Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.
стр. 8856
وسائرهم دخلوا فيها بما ظهر لهم من البصيرة باجتهادهم، فكلهم محمود؛ لأنهم فعلوا الواجب عليهم في ذلك باجتهادهم، فلا يتأول على أحد منهم غير هذا، إذ هم خير أمة اختارهم الله لصحبة نبيه ونصرة دينه، وأثنى عليهم في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قوله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] وبالله التوفيق لا شريك له.
[حكاية عن عمر بن عبد العزيز]
قال: قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز لرجل: اشتر لي [ثوب] فرو بدينار، فاشتراه ثم جاءه به فلبسه، ثم قال له: أما زدت شيئا؟ فقال: لا، فقالت امرأته فاطمة بنت عبد الملك: إن عندنا لكذا وكذا فروا يأبى أن يلبس منها شيئا، ومن الأشياء يأبى أن يقرب منها شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا من تواضعه وورعه وقنوعه بالدون من اللباس في خلافته، معلوم من سيرته. فقد مضى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم أنه أمر رجلا يشتري له ثوبا بستمائة درهم للحاف فسخطه، فلما ولي أمر ذلك الرجل أن يشتري له كساء بسبعة دراهم، فلما جاءه به أخذه فلبسه ثم تعجب لحسنه، فضحك الرجل، فقال له: إني لأظنك أحمق تضحك من غير شيء، قال: إنما ضحكت لمكان اللحاف الذي أمرتني أن
стр. 8857
أشتريه بستمائة درهم، قال فمضت ساعة ثم قال: أخشى أن لا يشتري أحد ثوبا بستمائة درهم وهو يخاف الله. وترك أيضا في خلافته أن يخدم على ما مضى في الرسم المذكور، فكان يدخل بعد المغرب فيجد الخوان موضوعا عليه منديل فيتناوله فيقربه إليه ويكشف المنديل فيأكل ويدعو عليه من كان معه، وبالله التوفيق.
[ما يروى من الكرامات]
فيما يروى من الكرامات قال مالك: سمعت أن قوما أخذوا شاة فذبحوها فنهاهم عن أخذها رجل، فأبوا إلا أن يفعلوا. فلما ذبحوها كسلوا عن إصلاحها فتركوها، فقال: قد نهيتكم عن ذبحها فأبيتم ثم تركتموها تفسد باطلا، ثم قام هو فأصلحها وعملها لهم حتى فرغ منها، ثم قال لهم: هاكم كلوا وأبى أن يأكل معهم شيئا منها. فقالوا له تعال كل معنا، فأبى أن يفعل وانطلق ينام تحت شجرة، فانتبه وعنده رطب من أرض الروم في أرض ليس فيها رطب.
قال محمد بن رشد: ما فعل الرجل من إصلاح الشاة كيلا تفسد فلا ينتفع بها إن تركت حسن من الفعل يؤجر عليه فاعله عليه؛ لأنه يصير بإصلاحها لهم قد أطعمهم إياها. وأما انتباهه وعنده الرطب فذلك- إن صح- كرامة له. وكرامات الأولياء يصدق بها أهل السنة لجوازها في العقل، والعلم بوجودها في الجملة من جهة النقل المتواتر وإن لم يثبت شيء منها بعينه تواترا في جهة ولي من الأولياء في غير زمن النبوءة، وبالله التوفيق.
стр. 8858
[ذكر بعض ما جرى يوم الحرة]
في ذكر بعض ما جرى يوم الحرة
قال مالك: قال يحيى بن سعيد: سمعت سعيد بن المسيب يقول: دخل علي يوم الحرة فرسان منهم بخيولهم المسجد فجلسوا معي يتحدثون.
قال محمد بن رشد: قد مضى ذكر يوم الحرة وما جرى فيه في رسم نذر من سماع ابن القاسم فأغنى ذلك عن إعادته، وبالله التوفيق.
[استئذان عمر ﵁ عائشة ﵂ في أن يدفن مع النبي]
في استئذان عمر ﵁
عائشة ﵂
في أن يدفن مع النبي- ﷺ وصاحبه قال مالك: قال عمر بن الخطاب حين حضرته الوفاة: إني كنت استأذنت عائشة إذا مت أن أدفن في بيتها فقالت: نعم، وإني لا أدري لعلها قالت ذلك من أجل سلطاني، فإذا مت فاسألوها ذلك، فإن قبلت فادفنوني فيه، وإن أبت فانصرفوا بي.
قال مالك: بلغني أن عائشة كانت تدخل البيت الذي فيه قبر النبي- ﷺ وأبي بكر حاسرة، فلما دفن فيه عمر لم تكن تدخله إلا جمعت عليها ثيابها.
قال محمد بن رشد: ليس في استئذان عمر ﵁ لعائشة في أن يدفن في بيتها معنى يشكل لأنه بيتها، فلو منعت من ذلك لكان حقا من حقها، وإنما لم تكن تدخل البيت منذ دفن فيه حاسرة لما جاء به القرآن وتواترت به الآثار من أن الأرواح لا تموت بموت الأجسام، وأن الأجسام هي التي تموت بقبض الأرواح منها وهي الأنفس والنسم. قال الله
стр. 8859
عز وجل: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] وقال رسول الله- ﷺ : «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» . وقال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة» . وقد جاء في الأرواح أنها باقية في القبور وأنها تطلع رؤوسها، وأن أكثر إطلاعها يوم الخميس وليلة الجمعة وليلة السبت. فلما لم تأمن عائشة ﵂ أن تكون روح عمر ﵁ بفناء قبره في الوقت الذي تدخل البيت، لم تدخله إلا وقد جمعت عليها ثيابها. وهذا منها نهاية في الورع والتوقي، وليس بلازم؛ لأن الستر إنما يلزم من الأحياء في الدنيا حيث أمر الله به، لا من أرواح الموتى، وبالله التوفيق.
[ما ذكر من ترك الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ]
فيما ذكر من] ترك الصلاة في مسجد
رسول الله ﷺ قال مالك: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: لم تترك الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ منذ كان إلا ثلاثة
стр. 8860
أيام: يوم قتل عثمان، ويوم الحرة، قال مالك: ونسيت اليوم الثالث.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول عليه في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[اغتباط الرجل بما يصيبه مما يؤجر عليه]
في اغتباط الرجل بما يصيبه مما يؤجر عليه قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما أغبط رجلا لم يصبه أذى في هذا الأمر.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله في هذا الأمر بث العلم أن يصدع بالحق فيه وإن كره ذلك المقول له من الأمراء حتى يصيبه من قبله مكروه وأذى؛ لأن الذي يصيبه في ذلك هو خير ساقه الله إليه. قال النبي- ﷺ : «من يرد الله به خيرا يصب منه» وبالله التوفيق.
