← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

[ما أوصى به معاوية في ماله] فيما أوصى به معاوية في ماله قال مالك: لما حضرت معاوية بن أبي سفيان الوفاة أمر أن يجعل نصف ماله في مال الله؛ أراد بذلك الذي صنع عمر بن الخطاب في مقاسمته عمالا من عماله قاسمهم أموالهم، وإنما قاسمهم عمر لأنه ظهرت لهم بعد الولاية أموال لم تكن تعرف لهم. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم قبل هذا، وبالله التوفيق. [شدة خشية عمر السؤال] في شدة خشية عمر السؤال قال مالك: وقال عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده لو هلك بشط الفرات جمل ضياعا لظننت أن الله سائلي عنه. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول عليه في رسم سئل عن تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [التعوذ من الحور بعد الكور] في التعوذ من الحور بعد الكور وقال مالك كان يقال: اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور، فسألته عن الحور بعد الكور فقال: الحور الحول أن يحول بعدما كان على صلاح.

стр. 8892

قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، والتعوذ منه واجب. قال الله : ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ، وبالله التوفيق. [التلطف والمداراة] في التلطف والمداراة قال مالك: أخبرني [عبد الله] بن أبي بكر أن داود بن علي أعطاه جارية فدسها مدسا حتى ردها إلى أهلها. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا، والله أعلم، أنه كره عطيته ولم يرد أن يوحشه بأن لا يقبضها منه ولا بأن يردها عليه، فقبلها منه ثم تلطف في ردها إليه لئلا يجد في نفسه في ذلك عليه. وهذا جائز للرجل أن يفعله، قال رسول الله- ﷺ «مداراة الناس صدقة» وبالله التوفيق.

стр. 8893

[خروج الخارجة على علي ﵁] في خروج الخارجة على علي ﵁ قال مالك: لما حكم الحكمان أبو موسى وعمرو بن العاص خرجت الخارجة التي خرجت فقالوا لا حكم إلا لله، فقال علي بن أبي طالب: ما يقولون؟ فأخبر فقال: كلمة حق أريد بها باطل. قال مالك: فهي أول خارجة خرجت. قال مالك أراهم قد تعدوا وكفروا الناس. قال محمد بن رشد: هذه الخارجة هي الحرورية التي فارقت علي بن أبي طالب وشهدت عليه بالشرك لما رضي بالتحكيم في أمر المسلمين وخرجت عليه، فأتى علي بن أبي طالب فأخبر أنهم تجهزوا إلى الكوفة فقال: دعوهم ثم خرجوا فنزلوا بالنهروان فمكثوا فيه شهرا، فقيل له اغزهم الآن، فقال لا حتى يهرقوا الدماء ويقطعوا السبل ويخيفوا الأمن، فلم يهجهم حتى قتلوا، فغزاهم فقتلوا. وروي عن ابن عباس أنه قال: أرسلني علي إلى الحرورية لأكلمهم، فلما كلمتهم قالوا لا حكم إلا لله، قلت: أجل لا حكم إلا لله، وإن الله قد حكم في رجل وامرأة، وحكم في قتل الصيد، فالحكم في رجل وامرأة والصيد أفضل من الحكم في الأمة يرجع فيها ويحقن دماءها ويلم شعثها؟ فقال ابن الكوا: دعوهم فإن الله قد أنبأكم أنهم قوم خصمون، وهم الذين قال فيهم رسول الله- ﷺ «إنهم يخرجون على حين فرقة من الناس وعلى خير فرقة من الناس يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» الحديث، وبالله التوفيق.

стр. 8894

[ما قاله القراظ ليزيد بن معاوية] في قول القراظ ليزيد بن معاوية قال مالك: وقف القراظ على يزيد بن معاوية فقال له: أنت يزيد؟ فقال نعم، فقال ما أشبهك بأبيك، سمعت أبا هريرة يقول، قال رسول الله- ﷺ : «من أراد بأهل المدينة أذى أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» فقال يزيد: أمجنون؟ فقال: هذا رجل صالح كان جليسا لأبي هريرة. قال محمد بن رشد: القراظ هو بشر بن عبد الله من تابعي أهل المدينة. وكان هذا من قوله ليزيد، والله أعلم، إذ أوقع بأهل المدينة يوم الحرة ما أوقع. وقوله: ما أشبهك بأبيك، أراد به الضد كما يسمى المريض سليما، والأعمى أبا بصير، والمهلكة المفازة، وبالله التوفيق. [رؤية العبد شعر سيدته] في رؤية العبد شعر سيدته وسئل مالك: أيرى العبد شعر سيدته وقدميها وكفيها؟ فقال: أما الغلام الوغد فلا بأس بذلك، وأما الغلام الذي له هيئة فلا أحبه. قيل أفيرى ذلك غلام زوجها منها؟ فكأنه كرهه. قال محمد بن رشد: أجاز للعبد الوغد أن يرى شعر سيدته، وكره

стр. 8895

ذلك إذا كان له منظر ولم يحرمه، لقول الله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] . وقوله في غلام زوجها لما سأله عنه فكأنه كرهه، يدل على أنه فرق في ذلك بين عبدها وعبد زوجها، ومعناه في الوغد استحسانا للمشقة الداخلة عليها في الاحتجاب منه مع كثرة تردده وتطوفه؛ والقياس أنه كعبد الأجنبي في ذلك. وأما الذي له منظر من عبيد زوجها فلا يجوز [له] أن يرى شعر زوج سيده، وبالله التوفيق. [مقالة عمر لعبد الله بن الأرقم] في قول عمر لعبد الله بن الأرقم قال مالك قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن الأرقم: لو كان لك مثل سابقة القوم ما قدمت عليك أحدا. قال مالك: وينبغي أن يقدم أهل التقدم والفضل، قال الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] فقلت له: وما يعني بقوله: ما قدمت عليك أحدا، فقال: [أن] لا يولي عليه أحدا، وكان ذلك في عقد الولاية.

