← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

إلا وهي كائنة» . فالرجل يعزل عن أمته بغير إذنها، ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها ولا يعزل عن زوجته الأمة إلا بإذن مواليها، وقد قيل إنه لا يعزل عنها إلا بإذنها. وقال الشافعي: له أن يعزل عن زوجته الأمة بغير إذنها وبغير إذن مواليها. [السفر في طلب العلم] في السفر في طلب العلم قال مالك: بلغني أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ارتحل من المدينة إلى مصر إلى رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يسأله عن حديث واحد عن النبي ﵇. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى قبل هذا في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [الحض على التفقه في كتاب الله ] في الحض على التفقه في كتاب الله قال مالك: كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله، فكتب لهم عمر أن افرض لهم في الديوان وأعطهم. قال: فكثر من يطلب القرآن، فكتب إليه من قابل إنه قد جمع القرآن سبعمائة رجل. قال عمر: إني لأخشى أن يسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين فكتب أن دعهم لا تعطهم شيئا.

стр. 8647

قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لا يحتاج إلى تفسير، وبالله التوفيق. [محبة الناس لابن عمر] في محبة الناس لابن عمر قال: وحدثني عمير الأعرج عن مجاهد قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر، قال فكان الناس يتلقونه ويدعون له ويسلمون عليه ويحبونه. قال: فكان ابن عمر يضحك. قال: فلما انصرفنا قال ابن عمر [إن الناس] ليحبوني حتى لو كنت أعطيهم الذهب ما زادوا على ذلك. قال محمد بن رشد: محبة الناس لعبد الله بن عمر من محبة الله على ما جاء في الحديث عن النبي ﵇ «إن الله إذا أحب عبدا قال لجبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض» . وإذا أبغض الله العبد قال مالك: لا أحسب إلا أنه قال في البغض مثل ذلك. [الغسل في الفضاء] في الغسل في الفضاء وسئل مالك عن الغسل في الفضاء فقال: لا بأس بذلك، فقيل له: يا أبا عبد الله إن فيه حديثا، فأنكر ذلك وقال تعجبا ألا يغتسل الرجل في الفضاء؟ ورأيته يتعجب من الحديث إنكارا له.

стр. 8648

قال محمد بن رشد: وجه إجازة مالك الغسل في الفضاء إذا أمن أن يمر به أحد هو أن الشرع إنما قرر وجوب ستر العورة عن المخلوقين من بني آدم دون من سواهم من الملائكة، إذ لا تفارقه الحفظة الموكلون عليه منهم في حال من الأحوال. قال الله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] لهذا قال مالك تعجبا: ألا يغتسل الرجل في الفضاء؟ إذ لا فرق في حق الملائكة بين الفضاء وغيره، فأنكر الحديث لما كان مخالفا للأصول، لأن الحديث إذا كان مخالفا للأصول فإنكاره واجب إلا أن يرد من وجه صحيح لا مطعن فيه فيرد إليها بالتأويل الصحيح. وقد روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به قلته أو لم أقله فإني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف» ويكره التجرد لغير ضرورة ولا حاجة في الفضاء وغير الفضاء، ففي رسالة مالك إلى هارون الرشيد: إياك والتجرد خاليا فإنه ينبغي لك أن تستحي من الله إذا خلوت، وذكر في ذلك عن النبي ﵇ حديثا، وبالله التوفيق. [القصر والفطر في الغزو] في القصر والفطر في الغزو قال مالك: كان سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود والمسور بن مخرمة بالشام، فدخل عليهم رمضان، فكان عبد

стр. 8649

الرحمن والمسور يصومان ويتمان، وكان سعد يقصر ويفطر، فقيل له تقصر وتفطر ويصومان ويتمان؟ فقال سعد نحن أعلم. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنهم كانوا في الغزو ينوون الإقامة بموضعهم الذي كانوا فيه، فكان عبد الرحمن والمسور يتمان ويصومان لنيتهم الإقامة، وكان سعد يفطر ويقصر وإن نوى الإقامة لكونه في بلد العدو، إذ ليس على يقين من إقامته، إذ قد يأتي من الأمر ما يزعجهم عن موضعهم، وهذا هو مذهب مالك أن نية الإقامة في بلد العدو لا يعتبر بها، وبالله التوفيق. [ولاء السائبة لجميع المسلمين فلا عاقلة له] في أن ولاء السائبة لجميع المسلمين فلا عاقلة له قال مالك: حدثني أبو الزناد عن سليمان بن يسار أن سائبة كان يلعب مع ابن رجل من بني عائذ، فقتل السائبة ابن العايذي، فجاء أبوه إلى عمر بن الخطاب يطلب دية ابنه، فقال له عمر: ليس له موال، فقال له العايذي: أرأيت لو أن ابني قتله، فقال عمر ابن الخطاب إذا تخرجون ديته، فقال: فهو كالأرقم إن يقتل ينقم، وإن يترك يلقم. قال محمد بن رشد: يروى العابذي والعايذي، والصواب والعايذي بالياء المعجمة باثنتين والذال المعجمة بالواحدة. ومعنى سائبة أنه كان أعتق سائبة، وكذلك وقع في الموطأ أن سائبة أعتقه بعض الحجاج. وفي هذا أن من أعتق عبده سائبة بأن يقول له: اذهب فأنت سائبة، أن ولاءه

стр. 8650

للمسلمين. وقد اختلف في عتق السائبة، فقيل: إنه جائز وقيل: إنه مكروه، وقيل: إنه غير جائز. فعلى القول بأنه جائز أو مكروه يكون ولاؤه للمسلمين، وعلى القول بأنه غير جائز يكون ولاؤه لمن أعتقه. وقد قيل: إن من قال لعبده أنت سائبة لا يكون بذلك حرا إلا أن يريد الحرية. وقد مضى تحصيل هذا الاختلاف في آخر سماع أشهب من كتاب العتق. ويحتمل أن يكون هذا الرجل الذي قتل ابن العائذي أعتقه رجل من الحاج غير معروف فيكون ولاؤه لجمع المسلمين ولا تكون له عاقلة من أجل أنه لا يعرف معتقه، لا من أجل أنه أعتق سائبة، وهو الأظهر والله أعلم. وقول أبي المقتول هو إذا كالأرقم يريد الحية التي إن تركتها لسعتك فقتلتك، وإن قتلتها قتلتك، يريد كما جرى للفتى الذي كان مع رسول الله ﷺ بالخندق وهو حديث عهد بعرس، فاستأذن رسول الله ﷺ أن يحدث بأهله عهدا، فأتاها فوجدها قائمة بين الناس فأهوى إليها بالرمح ليطعنها وأدركته غيرة، فقالت له: لا تعجل حتى ترى ما في بيتك، فدخل فإذا بحية منطوية على فراشه فركز فيها رمحه ثم خرج بها فنصبه في الدار، فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتا، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الفتى أو الحية، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثا فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان» وبالله التوفيق. [كراهة الإمساك عن الكلام في الصيام] في كراهة الإمساك عن الكلام في الصيام قال ابن القاسم: وحدث مالك عن نافع أن مولاة لصفية صمتت يوما لا تتكلم، فقالت لها صفية: تكلمي فإن هذا قد نهي عنه.