[أن النبي ﷺ أول من تنشق عنه الأرض]
في أن النبي- ﷺ
أول من تنشق عنه الأرض قال مالك: سمعت أن رسول الله- ﷺ -
стр. 8861
قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض فأرفع رأسي فأجد موسى متعلقا بالعرش فلا أدري أكان فيمن صعق أم كفته الصعقة الأولى» .
قال محمد بن رشد: كذا وقع هنا هذا الحديث محذوفا، وكماله على ما خرجه البخاري من رواية أبي هريرة قال: «استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم والذي اصطفى محمدا على العالمين، في قسم يقسم به، وقال اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم وجه اليهودي فذهب اليهودي إلى النبي- ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من أفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله.» وفي غير هذا الحديث: «فلا أدري أصعق فيمن صعق أم أخذته الصعقة الأولى» . وفي غيره: «فلا أدري أحوسب بالصعقة التي صعقها أم أفاق قبلي» ويريد بقوله في الحديث فإن الناس يصعقون أي يموتون بالنفخة الثانية، وهي نفخة الصعق؛ لأنها ثلاث نفخات: نفخة
стр. 8862
الفزع، قال الله : ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ، والنفخة الثانية نفخة الصعق، قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ؛ والنفخة الثالثة نفخة البعث، قال الله : ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فيموت بالنفخة الثانية نفخة الصعق كل حي من الإنس والجن وغيرهم وروح كل ميت إلا من شاء الله. وقد اختلف في هذا الاستثناء فقيل المراد به أرواح الشهداء إذ لا يفزعون في النفخة الأولى ولا يموتون في النفخة الثانية، وقيل المراد به جبريل وميكائيل وملك الموت، روي ذلك كله عن النبي- ﷺ ثم يأمر الله ملك الموت فيقبض روح ميكائيل، ثم يقول لملك الموت مت فيموت، ثم لجبريل مثل ذلك. وقد قيل إن المستثنى في نفخة الفزع أرواح الشهداء، وفي نفخة الصعق جبريل وميكائيل وملك الموت.
وقوله في الحديث: «فلا أدري أكان فيمن صعق وأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله» فمعناه فلا أدري أكان روحه فيمن صعق إذ قد مات قبل النفخ في الصور. وصعقة موسى الأولى التي شك النبي- ﷺ أن يكون جوزي بها في صعقة النفخ هي صعقة الطور، إذا سأل ربه أن يريه النظر إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] الآية إلى قوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وقد اختلف في هذه الصعقة فقيل إنه غشي عليه ثم أفاق،
стр. 8863
وقيل بل مات ثم رد الله عليه روحه، والله أعلم، وبالله التوفيق.
[سيرة عمر ﵁ في قسم المال]
في سيرة عمر ﵁ في قسم المال قال مالك: حدثني زيد بن أسلم أنه قال، قال ابن الأرقم لعمر بن الخطاب إن ها هنا حليا ومناطق وظمان مما كان لفارس أفلا تقسمه؟ قال بلى، إذا رأيتني فارغا فأذني، فأذنته يوما فقال: ائتني به، قال فنقلته إليه في القفاف. فلما رآه رأى شيئا عجيبا فوضعه بين يديه وقال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نحب ما حببت إلينا، ثم تلا هذه الآية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية، ثم قال: اللهم قني شره، وارزقني أن أنفقه في حله، مرتين، فما برح حتى قسمه كله. قال مالك: وقال ذلك الرجل جمعوا فأوعوا، فلا ذهبوا بما جمعوا ولا أقاموا فيه.
قال محمد بن رشد: ابن الأرقم هذا هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث القرشي الزهري، كان على بيت المال لعمر بن الخطاب ﵁ مدة خلافته كلها، وسنين من خلافة عثمان حتى استعفاه فأعفاه. أسلم عام الفتح، وكتب للنبي- ﷺ ، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يكتب عنه إلى بعض الملوك فيأمره أن يطينه ويختمه وما يقرؤه عليه لأمانته عنده. وروي أنه ورد على النبي- ﷺ كتاب فقال: من يجيب عني فقال عبد الله بن الأرقم أنا، فأجاب عنه وأتى به إليه فأعجبه
стр. 8864
وأنفذه. وكان عمر حاضرا فأعجبه ذلك منه وقال أصاب ما أراد رسول الله- ﷺ فلم يزل ذلك له في نفسه حتى ولي فاستعمله على بيت المال، وكتب أيضا لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وبالله التوفيق.
[القصاص للعبد من سيده]
في القصاص للعبد من سيده «سئل رسول الله- ﷺ عن العبيد فقال: يقتص لهم منكم يوم القيامة توزن ذنوبهم وعقوبتكم إياهم فيقتص لهم منكم. فسئل رسول الله- ﷺ عن الولد فكأنه قال ليس الولد مثل ذلك لا يكسى ويعرى ولا يشبع ويجوع» .
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، والحمد لله وبه التوفيق لا شريك له.
[قول القاسم بن محمد في سعيد بن المسيب]
قال مالك: وسئل القاسم بن محمد في علمه وفضله عن شيء فقال للسائل: هل سألت أحدا؟ قال نعم، عروة، فقال: هل سألت سعيدا؟ فقال نعم، قال فما قال لك؟ فأخبره، فقال له
стр. 8865
القاسم فأطعه فهو سيدنا وخيرتا.
قال محمد بن رشد: إقرار القاسم بن محمد لسعيد بن المسيب بالتقدم والخير خير منه وفضل، فلا يعرف الفضل لأولي الفضل إلا أهل الفضل، وبالله التوفيق.
[الدجالين الذين يبعثون قبل الساعة]
في الدجالين الذين يبعثون قبل الساعة قال مالك: قال رسول الله- ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون أكثر من ثلاثين.» قال وسمعت بعض الناس يقول: كلهم يقول أنا رسول الله.
قال محمد بن رشد: قوله حتى يبعث دجالون، معناه حتى يبعث على الناس ابتلاء لهم واختبارا. وفي غير هذا الحديث حتى «يخرج ثلاثون دجالا كذابا كلهم يكذب على الله ورسوله أحدهم الأعور الدجال ممسوح العين كأنها عنبة طافية.» وهذا بين في المعنى، رواه عن النبي- ﷺ سمرة بن جندب. وقد روي عن أبي بكرة أنه قال: «أكثر الناس في شأن مسيلمة الكذاب قبل أن يقول رسول الله- ﷺ فيه شيئا، ثم قام رسول الله- ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد في شأن هذا الرجل الذي قد
стр. 8866
أكبرتم في شأنه فإنه كذاب من ثلاثين كذابا يخرجون قبل الدجال، وإنه ليس بلد إلا يدخله رعب الدجال إلا المدينة على كل نقب من أنقابها يومئذ ملكان يذبان عنها رعب المسيح.» ولم يذكر في هذا الحديث أنهم دجالون كما قال في الحديث الذي قبله، فيحتمل أن يكونوا غيرهم، ويحتمل أن يكونوا هم، وصفهم في الحديث الأول بالدجل لأنهم في كذبهم كالدجال في كذبه، ولم يصفهم به في الحديث الثاني، وبالله التوفيق.
