجلتهم بالقتال، وإن تيقن ذلك وجب أن يدعوا، وإن خيف إن دعوا أن يستأسدوا ويعالجوا المسلمين، وجب أن لا يدعوا كما قال سحنون، وأما دعاء أهل الحرب قبل القتال فقد مضى القول فيه مستوفى في أول نوازل أصبغ من كتاب الجهاد، وبالله التوفيق. [: المراد بالمحارب وحكمه] ومن كتاب سن في الطلاق قال مالك: أما المحارب فرجل حمل على قوم بالسلاح على غير نائرة، ولا دخل ولا عداوة، أو قطع طريقا، أو أخاف المسلمين، فهذا إذا أخذ قتل ولا ينتظر به، والإمام يلي قتله، ولا يجوز فيه عفو، وأما المغتال فرجل عرض لرجل أو صبي فخدعه حتى أدخله بيتا فقتله، ثم أخذ متاعه ومالا، إن كان معه المال، إنما يقتله على ذلك، فهذه الغيلة، وهو يعد بمنزلة المحارب، وأما ذو النائرة والعداوة فرجل دخل عليه رجل في حريمه مكابرا له حتى جرحه أو قتله أو ضربه، ثم خرج مكانه ولم ينتهب متاعا، إنما كان ضربه إياه لنائرة كانت بينهما، فهذه النائرة لا يشك فيها أحد، فإذا أخذ هذا فعليه القصاص، والعفو يجوز فيه من أولياء المقتول، فإن عفوا جلد مائة وحبس عاما.

стр. 7802

قال محمد بن رشد: هذا تقسيم صحيح في قتل العمد على " المشهور في المذهب من أن شبه العمد باطل؛ لأن القتل عمدا ينقسم على ثلاثة أقسام عند من لا يرى القود في شبه العمد، وقد مضى ذلك في رسم مرض وله أم ولد. وقوله: حتى جرحه أو ضربه، يريد فمات في الحين من ضربه لمن جرحه، وأما إن حيي بعد ذلك حياة بينة فلا يقسم إلا بقسامة أولياء المقتول، وقد مضى بيان ذلك في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب الديات وفي غير ما موضع منه، وبالله التوفيق. [: القتل لا يجب إلا بكفر بعد إيمان] من سماع أشهب وابن نافع من مالك من مسائل القراض قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن جارية أطمعت إنسانا في بلع شيئا أذهبت عقله فمرة يفيق ومرة يذهب عقله فيصيح ويرعد، وقد اعترفت بذلك على نفسها وزعمت أنها لا تقدر على حل ذلك عنه؛ لأن ذلك دخل في بطنه، أفتراها بذلك ساحرة تقتل؟ فقال: أراها قد أتت عظيما، فأرى أن لا تترك وأن يرجع أمرها إلى السلطان، وإني لأراها محقونة بكل شر، قيل لمالك: أفترى عليها القتل؟ فقال: لا أدري ما القتل، ولكني أراها قد أتت عظيما، وأنها محقونة بكل شر، فأرى أن يرجع أمرها إلى السلطان، أفعلت هذا الفعل بغيره من الناس قبله؟ فقال السائل: نعم، قال: أرى أن يرفع أمرها إلى السلطان، وأراها محقونة بكل شر، فأما القتل فلا أدري. قال محمد بن رشد: توقف مالك عن إيجاب القتل على من فعل هذا الفعل بأحد، بقوله: فأما القتل فلا أدري صحيح؛ لأن القتل لا يجب إلا بكفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق على ما قاله في

