Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.
стр. 8681
وقيل بعد أن حل من إحرامه على ما روي «عن ميمونة أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ بسرف» . وإنما بنى بها بسرف لأنه لما أقام ثلاثا على ما كان قاضى عليه أهل مكة أتاه حويطب ابن عبد العزيز في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا، فقال: وما عليكم لو تركتموني فعرست بين أظهركم فصنعنا لكم فحضرتموه فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج ﷺ وبنى بها بسرف. وبالله التوفيق.
[تأويل الرجل ما يخبر به على أحسن وجوهه]
في تأويل الرجل ما يخبر به على أحسن وجوهه قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود أنه قال: إذا حدثتم بحديث فظنوا به أحسنه.
قال محمد بن رشد: هذا الذي ينبغي لكل من حدث عن أحد بشيء أن يفعله، فقد قال عمر بن الخطاب: لا يحل لمن يسمع من أخيه كلمة أن يظن فيها سوءا وهو يجد لها مصدرا في وجه من وجوه الخير، لأن تأويلها على ظاهرها من الشر ظن، وقد قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، وقال رسول الله ﷺ «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وبالله التوفيق.
стр. 8682
[بركة الغزو]
في بركة الغزو قال مالك: إن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ أراد الغزو فقال له أهله لو أقمت فسقيت وديك وأصلحته فإني أخاف أن يموت، قال: فغزا وترك الودي على حاله، فأتى وقد صلح، قال فذكر له أهله، فقال الرجل الغزو يصلح الودي.
قال محمد بن رشد: قوله الغزو يصلح الودي، معناه أن الرجل لا يجد فقد شيء تركه لله، وبالله التوفيق.
[الطاعة لا تجب إلا بالمعروف]
في أن الطاعة لا تجب إلا بالمعروف قال مالك عن [عبد الله بن أبي بكر] عن ابن شهاب أن شداد ابن أوس غطى رأسه فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: إنما أخاف عليكم من قبل رؤسائكم الذين إذا أمروا بطاعة أطيعوا، وإذ أمروا بمعصية أطيعوا. إنما المنافق كحمل اختنق فمات في ربقه لا يعدو شره ربقه. قال الربق: الذي يجعل للخروف يمنع به الرضاع.
قال محمد بن رشد: شداد بن أوس هذا من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار ابن أخي حسان بن ثابت الأنصاري، قال فيه عبادة بن الصامت: كان شداد بن أوس ممن أوتي العلم والحلم، وقال أبو الدرداء: إن الله يؤتي الرجل العلم ولا يؤتيه الحلم ويؤتيه الحلم ولا يؤتيه العلم، وإن أبا يعلى شداد بن أوس ممن آتاه الله العلم والحلم. وبكاؤه من حذره على الناس طاعتهم لرؤسائهم في الطاعة والمعصية من الحلم الذي آتاه الله إياه، وتمثيله للمنافق بالحمل الذي يختنق في ربقه فيموت، من العلم الذي آتاه الله إياه، لأنه تمثيل صحيح، لأن المنافق يهلك باعتقاده فلا يتأذى به سواه، إذ لا يظهره كالخروف يموت بربقه إذا اختنق به، فلا يتأذى به سواه، وبالله التوفيق.
стр. 8683
[الشرب قائما]
في الشرب قائما قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب كانوا يشربون قياما ﵃ قال محمد ابن رشد: روي «عن النبي ﵇ أنه نهى عن الشرب قائما» من رواية أنس بن مالك. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «زجر رسول الله ﷺ رجلا شرب قائما» وكره ذلك جماعة من السلف. وقال إبراهيم النخعي: إنما كره الشرب قائما لداء يأخذ في البطن، ولم ير مالك ﵀ بذلك بأسا إذ لم يصح عنده النهي والله أعلم، فبوب في موطئه باب شرب الرجل وهو قائم، وأدخل في الباب عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير أنهم كانوا يشربون قياما، وعن عائشة وسعد بن أبي وقاص أنهما كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأسا. ومن الحجة له على ما ذهب إليه ما روى الشعبي «عن ابن عباس قال: ناولت رسول الله ﷺ إداوة من لبن فشربها وهو قائم» . وروي عن النزال بن سبرة قال: «أتي علي بماء فشرب قائما فقال: إن ناسا يكرهون هذا، وإني رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما» . وقد روي عن أبي
стр. 8684
هريرة والحسن الوجهان جميعا: الإباحة والكراهة. «وقال عبد الله بن عمر: كنا نشرب ونحن قيام ونأكل ونحن نمشي على عهد رسول الله ﷺ » -. وذهب الطحاوي إلى أن المعنى فيما روي عن النبي ﷺ من شربه قائما ونهيه عن ذلك أنه كان يشرب قائما إلى أن وقف على المعنى الذي من أجله كره الشرب قائما فنهى عنه إشفاقا منه على أمته وطلبا لمصالحهم، وليس قوله ببين، إذ قد يحتمل أن يكون نهى عن ذلك إشفاقا على أمته لما ذكر له أن ذلك يضر بهم، فلما تحقق أن ذلك لا يضر بهم شرب قائما ولم ينه عن ذلك، فقد كان هم أن ينهى عن الغيلة ثم لم ينه عنها لما ذكر من أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم شيئا.
وإذا احتمل أن يكون كل واحد من الحديثين ناسخا للآخر وجب أن يسقطا جميعا ولا يمتنع من الشرب قائما إلا بيقين على ما ذهب إليه مالك، وبالله التوفيق.
[ما يصاب به الرجل يكفر به عنه]
في أن ما يصاب به الرجل يكفر به عنه قال مالك: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار «عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال: لولا [شيء] سمعته من رسول الله ﷺ لأحببت أن أموت، قيل وما هو؟ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من شيء يصاب به العبد إلا كفر عنه حتى يلقى الله وليست له خطيئة» .
стр. 8685
قال محمد بن رشد: يؤيد هذا حديث أبي هريرة عنه ﵇ أنه قال: «ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقى الله وليست له خطيئة» . ومن هذا المعنى قوله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يصب منه» وبالله التوفيق.
[توقي الرجل من أن يظن به سوء]
في توقي الرجل من أن يظن به سوء قال مالك: بلغني أن ابن عمر بن الخطاب خلا بأمة ليطأها فرآه رجال فأتى بها إليهم فقال إنها جاريتي، فقالوا: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن ومثلك يتهم؟ فقال: إنه يقع في القلب شيء. قال مالك: وذكر ذلك عمن هو خير، يريد النبي ﷺ رآه رجل مع صفية فقال: هي صفية. قال مالك: بلغني أن القاسم بن محمد قال: إني لأريد الحاجة إلى الموضع فما يمنعني منها إلا الموضع الذي أريدها فيه خوفا من أن يظن الناس بي ظنا سيئا. قال مالك: بلغني أن أبا بكر الصديق في الجاهلية صحبه رجل فقام وهو يسير معه حتى انتهى إلى موضع، فقال الرجل الذي استصحبه اعدل بنا إلى هذه الطريق، فقال: وما لهذه؟ قال: فيها مجلس قوم ونحن نستحيي أن نمر عليهم، فقال أبو بكر إن شيئا يستحيى منه لا أحب أن أتبعك فيه.