[مشي عيسى ابن مريم على الماء]
في مشي عيسى ابن مريم على الماء قال مالك: بلغني أن عيسى ابن مريم كان يمشي على الماء، فقال له رجل تمشي على الماء؟ فقال له عيسى نعم وأنت تمشي على الماء إن لم تكن لك خطيئة. فأخذ عيسى بيده حتى دخل الماء، فمشى الرجل مع عيسى على الماء ثم غرق، فدعا عيسى الله فأنجاه. ثم قال له عيسى: مشيت على الماء ثم غرقت فقل ما أحدثت؟ قال أجل حدثت نفسي بأنه ليس لك علي فضل.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والكلام عليه في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فغنينا بذلك عن إعادته، وبالله التوفيق.
стр. 8867
[ما ورد في تقوى الله ]
في تقوى الله قال مالك: قال رجل لابن مسعود: أوصني، فقال له: تتقي الله، فقال له زدني: فقال: تعمل بطاعة الله، فقال له زدني: فقال له: زل مع القرآن حيثما زال، قال زدني قال لا أجد لك ولا لي مثل هذا.
قال محمد بن رشد: ما أوصاه به من تقوى الله يدخل تحته العمل بطاعة الله، وأن يزول مع القرآن حيثما زال؛ لأن من لم يعمل بطاعة الله ولم يزل مع القرآن حيث زال فلم يتق الله، لكنه لما قال له زدني بين له ما أجمله له من تقوى الله الذي هو الأصل في كل شيء، به ينال ما عند الله. قال الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] .
[الحض على اتباع السنن]
في الحض على اتباع السنن قال مالك: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: سن رسول الله- ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
قال محمد بن رشد: يريد عمر بقوله وولاة الأمر من بعده الخلفاء
стр. 8868
الراشدين المهتدين: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ابن أبي طالب ﵃ لقول النبي- ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وذلك مثل ما سنه عمر بن الخطاب من أن يكون السدس الذي قضى به أبو بكر الصديق لإحدى الجدتين لما ثبت عنده في ذلك عن النبي- ﷺ [أنه بينهما] إن اجتمعتا فيه، فإن خلت به إحداهما كان لها، ومثل ما قضى به من عتق أمهات الأولاد بعد موت ساداتهن من رؤوس أموالهم، واحتج في ذلك فقال: خالطت دماؤنا دماءهن ولحومنا لحومهن؛ ومثل توفيته في حد الخمر ثمانين بما أشار به علي بن أبي طالب بقوله: ترى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وبالله التوفيق.
[موضع المقام من البيت]
في موضع المقام من البيت،
ورؤية إبراهيم مناسك الحج
قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقولون إن إبراهيم قام هذا المقام الذي ثم الآن، فيزعمون أن ذلك إثر مقامه فيه، وأوحى الله إلى الجبال أن يفرج عنه حتى يرى المناسك. قال مالك: كان مقام إبراهيم قد قرب إلى البيت مخافة السيل، فلما كان عمر ابن الخطاب رده إلى الموضع الذي هو فيه الآن بخيوط وأخرج خيوطه وجدها فقاس بها حتى رده. قيل له: كيف رده عمر وبعده من البيت وقد كان ذلك على عهد رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 8869
وسلم-؟ فقال يزعم أن الموضع الذي رده إليه عمر هو موضعه الأول، ولكنه نحي مخافة السيل فقرب إلى البيت.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول فيه في رسم اغتسل على غير نية من سماع ابن القاسم فأكتفي بذلك عن إعادته مرة أخرى، وبالله التوفيق.
[عزل العامل عن العمل بالشكاية]
في عزل العامل عن العمل] بالشكاية قال مالك: استعمل عمر بن الخطاب رجلا على بعض الأمصار وأنه شكي فنزعه عمر، فلما لقيه عاتبه في ذلك فقال: أما إني لم أظلم أحدا، قال فما شأنك تشتكى؟ قال: لم أحسن العمل.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن العامل يعزل عن العمل بالتشكي منه إذا كثر ذلك عليه وإن لم يثبت عليه ما يشكى به منه، إذ لا حق له في التمادي على الولاية وإن لم يحدث فيها ما يوجب عزله عنها، وبالله التوفيق.
[حكاية عن سعيد بن المسيب في غلامه الآبق]
قال: وقال مالك: أبق من ابن المسيب غلام له فحضر بعض مغازي الروم، وكان شجاعا فقاتل قتالا شديدا، ثم نقص وترك
стр. 8870
ذلك، فدعاه صاحب الجيش رجل من قريش فقال ما شأنك كنت تقاتل ثم تركت ذلك؟ فقال إني غلام لابن المسيب فخفت أن أقتل، فقال له: قاتل فإن قتلت فقيمتك علي بالغا ما بلغت، فقاتل فقتل، فقدم القرشي المدينة فأرسل إلى ابن المسيب فأبى أن يأتيه، فقال قدمت وكان الحق لي وأنا رجل من قريش ولم تأتني فأرسلت إليك، فقال سعيد: لم تكن لي إليك حاجة فآتيك، فإن كانت لك حاجة فأت، فقال القرشي: فإن لي حاجة غلام كان لك ضمنت له أن أرضيك من ثمنه، فثمن علي ما شئت فإنه قاتل حتى قتل في سبيل الله. قال ابن المسيب: والله لا أجد له ثمنا، أجره لي وهو في النار.
قال محمد بن رشد: إباية سعيد بن المسيب أن يأخذ لعبده ثمنا وأن يحلل عبده مما صنع هو على ما يعرف من مذهبه في أنه كان لا يرى أن يحلل أحدا من تباعة له عليه ويرى ذلك أفضل. وقد مضى الكلام على ذلك والاختلاف فيه في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم.
وأما قوله وهو في النار فمعناه الذي أراد أنه في النار إذ أبق مني وقاتل بغير إذني ليذكر بالشجاعة، إن لم يغفر الله له. فقد جاء في الحديث: أن «أول [خلق] . تسعر بهم النار يوم القيامة رجل قاتل ليقال فلان جريء؛ حتى قتل، ورجل تصدق ليقال فلان جواد، ورجل قرأ القرآن وقام به ليقال فلان قارئ» في حديث طويل قد ذكرته بطوله في صدر كتاب المقدمات، وبالله التوفيق.
стр. 8871
[بعض الأنبياء أفضل من بعض]
في أن بعض الأنبياء أفضل من بعض قال مالك: بلغني أن موسى قال: يا رب أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما لم تعط أحدا من العالمين، لم تذكر إلا ذكروا ولا ذكروا إلا ذكرت. فقال أما إبراهيم فإنه لا يخير بيني وبين شيء إلا اختارني، وأما يعقوب فإني لم أبتله ببلاء قط إلا ازداد بي حسن ظن، وأما إسحاق فإنه جاد لي بنفسه وهو بما وراءها أجود. قيل لمالك: وما معنى إذا ذكرت ذكروا وإذا ذكروا ذكرت، قال إذا ذكر الصالحون إنما يذكرون بذكر الله وبطاعتهم له.