стр. 7803

الحديث، أو فساد في الأرض على ما نصه الله في محكم التنزيل، وإنما توقف مالك في هذه المسألة لما خشي أن يكون هذا الفعل من السحر الذي يحكم على فاعله بالكفر، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وليس هذا من السحر بسبيل، إنما السحر ما يفعله الساحر في غير المسحور فيتأذى به المسحور بما يصيبه به من ذهاب عقله، حتى يخيل إليه بأنه يفعل الشيء ولا يفعله، ويتوهم رؤية المستحيلات من الأمور، وإنما هذا من ناحية ما يسقاه الرجل أو يطعم إياه من الأشياء المسمومة، التي تأتي على نفسه أو يصيبه بلاء في جسمه أو اختلال في عقله، فإن أتت على النفس وجب على الفاعل في ذلك القتل، فإن لم تأت على النفس لم يجب عليه في ذلك إلا الضرب والسجن، إلا أن يكون أراد بما سقاه من ذلك ذهاب عقله لأخذ ماله، فيكون ذلك من الغيلة الموجبة للقتل، فيحتمل أن يكون ظن مالك هذا بهذه المرأة ولم يتحققه، ولذلك توقف في قتلها ولم يوجبه. [مسألة: أخذ المال على سبيل المحاربة] مسألة وسئل عن رجلين لقيا رجلا نحو عين القسري وفي ثوبه رطب، فسألاه من الرطب فأبى، فأخذاه وكتفاه ونزعا منه الرطب وثوبه، ثم وجد فقال: سألني الأمير عن ذلك، قيل له فما قلت له فيهما؟ فقال: إنه ليقول قاتل حارب، قيل أفترى ذلك؟ قال: إنهما ليشبهان ذلك، وما أرى من أمر بين في القتل والصلب والقطع، قيل لمالك: إن رجلين بالأندلس أخذا ومعهما دابتان فسئلا عنهما، فقالا: أما إحداهما فوجدناها ترعى في فحص فلان فأخذناها، وأما هذه الأخرى فوجدنا عليها رجلا فأنزلناه عنها وأخذناها منه، فقال: هذه مثل الأخرى الذي نزعا منه الثوب والرطب.

стр. 7804

قال محمد بن رشد: إنما لم ير مالك في هذا القتل والصلب والقطع وذهب إلى أن يؤخذ فيه بأيسر عقوبات المحارب، وهو الضرب والسجن؛ لأنه لم يخرج محاربا، ولكنه أخذ مالا على سبيل الحرابة فأشبه المحارب، فهو عند مالك في الحكم بمنزلة الذي يخرج محاربا فيؤخذ في أول خروجه قبل أن يقتل أو يأخذ مالا أو يخيف سبيلا، ووجه الشبه بينهما أن هذا تحققت عليه الحرابة بخروجه محاربا ولم يكن منه شيء من معناها ولا أخذ مال ولا إخافة سبيل، والأول وجد منه معنى الحرابة، وهو أخذ المال على سبيل المحاربة، وليس بما فعل اسم المحارب إذا لم يقصد الحرابة ولا خرج إليها، فسقط عنه بذلك ما يجب على المحارب إذا أخاف السبيل وأخذ المال، فهذا وجه القول في هذه المسألة، والله أعلم. [مسألة: حدود الله يجب البدار إلى إقامتها] مسألة قال لنا مالك: أرسل الأمير فسألني عن رجل صحب قوما، فلما حضر غداؤهم جاءهم بسويق معه فصبه مع سويقهم فأكلوا منه وهم أربعة ولم يأكل هو، فلم يلبث رجلان من القوم أن ماتا ولبط بصاحبهما فلم يدر أحيين هما أم ميتين، حتى مثلهما من الغد وأخذ منهم خمسة دنانير، ثم أخذ فسئل عن ذلك فقال: قد فعلت، وإنما هو سويق أعطانيه إنسان، فأخبر أنه يسكر من أكله فأطعمتهم إياه ليسكروا، ولم أرد قتلهم، وإنما أردت أن أخدرهم فآخذ ما معهم، فلما طعموه فمات هذان ولبط بهذين حللت من أكمامهم خمسة دنانير فذهبت بها، ولم أظن أن ذلك يقتل، ولم يكن ذلك الذي أردت، فاعترف على نفسه بهذا بغير ضرب ولا امتحان، فما ترى؟ فقلت لمالك: فهل رأيت فيه يا أبا عبد الله؟ فقال لي: رأيت عليه القتل،