قال محمد بن رشد: في توقي الرجل من أن يظن به سوء وجهان:
стр. 8686
أحدهما دفع المكروه عن نفسه بدفع الظنة عنه، والثاني دفع الإثم عن الظان به ظن سوء. فينبغي لمن اتهم بشيء وهو منه بريء أن يبين براءته لمن خشي أن يكون قد اتهمه. وقد قال رسول الله ﷺ : «إنما هي صفية على ما حدثت به من أنها جاءت رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت ساعة ثم قامت تنقلب، وقام رسول الله ﷺ معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله ﷺ فقال لهما رسول الله ﷺ : على رسلكما إنما هي صفية ابنة حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما، فقال النبي ﵇: إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا» . وبالله التوفيق.
[توبة القاتل]
في توبة القاتل قال مالك: بلغني أن ابن عمر سأله رجل قتل نفسا يريد بذلك هل ترى لي من توبة؟ فقال له ابن عمر: أكثر من شرب الماء البارد. فقيل لمالك: أي شيء أراد بقوله أكثر من شرب الماء البارد؟. قال: يريد بذلك أنه من أهل النار.
قال محمد بن رشد: جميع الذنوب تمحوها التوبة إن تاب قبل المعاينة بإجماع، لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨] ، وعسى من الله واجبة؟
стр. 8687
ولقول النبي ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» وإن لم يتب منها كان في المشيئة لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] إلا القاتل عمدا فإنهم اختلفوا في قبول توبته وإنفاذ الوعيد عليه على قولين: فذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة وأن توبته مقبولة، وذهب جماعة منهم إلى أنه لا توبة له والوعيد لاحق به، فممن روي ذلك عنه ابن عمر على ما جاء في هذه الحكاية عنه، وعن ابن عباس وأبي هريرة، وزيد بن ثابت. روي أن سائلا سأل ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة عن من قتل رجلا مؤمنا متعمدا هل له من توبة؟ فكلهم قال: هل يستطيع أن يحييه؟ هل يستطيع أن يبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء. وإلى هذا ذهب مالك ﵀ لأنه روي عنه أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب.
ويؤيد هذا المذهب ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «كل ذنب عسى الله أن يعفو عنه إلا من مات كافرا أو قتل مؤمنا متعمدا» . وذلك، والله أعلم، أن القتل يجتمع فيه حق الله تعالى وحق المقتول المظلوم. ومن شرط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم أو رد التباعات إليهم، وهذا ما لا سبيل للقاتل إليه إلا أن يدرك المقتول قبل موته فيعفو عنه ويحلله من قتله طيبة بذلك نفسه. وكذلك اختلف أيضا في القصاص منه هل يكون له كفارة أم لا على قولين: وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم في ذلك كله وما نزع به كل فريق منهم من الكتاب والسنة في كتاب الديات من المقدمات، وبالله التوفيق.
стр. 8688
[المال الحلال يشوبه الحرام]
في المال الحلال يشوبه الحرام قال ابن القاسم قال مالك قال ابن هرمز: عجبا للمرء يرزقه الله المال الحلال ثم يحرمه من أجل الربح اليسير حتى يكون كله حراما.
قال محمد بن رشد: قوله ثم يحرمه من أجل الربح [يريد من أجل الربح] الحرام الذي هو ربا، مثل أن يكون له على رجل مائة فيؤخره بها على أن يأخذ منه مائة وعشرين. وقوله حتى يكون حراما ليس على ظاهره بأنه يحرم عليه جميعه ولا يحل له منه شيء، لأن الواجب عليه فيه بإجماع من العلماء أن يرد الربح الذي أربى فيه إلى من أخذه منه ويطيب له سائره، لقول الله : ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . وإنما معنى قوله حتى يكون كله حراما، أي حتى يكون كله بمنزلة الحرام في أنه لا يجوز له أن يأكل منه شيئا حتى يرد ما فيه من الربا، لأنه إن أكل منه قبل أن يرد ما فيه من الربا فقد أكل بعض الربا لاختلاطه بجميع ماله وكونه شائعا فيه. وكذلك على قوله لا يجوز لأحد أن يعامله فيه ولا أن يقبل منه هبة، لأنه إذا عامله فيه فقد عامله في جزء من الحرام لكونه شائعا فيه. وهذا هو مذهب ابن وهب من أصحاب مالك، وهو استحسان على غير قياس، لأن الربا قد ترتب في ذمته وليس متعينا في عين المال على الإشاعة فيه، فعلى ما يوجبه القياس تجوز معاملته فيه وقبول هبته، وهو مذهب ابن القاسم، وحرم أصبغ معاملته فيه وقبول هبته وهديته، وقال: من فعل ذلك
стр. 8689
يجب عليه أن يتصدق بجميع ما أخذ، وهو شذوذ من القول على غير قياس، وبالله التوفيق.
[لباس الثوب المعصفر بالزعفران]
في لباس الثوب المعصفر بالزعفران قال مالك: رأيت ابن هرمز يلبس الثوب بالزعفران. قال مالك: وبلغني أن عطاء بن يسار كان يلبس الثوبين الرداء والإزار بالزعفران، فإني لألبسه وأستحب ذلك وأراه حسنا، وللأشياء وجوه من ذلك السرف، فلا أحب السرف.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذا قبل هذا في رسم باع غلاما فلا وجه لإعادته هاهنا، وبالله التوفيق.
[إمساك المخصرة]
في إمساك المخصرة قال مالك: وكان عطاء بن يسار يمسك المخصرة، فقيل له: وما تفسير المخصرة؟ قال: يستعين بها، قال فالرجل إذا كبر لم يكن مثل الشاب يقوى بها عند قيامه. قال مالك: وقد كان بعض الناس إذا كان المطر خرجوا بالعصي يتوكئون عليها حتى إن كان الشباب ليستحبون عصيهم، فلربما أخذ ربيعة من بعض من يجلس إليه العصا فما تزال معه حتى يقوم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لا إشكال فيه، وبالله التوفيق.
стр. 8690
[فضل إطعام الطعام]
في إطعام الطعام قال مالك: كان ابن عمر لا يكاد يوصل إلى طعامه، فقيل له يا أبا عبد الله لم؟ قال: لتضايق الناس عليه وكثرة من يغشاه، ولقد نزل يوما بالجحفة فأتى صبي أسود أغلف عريان سائل فسأله، فقال اقعد فكل، قال فدار فلم يجد موضعا لتضايق الناس على الطعام، فلما رأى ذلك منه ابن عمر دعاه فألصقه إلى صدره، فقال له كل، قال فزعم الذي حدث قال فلقد رأيته ولقد لصق إلى بطنه.
قال محمد بن رشد: إطعام الطعام من أفعال الأبرار، قال الله : ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] . وإطعام ابن عمر الطعام من بعض فضائله، فلقد كان من فضلاء الأخيار المجتهدين الأبرار، وبلغ من السن سبعا وثمانين سنة، وأفتى الناس ستين سنة، وحج ستين حجة، وأعتق ألف رقبة، وحبس ألف فرس، واعتمر ألف عمرة، وكان لا ينام من الليل إلا قليلا، وبالله التوفيق.
[السلام على أهل الذمة والرد عليهم]
من سماع أشهب بن عبد العزيز من مالك من كتاب الجامع قال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك بن أنس عن السلام على أهل الذمة والرد عليهم، فقال: لا.
стр. 8691
قال محمد بن رشد: منع في هذه الرواية من أن يسلم على أهل الذمة أو يرد السلام عليهم. فأما منعه أن يسلم عليهم فالوجه أن السلام تحية وإكرام، وقد قال الله تعالى فيه: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] ، فيحب ألا يكون الكافر أهلا لها، هذا من طريق المعنى. وقد جاء في ذلك الأثر أيضا، روي عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إني راكب غدا إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام وإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم» . وقد روي أيضا عن النبي ﷺ مثله بمعناه من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة.
