Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.
стр. 8961
[الاستيناس ما هو]
ومن كتاب أوله باع شاة
وسألته عن الاستيناس ما هو؟ فقال: التسليم. قلت: فالرجل يؤذن له في مثل دار فيدخل في الدار بإذن، فإذا جاء إلى باب البيت أترى أن يستأذن؟ قال: ليس ذلك عليه إذا أُذن له مرة، وقال الاستيذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع. قلت: ما هذا؟ قال: تسلم ثلاث مرات فإن أذن لك وإلا فانصرف.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية إن الاستيناس هو السلام بعيد، لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] فلو كان الاستيناس هو التسليم لكان معنى الكلام حتى تسلموا وتسلموا، وذلك لا يصح. وقد روى ابن وهب عن مالك أن الاستيناس هو الاستئذان، وهو الصحيح الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، أن معنى حتى تستأنسوا حتى تستأذنوا، وقالوا إنما تستأنسوا وهم من الكاتب على ما جاء عن ابن عباس من أنه قال: إنما هو حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها، وغلط الكاتب. واستدلوا على ذلك بقراءة أبي بن كعب وابن عباس والأعمش (حتى تستأذنوا) . وقال جماعة منهم أيضا إن المعنى حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح [والتنخم] وما أشبه ذلك حتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم. وقال أبو جعفر الطبري: الذي أراه، والله أعلم، أن الاستيناس استفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم مختبرا بذلك من فيه وهل فيه أحد، وليؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم. وقد
стр. 8962
حكي عن العرب سماعا: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا في الدار. وقال الفراء والكسائي: في الكلام تقديم وتأخير، معناه حتى تسلموا وتستأذنوا، وهو أن يقول السلام عليكم أدخل؟ وقال حتى تستأنسوا أي تستأذنوا وتعلموا من في الدار هل هو ممن يجوز أن يدخل عليه أم لا، من قول العرب اذهب فاستأنس هل ترى من أحد.
قال محمد بن رشد: وإنما قال الفراء والكسائي إن في الكلام تقديما وتأخيرا لما روي عن ابن عباس من أنه كان يقرؤها كما كان أبي ابن كعب وابن مسعود يقرآنها: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وليس تقديم السلام على الاستئذان على ما جاء في هذه القراءة بالذي توجبه البداية بالتسليم قبل الاستئذان كما قالا من أنه يقول السلام عليكم أدخل؟ لأن الواو لا توجب الرتبة، وإذا لم توجب رتبة فالبداية بما بدأ الله به من السلام أو الاستئذان إنما هو استحسان، لقول رسول الله- ﷺ في الحج: «نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا» . وقد اختلفت الروايات في صفة استئذان أبي موسى الأشعري على عمر بن الخطاب، فروي أنه قال: السلام عليكم أأدخل، السلام عليكم أأدخل، السلام عليكم أأدخل؟ وروي أنه قال: يستأذن أبو موسى، يستأذن أبو موسى، يستأذن عبد الله بن قيس. وإذا كان قد قرئ حتى تستأذنوا وتسلموا، وحتى تسلموا وتستأذنوا، وكان الثابت بين اللوحين الذي يقطع أنه قرآن ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور: ٢٧] وكان معنى حتى تستأنسوا حتى تستأذنوا على ما روى ابن وهب عن مالك وقال إنه قول أكثر أهل التفسير، كان الصواب أن يقدم الاستئذان، فإن أذن له في الدخول سلم على من في البيت ودخل، لأنه قبل أن يؤذن له لا يدري على من يسلم، وقد لا يكون في البيت أحد يسلم عليه، لا كما قال في الرواية من أن معنى ما جاء في الحديث من أن الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع، هو أن يسلم
стр. 8963
ثلاث مرات فإن أذن لك وإلا انصرفت. وقد روي عن ابن عباس «أن عمر قال: أتيت رسول الله- ﷺ وهو في مشربة له فقلت السلام عليك يا رسول الله أيدخل عمر؟» . وروي أن رسول الله- ﷺ قال: «لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام» . ففي هذا الحديث البداية بالسلام قبل الاستئذان، فيحمل على أن المعنى فيه إذا وقف على باب البيت فعلم من فيه ممن يصلح له الدخول عليه. وأما إذا وقف على الباب فلم يعلم من في البيت ولا هل فيه من يصلح له الدخول عليه أم لا، ولا هل فيه أحد أم لا، فالبداية بالاستيناس، وهو الاستئذان، على ما روى ابن وهب عن مالك أظهر وأولى على ما ذكرناه، وبالله التوفيق. لا شريك له.
[بشر بن سعيد وبعض فضائله]
من سماع من كتاب أوله نقدها نقدها وسمعته يقول كان بشر بن سعيد رأس العُبَّاد، كما كان سعيد بن المسيب رأس الفقهاء. قال وكذلك كنت أسمع.
قال محمد بن رشد: قد مضى ذكر فقهاء المدينة وعبادهم في أول رسم أوصى فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
[تسري عَبِيد عبد الله بن عمر في أموالهم]
في تسري عَبِيد عبد الله بن عمر في أموالهم
قال ابن القاسم: حدثني عبد الله بن عمر عن نافع قال: كان عَبِيدُ عَبدِ الله بن عمر يتسرون من أموالهم ولا يستأذنونه. قال وسألنا مالكا عن ذلك فقال مثله.
стр. 8964
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب النكاح الأول من المدونة. ومعنى ذلك أنه كان قد أذن لهم في التجارة، لأن العبد المحجور عليه لا يجوز له بيع ولا شراء إلا بإذن سيده. وفي هذا دليل على أن العبد يملك، على ما قاله مالك وذهب إليه، خلاف ما ذهب إليه من خالفه في ذلك من فقهاء الأمصار، إذ لو لم يملك وكان ماله لسيده لما حل له أن يتسرى فيه، إذ لم يبح الله الوطء إلا بنكاح أو ملك يمين فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] وبالله التوفيق.
[وصية القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز]
في وصية القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز وما قاله له فيما عرض عليه
وسمعته يذكر عن مالك قال: التقى عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد في حج أو عمرة، فقال له أوصني، فقال له القاسم: عليك بالصبر في مواضع الصبر، فقال له عمر بن عبد العزيز: إن معنا فضلا من أزواد وأمتعة، أفلا نأمر لك بها؟ فقال له القاسم: إني امرؤ لا أرزأ أحدا شيئا.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول عليه في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادة القول فيه، وبالله التوفيق.
[كراهة الأخذ بالرخص]
في كراهة الأخذ بالرخص وسمعته يحدث عن بعض الحكماء أنه قال: لو كانت لي
стр. 8965
نفسان أخذت بالرخص فقدمت إحداهما، فإن كان الأمر على ذلك وإلا رجعت على نفسي الأخرى فاستعنيت، إنما هي نفس واحدة.
قال محمد بن رشد: ليس معنى هذا في الرخص التي رخص الله فيها لعباده في كتابه أو على لسان رسوله- ﷺ من التعجيل في يومين من قوله : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ، أو من الفطر في رمضان في السفر وما أشبه ذلك، إذ لا اختلاف في أن الأخذ بالرخص في مثل هذا جائز، بل قد قيل إن ذلك أفضل لما جاء من أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى شدائده.
وإنما معناه فيما اختلف العلماء فيه فأجازته طائفة منهم وحظرته أخرى، فهو إن أخذ بقول المحظرين لذلك الشيء فلم يستبحه سلم، وإن أخذ بقول من أجازه فاستباحه لم يأمن من مواقعة الخطأ والوقوع في المأثم. فلو كان له نفسان كما قال لم يبال من إثم الواحدة إذا سلمت له الثانية من الإثم. وأما وليس له إلا نفس واحدة فمن الحظ له الاحتياط لها، وبالله التوفيق.