стр. 8651

قال محمد بن رشد: قول صفية محمول على أنها أخبرت بذلك عن النبي ﷺ ، لأن قول "الصاحب نهينا عن كذا وكذا وأمرنا بكذا مما يدخل في المسند، لأن صفية هذه إن لم تكن صفية بنت حيي زوج النبي ﵇ فهي صفية بنت أبي عمير الثقفية زوج عبد الله بن عمر، وهي صحابية روت عن النبي ﵇، وروى عنها نافع هذا مولى عبد الله بن عمر، ولا حجة في جواز ذلك بما في كتاب الله من قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] ، أي صمتا، ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] ، لأن ذلك كان من شرع بني إسرائيل، كان الرجل منهم إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام إلا من ذكر الله، وذلك منسوخ في شرعنا ممنوع فعله فيه بنهي النبي ﵇ روي عنه ﷺ من رواية ابن عباس أنه قال: «لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا من بعد ملك، ولا رضاع بعد الفطام، ولا يتم بعد احتلام، ولا نذر في معصية، ولا صمت إلى الليل، ولا وصال، ولا يمين للمرأة على زوجها ولا للولد على والده ولا للمملوك على سيده» الحديث وقع بكماله في المبسوطة. وروي عن قتادة أنه قال: إنما كانت آية جعلها الله لمريم ﵍ يومئذ. وإذا شئت رأيت امرأة سفيهة تقول: أصوم صوم مريم ولا نتكلم في صومها. وقد اختلف أهل التأويل في القائل لمريم ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] ، فمنهم من قال قاله لها الملك عن الله ،

стр. 8652

ومنهم من قال قاله لها ابنها عيسى: صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه - بدليل قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي﴾ [مريم: ٢٤] الكلام إلى آخره، لأن رجوع الفاعل المضمر من فناداها إلى أقرب مذكور في الآية وهو عيسى أظهر من رجوعه إلى الملك الذي هو أبعد مذكور منه فيها. وهذا على قراءة من قرأ فناداها من تحتها بالخفض في الحرفين جميعا، وأما على قراءة من قرأ من تحتها بالفتح في الحرفين جميعا فلا إضمار في الكلام، والمنادي عيسى ابن مريم بلا احتمال، وبالله التوفيق. لا شريك له. [الاحتباء في صلاة النافلة] في الاحتباء في صلاة النافلة قال مالك: بلغني عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أنهما كانا يصليان محتبئين، يريد في النوافل. قال محمد بن رشد: إلى هذا ذهب مالك فقال: لا بأس أن يصلي الرجل محتبئا في النافلة، وإن كان الاختيار عنده لمن صلى فيها جالسا أن يصلي متربعا كما يصلي في الفريضة إذا لم يقدر على القيام فيها، خلاف ما ذهب إليه زفر من أن جلوسه في موضع القيام كجلوسه في التشهد. والذي ذهب إليه مالك أولى لوجهين: أحدهما: أن يفرق بين جلوسه في موضع الجلوس وبين جلوسه في موضع القيام، كما يفرق بين إيمائه للركوع وإيمائه للسجود بأن يجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع؛ والثاني: ما روي «عن عائشة أنها قالت: رأيت رسول الله ﷺ صلى متربعا» وما روي عن النبي ﵇ من أنه قال: «صلاة القاعد على

стр. 8653

النصف من صلاة القائم غير متربع» ليس بحديث صحيح، وما روي عن ابن مسعود من أنه قال: لأن أجلس على رضفتين أحب إلي من أن أتربع في الصلاة، يحتمل أن يكون معناه في التربع في الجلوس للتشهد. وبالله التوفيق. [ما جاء في الذين قتلوا ببئر معونة] ودعاء رسول الله على الذين قتلوهم وحدثني عيسى بن دينار عن مالك قال: «دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أهل بئر معونة ثلاثين غداة يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله. قال أنس: فأنزل الله في ذلك قرآنا ثم نسخ بعد ذلك بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.» قال ابن القاسم: وسمعت في تفسير هذه الآية: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] إلى آخر الآية، وفي الحديث أنهم لما دخلوا الجنة قالوا: يا ليت قومنا يعلمون بما أكرمنا الله، فقال الله ﵎: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآية. قال محمد بن رشد: جميع الأموات يحيون بعد موتهم لمسائلة منكر ونكير، ويعرض على كل واحد منهم مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل النار فمن أهل النار، وإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، يقال له:

стр. 8654

هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة: فالفرق بين الشهداء وبين أهل الجنة من سواهم أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وينعمون على ما جاء في الحديث من أن أرواح الشهداء تسرح في ثمار الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، وسائر أهل الجنة من المؤمنين - أحياء إلى يوم البعث، لا يرزقون ولا يتنعمون، وبالله التوفيق. [نهي السُّؤَّال عن السؤَال في المسجد] في نهي السُّؤَّال عن السؤَال في المسجد وسئل مالك عن السؤال الذين يسألون في المسجد ويلحون في المسألة ويقولون للناس قد وقفنا منذ يومين ويذكرون حاجتهم ويبكون، قال: أرى أن ينهوا عن ذلك. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لأن المساجد إنما وضعت للصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله والدعاء لله فينبغي أن ينهى فيها عما سوى ذلك من اللغط ورفع الصوت وسؤال السؤال الذين يلحون، لأن ذلك مما يشغل المصلين، وبالله التوفيق. [ما جاء عن عمر بن الخطاب في قول الرجل لامرأته حبلك على غاربك] فيما جاء عن عمر بن الخطاب في قول الرجل لامرأته حبلك على غاربك وسئل مالك عن حديث عمر بن الخطاب ﵁ حبلك على غاربك، فقال: قد قاله عمر بن الخطاب وأحلفه. قال مالك أما أنا فأرى أن قد بانت منه، ما يريد الذي قال: حبلك على غاربك إلا الطلاق، وما أراه يمسك شيئا. قال ابن القاسم: يريد مالك البتة. قال ابن القاسم وذلك رأيي إذا كان قد دخل بها. قال

стр. 8655

مالك: وإن لم يكن دخل بها نوي فإن لم تكن له نية فهي البتة. قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة أنه لا ينوى في هل أراد الطلاق أو لم يرده ولا في عدد الطلاق إلا إن كان لم يدخل بها. وقد وقع في بعض روايات العتبية من رواية أشهب عن مالك مثل هذا، زاد ولو ثبت عندي أن عمر بن الخطاب قال ذلك ما خالفته، ولكنه حديث جاء هكذا. وإنما قال فيه هذا لأنه عنده بلاغ مالك أنه بلغه أنه كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق أن رجلا قال لامرأته حبلك على غاربك فكتب عمر بن الخطاب إلى عامله أن مره يوافني في الموسم فبينا عمر يطوف بالبيت إذ لقيه الرجل فسلم عليه فقال له عمر من أنت؟ فقال الرجل أنا الذي أمرت أن أجلب عليك، فقال له عمر أسألك برب هذه البنية ما أردت بقولك حبلك على غاربك؟ فقال الرجل لو استحلفتني في غير هذا المكان ما صدقتك، أردت بذلك الفراق، فقال عمر بن الخطاب هو ما أردت. والظاهر من حديث عمر أنه نواه في الوجهين جميعا، لأنه لما قال أردت بذلك الفراق، قال له هو ما أردت. وليس بنص في واحد من الوجهين، إذ لا يدرى ما كان يقول له لو قال له لم أرد بذلك الفراق وإنما أردت بذلك وجه كذا وكذا لشيء يذكره مما يحتمله كلامه، وماذا كان يقول له لو قال أردت بذلك واحدة أو اثنتين لاحتمال أن يكون فهم من قوله أردت بذلك الفراق أنه أراد بذلك الفراق بتاتا ولذلك قال له: هو ما أردت. فأما تنويته في هل أراد بذلك الطلاق أم لا فالذي يأتي على مذهب مالك وأصحابه أنه لا ينوى في ذلك لأنه من صريح كنايات الطلاق، كمن قال لامرأته: أنت بائنة مني ثم قال: إنما أردت أن بيني وبينها فرجة في الجلوس في ذلك الوقت، وكمن قال لها: أنت طالق ثم قال: إنما أردت أنها طالق من وثاق