وأما منعه في الرواية من الرد عليهم، فالمعنى في ذلك ألا يرد عليهم كما يرد على المسلمين، وأن يقتصر في الرد عليهم بأن يقول وعليكم كما جاء في الحديث، فقد قال ﷺ : «إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقل عليك» كذا قال في الموطأ: عليك بغير واو، وفي غير الموطأ: وعليك - بالواو - والذي ينبغي في هذا أن يقول في الرد عليه بغير واو. وإن تحققت أنه قال في سلامه السام عليك وهو الموت، أو السلام عليك - بكسر السين - وهي الحجارة، وإن شئت قلت: وعليك - بالواو - لأنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا على ما جاء عن النبي ﵇، روي «عن عائشة أن اليهود دخلوا على النبي ﷺ وقالوا السام عليكم فقال النبي ﷺ -
стр. 8692
عليكم، فقالت عائشة: السام عليكم ولعنة الله وغضبه يا إخوة القردة والخنازير، فقال ﷺ : يا عائشة عليك بالحلم وإياك بالجهل، فقالت: يا رسول الله أما سمعت ما قالوا؟ فقال: أما سمعت ما رددت عليهم فاستجيب لنا فيهم ولم يستجب لهم فينا» . وإن لم تتحقق ذلك قلت وعليك - بالواو - لأنك إن قلت عليك بغير واو وكان هو قد قال السلام عليكم كنت قد نفيت السلام عن نفسك ورددته عليه. ومن أخطأ فسلم على اليهودي أو النصراني ابتداء فلا يستقيله، قال ذلك في الموطأ، ومعناه أنه لا يلزمه أن يقول له أخطأت في سلامي عليك فلا تظن أني قصدتك بسلامي وأنا أعلم أنك لست بمسلم، فسمى ذلك استقالة لأنه إذا فعل ذلك فقد رجع في إكرامه له بالسلام وبطلت غبطة الذمي بذلك.
وقد قال الداودي إنه لا يستقيله من أجل أنه لا يلحقه بسلامه عليه بركة فيسأله أن يرد ذلك عليه، وليس ذلك بشيء. وقد قيل إنه يقال في الرد على الذمي عليك السلام - بكسر السين - وعلاك السلام أي ارتفع عنك. ومن أهل العلم من أجاز أن يبدأ أهل الذمة بالسلام، وهو خلاف ما روي عن النبي ﷺ ، وبالله التوفيق.
[الخضاب بالسواد]
في الخضاب بالسواد وسئل مالك عن الخضاب بالسواد، فقال: ما علمت فيه النهي، وغيره أحسن منه.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم حلف ألا يبع سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق لا شريك له
стр. 8693
[والي اليتيم هل يأكل من مال يتيمه]
في والي اليتيم هل يأكل من مال يتيمه؟ وسئل مالك عن اليتيم يكون عند الرجل وله مال وكرمات أيأكل من ماله؟ قال: لا يأكل من ماله، فأما الفاكهة فهذا خفيف. قيل له: إبل يقوم عليها أينتفع بظهرها ويشرب من لبنها؟ قال: لا ينتفع بظهرها، فأما أن يشرب من لبنها فلا بأس بذلك، وذكر الحديث الذي جاء عن ابن عباس قال: إن كنت تليط حوضها.
قال محمد بن رشد: الحديث الذي جاء عن ابن عباس هو قوله للذي سأله هل يشرب من لبن إبل يتيمه: إن كنت تبغي ضالة إبله وتهنأ جرباها وتليط حوضها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب. واتفق أهل العلم جميعا على تحريم أكل مال اليتيم ظلما وإسرافا وعلى أن ذلك من الكبائر، لقول الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقوله : ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] واختلفوا في القدر الذي يجوز للأوصياء من ذلك ويسوغ لهم لقول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] فذهب مالك وأصحابه -
стр. 8694
- ﵏ إلى أنه لا يجوز للوصي أن يأكل من مال يتيمه إلا بقدر اشتغاله به وخدمته فيه وقيامه عليه إن كان محتاجا إلى ذلك. قال محمد بن المواز في كتابه عمن حكاه عنه من أهل العلم على ما جاء عن عبد الله بن عباس في الحديث المذكور فوق هذا.
وأما إن كان غنيا عن ذلك فلا يفعل لقول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] وقيل إن للغني أن يأكل منه بقدر قيامه عليه وخدمته فيه وانتفاع اليتيم به في حسن نظره له، فإن لم يكن له في ماله خدمة ولا عمل سوى أنه يتفقده ويشرف عليه لم يكن له أن يأكل منه إلا ما لا ثمن له ولا قدر لقيمته، مثل اللبن في الموضع الذي لا ثمن له فيه على ما قاله في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا، ومثل الفاكهة من ثمر حائطه على ما قاله في هذه الرواية، ولا يركب دوابه ولا ينتفع بظهر إبله ولا يتسلف من ماله. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن لوالي اليتيم إذا كان فقيرا أو احتاج أن يأكل من مال يتيمه بغير إسراف ولا قضاء عليه فيما أكل منه، لقول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] . واختلف في معنى ذلك فقيل هو أن يأكل من ماله بأطراف أصابعه ولا يكتسي منه؛ وقيل: هو ما سد الجوع ووارى العورة، ليس لبس الكتان ولا الحلل؛ وقيل هو أن يأكل من ثمره، ويشرب من رسل ماشيته لقيامه على ذلك، وأما الذهب والفضة فليس له أخذ شيء منهما إلا على وجه القرض؛ وقيل: إن له أن يأكل من جميع المال وإن أتى على المال ولا قضاء عليه، وقيل: معنى قوله : ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] هو أن يأخذ من ماله قدر قوته قرضا، فإن أيسر بعد ذلك قضاه، وروي هذا القول عن سعيد بن المسيب، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف فإذا أيسرت قضيته، وبالله التوفيق.
стр. 8695
[ما وصف به شعيب النبي ﵇]
فيما وصف به شعيب النبي ﵇ قال مالك وذكر الأنبياء فقال: شعيب خطيب القوم أو قال خطيب الأنبياء.
قال محمد بن رشد: هذا مروي عن النبي ﷺ أنه قاله فيه، لحسن مراجعته لقومه وبيانه لهم ووعظه إياهم، وذلك بين مما قصه الله علينا من أمره لقوله في سورة الأعراف: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الأعراف: ٨٥] الآيات إلى قوله: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] ومما قصه تعالى علينا على أمره بقوله في سورة هود: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] الآيات إلى قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود: ٩٣] الآية، وبالله التوفيق.
[كراهة القصص]
في كراهة القصص قال: وسئل عن الجلوس إلى القصاص فقال: ما أرى أن يجلس إليهم وإن القصص لبدعة.
قال محمد بن رشد: كراهة القصص معلومة من مذهب مالك
стр. 8696
- ﵀، روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: خرج معي فتى من طرابلس إلى المدينة فكنا لا ننزل منزلا إلا وعظنا فيه حتى بلغنا المدينة، فكنا نعجب بذلك منه، فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما كان يفعل بنا، فرأيته في سماطي أصحاب السفط وهو قائم يحدثهم ولقد لهوا عنه والصبيان يحصبونه ويقولون له أسكت يا جاهل، فوقفت متعجبا لما رأيت، فدخلنا على مالك فكان أول شيء سألناه عنه بعد أن سلمنا عليه ما رأينا من الفتى، فقال مالك: أصاب الرجال إذ لهوا عنه، وأصاب الصبيان إذ أنكروا عليه باطله.
