← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

ولا أكتب. وكان يسرد الصوم ولا ينام [من الليل] فشكاه أبوه إلى رسول الله ﷺ : فقال له رسول الله ﷺ : «إن لعينك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا قم ونم وصم وأفطر صم ثلاثة أيام من كل شهر فإنه صوم الدهر. قال: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم يزل يراجعه في الصيام حتى قال له لا صومَ أفضلُ من صومِ داوودَ كان يصوم يوما ويفطر يوما» . فتمادى على ذلك ﵁ ونازل رسول الله ﷺ في قراءة القرآن من شهر إلى سبع وراجعه في ذلك بقوله: إني أطيق أكثر من ذلك، حتى قال له: لا تقرأه في أقل من سبع وبعضهم يقول في أقل من خمس. والذي عتب عليه فيه أبو جهيم وحلف من أجله ألا يكلمه شهوده صفين مع معاوية. وقد اعتذر من ذلك وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا سهم، وأنه إنما شهدها لعزم أبيه عليه في ذلك، وأن رسول الله ﷺ قال له: «أطع أباك» . وروي عنه أنه يقول: ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين، والله لوددت أني لم أحضر شيئا منها، وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه، إلا أنه ذكر أنه كانت بيده الراية يومئذ فندم ندامة شديدة على قتاله مع معاوية، وجعل يستغفر الله من ذلك ويتوب إليه، ولم يدخل فيما دخل إليه من ذلك إلا وهو يرى باجتهاده أنه سائغ له، ثم رأى البصيرة في خلاف ذلك فندم واستغفر الله مخافة أن يكون قصر في الاجتهاد، فهو محمود في كلتا الحالتين إن شاء

стр. 8717

الله. وقد مضى هذا بمعناه في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [حكاية عن عبد الله بن عمر] قال: وقدم عبد الله بن عمر الجحفة وبها ابن عامر بن كريز فوضع ابن عمر طعاما فكان يأكل، فقال ابن عمر لطباخه احمل إليه طعاما فوضعه بين يديه، فلما أكل لونا أتاه بلون آخر، فذهب ليأخذ الذي بين يديه ليرفعه، فقال له ابن عامر ما تريد؟ فقال: أرفع هذا وأضع هذا، فقال له ابن عمر: صبه عليه، فصبه، ثم أتاه أيضا بلون آخر فقال أيضا: صبه عليه فصبه، ثم ذهب الطباخ إلى ابن عامر فقال له: هذا الأعرابي فعل كذا وكذا، فقال: انظر ما أمرك به فاصنعه. قال محمد بن رشد: هذا بين من تواضع عبد الله بن عمر وفضله وتركه لسير الملوك المترفين في الدنيا، وبالله التوفيق. [التلطف في سؤال العالم] في التلطف في سؤال العالم ومن المتظاهرتين على رسول الله ﷺ من أزواجه قال مالك عن أبي النضر عن علي بن حسين عن ابن عباس أنه أراد أن يسأل عن اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ -

стр. 8718

من أزواجه، فأخبر أن عمر بن الخطاب يعلم ذلك، فأقام سنة يريد أن يسأله عن ذلك ويهابه إن سأله حتى سافر معه سفرا فرآه ابن عباس جالسا تحت شجرة فأتاه فحادثه ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن شيء منذ سنة، فقال عمر: ما لك لم تسأل؟ فقال: خفت أن تعاتبني، فلما كان الآن قلت: إن عاتبني عاتبتني خاليا، فقال عمر: سل، فقال ابن عباس: من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ من نسائه؟ فقال عمر: عائشة وحفصة. قال محمد بن رشد: كانت حفصة مصافية لعائشة ﵄ وكانتا متظاهرتين متعاونتين على نساء النبي ﷺ وجاء عن ابن عباس أنه قال: «كان لرسول الله ﷺ تسع نسوة ولكل واحدة منهن بيت وحجرة، ولكل امرأة منهن يوم وليلة من نفسه» . فلما كان يوم عائشة الذي يأتيها فيه زارت حفصة أباها عمر ﵀ فاغتنم رسول الله ﷺ خلوة بيتها فدعا جاريته مارية القبطية إلى بيت حفصة. فلما جاءت حفصة أبصرت بابها مغلقا فأحست أن رسول الله ﷺ فيه، فجلست حتى فتح ﷺ الباب، فقالت: قد عرفت من معك، فقال لها لتكتمن علي، فقالت: نعم، قال: فإنها علي حرام، يعني مارية، وأخبرك أن أبا بكر سيملك أمر أمتي من بعدي، وأن أباك من بعده، فانطلقت إلى عائشة فأخبرتها بما استكتمها، ونزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك، فغضب ﵇، فلما أتته عرفها ما فعلت، فقالت يا رسول الله من أنبأك أني قلت هذا لعائشة؟ قال أنبأني العليم الخبير. فأتته عائشة فقالت: يا رسول الله هذا فعلت في يومي، فأما أيام نسائك فتتمها، فقال ﵇: من أخبرك بهذا؟ قالت: حفصة، فطلق حفصة تطليقة واعتزل نساءه في مشربة مارية، فمكث تسعة

стр. 8719

وعشرين يوما ينتظر ما ينزل فيهم، وماج الناس في ذلك، وأتى عبد الله بن عمر أخته فوجدها تلطم وجهها، فقال لها مالك؟ فقالت: طلقني رسول الله ﷺ فرجع إلى أبيه فأخبره بذلك. فلما مضت تسع وعشرون ليلة نزلت هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ، أي من نكاح مارية، ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] الآية. وكذلك روى قتادة أنه قال: حرم جاريته فكانت يمينا. وقال بعضهم: حلف وحرم، وقال إسماعيل فقد يمكن أن يكون حرمها بيمين بالله. وروي أنه حرمها، فقالت: يا رسول الله، كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف بالله ألا يصيبها. وجاء في التفسير عن عبد الله بن عتبة وابن أبي مليكة أن النبي ﷺ شرب عسلا عند زينب بنت جحش، فأجمعت عائشة وحفصة - رحمهما الله - أن تقولا له إنا نشم عليك ريح المغافير. والمغافير: صمغ متغير الرائحة، ويقال إنها بقلة، واحدها مُغْفور - مضموم الميم - فلما صار إلى كل واحدة منهما قالت له: إني أشم منك ريح المغافير، فحرم النبي ﵇ شرب العسل، وقيل: إنه حلف على ذلك. ولعل القصتين جميعا قد كانتا، إلا أن أمر الجارية أشبه، لقوله سبحانه ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] ولقوله : ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] فكان ذلك في الأمة أشبه، لأن الرجل يغشى أمته في سر ولا يشرب العسل في سر، وفي تحريم الأمة مرضاة لهن. وفي الصحيح من الحديث أن رسول الله ﷺ لم يطلق واحدة من نسائه، «وأن عمر بن الخطاب لما قيل له إن رسول الله ﷺ طلق نساءه دخل على حفصة فإذا هي تبكي، فقال: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري، وهو ذا معتزل في هذه المشربة، فاستأذن على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 8720