стр. 8656

ولم تكن قبل ذلك في وثاق. وأما تنويته في عدد ما أراد من الطلاق فيتخرج ذلك على قولين في المذهب، إذ لا فرق في المعنى بين قوله حبلك على غاربك أو قد سرحتك لأنه إذا سرحها فقد ألقى حبلها على غاربها، وإذا ألقى حبلها غاربها فقد سرحها. وقد قالوا في سرحتك إنه ينوى في المدخول بها أو غير المدخول بها، فإن لم تكن له نية فهي ثلاث، وقيل: إنها واحدة في التي لم يدخل بها إذا لم تكن له نية. [هبة الثواب] في هبة الثواب قال مالك عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة فهو أحق بهبته حتى يثاب بها. قال محمد بن رشد: معناه في هبة الثواب، بدليل قوله في الموطأ: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها.. وقد اختلف في هبة الثواب هل من حق الواهب أن يمسكها حتى يقبض ثوابها كالسلعة المبيعة التي له أن يمسكها حتى يقبض ثمنها، أوليس له ذلك ويلزمه أن يدفعها إليه ثم يطلبه بثوابها؟ فقيل من حقه أن يمسكها حتى يأخذ ثوابها، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب هذا في هذا الحديث؛ وقيل: ليس له أن يمسكها ويلزمه أن يدفعها ثم يطلبه بثوابها، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب في حديث الموطأ. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلافهم في هل تدخل الهبة بالعقد في ضمان الموهوب له أم لا، والقول في هذه المسألة مستوفى في كتاب المقدمات، وبالله التوفيق.

стр. 8657

[المبيت على ظهر المسجد] في المبيت على ظهر المسجد قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يبيت على ظهر المسجد مسجد النبي ﷺ ولا تبيت معه امرأة كراهية لذلك. قال محمد بن رشد: في هذا بيان أن لظهر المسجد من الحرمة ما لداخل المسجد، وبفعل عمر بن عبد العزيز هذا احتج مالك في المدونة في أنه لا يجوز لأحد أن يبني مسجدا ويبني فوقه بيتا يرتفق به، وقال: إنه يورث البنيان الذي تحت المسجد ولا يورث البنيان الذي فوقه، وبالله التوفيق. [قبلة النبي ﵇ ومصلاه في مسجده] في قبلة النبي ﵇ ومصلاه في مسجده قال مالك: ليس العمود المخلق قبلة النبي ﵇، ولكنه كان أقرب العمد إلى مصلى النبي ﵇، وقبلة النبي ﷺ هي حذو قبلة الإمام، وإنما قدمت القبلة حذو قبلة النبي ﵇ سواء كان بين المنبر وبين جدار المسجد ممر الرحل مسجدا فقدمه عمر إلى موضع خشب المقصورة، ثم قدمه عثمان إلى موضعه الذي هو عليه، فلم يقدم بعد. قال محمد بن رشد: لابن القاسم في رسم نذر من هذا السماع من كتاب الصلاة أن مصلى النبي ﵇ هو العمود المخلق خلاف قول مالك هاهنا، ورأى مالك ﵀ هناك صلاة النافلة في مصلى النبي ﵇ أفضل من الصلاة في سائر المسجد. قال: وأما الفريضة فيتقدم إلى أول الصف أحب إلي. وقد مضى القول على ذلك هنالك.

стр. 8658

وأما قوله إن قبلة النبي ﷺ هي حذو قبلة الإمام، وإنما قدمت القبلة حذو قبلة النبي " ﵇ سواء، فالمعنى في ذلك أن عمر بن الخطاب إذ زاد في قبلة المسجد جعل المحراب في الزيادة بإزاء المحراب القديم وفي قبلته غير مشرق عنه ولا مغرب، وأن المنبر قبل أن يزاد في قبلة المسجد كان بينه وبين جدار القبلة ما قاله، فلما زيد في قبلة المسجد لم ينقل المنبر عن موضعه فبعد عن جدار المسجد، وكذلك زاد بعده عن جدار القبلة إذ زاد عثمان أيضا في قبلة المسجد، وبالله التوفيق. [الصلاة في سقائف المسجد فرارا من الحر] في الصلاة في سقائف المسجد فرارا من الحر قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يصلي إذا اشتد الحر في سقائف المسجد، يخرج من المقصورة إلى خارج يصلي فيه لموضع الحر، فقلت لمالك: أفترى بذلك بأسا؟ قال: لا بأس أن يخرجوا إذا كان في المسجد سعة لمن يصلي فيه إذا اشتد الحر. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من التوسعة في الصلاة بسقائف مكة فرارا من الحر، وقد مضى من القول على ذلك ما فيه كفاية، وبالله التوفيق. [من أحرم من التنعيم يسعى الأشواط الثلاثة] في أن من أحرم من التنعيم يسعى الأشواط الثلاثة قال ابن القاسم: قال مالك: حدثني هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير أحرم من التنعيم وسعى الأشواط الثلاثة حين طاف

стр. 8659

بالبيت، قال مالك: وذلك رأيي. قال محمد بن رشد: هذا معلوم من مذهب مالك أن الرمل في الحج في الطواف الأول الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة وفي العمرة، أحرم بهما من الميقات أو مما دونه سنة، واختلف قوله إن تركه أحد ناسيا أو جاهلا، فقال مرة إنه يعيد إن كان قريبا، فإن طال كان عليه الدم، وقال مرة لا يعيد وإن كان قريبا وعليه دم، ومرة لم ير عليه شيئا، وبالله التوفيق. [اليمين مع شهادة المرأتين في الدين] في اليمين مع شهادة المرأتين في الدين قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: تجوز شهادة المرأتين في الدين مع يمين صاحب الحق. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأن المرأتين عدل الرجل فيما تجوز فيه شهادتهن مع الرجل وهو المال، لقول الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فكما يستحق المال على مذهب مالك ومن تبعه على القضاء باليمين مع الشاهد فكذلك يستحق باليمين مع الشاهدتين، وبالله التوفيق. [دية عين الأعور] في دية عين الأعور قال مالك: كان سليمان بن يسار وربيعة [بن أبي