стр. 7805

فقلت له: أرأيت عليه القتل؟ قال: نعم، رأيت عليه القتل، فقلت له: أرأيت ذلك عليه للحرابة؟ فقال لي: نعم للحرابة، ولما أراد من قتلهم، أرأيت الذي سمت لرسول الله ﷺ ولأصحابه في الشاة فمات بعضهم، ألم يكن ذلك على هذه القتل؟ فقلت له: إن تلك اليهودية التي سمت لرسول الله أرادت القتل، وهذا لم يرد القتل، فقال لي: ومن يقبل ذلك منه أنه لم يرد القتل؟ فلا يقبل منه ولا يغني ذلك عنه، قد سحرت تلك الجارية سيدتها فأمرت بها فقتلت، وهذا لم يعتذر بعذر فيقول أخطأت وإنه لعظيم أن يفعل هذا بابن السبيل ثم يسلم فاعله هذا مع أخذه أموالهم وأنهما ماتا مكانهما، إني قد كنت قلت للرسول: قل للأمير لا يعجل به، ثم نظرت في ذلك بعد ذهابه فأرسلت إليه فجاءني فقلت له قل للأمير يقتله. قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة، وقد استدل مالك لما ذهب إليه من إيجاب القتل عليه بما ذكر مما لا مزيد عليه، وأما قوله: قد سحرت تلك الجارية سيدتها فأمرت بها فقتلت بها، فلم يقله على سبيل الحجة لإيجابه القتل على الذي أطعم لأصحابه السويق المسموم فمات بعضهم وأخذ منهم الدنانير واعترف بذلك على نفسه، إذ ليس منه بسبيل، وإنما ذكره على سبيل الاغتباط بالفتوى بقتل من وجب عليه القتل؛ لأن حدود الله يجب البدار إلى إقامتها وترك التأني في ذلك، فقال: أمرت بقتل هذا بما وجب عليه من القتل بالحرابة، كما أمرت بقتل تلك بما وجب عليها من القتل بالسحر، فقد كان إذا سئل في شيء من الحدود أسرع الجواب وأظهر السرور بإقامة الحدود، وقد بلغني أنه يقال:

стр. 7806

لحد يقام بأرض خير له من مطر أربعين صباحا، ولو قال هذا الرجل: ما أردت قتلهم ولا أخذ أموالهم، وإنما هو سويق. لا شيء فيه إلا أنه لما ماتوا أخذت أموالهم لم يكن عليه شيء غير رد المال، قاله في كتاب ابن المواز، وبالله التوفيق. [: يرتد عن الإسلام فيعرض عليه الإسلام فيسلم] ومن كتاب الأقضية الثاني وسئل مالك عن المسلم يرتد عن الإسلام فيعرض عليه الإسلام فيسلم، أترى عليه حدا فيما صنع من ارتداده عن الإسلام إلى الكفر؟ فقال: لا أرى عليه حدا إن رجع إلى الإسلام، إنما كان عليه القتل لو ثبت على النصرانية، فأما إذ رجع إلى الإسلام فلا شيء عليه، واحتج في ذلك بآية من كتاب الله، قال سحنون: وكذا لو رجع عن شهادته قبل أن يقضى بها، وإنه يقال: ولا عقوبة عليه وإن كان غير مأمون؛ لأنه لو عوقب الناس بالرجوع عن شهادتهم لم يرجع أحد عن شهادة شهد بها على باطل إذا تاب خوفا من العقوبة قياسا على المرتد. قال محمد بن رشد: أما المرتد فإنما لم يجب عليه حد فيما صنع من ارتداده إذا رجع إلى الإسلام لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وهذه الآية التي ذكر أنه احتج بها من كتاب الله، والله أعلم، وأما قول سحنون في الراجع عن شهادة شهد بها قبل الحكم وهو غير مأمون: إنه لا يعاقب، فهو خلاف مذهب ابن القاسم؛ لأنه قال في المدونة: ولو ردت لكان لذلك أهلا، واعتلال سحنون لإسقاط العقوبة عنه بما ذكره من