قال محمد بن رشد: قد تقدم هذا والقول فيه في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[من يخرج من النار]
فيمن يخرج من النار قال مالك: قال رسول الله- ﷺ : «يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان كأنهم الحمم قد امتحنوا» . قال رسول الله- ﷺ : «فيطرحون في نهر في الجنة يقال له نهر الحيوان أو الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة بجانب السيل. ألم تروا كيف تنبت صفراء ملتوية» .
قال محمد بن رشد: الحديث بهذا صحيح خرجه البخاري وغيره، ومعناه أن العصاة من المؤمنين الذي استوجبوا النار بذنوبهم يخرجون من النار
стр. 8872
بشفاعة النبي- ﷺ حتى لا يبقى فيها من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. وتصديق ذلك في كتاب الله قوله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] . فقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وعد من الله على عمومه لا بد أن يكون؛ لأن الله لا يخلف الميعاد. وأما قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] فهو وعيد ليس على عمومه، ومعناه فيمن لا يغفر له؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . وقد قيل في وعيد الله إنه ليس بحتم قد ينفذه وقد لا ينفذه؛ لأن الخلف في الوعيد من صفات المدح قال الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدتة ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
والأول هو الصحيح أن الوعيد متوجه إلى من علم الله أنه ينفذ عليه الوعيد ولا يغفر له. وفي قوله: مثقال ذرة من إيمان دليل على أن الإيمان يتفاضل. وفي معنى تفاضل الإيمان وزيادته ونقصانه اختلاف قد ذكرناه وحصلنا القول فيه في صدر كتاب المقدمات. فقوله في الحديث «إنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» معناه من كان معه من الإيمان أدنى مراتبه التي إن نقص منه شيء عاد شكا أو كفرا. وتفاضله بقوة اليقين فيه والعلم به والبعد من طروء الشكوك عليه. والإيمان ليس بجسم فيعبر بالوزن. فقوله فيه مثقال حبة من إيمان إنما هو تمثيل، وقد يمثل ما يعقل ولا يوزن بما يعلم مما يوزن ليفهم المعنى فيه، وبالله التوفيق.
стр. 8873
[فضل هشام بن حكيم]
في فضل هشام بن حكيم قال مالك: «رأى هشام بن حكيم بن حزام ناسا يعذبون في الخراج، فقال ما شأنهم؟ قالوا يعذبون في الخراج، فقال: أشهد لسمعت رسول الله- ﷺ يقول: إن الله ﵎ يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا» . قال مالك: وكان عمر بن الخطاب يقول إذا ذكر له أمر: أما والله ما بقيت أنا وهشام بن حكيم فلا يكون ذلك.
قال محمد بن رشد: هشام بن حكيم بن حزام القرشي الأسدي هذا أسلم يوم الفتح، وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر. روي عن ابن شهاب أنه قال: كان هشام بن حكيم في نفر من أهل الشام يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ليس لأحد عليهم إمارة، وكان جزلا جلدا قويا في ذات الله لا يخاف في الله لومة لائم. وكفى من صفته بهذا قول عمر بن الخطاب فيه: أما ما بقيت أنا وهشام فلا يكون هذا، وبالله التوفيق.
[كراهة السؤال عما لا تلزم معرفته وعن المشكلات]
في كراهة السؤال عما لا تلزم معرفته وعن المشكلات قال مالك: حدثني يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أنه كان يقول: يا أهل العراق، والله ما كل ما تسألوننا عنه نعلمه، ولأن يعيش المرء جاهلا إلا أنه يعلم ما افترض الله عليه خير له من أن يقول على الله ما لا يعلم.
стр. 8874
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، و [من] الحجة فيه قول النبي- ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . وقد مضى في رسم البز من سماع ابن القاسم في تفسير الراسخين في العلم ما فيه بيان هذا، وبالله التوفيق.
[أن الله يظهر على عبده ما يخفيه من عبادة ربه]
في أن الله يظهر على عبده
ما يخفيه من عبادة ربه قال مالك: قال الحسن البصري: ابن آدم، اعمل وأغلق عليك سبعة أبواب. قال مالك: يقول إن الله يخرج ذلك.
قال محمد بن رشد: يشهد بصحة هذا ما جاء «من أن من أسر سريرة ألبسه الله رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر» وبالله التوفيق.
[الحض على حياطة الدين]
في الحض على حياطة الدين قال مالك: وكان عطاء بن يسار يقول: دينكم دينكم، لا أوصيكم بدنياكم أنتم عليها حراص وأنتم بها بصراء.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لا يحتاج إلى تفسير، وبالله التوفيق.
стр. 8875
[استحباب الدعاء في حوائج الدنيا]
في استحباب الدعاء في حوائج الدنيا قال مالك: وقال يحيى بن سعيد: كنت بأرض المغرب فطلبت حاجة من حوائج الدنيا فأهمتني وأكثرت الدعاء فيها حين اشتد إبطاء ذلك علي، فذكرت ذلك لشيخ كنت أجالسه فقال: لا تكره ذلك، فإن الله قد بارك لعبد في حاجة أذن له فيها بالدعاء.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في رسم اغتسل على غير نية من سماع ابن القاسم بزيادة المعنى الذي من أجله قال له الشيخ لا تكره ذلك، وهو أنه قال: فرغبت فيها ونصبت واجتهدت، ثم ندمت بعد ذلك فقلت: لو كان دعائي هذا في حاجة من حوائج آخرتي، فذكرت ذلك لشيخ كنت أجالسه فقال الحديث. وقوله فإن الله قد بارك لعبد في حاجة أذن له فيها بالدعاء، معناه قد بارك له في حاجة وفقه فيها للدعاء، إذ هو مأذون له في الدعاء في جميع حوائجه؛ لأن الدعاء عبادة من العبادة يؤجر فيها الأجر العظيم، أجيبت دعوته فيما دعا فيه أو لم تجب؛ لأنه لا يدعو ويجتهد في الدعاء إلا بإيمان صحيح ونية خالصة، ولن يضيع له ذلك عند الله، فإن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] فهذا وجه بركة تلك الحاجة عليه أن كانت سببا لانتفاعه بدعائه في آخرته وإن حرم المنفعة به في دنياه؛ لأن الذي أعطي خير من الذي حرم. وليس فيما جاء في الحديث عن النبي- ﷺ : «ما من داع يدعو إلا كان في إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه» ما يدل على أنه لا يدخر له ولا يكفر عنه إذا استجيب له؛ لأن المعنى فيه إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له مع أن يدخر له أو يكفر عنه، وإما [أن يدخر له،
стр. 8876
وإما] أن يكفر عنه مع الاستيجاب له، وبالله التوفيق.