قال يحيى: وسمعت مالكا يكره القصص، فقيل له يا أبا محمد فإذ تكره مثل هذا، فعلى ما كان يجتمع من مضى؟ فقال: على الفقه، وكان يأمرهم وينهاهم، وبالله التوفيق.
[إطلاء الجنب]
في إطلاء الجنب وسئل مالك أيطلي الجنب؟ فقال: نعم وإن وجه النورة لوجه النقاء والطهور.
قال محمد بن رشد: المعنى في ذلك بين لا وجه للكراهة فيه، وبالله التوفيق.
[قول أهل النار سواء علينا أجزعنا أم صبرنا]
في قول أهل النار: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١] قال: وسمعته يتلو هذه الآية: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ثم قال: زعم زيد بن أسلم أنهم صبروا مائة
стр. 8697
عام ثم بكوا مائة عام ثم قالوا ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] قال محمد بن رشد: قول زيد بن أسلم لا يكون إلا عن توقيف من النبي ﷺ إذ لا مدخل في ذلك للرأي، وفي التلاوة بإثر ذلك ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي لما حق العذاب على الكافرين، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] . جاء في التفسير أن إبليس يقوم بهذا الكلام خطيبا بإذن الله وبئس الخطيب، إذا فصل بالقضاء أهل الجنة من أهل النار توبيخا لأهل النار.
وروي عن النبي ﷺ من رواية عقبة بن عامر الجهني أنه قال: «إذا بعث الله الأولين والآخرين فقضى بينهم وفرغ من القضاء قال المؤمنون قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا إلى ربنا؟ قال: انطلقوا بنا إلى آدم فإنه أبونا وخلقه الله بيده وكلمه، فيأتونه أن يشفع لهم فيقول آدم عليكم بنوح فيأتون نوحا فيدلهم على إبراهيم ثم يأتون إبراهيم فيدلهم على موسى ثم يأتون موسى فيدلهم على عيسى، ثم يأتون عيسى فيقول هل أدلكم على النبي الأمي، فيأتون فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيفور ريح مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى أتي ربي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظهر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس الذي أضلنا فيأتونه فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أتت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيفور ريح مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم تعظم جهنم، ثم يقول عند ذلك:
стр. 8698
﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية» وبالله التوفيق.
[حلق القفا ووسط الرأس للمحاجم]
في حلق القفا ووسط الرأس للمحاجم قال وسألته عن الذين يحتجمون فيحلقون مواضع المحاجم في القفا ووسط الرأس، فقال: لا أحبه، وإني لأكرهه، وما فعلته قط ولا هممت، ولقد سمعت من يقول هذا من فعل النصارى. قلت له: كيف أصنع؟ قال احتجم بالحطمى.
قال محمد بن رشد: كره حلق موضع المحاجم من وسط الرأس ومن القفا لما جاء من أن رسول الله ﷺ «نهى عن القزع» وهو حلق بعض الرأس دون بعض، فعم ولم يخص حالا من حال، ولما فيه من التشبه بالنصارى، وبالله التوفيق.
[المعتم لا يجعل تحت ذقنه منها شيئا]
في المعتم لا يجعل تحت ذقنه منها شيئا وسئل مالك عن المعتم لا يجعل تحت ذقنه منها شيئا فكرهه.
قال محمد بن رشد: إنما كره ذلك مالك لمخالفة فعل السلف فيه.
قال ابن حبيب في الواضحة: ولا بأس أن يصلي الرجل في داره وبيته بالعمامة
стр. 8699
يلفها ولا يلتحي بها، فأما في الجماعات والمساجد فلا ينبغي ترك الالتحاء بها فإنه يقال إنها من بقايا عمل قوم لوط، وبالله التوفيق.
في المعانقة والمصافحة وتقبيل الرجل
ابنته وأخته عند القدوم من سفر
وسئل مالك عن الذي يقدم من سفر فتتلقاه ابنته فتقبله، قال: لا بأس بذلك، وقيل له فأخته وأهل بيته؟ قال: لا بأس به، قلت له: لا بأس بذلك كله يا أبا عبد الله؟ قال لي: نعم، إنما هي على وجه الرحمة ليس قبل لذة.
قال: وسئل عن تعانق الرجلين إذا قدم من سفر. قال: ما هذا من عمل الناس. قيل له فالمصافحة؟ فكرهها وقال هي أخف. قال: وسئل عن معانقة الرجل أخته إذا قدم من سفر، قال ما هذا من عمل الناس. قال: وسئل مالك عن معانقة الرجلين أحدهما صاحبه إذا التقيا أترى بها بأسا؟ قال: نعم. قيل له فالمصافحة؟ قال ما كان ذلك من أمر الناس وهو أيسر. قال: وسمعته يقول إنما أفسد على الناس تأويل ما لا يعلمون.
قال محمد بن رشد: أجاز للذي يقدم من سفر أن تتلقاه ابنته أو أخته فتقبله ولم ير بذلك بأسا لأن ذلك على سبيل الرحمة لا يراد به لذة ولا ينقض الوضوء على ما قاله في أول سماع أشهب من كتاب الوضوء، وقال في أهل بيته مثل ذلك، ومعناه في ذوي المحارم منهن، لأن أهل بيت الرجل هم المنتسبون إلى من يتنسب إليه ذلك الرجل من رجل أو امرأة، فمنهم بنات الأعمام وهن كالأجنبيات في أنه لا يجوز تقبيلهن على وجه الرحمة. وكره في
стр. 8700
هذه الرواية المصافحة والمعانقة إلا أنه رأى المصافحة أخف من المعانقة، وهي رواية ابن وهب عنه، والمشهور عن مالك إجازة المصافحة واستحبابها فهو الذي يدل عليه مذهبه في الموطأ بإدخاله فيه عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» والآثار فيها كثيرة منها حديث البراء قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مُسْلِمَيْنِ يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا» . وإنما المعلوم من مذهب مالك كراهية المعانقة، ومن أهل العلم من أجازها، منهم ابن عيينة، ووجه كراهيتها أنها لم ترو عن النبي ﷺ ولا عن السلف بعده، ولأنها مما تنفر عنها النفس في كل وقت، إذ لا تكون في الغالب إلا لوداع أو من طول اشتياق لغيبة أو مع الأهل أو ما أشبه ذلك. وتفارق المصافحة لوجود العمل بها. ووجه إجازتها اعتبارها بالمصافحة. وقد روي من حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ كان يصافحه فجاء مرة فالتزمه، وهذا يمكن أن يكون فعله مرة ولم يداوم عليه، وبالله التوفيق.
[كراهة طرح القمل في النار]
في كراهة طرح القمل في النار قال: وسئل عن طرح القمل في النار، فقال: إن الرجل في السفر يشتغل حتى يتفلى بالليل على النار لا يجد من ذلك بدا، قال: لا وهذه مثلة وإني أكرهه. وقد نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلسعته نملة فقتل نملا كثيرا فأوحى الله إليه: أفلا نملة واحدة؟ قال مالك: فلله حق في عباده وفي بايت من هذه الدواب.