стр. 8660

عبد الرحمن] يقولان في دية عين الأعور إذا فقئت عينه ألف دينار. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن منفعة الأعور بعينه الواحدة كمنفعة الصحيح بعينيه جميعا، فوجب أن يكون له في عينه الباقية ما للصحيح في عينيه جميعا. وقد اختلف على قياس هذا في الأعور العين اليمنى يفقأ عين الصحيح اليسرى أو الأعور العين اليسرى يفقأ عين الصحيح اليمنى على ثلاثة أقوال: أحدها أنه ليس له إلا القصاص إلا أن يصطلحا على شيء، والثاني أنه يخير بين أن يقتص أو يأخذ دية عينه خمسمائة دينار، والثالث أنه مخير بين أن يقتص أو يأخذ دية عين الأعور التي ترك ألف دينار. وقد مضى في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الجنايات توجيه كل واحد من هذه الأقوال، وبالله التوفيق. [ترك حلق الشعر وتقليم الأظفار إذا أهل هلال ذي الحجة] فيما جاء في ترك حلق الشعر وتقليم الأظفار إذا أهل هلال ذي الحجة قال مالك: بلغني أن أم سلمة زوج النبي ﷺ كانت تقول: إذا استهل ذو الحجة فلا يأخذ أحد من شعره ولا من أظفاره. قال مالك: لا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: قول أم سلمة هذا مروي عنها عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة فأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي» . وفي بعض الآثار عنها

стр. 8661

عن النبي ﷺ : «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي» . وإنما لم ير بهذا بأسا لأنه عارضه عنده حديث عائشة إذ قالت ردا لقول ابن عباس: «من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي: ليس كما قال ابن عباس: أنا قلدت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده [ثم بعث بها] فلم يحرم عليه شيء مما أحله الله له حتى نحر الهدي» لأنه إذا لم يحرم على الذي بعث بالهدي شيء مما أحله الله له حتى ينحر الهدي، فأحرى ألا يحرم على الذي يريد أن يضحي أو عنده ذبح يريد أن يضحي به شيء مما أحله الله له حتى يضحي. وقد جمع بين الحديثين بعض من ذهب إلى الأخذ بحديث أم سلمة بأن قال: معنى حديث عائشة أنه لم يحرم على رسول الله ﷺ شيء مما أحل الله له من أهله حتى نحر الهدي على ما جاء في بعض الآثار عنها وحرم عليه ما سوى ذلك من حلق الشعر وقص الأظفار على ما جاء في حديث أم سلمة، وبالله التوفيق.

стр. 8662

[امتشاط الحاد بالحناء واكتحالها بالصبر] في امتشاط الحاد بالحناء واكتحالها بالصبر قال مالك: بلغني أن أم سلمة زوج النبي ﷺ كانت تنهى أن تمتشط الحاد بالحناء، وتكتحل بالصبر. قال محمد بن رشد: إنما كانت أم سلمة تنهى الحاد عن الاكتحال بالصبر لما جاء من «أن رسول الله ﷺ دخل عليها وهي حاد على أبي سلمة وقد جعلت على عينها صبرا، فقال ما هذا يا أم سلمة؟ فقالت: إنما هو صبر يا رسول الله، قال: اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار، فقالت لامرأة حاد على زوجها اشتكت عينها فبلغ ذلك منها اكتحلي بكحل الجلاء بالليل وامسحيه بالنهار» وقالت: تجمع الحاد رأسها بالسدر والزيت، وهو الذي ذهب إليه مالك أنها لا تمتشط إلا بالسدر وما أشبهه مما لا يختمر في رأسها وبالله التوفيق. [الترغيب في السواك] في الترغيب في السواك قال: وحدثني عن محمد بن يحيى بن حبان قال: أدركت رجالا من أسلم كانت معهم أسوكة يستاكون بها لكل صلاة. قال محمد بن رشد: السواك مرغب فيه ومندوب إلية لقول النبي

стр. 8663

- ﵇: «عليكم بالسواك» وقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» . وقد قال أبو هريرة: «لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء» . والأصبع يجزئ من السواك إذا لم يجد سواكا، قاله مالك في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة. وقد مضى هناك القول على وجه ذلك وبالله التوفيق. [البناء في الرعاف] في البناء في الرعاف قال مالك وبلغني أن ابن عباس كان يبني في الرعاف على ما صلى. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في بناء الراعف وقطعه في رسم طلق بن حبيب. وظاهر قول ابن عباس هذا أنه كان يبني فذا كان أو في جماعة، وفي ذلك بين من اختار البناء على القطع اختلاف، وبالله التوفيق. [الإبراد في الحر بالصلاة] في الإبراد في الحر بالصلاة قال مالك: قال عمر بن الخطاب لأبي محذورة: إنك بأرض حارة فأبرد فكأني عندك. قال محمد بن رشد: إنما أمره بالإبراد وهو التأخير لقول النبي ﷺ : «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من

стр. 8664

فيح جهنم» وذكر أن النار الحديث. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فقال أبو الفرج: اختار مالك ﵀ لجميع الصلوات أول أوقاتها إلا الظهر في شدة الحر لقوله ﷺ : «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» فقال: إن هذا هو مذهب مالك، ولم يفرق بين الجماعة والفذ على ظاهر الحديث، خلاف ما في المدونة من أنه استحسن أن يصلي الناس، يريد [الجماعة] الظهر في الشتاء والصيف إذا فاء الفيء ذراعا، والمعنى في ذلك أنه تأول أن النبي ﷺ إنما أمر بالإبراد بالصلاة في شدة الحر ليدرك الناس الصلاة، فلما كان المعنى عنده في الأمر بالإبراد الرفق بالناس ليدركوا الصلاة في الجماعة رأى من الرفق بهم أن تؤخر الصلاة في الشتاء أيضا حتى يفيء الفيء ذراعا ليدرك الناس الصلاة على ظاهر ما كتب به عمر ابن الخطاب إلى عماله من أن يصلوا الظهر إذا فاء الفيء ذراعا، فعم ولم يفرق بين الشتاء والصيف، وإن كان الرفق بالناس في ذلك في المصيف أكثر منه في الشتاء. وأما المنفرد على ما في المدونة فأول الوقت أفضل له على ما كتب به عمر إلى أبي موسى الأشعري أن صل الظهر إذا زاغت الشمس، لأن معناه في المنفرد، لئلا يتعارض ما كتب به إلى عماله مع ما كتب به إليه. وقد حمل ابن عبد البر ما في المدونة على أنه استحب للمنفرد والجماعة أن يؤخروا الظهر في الشتاء والصيف إلى أن يفيء

стр. 8665

الفيء ذراعا، وهو تأويل ليس بصحيح. وقال الليث بن سعد: يصلي الصلوات كلها الظهر وغيره في أول الوقت في الشتاء والصيف، وهو أفضل، وكذلك قال الشافعي إلا أنه استثنى فقال: إلا أن يكون إمام جماعة ينتاب من المواضع البعيدة فإنه يبرد بها يريد في الحر، قال: لأن أمر رسول الله ﷺ كان بالمدينة لشدة حر الحجاز، ولأنه لم يكن بالمدينة مسجد غير مسجده، فكان ينتاب من بعد فيتأذون بشدة الحر فأمرهم بالإبراد لما في الوقت من السعة. وقال العراقيون: يصلي الظهر في الشتاء والصيف في أول الوقت، واستثنى أصحاب أبي حنيفة شدة الحر. فيتحصل في الإبراد بصلاة الظهر في الصيف إلى أن يفيء الفيء ذراعا وهو وسط الوقت، لأن طول المدة من زوال الشمس إلى أن يفيء الفيء ذراعا مثل طولها من حين يفيء الفيء ذراعا إلى آخر القامة لإبطاء الظل بالسير في أول القامة وإسراعه في آخرها، أربعة أقوال: أحدها استعمال الإبراد في الجماعة والانفراد، والثاني ترك الإبراد في الجماعة والانفراد، والثالث ترك الإبراد في الانفراد دون الجماعة، والرابع ترك الإبراد إلا في [الجماعة في] المسجد الذي ينتاب من بعد. وأما الإبراد بالظهر في الشتاء ففي ذلك في الجماعة قولان، وأما المنفرد فلا يبرد قولا واحدا، وبالله التوفيق. [إطالة صلاة الصبح مع الإسفار] في إطالة صلاة الصبح مع الإسفار قال مالك: سافر أبو بكر بن عبد الرحمن، وكان قد كف بصره، فصلى الصبح وقد أسفر يقرأ فيها ببراة. قال محمد بن رشد: معناه أنه أسفر بها عن الوقت الذي جرت عادته أن