стр. 7807

أن الشهود لو عوقبوا بالرجوع عن شهادتهم لم يرجع أحد عن شهادة شهد بها على باطل بين، وأما قياسه ذلك على المرتدين فليس بصحيح؛ لأن المرتد إنما سقطت عنه العقوبة بالآية المذكورة، لا من أجل أن معاقبته لو عوقب لم يجترئ أحد على الرجوع إلى الإسلام خوفا من العقوبة؛ لأن القتل يجب عليه بالتمادي على الكفر، فهو أشد من العقوبة التي يخشاها إن رجع إلى الإسلام، فلا تشتبه المسألتان، ولا يصلح قياس إحداهما على الأخرى. [مسألة: المرتد إلى الإسلام هل له حد يترك إليه] مسألة وسئل عن المرتد إلى الإسلام هل له حد يترك إليه؟ فقال: إنه ليقال ثلاثة أيام، وأرى ذلك حسنا، وإنه ليعجبني، ولا يأتي من الاستظهار الأخير، وسئل عن قول عمر بن الخطاب: أفلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، هل ترى أن يتربص بالذي يكفر بعد إسلامه كذلك أو يستتاب ساعتئذ؟ قال: ما أرى بهذا بأسا، وليس على هذا أمر جماعة الناس. قال محمد بن رشد: قوله: وليس على هذا أمر جماعة الناس، يريد في الإيقاف ثلاثا، قاله ابن أبي زيد في النوادر متصلا بقوله، هذا الظاهر من الرواية، ويحتمل أن يريد أنه ليس أمر جماعة الناس على استتابة المرتد، إذ من أهل العلم من يرى أنه يقتل ولا يستتاب على ظاهر قول النبي ﵇: «من بدل دينه فاقتلوه» وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة في رسم الصلاة من سماع يحيى بعد هذا، واحتج بما روي من أن أبا موسى الأشعري وقف على معاذ بن جبل وأمامه مسلم تهود، فقال له معاذ: انزل يا أبا موسى، فقال: لا والله لا نزلت حتى يقتل هذا، فقال: فلو رأى عليه استتابة ما قاله،

стр. 7808

وقد قال بعض الرواة عن أبي موسى في هذا الحديث: إنه قد كان استتابه قبل ذلك أياما، وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنه لم يحفظ عن الصحابة ﵃ اختلاف في استتابة المرتد، وإنما اختلفوا في حدها، فمنهم من قال: يستتاب مرة واحدة، ومنهم من قال: شهرا، ومنهم من قال: ثلاثة أيام، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، والأصل في ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] وقول النبي ﷺ : «لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» .. الحديث، فبان بهذا أن الثلاثة أيام في حيز اليسير، فمن ذلك أخذ استظهار الحائض بثلاثة أيام إذا استمر بها الدم، ومنه أخذ الحاكم التلوم في الإعذار ثلاثة أيام، ومنه أخذ تأخير الشفيع بالنقد ثلاثة أيام، ومنه أخذ جواز تأخير رأس مال السلم اليومين والثلاثة، وما أشبه ذلك في غير موضع من العلم كثير، وقد مضى في نوازل سحنون من كتاب الديات القول فيمن قتل مرتدا عمدا قبل أن يستتاب وتوجيه الاختلاف في ذلك، وبالله التوفيق. [: المراد بالقدرية وحكمهم] ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل مالك عن القدرية فقال: قوم سوء فلا تجالسوهم، قيل: ولا نصلي وراءهم؟ قال: نعم، وقال سحنون: كان ابن غانم يقول في كراهية مجالسة أهل الأهواء: أرأيت لو أن أحدكم قعد إلى سارق في كمه بضاعة أما كان يختزنها منه خوفا أن يغتاله فيها فلا يجد بدا أن يقول نعم، قال: فدينكم أولى بأن تحرزوه وتتحفظوا به، وسئل