[الاجتهاد في العبادة]
في الاجتهاد في العبادة وسمعته يحدث عن سليمان بن القاسم قال: يقولون لي: لو رفقت بنفسك، والله لأنا بما أنا فيه ألذ من أهل افتضاض العذارى لعذاراهم. وسمعته يحدث عن محمد بن يحيى الإسكندراني عن رجل كان يصلي في البحر ويتعلق بالحبل، وأنه غلبته عيناه فنام، فلما استيقظ قال لرجل: ما منعك أن توقظني؟
стр. 8966
قال رحمتك، قال لو رحمتني لأيقظتني.
قال محمد بن رشد: أما قول سليمان بن القاسم ما قاله مما أخبر به عن نفسه فالمعنى فيه أنه قاله تنشيطا لغيره لا قاصدا إلى الإخبار بذلك عن نفسه، لأن ذلك مما يكره للرجل أن يخبر به عن نفسه. وأما ما كان يفعله الرجل من صلاته في البحر وتعلقه بالحبل فهو مكروه من الفعل لما يخشى على صاحبه من الانقطاع، وقد «قال رسول الله- ﷺ في المرأة التي سمعها تصلي وقيل له: إنها لا تنام الليل، فكره ذلك حتى عرفت الكراهية في وجهه، ثم قال: إن الله لا يمل حتى تملوا اكلفوا من العمل ما لكم به طاقة» وقال: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . وكان أحب العمل إليه الذي يدوم عليه صاحبه، وبالله التوفيق.
[ما يروى من فضل عمر بن عبد العزيز وشدة خشيته لله]
فيما يروى من فضل عمر بن عبد العزيز
وشدة خشيته لله وسمعته يحدث عن مالك أن عمر بن عبد العزيز كان رجلا عيشه هذه القطاني، وأنه أكل يوما عدسا وشرب عليه ماء ثم استلقى فضرب على بطنه فقال: بطين بطيء عن أمر الله يتمنى على الله منازل الأبرار، شك ابن القاسم في ضرب بطنه عن مالك.
قال محمد بن رشد: في هذا بيان ما كان عليه عمر بن عبد العزيز
стр. 8967
من الخوف لله مخافة التقصير في أمره، مع الرجاء فيما عنده من أن يحله محل الأبرار. وهذا هو الواجب أن يكون الرجاء والخوف في قلب الرجل سيين، فلا يأمن من عذابه ولا يقنط من رحمته، وبالله التوفيق.
[تحسين بناء المساجد]
في تحسين بناء المساجد وذكر من أقام قبلة مسجد الفسطاط ومسجد الرسول ﵇
وسمعته يقول: المساجد كلها الوليد بناها، يعني كسرها وبنى هذا البناء. قال: وسمعت أنه أقام قبلة هذا المسجد مسجد الفسطاط الكبير نحو من سبعين رجلا من أصحاب رسول الله- ﷺ ، فأتوا عليه بالتحرم والحبال. وسمعته يحدث عن مالك أن جبريل ﵇ هو الذي أقام لرسول الله- ﷺ قبلة مسجده.
قال محمد بن رشد: قوله كسرها وبنى هذا البناء، يريد أنه هدمها وبناها فحسن بناءها. وتحسين بناء المساجد وتحصينها مما يستجب، وإنما الذي يكره تزويقها بالذهب وشبهه والكتب في قبلتها، لأن ذلك مما يشغل المصلين ويلهيهم عن الصلاة. وقد مضى ذلك في رسم سلعة سماها، ورسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة. ولابن نافع وابن وهب في المبسوطة إجازة تزويق المساجد وتزيينها بالشيء الخفيف ومثل الكتابة في قبلتها، ما لم يكثر ذلك حتى يكون مما نهي عنه من زخرفة المساجد. وقد مضى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب القول في إقامة جبريل للنبي- ﷺ قبلة مسجده فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
стр. 8968
[تفسير قوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا]
ومن كتاب العرية قال سفيان في هذه الآية: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] يقول: قولوا أسلمنا مخافة السباء والقتل.
قال محمد بن رشد: نفى الله الإيمان بهذه الآية وأوجب لهم الإسلام، فدل ذلك دليلا ظاهرا على أن الإيمان غير الإسلام، لأن الإيمان هو التصديق الحاصل في القلب، والإسلام هو إظهار الإيمان بالنطق بالشهادة والأعمال الظاهرة من الصلاة وغيرها. فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، فالإسلام أعم من الإيمان. وهذا في بلاد الإسلام حيث يجب على المؤمن إظهار إيمانه. وأما في بلاد الكفر حيث لا يمكنه إظهاره فهو مؤمن غير مسلم، إذ لا يمكنه إظهار سلامه. قال الله : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] وقال: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . وقد قيل إن الإيمان والإسلام اسمان واقعان على معنى واحد. واحتج من ذهب إلى هذا القول بقول الله ، وقوله الحق: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] وهذا لا حجة فيه، لأن المؤمنين مسلمون، فسماهم مرة باسم الإيمان ومرة باسم الإسلام. والكلام في هذا يتسع، وقد أشبعنا القول فيه في صدر كتاب المقدمات، وبالله التوفيق.
стр. 8969
[رفع الأصبع ورفع اليدين في الدعاء ومدهما]
في رفع الأصبع، ورفع اليدين في الدعاء ومدهما قال سفيان: الإخلاص رفع الأصبع عند الشهادة، والدعاء رفع بطون الأيدي، والابتهال مد اليدين.
قال محمد بن رشد: [يريد] أن رفع الأصبع عند الشهادة لله بالوحدانية دليل على الإخلاص له بذلك، ورفع بطون الأيدي إلى الله إنما يكون [في الدعاء والرغبة إليه، وأن مد الأيدي يكون] عند الابتهال في ذلك. وهذا كله بين ليس فيه ما يخفى، وبالله التوفيق.
[يحلف على امرأته في ثوب اشتراه ألا تدرعه]
في الذي يحلف على امرأته في ثوب اشتراه ألا تدرعه قال ابن القاسم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن عمر بن الخطاب أن رجلا اشترى لامرأته ثوبا فأتى به فسخطته فقال لها: أنت طالق إن تدرعته، فرجع به فرده، فدست المرأة خادمها فاشترته فأخذته فتدرعته. فلما جاء زوجها ليدخل قالت له [إليك] قد حرمت عليك، هذا الثوب قد تدرعته. فأتى عمر بن الخطاب فقال: قد حرمت عليك. وقال مالك بن أنس: إن كان نوى أن لا تدرعه من قبله فلا شيء عليه، وإلا فهو حانث.
قال محمد بن رشد: قول عمر بن الخطاب قد حرصت عليك، يريد
стр. 8970
قد حنثت فيما قد حلفت به من الطلاق، لأنها طلقة رجعية فلا تحرم عليه، ومن حقه أن يرتجعها. وقول مالك إن كان نوى أن لا تدرعه من قبله فلا شيء عليه وإلا فهو حانث، ليس بخلاف لقول عمر بن الخطاب، إذ لا اختلاف في أن الحالف إذا نوى أن لا تدرعه من ماله فلا حنث عليه إذا تدرعته من مالها. وإنما يختلف إذا لم تكن له نية. فوافق مالك في هذه الرواية عمر بن الخطاب ﵁ على أنه حانث ولم ينظر إلى بساط يمينه. ويأتي في هذه المسألة على القول بمراعاة البساط في اليمين إذا لم تكن للحالف نية أن لا حنث عليه. وقد اختلف في هذا قول مالك على ما هو منصوص عنه في غير ما مسألة من كتاب الأيمان بالطلاق من العتبية وغيره، وبالله التوفيق.