стр. 8896

قال محمد بن رشد: تفسير مالك لقول عمر بن الخطاب [بقوله] لا يولي عليه أحدا، يحتاج إلى تفسير، ومعناه لا يؤثر أحدا بالولاية عليه. وقد مضى قبل هذا من هذا السماع قول عمر ﵁ في عبد الله بن الأرقم هذا والقول فيه، وبالله التوفيق. [جزاء المرء على ما يتكلم به من الخير أو الشر] في جزاء المرء على ما يتكلم به من الخير أو الشر قال مالك: كان بلال بن الحارث [المزني] يحدث أن رسول الله- ﷺ قال: «إن المرء ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أنها تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن المرء ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه.. فكان بلال يقول: فلقد منعني هذا الحديث من كلام كثير» . قال مالك: فكان ابن مسعود يقول: تكلموا بالحق [تعرفوا به] واعملوا به تكونوا من أهله. قال محمد بن رشد: هذا الحديث ذكره مالك في جامع موطأه، وذكر عقبه من قول أبي هريرة مثله بمعناه قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها

стр. 8897

بالا يرفعه الله بها في الجنة. وقد روي عنه مسندا إلى النبي- ﷺ . والكلمة من رضوان الله أو من سخطه التي يكتب الله بها رضوانه أو سخطه إلى يوم القيامة هي الكلمة عند السلطان يرده بها عن جور أو إثم أو يعينه بها على ذلك، لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك، لما جاء فيه مما يدل عليه، وبالله التوفيق. [ما جاء أنه من أشراط الساعة] فيما جاء أنه من أشراط الساعة وقال مالك قال رسول الله- ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل ويتقارب الزمان ويقبض العلم [من الناس» ] . قال محمد بن رشد: تقارب الزمان سرعة ذهابه فيما يخيل إلى الناس، وقبض العلم يكون بقبض العلماء. قال رسول الله- ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا- ينتزعه من القلوب ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» . [التنزه عن الخصام] في التنزه عن الخصام وكان القاسم بن محمد إذا كان بينه وبين الرجل المداراة في

стр. 8898

شيء دعاه فقال له: إن كان الشيء لي فهو لك، وإن كان لك فلا تحمدني. قال لي مالك: يكره لنفسه الخصومة وينزهها عنها. قال محمد بن رشد: هذا من الخلق الكريمة العلية، يحمل على نفسه في ماله، ولا يمتهنها في الخصام الذي يولد العداوة والهجران المنهي عنهما، وبالله التوفيق. [التحليل من الظلامات] في التحليل من الظلامات قال مالك: كان ابن المسيب إذا كان بينه وبين أحد شيء لم يخاصمه وقال: موعده يوم القيامة ولا يحلله. وأتاه مكاتب له يستأذنه في الخروج، فقال لا، فذهب المكاتب فأصلح شأنه وأراد الخروج، فقيل له: مكاتبك يخرج، فقال موعده يوم القيامة. قال مالك: يوقن بيوم الحساب ويعلم أن الناس مستوفون حقوقهم، فقيل لمالك: أيهم أحب إليك في نظر المرء لنفسه، أيترك ذلك لطالبه ويحلله أم لا يفعل؟ فقال: ما أدري وما هذا بالبين، ولقد كان من الناس من يرى ذلك وتأول حسنة بعشر أمثالها، وما هذا بالبين عندي ولا هذا، والذي لم يعف لمستوف حقه. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا قبل في هذا السماع من مذهب سعيد بن المسيب مثل هذا في غلامه الذي أبق، ومضى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم تحصيل الاختلاف في التحليل من الظلامات فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

стр. 8899

[حكاية عن سعيد بن المسيب] قال مالك: لما ضرب سعيد بن المسيب وحبس عمل له لحم فأتى به فقال ما هذا؟ فقيل له: إذا حبس المرء عمل له مثل هذا، فقال: لا والله ما أريد مثل هذا. انظروا الأربعة الأرغفة بالزيت التي كانت تعمل لي فأتوني بها. قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه الحكاية عن سعيد بن المسيب والقول فيها في رسم البز من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [سيرة عمر بن الخطاب في سني الرمادة] في سيرة عمر بن الخطاب في سني الرمادة قال مالك: لما كان عام الرمادة في تلك الأزمنة كتب عمر بن الخطاب إلى البلدان أن ياغوثاه للعرب، فكان يبعث إليه من مصر والشام بالعباء فيها الدقيق على الإبل السمان، وأراه أمرهم بذلك فيبعث بها الرجال إليهم فيقول: ينحر كل أهل بيت بعيرا ولا تدعونهم يستحيونه فإن العرب تتنافس في الإبل [ويتخذونها] فليأتدموا بلحمه وشحمه، وليلبسوا تلك العباء، فإن ذلك لن يذهب حتى يأتي الله بخير منه. وأقسم عمر ألا يأكل سمنا حتى يحيى الناس من أول ما يحيون، فأكل الزيت وكان يستنكره، وكان يأكله

стр. 8900

نيئا ومطبوخا، فاستنكره حتى أن كان ليخطب [على الناس] على المنبر فيقرقر بطنه منه حتى يستحيي من الناس فيقول: قرقر تقرقرك، فليس لك غيره حتى يحيى الناس. فخرج عمر بن الخطاب بعد ذلك إلى سيل ينظر إليه ببطحان، فبج عليه رجل فقال له: أما والله يا أمير المؤمنين ما كنت فيها بابن ثأداء ضعيفة، فعلاه عمر بالدرة فقال: ويحك، وهل كان لأحد حول أو قوة إلا بالله. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه الحكاية بعينها وإن اختلف بعض ألفاظها في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم والقول فيها. وإنما خرج إلى سيل بطحان، والله أعلم، ليراه فيشكر الله على ما أغاثهم به من المطر الذي أجراه، وبالله التوفيق. [توقير الشيخ] في توقير الشيخ قال مالك سمعت من يقول: من تعظيم الله تعظيم ذي الشيبة المسلم. قال محمد بن رشد: تعظيم الله هو الخوف له والعمل بطاعته والبدار إلى ما يقرب منه من الأعمال التي ترضيه. فلما كان توقير الشيخ الكبير وتعظيمه مما يرضي الله ويقرب منه بدليل قول النبي