[لا يعلم ما في غد إلا الله]
في أنه لا يعلم ما في غد إلا الله قال مالك: وزعم يحيى بن سعيد أن رسول الله- ﷺ سمع جواري يقلن في نكاح أو ما أشبهه، ولا أعلم إلا نكاحا:
وأهدى لها أكبشا ... تبحبح في المربد
وزوجها في النادي ... يعلم ما في غد
فقال رسول الله- ﷺ : «لا يعلم ما في غد إلا الله» .
قال محمد بن رشد: قول النبي ﵇: «ما يعلم ما في غد إلا الله» يبين أن قول الله : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] معناه ولا تدري نفس ما يكون غدا من كسب ولا غيره. وإنما ذكر في الآية الكسب دون ما سواه من الأشياء لأنه جل ما يحرص الناس على معرفته من الأشياء. وقد مضى هذا بزيادة بيان فيه من رسم
стр. 8877
الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[حكاية عن أبي هريرة في إتيانه الوليمة]
قال مالك: كان أبو هريرة يدعى إلى وليمة فيزاحم فيذهب فيلبس ثوبا ثم يأتي فيدخل، فإذا أتي بالطعام دلى كميه فيه فيقال له مهلا يا أبا هريرة، فيقول إنما أذن للثوب، قد أتيت فلم يؤذن لي، ثم يقول: ذهب حبي ولم ير من هذا شيئا وبقيتم بعده تهربون الدنيا ثم يبكي.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه الحكاية في رسم طلق بن حبيب بمساق أحسن من هذا. وذلك أنه قال فيه بلغني أن أبا هريرة دعي إلى وليمة فساق الحكاية إلى آخرها بمعناها. وإنما قلنا إنه أحسن من هذا لأن قوله كان أبو هريرة يدعى يدل على أن ذلك كان شأنه أبدا، والأظهر أنه إنما اعتراه هذا مرة واحدة. وهذا وشبهه يعتري من سياقة الحديث على المعنى، ولهذا كرهه من كرهه حسب ما مضى القول فيه قبل هذا في هذا السماع، وبالله التوفيق.
[سبب وقوع داود ﵇ في الخطيئة]
في سبب وقوع داود ﵇ في الخطيئة قال مالك: بلغني أن تلك الحمامة أتت فدفعت قريبا من داود النبي وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها فكانت قرب يده فصنعت مثل ذلك ثم طارت، فاتبعها ببصره فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغتسل ولها شعر طويل، فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموع عينيه.
стр. 8878
قال محمد بن رشد: جاء في هذا التفسير أن داود ﵇ قال: رب اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، فوددت أنك أعطيتني من ذلك شيئا كمثل ما أعطيتهما، قال الله تعالى: " إني ابتليتهما بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بما ابتليتهما وأعطيتك مثل ما أعطيتهما، قال داود: أي رب نعم. فقال الله له: اعمل عملك حتى يتبين بلاؤك، فمكث كذلك ما شاء الله يقوم الليل ويصوم النهار، فكان على ذلك، فبينما هو في المحراب ذات يوم والزبور بين يديه، إذ جاء طائر فوقع قريبا منه فتناوله داود فطار إلى الكوة فقام ليأخذه. وقال بعضهم: وضع مصحفه وقام ليأخذه، فوقع الطائر إلى البستان، فأشرف داود فنظر فإذا هو بامرأة تغتسل في البستان، فعجب من حسنها، ونظرت فأبصرت ظله فنفضت شعرها فغطاها فزاده ذلك عجبا بها، ثم أرسل غلاما له فقال: اتبع هذه المرأة واعلم من هي وبنت من هي وهل لها زوج؟ فاتبعها الغلام حتى عرفها، فرجع فقال هي ابنة فلان زوجها فلان، وزوجها يومئذ مع ابن أخت داود في بعث [فكتب داود إلى ابن أخته أن ابعث فلانا بعزيمة فلا يرجع حتى يفتح المدينة أو يقتل، فبعثه] فقتل، فلما انقضت عدة المرأة أرسل إليها فتزوجها فهي أم سليمان بن داود ﵉ فلما رأى الله ما وقع فيه عبده أحب أن يستنقذه فأرسل إليه ملكين في صفة رجلين، فأتياه في المحراب والحرس حول المحراب، وهم ثلاثة وثلاثون ألفا، فرأى داود الرجلين قد تسورا المحراب ففزع منهما وقال: لقد ضعف سلطاني حتى إن الناس يتسورون محرابي، فقال أحدهما: ﴿لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] إلى قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]
стр. 8879
فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه وضحك. فلما رأى داود ضحكه علم أنه مفتون، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب وبقي ساجدا أربعين يوما حتى نبت العشب من دموعه، لا يقوم من سجوده ذلك إلا إلى صلاة أو لقضاء حاجة لا بد منها، فتاب الله عليه.
وهذا مثل ضربه الملكان لداود ﵇ بأمر الله إياهما بذلك إجلالا لداود وإكراما له أن يستقبلاه بأنك أخطأت أو جرت، فضربا له مثلا برجلين هذه صفتهما، فلما حكم على أحدهما بأنه ظلم ارتفع الملكان عنه، فحينئذ علم أنهما ملكان بعثهما الله لينبهاه على ما كان منه. ولم يكن داود ﵇ علم أن الذي كان منه عليه فيه إثم، وكذلك سائر الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لا يعلمون على تعمد المعصية، إنما هي على تأويل أو غفلة أو نسيان، والله أعلم.
وحكى بعض المفسرين أن داود ﵇ جمع عباد بني إسرائيل فقال أيكم كان يمتنع من الشيطان يوما لو وكله الله إلى نفسه؟ فقالوا لا أحد إلا أنبياء الله، فكأنه عرض إليهم، فبينما هو في المحراب في يوم صلاته والحرس حوله والجنود إذا هو بطير حسن قد وقع على شرافة من شرافات المحراب. قال بعضهم من ذهب، وبعضهم جؤجؤه من ذهب وجناحاه ديباج، ورأسه ياقوتة حمراء، فأعجبه وكان له بني يحبه، فلما أعجبه حسنه وقع في نفسه أن يأخذه فيعطيه ابنه. فانصرف إليه، فجعل يطير من شرفة إلى شرفة ولا يؤيسه حتى طار فوق ظهر المحراب، وخلف المحراب حائط يغتسل فيه النساء الحيض إذا طهرن لا يشرف على ذلك
стр. 8880
الحائط أحد إلا من صعد المحراب، والمحراب لا يصعده أحد من الناس. فصعد داود خلف ذلك الطير، ففاجأته امرأة جاره وهي تغتسل، فرآها فجأة ثم غض بصره عنها وأعجبته، الحديث إلى آخره بمعنى الحديث الأول وإن خالفه في بعض ألفاظه. ومعنى قوله حكاية عن الملكين: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] أي غلبني في الحجة، أي كان أقدر على الاحتجاج مني. يقال: عزه يعزه عزا: إذا غلبه. ومن أمثالهم: من عز بز. وهذا مثل ضربه الملكان لداود ﵇ في غلبته أوريا زوج المرأة في أمره بالقتال من غير اختياره، وبالله التوفيق.