وسلم - في الحجرة، قال فقلت: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ قال: لا» وكان أقسم ألا يدخل على نسائه شهرا، فعاتبه الله في ذلك وجعل له كفارة في حديث طويل من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب، قال الزهري: فأخبرني عروة «عن عائشة قالت: فلما مضت تسع وعشرون دخل علي النبي ﷺ فقال: يا عائشة إني ذاكر لك شيئا فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: ثم قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآية، فقلت: أفي هذا استأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة» . وفي حديث آخر أنها قالت له: «يا رسول الله، لا تخبر أزواجك أني أخبرتك فقال ﵇: إنما بعثني الله معلما ولم يبعثني معنتا» وبالله التوفيق. [أحكام التناجي] في التناجي وسئل عن الأربعة يكونون جميعا يتناجى ثلاثة دون واحد فقال: قد نهي أن يترك واحد، لا أرى ذلك ولو كانوا عشرة أن يتركوا واحدا. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إنما نهي الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الواحد من أجل أن ذلك يحزنه على ما جاء في حديث ابن مسعود، ويحزنه ويسوؤه على ما جاء في حديث ابن عمر. فإذا تناجى الجماعة دون الواحد كان ذلك على الواحد أشد في الإساءة والحزن وأبين في سوء الأدب معه وقلة المراعاة له. وقد روي أن عبد الله بن عمر حدث أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون

стр. 8721

الثالث» فقيل له فإن كانوا أربعة قال: لا بأس بذلك، معناه لا بأس أن يتناجى الاثنان منهم دون الاثنين وإن كان الاثنان لا يتناجيان. وأما أن يتناجى منهم الثلاثة دون الواحد فلا يجوز لوجود معنى الكراهية في ذلك التي من أجلها كان النهي. وقد قيل إن ذلك إنما يكره في السفر وحيث لا يعرف المتناجيان ولا يوثق بهما ويخشى الغدرة منهما. ومن حجة من ذهب إلى ذلك ما روي عن النبي ﷺ من رواية عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة أن يتناجى اثنان دون صاحبهما» وهذا لا حجة فيه، إذ ليس في النهي عن ذلك في السفر ما يدل على إباحته في الحضر، فالصواب أن تحمل الأحاديث التي ليس فيها ذكر السفر على عمومها في السفر والحضر. ويحتمل حديث عبد الله بن عمر الذي فيه ذكر السفر على تأكيد النهي عن ذلك في السفر، بدليل قوله فيه: لا يحل. فإذا خشي المتناجيان دون صاحبهما أن يظن بهما أو يخشى منهما أنهما يتناجيان في غدره فلا يحل لهما أن يتناجيا دونه، كان ذلك في السفر أو في الحضر. وإذا أمن ذلك فهو مكروه لهما من أجل أن ذلك يحزنه ويسوؤه، كان ذلك أيضا في السفر أو الحضر، وبالله التوفيق. [وصية لقمان لابنه] في وصية لقمان لابنه قال: وقال لقمان الحكيم لابنه: جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.

стр. 8722

قال محمد بن رشد: قد تقدم قبل هذا من وصيته مثل هذا، فمن الحظ لكل مسلم الأخذ بوصيته والمحافظة عليها. [كراهة سفر المرأة مع غير ذي محرم منها] في كراهة سفر المرأة مع غير ذي محرم منها وسئل عن المرأة تسافر مع غير ذي محرم، قال: إن ذلك ليكره أن تسافر يوما وليلة مع غير ذي محرم. قال محمد بن رشد: قوله: إن ذلك ليكره لفظ وقع منه على سبيل التجاوز، بل لا يحل ذلك [لها] ولا يجوز، لورود النص في ذلك عن النبي ﵇ من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها» . واختلف أهل العلم في المرأة الصرورة إذا لم يكن لها زوج يحج بها ولا ذو محرم تحج معه هل يسقط عنها فرض الحج أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه لا يسقط عنها وتخرج في جماعة من النساء وناس من المؤمنين لا تخافهم على نفسها، بدليل إجماعهم على أنها إذا أسلمت في بلد الحرب تجب عليها الهجرة إلى بلد الإسلام وإن لم يكن معها ذو محرم، فهذا مخصوص من عموم قول النبي ﷺ بالإجماع، وحجها مع غير ذي محرم إذا لم يكن لها ذو محرم تحج معه مخصوص بالقياس على ما أجمعوا عليه، وذلك صحيح. وخالفه في ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فقالوا: يسقط الفرض عنها بعدم ذي المحرم. وقد اختلف في حد السفر الذي لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، فقيل البريد فما فوقه،

стр. 8723

وقيل اليوم، وقيل يوم وليلة، وقيل ليلتان، وقيل ثلاثة أيام، وأتت بذلك كله عن النبي ﷺ الآثار. وقد روي عن النبي ﷺ من رواية أبي هريرة أنه قال: «لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم» فتعلق قوم بعموم هذا الحديث فقالوا: لا تسافر المرأة سفرا قريبا ولا بعيدا إلا مع ذي محرم منها، وبالله التوفيق. [طرح البرغوث والقملة في النار] في طرح البرغوث والقملة في النار وسئل عن طرح البرغوث والقملة في النار، فقال: لا، إن ذلك ليكره. قال محمد بن رشد: قد مضى مثل هذا قبل هذا والتكلم عليه فأغنى ذلك عن إعادته، وبالله التوفيق. [حكاية عن عيسى ابن مريم] قال مالك: كان عيسى ابن مريم يقول: سيأتي قوم حكماء علماء، كأنهم من الفقه أنبياء. قال مالك: فإن كان قاله فأراهم صدر هذه الأمة. قال محمد بن رشد: هو كما قال مالك ﵀ بدليل ما جاء في كتاب الله من صفتهم، قال الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] الآية.

стр. 8724

وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، أي خيارا عدولا، وقال لنبيه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا يؤمر النبي ﷺ أن يشاور إلا أولي العلم والنهى والديانة والفضل، وبالله التوفيق. [صفة أرباب العلم] في صفة أرباب العلم قال: وقال سأل عبد الله بن سلام كعب الأحبار من أرباب العلم الذين هم أهله؟ قال: هم الذين يعملون بما يعلمون، قال: صدقت، قال: فما نفاه من صدورهم بعد أن علموا؟ قال: الطمع، قال: صدقت. قال محمد بن رشد: قوله: إن أرباب العلم هم الذين يعملون بما يعلمون صحيح بين في المعنى، لأن من لم يعمل بما علم لم ينتفع بعلمه وهو في التمثيل كرجل بيده مال لغيره أذن له في إنفاقه فلا يقال فيه إنه ربه إذ لا ينتفع بشيء منه. وقد جاء في الحديث: «من شر الناس منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه» لأن علمه يكون عليه حسرة وندامة. وأما قوله: إن الطمع ينفيه من صدورهم، فمعناه أن الحرص على بلوغ شهوات الدنيا يدخلهم في المكروه فيذهلون به عن التوقي [مما يجب عليهم التوقي] منه، فإنه ينفي