стр. 8901

- ﷺ : «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولا وقر كبيرنا» اقتضى فعل ذلك لوجه الله العظيم تعظيم الله، وبالله التوفيق. [سن فرعون وما أملي له] في سن فرعون وما أملي له قال مالك: سمعت أن فرعون عاش أربعمائة سنة، [وأنه أقام بعد أن أتاه موسى ﵇ بالآيات وقال ما علمت لكم من إله غيري أربعين سنة] . قال مالك قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . قال مالك وسمعت بعض أهل العلم يقول ما دخل على أحد في دينه أشد من الإملاء. قال وسألته عن فرعون أمن بني إسرائيل هو؟ فقال: لا، ليس من بني إسرائيل. قال محمد بن رشد: قول فرعون: "يا أيها الملأ، يريد أشراف قومه وساداتهم، ما علمت لكم من إله غيري"، يريد فتعبدوا وتصدقوا موسى فيما جاءكم به من أن له ولكم ربا غيري ومعبودا سواي، كذب منه تعمده، إذ قد علم أن موسى رسول الله لما جاءهم به من الآيات. قال الله : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] والجحد لا يكون إلا من بعد المعرفة. وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] أي فاعمل لي آجرا، وذكر أنه أول من طبخ الآجر وبنى به. وقوله: فاجعل لي

стр. 8902

صرحا، أي سطحا، وكل بناء مسطح فهو صرح. وقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٧] ، كلام قاله، والله أعلم، استهزاء وسخريا، إذ لم يجهل أنه لا يقدر على أن يبلغ أسباب السماء بصرح يبنيه له هامان، إذ لا يجهل ذلك من له عقل يصح به التكليف، فقال ذلك استهزاء بموسى ﷺ ، وأراد أن يبنى له الصرح مرتفعا مشيدا لا يقدر غيره من أهل زمانه على مثله ليجعله دليلا له عند الملأ من قومه على ما يدعي من الربوبية. وهذا الذي أقول به في معنى قوله ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٧] وبالله التوفيق. [لا يسلم أحد من أن يكون فيه ما يعاب به] في أنه لا يسلم أحد من أن يكون فيه ما يعاب به قال مالك وكان القاسم بن محمد يقول: من الرجال رجال لا تذكر عيوبهم. قال مالك وقال طلحة بن عبيد الله: خف الأمر وغلب سفهاء الناس علماءهم. قال محمد بن رشد: قول القاسم إن من الرجال رجالا لا تذكر عيوبهم، صحيح، والمعنى في ذلك ما قاله مالك من أن العيب إذا كان خفيفا والأمر كله جميل حسن لم يذكر اليسير الذي ليس أحد منه بمعصوم مع هذا الصلاح الكثير. وإذا كان طلحة بن عبيد الله يقول في زمنه خف الأمر وغلب سفهاء الناس علماءهم، فناهيك من ذلك في زماننا هذا، أسأل الله العصمة والتوفيق برحمته.

стр. 8903

[إقرار عمر لأبي بكر باستحقاق الخلافة] في إقرار عمر لأبي بكر باستحقاق الخلافة قال مالك وقال عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده، لأن أقدم فتضرب عنقي إلا أن تتغير نفسي عند الموت أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. قال محمد بن رشد: قال ذلك عمر بن الخطاب إذ حكي أن أبا بكر الصديق قال إذ خطب في سقيفة بني ساعدة بعد موت النبي- ﷺ : وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح. قال فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن - أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، حسبما مضى قبل هذا في هذا السماع. وبالله التوفيق. في أن الناس عرفوا النبي- ﷺ من أبي بكر بقيامه ليستره من الشمس وقال مالك: رأى الناس رسول الله- ﷺ وأبا بكر، فلم يدر الناس رسول الله- ﷺ فلما أصابت رسول الله- ﷺ الشمس قام أبو بكر يستره منها، فعرفوا رسول الله- ﷺ . قال محمد بن رشد: كان هذا حين قدم النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 8904

وسلم- المدينة مهاجرا من مكة. وذلك أن المسلمين بالمدينة لما سمعوا بخروج رسول الله- ﷺ من مكة كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يؤذيهم حر الظهيرة فينقلبون، فانقلبوا يوما، فلما أووا إلى بيوتهم رقي رجل من اليهود على أطم لأمر يريده، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه يزول بهم السراب مبيضين، فلم يملك اليهودي أن صاح بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرونه، فثار المسلمون إلى سلاحهم وبلغوا رسول الله- ﷺ في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الإثنين في شهر ربيع الأول، وطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رأى رسول الله- ﷺ يحسبه أبا بكر، حتى إذا أصابت الشمس رسول الله- ﷺ أقبل أبو بكر حتى أظل على رسول الله- ﷺ بردائه، فعرف الناس عند ذلك رسول الله- ﷺ وبالله التوفيق. [حكاية عن أبي هريرة ﵁] ُ - قال مالك: وحدثني من أصدق عن أبي هريرة أنه كان يقول: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] ثم يقول: والذي نفسي بيده لقد دخلوا في دين الله أفواجا، وإنه ليخرجون منه أفواجا. قال محمد بن رشد: إنما قال ذلك أبو هريرة حين توفي رسول الله

стр. 8905

- ﷺ وارتد من ارتد من العرب فأقسم على ما رأى حقيقته، وبالله التوفيق. [ما جاء أنه من أشراط الساعة] فيما جاء أنه من أشراط الساعة قال مالك: وقد كان يقال من أشراط الساعة تقارب الأسواق، وقال ذلك في قلة الأرباح. قال محمد بن رشد: ما يروى أنه من أشراط الساعة المؤذنة بقربها كثير أكثر من أن يحصى. وقد ظهرت كلها أو أكثرها، والنبي- ﷺ من أشراط الساعة لأنه آخر الأنبياء. وأما الأشراط الكبار التي بين يدي الساعة فهي خمسة: الدابة، والدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وبالله التوفيق. [كراهة الذم والمدح في البيع والشراء] في كراهة الذم والمدح في البيع والشراء قال مالك وكان ابن مسعود يقول: عجبا لتاجر كيف يسلم، إن باع أطرى وإن اشترى ذم. قال محمد بن رشد: يريد كيف يسلم من مواقعة الإثم بالمدح مخافة أن يكون بذلك غاشا بالمدح أو الذم. وقد قال رسول الله- ﷺ : «من غشنا فليس منا» أي ليس على مثل هدينا وطريقتنا، وبالله التوفيق.