стр. 8701
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز طرح القمل في النار لأن ذلك تعذيب لها، وقد نهي عن تعذيب الحيوان، هذا معنى قوله وهذه مثلة، لأن المثلة تعذيب للدابة الممثل بها، وقد جاء النهي عنها. روي «عن سمرة بن جندب قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا فيها بالصدقة ونهانا فيها عن المثلة» . وقتل القمل بالنار تعذيب لها يوجب أن يدخل ذلك تحت النهي عن المثلة. وقد روي في بعض الآثار: «لا يعذب بالنار إلا رب النار» فما جاز قتله من الدواب، لإذايتها لم يجز قتله إلا بوجه القتل الذي لا مثلة فيه ولا عذاب.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» ووجه استدلال مالك فيما أوحى الله به إلى النبي ﵇ فيما قتل من النمل أن العتاب يكون في التعدي في صفة القتل كما يكون في التعدي في القتل، وبالله التوفيق.
[ما يبقى من الثمر في الثمار بعد الجذاذ]
فيما يبقى من الثمر في الثمار بعد
الجذاذ، ومن السنبل في الفدان بعد الحصاد وسئل عن الثمار تجذ ثم يخلى عنها فيكون فيها الشيء
стр. 8702
المعلق. فقال: إن كان يعلم أن أنفسهم طيبة له بأخذه إياه فليأخذه. قال: وسئل عن الزرع يحصد فتبقى منه السنبل والشيء الذي يخلى عنه أهله أيأكله؟ فقال: لا يأكل إلا ما يعلم أنه حلال، وقد كان يقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال. وتحصيل القول في ذلك أنه إن علم أن صاحبه قد تركه لمن أخذه من غني أو فقير جاز له أن يأخذه غنيا كان أو فقيرا، وإن علم أن صاحبه قد تركه للمساكين لم يجز له أن يأخذه إلا أن يكون مسكينا. وإن لم يعلم هل تركه صاحبه على أن يعود إليه أو على إلا يعود إليه لم يحل له أن يقدم على أخذه دون أن يستأذنه، وإن غلب على ظنه أن صاحبه قد تركه لمن أخذه ولم يعلم ذلك يقينا فهذا يكره له أخذه ويقال له: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وبالله تعالى التوفيق.
[المسافر هل له أن يصيب مما مر به من الثمار]
في المسافر هل له أن يصيب مما مر به من الثمار قال: وسئل الحسن أيجوز للمسافر أن يصيب من الثمار؟ قال: إن كان ضرورة وإلا فلا. قال رسول الله ﷺ : «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» ففي هذا بيان، وليس شيء من الأشياء أيسر من اللبن يحلب بكرة ويرجع عشية، والثمر لا يرجع حتى إلى عام قابل.
قال محمد بن رشد: وهذا معلوم من مذهب مالك أنه لا يجوز له أن يصيب من الثمار كما لا يجوز له أن يحلب من لبن الشاة إذا لم يضطر إلى
стр. 8703
ذلك، فإن اضطر أكل من الثمار ولم يأكل الميتة، ولا ينبغي أن يختلف في هذا، إذ من أهل العلم من يجيز له أن يأكل من الثمر من غير حاجة، وإنما اختلف إذا اضطر فوجد مالا لرجل غنما أو ضالة إبل ووجد الميتة، هل يأكل منها أو يأكل من الميتة؟ فقيل: إنه يأكل منها ولا يأكل من الميتة، وقيل: إنه يأكل من الميتة ولا يأكل منها. واختلف إن لم يجد الميتة وخشي على نفسه إن لم يأكل منها، فقيل إنه يأكل منها ما يرد به جوعه ولا غرم عليه فيه، وقيل: إنه لا يأكل منها إلا على سبيل السلف؛ فيتحصل في المسألة أربعة أقوال: أحدها المساواة بينهما، والثاني: أن الأولى له إذا وجدهما أن يأكل الميتة، والثالث: أن الأولى إذا وجدهما أن يأكل المال، والرابع أن لا يأكل المال بحال إلا على سبيل السلف. وقد مضى بيان هذا في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
[يمر بجنان أبيه أو أمه أو أخيه هل يأكل من ثمره]
في الذي يمر بجنان أبيه أو أمه أو أخيه
هل يأكل من ثمره؟ وكيف إن أطعمه حارسه؟ قال: وسئل عمن مر على جنان أبيه أو أمه أو أخيه أيأخذ منه ما يأكل؟ قال: لا يأكله إلا إن كانوا أذنوا له. قيل له: أرأيت إن أطعمني حارسه أو باعني؟ قال: إن كنت تعلم أنه قد أذن له فنعم، قيل له: فكيف نعلم ذلك؟ قال ذلك يختلف أن يقول له أصحاب الحوائط إلى جنبه حين يسألهم قد رأيناه يبيع ويصنع وتكون هيئة القيم شبه ذلك فذلك لا بأس به أن يشتري منه، وأما العبد الأسود الذي يستخفي فلا خير فيه.
стр. 8704
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم اغتسل على غير نية من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[مجالسة القدرية والحجة عليهم]
في مجالسة القدرية والحجة عليهم وسألته عن مجالسة القدرية وكلامهم، فقال لي: لا تكلمهم ولا تقعد إليهم إلا أن تجلس إليهم تغلظ عليهم. قلت: إن لنا جيرانا لا أكلمهم ولا أخاصمهم، فقال: لا تجالسهم عادهم في الله، يقول الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فلا توادهم. قال مالك: ما أبين هذا في الرد على أهل القدر، ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠] وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزال. قال: وسئل عن عيادة أهل القدر، قال: لا تعودوهم ولا تحدث عنهم الأحاديث.
قال محمد بن رشد: نَهْيُ مالكٍ ﵀ في هذه الرواية عن أن يجالس أهل القدر أو يؤاخوا أو تحمل عنهم الأحاديث يدل على أنه لم يرهم كفارا بمآل قولهم الذي يعتقدونه ويدينون به، مثل قوله في هذا السماع من كتاب المحاربين والمرتدين: إنهم قوم سوء فلا يجالسون ولا يصلى وراءهم، خلاف قوله فيهم في أول سماع ابن القاسم منه. وقد مضى هنالك
стр. 8705
من القول فيهم ما فيه كفاية، والحجة عليهم فيما يعتقدونه بالآيتين المذكورتين بينة ظاهرة، لأن الله أعلم فيهما بما يكون من عباده وهم يقولون إنهم خالقون لأفعالهم فلا يعلم الله ما يفعلونه مما لا يفعلونه حتى يفعلوه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
[وصية لقمان لابنه]
في وصية لقمان لابنه قال: وقال مالك: كان لقمان الحكيم يقول لابنه: يَا بُنَيَّ لَا تُجَالِسِ الْفُجَّارَ وَلَا تُمَاشِهِمْ اتَّقِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ. يَا بُنَيَّ جَالِسِ الْفُقَهَاءَ وَمَاشِهِمْ عَسَى أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ فَتُصِيبَكَ مَعَهُمْ.
قال محمد بن رشد: قد بين لقمان ﵇ لابنه في وصيته وجه ما أمره به ونهاه عنه، فمن الحظ لكل مسلم أن يلتزم وصيته ويحافظ عليها، وبالله التوفيق.
[مقالة عمر التي خطب بها في آخر العام الذي توفي فيه]
في مقالة عمر التي خطب بها في آخر
العام الذي توفي فيه قال: وسمعته يحدث عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أقول لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها ولعلها بين يدي أجلي، فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به
стр. 8706
راحلته، ومن لم يعقلها ولم يعها فلا أحل له أن يكذب علي، فسألته أنا فرد الحديث علي.
