← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

فيه في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [الاطلاء في العشر] في الاطلاء في العشر قال مالك عن عمارة بن صياد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا بالاطلاء في العشر. قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وجمهور العلماء، وكرهه جماعة من أهل العلم لما روي عن النبي- ﷺ من أنه قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة فأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي» . وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم الرطب باليابس من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [فيما هو من شأن ابن آدم] قال مالك: من شأن ابن آدم ألا يعلم كل شيء، ومن شأنه أن يعلم ثم ينسى، ومن شأنه أن يعلم ثم يزيده الله علما. قال محمد بن رشد: هذا كله بين لا يخفى. قال الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] وقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧]

стр. 8927

وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] . وقال رسول الله ﷺ : «إني لأنسى أو أنسى لأسن» وقال- ﷺ : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها الحديث» وقال : ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ، وبالله التوفيق لا شريك له. [شكوى الرجل همه إلى الله] في شكوى الرجل همه إلى الله قال مالك قال ذلك الرجل [يدعو] وهو في بيته يصلي: اللهم إني أشكو إليك ما أفقد من عقلي. قال مالك وقد قال الله : ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] . قال محمد بن رشد: الرجل المشار إليه، والله أعلم، هو الربيع بن خثيم. ومعنى قوله اللهم إني أشكو إليك ما أفقد من عقلي: اللهم إني أشكو إليك ما أغلب عليه من أمري فأقصر فيما يلزمني من طاعة ربي، ومن الفكرة فيما أمر به من الاعتبار بمخلوقاته والاستدلال بها على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله. من ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]

стр. 8928

، وقوله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] الآية وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] الآيات إلى قوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] وقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] ومثل هذا كثير في القرآن أكثر من أن يحصى. ومعنى الشكوى إلى الله الرغبة إليه في التجاوز والعفو وكشف البلوى والضر. وقول مالك في تفسير قوله وقد قال الله : ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] يدل على صحة تأويلنا عليه في المعنى الذي يشتكي به إلى الله، لأن المعنى فيه يجعل لكم فصلا بين الحق والباطل حتى تعرفوا ذلك بقلوبكم وتهتدوا إليه، لأن الفرقان في كلام العرب مصدر من قولهم فرقت بين الشيء والشيء أفرق فرقا وفرقانا، وبالله التوفيق. [رواية المغازي] في رواية المغازي وسئل عن من روى مغازي النبي- ﷺ وأشعارها، هل ترى بذلك بأسا؟ قال لا أرى به بأسا، وأتقي أن يروى باطلا، فإن الناس قد أكثروا. قال محمد بن رشد: قد أنكر في أول رسم من سماع ابن القاسم كتاب المغازي وقال: ما أدركت الناس، يريد أهل الفقه، يكتبونها، قال ولا أرى أن تكتب ولا أحب أن أكتبها ولا أبتدع [في] ذلك. وإنما كره

стр. 8929

كتابها مخافة مواقعة الكذب فيها، إذ ليس في سياقها بطولها فائدة فقه من تحليل أو تحريم يعتد الناس بحفظه والتفقه فيه، كالأحاديث المروية عن النبي- ﷺ في الأحكام، وبالله التوفيق لا شريك له. [خصاء البهائم] في خصاء البهائم وسئل مالك عن خصاء البهائم الغنم والبقر فقال: ليس بحضائها بأس لطيب اللحم. قال ابن القاسم: أجاز ذلك ولم يره من المثلة المنهي عنها، لما في ذلك من صلاح اللحم. وقد تقدم ذلك في هذا السماع، وبالله التوفيق. [اللعب بالشطرنج] في اللعب بالشطرنج وسئل عن اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه وليس بشيء، وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب والسن عن الباطل. وقد قال عمر بن الخطاب لأسلم في شيء: أما آن أن تنهاك لحيتك هذه؟ قال أسلم فمكثت زمانا طويلا وأنا أظن أن ستنهاني؟ فقلت له: لما كان عمر بن الخطاب لا يزال يقول فيكون، فقال لي نعم في رأيي. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