стр. 8725

عن صدورهم بالطمع استعمال العلم لا العلم، فهو مجاز من القول. وقد مضى هذا في رسم المحرم من سماع ابن القاسم. وبالله التوفيق. [التحدث بالأحاديث المختلفة] في كراهة التحدث بالأحاديث المختلفة قال: وقال مالك لم يكن بالمدينة إمام أخبر بحديثين مختلفين. قال محمد بن رشد: يريد بحديثين مختلفين لا يمكن الجمع بينهما ولا ينسخ أحدهما بالآخر، لأن ما هذا سبيله من الأحاديث فالأصح في النقل منهما هو الذي يجب أن يحدث به وبالله التوفيق. [ترك إحفاء الشوارب] في ترك إحفاء الشوارب قال: وسئل مالك عن من أحفى شاربه، قال: يوجع ضربا، وليس حديث النبي ﷺ بالإحفاء. قال: وكان يقال ويبدو حرف الشفتين الإطار. وقال لمن يحلق شاربه هي بدع تظهر في الناس. وذكر زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب كان إذا أكربه أمر نفخ، قال فجعل رجل يراده وهو يفتل شاربه بيده، فلو كان محفيا ما وجد ما يفتل، هذه بدع قد ظهرت في الناس. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في رسم سئل عن

стр. 8726

تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وبالله التوفيق. [السفر في طلب العلم] في السفر في طلب العلم وقراءة القرآن في الطرق قال: وسمعت أن ابن المسيب قال: إن كنت لأسير في الحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي. قال مالك: وكان سعيد بن المسيب يختلف إلى أبي هريرة بأرضه بالجشرة، فقال: جئت أبا هريرة بالجشرة فرأيته جاء من الغائط وإنه ليحدر سورة آل عمران حدرا. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على السفر في طلب العلم في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، ومضى القول فيه أيضا في قراءة القرآن على كل حال، وبالله التوفيق. [العلم يذهب بذهاب العلماء] ما جاء من أن العلم يذهب بذهاب العلماء قال أشهب: وأخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينتزع العلم انتزاعا من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا ذهب العلماء اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» .

стр. 8727

قال محمد بن رشد: هذا مما أخبر به رسول الله ﷺ أنه سيكون فكان على ما أخبر، والله ولي العصمة والتوفيق برحمته. [يخرج بالشيء إلى المسكين فلا يجد] في الذي يخرج بالشيء إلى المسكين فلا يجده وسئل عن الرجل يخرج بشيء إلى المسكين ليعطيه إياه فيجده قد ذهب، قال: يعطيه غيره. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في رسم سأل تأخير صلاة العشاء في الحرس فأغنى ذلك عن إعادته هنا؟ وبالله التوفيق لا شريك له. [التحذير من اتباع الهوى والزيغ البعيد] في التحذير من اتباع الهوى والزيغ البعيد قال: وقال عمر بن عبد العزيز: أحذركم ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد. قال محمد بن رشد: إنما حذر ﵁ من اتباع الهوى لقول الله : ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] الزيغ البعيد هو الإغراق في القياس والغلو في الدين، وكلاهما مذمومان لأنك لا تكاد تجد الإغراق في القياس إلا مخالفا للسنة، والغلو في الدين منهي عنه، قال الله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] . وقد مضى هذا في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

стр. 8728

[حكاية عن عمر بن عبد العزيز] قال: وقال عمر بن عبد العزيز: إني لست بمبتدع، ولكني متبع، ولست بقاض ولكني منفذ، ولست بخير من أحدكم إلا أني أثقلكم حملا. قال محمد بن رشد: إنما قال، والله أعلم، لست بمبتدع ولكني متبع جوابا لمن سأله الحكم بخلاف ما مضى عليه العمل. ومعنى قوله لست بقاض ولكني منفذ، أي لست أقضي بحكمي وإنما أنفذ ما أمرني به ربي في كتابه وعلى لسان رسوله ﵇. وقوله: لست بخير من أحدكم إلا أني أثقلكم حملا تواضع منه وفضل ﵀ وبه التوفيق. [وصية لقمان لابنه] في وصية لقمان لابنه قال: وكان لقمان يقول لابنه: يا بني اتق الله جهدك. قال محمد بن رشد: وصيته هذه لابنه مثل ما أمر الله تعالى بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وقيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ، وقيل: إنها ليست بناسخة لها وإنما هي مبينة لمعناها، لأن تقوى الله حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وبالله التوفيق.

стр. 8729

[حكاية عن عمر بن عبد العزيز] قال: وقال مالك: دخل زياد مولى ابن عباس، وكان رجلا صالحا غير عالم بحال الولاة والهيبة وعليه جبة صوف، على عمر بن عبد العزيز فقال: السلام عليكم، ثم جلس، ثم استفاق فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: إني لم أنكر الأولى وليس بها بأس، ولقد أصبحت يا ابن زياد خلوا مما أنا فيه وأراك دينا. قال: وكان عمر بن عبد العزيز قد أسكن بعض ولده نواحي أبلة، فكتب إليه يسأل لهم سيجانا وأقداحا وأشياء مما يحتاجون إليها، فكتب إليه عمر أن عليك لهم بطيقان يلبسونها في الشتاء ويفترشونها في الصيف، وعليك بأقداح الفخار فإنها تجزئ من غيرها. قال محمد بن رشد: هذا كله بين في فضل عمر بن عبد العزيز وتواضعه، إذ لم ينكر على زياد ترك تخصيصه بالسلام وتسميته إياه بما خصه الله به من الإمارة على العادة في ذلك، وزهده في الدنيا وتقلله منها، بدليل ما أمر به لبنيه من الطيقان وأقداح الفخار، وبالله التوفيق. [التسمي بياسين] في التسمي بياسين قال: وسألته أينبغي لأحد أن يتسمى بياسين؟ قال: ما أراه ينبغي، لقول الله : ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] يقول هذا أسمى بياسين.

стр. 8730

قال محمد بن رشد: قيل في ياسين إنه اسم من أسماء الله وإنه أقسم به وبالقرآن الحكيم، وقيل إنه اسم من أسماء القرآن أقسم الله به أيضا. على هذين القولين لا يجوز لأحد أن يتسمى بياسين. وروي عن ابن عباس أنه قال: معنى ياسين يا إنسان بالحبشية، فعلى هذا يجوز أن يتسمى الرجل بياسين. وقال مجاهد هو مفتاح افتتح الله به كلامه، فعلى هذا تجوز التسمية به أيضا. ولهذا الاختلاف الحاصل في ياسين كره مالك لأحد أن يتسمى به، وبالله التوفيق. [المرأة تموت بجمع] في المرأة تموت بجمع قال: وقال مالك في المرأة تموت بجمع هي التي ولدها في بطنها. قال محمد بن رشد: المرأة تموت بجمع هي أحد الشهداء السبعة سوى المقتول في سبيل الله، على ما جاء عن النبي ﷺ في ذلك. واختلف في المرأة تموت بجمع: فقيل هي المرأة تموت وولدها في بطنها على ما قاله مالك وهو المشهور من الأقوال، وقيل هي المرأة البكر التي تموت قبل أن تطمث، وقيل هي المرأة التي تموت بالمزدلفة حاجة، لأن جمعا من أسماء المزدلفة، وبالله التوفيق. [تفسير الأب وإرم ذات العماد] في تفسير الأب وإرم ذات العماد قال: وسئل عمر بن الخطاب عن قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]