قال محمد بن رشد: قوله قد قدر لي أن أقولها، معناه قد قضى الله بذلك في سابق علمه، فهو إيمان منه بالقدر، خلاف ما يذهب إليه القدرية مجوس هذه الأمة. وإنما قال: ولعلها بين يدي أجلي أي قرب أجلي، لأن كعبا قال له: والله لا ينسلخ ذو الحجة حتى يرحل، حكى ذلك الداودي.
وقوله فرد الحديث علي، معناه فأعاده علي. والحديث محفوظ عن ابن شهاب من رواية مالك، حدث به عنه عن عبد الله بن عمر، عن ابن عباس أنه كان يقرئ ابن عوف، قال ولم أر أحدا يجد من القشعريرة عند القراءة ما يجد. قال: فجئته فالتمسته يوما فلم أجده، فانتظرته حتى جاء من عند عمر، فقال لي: لو رأيت رجلا قال لعمر كذا وكذا وهو يومئذ بمنى آخر حجة حجها عمر، قال لو قد مات عمر بايعت فلانا، فقال عمر إني لقائم العشية في الناس فأحذرهم هؤلاء الذين يغصبون هؤلاء الأئمة أمرهم، فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل ذلك يومك هذا، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك، فأخشى إن قلت فيهم [اليوم] مقالة أن يطيروا بها ولا يضعوها على مواضعها، أمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم وتقول ما قلت متمكنا فيعُوا مقالتك ولا يضعوها إلا على مواضعها، فقال عمر: والله لئن قدمت المدينة صالحا لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، وجاء يوم الجمعة فهجرت عمي لما أخبرني ابن عوف، فوجدت سعيد بن زيد قد سبقني بالتهجير فجلس إلى جانب المنبر،
стр. 8707
فقلت لسعيد بن زيد وعمر مقبل: أما والله ليقولن أمير المؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقلها أحد قبله، فقال سعيد: وما عسى أن يقول؟ فلما جلس عمر على المنبر أذن المؤذن، فلما سكت قام عمر فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإني قائل لكم مقالة قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها فلا أحل لأحد أن يكذب علي. إن الله بعث محمدا وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، وأخشى إن طال زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فتترك فريضة أنزلها الله ، فإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف. ثم إنا كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ثم إن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطري ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» ثم إنه بلغني أن منكم من يقول والله لو قد مات عمر لبايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة فإنها قد كانت فلتة كذلك، إلا أن الله قد وقى شرها وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه قد كان من خبرنا حين توفي رسول الله ﷺ أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا وتخلفت الأنصار عنا بأسرها واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فبينا نحن في منزل رسول الله ﷺ إذا برجل ينادي من وراء الجدار: اخرج إلي يا ابن الخطاب، فقلت إليك عني فأنا عنك متشاغل، فقال: قد حدث أمر لا بد منك فيه، إن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة فأدركوا من قبل أن يحدثوا أمرا يكون بينكم وبينهم فيه
стр. 8708
حرب، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار، فانطلقنا نؤمهم ولقينا أبا عبيدة بن الجراح فأخذ بيده أبو بكر ومشى بيني وبينه حتى إذا دنونا منهم لَقِيَنَا رجلان صالحان فذكر لهما ما صنع القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: اقضوا أمركم فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم فإذا هم جميعا في سقيفة بني ساعدة، وإذا بين أظهرهم رجل مزمل فقلت: من هذا؟ فقال: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا: هو وجع. فلما جلسنا تكلم خطيب الأنصار فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا. وكنت رويت مقالة أعجبتني أريد أن أقوم بها بين يدي أبي بكر، وكنت أدري من أبي بكر بعض الجد. فلما أردت أن أتكلم تكلم أبو بكر وهو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك كلمة أعجبتني في ترويتي إلا تكلم بمثلها أو أفضل منها في بديهته حتى سكت، فتشهد أبو بكر وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، أيها الأنصار، فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش: هم أوسط العرب نسبا ودارا. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق إلا أن تتغير نفسي عند الموت، فلما قضى أبو بكر مقاله قال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خِفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا
стр. 8709
أبا بكر [أبايعْك] فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار، فمررنا على سعد بن عبادة فقال قائل من الأنصار قتلتم سعدا. فقلت وأنا مغضب: قتل الله سعدا فإنه صاحب فتنة وشر، والله ما رأينا فيما حضرنا من أمرنا أمرا كان أقوم من بيعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم قبل أن تكون بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فسادا. فلا يغترن امرؤ أن يقول كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها. ألا وإنه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر الحديث.
وقوله فيه إن ابن عباس كان يقرئ ابن عوف، معناه أنه كان يقرأ عليه ليتعلم منه. والقشعريرة: رعدة كانت تأخذه من الوجل والخوف. قال الله : ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وقال: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] .
وقول عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب ﵄ لا تفعل، بمعنى الرأي يشير به لا بمعنى النهي.
وقوله يا أمير المؤمنين توقير له، وكذلك ينبغي أن يفعل بأئمة العدل.
وقول القائل لو قد مات عمر بايعت فلانا، يريد رجلا لا يستحق الخلافة، ولذلك أنكر عمر قوله ووعد أن يقول مقالة يحذر الناس فيها من الذين يريدون أن يغتصبوا الأئمة أمرهم.
стр. 8710
وقوله: لا يغترن امرؤ أن يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة: يقول لا يحدث نفسه أن يفعل مثل ذلك فيتم له فإن هذا لا يكون، لأن الله تعالى إنما وقى شر ذلك وإن كانت فلتة لما بان به أبو بكر من الفضل الذي لا ينازع فيه.
وقوله: تنقطع دونه الأعناق: يقول ليس أحد يرفع رأسه إلى مساواة أبي بكر.
وقوله كان من خيرنا معناه كان خيرنا، ومن صلة، مثل قوله : ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾ [القصص: ٨١] ، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: ٢٠] .
وقوله: إن الله بعث محمدا وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، يريد قوله في حديث الموطأ: «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فتترك فريضة أنزلها الله ، فإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف» . وقد اختلف في قوله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وقيل: كان ذلك قرآنا يتلى على ظاهر قول عمر ثم نسخ خطه وبقي حكمه، فقيل: لم يكن قرآنا وإنما كان وحيا أوحي به إلى النبي ﷺ فكان يتلى على أنه وحي لا على أنه قرآن، وهذا هو الذي نختاره، إذ لو كان قرآنا لم يخل أن يكون محكما أو منسوخا، ولا يصح أن
стр. 8711
يكون محكما إذ لو كان محكما لثبت بين اللوحين ولما صح سقوطه، لأن الله قد حفظ القرآن فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، ولا يصح أن يكون منسوخا لوجهين: أحدهما وجوب العمل به، والثاني إرادة عمر أن يكتبه في المصحف، إذ يبعد أن يريد أن يكتب في القرآن ما ليس من القرآن. فإذا بطل أن يكون محكما وأن يكون منسوخا بطل أن يكون قرآنا، فإنما كان وحيا يتلى أنزله الله تعالى على نبيه ﵇ بيانا لمجمل كتابه، فهم عمر بن الخطاب أن يكتبه في عرض المصحف على أنه وحي وبيان لمجمل كتاب الله لا على أنه قرآن، ثم لم يفعل لما خشي أن يظنه الجاهل قرآنا. وإنما قال عمر ابن الخطاب: الرجم في كتاب الله حق، من أجل أن الوحي قد بين أن مراد الله بقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] هو الرجم، وأن الحكم الذي يتعلق بالمحصنات في قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] هو الرجم، والله أعلم. وقد قيل إنه كان يقرأ وحيا فظنه عمر قرآنا، قاله إسماعيل القاضي، وهو بعيد، لأن عمر لا يصح عليه أن يظن قرآنا ما ليس بقرآن، لأن من علامات القرآن أنه محفوظ معلوم لا يصح الشك فيه ولا الارتياب في شيء منه.