стр. 8666

يصليها فيها من التبكير، لا أنه أسفر بها إلى قرب طلوع الشمس، إذ لو أسفر بها إلى قرب طلوع الشمس لما جاز له أن يقرأ فيها ببراءة، وبالله التوفيق. [الضحية في السفر] في الضحية في السفر قال مالك: بلغني أن رجلا كان مسافرا وأنه أدركه النحر في السفر فمر براع على رأس جبل فقال له: عندك شاة تبيعها؟ قال له الراعي: نعم، فاشترى منه شاة ثم قال: أضجعها فاذبحها ثم شأنك بها. قال فقال الراعي: اللهم تقبل مني، قال: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل. قال محمد بن رشد: حكى ابن حبيب عن أصبغ أنه قال: إنما في هذا الحديث أن ابن عمر ضحى في السفر، وأما المبالغة فيما فعل مع الراعي على طريقة الفقه فلا تجزئ عنه وتجزئ عن الراعي ويضمن قيمتها له فيضحي بغيرها، كمن تعدى على ضحية رجل فذبحها عن نفسه. وتابعه الفضل على تأويله فقال: بل لا تجزئ عن واحد منهما على أصله المتقدم، وليس ذلك بصحيح، لأن الراعي لم يتعد على ابن عمر في ذبح ضحيته، وإنما ذبحها بأمره وهو حاضر مستنيب له في ذلك، فوجب أن تكون النية في ذلك نيته لا نية الذابح، كمن أمر رجلا أن يوضئه فوضأه فالنية في ذلك نية الآمر الموضأ لا نية المأمور الموضىء. ألا ترى أنه لو نوى فيها لابن عمر خلاف نيته من ذبحه إياها على أنها شاة لحم لم يؤثر ذلك في نيته، وإنما قوله فيما ذبح لغيره وبأمره اللهم تقبل مني، بمنزلة اللهم تقبل مني صلاة فلان وصيامه، فذلك لغو ودعاء غير مقبول. على أنه يحتمل أن يكون الراعي إنما

стр. 8667

أراد اللهم تقبل مني عملي في ذبحي الذبيحة عنه ومعونتي إياه على نسكه ولا تحرمني الأجر في ذلك [ولعله ظن بجهله أن الأجر في ذلك] له لا لابن عمر إذ تولى هو ذبحها عنه، وفهم ذلك عنه ابن عمر، ولذلك قال: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل. ولو رأى ابن عمر أنها لا تجزئه لما قال للراعي يضحي بغيرها. وهذا كله بين، وفيه دليل لقول أشهب في النصراني أو اليهودي يذبح ضحية رجل بأمره أنها تجزئه وبئس ما صنع. وقد مضى هذا في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الضحايا، وبالله التوفيق. [توقيت عمر ذات عرق لأهل المشرق] في توقيت عمر ذات عرق لأهل المشرق قال مالك: وقت عمر بن الخطاب ذات عرق لأهل المشرق. قال محمد بن رشد: في هذا جواز الاجتهاد فيما لا نص فيه، وذلك أن النبي ﷺ لما وقت المواقيت لأهل الآفاق وسكت عن العراق، وقت لها عمر باجتهاده ذات عرق، فكان ذلك منه سنة وجب اتباعه فيها، لقول النبي ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وبالله التوفيق. [دعاء الملائكة للإنس وعليهم] في دعاء الملائكة للإنس وعليهم قال مالك: بلغني أن في السماء ملكين يقول أحدهما: اللهم

стр. 8668

أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا، ويقول الآخر: ويل للرجال من النساء وويل للنساء من الرجال. قال عيسى قلت لابن القاسم: يريد وجه الفجور؟ قال: نعم وغير ذلك مما يكون بين الرجال ونسائهم في غير وجه الفجور. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، فينبغي لمن أمسك أن يتوقع ذهاب ماله لإجابة دعوة الملك، ولمن أنفق بغير سرف ولا تعد أن يرجو الخلف من الله بإجابة دعوة الملك. وقد أثنى الله على من أنفق على عياله وعلى نفسه بغير إسراف ولا إقتار فقال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] ووعدهم بما وعدهم به من قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] إلى آخر السورة. والويل قيل فيه إنه واد في جهنم يسيل من عصارة أهل النار في النار، فينبغي للنساء والرجال أن يتوقعوا هذا الوعيد حتى لا يتعدى بعضهم على بعض في وجه من الوجوه، وبالله تعالى التوفيق. [أمر عمر بن الخطاب بكتب الناس للعطاء] في أمر عمر بن الخطاب بكتب الناس للعطاء قال مالك: قال عمر بن الخطاب لابن الأرقم: اكتب لي الناس، فكتبهم، ثم جاء بهم فقال أكتبتهم؟ قال: نعم قد كتبت المهاجرين والأنصار والمهاجرين من العرب والمحررين، فقال عمر: لعل ثم رجل ليس هاهنا أحد من قومه لم تكتبه فارجع فاكتبه.

стр. 8669

قال محمد بن رشد: قال في هذه الحكاية من المدونة: ارجع فاكتب فلعلك تركت رجلا لم تعرفه، أراد ألا يترك أحدا. فهذا مما يدل على أن عمر بن الخطاب كان يقسم لجميع المسلمين. وقد قال ﵁: ما أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعيا وراعية بعدن. قال ابن القاسم: ورأيت مالكا يعجبه هذا الحديث، وبالله التوفيق. [معنى قول الله وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا] في قول الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] قال مالك عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة أنها قالت: ما رأيت مثل ما ترك الناس من هذه الآية ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] . قال محمد بن رشد: روي عن عبد الله بن عباس أنه قال في تأويل هذه الآية: إن الله أمر نبيه ﷺ أنه إذا ما اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ وحق على الإمام أن يجاهدهم ويقاتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ويقروا بحكم الله. وروي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه. وروي «أن رسول الله ﷺ أقبل على حمار حتى وقف في مجلس من مجالس الأنصار، فكره بعض القوم موقفه، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول،

стр. 8670

فقال: خل لنا سبيل الريح من نتن هذا الحمار أف وأمسك أنفه، فمضى رسول الله ﷺ وغضب له بعض القوم وهو عبد الله بن رواحة، فقال: ألرسول الله ﷺ قلت هذا القول؟ فوالله لحماره أطيب ريحا منك فاستبا ثم اقتتلت عشائرهما، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأقبل يصلح بينهم، فكأنهم كرهوا ذلك فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إلى آخر الآية» فأرادت عائشة ﵂ بقولها والله أعلم: ما رأيت مثل ما ترك الناس في هذه الآية نسبة التقصير إلى من أمسك من الصحابة عن الدخول في الحروب التي وقعت بينهم واعتزلهم وكف عنهم ولم يكن مع بعضهم على بعض، ورأت أن الحظ لهم والواجب عليهم إنما كان في أن يروموا الإصلاح بينهم، فإن لم يقدروا عليه كانوا مع من يقتضيه نظرهم أنه على الحق منهم على ما تقتضيه الآية. وإنما أمسك من أمسك منهم عن نصر بعضهم على بعض طلبا للخلاص والنجاة مما شجر بينهم، إذ لم يبن لهم من كان على الحق منهم والله أعلم، فكان فرضهم ما فعلوه من الإمساك، إذ لا يحل قتال مسلم بشك، كما كان فرض كل من قاتل منهم ما فعله من القتال لاعتقاده أنه مصيب باجتهاده، فكلهم محمود على ما فعله: القاتل منهم والمقتول في الجنة. فهذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم، لأنهم قد أثنى الله عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله، فقال عز من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ، أي خيارا عدولا. وقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية، وقال