стр. 8731

ما الأب؟ فقال هذا لعمر الله التكلف، وقال يقال: إن إرم ذات العماد هي دمشق. قال محمد بن رشد: الذي قيل في الأب أنه ما تأكله البهائم من العشب والنبات، والفاكهة ما يأكله الناس من ثمر الأشجار كلها: النخل والرمان وغيرهما من الأشجار. وذهب أبو حنيفة إلى أن الرطب والرمان ليسا من الفاكهة، واحتج بقول الله : ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ، ولا حجة له في ذلك، لأنه إنما أعيد ذكرهما وإن كانا من الفاكهة تأكيدا لهما لشرفهما على سائر الفواكه، مثل قوله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فأعاد ذكر جبريل وميكائيل وإن كانا من الملائكة تأكيدا لهما. وأما قوله في إرم ذات العماد إنه يقال إنها دمشق، ففي ذلك اختلاف كثير: قيل في إرم إنها اسم بلد، فقال قوم: هي الإسكندرية، وقال قوم: هي دمشق، وقيل بل إرم أمة، وقيل بل هي قبيلة من عاد، وقيل بل إرم اسم رجل هو جد عاد فعاد هو عاد بن عوص ابن إرم؛ وقيل بل هو أبوه فهو عاد بن إرم. وقال الفضل: أكثر الكوفيين لا يجوز أن يكون إرم اسما لأرض ولا لمدينة من جهة إجماعهم على صرف عاد، فلا تكون الأرض ولا المدينة نعتا للإنسان ولا لقبيلة، ولا يجوز أن ينسب إليها وهو منون. قال: وأيضا فإن كانت دمشق فمحال أن لا يكون في البلاد مدن مثلها، وإن كانت أرض فمحال أن تكون أرض ليس مثلها أرض في البلاد. والذي أراه، والله أعلم، أن إرم جد عاد

стр. 8732

كان شديدا فتشبهوا به فصار إرم نعتا لهم كاللقب، كما يقال: زيد أسد وعمرو نعجة. ومعنى ذات العماد أنهم كانوا أهل عمود أي أخبية وماشية، فإذا كان الربيع انتجعوا، وإذا هاجت الأرض وجف العشب رجعوا إلى منازلهم. والعماد جمع عمد، وعمد جمع عمود. وقيل معنى ذات العماد أي ذات العدة وكانوا أعطوا بسطة في الخلق لم يعطها غيرهم: كان الرجل منهم في غاية القوة وكان أطولهم ستين ذراعا وأقصرهم اثني عشر ذراعا. وقال بعض نقلة الأخبار إنه كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستون ذراعا، وجلهم ما بين المائة إلى الثمانين. وقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: ٨] على هذا القول راجع إلى القبيلة لما كان فيهم من الشدة وعظم الخلق. قال أبو جعفر الطبري: ومن ذهب إلى أن إرم اسم لبلدتهم وقال: إن الهاء في مثلها لذات العماد فقد غلط، لأن العماد واحد مذكر، والتي للأنثى، ولا يوصف المذكر بالتي، ولو كان ذلك من صفة العماد لقيل الذي لم يخلق مثلها في البلاد، وبالله التوفيق. [مخالطة اليتيم في النفقة] في مخالطة اليتيم في النفقة قال: وسألته امرأة فقالت: أخذت صبية يتيمة احتسبت فيها الأجر، فيدها مع يدي ويد بناتي لست أضن عنها بشيء، فربما سألني عنها السائل فأعطاها الدراهم فأشتري لها بها الشيء، فربما لم يكن عندي ما أطعم ولدي فأطعمهم من الذي اشتريت لها، وربما أكلت منه إذا لم يكن بيدي ما أشتري به، فقال لها: أنا أخبرك عن ذلك، إن كان ما تنال منك الجارية مثل الذي تصيبين مما أخذت لها أو أكثر فلا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لقول الله في

стр. 8733

اليتامى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم. [ما يجازي الله به الصادق في الدنيا] فيما يجازي الله به الصادق في الدنيا قال: وسمعت أنه قال ما حرف إنسان قط صدوق وليس من أهل الكذب. قال محمد بن رشد: مثل هذا لا يكون إلا عن توقيف وإن صح بمعناه في الغالب. وقد مضى هذا في رسم الشجرة قبل هذا من سماع ابن القاسم. [حكاية عن عمر بن عبد العزيز] قال: وقال اقتتل غلمان لسليمان بن عبد الملك وغلمان لعمر بن عبد العزيز، فضرب غلمان عمر غلمان سليمان فحمل سليمان وقيل له: هذا ما صنعت، شبرته وفعلت به، فدخل عليه عمر فقال له سليمان: ما هذا؟ ضرب غلمانك غلماني وأهلي، فقال له عمر ما علمت هذا قبل مقالتك الآن، فقال له: كذبت، فقال له عمر: يقال لي كذبت وما كذبت منذ شددت علي إزاري، وإن في الأرض من مجلسنا هذا لسعة، ثم خرج من عنده وتجهز يريد الخروج،

стр. 8734

فسأل عنه سليمان حين استبطأه فقالوا: إنه يريد الخروج إلى مصر وقد تجهز، فأرسل إليه أن ارجع وادخل علي، وقال للرسول: قل له إذا جاءني لا يعاتبني فإن في المعاتبة فجاءه عمر فقال له سليمان: ما همني أمر قط إلا خطرت فيه على بالي. وقال عن عمه أبي سهيل قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فوعظته وقلت له حتى رق وقام من مجلسه فتنحى ناحية ما على أرض فلم يعجل عليه مزاحم ثم أخذ وسادة فأدناها منه فأخذها عمر فرمى بها. قال: وكان عمر بن عبد العزيز يقول: اللهم أرضني بقضائك وأسعدني بقدرك حتى لا أحب تأخير شيء عجلته ولا تعجيل شيء أخرته. قال وقال: قام عمر بن عبد العزيز إلى مصلاه من مجلسه فذكر سهيل بن عبد العزيز وعبد الملك ومزاحما، فقال اللهم إنك قد علمت ما كان من عونهم لي ومعونتهم إياي فأخدتهم فلم يزدني ذلك لك إلا حبا، ولا لي فيما عندك إلا شوقا، ثم رجع إلى مجلسه. قال محمد بن رشد: هذه الحكاية كلها عن عمر بن عبد العزيز شاهدة له بما هو معلوم مشهور من خيره وفضله رحمة الله عليه ورضوانه، والشبر: العطاء، يقال: شبرت الرجل وأشبرته إذا أعطيته، وشبرت المرأة صداقها أعطيتها إياه. فمعنى الكلام هذا ما صنعت أعطيته الجاه والأثرة والمنزلة والمكانة حتى استطال غلمانه على غلمانك. والتشديد في شبرت بمعنى التكثير، كما تقول ضربت وقتلت. ووقع في بعض الكتب: هذا ما فعلت سبرته، وهو غلط لا معنى له والله أعلم، وقد رأيت لبعض أهل اللغة أن التشبير بمعنى التعظيم يقال شبر فلان إذا عظم، وشبرته إذا عظمته. وهذا أشبه بمعنى الحكاية، لأن القائل قال له لما حمل، أي غضب، لإنداره أعوانه

стр. 8735

على أعوانه: هذا ما صنعته بنفسك، لأنك شبرته أي عظمته وفعلت وفعلت حتى استطال أعوانه على أعوانك، وبالله التوفيق. [الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد] في الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد قال: وسألته عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد، فقال: أما ما كان منها من قول رسول الله ﷺ فإني أكره ذلك وأكره أن يزاد فيها وينقص، وما كان من غير قول النبي ﷺ فلا أرى بذلك بأسا إذا كان المعنى واحدا. قيل له: أرأيت حديث النبي ﷺ يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد، قال: أرجو أن يكون خفيفا. قال محمد بن رشد: التقديم والتأخير في الأحاديث والزيادة في ألفاظها والنقصان منها وتبديلها بما كان في معناها مكروه في حديث النبي ﷺ وجائز في حديث غيره للفقيه العالم بمعنى الكلام الذي يؤمن عليه الغلط في ذلك بأن يظن أن المعنى سواء وليس بسواء. والدليل على ذلك أن الله تعالى قد ذكر قصص الأنبياء في القرآن متكررة في مواضع بألفاظ مختلفة وزيادة في بعضها على بعض، فلم يكن ذلك اختلافا من القول ولا تعارضا فيه لاتفاق المعنى في ذلك كله. وقد استدل بعض من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز «بحديث البراء بن عازب قال: قال لي النبي ﷺ : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك [اللهم] ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت. فإن مت من ليلتك مت على.