стр. 8906

[الاقتصاد في الملبس] في الاقتصاد في الملبس قال مالك: قالت ابنة العوام أخت الزبير لزوجها حكيم بن حزام، وكان كثير المال، ما لك لا تلبس لباس الناس اليوم؟ قال: وما ترين ينقصني، وإزاري قطري، وردائي معافري، وقميصي ملائي، وعمامتي حرمانية. قال محمد بن رشد: الشهرتان في اللباس مذمومتان، والاقتصاد فيها هو المختار. روى شعبة عن أبي إسحاق «عن أبي الأحوص عن أبيه أنه أتى النبي- ﷺ وهو قشف الهيئة، فقال له رسول الله- ﷺ : هل لك مال؟ قال نعم، قال من أي المال؟ قال من كل من الإبل والخيل والرقيق، قال فكل ما آتاك الله من مال فلير عليك» . وقال عمر: إني لا أحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب. والقارئ هو العابد الزاهد، لأن القراء عندهم هم. ومن هذا كان يقال للخوارج قبل خروجهم القراء لما كانوا عليه من العبادة والاجتهاد. ففي قول عمر هذا ما يدل على أن الزهد في الدنيا والعبادة ليس بلباس الخشن الوسخ من الثياب، وقد قال- ﵁: - إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم. «وقال رسول الله- ﷺ في الذي نزع البردين

стр. 8907

الخلقين ولبس الجديدين: ما له- ضرب الله عنقه- أليس هذا خيرا له» وبالله التوفيق. في إباية حكيم أخذ العطاء من عمر بن الخطاب ﵁ قال مالك: وكان عمر بن الخطاب ﵁ يدعو حكيم بن حزام إلى عطائه فيأبى أن يأخذه ويقول: قد تركته على خير منك. قال مالك: وسمعت «أن حكيما سأل رسول الله- ﷺ [شيئا] فقال: إن خيرا لك ألا تأخذ من أحد شيئا، قال: ولا منك؟ قال: ولا مني، قال: فلا آخذ من أحد شيئا أبدا» فتركه لذلك. قال محمد بن رشد: لم يكن ترك الأخذ من النبي- ﷺ خيرا من الأخذ منه من أجل أن في الأخذ منه كراهة، وإنما كان ذلك خيرا له من أجل أنه إذا تركه فقد آثر به غيره ممن يعطاه. وقد مضى الكلام على هذا المعنى في موضعين من رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

стр. 8908

[كراهة المحدثات من الأمور] في كراهة المحدثات من الأمور قال مالك وكان عبد الله بن مسعود يقول: خير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها. قال محمد بن رشد: هذا بين، لأن المحدثات بدع، والبدع ضلال، وبالله التوفيق. [ترك أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الحديث] في ترك أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الحديث قال مالك: قال لي عبد الله بن أبي بكر: ما مات أبي حتى ترك الحديث. قال محمد بن رشد: [يريد] أنه تركه، والله أعلم، لما أسن فخشي أن يكون حفظه قد ضعف لما يلحق مع الكبر من كثرة النسيان. وقد روي أن ابن هرمز ترك الفتوى فقيل له في ذلك فقال: إني أجد في جسمي ضعفا والقلب بضعة من الجسم، وأنا أخشى أن يكون قد ضعف فهمي كما ضعف جسمي، وبالله التوفيق. [الستة الملعونين من هم] في الستة الملعونين قال أشهب بن عبد العزيز: حدثني ابن أبي الموالي أن رسول الله ﷺ قال: «ستة لعنهم الله وكل نبيء مجاب:

стр. 8909

الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمحل ما حرم الله والتارك لسنتي، والمتسلط في الأرض بالجبروت يذل بغير الحق من أعز الله ويعز من أذل الله، والمستأثر بالفيء المستحل له» . قال محمد بن رشد: اللعن الخزي والطرد والإبعاد من الرحمة، ومن لعنه الله فقد استوجب النار ببعده من الرحمة، وبالله التوفيق. [ما جاء من الدنيا خضرة حلوة] فيما جاء من الدنيا خضرة حلوة قال مالك: قال رسول الله- ﷺ : «الدنيا خضرة حلوة من أخذها بحقها بورك له فيها. ورب متحول في مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار. ومن أخذها بغير حقها كان كالآكل لا يشبع» . قال محمد بن رشد: قوله الدنيا خضرة حلوة معناه صورة الدنيا وما خلق الله فيها من الشهوات التي أعلم أنه زين حبها للناس بقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ، الآية، حسنة موفقة. وقوله من أخذها بحقها معناه من اكتسب المال فيها من وجهه بورك له فيه. وقوله ومن أخذها بغير حقها معناه من خلط في اكتساب المال فيها ولم يتوق في ذلك. وقوله كان كالآكل لا يشبع معناه أن من هذه صفته يرغب ولا يقنع. وجاء في صحيح

стр. 8910

البخاري «أن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله- ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع» . فنقول بمجموع الحديثين إن من جمع المال من وجهه وأخذه من الإمام بسخاوة نفس بورك له فيه، وإن من خلط في جمع المال ولم يتوق فيه وأخذه من الإمام بطلب له واستشراف إليه ورغبة فيه وحرص عليه لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، أي يرغب ولا يقنع. وفي معناه ضرب رسول الله- ﷺ المثل للذي سأله أيأتي الخير بالشر؟ فقال: «إن الخير لا يأتي بالشر» ، وإنه كلما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت. يقول إن جمع المال بالحرص عليه والرغبة فيه قد يهلك صاحبه إن لم يؤد حق الله فيه ويعطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل، فشبه- ﷺ الأبوال والأرواث التي تشفي آكلة الخضر من الحبط والسقم بالصدقات التي تكفر عن صاحب المال الإثم وترفع عنه الحرج. وأما المتخوض في مال الله ورسوله الذي له النار فهو الذي يجمع المال من غير حله ولا وجهه ويمسكه ولا يتصدق به ولا يتوخى من شيء منه، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له. [ما جاء عن عمر بن الخطاب في التجارة] ٤ -

стр. 8911

ما جاء عن عمر بن الخطاب في التجارة قال مالك: قال عمر بن الخطاب: عليكم بالتجارة لا تفتننكم هذه الحمراء على دنياكم. قال أشهب: كانت قريش تتجر، وكانت العرب تحقر التجارة، والحمراء يعني الموالي. قال محمد بن رشد: أباح الله ﵎ التجارة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] يريد التجارة في مواسم الحج. فالتجارة مباحة للرجل إذا استغنى عنها ولم يحتج إليها، ومستحبة كما قال عمر بن الخطاب إذا احتاج إليها للنفقة على نفسه أو على من يجب عليه الإنفاق عليه. أو لخير ينوي أن يفعله مما يعود عليه منها، وبالله التوفيق. [ما هو قلب الشيخ شاب فيه] فيما هو قلب الشيخ شاب فيه قال أشهب: وحدثنا مالك عن ربيعة عن شيخ من أهل الطائف أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «قلب الشيخ شاب في حب اثنين حب الحياة وحب المال» .