стр. 8930

[صفة أرباب العلم] ومن كتاب الأقضية في صفة أرباب العلم وسئل عن قول كعب لابن سلام في العلم: ما نفاه من صدرهم بعد أن علموه؟ فقال الطمع، فقال ما ذاك النفي وهو في قلوبهم وهم يعلمونه؟ فقال هم يعلمونه ولكن نفيه من صدوهم بسلوكهم غير سبيله وتركهم العمل به، وهو مما كان يستعاذ منه، - لقول النبي- ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» . قال محمد بن رشد: قد مضى بيان هذا والقول فيه في الرسم الأول من هذا السماع وفي رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [الانتعال قائما] في الانتعال قائما وسئل مالك هل ترى بأسا أن ينتعل الرجل قياما؟ فقال لا. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا وما جاء فيه في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم. وإنما لم ير مالك به بأسا لأنه إنما يخاف على فاعل ذلك السقوط لقيامه على الرجل الواحدة ما دام ينتعل الثانية، لأن النهي إنما جاء فيه لهذا المعنى، والله أعلم. فإذا أمن الرجل من ذلك جاز له أن يفعله، وبالله التوفيق.

стр. 8931

[كراهة الكحل للرجل] في كراهة الكحل للرجل وسئل عن الكحل للرجل بالنهار فقال: ما يعجبني أن يكتحل الرجل بالليل ولا بالنهار، إلا أن تكون تأخذه علة فيكتحل، وإنما الكحل من أمر النساء، وما أدركت أحدا من الناس يكتحل هكذا إلا من ضرورة، ولربما وجدت الشيء فاكتحلت به فجلست في البيت ولم أخرج منه. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا فيما تقدم، والمعنى فيه بين، لأن في الاكتحال التشبه بالنساء، ويكره للرجال التشبه بالنساء، وللنساء التشبه بالرجال، لما جاء في ذلك، وبالله التوفيق. [مواكلة النصراني ومصادقته وتكنيته] في مواكلة النصراني ومصادقته وتكنيته وسئل مالك عن مواكلة النصراني في إناء واحد، قال تركه أحب إلي وأما حرام فلا أراه، ولا يصادق نصراني. وسئل عن النصراني يكنى بأبي حكيم أيكنى بها؟ قال هم يكتنون ويتسمون، هذا اسم وهذه كنية، ومنهم من يسمى باسم نبي هارون وموسى، فكأنه لم ير بذلك بأسا. قال محمد بن رشد: الوجه في كراهة مصادقة النصراني بين، لأن الله يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ، فواجب على كل مسلم أن يبغض في الله من يكفر به ويجعل معه إلها غيره ويكذب رسوله- ﷺ . ومواكلته في

стр. 8932

إناء واحد تقتضي الألفة بينهما والمودة، فهي تكره من هذا الوجه وإن علمت طهارة يده. وأما تكنيته بأبي حكيم وبغيره من الكنى، فإذا كانت الكنية له كالاسم الذي يعرف به فتكنيته بها مباحة، إذ ليس في ذلك قصد إلى إكرامه وترفيعه، وقد قال الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] فلم يكن ذلك ثناء من الله عليه ولا ترفيعا له، بل مقته بذلك وأوعده بما أوعده به. وأما تكنيته إذا كان له اسم يعرف به فمكروه، لأن تكنيته ترفيع به وإكرام له، وذلك خلاف ما يستحب من إذلالهم وإصغارهم لمحاربتهم الله ورسوله. وقد وقع في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان أنه قد كان يرخص في ذلك، والترخيص ليس بإباحة. وإنما يرجع اختلاف قوله في ذلك إلى قوة الكراهة وضعفها، ولا حجة في إباحة ذلك دون كراهة، «لقول النبي- ﷺ لصفوان بن أمية: انزل أبا وهب» لأنه إنما قال ذلك له استئلافا له رجاء أن يسلم. وكذلك قوله للذي كان يقبل عليه بحديثه من عظماء المشركين إذ دخل عليه عبد الله ابن أم مكتوم: يا أبا فلان، هل ترى بما أقول بأسا، لأنه إنما أقبل عليه بحديثه وكناه رجاء إسلامه وإسلام من وراءه بإسلامه، وبالله التوفيق. [الخروج لطلب العلم] في الخروج لطلب العلم قال وسئل فقيل له: يا أبا عبد الله، أترجو لمن خرج في طلب هذا الفقه والعلم في ذلك خيرا؟ فقال: نعم، لمن حسنت نيته، وهدي لخيره، وأي شيء أفضل منه، قال الله تبارك

стр. 8933

وتعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] ولكن الناس قد خلطوا. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله أنه إنما يرجى الخير لمن خرج طالبا للعلم إذا حسنت في ذلك نيته، قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقال رسول الله- ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» معناه إنما الأعمال التي يثاب عليها فاعلها ما خلصت فيه النية لله . فطلب العلم مع خلوص النية في ذلك من أفضل أعمال البر وأجل نوافل الخير، قال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقال رسول الله- ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» وقال: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» وروي: «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع» . والآثار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، وبالله التوفيق.