[مشي عيسى ابن مريم على الماء وإحيائه الموتى]
في مشي عيسى ابن مريم على الماء وإحيائه الموتى قال مالك: ذكر أن عيسى ابن مريم أتته امرأتان فقالتا: إن أبانا هلك ولم يودع، فادع الله أن يحييه، فقال أتعرفان قبره؟ قالتا نعم. فذهب معهما فأتتا قبرا فقالتا هو هذا، فدعا فأخرج لهما فإذا هو ليس أباهما، فدعا فرد، ثم ذهبتا إلى قبر أبيهما، فدعا الله أن يحييه فأحياه فلصقتا به وسلمتا عليه ثم قالتا له، يا نبي الله يا معلم الخير، ادع الله أن يبعثه بيننا حيا، قال وكيف أدعو الله ولم يبق له رزق في الدنيا يأكله.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه الحكاية والقول فيها من رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فغنينا بذلك عن إعادته، وبالله التوفيق.
стр. 8881
[فضل سلمان الفارسي]
في فضل سلمان الفارسي قال مالك: وكان سلمان الفارسي لا يأخذ من أحد شيئا إلا من عمل يده، وكان يستظل الأفياء في ظل الجدر، فجاءه رجل فقال له: ائذن لي أن أبني لك بيتا تسكن فيه، فقال نعم. فلما ولى الرجل قال سلمان الفارسي: أتدري كيف تبني؟ قال نعم: أبني لك بيتا إذا اضطجعت فيه مست رجلاك الجدار، وإذا قمت فيه مس رأسك السقف، فقال نعم.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه الحكاية عن سلمان الخير بزيادة في رسم البز من سماع ابن القاسم، ومضى هناك القول على ذلك فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[كراهة السفر في طلب شيء من الدنيا لا يشوبه شيء من أمر الآخرة]
في كراهة السفر في طلب شيء من الدنيا لا يشوبه شيء من أمر الآخرة
قال مالك: سمعت رجلا من أهل الصلاح والفضل مرة يقول: ما أحب أن أسافر ليلة في طلب شيء من الدنيا لا أخلطه بغيره وأن لي مرغوبا فيه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم هذا قبل هذا في هذا السماع والقول فيه، وبالله التوفيق.
[السوائب وحكمها]
في السوائب
قال مالك قال رسول الله- ﷺ : «قد علمت
стр. 8882
أن أول الناس نصب النصب وسيب السوائب وغير دين إبراهيم عمرو بن لحي ولقد رأيته في النار يجر قصبه يؤذي أهل النار بريحه» . قال مالك: والسوائب من الغنم.
قال محمد بن رشد: قول النبي- ﷺ ولقد رأيته في النار إلى آخر قوله، معناه أنه مثلت له النار وكونه فيها في الآخرة حتى رأى حاله في الآخرة ممثلا في الدنيا عيانا. وقد مضى القول في السوائب والبحائر في رسم حلف أن لا يبيع سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق لا شريك له.
[ما جاء من أن أزواج النبي ﵇ كن يراجعنه]
قال مالك: راجعت عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار في شيء، فامتعض من ذلك وقال: ما كان النساء هكذا، فقالت بلى، وأزواج النبي- ﷺ يراجعنه، فأخذ ثوبه فخرج إلى حفصة ابنته فقال لها: أتراجعين رسول الله- ﷺ ؟ قالت نعم، ولو أعلم أنه يكرهه ما فعلت. فلما بلغ عمر أن رسول الله- ﷺ خير نساءه قال: رغم أنف حفصة.
стр. 8883
قال محمد بن رشد: الحديث بهذا عن عمر بن الخطاب ﵁ مشهور، والمعنى فيه بين معلوم.
[تغير الأديان في آخر الزمان]
في تغير الأديان في آخر الزمان قال مالك وقال يحيى بن سعيد، قال رسول الله- ﷺ : «يأتي على الناس زمان يمسي المرء مؤمنا ويصبح كافرا ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا. فقيل يا رسول الله فأين العقول ذلك الزمان؟ قال تنزع عقول أهل ذلك الزمان» .
قال محمد بن رشد: المعنى في ذلك أن البصائر تضعف في ذلك الزمان بكثرة الارتداد عن الإسلام إلى الكفر. وقوله: فأين العقول ذلك الزمان؟ معناه فأين البصائر التي لذوي العقول في ذلك الزمان؟ وقوله تنزع عقولهم، معناه تنزع بصائر عقول أكثرهم، وبالله التوفيق.
[إعلام النبي ﷺ بخروج الخوارج]
في إعلام النبي- ﷺ بخروج الخوارج قال مالك زعم يحيى بن سعيد قال: «كان في حجر بلال فضة ورسول الله- ﷺ يقبض منها فيعطي الناس، فجاءه رجل فقال اعدل، فقال رسول الله- ﷺ ويحك من يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل، فقال
стр. 8884
عمر بن الخطاب: ائذن لي يا رسول الله في ضرب عنقه، فقال له رسول الله- ﷺ معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يخرجون فيكم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» .
قال محمد بن رشد: الرجل القائل ذلك للنبي- ﷺ ذو الخويصرة رجل من بني تميم. ووقع الحديث بكماله في آخر كتاب الجهاد من المدونة من رواية يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال: «بينما نحن عند رسول الله- ﷺ وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله- ﷺ : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل. قال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه، فقال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، وهو القدح، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله
стр. 8885
- ﷺ وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت» .
والنصل: حديدة السهم؟ والرصاف: العقب الذي يشد على الرعظ، وهو مدخل السهم في الزج؟ والقدح: عود السهم، وقال الخليل هو ما جاوز من السهم إلى النصل. وواحد الرصاف رصفه، والقذذ: ريش السهم، واحدتها قذة. النضي القدح قبل أن ينحت. وقال أبو عمرو هو نصل السهم، وبالله التوفيق.
[سبب إسلام كعب الأحبار]
في سبب إسلام كعب الأحبار قال وسمعت بعض من أرضى يقول قال كعب الأحبار: أول ما دخلني الإسلام أني سمعت قارئا يقرأ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] فدخل الإسلام في قلبي. قال مالك: حسبت أنه قال سمعته يقول من جوف الليل.