стр. 8912

قال محمد بن رشد: يريد في الغالب، وإن وجد شيخ لا يحب الحياة ولا يرغب في المال فنادر، وبالله التوفيق. [تفسير قول الله تعالى فأتوا حرثكم أنى شئتم] في تفسير قول الله تعالى ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قال مالك: وأخبرني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن اليهود قالوا إن الرجل إذا أتى امرأته مدبرة جاء ولده أحول، فأنزل الله ﵎: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] . قال محمد بن رشد: قد مضى هذا قبل هذا في رسم التسليف في الحيوان والطعام من سماع ابن القاسم والكلام عليه فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق لا شريك له. فيما ذكر من قراءة ابن مسعود قال مالك: أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] ، فجعل الرجل يقول طعام اليتيم، فقال ابن مسعود: طعام الفاجر. قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن مسعود هذا أنه لما لم يحسن القارئ أن يقول طعام الأثيم قال له طعام الفاجر على جهة التفسير. وهذا يدل

стр. 8913

على ما قيل من أن القراءة التي تنسب إلى ابن مسعود إنها قراءة كان يقرئها على وجه التفسير لأصحابه لا على أنها قرآن. وقد قيل إنها قراءة لم تثبت، إذ إنما نقلت نقل آحاد، ونقل الآحاد غير مقطوع به، والقرآن إنما يؤخذ بالنقل المقطوع به، وهو النقل الذي ينقله الكافة عن الكافة، فما لم يقطع عليه أنه قرآن لمخالفته مصحف عثمان المجتمع عليه لا تباح قراءته على أنه قرآن، إذ حكمه حكم ما يروى عن النبي- ﷺ من الأحاديث والأخبار، فلا تجوز الصلاة به. وكذلك قال في المدونة: إن من صلى خلف من يقرأ بقراءة ابن مسعود أعاد في الوقت وبعده، وإن علم وهو في الصلاة قطع وخرج. فيجب على الإمام أن يمنع منه ويضرب عليه ولا يبيح قراءة سوى ما ثبت بين اللوحين في مصحف عثمان، على ما وقع في أول سماع عيسى من كتاب السلطان، وبالله التوفيق. [الأعمال لا تصح إلا بالنيات] في أن الأعمال لا تصح إلا بالنيات قال مالك: أخبرني يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن الحارث التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب أن رسول الله- ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . قال محمد بن رشد: قد مضى هذا الحديث والكلام عليه في رسم

стр. 8914

سن من سماع ابن القاسم قبل هذا فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [الهدية للنصراني] ومن كتاب القضاء من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون بن سعيد في الهدية للنصراني قال أشهب: قيل لمالك: أترى بأسا أن يهدي الرجل لجاره النصراني هدية مكافأة؟ فقال ما يعجبني ذلك، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] . قال محمد بن رشد: قوله مكافأة له، يريد مكافأة له على ما لا يجب عليه أن يكافئه عليه مما يلزمه أن يعتمده معه في مجاورته إياه، لا مكافأة له على هدية أهداها إليه، إذ لا ينبغي له أن يقبل منه هدية، لأن مقصود الهدايا إنما هو التودد بها، لقول النبي- ﷺ «تهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» فإن أخطأ وقبل منه هديته وفاتت عنده فالأحسن أن يثيبه عليها حتى لا يكون له. عليه فضل في معروف صنعه معه، وبالله التوفيق لا شريك له.

стр. 8915

[تفسير قوله تعالى وجعلكم ملوكا] ومن كتاب الأقضية في تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] قال أشهب: وسمعت مالكا يقول: تأويل هذه الآية قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] أي يكون للرجل مسكن يأوي إليه، والمرأة يتزوجها، والخادم تخدمه، فهذا أحد الملوك الذين ذكر الله . قال محمد بن رشد: هذا مروي عن ابن عباس وغيره في تفسير ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] أي أحرارا. وقد مضى ذلك بزيادة بيان فيه في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم. وقال الحسن: وجعلكم ملوكا أي أحرارا، لأنهم كانوا في قوم فرعون بمنزلة أهل الجزية فينا، فأخرجهم من ذلك الذل. وقال الكلبي في قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠] ، كان منهم في حياة موسى اثنان وسبعون نبيا. وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] فيما ظلل عليهم من الغمام وأنزل عليهم من المن والسلوى وأشباه ذلك مما أوتوا، وبالله التوفيق. [القران في التمر] في القران في التمر وسئل عن الذي يقرن التمرتين جميعا في الأكل اثنتين

стр. 8916

[اثنتين، قال:] إن كان هو أطعمهم فنعم، فقيل له هم شركاء، فقال لا أرى ذلك، هو يستأثر عليهم. قيل أفيجزي عنه أن يعلمهم بذلك فيقول إني آكل تمرتين تمرتين، فقال: من الناس من لا يقدر على هذا، وهذا لا يقدر على ذلك. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [الحجامة في الأيام كلها] في الحجامة في الأيام كلها، وكراهة ترك العمل في يوم الجمعة وسئل مالك هل يكره الاطلاء يوم الأربعاء ويوم السبت؟ فقال: لا، والله ما أرى به بأسا أن يطلي ويحتجم ويسافر وينكح يوم الأربعاء والسبت، والأيام كلها لله. وأرى أمرا عظيما أن يكون من الأيام يوم لا يحتجم فيه ولا ينكح فيه ولا يطلى فيه ولا يسافر فيه، فلا بأس بذلك، فليحتجم ولينكح وليطل وليسافر في أي الأيام شاء، وإني لأحتجم في السبت والأربعاء كثيرا. ولقد بلغني أن أصحاب رسول الله- ﷺ كانوا يكرهون ترك العمل يوم الجمعة على نحو تعظيم اليهود السبت والنصارى الأحد، ولقد قال عمر ابن الخطاب لذلك الرجل وكان صالحا: أهذه الساعة؟ قال كنت في السوق. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام في كراهية ترك الحجامة في شيء من الأيام في مواضع من هذا السماع، والقول في كراهية ترك العمل في