стр. 8671

رسول الله ﷺ : «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم» وقال: «عشرة من قريش في الجنة فسمى فيهم عليا وطلحة والزبير» . والذي يقول به أهل السنة والحق أن عليا ﵁ ومن اتبعه كان على الصواب والحق، وأن طلحة والزبير كانا على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما وكان فرضهما ما فعلاه إذ هما من أهل الاجتهاد. ومن الناس من يجعل المسألة من مسائل الاجتهاد ويقول: كل مجتهد فهو مصيب كسائر الأحكام، وليس ذلك بصحيح. ومن أئمة المعتزلة من يقف في علي وطلحة والزبير وعائشة ﵃ فيقول: لا ندري من المصيب منهم من المخطئ؟ ومن الناس من يقول: إن من خالف عليا كان على الخطأ والعصيان إلا أنهم تابوا ورجعوا إلى موالاة علي ﵃ قبل أن يموتوا، واستدلوا على ذلك برجوع الزبير، وندم عائشة وبكائها إذ ذكر لها يوم الجمل، وقول طلحة لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه: امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين. والذي قلناه من أنهم اجتهدوا فأصاب علي وأخطأ طلحة والزبير هو الصحيح الذي يلزم اعتقاده، فلعلي أجران لموافقته الحق باجتهاده، ولطلحة والزبير أجر واحد لاجتهادهما. وقد مضى هذا في أول هذا السماع من كتاب المحاربين والمرتدين، والله الموفق للصواب برحمته. [معنى قول الله نساؤكم حرث لكم] في معنى قول الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قال مالك عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن يهود كانت تقول من وطئ امرأته من ورائها جاء ولده أحول، فأنزل الله تبارك

стр. 8672

وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] . قال محمد بن رشد: المعنى في قوله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أي موضع حرثكم ومزدرع أولادكم. وقد اختلف في معنى قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فقيل معناه كيف شئتم مقبلة أو مدبرة أو باركة في موضع الولد، لأن الوطء لا يكون إلا في موضع الولد، كما أن الحرث لا يكون إلا في موضع الزرع، وهو الذي يدل عليه سبب نزول الآية على ما جاء في حديث جابر المذكور. وقيل معناه متى شئتم من ليل أو نهار، روي ذلك عن ابن عباس، وروي عنه أيضا أنه قال: معناه ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا. وقيل معنى أنى شئتم حيث شئتم إن شئتم في القبل وإن شئتم في الدبر. روى نافع عن ابن عمر أنه قرأ يوما ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فقال أتدري فيما نزلت هذه الآية؟ قال: قلت لا. قال: أنزلت في وطء النساء في أدبارهن. روى أبو زيد عن ابن القاسم عن مالك أنه قال له: يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم كذب العلج أو العبد على أبي، فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر مثل ما قال نافع، فقيل له: إن الحارث ابن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عن ذلك فقال: أف أف، أيفعل ذلك مؤمن أو قال مسلم؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع. وسيأتي في أول رسم من سماع عيسى القول فيما روي عن مالك في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

стр. 8673

[ما للعبد إذا نصح لسيده] فيما للعبد إذا نصح لسيده قال مالك: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نصح العبد لسيده وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين» . قال محمد بن رشد: معناه كان له أجران: أجر في عبادة ربه، وأجر في خدمة سيده. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل آمن بنبيه ثم أدرك النبي ﵇ فآمن به، وعبد عبد ربه ونصح لسيده، ورجل كانت له جارية فأدبها وأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها» . وبالله التوفيق. [الرضى بقدر الله ] في الرضى بقدر الله وقال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يقول ما لي هوى إلا في مواقع حكم الله. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا رضاه بما يقع من أحكام الله تعالى التي حكم بها وقدرها. ويحتمل أن يكون معنى قوله إنه لا رغبة له ولا هوى في الحكم على أحد إلا بما يوجبه الحكم الذي افترضه الله جل وتعالى على عباده، وبالله التوفيق.

стр. 8674

[حكم الغيبة] في الغيبة وفي الحديث سئل رسول الله ﷺ عن معنى الغيبة فقال: إذا قلت ما يكره أن يسمع. قال محمد بن رشد: الغيبة محرمة بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] . ومعنى لا يغتب بعضكم بعضا لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره القول فيه أن يقال له في وجهه. وروي عن أبي هريرة أنه قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: هو أن تقول في أخيك ما فيه فإن كنت صادقا فقد أغتبته وإن كنت كاذبا فقد بهته» . وجاء في بعض الآثار «أن امرأة دخلت على عائشة فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي ﵇ أي أنها قصيرة، فقال النبي ﷺ : اغتبتها» . وقال معاوية بن قرة: لو مر عليك رجل أقطع فقلت: إنه أقطع كنت اغتبته. ومعنى قول الله : ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] يقول: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته، فإن لم تحبوا ذلك وكرهتموه لأن الله حرم ذلك عليكم فكذلك لا تحبوا أن تغتابوه واكرهوا غيبته حيا كما كرهتم لحمه ميتا، فإن الله حرم غيبته حيا كما حرم لحمه ميتا، وبالله التوفيق.

стр. 8675

[ما جاء من أسماء النبي ﵇] فيما جاء من أسماء النبي ﵇ قال: وقال مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: «لي خمسة أسماء أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، يريد يتبعونني، وأنا العاقب» . قال محمد بن رشد: ليس في قول النبي ﵇ لي خمسة أسماء دليل على أنه لا أسماء له غيرها، إذ لا ينتفي عنه بذكر بعض أسمائه وإن ذكر عددها سائرها، وهذا كما تقول في فلان ثلاث خصال وهي كذا وكذا فلا تنفي بذلك أن لا يكون له خصال سوى الثلاث التي ذكرتها، لأن أسماءه هذه الخمسة مشتقة من صفاته، فلا يمتنع أن يكون له أسماء سواها مشتقة من صفاته، بل قد جاء ذلك فروي هذا الحديث من رواية محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه وزاد فيه: وقد سماه الله رؤوفا رحيما. وروي في أسمائه أيضا المقفي، ونبي [التوبة في التوراة] ونبي الملحمة، وسماه الله خاتم النبيين. وجائز أن يضاف إلى هذه الأسماء المروية سواها مما هو مشتق من صفاته ﷺ لأن هذه أيضا مشتقة من صفاته: محمد وأحمد من الحمد، والماحي من أن الله يمحو به الكفر كما قال في الحديث، ويمحو به ذنوب من اتبعه، والحاشر من أن أمته تنحشر إليه يوم القيامة وتتبعه فتكون قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، والعاقب من أنه آخر الأنبياء، والمقفي من أنه قفى من قبله من الأنبياء، وخاتم النبيين مثله في المعنى، وسمي نبي التوبة لأن الله تاب به على من تاب من عباده، وسمي نبي الملحمة لأنه بعث بالقتال على الدين، وبالله التوفيق.