стр. 8736

الفطرة. واجعلهن آخر ما تتكلم به. قال: فرددتها على النبي ﷺ فلما بلغت اللهم آمنت. بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك الذي أرسلت، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت.» وليس ذلك باستدلال صحيح، لأن المعنى في ذلك مختلف من أجل أن قوله: ونبيك الذي أرسلت يجمع النبوءة والرسالة، ففيه زيادة بيان على رسولك الذي أرسلت، لأن الرسل من الملائكة وليسوا بأنبياء، ولذلك قال النبي ﷺ : لا، ونبيك الذي أرسلت. ولمخافة الغلط في مثل هذا على الفقيه كره له أن يسوق شيئا من حديث رسول الله ﷺ على المعنى. وأما إن كان المحدث ليس بفقيه ممن تخفى المعاني عليه فلا يسوغ له أن يحدث على المعنى، إذ قد يسوق الحديث على المعنى الذي ظهر إليه وهو مخطئ في ذلك، مثل الحديث: «إن الله خلق آدم على صورته» ظن بعض الرواة أن الهاء من قوله على صورته عائدة على الله . فساقه على ما ظنه من معناه فقال فيه: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن. وروي عن النبي ﷺ أنه «نهى أن يتزعفر الرجل» فساقه بعض الرواة على المعنى فيه عنده فقال فيه إن النبي ﷺ نهى عن التزعفر، فدخل في عموم قوله الرجال والنساء، ومثل ذلك كثير. وأما زيادة الألف والواو فيما لا يشك فيه أنه يغير المعنى في حديث النبي ﷺ فهو خفيف كما قاله مالك، وبالله التوفيق. [فضل طاووس وما كان عليه] في فضل طاووس وما كان عليه قال: وكان طاووس يرجع من الحج فيدخل بيته فلا يخرج منه

стр. 8737

حتى يخرج للحج من قابل. قال: وكان طاووس يطعم الطعام فيدعو هؤلاء المساكين أصحاب الصفة، فقالوا له: لو صنعت طعاما دون هذا، فيقول إنه لا يكاد يجدونه. قال محمد بن رشد: فيما كان يفعله طاووس من التزامه داره للسلامة من مواقعة الآثام بمخالطة الناس، وإنما كان يطعم المساكين طيب الطعام لأنه هو الذي يحب ويتمنى، ووعد الله تعالى عليه الجزاء الجزيل حيث يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ، وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] إلى قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢] الآيات إلى آخرها. [تعليق الأقناء في المساجد] في تعليق الأقناء في المساجد وسئل عن الأقناء التي تعلق في المساجد، فقال: بلغني أنها كانت تعلق في زمان رسول الله ﷺ فيعطى منها المساكين. قال محمد بن رشد: الأقناء: العراجين، واحدها قنو، ويجمع على أقناء وقنوان. قال الله : ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] زاد في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة أنه إنما كان يفعل ذلك لمكان من كان يأتي إلى النبي ﷺ يريد الإسلام، فكان لموضع ضيافتهم فيأكلون منه، وأراه حسنا أن يعلق فيه. فقيل له: أفترى لو

стр. 8738

عمل ذلك في مساجد الأمصار؟ فقال: أما كل بلد فيه تمر فلا أرى بذلك بأسا. قال ابن القاسم ولم ير مالك بأسا. بأكل الرطب التي تجعل في المسجد مثل رطب ابن عمير وقد جعل صدقة. وفي هذا دليل على أن الغرباء الذين لا يجدون مأوى يجوز لهم أن يأووا إلى المسجد ويبيتوا فيها ويأكلوا فيها ما أشبه التمر من الطعام الجاف كله. وقد مضى هذا المعنى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة وفي غير ما موضع، وبالله التوفيق. [حديث عبد الله بن عمرو في الفتنة] في حديث عبد الله بن عمرو في الفتنة قال: «وقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه. قال: فكيف بي؟ قال عليك بخاصتك وإياك وعوامهم» . قال محمد بن رشد: وقع هذا الحديث في سماع أشهب من كتاب التجارات إلى أرض الحرب بزيادة فيه: قال لي «فانظر لنفسك وعليك بالبين المحض» . وفي هذا الحديث علم جليل من أعلام النبوءة، لأنه أعلم فيه عبد الله بن عمرو بن العاص بما يكون بعده من الفتن، وحذره ألا يدخل منها في مشكل. وقد دخل فيها بما أداه إليه اجتهاده مع عزم أبيه عليه في ذلك، وقول النبي ﷺ «أطع أباك» فشهد مع معاوية حرب صفين على ما ذكرناه قبل هذا في هذا الرسم: ثم ندم بعد ذلك لما ظهر إليه من البصيرة في خلاف رأيه الأول، فاستغفر الله من ذلك مخافة أن يكون

стр. 8739

قد قصر أولا في اجتهاده مع قول النبي ﷺ له: فانظر لنفسك وعليك بالمحض البين، وبالله التوفيق. [فضل عبد الله بن الأرقم] في فضل عبد الله بن الأرقم قال: وقال عبد الله بن الأرقم وهو يموت: ألا أخبركم برأي الرجل الصالح في، قال عمر بن الخطاب: لو كان لك [مثل] سابقة القوم ما قدمت عليك أحدا. قال: وكان عمر بن الخطاب يقول: ما رأيت رجلا قط أخشى لله من عبد الله بن الأرقم. قال مالك: ذكر لي زيد بن أسلم قال: «كتب إلى رسول الله ﷺ كتاب فقال من يجيب عني؟ فقال عبد الله بن الأرقم: أنا، فأجاب عن رسول الله ﷺ فرضي ذلك رسول الله ﷺ » - فقال عمر: أصاب ما أراد رسول الله ﷺ ورضيه رسول الله ﷺ فلم يزل ذلك في نفس عمر فلما ولي ولاه بيت المال. قال محمد بن رشد: عبد الله بن الأرقم هذا هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف القرشي الزهري، أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي ﷺ ثم لأبي بكر بعده، واستكتبه أيضا عمر، فلما ولي ولاه بيت المال، وعثمان بعده وأعطاه ثلاثمائة درهم، فأبى أن يأخذها وقال: إنما عملت لله فأجري على الله. وبلغ