стр. 8917

يوم الجمعة في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [النبي ﷺ كان يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي] في أن النبي- ﷺ كان يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي قال مالك: كان النبي- ﷺ يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي، وذلك في كتاب الله ﵎: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: ١٠٥] هذا في كتاب الله كثير. قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه كثير موجود في القرآن وهو أيضا في السنن الثابتة عن النبي- ﷺ كثير أكثر من أن يحصى. من ذلك حديث الموطأ في اللعان إذ «سأل عاصم بن عدي رسول الله- ﷺ [لعويمر عن الرجل يجد مع أمرأته رجلا، فكره رسول الله- ﷺ ] ما سأله عنه فلم يجبه على

стр. 8918

سؤاله، فأعلم بذلك عاصم لعويمر، فأتى عويمر فسأل رسول الله- ﷺ ، فقال له رسول الله- ﷺ قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها. قال سهل بن سعد الساعدي راوي الحديث: فتلا عنا وأنا مع الناس عند رسول الله- ﷺ .» وحديث البخاري في «الرجل الذي أتى رسول الله- ﷺ وهو بالجعرانة فقال له: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت عنه رسول الله- ﷺ فجاءه الوحي، فلما سري عنه قال: أين الذي سأل عن العمرة؟ فأتي برجل فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك» وبالله التوفيق. [طلب العلم والحث عليه] في طلب العلم وسئل عن طلب العلم أفريضة؟ فقال: لا، والله ما كل الناس كان عالما، وإن من الناس من أمره أن لا يطلبه، ثم قال من الغد: قد سئلت أطلب العلم فريضة؟ فقلت: أما على كل الناس فلا. قال محمد بن رشد: سئل أولا عن طلب العلم أفريضة هو؟ فقال: لا والله، يريد أنه ليس بفريضة على جميع الناس كالصلاة والصيام وما أشبه ذلك من العبادات التي هي من فرائض الأعيان. وقوله إن من الناس من أمره أن لا يطلبه، يريد أن من الناس من هو قليل الفهم لا تتأتى له المعاني

стр. 8919

على وجوهها، وإذا سمع الشيء حمله على خلاف معناه، ومن كان بهذه الصفة فالحظ له أن يترك الاشتغال بطلب العلم إلى ما سواه من ذكر الله سبحانه وقراءة القرآن والصلاة، فهو أعظم لأجره. وفي قوله من الغد أما على كل الناس فلا، يدل على أنه فريضة على بعضهم، فهو عنده فريضة على من كان فيه موضع للإمامة. فقد روى عنه ابن وهب أنه كان جالسا معه فحضرت الصلاة فقام إليها، فقال له: ما الذي قمت إليه بأوجب عليك من الذي قمت عنه، وهو على سائر الناس فرض على كفاية. قال الله : ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . ومن للتبعيض، فإذا قام به بعض الناس سقط الفرض عن سائرهم إلا ما لا يسع الإنسان جهله من صفة وضوئه وصلاته وصومه وحجه وزكاته إن كان ممن تجب عليه الزكاة، فإن ذلك واجب عليه لا يسقط عنه الفرض فيه بمعرفة غيره به، وبالله التوفيق. [ربط الخيط في الأصبع للتذكرة] في ربط الخيط في الأصبع للتذكرة، وتعليق الحرزة من الحمرة، وتعليق الكتاب للحمى والاسترقاء وسئل عن الذي يربط في أصبعه الخيط يستذكر به فقال: ما أرى به بأسا. وسئل عن الذي يعلق الحرزة من الحمرة فقال: أرجو أن يكون خفيفا. قيل له: فالذي يكتب له القرآن من الحمى؟ فقال لا بأس به وما سمعت فيه شيئا. وسئل أيرقى الرجل ويسترقي؟ فقال لا بأس بذلك بالكلام الطيب. قيل أيغلق شيئا من هذه الكتب أو يعلقها؟ قال كذلك أيضا إن كان ما لا بأس به فلا بأس بذلك.

стр. 8920

قال محمد بن رشد: أما ربط الخيط في الأصبع لتذكر الحاجة فقوله فيه إن ذلك لا بأس به بين، إذ ليس فيه أكثر من السماجة عند من يبصره ويراه ولا يعلم وجه مقصده فيه ومغزاه. وخفف تعليق الحرزة من الحمرة لأن ذلك إنما هو من ناحية الطب، وقد قال رسول الله- ﷺ : «أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء» . وأما تعليق التمائم بالقرآن وذكر الله فأجازها مالك مرة في المرض وكرهها في الصحة مخافة العين أو لما يتقى من المرض، وأجازها مرة بكل حال في حال الصحة والمرض. ومن أهل العلم من كره التمائم على كل حال، كان فيها ذكر الله أو لم يكن، في حال الصحة وفي حال المرض، لما جاء في الحديث من أن «من تعلق شيئا وكل إليه ومن علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له» . ومنهم من أجازها على كل حال في حال المرض، ومنع منها في حال الصحة لما روي عن عائشة من أنها قالت: ما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة. وقد مضى هذا المعنى في رسم [كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، ومضى الكلام عليه مستوعبا في رسم] الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة. وأما الرقى بكتاب الله وذكره فإنه جائز لا كراهة فيه، بل هو مرغب فيه ومندوب إليه ومستحب فعله. ذكر مالك في موطأه عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة «أن رسول الله- ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث. قالت فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها.» «وعن عثمان بن أبي العاص أنه أتى رسول الله