стр. 8676

[لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول] في أنه لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول قال مالك بلغني عن علي بن أبي طالب أنه قال: ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. قال محمد بن رشد: هذا مروي عن النبي ﵇ أنه قال: «ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول» وهذا ليس على عمومه في جميع الأموال المستفادة، لأنه يخصص من ذلك الحبوب والثمار لقول الله : ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ويخصص من ذلك أيضا على قول مالك ما يخرج من المعدن بالقياس على الحبوب والثمار لأنه يعتمل كما يعتمل الزرع وينبت في الأرض كما ينبت الزرع؛ ويخصص من ذلك أيضا نماء الماشية فتزكى على أصولها ولا يستقبل به الحول، لقول النبي ﵇ «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها» . واختلف قول مالك في أرباح الأموال هل تزكى على أصل المال أم لا اختلافا كثيرا، وقد مضى الكلام على هذا في سماع أشهب من كتاب الزكاة، وبالله التوفيق. [حمل السلاح على المسلمين] ما جاء في من حمل السلاح على المسلمين قال مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله

стр. 8677

عليه وسلم - قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا» . قال محمد بن رشد: قوله ليس منا، معناه ليس على مثل هدينا وطريقتنا، لا أن من حمل السلاح على المسلمين من المسلمين محاربا لهم على أموالهم فإنه يكون بذلك خارجا عن ملة الإسلام، وهذا نحو قوله ﷺ : «من غشنا فليس منا» «ومن لم يرحم صغيرنا ولا وقر كبيرنا فليس منا» وما أشبه هذا كثير، وبالله التوفيق. [تقليد المرأة الهدي وإشعارها إياه] في تقليد المرأة الهدي وإشعارها إياه وسئل مالك عن رأي ابن شهاب في المرأة تقلد وتشعر، قال مالك أراه خطأ لا يقلد ولا يشعر إلا من ينحر وإني لأحب للمرء أن يتواضع لله ويخضع له ويذل نفسه. كان رسول الله ﷺ ينحر بدنه، وإن ناسا يأمرون من يذبح لهم، يريد بذلك أهل الطول ويعيب ذلك عليهم. فقيل له يا أبا عبد الله فلو أن امرأة اضطرت [إلى أن تأمر جاريتها تقلد وتشعر، قال مالك إن اضطرت] رأيت ذلك مجزئا، ولا أرى للمرأة أن تقلد ولا تشعر وهي تجد رجلا يقلد لها ويشعر. قال محمد بن رشد: لما نحر رسول الله ﷺ -

стр. 8678

بدنه بيده ولم ينحر أزواجه عن أنفسهن بل نحر هو عنهن كان في ذلك ما قد دل على أن المرأة لا تذبح ولا تنحر إلا أن تضطر إلى ذلك. والتقليد والإشعار من ناحية النحر فلا ينبغي للمرأة أن تفعل شيئا من ذلك إلا من ضرورة، فإن فعلته من غير ضرورة كانت قد أساءت وأكلت ذبيحتها، وهذا ما لا اختلاف فيه أحفظه، وبالله التوفيق. [النفل من الخمس] في أن النفل من الخمس قال مالك: بلغني أن الناس كانوا يعطون من الخمس، يعني النفل، قال ابن القاسم قال مالك إنما ينفل من الخمس ولا ينفل أحد من رأس الغنيمة. قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم فيه. أن النفل من الخمس، لأن الأربعة الأخماس للغانمين، والخمس مصروف إلى اجتهاد الإمام. وقد اختلف في ذلك اختلافا كثيرا، فقيل إنه لا ينفل إلا من بعد الخمس من الأربعة الأخماس، لأن الخمس عندهم قد صرفه الله إلى المذكورين في الآية فلا يخرج عنهم منه شيء؛ وقيل إن للإمام أن ينفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمسها، ولا يرى مالك ﵀ للإمام أن ينفل قبل القتال لئلا يرغب الناس في العطاء فتفسد نياتهم في الجهاد، فإن وقع ذلك مضى للاختلاف الواقع وللآثار المروية فيه. وأما سلب القتيل فقيل إنه لا يكون للقاتل إلا أن ينفله الإمام إياه إما من الخمس وإما من رأس الغنيمة وإما بعد تخميسها على ما ذكرناه من الاختلاف فيما سوى السلب، وقيل إنه للقاتل حكم من النبي ﷺ لا يحتاج فيه إلى استئناف أمر من الإمام؛ وقيل: إنه للإمام يخمسه ولا يكون له منه إلا أربعة أخماسه. وقد قيل إن الإمام لا ينفل إلا من خمس الخمس، وهذا يرده «حديث ابن عمر في السرية التي بعثها رسول الله - صلى

стр. 8679

الله عليه وسلم - قبل نجد، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا [أو أحد عشر بعيرا] ونفلوا بعيرا بعيرا» وبالله التوفيق. [تفسير قول الله فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا] في تفسير قول الله ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] قال مالك في قول الله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] قال: القوة على الأداء. قال محمد بن رشد: قد اختلف في الخير الذي عناه الله بقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] ما هو، فقالت طائفة: المال، وقالت طائفة: القوة على الأداء وهو قول مالك، وقالت طائفة: الأمانة والدين، وقالت طائفة الصدق والوفاء. وهذه الأقاويل كلها متقاربة في المعنى، وذلك على الندب والإرشاد. وكذلك قول الله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] هو على الندب لا على الوجوب، ومعناه عند مالك أن يضع عنه من آخر كتابته شيئا يتعجل به عتقه. والذي يدل عليه أنه غير واجب أن الله لم يحد فيه حدا في كتابه ولا على لسان رسوله، ولو كان فرضا لكان محدودا، لأن الفروض لا تكون غير محدودة بكتاب أو سنة، فلما لم يحد ذلك في الكتاب ولا ثبت فيه خبر مرفوع عن النبي ﷺ دل ذلك على أن الناس يؤمرون بذلك ولا يجبرون عليه بالحكم كالمتعة.. وقد قال بعض الناس: يوضع عنه الربع من كتابته، وقائل هذا القول يرى ذلك واجبا، واختار بعض الناس أن يضع عنه آخر نجم من نجومه. ومنهم من رأى أن يعطيه من سأله من غير الكتابة. وقد قيل إن

стр. 8680

الخطاب في ذلك إنما هو للولاة أن يعطوهم من الزكاة لا للسادة، لقول الله : ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] . وقد قيل أيضا إن الخطاب لجميع الناس أن يعينوهم من أموالهم، وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «من أعان مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . وبالله التوفيق. [بناء رسول الله ﷺ بميمونة بسرف] في أن رسول الله ﷺ إنما بنى بميمونة بسرف قال مالك: بنى رسول الله ﷺ بميمونة في الثلاثة الأيام أيام القضية، فأبت قريش أن يقروه [يبني بها بمكة] فبنى بها بسرف. قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أنه إنما بنى بها بسرف في عمرة القضاء عام سبعة وهو بالمدينة قبل أن يخرج على ظاهر ما في حديث الموطأ من «أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة [قبل أن يخرج» وقيل] بعد أن خرج قبل أن يحرم. وإن قوله في الحديث ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج إنما يعود على بعث رسول الله ﷺ إياهما لا على التزويج، وقيل: بعد أن أحرم وهو محرم على ما روي عن ابن عباس،