قال محمد بن رشد: إنما أسلم كعب الأحبار ساعة سماعه الآية لأنه داخل تحت الوعيد المذكور فيها، إذ خوطب بها اليهود من أهل الكتاب. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ [النساء: ٤٧] ، أي على محمد، مصدقا لما معكم، أي في التوراة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧] ، قيل معناه تحول الوجوه إلى الأقفا، فتكون
стр. 8886
وجوههم من ورائهم؟ وقيل معناه نجعل وجوههم منابت الشعر مثل وجه القرد، لأن منبت الشعر من الآدميين في الأقفا؛ وقيل المراد بالوجوه الدين والإسلام، فالمعنى من قبل أن ترد بصائرهم في الهدى والدين إلى الكفر والضلال فنضلهم إضلالا لا يؤمنون بعده أبدا جزاء لهم على عنادهم، ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] معناه أو نلعنكم فنخزيكم ونجعلكم قردة كما لعنا أصحاب السبت، أي أخزينا وأبعدنا الذين اعتدوا في السبت من أسلافكم وجعلناهم قردة وخنازير، فرجع إلى الخبر عن الغائب وقد كان الكلام على الخطاب، وذلك كثير، منه قوله : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] ؛ ويحتمل أن يكون المعنى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] ، أي أو نلعن أصحاب الوجوه، فلا يكون في الكلام على هذا رجوع من المخاطب إلى الغائب.
فإن قيل إذا كان تأويل الآية على ما ذكرتم من الوعيد، فهل لحقهم الوعيد إذ لم يؤمنوا؟ قيل له: لم يلحقهم الوعيد لأنه آمن منهم جماعة، منهم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن شعبة، وأسيد بن سعيد، وجماعة غيرهم، فرفع ذلك عنهم بإيمان من آمن منهم. وقيل معنى ما ذكر من طمس الوجوه إنما هو في الآخرة فيحشرون مشوهين، وبالله التوفيق.
[قول عمر بن الخطاب لأسيد بن الحضير فيما كان يكسوه إياه]
في قول عمر بن الخطاب لأسيد بن الحضير فيما كان يكسوه إياه
قال مالك: وكان عمر بن الخطاب يلبس الحلل وكان عمر بن
стр. 8887
الخطاب يكسوها الناس، فكان يكسو منها أسيد بن الحضير فيبيعها فيشتري بفضل ثمنها عبدا فيعتقه، فكره عمر أن يرى في عطيته خلل واختلاف، فقال وعنده أسيد: يعمد أحدهم أكسوه وأعطيه فيبيع ذلك، يوشك أن يفعل ذلك أحدهم فلا أعطيه. فقال له أسيد: يغفر الله لك إن بعت فقدمت لنفسي تمنعني حقي، فقال عمر: لا والله.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه الحكاية والقول فيها في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[قول ابن مسعود في الربيع بن خثيم]
في قول ابن مسعود في الربيع بن خثيم
قال مالك: وكان ذلك الرجل إذا رآه ابن مسعود قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] كان تستأذنه ابنته تقول له: دعني أذهب ألعب، فيأبى عليها، فقال له رجل ما يمنعك أن تقول لها نعم؟ قال أكره أن أجده في صحيفتي يوم القيامة.
قال محمد بن رشد: قيل إن الرجل الذي قال فيه ابن مسعود هذا الربيع بن خثيم، وامتناعه من أن يأذن لابنته فيما استأذنته فيه من اللعب مخافة أن يجد ذلك في صحيفته يوم القيامة، إذ قد جاء أن كل ما لا يكتبه صاحب اليمين يكتبه صاحب الشمال، نهاية في الورع والزهد والخوف لله . ومن خشي مثل هذا وخافه وتحرج منه على خفته، إذ الجواز أظهر فيه بل الاستجاب، فقد كانت عائشة ﵂ تلعب بالبنات بعلم رسول الله- ﷺ فلا ينكر ذلك عليها، بل كان سرب الجواري إليها يلعبن معها. ووجه استحبابه من جهة المعنى ما يدخله من السرور عليه بالإذن له في ذلك فيؤجر، وقد قال الله :
стр. 8888
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] ، فهو من المخبتين كما قال ابن مسعود، لأن المخبت هو الرجل الخائف الخاشع الخاضع لله بالطاعة، المذعن له بالعبادة، المطمئن إليه قلبه. قال الله : ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: ٣٥] ، وبالله التوفيق.
[ما ذكر من أن الأرض على حوت]
فيما ذكر من أن الأرض على حوت
قال مالك: وزعم زيد بن أسلم أن نبيا من الأنبياء قال لهم: إن الأرض على حوت، فكذبه رجل فقعدا على شط بحر فمر حوت مثل الطرف، فقال أهذا هو؟ قال لا، ثم مر حوت، فقال مالك لا أدري ما قدره، فقال: أهذا هو؟ فقال لا، ثم مر حوت آخر من حين أضحى النهار إلى الظهر فقال: أهو هذا؟ قال إن ذلك الحوت يأكل كل يوم سبعين ألفا مثل هذا.
قال محمد بن رشد: قد جاء في تفسير قوله : ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] يعني بنون الحوت الذي عليه الأرض، روي ذلك عن ابن عباس قال: ذلك أن الله أول ما خلق القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السموات، ثم خلق النون فبسطت الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض. وقال الكلبي: تحت هذا الحوت ثور، وتحت الثور صخرة خضراء، فخضرة السماء منها، وتحت الصخرة الثرى. وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله . وجاء عن أبي هريرة أنه
стр. 8889
قال: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وهذا كله لا تعرف حقيقته، إذ لا يقطع على صحة شيء منه من جهة الرواية عن النبي- ﷺ العالم بما أعلمه الله به من كبير ما غاب عن حواسنا. والذي نعلمه من ذلك علم يقين ما أعلمنا الله به في محكم كتابه من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] ، فنحن نعتقد بما أعلمنا الله به مع ما دل عليه من دلائل العقول أن الله يمسك السماوات والأرض بقدرته لا بشيء تعتمد عليه لولاه لم تستقر، إذ لو احتاجت في استقرارها إلى ما تعتمد عليه من الأجسام لاحتاج ذلك الذي تعتمد عليه إلى ما يعتمد عليه، والآخر إلى آخر إلى ما لا نهاية له، وذلك محال وباطل ظاهر البطلان. وكذلك السماوات يمسكها الله عن أن تزول عن مواضعها أو تقع على الأرض بقدرته لا بما سوى ذلك مما يستغنى به في ثبوتها عليه، وبالله التوفيق.
[ما جاء في القرآن من أن الجنة عرضها كعرض السماء والأرض]
فيما جاء في القرآن من أن الجنة عرضها كعرض السماء والأرض
قال مالك قال لعمر بن الخطاب رجل: يقول الله : ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] فأين تكون النار؟ فسكت عنه شيئا ثم قال له: أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقال الله أعلم، فقال عمر هو ذلك.