стр. 8921

- ﷺ وبه وجع قد كاد يهلكه، فقال له رسول الله- ﷺ امسحه بيمينك سبع مرات وقل أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد. قال فقلت ذلك فأذهب الله عنى ما كان بي، فلم أزل أمر بها أهلي وغيرهم» . وقد أمر- ﷺ بالاسترقاء من العين «فقال في ابني جعفر بن أبي طالب وقد دخل عليه بهما فرآهما ضارعين، فقالت له حاضنتهما إنه تسرع إليهما العين، فقال رسول الله- ﷺ استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين» «ودخل- ﷺ بيت أم سلمة وفي البيت صبي يبكي، فذكروا له أن به العين فقال: ألا تسترقون له من العين» . [التداوي بالبول والخمر] في التداوي بالبول والخمر وسئل عن الذي تكون له القرحة أيغسلها بالبول والخمر؟ فقال: إذا أنقى ذلك بالماء بعد فنعم له ذلك، وإني لأكره الخمر في كل شيء الدواء وغيره، يعمد إلى ما حرم الله في كتابه وذكر نجاسته يتداوى به. ولقد بلغني أن هذه الأشياء أشياء يدخلها من يريد الطعن في الدين والغض عليه. فقيل له: فالبول عندك أخف؟ فقال نعم. فقيل له: أفرأيت الذي يشرب بول الإنسان يتداوى به؟ فقال ما أرى ذلك ولكن لا بأس ببول البقر والغنم والإبل أن يشرب. فقلت له: كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله؟ فقال لي أنت قلت هذا من عندك ولم أقلها لك، ولكن أبوال الأنعام التي ذكر الله، الثمانية الأزواج

стр. 8922

الذي ذكر الله ﵎ في كتابه وجعل يتقرب إليه بها. قال محمد بن رشد: إنما رأى غسل الجرح بالبول أخف من غسله بالخمر، لأن الله ﵎ قال في الخمر إنها رجس وأمر باجتنابها حيث يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] فاقتضى ظاهر الأمر باجتنابها بحمله على مقتضاه من العموم الشرب وغيره؛ والبول لم يأت فيه ذلك إلا أنه نجس بالإجماع، فحرم التداوي بشربه وجاز الانتفاع به في غسل الجرح وشبهه، قياسا على ما أجازته السنة من الانتفاع بجلد الميتة النجس. وفرق في هذه الرواية بين أبوال الأنعام وأبوال ما يؤكل لحمه من سائر الحيوان، فقال ابن لبابة: معنى ذلك في التداوي بشربها لا في طهارتها، وهو تأويل محتمل، والقياس إذا استوت عنده في الطهارة أن تستوي في إجازة التداوي بشربها، وإذا افترقت عنده في إجازة التداوي بشربها أن تفترق عنده في الطهارة، فالتفرقة بين أبوال الأنعام وأبوال ما يؤكل لحمه من غيرها في الطهارة وفي جواز التداوي بشربها مع استوائها في الطهارة استحسان. ووجه التفرقة بينهما في الطهارة هو أن الأصل كان في جميع الأبوال أن تكون نجسة قياسا على أبوال بني آدم، فخصص من ذلك أبوال اللقاح بالسنة، وأبوال سائر الأنعام بالقياس على ما خصصته السنة، وبقي أبوال سائر الحيوان على الأصل في النجاسة. ووجه التفرقة بينهما في التداوي بشربها مع استوائهما في الطهارة مراعاة قول المخالف في أنها كلها نجسة، فلا يشرب منها في الدواء إلا ما أجازته السنة، وهي أبوال الأنعام. وقد مضى في الرسم الأول من سماع أشهب زيادة في معنى هذا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

стр. 8923

[السيد ليس من أسماء الله ] في أن السيد ليس من أسماء الله وسئل هل كان أحد بالمدينة يكره أن يقول العبد لسيده يا سيدي؟ فقال لا، ولم يكره ذلك، وقال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] وقال ﵎: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] فلم يكره ذلك. قيل يقولون إن السيد هو الله، قال فأين في كتاب الله أن الله هو السيد؟ هو الرب، قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] قيل: أفتكره أن يدعو الرجل فيقول يا سيدي؟ فقال: غير ذلك أحب إلي أن يدعو بما في القرآن وما دعت به الأنبياء. قيل: ذلك أحب إليك من أن يقول يا سيدي؟ فقال نعم، لا أحب أن يقول يا سيدي، وغير ذلك أحب إلي. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا قبل هذا في رسم البز من سماع ابن القاسم وفي كتاب الصلاة من رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب منه فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [الإخوة اثنان فصاعدا] في أن الإخوة اثنان فصاعدا قال مالك: مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدا. قال محمد بن رشد: يريد بقوله مضت السنة، أي مضت الطريقة

стр. 8924

التي درج الناس عليها في قوله : ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] ، أن الإخوة اثنان فصاعدا، فهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس. وهذا قول جماعة الفقهاء إلا ابن عباس فإنه كان لا يحجب بأخوين، وحجته أن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] . وقول جميع أهل اللغة أن الأخوين جماعة كما أن الإخوة جماعة، لأنك إذا جمعت واحدا إلى واحد فهما جماعة يقال لهما إخوة. وحكى سيبويه أن العرب تقول قد وضعا رحالهما تريد رحلي راحلتهما. وكتاب الله أولى ما احتج به في ذلك، قال : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، ولم يقل قلباكما؟ وقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] . ولم يقل ما تعبدان. فإن ترك المتوفى أبوين وأخوين فللأم السدس، وما بقي للأب، إذ لا يرث الإخوة معه شيئا لأنه أحق بالتعصيب منهم. ولا اختلاف في هذا إلا ما يروى عن ابن عباس أنه كان يعطي الإخوة هنا السدس الذي منعوا الأم أن تأخذه، وهو شاذ خلاف ما أجمع عليه الفقهاء من أن الإخوة لا يرثون مع الأب، وبالله التوفيق. [كراهة الصوف الغليظ] في كراهة الصوف الغليظ قال وقال مالك في لباس هذا الصوف الغليظ: لا خير في الشهرة، ولو كان المرء يلبس ذلك مرة ويطرحه أخرى إذا رجوت ألا يكون به بأس، فأما أن يعاهد عليه حتى يعرف ويشهر فإني أكرهه ولا