стр. 8934

[قرط الذهب للصبي] في قرط الذهب للصبي وسئل عن قرط الذهب للصبي [الصغير] ، قال تركه أحب إلي في الغلمان. قال محمد بن رشد: الكراهة في هذا بينة، لأن الصبي وإن لم يكن متعبدا فوالده متعبد فيه، فكما لا يحل له أن يسقيه الخمر، فكذلك لا ينبغي له أن يحليه بالذهب ولا يلبسه الحرير، فإن حلاه بالذهب أو ألبسه الحرير لم يأثم، وإن ترك ذلك ولم يفعله لما جاء من تحريم ذلك على الذكور دون الإناث أجر. وأما إن سقاه خمرا أو أطعمه خنزيرا فهو آثم في ذلك كما لو شرب هو الخمر وأكل الخنزير أو الميتة من غير ضرورة. والفرق بين أن يسقيه الخمر ويكسوه الحرير، أن الخمر لا يحل تملكها ولا شربها لذكر ولا أنثى ولا صغير ولا كبير، بخلاف الحرير والذهب، وبالله التوفيق. [جواز الكي] في جواز الكي وسئل عن الكي في اللقوة؟ فقال ما أرى بذلك بأسا، بلغني أن الناس كانوا يكتوون، واكتوى ابن عمر من اللقوة، وكوي سعد ابن زرارة وكان من أحد النقباء في زمن رسول الله- ﷺ . قال محمد بن رشد: كذا وقع في الموطأ سعد بن زرارة، وإنما هو أسعد بن زرارة، وقال فيه إنه اكتوى في زمن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 8935

وسلم- من الذبحة فمات. وقد روي عن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوصة» والمعروف إنما هو من الشوكة الذبحة. وروي أن رسول الله- ﷺ أمر به أن يكوى من الشوكة طوق عنقه بالكي، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات. وقال رسول الله- ﷺ لما مات: «بئس الميت ليهود يقولون ألا دفع عنه، ولا أملك له ولا لنفسي شيئا» . وروي «عن أنس بن مالك قال: كواني أبو طلحة ورسول الله- ﷺ بين أظهرنا، فما نهانا عنه» . وروي عن النبي- ﷺ من رواية ابن عباس أنه قال: «إن كان الشفاء ففي ثلاث، أو قال الشفاء في ثلاث في شربة عسل أو كية نار أو شرطة محجم» . وبعض رواته يزيد فيه: «وما أحب أن أكتوي» . وقد روي عن النبي- ﷺ «أنه نهى عن الكي» من رواية عمران بن حصين قال: «سمعت النبي- ﷺ ينهى عن الكي» قال فما زال البلاء بنا حتى اكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا. قال عمران وكان يسلم علي، فلما اكتويت فقدت ذلك، ثم راجعه بعد ذلك السلام. فيحتمل أن يكون معنى

стр. 8936

ذلك أنه نهى عن الكي في أمر ما أو في علة ما، أو أنه نهى عنه نهي أدب وإرشاد إلى التوكل على الله والثقة به، فلا شافي سواه، ولا شيء إلا ما شاءه. ومن الدليل على ذلك ما روي عن النبي- ﷺ من رواية مغيرة بن شعبة أنه قال: «ما توكل من استرقى أو اكتوى» يريد، والله أعلم، ما توكل حق التوكل، لأن من لم يسترق ولا اكتوى أشد توكلا وإخلاصا للتوكل منه. ويعضد هذا قوله- ﷺ : «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم وهم الذين لا يسترقون [ولا يكتوون] ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» . ومن هذا المعنى ما روي أن رجلا من العرب شاور عمر بن الخطاب في أن يكوي ابنه، فقال له لا تقرب ابنك النار، فإن له أجلا لا يعدوه. ومنه ما روي «عن جابر بن عبد الله قال: اشتكى رجل منا شكوى شديدة، فقال الأطباء لا يبرأ إلا بالكي، فأراد أهله أن يكووه، وقال بعضهم لا حتى نستأمر رسول الله- ﷺ ، فاستأمره فقال لا يبرأ، فلما رآه رسول الله- ﷺ قال: هذا صاحب بني فلان؟ قالوا نعم، قال رسول الله- ﷺ : إن هذا لو كوي قال الناس إنما أبرأه الكي» . وقد اكتوى جماعة من السلف، منهم خباب. قال قيس بن أبي حازم: دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبعا في بطنه، وقال قيس عن جرير أقسم علي عمر لأكتوين. واكتوى ابن عمر وكوى ابنه وهو محرم. وكوى الحسن بن علي نجيبة له قد مال سنامها على جنبها، فأمر أن تقطع وتكوى، وبالله التوفيق.