وفي هذا الحديث وجوه من الفقه، منها:
أن الإمامة تنعقد وتتم برجل واحد من أهل الحل والعقد إذا عقدها الرجل على صفة ما يجب أن يكون عليه الأئمة، ويجب أن يحضر العقد له نفر من المسلمين، وقد قيل إن أقل ما يجب أن يحضره أربعة نفر سوى العاقد والمعقود له قياسا على فعل عمر في الشورى، وهذا لا يلزم، لأن عمر لم يقصد
стр. 8712
بجعلها شورى في تحديد عدد الحاضرين للعقد، وإنما جعلها فيهم دون غيرهم لأنهم أفاضل الأمة، وقد أخبر بذلك عمر عن نفسه: أما إنه لو حضرني سالم مولى أبي حذيفة لرأيت أني قد أصبت الرأي وما تداخلني فيه الشكوك، يريد في أخذ رأيه ومشورته.
وفيه أن الإمامة فرض، وقد قال بعض الناس إنها سنة، واحتج من ذهب إلى ذلك بأن الأمة بقيت بلا خليفة من وقت وفاة النبي ﷺ إلى أن استخلف أبو بكر، ومن وقت موت عثمان إلى أن بويع لعلي. قال: ولم يكن الله سبحانه ليجمع الأمة على تضييع فريضة. واحتج من رآها فريضة بأن الفروض تقام بها وبأنه أمر لا يوجد السبيل إلى تركه، قال: وليس إن بقي الناس وقتا من النهار بلا خليفة تعطلت الفروض، إذ لم يضع فيه فرض ولا حق لم يدرك في غيره.
وفيه دليل أن النبي ﵇ لم يعهد، ولو عهد لاحتج به أبو بكر.
وفيه النصيحة لأهل الإسلام والقيام بالحق في العسر واليسر.
وفيه إقرار عمر لأبي بكر الصديق بأنه أفضل منه وأقوى على الأمر منه.
وقوله: نزونا على سعد، يعني الوثوب لتبادرهم إلى بيعة أبي بكر. وقوله: قتل الله سعدا فإنه رأس فتنة، يعني أنه لو تم ما
стр. 8713
اجتمعت الأنصار إليه كانت فتنة، لأن العرب لا تقر بذلك لهم. وقوله قتل الله سعدا ليس على معنى الدعاء، وإنما هو بمعنى الذم والإنكار لفعله، وربما قالت العرب ذلك في المدح للرجل عند الإعجاب بفعله، يقولون: أجاد قاتله الله، وكان سعد سيد الخزرج وأحد النقباء، شهد أحدا وما بعدها. وقد روي من الطرق الصحاح أنه لم يقل أحد منهم لأحد إلا خيرا، وإن بويع لخليفة بعد آخر قتل الآخر، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب قال: إذا بويع خليفة فإن بويع آخر فليقتل الثاني. وإنما قال ذلك لأن بيعة الثاني تجر إلى فساد.
وقد أباح الله القتل بالفساد بقوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] ، وقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] الآية. وفي الحديث أيضا غير ما وجه، من ذلك فضل التهجير إلى الجمعة، وأن المؤذن يؤذن الجمعة بعد جلوس الإمام على المنبر، وأن يمين المنبر ما بين المنبر والمحراب وهو أشرف أماكن المسجد، وبالله التوفيق.
[قول العالم لا أدري فيما لا يدري]
في قول العالم لا أدري فيما لا يدري وقال [في] رجل [قال] لعبد الله بن عمر: كيف تقول في ودية بوديتين، فسكت عنه، ثم أعاد عليه فقال ابن عمر ودية
стр. 8714
بودتين وودتين بودية لا علم لي. قال: وسئل ابن عمر عن فريضة فقال لا علم لي، فقال السائل: إذا لم تعلم وأنت صاحب رسول الله ﷺ وابن عمر بن الخطاب، فمن يعلم؟ فقال ابن عمر: من علمه الله إياها، ثم دله ابن عمر على رجل فذهب إليه. قال: وقال مالك عن يحيى بن سعيد إن أبا بكر الصديق كان يقول: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت على الله ما لا أعلم.
قال محمد بن رشد: كان يلزم العالم أن يقول لا أدري إذا سئل عما لا يدرى، فإن الذي يجهل من العلم أكثر من الذي يدري. قال الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] . ولا ينبغي أن يتكلم في شيء من العلم إلا بعد روية وتدبر. وقد قال بعض العلماء: إذا علمت فقل، وما أستؤثر عليك بعلمه فكله إلى عالمه، وبالله التوفيق.
[العزلة عن الناس وكراهة الدخول في الفتن]
في العزلة عن الناس وكراهة الدخول في الفتن قال: وقال يحيى بن سعد إن رجلا يدعى بأبي الجهيم عمي وترك مجالسة الناس واعتزلهم، فقيل له: ألا تجالس الناس؟ فقال: إني وجدت قرب الناس من الشر. قال: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص جليسا - لأبي الجهيم يتحدثان، فكان من عبد الله ما كان، فسأل عنه فأخبر فحلف ألا يكلمه أبدا. فلما قدم عبد الله أتاه
стр. 8715
فسلم عليه فكلمه فلم يكلمه، فقال عبد الله: قد علمت لم فعلت. هذا فاعتذر، فقال: «إن رسول الله ﷺ قال لي: أطع أباك» .
قال محمد بن رشد: أبو الجهيم هذا هو، والله أعلم، أبو الجهيم أيضا من الصحابة. روي عنه أنه قال: «أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر حمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد رسول الله ﷺ [شيئا] حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد السلام عليه» . ويحتمل أن يكون أبا جهيم عبد الله بن جهيم الذي روى عن النبي ﷺ في «المار بين يدي المصلي أنه لو علم ما عليه في المرور بين يديه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه» .
وعبد الله بن عمرو بن العاص مشهور من فضلاء الصحابة وعلمائهم، قرأ الكتب واستأذن النبي ﷺ في أن يكتب حديثه فأذن له، «قال: يا رسول الله، أكتب كما أسمع منك في الرضا والغضب، قال: نعم فإني لا أقول إلا حقا» . وقال أبو هريرة: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب
стр. 8716
ولا أكتب. وكان يسرد الصوم ولا ينام [من الليل] فشكاه أبوه إلى رسول الله ﷺ : فقال له رسول الله ﷺ : «إن لعينك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا قم ونم وصم وأفطر صم ثلاثة أيام من كل شهر فإنه صوم الدهر. قال: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم يزل يراجعه في الصيام حتى قال له لا صومَ أفضلُ من صومِ داوودَ كان يصوم يوما ويفطر يوما» . فتمادى على ذلك ﵁ ونازل رسول الله ﷺ في قراءة القرآن من شهر إلى سبع وراجعه في ذلك بقوله: إني أطيق أكثر من ذلك، حتى قال له: لا تقرأه في أقل من سبع وبعضهم يقول في أقل من خمس. والذي عتب عليه فيه أبو جهيم وحلف من أجله ألا يكلمه شهوده صفين مع معاوية. وقد اعتذر من ذلك وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا سهم، وأنه إنما شهدها لعزم أبيه عليه في ذلك، وأن رسول الله ﷺ قال له: «أطع أباك» .