[رؤية الله يوم القيامة]
ومن كتاب بع ولا نقصان عليك في رؤية الله يوم القيامة قال ابن القاسم قال أبو السمح لمالك: يا أبا عبد الله، أنرى الله يوم القيامة؟ قال نعم. نجد الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ويقول لقوم ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] . قال وحدثني ابن أبي حازم عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن دون الله يوم القيامة سبعين ألف حجاب، منها حجب من ظلمة ما يفتقها بصر شيء، وحجب من نور ما يستطيع بصرها شيء، وإن منها لحجابا من
стр. 8971
ماء لا يسمع صوت ذلك الماء أحد لا يربط الله على قلبه إلا خلع.
قال محمد بن رشد: الذي عليه أهل السنة والجماعة من الموحدين أن رؤية الله جائزة غير مستحيلة، وأن المؤمنين يرونه في الآخرة بأبصار وجوههم على ما جاء به القرآن وتواترت به عن النبي- ﷺ الآثار، خلاف ما ذهب إليه أهل الزيغ المعتزلة والقدرية والخوارج والجهمية من أن رؤية الله مستحيلة لا تجوز عليه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فمن الدليل الواضح على جواز رؤية الله أن موسى ﵇ قد سأل ذلك ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] على ما أخبر الله به عنه في كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ومن المستحيل أن يسأله ما يعلم أنه لا يجوز في صفته أو أن يجهل هل يجوز ذلك في صفته أم لا، فتكون المعتزلة أعلم بصفات الله تعالى وما يجوز عليه مما لا يجوز منه- ﷺ . ودليل ثان هو قوله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لأنه تمدح بأن الأبصار لا تدركه، فلو كان من المستحيل أن تدركه الأبصار لم يكن له في ذلك مدح، وإنما كان المدح له في ذلك لانفراده بخلق الآفة في الأبصار التي تمنع من إدراكه في الدنيا مع جواز ذلك عليه. وكما هو قادر على خلق الآفة في الأبصار المانعة من رؤيته في الدنيا، فكذلك هو قادر على رفع الآفة من أبصار المؤمنين يوم القيامة حتى يروه على ما نطق به القرآن وتواترت به السنن والآثار. وإذا جازت عليه الرؤية بما ذكرناه وجبت له، إذ لا يقول أحد إنها تجوز عليه ولا تجب
стр. 8972
له، وإنما يقول أهل الزيغ والتعطيل إنها لا تجوز عليه. ومن الدليل على وجوب رؤية المؤمنين له يوم القيامة قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ، وهو نص في النظر إليه حقيقة لا يحتمل المجاز. وقوله في الكفار مهددا لهم: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ، فلو كان هذا أمرا عاما للمؤمنين والكافرين لم يكن فيه تهديد للكافرين. وقوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ، على ما قاله أهل التفسير: إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، لأن الحسنى مستغرق لجميع الإحسان بدخول الألف واللام فيه، فالزيادة على ذلك يجب أن تكون من غير جنس المزيد عليه، ولا شيء يمكن أن يشار إليه في ذلك سوى رؤية الله . ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه الثبت الثقات عن النبي ﷺ ونقلوه عنه نقلا متواترا من رواية أبي بكر الصديق وعائشة ﵄ وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس، وجرير بن عبد الله البجلي، وغيرهم: أن المؤمنين يرون ربهم كما يرون القمر في ليلة القدر لا تضامون في رؤيته، وفي بعض الآثار: لا تضارون في رؤيته. وفي بعض الآثار ليس دونه حجاب. وأجمعت الأمة على أن الكافرين محجوبون عن الله تعالى يوم القيامة. وإنما اختلفوا في المؤمنين، فقال أهل الزيغ إنهم لا يرونه، وقال أهل السنة والجماعة إنهم يرونه على ما بيناه وصححناه، إلى أن نشأ رجل من أهل البصرة يعرف بأبي الحسن بن سالم، وكان من الوعاظ الذين يظهرون النسك ويظنه العوام من أهل العلم، فسألوه عن هذه المسألة فحملته الأنفة وما يعتقده العوام فيه من أنه من أهل العلم على أن أجاب فيها بغير علم، فأخطأ وقال: إن الكافرين يرون ربهم يوم القيامة، وأبى أن يرجع عن بدعته، وتبعه قوم على ذلك حتى قويت شوكتهم وصار قولهم مذهبا يذكر، والله أسأله العصمة برحمته.
стр. 8973
وقول عبد الله بن عمرو بن العاص إن دون الله تعالى يوم القيامة سبعين ألف حجاب منها حجب من ظلمة ما يفتقها بصر شيء إلى آخر قوله، المعنى فيه أن الله تعالى يحجب الكفار عن رؤيته بهذه الحجب وبما يخلقه فيهم من المنع من إدراكها، لا أن الله تعالى يحتجب عنهم بهذه، إذ ليس بمحتجب ولا محجوب عن خلقه بشيء، لأن الحجاب إنما يستر الأجسام المخلوقة التي يحتوي عليها وتكون أكثر منها. ويشهد لهذا الذي قلناه ويؤيده قوله : ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فجعل الكفار هم المحجوبين عن رؤيته بما خلق فيهم من الحجب والمنع منها، ولم يصف نفسه بالاحتجاب ولا بأنه هو المحجوب. وقد روي أن علي بن أبي طالب ﵁ مر بقصاب وهو يقول: لا والذي احتجب بسبعة طباق، فقال له علي: ويحك يا قصاب، إن الله لا يحتجب عن خلقه بشيء، ولكن حجب خلقه عنه، فقال له القصاب: أفلا أكفر عن يميني يا أمير المؤمنين؟ قال لا، لأنك حلفت بغير الله تعالى، وبالله التوفيق.
[ما رئي لمالك من الرؤيا]
فيما رئي لمالك من الرؤيا قال عيسى وسمعت سليمان بن يزيد يحدث أنه قال، سمعت ابن الدراوردي يحدث قال: رأيت في منامي أن النبي- ﷺ كان يعطي مالكا خاتمه، قال فأتيت مالكا فأخبرته بذلك وهو في مجلس ربيعة.
قال محمد بن رشد: تأويل هذا ما كان عليه- ﵀ من اتباع سنته والتمسك بها، وتركه لمخالفة ما صح عنده منها، وبالله التوفيق.
стр. 8974
[السنة لا تعارض برأي]
في أن السنة لا تعارض برأي وحدث عن مالك عن ابن شهاب أنه قال: دعوا السنة تمضي لا تعارضوا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن السنة تمضي ولا تعارض برأي، يريد إذا صحبها العمل. وأما ما كان من السنن التي اتصل العمل بخلافها فيقدم ما اتصل به العمل عليها، لأن اتصال العمل بخلافها دليل على نسخها. وإذا عارض القياس ظاهر السنة تؤولت على ما يوجبه القياس. واختلف إن لم يمكن تأويلها على ما يوجبه القياس على الأصول أيهما يقدم؟ فذهب مالك على ما حكاه ابن القصار إلى تقديم القياس عليها إذا كانت من السنن المروية من طريق الآحاد التي لا يقطع على صحتها، وذهب أبو حنيفة إلى تقديم السنة على القياس، وبالله التوفيق.
[اشتغال الإمام عن الفقه بأمور المسلمين]
في اشتغال الإمام عن الفقه] بأمور المسلمين وحدثني عن الثقة عن المغيرة بن أبي عبد الرحمن المخزومي أنه سمع مالك بن أنس يقول قال عمر بن عبد العزيز: من كان له شغل سوى هذا الشأن فإنه من شغلي الذي كتب الله لي أن ألزم، فعامل منه بما عملت ومقصر عنه عما قصرت، فما كان خيرا أتيته فبعون الله ودلالته، والله أرغب في تزكيته، وما كان سوى ذلك، فإني أستغفر الله لذنبي العظيم.