стр. 8937

[كراهة رفع البناء على البيت] في كراهة رفع البناء على البيت قال مالك وكان مكروها ممنوعا أن يشرف أحد ببنائه على بناء الكعبة. قال محمد بن رشد: هذا يكره من ناحية التعظيم للبيت والحرمة له، وبالله التوفيق. في سلام الذي يمر بقبر النبي- ﵇ قال وسئل مالك عن المار بقبر النبي- ﷺ أترى أن يسلم كلما مر به؟ قال نعم، أرى ذلك عليه أن يسلم عليه إذا مر به، وقد أكثر الناس من ذلك. فأما إذا لم يمر به فلا أرى ذلك. قال رسول الله- ﷺ «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فقد أكثر الناس في هذا. فأما إذا مر بقبر النبي ﷺ فأرى أن يسلم عليه، فأما إذا لم يمر عليه فهو في سعة من ذلك. قال وسئل عن الغريب يأتي قبر النبي- ﷺ كل يوم، فقال: ما هذا من الأمر، ولكن إذا أراد الخروج. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه إنما يلزمه أن يسلم عليه كلما مر به وليس عليه أن يمر به ليسلم عليه إلا للوداع عند الخروج، ويكره له أن يكثر المرور به والسلام عليه والإتيان كل يوم إليه، لئلا يجعل القبر بفعله

стр. 8938

ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه. وقد نهى رسول الله- ﷺ عن ذلك بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وبالله التوفيق. [تقبيل الرجل يد أبيه أو عمه] في تقبيل الرجل يد أبيه أو عمه وسئل عن تقبيل الرجل يد أبيه أو عمه فقال: لا أرى أن يفعل، وإن ذلك ليكره، إن الذين مضوا لم يفعلوا ذلك بأحد. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول فيه مستوفى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [الوليمة يدعى إليها الرجل وفيها اللعب] في الوليمة يدعى إليها الرجل وفيها اللعب وسألته عمن يدعى إلى وليمة وفيها إنسان يمشي على الحبل وآخر يجعل على جبهته خشبة كبيرة ثم يركبها إنسان وهي على جبهته، فقال أرى أن لا يؤتي، وأرى أن لا يكون معهم. قيل له: أرأيت إن دخل ثم علم بهذا، أترى له أن يخرج؟ قال نعم، يقول الله ﵎: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] . قال محمد بن رشد: اللعب في الوليمة هو من ناحية ما رخص فيه

стр. 8939

من اللهو، وقد اختلف فيما رخص فيه من ذلك هل الرخصة فيه للنساء دون الرجال. أو للرجال والنساء؟ [فقال أصبغ في سماعه من كتاب النكاح إن ذلك إنما يجوز للنساء دون الرجال، وإن الرجال لا يجوز لهم عمله ولا حضوره، وهو ظاهر ما في هذه الرواية. والمشهور أن عمله وحضوره جائز للرجال والنساء] ، وهو قول ابن القاسم في رسم سلف دينارا من سماع عيسى من كتاب النكاح. ومذهب مالك خلاف قول أصبغ، إلا أنه كره لذي الهيئة أن يحضر اللعب. وقد اختلف فيما جوز من ذلك في العرس هل هو من قبيل الجائز الذي تركه أحسن من فعله فيكره فعله لما في تركه من الثواب، لا أن في فعله حرجا أو عقابا؟ أو من قبيل الجائز الذي يستوي فعله وتركه في أنه لا حرج في فعله ولا ثواب في تركه، وبالله التوفيق. [هيئة العمامة] في هيئة العمامة وسئل عن العمامة أترخى بين الكتفين شيئا؟ وهل يسدل بين يديه؟ فقال: لم أر أحدا ممن أدركت وهو يرخي بين كتفيه منها شيئا وهو يسدل بين يديه، وقد كنت ألبسها فأسدلها بين يدي وأدخل الذي يكون من طيها خلفي أحشو به العمامة، ولم أتركها إلا منذ قدم علينا ولاة بني هاشم، فتركناها خوفا من خلافهم، لأنهم لا يلبسونها. وقد كان من قبلهم لا يدعونها حتى إن الإمام ليخطب بها في كل جمعة في الشتاء والصيف، وهي لباس العرب ليست