وروي عنه أنه يقول: ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين، والله لوددت أني لم أحضر شيئا منها، وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه، إلا أنه ذكر أنه كانت بيده الراية يومئذ فندم ندامة شديدة على قتاله مع معاوية، وجعل يستغفر الله من ذلك ويتوب إليه، ولم يدخل فيما دخل إليه من ذلك إلا وهو يرى باجتهاده أنه سائغ له، ثم رأى البصيرة في خلاف ذلك فندم واستغفر الله مخافة أن يكون قصر في الاجتهاد، فهو محمود في كلتا الحالتين إن شاء
стр. 8717
الله. وقد مضى هذا بمعناه في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[حكاية عن عبد الله بن عمر]
قال: وقدم عبد الله بن عمر الجحفة وبها ابن عامر بن كريز فوضع ابن عمر طعاما فكان يأكل، فقال ابن عمر لطباخه احمل إليه طعاما فوضعه بين يديه، فلما أكل لونا أتاه بلون آخر، فذهب ليأخذ الذي بين يديه ليرفعه، فقال له ابن عامر ما تريد؟ فقال: أرفع هذا وأضع هذا، فقال له ابن عمر: صبه عليه، فصبه، ثم أتاه أيضا بلون آخر فقال أيضا: صبه عليه فصبه، ثم ذهب الطباخ إلى ابن عامر فقال له: هذا الأعرابي فعل كذا وكذا، فقال: انظر ما أمرك به فاصنعه.
قال محمد بن رشد: هذا بين من تواضع عبد الله بن عمر وفضله وتركه لسير الملوك المترفين في الدنيا، وبالله التوفيق.
[التلطف في سؤال العالم]
في التلطف في سؤال العالم ومن المتظاهرتين على رسول الله ﷺ من أزواجه قال مالك عن أبي النضر عن علي بن حسين عن ابن عباس أنه أراد أن يسأل عن اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ -
стр. 8718
من أزواجه، فأخبر أن عمر بن الخطاب يعلم ذلك، فأقام سنة يريد أن يسأله عن ذلك ويهابه إن سأله حتى سافر معه سفرا فرآه ابن عباس جالسا تحت شجرة فأتاه فحادثه ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن شيء منذ سنة، فقال عمر: ما لك لم تسأل؟ فقال: خفت أن تعاتبني، فلما كان الآن قلت: إن عاتبني عاتبتني خاليا، فقال عمر: سل، فقال ابن عباس: من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ من نسائه؟ فقال عمر: عائشة وحفصة.
قال محمد بن رشد: كانت حفصة مصافية لعائشة ﵄ وكانتا متظاهرتين متعاونتين على نساء النبي ﷺ وجاء عن ابن عباس أنه قال: «كان لرسول الله ﷺ تسع نسوة ولكل واحدة منهن بيت وحجرة، ولكل امرأة منهن يوم وليلة من نفسه» .
فلما كان يوم عائشة الذي يأتيها فيه زارت حفصة أباها عمر ﵀ فاغتنم رسول الله ﷺ خلوة بيتها فدعا جاريته مارية القبطية إلى بيت حفصة. فلما جاءت حفصة أبصرت بابها مغلقا فأحست أن رسول الله ﷺ فيه، فجلست حتى فتح ﷺ الباب، فقالت: قد عرفت من معك، فقال لها لتكتمن علي، فقالت: نعم، قال: فإنها علي حرام، يعني مارية، وأخبرك أن أبا بكر سيملك أمر أمتي من بعدي، وأن أباك من بعده، فانطلقت إلى عائشة فأخبرتها بما استكتمها، ونزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك، فغضب ﵇، فلما أتته عرفها ما فعلت، فقالت يا رسول الله من أنبأك أني قلت هذا لعائشة؟ قال أنبأني العليم الخبير. فأتته عائشة فقالت: يا رسول الله هذا فعلت في يومي، فأما أيام نسائك فتتمها، فقال ﵇: من أخبرك بهذا؟ قالت: حفصة، فطلق حفصة تطليقة واعتزل نساءه في مشربة مارية، فمكث تسعة
стр. 8719
وعشرين يوما ينتظر ما ينزل فيهم، وماج الناس في ذلك، وأتى عبد الله بن عمر أخته فوجدها تلطم وجهها، فقال لها مالك؟ فقالت: طلقني رسول الله ﷺ فرجع إلى أبيه فأخبره بذلك. فلما مضت تسع وعشرون ليلة نزلت هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ، أي من نكاح مارية، ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] الآية. وكذلك روى قتادة أنه قال: حرم جاريته فكانت يمينا. وقال بعضهم: حلف وحرم، وقال إسماعيل فقد يمكن أن يكون حرمها بيمين بالله.
وروي أنه حرمها، فقالت: يا رسول الله، كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف بالله ألا يصيبها. وجاء في التفسير عن عبد الله بن عتبة وابن أبي مليكة أن النبي ﷺ شرب عسلا عند زينب بنت جحش، فأجمعت عائشة وحفصة - رحمهما الله - أن تقولا له إنا نشم عليك ريح المغافير. والمغافير: صمغ متغير الرائحة، ويقال إنها بقلة، واحدها مُغْفور - مضموم الميم - فلما صار إلى كل واحدة منهما قالت له: إني أشم منك ريح المغافير، فحرم النبي ﵇ شرب العسل، وقيل: إنه حلف على ذلك. ولعل القصتين جميعا قد كانتا، إلا أن أمر الجارية أشبه، لقوله سبحانه ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] ولقوله : ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] فكان ذلك في الأمة أشبه، لأن الرجل يغشى أمته في سر ولا يشرب العسل في سر، وفي تحريم الأمة مرضاة لهن. وفي الصحيح من الحديث أن رسول الله ﷺ لم يطلق واحدة من نسائه، «وأن عمر بن الخطاب لما قيل له إن رسول الله ﷺ طلق نساءه دخل على حفصة فإذا هي تبكي، فقال: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري، وهو ذا معتزل في هذه المشربة، فاستأذن على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 8720
وسلم - في الحجرة، قال فقلت: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ قال: لا» وكان أقسم ألا يدخل على نسائه شهرا، فعاتبه الله في ذلك وجعل له كفارة في حديث طويل من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب، قال الزهري: فأخبرني عروة «عن عائشة قالت: فلما مضت تسع وعشرون دخل علي النبي ﷺ فقال: يا عائشة إني ذاكر لك شيئا فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: ثم قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآية، فقلت: أفي هذا استأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة» . وفي حديث آخر أنها قالت له: «يا رسول الله، لا تخبر أزواجك أني أخبرتك فقال ﵇: إنما بعثني الله معلما ولم يبعثني معنتا» وبالله التوفيق.
[أحكام التناجي]
في التناجي وسئل عن الأربعة يكونون جميعا يتناجى ثلاثة دون واحد فقال: قد نهي أن يترك واحد، لا أرى ذلك ولو كانوا عشرة أن يتركوا واحدا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إنما نهي الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الواحد من أجل أن ذلك يحزنه على ما جاء في حديث ابن مسعود، ويحزنه ويسوؤه على ما جاء في حديث ابن عمر. فإذا تناجى الجماعة دون الواحد كان ذلك على الواحد أشد في الإساءة والحزن وأبين في سوء الأدب معه وقلة المراعاة له. وقد روي أن عبد الله بن عمر حدث أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون
следующие страницы →