стр. 8740

من أمانته عند رسول الله ﷺ أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويأمره أن يطينه ويختمه ولا يقرؤه لأمانته عنده. وبالله التوفيق. [شبه سالم بن عبد الله بأبيه] في شبه سالم بن عبد الله بأبيه، وأبيه بأبيه عمر قال: وقال سعيد بن المسيب، كان عبد الله بن عمر أشبه ولد عمر به، وكان سالم بن عبد الله أشبه ولد عبد الله به. قال مالك: ولم يكن أحد في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد والعيش منه، كان يلبس الثوب بالدرهمين، ويشتري الشمال يحملها. وقال مالك قال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله ورآه حسن السحنة: أي شيء تأكل؟ قال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته، فقال له: أوتشتهيه؟ فقال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه. قال محمد بن رشد: إنما أراد أن كل واحد منهما كان أشبه بأبيه من سائر إخوته في خيره وفضله ودينه وبالله التوفيق. [ما كان يدعو به النبي ﷺ ] فيما كان يدعو به النبي ﷺ قال مالك: قال يحيى بن سعيد: كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك

стр. 8741

المنكرات، وحب المساكين وإذا أردت في قوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» . قال محمد بن رشد: يروى: وإذا أدرت، والمعنى في ذلك سواء، لأنه إذا أراد الفتنة فقد أدارها، وإذا أدارها فقد أرادها. والفتنة على وجوه: فمنها ما كان في أصحاب رسول الله ﷺ من تعذيبهم ليرتدوا عن دينهم، فذلك قول الله : ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] أي العذاب أشد منه؛ ومنها أن يفتن الله قوما أي يبتليهم، ومنها ما يقع بين الناس من الخلاف والحروب؛ ومنها الفتنة بالنساء، تقول قد فتن بالمرأة إذا تعشقها؛ ومنها الإضلال، قال الله : ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] أي بمضلين؛ ومنها الفتنة بالنار، تقول: فتنته بالنار أي أحرقته بها، وفي القرآن ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أي يحرقون. والفتان: الشيطان الذي يصد الناس عن دينهم ويغويهم، وفتانا القبر منكر ونكير، فينبغي أن يستعاذ بالله من الفتنة على الوجوه كلها تأسيا بالنبي ﷺ ودعاؤه ﷺ في فعل الخيرات وترك المنكرات بين لا إشكال فيه. وأما دعاؤه في حب المساكين فالمعنى فيه، والله أعلم، حب المسكنة، فقد روي عنه ﷺ أنه قال: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين» . ومعناه الذليل المتواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا كبرياء، لا المسكين الفقير من المال، فقد استعاذ ﷺ من الفقر المنسي

стр. 8742

والغنى المطغي، فأغناه الله الغنى الذي ليس بمطغ وعدد النعمة عليه بذلك فقال: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] . وقد مضى التكلم على الفقر والغنى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [ما روي عن داود النبي ﵇ في قلة المال وكثرته] فيما روي عن داود النبي ﵇ في قلة المال وكثرته قال: وقال لي: سمعت أن داود النبي ﵇ قال: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. قال مالك: قال ذلك الرجل: إن كان يغنيك ما يكفيك، فأقل عيشها يغنيك. قال محمد بن رشد: في قول هذا الرجل زيادة لم تقع هاهنا وهي: وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدنيا شيء يغنيك. والمعنى في هذا كله بين، لأن كثرة المال الذي يلهي مذموم، فقد استعاذ رسول الله ﷺ من الغنى المطغي فلا إشكال في أن القليل الذي يكفي خير منه، لأن فيه الاستغناء عن الناس، والسلامة من أن يلهيه المال ولا يقوم بحقوق الله فيه. ومن كان معه من المال ما يقوم به ويغنيه عن الناس وعن الكدح في معيشته فهو من الأغنياء، وبالله التوفيق. [فضل ابن المنكدر وثنائه بالعلم على سعيد بن المسيب] في فضل ابن المنكدر وثنائه بالعلم على سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار قال مالك: وكان محمد بن المنكدر سيد القراء لا يكاد يسأل عن حديث أبدا إلا يكاد يبكي.

стр. 8743

قال محمد بن رشد: وكان سعيد بن المسيب عالما بالبيوع، وكان أشبه أهل المشرق به محمد بن سيرين، فقيل له: سليمان ابن يسار؟ قال: لم أسمع عن سليمان بن يسار. قال القاضي: البكاء من خشية الله لا يكون إلا مع حقيقة العلم بالله، قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . وقال : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . وقد كان سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار فرسي رهان في العلم والفضل، واختلف أيهما أعلم. وقيل: إن العلم كان لسليمان بن يسار، والذكر كان لسعيد بن المسيب، وبالله التوفيق. [أخذ الأحاديث عن الثقة إذا لم يكن حافظا] في أخذ الأحاديث عن الثقة إذا لم يكن حافظا وسئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح أتؤخذ عنه الأحاديث؟ قال: لا، فقيل: يأتي بكتب فيقول قد سمعتها وهو ثقة أتؤخذ منه؟ قال: لا تؤخذ منه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل. قال: وذكرت عنده كثرة الكتب فقال: ما شأن أهل المدينة ليست لهم كتب، مات ابن المسيب، والقاسم بن محمد ولم يتركا كتابا، ومات أبو قلابة فبلغني عنه أنه ترك حمل بغل كتبا.

стр. 8744

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، أنه إذا كان لا يحفظ فلا يؤخذ عنه ما جاء به من الأحاديث في الكتب، وقال: إنه سمعها على فلان وإن كان ثقة للعلة التي ذكرها من أنه يخشى أن يكون قد زيد فيها أو غير بعض معانيها إلا أن تكون الكتب بخط يده فترتفع هذه العلة ويؤخذ عنه ما في الكتب إذا كان ثقة مأمونا. وهذا فيما جاء به من الكتب التي لا تعرف وقال إنه سمع ما فيها من فلان. وأما الدواوين المشهورة كالبخاري ومسلم وشبههما، فإذا قال إنه سمعها من فلان جاز أن تحمل عنه عن ذلك الرجل، ولا فائدة في رواية الأحاديث إلا التفقه فيها والعمل بها. وكان العلم في الصدر الأول وفي الثاني في صدور الرجال، ثم انتقل بعد ذلك إلى جلود الضان وصارت مفاتيحه في صدور الرجال، فلا معنى لرواية الأحاديث إلا التفقه فيها، ولا بد لمريد التفقه فيها من مطرق يفتح عليه معانيها، وبالله التوفيق. [إعراض العالم عن جفاء السائل] في إعراض العالم عن جفاء السائل وقال مالك: وقال رجل كالبدوي للقاسم بن محمد: أنت أعلم أم سالم؟ قال هذا سالم، فإن تأته لم يخبرك إلا بما أحاط به علما. قال محمد بن رشد: لما سأل السائل القاسم بن محمد عمالا يعنيه مما لا يتحقق معرفته أعرض عن جوابه على ذلك، وبالله التوفيق. [جواز لباس المظال] في جواز لباس المظال قال: وسئل عن لباس المظال، فقال ما كانت من لباس الناس، وما أرى بلباسها بأسا.