стр. 8940

تلبسها الأعاجم. وقد رأيت ربيعة وابن هرمز يعتمان، ولم يكن واحد منهما يرخي بين كتفيه منها شيئا، ورأيتهما يسدلانها بين أيديهما، ولست أكره إرخاءها من خلفه لأنه حرام، ولكن هذا أجمل، ولم أر أحدا ممن أدركت يرخي بين كتفيه منها شيئا إلا عامر بن عبد الله بن الزبير، فإني رأيته يرخي بين كتفيه من عمامته. وقد بلغني أن رسول الله- ﷺ حين انصرف من الخندق وضع عنه السلاح، ولا أدري اغتسل أم لا، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، أتضعون اللامة قبل أن تخرجوا إلى قريظة؟ لا تضعوا السلاح حتى تخرجوا إلى قريظة. فصاح رسول الله- ﷺ في الناس أن لا يصلي أحد إلا في بني قريظة، وذلك لصلاة العصر، فصلى بعض الناس بعد فوات الوقت، ولم يصل بعضهم حتى لحقوا بني قريظة اتباعا لقول رسول الله- ﷺ فرئي يومئذ جبريل في صورة دحية معتما قد سدلها بين كتفيه. قال مالك وقال ربيعة إني لأجد العمة تزيد في العقل. قال مالك: حدثني ابن المطلب أنه رآه أبوه بغير عمة فانتهره وزجره واشتد عليه وقال تدع العمة! قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي- ﷺ من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا اعتم يسدل عمامته بين كتفيه. قال نافع: وكان ابن عمر يسدل عمامته بين كتفيه. قال عبيد الله: ورأيت القاسم وسالما يفعلان ذلك، فلا وجه لكراهة ذلك إلا ما ذكره مالك من أن ذلك أجمل. وقول ربيعة إني لأجد العمة تزيد في العقل، ليس على ظاهره بأنها تزيد في العقل حقيقة. والمعنى في ذلك أن لابسها سلك من أجل لباسه إياها مسلك العقلاء. وذلك أنها لما كانت من هيئة

стр. 8941

العلماء والخيار، وأهل السمت والوقار، رأى لابسها من العار على نفسه أن يخالف طريقهم في السمت والوقار، فالتزم من ذلك فوق ما كان يلتزمه قبل، وبالله التوفيق. [سن عيسى ابن مريم ﵇] في سن عيسى ابن مريم ﵇ قال مالك: كان عيسى ابن مريم يقول: يا ابن الثلاثين مضت الثلاثون فماذا تنتظر؟ قال: ومات ابن ثلاث وثلاثين سنة. قال محمد بن رشد: قوله ومات ابن ثلاث وثلاثين سنة، معناه خرج من الدنيا ورفع إلى الله وهو في هذا السن، قال الله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٦] ، يعني اليهود، ﴿عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] إلى قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] أي ما قتلوا العلم بذلك يقينا، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] ، معناه حيا على ما قاله جماعة من أهل التفسير، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] . وسينزل في آخر الزمان على ما تواترت به الآثار، من ذلك ما روي عن النبي- ﷺ أنه قال: «الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي وإنه نازل لا محالة فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع الخلق بين ممصرتين إلى الحمرة والبياض، سبط