стр. 8975
قال محمد بن رشد: معنى قول عمر هذا أنه أشقق من الاشتغال بأمور المسلمين عن التفقه، وخشي التقصير فيما اشتغل فيه من ذلك فاستغفر الله منه. ومعنى قوله أستغفر الله لذنبي العظيم، أستغفر الله العظيم لذنبي، لأن الكلام فيه تقديم وتأخير. وقد مضت هذه الحكاية في صدر سماع أشهب، وبالله التوفيق.
[كراهة كثرة الكلام]
في كراهة كثرة الكلام قال وقال مالك: دخل رجل منا، يعني أهل العلم، على رجل من أهل الأدب، يعني الملوك، فلما خرج من عنده قيل له: كيف رأيت فلانا؟ قال: أما لولا أنه يأتي بكلام سنة في ساعة. قال مالك: ليس كثرة الكلام إلا في النساء والخدم. قال ابن القاسم: قعد أعرابي في مجلس ربيعة، فتكلم ربيعة وأكثر، فكأنه وصله بشيء، فقال للأعرابي: ما تعدون البلاغة؟ قال الأعرابي: قلة الكلام. قال: فما تعدون فيه العي؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إن البلاغة والفصاحة إنما هي في قلة الكلام مع إدراك الصواب به واستيفاء المعاني فيه. ومن عي الرجل ألا يقدر على أن يعبر عما في نفسه بكلام وجيز حتى يأتي فيه بكلام طويل يكون فيه ما يستغنى عنه [فقد يخفى الصواب في خلاله على السامع له، فمن العي أن يأتي بكلام كثير فيما يستغنى عنه] باليسير. ومن
стр. 8976
التقصير أيضا ألا يأتي إلا بكلام يسير لا يستفاد منه ما قصد إلى بيانه. وقد حكي أن بعض الأمراء كتب إليه ملك الروم كتابا يرهب فيه عليه، فأغاظه ذلك وأمر كتابه بمراجعته، فكتب كل واحد منهم وأطنب وطول، فلم يستحسن شيئا من ذلك، وكتب إليه: الجواب ما ترى لا ما لا تسمع، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢] ، والسلام على من اتبع الهدى.
ومن معجز كلام الله تعالى في البلاغة قوله: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وكله معجز لا يقدر أحد أن يأتي في معنى منه بكلام يشبهه أو يقرب منه في الفصاحة، وبالله التوفيق.
[تفسير قول الله أو يأخذهم على تخوف]
في تفسير قول الله :
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] قال ابن القاسم: قرأ عمر هذه الآية ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] فقال: ما التخوف؟ ما التخوف؟ ما التخوف؟ فأقام كذلك زمانا فأتاه أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين إن ابني يتخوفني
стр. 8977
مالي، فقال له عمر: وما يتخوفك؟ قال يتنقصني مالي، فكبر عمر ﵁ وحمد الله.
قال محمد بن رشد: قد روي أن عمر ﵁ قال: ما كنت أعرف معنى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] ، حتى سمعت قول الشاعر يصف ناقة وإن السير ينقض سنامها بعد تمكنه واكتنازه:
تخوف السير منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن
ومعنى التنقص في قوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أن يتنقصهم في أموالهم وثمارهم حتى يهلكهم. وقيل إن المعنى أو يأخذهم [على تخوف أي أو يأخذهم] بعد أن يخيفهم، بأن يهلك قرية فتخاف التي تليها. وأن يكون التخوف بمعنى التنقص على ما جاء في الحكاية عن عمر بن الخطاب أظهر من تفسير الآية، لأن الله ذكر فيها أصناف الإهلاك، فمنها أن يهلكهم بانتقاص ثمراتهم وأموالهم، وبالله التوفيق.
[كثرة الحسد في الناس]
في كثرة الحسد في الناس وحدثني عن ابن القاسم عن الثقة أن عمر بن الخطاب قال: ما من أحد عليه من الله نعمة إلا وله عليها حاسد، ولو كان الرجل أقوم من القدح لقال قائل لولا.
стр. 8978
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، وقد مضى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم القول في الحسد وتبيين الجائز منه من المحظور فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[قول القائل لرسول الله ﷺ اعدل]
في القائل لرسول الله ﷺ : اعدل وحدثني ابن القاسم عن مالك «أن رجلا وقف على رسول الله ﷺ فقال له: اعدل يا محمد، فقال له: ومن يعدل ويحك» .
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا الحديث بأكمل مما وقع ها هنا قرب آخر الرسم الأول من سماع أشهب والقول عليه هناك فلا وجه لإعادته. وبالله التوفيق.
[أهل البدع هل يخرجون ببدعهم من الإسلام]
في أهل البدع هل يخرجون ببدعهم من الإسلام؟ وقال ابن داود عن ابن كنانة أنه قال: أهل الأهواء أهل بدع وضلالة، وليس ذلك بالذي يخرجهم عندنا من الإسلام.
قال محمد بن رشد: قول ابن كنانة هو قول أصحاب مالك: أشهب، والمغيرة، وغيرهم، أن أهل البدع والأهواء لا يكفرون بمآل قولهم، ولا يعيد الصلاة من صلى خلفهم على ما وقع من ذلك في رسم يدبر ماله من سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين. ودليل هذا القول قول
стр. 8979
رسول الله- ﷺ وتتمارى في الفوق، فأخبر- ﷺ أنه يشك في خروجهم من الدين، ومن شك في خروجه من الدين فلا يحكم أنه خرج منه إلا بيقين. وقد جاء عن مالك ما يدل على أنه حكم لهم بحكم الكفار بمآل قولهم، وهو تأويله فيهم قول الله : ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] على ما وقع له في أول سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين والمرتدين. وهذا ليس على عمومه في جميع أهل البدع والأهواء، إذ من البدع والأهواء ما لا يكفر معتقده بإجماع، وهو ما لا يؤول بمعتقده إلى الكفر إلا بالتركيب، وهو أن يلزم على قوله ما هو أغلظ منه، وعلى ذلك الأغلظ ما هو أغلظ حتى يؤول به ذلك إلى الكفر، فهذا لا يكفر بإجماع. وهذا مثل الذي يعتقد أن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر وعمر ﵃.
ومنها ما هو معتقده كافر بإجماع، وهو ما كان كفرا صريحا، كالذي يقول إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما كان النبي علي بن أبي طالب ﵁، وما أشبه ذلك.
ومنها ما يختلف في تكفير معتقده بمآل قولهم، وذلك مثل القدرية الذين يقولون إنهم قادرون خالقون لأفعالهم بمشيئتهم وإرادتهم دون مشيئة الله وإرادته، وإن الله لم يرد الكفر ولا العصيان ولا شاءه ولا قدره عليهم ففعلوه بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم [دون مشيئة الله وإرادته] وفي مثل
стр. 8980
المعتزلة الذين ينكرون صفات ذات الباري جل وتعالى من علمه وحياته وكلامه وإرادته إلى ما سوى ذلك من الأشياء التي تسد عليهم طريق المعرفة بالله جل وتعالى، وأشباههم من الروافض والخوارج والمرجئة، لأن هؤلاء ونحوهم هم الذين يختلف في تكفيرهم بمآل قولهم. فيرى من يكفرهم بمآل قولهم على من صلى خلفهم إعادة الصلاة في الوقت وبعده، ويستتيبهم أسروا بدعتهم أو أعلنوها على ما قاله في رسم يدير ماله من سماع عيسى من الكتاب المذكور، فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بالمرتد. ولا يرى من لا يكفرهم بمآل قولهم إعادة الصلاة على من صلى خلفهم ولا استتابتهم، وإنما يفعل بهم كما فعل عمر بن الخطاب من ضربه أبدا حتى يموت. ومنهم من استحب له إعادة الصلاة في الوقت، ومنهم من يفرق بين أن يكون الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة أو غيره من الناس حسب ما مضى القول فيه في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
[أول ما يرفع من أعلام الإسلام]
في أول ما يرفع من أعلام الإسلام وحدثني شيخ من أعلام المدينة أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن يرفع الحديث إلى النبي- ﷺ أنه قال: «أول ما يرفع من أعلام الإسلام كرم الأخلاق والحياء والأمانة» .