стр. 8745

قال محمد بن رشد: يريد بالمظال القلانس الذي لها ظل تقي من الشمس، فلم ير بلباسها بأسا وإن لم تكن من لباس السلف للمنفعة بها، وبالله التوفيق. [الذي يسمع الخير ويقبله] في الذي يسمع الخير ويقبله قال: وسمعت ربيعة يقول: ليس الذي يقول الخير ويفعله خيرا من الذي يسمعه ويقبله حين يسمعه. قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه ليس خيرا منه لأنه لا يكون قابلا له إلا أن يفعله، فإن لم يقدر على فعله لحائل يحول بينه وبين فعله جوزي بنيته، فقد قال رسول الله ﷺ : «ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة» . وقال : ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] فأعلم باستواء المجاهدين مع القاعدين من ضرر في الأجر، وبالله التوفيق. [العامي لا يسعه أن يقلد إلا من يفتي بعلم] في أن العامي لا يسعه أن يقلد إلا من يفتي بعلم قال مالك: وسأل رجل عبد الله بن عمر عن شيء فقال لا أدري، فقال له رجل تعال ما سألت عنه؟ فقال: سألت عن كذا

стр. 8746

وكذا، فقال له: وهو كذا وكذا، فقال له [ابن عمر] أخبرت الرجل بعلم علمته؟ قال: لا، قال: فبماذا؟ قال: برأيي. فأرسل ابن عمر خلف الرجل إنه إنما أفتاك بغير علم، فانظر لنفسك. قال محمد بن رشد: هذا كما قال ابن عمر، لأن فرض العامي هو أن يسأل عالما. وإنما اختلف هل له أن يقلد من شاء من العلماء أو ليس له أن يقلد إلا أعلمهم يجتهد في ذلك، وبالله التوفيق. [المرأة كالضلع] ما جاء في أن المرأة كالضلع قال مالك: وحدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إنما المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت وفيها عوج» . قال محمد بن رشد: إنما قال فيها إنها كالضلع من أجل أنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم ﵊ ولم يرد ﷺ أن النساء كلهن على هذا، وإنما أراد أن هذا هو الغالب من أحوالهن وصفاتهن، فقد قال ﷺ : «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط» وإنما أراد أن هذا هو الغالب من أحوالهن، إذ قد يوجد من النساء من ترى لزوجها ما يفعل بها من خير وتقر به على كل حال ولا تكفره، وبالله التوفيق.

стр. 8747

[وصف عبد الله بن عمرو لأهل الأمصار] في وصف عبد الله بن عمرو لأهل الأمصار قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لأهل العراق إنهم أطلب الناس لعلم وأتركهم له؛ ولأهل المدينة أسرع الناس إلى فتنة وأضعفهم عنها؛ ولأهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق؛ ولأهل مصر أكيسهم صغارا وأحمقهم إذا كبروا. قال محمد بن رشد: [هذا] إنما قاله على ما اختبر في الغالب من أحوالهم على مر الأعوام، ولا غيبة بذلك فيهم، إذ لم يعين أحدا منهم بما وصف جملتهم به، وبالله التوفيق. [التوسع في الإنفاق] في التوسع في الإنفاق قال: وأخبرني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» . قال أشهب قلت: قال الله، قال مالك: ليس هذا هكذا قال رسول الله ﷺ «قال الله: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» . قال محمد بن رشد: قد علم أن النبي ﷺ لم يقل ذلك إلا عن الله أنه قاله، فليس على الراوي في زيادة مثل هذا في الحديث على ما سمعه شيء، ولكنه استحب أن لا يحدث بالحديث إلا على ما سمعه قطعا للذريعة مخافة أن يتجرأ أحد بذلك أن يزيد في

стр. 8748

حديث النبي ﷺ ما يظن أنه معناه. وفي الحديث استحباب التوسع في الإنفاق على العيال من غير إسراف، وأن الله يخلف على فاعل ذلك. وقد أثنى على المنفقين من غير إسراف ولا إقتار فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] ، وبالله التوفيق. [ما ذكر في موسى ﵇] فيما ذكر في موسى ﵇ قال: وكان يحيى بن سعيد يقول: «كأني أنظر إلى موسى ﵇ وعليه ثوبان أخضران منهبطا من ثنية هرشا لما مضى» . قال محمد بن رشد: [سقط] ، قال مالك لما مضى في بعض الكتب، وهو صحيح في المعنى، لأن يحيى بن سعيد إنما قال ذلك تحقيقا لما أخبر به النبي ﷺ من ذلك، وذلك كما يقول الرجل: فلان فعل كذا وكذا أمس كأني أنظر إليه يفعله تصديقا لما أخبر به عنه. وقد عرضت الأمم على النبي ﷺ فرآها على ما كانت عليه. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ يوما فقال: عرضت علي الأمم ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هذا موسى في قومه» وبالله التوفيق.

стр. 8749

[ما يحذر من قرب الساعة والتصديق بنزول عيسى ابن مريم ﵇] فيما يحذر من قرب الساعة والتصديق بنزول عيسى ابن مريم ﵇ قال: وكان أبو هريرة يلقى الفتى الشاب فيقول: يا ابن أخي إنك عسى أن تلقى عيسى ابن مريم فأقرأه مني السلام. قال محمد بن رشد: قد أعلم الله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن عيسى ابن مريم ما قتل ولا صلب وأن الله رفعه إليه. وأخبر النبي ﷺ إخبارا متواترا وقع العلم به أنه سيهبط في آخر الزمان حكما عدلا مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال، فوجب التصديق على كل مسلم بذلك كما فعل أبو هريرة، وبالله التوفيق. [مناولة الرجل ما سقي من الشراب لجلسائه] في مناولة الرجل ما سقي من الشراب لجلسائه قال مالك: سمعت أن عمر بن الخطاب سقي شرابا فيه عسل فذاقه ثم قال: من يأخذ هذا بشكره فناوله إنسانا. قال محمد بن رشد: السنة أن يناول الرجل الشراب لمن على يمينه على ما جاء من «أن رسول الله ﷺ أوتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن» . وأنه «أوتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال: لا والله يا

стр. 8750

رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا فتله رسول الله ﷺ في يده» . فيحتمل أن يكون عمر بن الخطاب إذ أوتي بالشراب لم يكن أحد ممن معه على يمينه، ولذلك قال ذلك القول. وفي قوله شراب فيه عسل دليل على أن الشراب لم يكن من عسل وإنما كان من غير العسل وفيه عسل. وخلط العسل بشراب غير العسل منهي عنه، والنهي إنما هو في خلطه فإذا خلط لم يلزم هرقه وجاز شربه. وقوله في حديث عمر: وذاقه، يدل على أنه لم يشربه، وذلك، والله أعلم أنه لما وجد فيه طيب العسل ترك شربه لئلا يستجاز [شربه إياه و] خلطه، وبالله التوفيق. [كراهة الاستدانه بالديون] في كراهة الاستدانه بالديون قال مالك وحدثني عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه أن رجلا من جهينة يقال له: الأسيفع كان يشتري الرواحل بالدين فيغلي بها فيسبق الحاج فأفلس، فقال عمر بن الخطاب إن الأسيفع أسيفع جهينه رضي من دينه وأمانته أن يقال سبق الحاج فادان معرضا فأصبح قدرين به، فمن كان له عليه شيء فليأتني بالغداة نقسم بينهم ماله، وإياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب. قال محمد بن رشد: قوله ادان معرضا معناه ادان مع كل من وجد وأمكنه مداينته. وقوله قدرين به، معناه قد غلب عليه الدين. قال الله عز