стр. 8942

الرأس كأن رأسه يقطر ماء وإن لم يصبه بلل فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام فيهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام حتى تقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الأسد مع الإبل والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا» . ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] أي رفع روحه إليه بعد أن مات ويحييه في آخر الزمان فينزله إلى الأرض على ما جاءت به الآثار، فيكون قول مالك على هذا ومات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على الحقيقة لا على المجاز، وبالله التوفيق. [مرور عبد الله بن عمر على راعي غنم فسأله أن يبيعه شاة] ومن كتاب البيوع الأول قال: ومر عبد الله بن عمر على راعي غنم فسأله أن يبيعه شاة، فقال لم أؤمر، فقال عبد الله وما علم أربابك، فقال له الراعي: فأين الله؟ فعجب ابن عمر ولم يزل في نفسه يسأل عنه حتى ابتاعه فأعتقه. قال محمد بن رشد: في هذا الرغبة في عتق الفاضل الخير من العبيد، وأن عتقه أفضل من عتق من دونه في الفضل. وهذا إذا استوت أثمانهما، وأما إن كان أحدهما أعلى ثمنا والآخر أحسن دينا فالأعلى ثمنا أفضل. وإنما اختلف في عتق النصراني والمسلم إذا كان النصراني أعلى ثمنا أيهما أفضل؟ وبالله التوفيق.

стр. 8943

[تفسير قول الله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه] في تفسير قول الله : ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] قال وسمعته يقول: سمعت أن هذه الآية نزلت في يوم الخندق: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] . قال محمد بن رشد: وقد قيل في تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ [النور: ٦٢] الجمعة والعيدين والاستسقاء وكل شيء تكون فيه الخطبة، لم يذهبوا حتى يستأذنوا الرسول. وقوله : ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور: ٦٢] قيل فيه إنه كناية عن الغائط والبول، وإنه إنما قال: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] وإن كان قد وجب عليه- ﷺ وعلى من بعده الإذن في ذلك إكراما منه له وإعظاما لمنزلته. والأظهر أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور: ٦٢] ما يعرض لهم من حوائج دنياهم، فله أن يأذن لمن شاء منهم في ذلك وأن ذلك كان في الغزو، فكان المنافقون يتسللون لواذا بغير إذن، وكان المؤمنون لا ينصرف أحد منهم في حاجة تعرض له إلا بإذن، فأثنى الله على المؤمنين بقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] ، إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] وتوعد المنافقين بقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ، وبالله التوفيق.

стр. 8944

[المراد بالمحروم] في المحروم وسئل مالك عن المحروم فقال: إنه ليقال هو الفقير الذي لم يسأل ويحرم الرزق، ثم سئل بعد ذلك أيضا فقال: سمعت أنه الفقير الذي يحرم الرزق. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول فيه في أول رسم من هذا السماع. في تفسير قول الله : ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك وسئل عن قول الله : ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] ما هو؟ قال: أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه في رأي. قال محمد بن رشد: قد مضى القول عليه أيضا في آخر الرسم الأول من هذا السماع، وبالله التوفيق. [تفسير قول الله والراسخون في العلم] في تفسير قول الله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] قال وسألته عن قوله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] أيعلم تأويله الراسخون في العلم؟ فقال لا، إنما تفسير ذلك أن الله قال:

стр. 8945

﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] ثم أخبر فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] وليس يعلم تأويله إلا الله. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم البز من سماع ابن القاسم فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وبالله التوفيق. [قول الرجل لأخيه في العيد تقبل الله مني ومنك] في قول الرجل لأخيه في العيد: تقبل الله مني ومنك وسئل مالك هل يكره للرجل أن يقول لأخيه إذا انصرف من العيد: تقبل الله مني ومنك وغفر الله لنا ولك، ويرد عليه أخوه مثل ذلك، فقال لي: لا نكره مثل ذلك. قال محمد بن رشد: حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك من رواية مطرف وابن كنانة أنه سئل عن ذلك فقال: لا أعرفه ولا أنكره، يريد أنه لا يعرفه في السنة، ولا ينكره لأنه قول حسن. قال ابن حبيب: وقد رأيت ذلك يقال لمن أدركت من أصحاب مالك فيردون منه ولا يستنكرونه، إلا أني لم أرهم يبدؤون به أحدا. قال ولا بأس أن يبدأ به لإخوانه، لأنه إن كان فطرا فهو على إثر خاتمة الصيام وأداء الفطرة، وإن كان أضحى فهو على إثر صيام العشر وعلى إثر التضحية. وإنما اشتقه من اشتقه أولا من دعاء الناس بعضهم لبعض بذلك في الحج أيام الحج، فاستفاض في غيرهم. ومنه اشتق أيضا القول الذي جرى في كلام الناس في الأضحى: أدركت ما أدرك الصالحون، معناه أدركت الحج كما أدركه الحجيج في هذا اليوم، وذلك أن