قال محمد بن رشد: قوله أول ما يرفع معناه أول ما يذهب من الناس فلا يوجد فيهم، وبالله التوفيق.
стр. 8981
[ما تقع به الحرمة]
فيما تقع به الحرمة وحدثني عن ابن القاسم عن مالك أنه قال: إذا نظر الرجل إلى امرأة مما أحل الله له تلذذا فهي حرام على أبيه وعلى ابنه وعلى كل من تحرم عليه ما مس وإن كان لم يكن نظر إلا إلى وجهها. وقال مالك: ما يحرم بالنكاح فهو محرم بملك اليمين.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم من مذهب مالك أن نظر الرجل تلذذا إلى شيء من محاسن المرأة التي تحل له بنكاح أو شبهة نكاح أو ملك يمين يحرمها على أبيه وعلى ابنه، وتحرم عليه أمها وابنتها. وقال ابن أبي ليلى والشافعي: لا يحرم شيء منهن بالنظر حتى يلمس، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والليث. وقال الثوري: إذا نظر إلى فرجها متعمدا أو لامسها. وقال الحسن لا يحرم إلا بالوطء. واختلف في ذلك عن قتادة، واختلف في ذلك أيضا قول الشافعي: روي عنه أنه لا يحرمها إلا الوطء، وبه قال داود، واختاره المزني من قول الشافعي. ولا اختلاف فيما دون الوطء من الحرام أن الحرمة لا تقع به. وإنما اختلف هل تقع الحرمة بالوطء الحرام من الزنى، اختلف في ذلك قول مالك. قال في الموطأ إنه لا يحرم، وهو قول ابن شهاب وربيعة والليث بن سعد، وإليه ذهب الشافعي، وروي ذلك عن ابن عباس قال في ذلك: لا يحرم الحرام الحلال. وقال في المدونة: إنه يحرم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي؛ واختلف في ذلك عن سعيد بن المسيب. وكان عطاء يفسر قول ابن عباس: لا يحرم الحرام الحلال، أن معناه أن الرجل إذا زنى بالمرأة لا يحرم عليه نكاحها [وقد أجمع فقهاء الأمصار على أن الرجل إذا زنى بالمرأة لا يحرم عليه نكاحها] بعد الاستبراء، فنكاح أمها وابنتها أحرى أن لا يحرم، وبالله التوفيق.
стр. 8982
[التوسع في الإنفاق]
في التوسع في الإنفاق وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﵎ لابن آدم أنفق أنفق عليك» .
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا الحديث والقول فيه في الرسم الأول من سماع أشهب فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[أتي بخبيض فأدخله في فيه ثم طرحه]
ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار
قال ابن القاسم: حدثني سليمان بن القاسم أن عمر بن الخطاب أتي بخبيض فأدخله في فيه ثم طرحه فقال: ما تبقى حسنات امرئ أدخل هذا في جوفه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه لما لاكه فوجد انصياغه وطيبه لم يرد أن يأكله مخافة أن تدعوه نفسه إليه فيصير له أكله عادة، فيصير بذلك من المسرفين المذمومين بظاهر قول الله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] ، فكره أكله لهذا، لا أن أكله حرام، فمن أكله لم يأثم، ومن تركه على الوجه الذي تركه عليه عمر ﵁ أجر. وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في رسم البز من سماع ابن القاسم.
وقوله ما تبقى حسنات من أدخل هذا في جوفه، معناه إن أكله كان من المسرفين في الإنفاق على نفسه، وكان ذلك سببا إلى أن يشح فلا يجود
стр. 8983
بما كان يجود به، فلا تبقى حسناته على المرتبة التي كانت عليه من الكثرة، وبالله التوفيق.
[الخمر يكون من التمر]
في أن الخمر يكون من التمر وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده عن النبي- ﷺ «أن الله حين أنزل تحريم الخمر لم يكن بالمدينة خمر إلا خمر التمر» .
قال محمد بن رشد: في هذا نص على أن الخمر تكون من التمر خلاف ما ذهب إليه بعض أهل العراق من أن الخمر المحرمة لا تكون إلا من عصير العنب، وما سواه من الأنبذة والأشربة النيئة والمطبوخة ليس بخمر، فما دون السكر منها حلال، على ما روي عن ابن عباس أنه قال: حرمت الخمر بعينها والسكر من غيرها. ومنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين إنما هي خمر العنب والتمر خاصة، على ما روي النبي- ﷺ أنه قال: «الخمر من الكرمة والنخلة» . ومنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين إنما هي الخمر التي من عصير العنب، وأن نقيع التمر والزبيب المخمر من غير طبخ بمنزلة الخمر في تحريم العين بخلاف سائر الأنبذة والأشربة، للحديث المذكور. وقولهم خطأ صراح ترده السنة الثابتة عن النبي- ﷺ ، قوله: «كل شراب أسكر فهو حرام» وقوله: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . والقياس الصحيح أنه لا فرق فيه بين
стр. 8984
الأنبذة المسكرة وبين الخمر لوجود علة التحريم فيها، وهو الإسكار الذي دل على أنه هو العلة في التحريم قول الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وحديث ابن عباس لا حجة لهم فيه، لأن بعض رواته يقول فيه: والمسكر من غيرها. وعندنا أن كل ما خامر العقل فهو خمر محرم العين، كان من العنب أو من غيره من الأشياء، وبالله التوفيق.
[وصف الرجل نفسه بما هو عليه]
في وصف الرجل نفسه بما هو عليه
وحدثني سليمان بن يسار عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أنه كان يقول: ما أبقى ذكر جهنم للدنيا في قلبي فرحا ولا حزنا.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه الحكاية عنه في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم عن مالك عنه، وزاد فيها قال مالك: ما يعجبني أحد يقول مثل هذا. ومضى الكلام على ذلك هنالك فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[أداء الأمانة]
في أداء الأمانة وحدثني [عن] سليمان بن القاسم، عن النبي- صلى
стр. 8985
الله عليه وسلم- أكثر ظني وأنا شاك أنه قال: «لا تجحد من جحدك وأد الأمانة إلى من ائتمنك» وبه يفتي مالك ويأخذ.
قال محمد بن رشد: قد اختلف في الذي يستودع الرجل الوديعة فيجحده فيها، ثم يستودعه وديعة أو يأتمنه على شيء هل يحل له أن يجحده فيها ويقتطعها لنفسه فيما جحده من وديعته على أربعة أقوال في المذهب؛ أحدها المنع من الأخذ، وهو قول مالك في المدونة اتباعا لظاهر الحديث؟ والثاني الكراهة لذلك، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه، والثالث الإباحة، وهو قول ابن عبد الحكم، ومذهب الشافعي؛ والرابع استحباب الأخذ، وهو مذهب ابن الماجشون، كان عليه دين أو لم يكن، وقيل إنما هذا إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين لم يكن له أن يأخذ إلا قدر ما يجب له في المحاصة، وهو قول خامس في المسألة. وأظهر الأقوال إباحة الأخذ، لأن رسول الله- ﷺ أباح ذلك لهند بنت عتبة [بن ربيعة] بن عبد شمس لما شكت لرسول الله- ﷺ أن زوجها أبا سفيان بن حرب لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها، فقال لها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» لأن معنى قوله بالمعروف أن تأخذ مقدار ما يجب لها ولا تتعدى فتأخذ أكثر مما يجب لها. وكذلك تناول قوله- ﷺ «لا تخن من خانك» أي لا تتعد! فتأخذ أكثر من الواجب لك فتكون قد خنته أخرى كما
стр. 8986
خانك هو أولا، لأن من أخذ حقه الواجب له فليس بخائن، بل فعل المعروف الذي أباحه رسول الله- ﷺ لهند، فعلى هذا يخرج الحديثان جميعا ولا يحملان على التعارض، وبالله التوفيق.