стр. 8751

وجل: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] ، وذلك أنه كان يشتري الرواحل بالدين ويسرع السير ليبيعها بالموسم بالربح، فأخطأه ذلك وباع بالخسارة فغلبه الدين وقوله إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب، يروى حرب، وحرب- بإسكان الراء وفتحها- فالحرب القتال، والحرب الهلاك. فيقول إن الدين يكون آخره إلى منازعة وخصام، ومرافعة إلى الحكام، أو إلى هلاك ماله. وقد استعاذ- ﷺ من الدين فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» ولذلك نهى عنه عمر بن الخطاب فقال: وإياكم والدين. وقد جاءت آثار كثيرة في التشديد في الدين وأن صاحبه يوم القيامة محبوس بدينه دون الجنة، فقيل معنى ذلك فيمن تداين في سرف وقمار، وقيل بل كان ذلك في أول الإسلام قبل أن تفتح الفتوحات وتفرض على الناس الزكوات، فلما أنزل الله براة ففرض فيها الزكاة وجعل للغارمين فيها حقا، وأنزل آية الفيء والخمس فجعل فيهما حقا للمساكين وابن السبيل قال حينئذ النبي- ﷺ : «من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلي» . فمن تداين فيما يحتاج إليه وهو يرى أن ذمته تفيء بما تداين به فليس بمحبوس دون الجنة بدينه إن مات ولم يترك مالا؛ لأن على الإمام أن يؤديه عنه من بيت المال، ومن سهم الغارمين من الزكوات، أو من جميعها إن رأى ذلك على مذهب من رأى أنه إن جعل الزكاة كلها في صنف واحد أجزأ. وقد قيل إنه لا يجوز أن يؤدى دين الميت من الزكاة، فعلى هذا القول إنما يؤدي الإمام دين من مات وعليه دين من

стр. 8752

الفيء الحلال للفقير والغني، وبالله التوفيق. [حفظ ابن شهاب] في حفظ ابن شهاب قال: حدثنا ابن شهاب حديثا فقلت أعد علي، فقال: لا، فقلت أما كان يعاد عليك؟ قال لا، فقلت له: فكنت تكتب؟ فقال لا، فخليت سبيله. قال محمد بن رشد: المعني في هذا بين والحمد لله وبه التوفيق. [القراءة في الحمام] في القراءة في الحمام وسئل مالك عن القراءة في الحمام، [فقال: القراءة بكل مكان حسنة، ليس الحمام بموضع قراءة، فإن قرأ الإنسان الآيات فليس بذلك بأس، وليس الحمامات من بيوت الناس الأول. قال محمد بن رشد: كره القراءة في الحمام] إذ لا ينفك عن النجاسة في أغلب الأحوال، كما كره قراءة القرآن في الأسواق والطرق من أجل ذلك، واستحب أن ينزه القرآن عن أن يقرأ إلا في مواضع القراءة إلا أن يكون الشيء اليسير أو مثل الغلام يتعلم القراءة على ما يأتي له بعد هذا. وقد أجاز ذلك بكل حال في أحد قوليه، واحتج بقول أبي موسى: أما أنا فأتفوقه تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا [وعلى جنب] وعلى كل حال. وقد

стр. 8753

تقدم ذكر ذلك في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [ضرب الأجل لأهل الحرب إذا قدموا للتجارة] في ضرب الأجل لأهل الحرب إذا قدموا للتجارة وسئل مالك عن اليهود والنصارى والمجوس إذا قدموا المدينة أيضرب لهم أجل؟ فقال نعم يضرب لهم أجل ثلاث ليال يتسوقون وينظرون في حوائجهم، فقد ضرب ذلك لهم عمر بن الخطاب ﵁، وقال رئيس اليهود له حين أجلاهم: أتجلينا وقد أقرنا محمد ﵇؟ فقال عمر: أتراني نسيت قوله لك: كيف بك إذا رقصت بك قلوصك ليلة بعد ليلة. قال إنما كانت هزيلة من أبي القاسم، فقال له عمر كذبت. قال محمد بن رشد: قوله إنه يضرب لهم أجل ثلاث ليال، يريد ثلاث ليال بأيامهن، فلا يحسب عليهم يوم ورودهم. وإنما رأى أن يضرب لهم ثلاث ليال لأن ذلك هو مقدار السفر وما فوق ذلك إقامة، بدليل قول النبي- ﷺ «لا يقيمن مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث» إلا أن لا تتم حوائجهم وما يحتاجون إليه في بيعهم وشرائهم في ثلاث ليال فيزاد في الأجل قدر ما يحتاجون إليه ولا تتم حوائجهم فيما دونه. وقد مضى حديث إجلاء عمر اليهود وما قاله له رئيسهم في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

стр. 8754

[ما روي عن كعب] فيما روي عن كعب قال مالك: وذكر أن حديث كعب حين جاء إلى عمر بن الخطاب بالمصحف فقال له أهذه التوراة؟ أن زيد بن أسلم الذي حدثه بذلك عرض عليه عرضا. قال محمد بن رشد: كعب هذا، والله أعلم، هو كعب الأحبار، وهو كعب بن ماتع الحميري من آل ذي رعين من حمير، وقيل من ذي الكلاع من حمير، يكنى أبا إسحاق، وأسلم في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وتوفي في آخر خلافة عثمان. وكان عالما بالتوراة لأنه كان حبرا من أحبار اليهود وإن كان عربي النسب، فكثير من العرب تهود وكثير منهم تنصر، فكان كثيرا ما يحدث منها. فمعنى قوله في المصحف لعمر بن الخطاب أهذه التوراة؟ والله أعلم، أهذه توراتكم التي هي عندكم بمنزلة التوراة عند اليهود، وبالله التوفيق. [مشي موسى ﵇ مع المرأتين إلى أبيهما شعيب ﵇] في مشي موسى ﵇ مع المرأتين إلى أبيهما شعيب ﵇ قال وبلغني أن موسى ﵇ حين جاءته إحدى المرأتين فقالت ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥] مشى خلفها ثم قال لها: امشي خلفي فإني عبراني لا أنظر في أدبار النساء، فإن أخطأت فصفي لي فمشى بين يديها وتبعته.

стр. 8755

قال محمد بن رشد: مشيه خلفها من أمانته التي وصفه الله بها حيث قال في كتابه: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] . وقوته أنه استوهب الرعاء دلوا فوهبوه إياه فنزعه وحده، وكان لا ينزعه إلا عشرة رجال. وقيل أربعون رجلا، فدعا فيه بالبركة فكفى ماشيتهما، فذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] ، وقيل إنه رفع من على فم البير صخرة كانت عليه وحده، وكان لا يرفعها إلا عشرة رجال، وقيل أربعون رجلا. في نقل لفظ الحديث على المعنى وقال مالك: ما لفظ النبي- ﷺ فليس كما لفظ غير النبي، فإذا كان المعنى واحدا وما لفظ النبي فينبغي للمرء أن يقوله كما جاء. قال محمد بن رشد: قوله فإذا كان المعنى واحدا، معناه فلا بأس به إذا لم يكن من لفظ النبي- ﷺ . وقد مضى الكلام على هذا فوق هذا في هذا الرسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [النظر إلى المجذوم] في النظر إلى المجذوم وسئل مالك أتكره إدامة النظر إلى المجذوم؟ قال: أما في
следующие страницы →