стр. 8890
قال محمد بن رشد: قول الله في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] مبين لقوله في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ، فليس في قول الله إن عرض الجنة كعرض السماء والأرض ما يدل على أن الجنة تستغرق السماء والأرض كما ظن السائل فسأل عمر ﵁ أين تكون النار؟ فأجابه بما أجابه به مما دل أنه سلم له سؤاله، فالله أعلم بصحة هذا عن عمر بن الخطاب، لأن الجنة والنار مخلوقتان، قال رسول الله- ﷺ : «رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» وقال: «اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين في كل عام نفس في الشتاء ونفس في الصيف» . وعند أهل السنة، أن الجنة التي وعد الله بها أولياءه في الآخرة هي الجنة التي أهبط منها آدم ﵇، وهي في السماء على ما دل عليه القرآن وجاءت به الآثار، فليس في قول الله إن الجنة التي أعدها الله لأوليائه في السماء عرضها كعرض السماء والأرض معنى يشكل حتى يسأل من أجل ذلك أين تكون النار؟ والذي جاء في تفسير ذلك أن معناه سبع سماوات وسبع أرضين تلفقن كما تلفق الثياب بعضها إلى بعض، فيكون ذلك عرضها، ولا يصف أحد طولها، وبالله التوفيق.
стр. 8891
[ما أوصى به معاوية في ماله]
فيما أوصى به معاوية في ماله
قال مالك: لما حضرت معاوية بن أبي سفيان الوفاة أمر أن يجعل نصف ماله في مال الله؛ أراد بذلك الذي صنع عمر بن الخطاب في مقاسمته عمالا من عماله قاسمهم أموالهم، وإنما قاسمهم عمر لأنه ظهرت لهم بعد الولاية أموال لم تكن تعرف لهم.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم قبل هذا، وبالله التوفيق.
[شدة خشية عمر السؤال]
في شدة خشية عمر السؤال قال مالك: وقال عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده لو هلك بشط الفرات جمل ضياعا لظننت أن الله سائلي عنه.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول عليه في رسم سئل عن تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[التعوذ من الحور بعد الكور]
في التعوذ من الحور بعد الكور وقال مالك كان يقال: اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور، فسألته عن الحور بعد الكور فقال: الحور الحول أن يحول بعدما كان على صلاح.
стр. 8892
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، والتعوذ منه واجب.
قال الله : ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ، وبالله التوفيق.
[التلطف والمداراة]
في التلطف والمداراة قال مالك: أخبرني [عبد الله] بن أبي بكر أن داود بن علي أعطاه جارية فدسها مدسا حتى ردها إلى أهلها.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا، والله أعلم، أنه كره عطيته ولم يرد أن يوحشه بأن لا يقبضها منه ولا بأن يردها عليه، فقبلها منه ثم تلطف في ردها إليه لئلا يجد في نفسه في ذلك عليه. وهذا جائز للرجل أن يفعله، قال رسول الله- ﷺ «مداراة الناس صدقة» وبالله التوفيق.
стр. 8893
[خروج الخارجة على علي ﵁]
في خروج الخارجة على علي ﵁ قال مالك: لما حكم الحكمان أبو موسى وعمرو بن العاص خرجت الخارجة التي خرجت فقالوا لا حكم إلا لله، فقال علي بن أبي طالب: ما يقولون؟ فأخبر فقال: كلمة حق أريد بها باطل. قال مالك: فهي أول خارجة خرجت. قال مالك أراهم قد تعدوا وكفروا الناس.
قال محمد بن رشد: هذه الخارجة هي الحرورية التي فارقت علي بن أبي طالب وشهدت عليه بالشرك لما رضي بالتحكيم في أمر المسلمين وخرجت عليه، فأتى علي بن أبي طالب فأخبر أنهم تجهزوا إلى الكوفة فقال: دعوهم ثم خرجوا فنزلوا بالنهروان فمكثوا فيه شهرا، فقيل له اغزهم الآن، فقال لا حتى يهرقوا الدماء ويقطعوا السبل ويخيفوا الأمن، فلم يهجهم حتى قتلوا، فغزاهم فقتلوا. وروي عن ابن عباس أنه قال: أرسلني علي إلى الحرورية لأكلمهم، فلما كلمتهم قالوا لا حكم إلا لله، قلت: أجل لا حكم إلا لله، وإن الله قد حكم في رجل وامرأة، وحكم في قتل الصيد، فالحكم في رجل وامرأة والصيد أفضل من الحكم في الأمة يرجع فيها ويحقن دماءها ويلم شعثها؟ فقال ابن الكوا: دعوهم فإن الله قد أنبأكم أنهم قوم خصمون، وهم الذين قال فيهم رسول الله- ﷺ «إنهم يخرجون على حين فرقة من الناس وعلى خير فرقة من الناس يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» الحديث، وبالله التوفيق.
стр. 8894
[ما قاله القراظ ليزيد بن معاوية]
في قول القراظ ليزيد بن معاوية قال مالك: وقف القراظ على يزيد بن معاوية فقال له: أنت يزيد؟ فقال نعم، فقال ما أشبهك بأبيك، سمعت أبا هريرة يقول، قال رسول الله- ﷺ : «من أراد بأهل المدينة أذى أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» فقال يزيد: أمجنون؟ فقال: هذا رجل صالح كان جليسا لأبي هريرة.
قال محمد بن رشد: القراظ هو بشر بن عبد الله من تابعي أهل المدينة. وكان هذا من قوله ليزيد، والله أعلم، إذ أوقع بأهل المدينة يوم الحرة ما أوقع. وقوله: ما أشبهك بأبيك، أراد به الضد كما يسمى المريض سليما، والأعمى أبا بصير، والمهلكة المفازة، وبالله التوفيق.
[رؤية العبد شعر سيدته]
في رؤية العبد شعر سيدته وسئل مالك: أيرى العبد شعر سيدته وقدميها وكفيها؟ فقال: أما الغلام الوغد فلا بأس بذلك، وأما الغلام الذي له هيئة فلا أحبه. قيل أفيرى ذلك غلام زوجها منها؟ فكأنه كرهه.
قال محمد بن رشد: أجاز للعبد الوغد أن يرى شعر سيدته، وكره
стр. 8895
ذلك إذا كان له منظر ولم يحرمه، لقول الله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] .
وقوله في غلام زوجها لما سأله عنه فكأنه كرهه، يدل على أنه فرق في ذلك بين عبدها وعبد زوجها، ومعناه في الوغد استحسانا للمشقة الداخلة عليها في الاحتجاب منه مع كثرة تردده وتطوفه؛ والقياس أنه كعبد الأجنبي في ذلك. وأما الذي له منظر من عبيد زوجها فلا يجوز [له] أن يرى شعر زوج سيده، وبالله التوفيق.
[مقالة عمر لعبد الله بن الأرقم]
في قول عمر لعبد الله بن الأرقم قال مالك قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن الأرقم: لو كان لك مثل سابقة القوم ما قدمت عليك أحدا. قال مالك: وينبغي أن يقدم أهل التقدم والفضل، قال الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] فقلت له: وما يعني بقوله: ما قدمت عليك أحدا، فقال: [أن] لا يولي عليه أحدا، وكان ذلك في عقد الولاية.
следующие страницы →