стр. 8925

أحبه. ومن ثياب القطن ما هو أخشن في اللباس وأبعد في الشهرة ومن رخص الثمن في مثل نصف ثمن هذا الصوف، فلا أحب ذلك ولا أستحسنه. وقد روي «أن رسول الله- ﷺ رأى على رجل أطمارا فقال له: هل لك من مال؟ فقال نعم قد آتاني الله من أنواع المال كله، فقال له رسول الله- ﷺ : فلير عليك مالك» . قال مالك: وسمعت «أن رجلا قال لرسول الله- ﷺ : إني أحب أن يحسن ثوبي ويحسن صوتي ونحو ذلك أفذلك من الكبر يا رسول الله؟ فقال لا، ولكن الكبر من سفه الحق وغمط الناس» . قال محمد بن رشد: الشهرة في اللباس مذموم مكروه، والاقتصاد في ذلك هو المختار والمستحب، لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقد مضى الكلام على هذا المعنى قرب آخر الرسم الأول من هذا السماع، وبالله التوفيق. [السفر في طلب العلم] في السفر في طلب العلم قال مالك حدثني رجل أن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأسير الليالي في طلب الحديث الواحد. قال محمد بن رشد: هذا من اجتهاده في طلب العلم وفضله، وبذلك ساد أهل عصره، وكان يسمى سيد التابعين. وقد مضى هذا والقول

стр. 8926

فيه في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [الاطلاء في العشر] في الاطلاء في العشر قال مالك عن عمارة بن صياد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا بالاطلاء في العشر. قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وجمهور العلماء، وكرهه جماعة من أهل العلم لما روي عن النبي- ﷺ من أنه قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة فأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي» . وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم الرطب باليابس من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [فيما هو من شأن ابن آدم] قال مالك: من شأن ابن آدم ألا يعلم كل شيء، ومن شأنه أن يعلم ثم ينسى، ومن شأنه أن يعلم ثم يزيده الله علما. قال محمد بن رشد: هذا كله بين لا يخفى. قال الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] وقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧]

стр. 8927

وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] . وقال رسول الله ﷺ : «إني لأنسى أو أنسى لأسن» وقال- ﷺ : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها الحديث» وقال : ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ، وبالله التوفيق لا شريك له. [شكوى الرجل همه إلى الله] في شكوى الرجل همه إلى الله قال مالك قال ذلك الرجل [يدعو] وهو في بيته يصلي: اللهم إني أشكو إليك ما أفقد من عقلي. قال مالك وقد قال الله : ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] . قال محمد بن رشد: الرجل المشار إليه، والله أعلم، هو الربيع بن خثيم. ومعنى قوله اللهم إني أشكو إليك ما أفقد من عقلي: اللهم إني أشكو إليك ما أغلب عليه من أمري فأقصر فيما يلزمني من طاعة ربي، ومن الفكرة فيما أمر به من الاعتبار بمخلوقاته والاستدلال بها على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله. من ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]

стр. 8928

، وقوله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] الآية وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] الآيات إلى قوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] وقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] ومثل هذا كثير في القرآن أكثر من أن يحصى. ومعنى الشكوى إلى الله الرغبة إليه في التجاوز والعفو وكشف البلوى والضر. وقول مالك في تفسير قوله وقد قال الله : ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] يدل على صحة تأويلنا عليه في المعنى الذي يشتكي به إلى الله، لأن المعنى فيه يجعل لكم فصلا بين الحق والباطل حتى تعرفوا ذلك بقلوبكم وتهتدوا إليه، لأن الفرقان في كلام العرب مصدر من قولهم فرقت بين الشيء والشيء أفرق فرقا وفرقانا، وبالله التوفيق. [رواية المغازي] في رواية المغازي وسئل عن من روى مغازي النبي- ﷺ وأشعارها، هل ترى بذلك بأسا؟ قال لا أرى به بأسا، وأتقي أن يروى باطلا، فإن الناس قد أكثروا. قال محمد بن رشد: قد أنكر في أول رسم من سماع ابن القاسم كتاب المغازي وقال: ما أدركت الناس، يريد أهل الفقه، يكتبونها، قال ولا أرى أن تكتب ولا أحب أن أكتبها ولا أبتدع [في] ذلك. وإنما كره

стр. 8929

كتابها مخافة مواقعة الكذب فيها، إذ ليس في سياقها بطولها فائدة فقه من تحليل أو تحريم يعتد الناس بحفظه والتفقه فيه، كالأحاديث المروية عن النبي- ﷺ في الأحكام، وبالله التوفيق لا شريك له. [خصاء البهائم] في خصاء البهائم وسئل مالك عن خصاء البهائم الغنم والبقر فقال: ليس بحضائها بأس لطيب اللحم. قال ابن القاسم: أجاز ذلك ولم يره من المثلة المنهي عنها، لما في ذلك من صلاح اللحم. وقد تقدم ذلك في هذا السماع، وبالله التوفيق. [اللعب بالشطرنج] في اللعب بالشطرنج وسئل عن اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه وليس بشيء، وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب والسن عن الباطل. وقد قال عمر بن الخطاب لأسلم في شيء: أما آن أن تنهاك لحيتك هذه؟ قال أسلم فمكثت زمانا طويلا وأنا أظن أن ستنهاني؟ فقلت له: لما كان عمر بن الخطاب لا يزال يقول فيكون، فقال لي نعم في رأيي. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

стр. 8930

[صفة أرباب العلم] ومن كتاب الأقضية في صفة أرباب العلم وسئل عن قول كعب لابن سلام في العلم: ما نفاه من صدرهم بعد أن علموه؟ فقال الطمع، فقال ما ذاك النفي وهو في قلوبهم وهم يعلمونه؟ فقال هم يعلمونه ولكن نفيه من صدوهم بسلوكهم غير سبيله وتركهم العمل به، وهو مما كان يستعاذ منه، - لقول النبي- ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» . قال محمد بن رشد: قد مضى بيان هذا والقول فيه في الرسم الأول من هذا السماع وفي رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [الانتعال قائما] في الانتعال قائما وسئل مالك هل ترى بأسا أن ينتعل الرجل قياما؟ فقال لا. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا وما جاء فيه في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم. وإنما لم ير مالك به بأسا لأنه إنما يخاف على فاعل ذلك السقوط لقيامه على الرجل الواحدة ما دام ينتعل الثانية، لأن النهي إنما جاء فيه لهذا المعنى، والله أعلم. فإذا أمن الرجل من ذلك جاز له أن يفعله، وبالله التوفيق.
следующие страницы →