стр. 7809

عن الرجل يكون بينه وبين الرجل من أهل القدر في ذلك منازعة حتى يبقى يأتيه القدري فيأخذ بيده ونتصل إليه، فقال إن كان جاء نازعا تاركا لذلك فليقبل منه ذلك وليكلمه، وإن لم يكن جاء لذلك فإني أراه في سعة من ترك كلامه، قيل له: إنه قد يتشبث ويتعلق ويأخذ بيدي ويسألني الكلام؟ فقال: لا أرى بأسا أن يترك كلامه. قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه الرواية في أهل القدر إنهم قوم سوء فلا يجالسوا ولا يصلى وراءهم، نص منه على أنهم لا يكفروا باعتقادهم خلاف ظاهر قوله في أول رسم من سماع ابن القاسم آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الآية، قال: فأي كلام أبين من هذا، قال ابن القاسم: ورأيته تأولها على أهل الأهواء، فالقدرية عند عامة العلماء كفار؛ لأنهم نسبوا إلى الله تعالى العجز والجهل في قولهم: إن الله لم يقدر المعاصي ولا الشر، وإن ذلك جار في خلقه وسلطانه بغير قدرته ولا إرادته، فنفوا القدرة والإرادة في ذلك عن الله تعالى، ونسبوها لأنفسهم، حتى قال بعض طواغيتهم: إنه لو كان طفل على حاجز بين الجنة والنار لكان الله تعالى موصوفا بالقدرة على طرحه إلى الجنة، وإبليس موصوفا بالقدرة على طرحه في النار، وإن الله لا يوصف بالقدرة على ذلك، وزعموا أن خلاف هذا كفر وشرك، وعند بعضهم قوم سوء ضلال لأنهم خالفوا أهل السنة والجماعة في عقود الدين؛ لأن الله تعالى أضلهم وأغواهم ولم يرد هداهم وعمى بصائرهم عن الحق ولم يرد شرح صدورهم له، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥] الآية، وقد تواترت الآثار بإخراجهم عن الإسلام وإضافتهم إلى أصناف الكفر، من ذلك

стр. 7810

قول النبي ﵇: «القدرية مجوس هذه الأمة» «والقدرية نصارى هذه الأمة» وقوله: «صنفان من أمتي ليس لهم نصيب في الإسلام، المرجئة والقدرية،» وقوله: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية، لا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا» وقوله ﷺ : «اتقوا هذه القدرية، فإنها شعبة من النصرانية» ومن مثل هذا ونحوه كثير، وقد نهى مالك عن مجالستهم، وإن لم يرهم كفارا بما لقولهم على هذه الرواية لوجوه ثلاثة، أحدها أنهم إن لم يكونوا كفارا فهم زائغون ضلال يجب التبرؤ منهم وبغضهم في الله؛ لأن البغض في الله والحب فيه من الإيمان، وقد قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، وهم ممن حاد الله ورسوله باعتقادهم الفاسد الذي خرجوا به عن الملة في قول كافة الأمة، والوجه الثاني: مخافة أن يعرض بنفسه سوء الظن بمجالستهم فيظن به أنه يميل إلى هواهم، والثالث: مخافة أن يستمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده بشبههم، وكفى من التحرير عن ذلك المثل الصحيح الذي ضربه مالك في رواية ابن غانم عنه، ونهى عن الصلاة خلفهم على مقتضى هذه الرواية من أنهم كفار؛ لأنهم وإن لم يكونوا كفارا هم زائغون ضلال، وقد قال النبي ﵇: «أئمتكم شفعاؤكم، فانظروا بمن تستشفعون» فإن صلى خلفهم على هذه الرواية أعاد في الوقت، وهو مذهب ابن القاسم، وقيل: لا إعادة عليه، وهو مذهب سحنون وكبار أهل مذهب مالك، وأما على القول بأنهم يكفرون بما لقولهم فيعيد من صلى خلفهم في
следующие страницы →