[ما يروى من الكرامات]
فيما يروى من الكرامات قال وقال مالك: رأى يعقوب بن عبد الله بن الأشج في المنام وهو في لجة البحر غاز أنه أدخل الجنة فشرب فيها لبنا، فلما استيقظ أخبر أصحابه ثم تقيأ فقاء لبنا، فلما نزلوا الساحل لقوا العدو فاستشهد.
قال محمد بن رشد: هذا من الكرامات الجليلة، وكرامات الأولياء يصدق بها أهل السنة لجوازها في العقل، والعلم بوجودها في الجملة من جهة النقل المتواتر [وإن لم يثبت منه شيء بعينه بنقل التواتر في جهة ولي من الأولياء في غير زمن النبوة] وقد ذكرنا هذا في الرسم الأول من سماع أشهب، وبالله التوفيق.
[ما يزع الله بالإمام]
فيما يزع الله بالإمام قال وقال مالك قال العبد الصالح عثمان بن عفان: ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن، يعني ما يكف الناس عنه بالحدود.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك لقول عثمان صحيح، والمعنى فيه أن الذين ينتهون من الناس عن محارم الله مخافة السلطان أكثر من الذين
стр. 8987
ينتهون عنها انتهاء لأمر الله ، ففي الإمام صلاح الدين والدنيا. ولا اختلاف بين أحد من العلماء في وجوب الإمامة ولزوم طاعة الإمام. وقد مضى هذا في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[حكاية عن سليمان بن داود ﵉]
ُ - قال وقال مالك: مر سليمان بن داود ﵇ بقصر بأرض مصر فوجد فيه مكتوبا:
غدونا من فتى الصحر ... إلى القصر فنلناه
فمن سال عن القصر ... فمبنيا وجدناه
يقاس المرء بالمرء ... إذا مالمرء ما شاه
فلا تصحب صديق السو ... ء إياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين واخاه
قال ووجد عليه نسرا واقفا فدعاه فقال: من بنى هذا القصر؟
فقال: لا أدري، قال: فكم لك قد وقفت عليه؟ قال لي تسعمائة سنة وخمسون سنة.
قال محمد بن رشد: في هذه الحكاية عبرة لمن اعتبر، وعظة [وتذكرة] لمن تذكر وازدجر، وبالله التوفيق.
стр. 8988
[حكاية عن عمر بن عبد العزيز]
قال وقال مالك: دخل زياد بن أبي زياد على عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ الخليفة، وعمر على سريره، فدخل زياد فقال: السلام عليك، ونسي أن يسلم عليه سلام الأمير. فلما رآه عمر نزل من على مجلس كان عليه، فقيل تنحيت عن مجلسك، فقال عمر: إني أكره أن أشرف في مجلس على رجل له الفضل علي. قال: فلما جلس زياد ذكر أنه نسي أن يسلم عليه سلام الأمير، فقال له بعد أن جلس: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: أما إني لم أنكر الأولى.
قال ابن القاسم: وحدثنا غير واحد أنه كان زياد عبدا فطلبه عمر ليشتريه، فأبى سيده وقال: ما أمسكته إلا لدين علي. قال: فقال له ناس: فإن أدينا دينك أتعتقه؟ قال نعم. وكان دينه سبعمائة أو ثمانمائة، فجمع له ألف وخمسمائة، فقضي عن سيده دينه وعتق وهو لا يعلم، فأتي بفضله ذلك المال فقيل له خذ هذا ما فضل، فقال: ما كنت في لآخذ منه شيئا، وما سألتكم من هذا شيئا. قال فأبى أن يأخذها، فردت على الناس على قدر أداء كل إنسان. قال فزعم لي مالك أن زيادا كتب أسماءهم، فكان يدعو لهم بعد ذلك. وهذا كله قول مالك إلا ما ذكرت أن عمر أراد أن يشتريه.
قال محمد بن رشد: في هذا ما هو معروف من فضل عمر بن عبد العزيز وتواضعه وإكرامه لأهل الفضل، ولا يعرف حق ذي الفضل لأهل الفضل إلا أولو الفضل. وما فعل زياد من ترك قبول فضل ما بقي مما جمع له
стр. 8989
في دين سيده ليعتقه صواب، لأن كل من أعطى شيئا منه إنما قصد العون في عتقه، لا الصدقة عليه. وهذا هو مذهب مالك وقوله في المدونة في المكاتب يعان في كتابته فيفضل له من ذلك فضله، وبالله التوفيق.
[كراهة القضاء وولاية بيت المال]
في كراهة القضاء وولاية بيت المال قال ابن القاسم: حدثني من أثق به عن غير واحد عن مكحول الدمشقي أنه كان يقول: لو خيرت بين القضاء وبين بيت المال لاخترت القضاء، ولو خيرت بين القضاء وضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي.
قال محمد بن رشد: إنما اختار القضاء على بيت المال وإن كان ضرب عنقه أخف عليه من القضاء من أجل أن التخلص من القضاء عسير، لأن التخلص من بيت المال وإن كان أيسر من التخلص من القضاء ففي ولاية بيت المال تعريض بنفسه لسوء الظن، لأنه إذا- ولي على بيت المال لم يأمن أن يتهم فيه. ومن الحظ للرجل أن لا يعرض نفسه لسوء الظن، وأن يتوقى من ذلك جهده. وقد رأى رجل النبي- ﷺ مع صفية فقال: هذه صفية. وقد مضى هذا المعنى في رسم التسليف في الحيوان المضمون من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[العبادة قد يمنعها الرجل فيكون ذلك خيرا له]
في أن العبادة قد يمنعها الرجل فيكون ذلك خيرا له وقال ابن القاسم: سمعت سليمان بن القاسم وغيره ممن أثق به يقول: بلغني أن الرجل ليريد أن يبلغ وجها من العبادة فيمنعه الله إياه نظرا له، ولو بلغها لكان فيها هلاكه.
стр. 8990
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، يشهد بصحته قول الله : ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] . وهذا مثل أن يوفق الله الرجل لعمل شيء من الخير فيعرف به فيولى القضاء من أجل ذلك فلا يتخلص فيه ويكون في ذلك هلاكه، وبالله التوفيق.
[من لا غيبة فيه]
فيمن لا غيبة فيه قال وحدثني عن ابن وهب عن عبد الله بن الشيخ عن رجل عن الحسن أنه قال: لا غيبة في الإسلام إلا في ثلاثة: صاحب بدعة، وإمام جائر، وفاسق معلن.
قال محمد بن رشد: معناه لا غيبة مباحة إلا في هؤلاء الثلاثة، فهؤلاء الثلاثة لا غيبة فيهم. وقد مضى هذا من قول عيسى بن دينار في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم والكلام فيه فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[ما جاء في أنه لا وضوء لمن لم يسم الله]
فيما جاء في أنه لا وضوء لمن لم يسم الله قال ابن وهب: وقد أخبرني ابن الدراوردي أن ربيعة كان يقول: تفسير حديث النبي- ﷺ : «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» قال ذلك أن يتوضأ ولا يذكر به صلاة
стр. 8991
مكتوبة، أي يتطهر ولا يريد به الصلاة.