стр. 8681

وقيل بعد أن حل من إحرامه على ما روي «عن ميمونة أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ بسرف» . وإنما بنى بها بسرف لأنه لما أقام ثلاثا على ما كان قاضى عليه أهل مكة أتاه حويطب ابن عبد العزيز في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا، فقال: وما عليكم لو تركتموني فعرست بين أظهركم فصنعنا لكم فحضرتموه فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج ﷺ وبنى بها بسرف. وبالله التوفيق. [تأويل الرجل ما يخبر به على أحسن وجوهه] في تأويل الرجل ما يخبر به على أحسن وجوهه قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود أنه قال: إذا حدثتم بحديث فظنوا به أحسنه. قال محمد بن رشد: هذا الذي ينبغي لكل من حدث عن أحد بشيء أن يفعله، فقد قال عمر بن الخطاب: لا يحل لمن يسمع من أخيه كلمة أن يظن فيها سوءا وهو يجد لها مصدرا في وجه من وجوه الخير، لأن تأويلها على ظاهرها من الشر ظن، وقد قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، وقال رسول الله ﷺ «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وبالله التوفيق.

стр. 8682

[بركة الغزو] في بركة الغزو قال مالك: إن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ أراد الغزو فقال له أهله لو أقمت فسقيت وديك وأصلحته فإني أخاف أن يموت، قال: فغزا وترك الودي على حاله، فأتى وقد صلح، قال فذكر له أهله، فقال الرجل الغزو يصلح الودي. قال محمد بن رشد: قوله الغزو يصلح الودي، معناه أن الرجل لا يجد فقد شيء تركه لله، وبالله التوفيق. [الطاعة لا تجب إلا بالمعروف] في أن الطاعة لا تجب إلا بالمعروف قال مالك عن [عبد الله بن أبي بكر] عن ابن شهاب أن شداد ابن أوس غطى رأسه فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: إنما أخاف عليكم من قبل رؤسائكم الذين إذا أمروا بطاعة أطيعوا، وإذ أمروا بمعصية أطيعوا. إنما المنافق كحمل اختنق فمات في ربقه لا يعدو شره ربقه. قال الربق: الذي يجعل للخروف يمنع به الرضاع. قال محمد بن رشد: شداد بن أوس هذا من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار ابن أخي حسان بن ثابت الأنصاري، قال فيه عبادة بن الصامت: كان شداد بن أوس ممن أوتي العلم والحلم، وقال أبو الدرداء: إن الله يؤتي الرجل العلم ولا يؤتيه الحلم ويؤتيه الحلم ولا يؤتيه العلم، وإن أبا يعلى شداد بن أوس ممن آتاه الله العلم والحلم. وبكاؤه من حذره على الناس طاعتهم لرؤسائهم في الطاعة والمعصية من الحلم الذي آتاه الله إياه، وتمثيله للمنافق بالحمل الذي يختنق في ربقه فيموت، من العلم الذي آتاه الله إياه، لأنه تمثيل صحيح، لأن المنافق يهلك باعتقاده فلا يتأذى به سواه، إذ لا يظهره كالخروف يموت بربقه إذا اختنق به، فلا يتأذى به سواه، وبالله التوفيق.

стр. 8683

[الشرب قائما] في الشرب قائما قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب كانوا يشربون قياما ﵃ قال محمد ابن رشد: روي «عن النبي ﵇ أنه نهى عن الشرب قائما» من رواية أنس بن مالك. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «زجر رسول الله ﷺ رجلا شرب قائما» وكره ذلك جماعة من السلف. وقال إبراهيم النخعي: إنما كره الشرب قائما لداء يأخذ في البطن، ولم ير مالك ﵀ بذلك بأسا إذ لم يصح عنده النهي والله أعلم، فبوب في موطئه باب شرب الرجل وهو قائم، وأدخل في الباب عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير أنهم كانوا يشربون قياما، وعن عائشة وسعد بن أبي وقاص أنهما كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأسا. ومن الحجة له على ما ذهب إليه ما روى الشعبي «عن ابن عباس قال: ناولت رسول الله ﷺ إداوة من لبن فشربها وهو قائم» . وروي عن النزال بن سبرة قال: «أتي علي بماء فشرب قائما فقال: إن ناسا يكرهون هذا، وإني رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما» . وقد روي عن أبي

стр. 8684

هريرة والحسن الوجهان جميعا: الإباحة والكراهة. «وقال عبد الله بن عمر: كنا نشرب ونحن قيام ونأكل ونحن نمشي على عهد رسول الله ﷺ » -. وذهب الطحاوي إلى أن المعنى فيما روي عن النبي ﷺ من شربه قائما ونهيه عن ذلك أنه كان يشرب قائما إلى أن وقف على المعنى الذي من أجله كره الشرب قائما فنهى عنه إشفاقا منه على أمته وطلبا لمصالحهم، وليس قوله ببين، إذ قد يحتمل أن يكون نهى عن ذلك إشفاقا على أمته لما ذكر له أن ذلك يضر بهم، فلما تحقق أن ذلك لا يضر بهم شرب قائما ولم ينه عن ذلك، فقد كان هم أن ينهى عن الغيلة ثم لم ينه عنها لما ذكر من أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم شيئا. وإذا احتمل أن يكون كل واحد من الحديثين ناسخا للآخر وجب أن يسقطا جميعا ولا يمتنع من الشرب قائما إلا بيقين على ما ذهب إليه مالك، وبالله التوفيق. [ما يصاب به الرجل يكفر به عنه] في أن ما يصاب به الرجل يكفر به عنه قال مالك: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار «عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال: لولا [شيء] سمعته من رسول الله ﷺ لأحببت أن أموت، قيل وما هو؟ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من شيء يصاب به العبد إلا كفر عنه حتى يلقى الله وليست له خطيئة» .

стр. 8685

قال محمد بن رشد: يؤيد هذا حديث أبي هريرة عنه ﵇ أنه قال: «ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقى الله وليست له خطيئة» . ومن هذا المعنى قوله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يصب منه» وبالله التوفيق. [توقي الرجل من أن يظن به سوء] في توقي الرجل من أن يظن به سوء قال مالك: بلغني أن ابن عمر بن الخطاب خلا بأمة ليطأها فرآه رجال فأتى بها إليهم فقال إنها جاريتي، فقالوا: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن ومثلك يتهم؟ فقال: إنه يقع في القلب شيء. قال مالك: وذكر ذلك عمن هو خير، يريد النبي ﷺ رآه رجل مع صفية فقال: هي صفية. قال مالك: بلغني أن القاسم بن محمد قال: إني لأريد الحاجة إلى الموضع فما يمنعني منها إلا الموضع الذي أريدها فيه خوفا من أن يظن الناس بي ظنا سيئا. قال مالك: بلغني أن أبا بكر الصديق في الجاهلية صحبه رجل فقام وهو يسير معه حتى انتهى إلى موضع، فقال الرجل الذي استصحبه اعدل بنا إلى هذه الطريق، فقال: وما لهذه؟ قال: فيها مجلس قوم ونحن نستحيي أن نمر عليهم، فقال أبو بكر إن شيئا يستحيى منه لا أحب أن أتبعك فيه. قال محمد بن رشد: في توقي الرجل من أن يظن به سوء وجهان:
следующие страницы →