قال محمد بن رشد: قوله إن معناه أن يتوضأ ولا يذكر به صلاة، يريد أو ما كان في معنى الصلاة مما لا يصح فعله إلا بطهارة، كالطواف بالبيت ومس المصحف وشبه ذلك، لأن من توضأ لما لا يصح فعله إلا بطهارة فقد نوى الطهارة، فيكون معنى قوله- ﷺ : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه لا وضوء إلا بنية، لأن النية هي إخلاص العبادة لله ، ومن شرطها ذكر الله، لأن من المستحيل أن يخلص أحد العبادة لله وهو لا يذكره في نفسه، كما أن معنى قول الله : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] . فكلوا ما قصد إلى ذكاته بالنية، فكما تؤكل الذبيحة وإن لم يسم الله على ذبحها إذا نوى تذكيتها، فكذلك يصلى بالوضوء وإن لم يسم الله عليه إذا نوى به الصلاة أو ما لا يصلح فعله إلا بطهارة، فهو بين من التأويل. وقد يحتمل أن يكون معنى قول النبي- ﷺ : «لا وضوء لمن لم يسم الله» : لا وضوء متكامل الأجر لمن لم يسم الله، مثل قوله- ﷺ : «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» «ولا إيمان لمن لا أمانة له» وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق لا شريك له.
[قول الحسن ليس العجب ممن عطب كيف عطب]
ومن كتاب أوله حمل صبيا في وسوسة الشيطان قال وقال الحسن: ليس العجب ممن عطب كيف عطب،
стр. 8992
ولكن العجب ممن نجا كيف نجا من شياطين حرست منهم السماوات. وقال سفيان بن عيينة: كان رجل سائرا إلى بيت المقدس، فناداه مناد يسمع صوته ولا يراه، فناداه يا فلان أو يا ابن فلان، ألا ترى إلى هذا اللعين أخرج أبوينا من الجنة، ثم ها هو ذا يزهدنا فيما في الدنيا من نعم ربنا ليقل في ذلك شكر ربنا، ويرغبنا فيما في أيدي غيرنا لتطول فيه حسرتنا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، قال الله : حاكيا عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] ، وقال رسول الله- ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» يريد فيما أقدره الله عليه من الوسوسة التي قد أمرنا بالاستعاذة منها بقوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢] ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٣] ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ٤] ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦] فالوسواس الخناس هو إبليس- لعنه الله-، والناس في قوله من الجنة والناس معطوف على الوسواس الخناس، فأمر بالاستعاذة من شر الناس ومن شر الوسواس الخناس، [والكلام فيه تقديم وتأخير تقديره: قل أعوذ برب الناس من شر الوسواس الخناس] من الجنة الذي يوسوس في صدور الناس، فالناس معطوف، على الوسواس الخناس كما ذكرناه، أمر بالاستعاذة من شرهما جميعا. ومناداة الرجل السائر إلى بيت المقدس بما نودي به وهو يسمع الصوت ولا يرى المنادي مما هو معدود في كرامات الصالحين، لأن في ذلك له تنبيها من الله
стр. 8993
عز وجل بما أسمعه على التوقي من إبليس والتحفظ من وسوسته، وبالله التوفيق لا شريك له.
[مما روي عن سعيد بن المسيب]
ومن كتاب العشور قال ابن القاسم سمعت عن سعيد بن المسيب أنه كانت له ذهب يتجر فيها، فلما حضرته الوفاة قال: يا بني، هذه نفقتي التي كنت أكف بها وجهي وأتقوى بها على عبادة ربي.
قال محمد بن رشد: في هذا دليل على أن المال عون على العبادة، وإذا كان كذلك فهو خير من الفقر. وقد مضى التكلم على الأفضل من الفقر والغنى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[الحض على الرفق في العبادة]
في الحض على الرفق في العبادة قال: وذكر ابن القاسم عن الليث وعبد الرحمن بن شريح أنه سمعهما وأحدهما يزيد على صاحبه، أن عمرو بن العاص خطب الناس على المنبر بمصر فقال: يا أيها الناس، إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، خافوا الله خوف من يظن أنه يموت غدا، واعملوا عمل من يظن أنه لا يموت إلا هرما، فإن المنبت لا أبقى ظهرا ولا قطع بعدا. قال وقال لي مالك في تفسير الحديث وشيء من الدلج الغدو إلى صلاة الصبح.
قال محمد بن رشد: الحديث المروي عن النبي- ﷺ إنما هو: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أبقى
стр. 8994
ظهرا ولا قطع بعدا» أو كما قال- ﷺ ، فأدخل عمرو بن العاص في خطبته في أثناء الحديث ما أدخل فيه من قوله: خافوا الله خوف من يظن أنه يموت غدا واعملوا عمل من يظن أنه لا يموت إلا هرما، يحضهم بذلك على القليل الدائم، وينهاهم عن الكثير الذي يخشى انقطاعه على ما دل عليه الحديث. فقد كان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يدوم عليه صاحبه. وقال- ﷺ : «إن الله لا يمل حتى تملوا أكلفوا من العمل ما لكم به طاقة» . والآثار في هذا المعنى كثيرة، وبالله التوفيق.
[الفتوى ورواية الأحاديث قلما يجتمعان]
في أن الفتوى ورواية الأحاديث قلما يجتمعان قال ابن القاسم وسمعت مالكا يقول: قلما اجتمع في رجل الفتيا والحفظ، يريد رواية الأحاديث.
قال محمد بن رشد: يريد أن الاشتغال برواية الأحاديث والإكثار منها وبحفظها يشغل عن التفقه فيما يحتاج إلى التفقه فيه منها، وهو ما تقتضيه الأحكام والحلال والحرام، فقلما يوجد من يتحقق بالقيام على الوجهين. وقد قال بعض العلماء: ما نظرت قط ذا علم إلا غلبني، ولا ناظرت ذا علمين إلا غلبته. فالتقلل من الروايات مع التفقه فيها أولى من الإكثار منها مع قلة التفقه فيها، فقد قال رسول الله- ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» . والذي يروى الأحاديث ولا يتفقه فيها كالحمار يحمل أسفارا وبئس مثل السوء، وبالله التوفيق.
стр. 8995
[لا نقصية على من كان ابن أم ولد]
في أنه لا نقصية على من كان ابن أم ولد
قال ابن القاسم: بلغني أن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلي بن حسين بن علي بن أبي طالب كانوا بني أمهات الأولاد.
قال محمد بن رشد: إنما ذكر ابن القاسم هذا ليبين أن هذا مما ليس يعاب به أحد، وهو بين. قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وقال عمر بن الخطاب: كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه الحديث. وروي «أن أبا الدرداء توفي أخ لأبيه وترك أخا لأمه، فنكح امرأته، فغضب أبو الدرداء حين سمع ذلك، فأقبل إليها فوقف عليها فقال: أنكحت ابن الأمة؟ يردد ذلك عليها، فقالت: أصلحك الله، إنه كان أخا زوجي وكان أحق بي فضمني وولده، فسمع بذلك رسول الله- ﷺ فأقبل إليه حتى وقف ثم ضرب على منكبه فقال يا أبا الدرداء يا ابن ماء السماء، طف الصاع، طف الصاع، طف الصاع» . وتطفيف الصاع هو تقصيره على الامتلاء. ومنه قول الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وقال أبو عبيد: هو أن يقرب من الامتلاء ولما يمتلئ. فمعنى الحديث أن أبا الدرداء لما انتقص أخا أخيه لأبيه بأنه ابن أمة، كان في
стр. 8996
ذلك وصفه لنفسه بالكمال من جهة النسب، فرد النبي- ﷺ قوله بأن أعلم بتساويه معه ومع الناس جميعا في النقصان بقوله: طف الصاع طف الصاع طف الصاع، وإن تباينوا في النقصان بقدر أعمالهم المحمودة، إذ لا يدرك أحد بنسبه درجة الكمال. قال رسول الله- ﷺ : «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» ففي هذا دليل أنهم إذا لم يفقهوا كان من فقه ممن دونهم أرفع منهم، وفي هذا علو مرتبة أهل الفقه على من سواهم. وقد قال رسول الله- ﷺ فيما روي عنه: «ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو عمل صالح» الحديث، وبالله التوفيق لا شريك له.
[الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش]
ومن كتاب أوله يدير ماله قال وسألت مالكا عن الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش، فقال لا تتحدث به، وما يدعو الإنسان أن يتحدث به وهو يرى ما فيه من التعزيز. وعن الحديث إن الله خلق آدم على صورته، وعن الحديث في الساق، وذلك كله قال ابن القاسم: لا ينبغي لمن يتقي الله ويخافه أن يحدث بمثل هذا، فقلت له: إن الله ﵎ يضحك، فلم يره من هذا وأجازه وقال: قد جاء فيه حديثان وحديث ينزل مثل ذلك، وقال هو على شيء، وهو في كل مكان، وهو ملء كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] .
стр. 8997
قال محمد بن رشد: حديث سعد بن معاذ في العرش الذي أشار إليه هو ما يروى عن النبي- ﷺ من أنه قال: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ،» وأنه قال: «اهتز له عرش الرحمن» . وما يروى من أن أمه بكت وصاحت لما أخرجت جنازته، فقال لها رسول الله ﷺ «ألا يرقأ دمعك ويذهب حزنك فإن ولدك أول من ضحك الله له واهتز له العرش» وما يروى من «أن جبريل ﷺ جاء إلى رسول الله- ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات وفتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش، قال فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد بن معاذ قد مات» .
والحديث في الساق الذي أشار إليه هو ما روي أنه «يتجلى للخلق [فيلقاهم] فيقول من تعبدون فيقولون ربنا فيقول هل تعرفون ربكم فيقولون سبحانه إذا اعترف لنا عرفناه» وفي بعض الآثار: «إذا عرفنا بنفسه عرفناه. قال فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله جل ذكره ساجدا» . وإنما نهى مالك أن يتحدث بهذين الحديثين وبالحديث الذي
стр. 8998
جاء بأن الله خلق آدم على صورته، ونحو ذلك من الأحاديث التي يقتضي ظاهرها التشبيه مخافة أن يتحدث بها فيكثر التحدث بها وتشيع في الناس فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها. وسبيلها- إذا صحت الروايات بها- أن تتأول على ما يصح مما ينتفي به التشبيه عن الله بشيء من خلقه، كما يصنع بما جاء في القرآن مما يقتضي ظاهره التشبيه، وهو كثير، كالإتيان في قوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] ، والمجيء في قوله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] والاستواء في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . وكما يفعل أيضا بما جاء من ذلك في السنن المتواترة، كالضحك، والتنزيل، وشبه ذلك مما لم يكره روايتها لتواتر الآثار بها، لأن سبيلها كلها في اقتضاء ظاهرها التشبيه وإمكان تأويلها على ما ينتفي به تشبيه الله بشيء من خلقه سواء. وأبعدها كلها من التشبيه ما جاء من أن عرش الرحمن اهتز لموت سعد بن معاذ، لأن العرش مخلوق خلق من خلق الله ، فلا يستحيل عليه الحركة والاهتزاز، وإضافته إلى الله تعالى إنما هي بمعنى التشريف له، كما يقال: بيت الله وحرمه، لا بمعنى أنه يحل فيه وموضع لاستقراره، إذ ليس في مكان ولا مستقرا بمكان، فقد كان قبل أن يخلق المكان، فلا يلحقه باهتزاز عرشه ما يلحق من اهتز عرشه من المخلوقين وهو جالس عليه من تحركه بحركته، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ويحتمل أن يكون الكلام مجازا فيكون المراد بتحرك العرش تحرك حملته استبشارا وفرحا بقدوم روحه، وهذا جائز في كلام العرب أن يقال: اهتز المجلس لقدوم فلان عليه، أي اهتز أهله لقدومه، كقوله عز
стр. 8999
وجل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهلها، ومثل قول النبي- ﷺ : «هذا جبل يحبنا ونحبه» أي يحبنا أهله ونحب أهله. وقد قيل: إن المراد باهتزاز العرش سريره الذي حمل عليه؛ وهذا يرده النص الذي في بعض الآثار من إضافة العرش الذي اهتز بموته إلى الرحمن .
وأما قوله في حديث الساق: فيكشف عن ساق، فلم يضف الساق فيه إلى أحد، ومعناه عن شدة، لأن مثل هذا الكلام يستعمل في اللغة على معنى شدة الأمر كما قال الشاعر:
وقامت الحرب بنا على ساق
وقال ابن عباس في قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي عن شدة من الأمر. وقال الحسن في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أي التفت ساق الدنيا بساق الآخرة؛ وقال الضحاك: معناه أمر الدنيا بأمر الآخرة؛ وقال عمر بن الخطاب: أعمال الدنيا بمحاسبة الآخرة، وذلك أمر عظيم.
وأما قوله: إن الله خلق آدم على [صورته] فإنه يروى على وجهين: أحدهما أن الله خلق آدم على صورته، الثاني أن الله خلق آدم على، صورة الرحمن. فأما الرواية: إن الله خلق آدم على صورته، فلا خلاف بين أهل النقل في صحتها لاشتهار نقلها وانتشاره من غير منكر لها ولا طاعن فيها.
стр. 9000
وأما الرواية: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، فمن مصحح لها ومن طاعن عليها، وأكثر أهل النقل على إنكار ذلك وعلى أنه غلط وقع من طريق التأويل لبعض النقلة، توهم أن الهاء ترجع إلى الله فنقل الحديث على ما توهم من معناه. فأما الرواية المحفوظة وهي: إن الله خلق آدم على صورته فتحتمل وجوها من التأويل: منها أن الهاء من قوله: إن الله خلق آدم على صورته عائدة على رجل مر النبي- ﷺ عليه وأبوه أو مولاه يضرب وجهه لطما ويقول قبح الله وجهك، فقال: «إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» . وقد روي أنه سمعه يقول: قبح الله وجهك فزجره النبي- ﷺ عن ذلك بقوله ذلك وأعلمه به أنه قد سب آدم لكونه مخلوقا على صفته، ومن دونه من الأنبياء أيضا. ومنها أن الكناية في قوله على صورته ترجع إلى آدم ﵇، ولذلك ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون معنى الحديث وفائدته الإعلام بأن الله لم يشوه خلقه حين أخرجه من الجنة بعصيانه كما فعل بالحية والطاووس اللذين أخرجهما منها معه، على ما روي من أنه سلب الحية قوائمها وجعل أكلها من التراب، وشوه خلق الطاووس؛ والثاني أن يكون معناه وفائدته إبطال قول الدهرية الذين يقولون إنه لا إنسان إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان، ولا دجاجة إلا من بيضة، ولا بيضة إلا من دجاجة، لا إلى أول؛ والثالث أن يكون معناه وفائدته إبطال قول أهل الطبائع والمنجمين الذين يزعمون أن الأشياء بتأثير العناصر والفلك والليل والنهار، فأعلم النبي- ﷺ بهذا الحديث أن الله هو المنفرد بخلق آدم على ما كان عليه من الصورة والتركيب والهيئة لم يشاركه في شيء من ذلك فعل طبع ولا تأثير فلك، وخص آدم بالذكر تنبيها على سائر المخلوقات لأنه أشرفها.
следующие страницы →