стр. 8946

الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] قال ابن عباس وغيره: يقول فأصدق فأؤدي الزكاة، وأكن من الصالحين: أحج البيت. وقد روي عن بعض أصحاب مالك أنه كره أن يقول أدركت ما أدرك الصالحون، ولم ير بأسا أن يقول تقبل الله منا ومنك، وليس بين الأمرين فرق بين، لأنه دعاء بخير في الوجهين. وكأن المفرق بين الدعاء رأى أن الرجل أحوج إلى أن يتقبل منه عمله فيما مضى من أن يعيش فيعمل الخير فيما يستقبل، لأنه إن لم يتقبل منه أعماله المفروضات بقيت عليه فيها التباعات، وإن مات لم تكن عليه تباعة فيما لم يدرك وقته من المفروضات. وسئل عن التهادي للقرابة في يوم العيد والتزوار بعضهم بعض، فأجاز ذلك. ومعناه إذا لم يقصد زيارته في يوم العيد من أجل أنه يوم العيد حتى يجعل ذلك من سنة العيد، وإنما زار قريبه أو أخاه في الله من أجل تفرغه لزيارته في ذلك اليوم. فما أحدث الناس اليوم من التزام التزوار في ذلك اليوم كالسنة التي تلزم المحافظة عليها وترك تضييعها، هو بدعة من البدع المكروهة، تركها أحسن من فعلها. وليس للرجل أن يستعمل عبده يوم الفطر ولا أيام النحر إلا في الخدمة اليسيرة من استقاء الماء وشبهه، فأما أن يبعثه للحرث والحصاد وشبه ذلك فلا. وأما الرجل في خاصة نفسه فيقال له إنما هي أيام أكل وشرب وذكر لله، فإن أبى إلا أن يعمل لم يكن بذلك بأس، وبالله التوفيق.

стр. 8947

[كتاب الجامع التاسع] [ المفتين من التابعين في المدينة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. كتاب الجامع التاسع من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده في المفتين من التابعين في المدينة وسمعته يذكر عن مالك أنه كان بهذا البلد، يعني المدينة، أربعة عشر من تابعي أصحاب رسول الله- ﷺ يفتون في هذا الشأن. فقيل لابن القاسم: أتسميهم؟ فقال: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وهذان إماما الناس من التابعين، وقد اختلف الناس في أعلمهما: فأما ربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومن أخذ بناحيتهما وأهل الكوفة فكانوا يقولون سليمان أفقههما، وأما مالك بن أنس ومن أخذ بناحيته فيقولون سعيد. ثم ذكر ابن القاسم سليمان قال كان أعلم بالحلال والحرام، قال ولم يأت أحد من التابعين من الأحاديث والسنن بمثل ما جاء به سعيد وعبيد الله بن عبد الله. ثم عدد القاسم، وسالما، وعروة بن الزبير، وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومحمد بن علي بن حسين، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. قال والصنف الآخر من التابعين في العبادة بشر بن سعيد، وكان يجالس عمر بن

стр. 8948

الخطاب، وعطاء بن يسار، وتلك الطبقة. ثم كان من تابعي هؤلاء الأربعة عشر صفوان بن سليم، وأبو حازم بن دينار، وابن المنكدر. قال وكان من تابعي الأولين في العلم ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وابن هرمز، وأبو الزناد، وتلك الطبقة، إلا أن ربيعة كان تابعا [لبعض] أصحاب النبي- ﷺ قد أدرك أنس بن مالك وسمع منه، وأبو حازم قد أدرك بعض أصحاب النبي ﷺ . قال محمد بن رشد: كذا وقع عن بشر بن سعيد أنه كان يجالس عمر بن الخطاب، وفي بعض الكتب أنه كان يجالس عبد الله بن عمر، وهو الصواب، لأنه لم يدرك عمر بن الخطاب. وذكر مالك أن المفتين من التابعين، يريد من كبار التابعين، أربعة عشر، سمى منهم ابن القاسم ثلاثة عشر رجلا، اشتهر منهم بالعبادة بشر بن سعيد، وعطاء بن يسار. والرابع عشر أراد، والله أعلم، أنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، لأنه ذكر أنه تابع للأولين في العلم، ومن التابعين لأنه أدرك أنس بن مالك، وبالله التوفيق. [ما يذكر من نجابة عمر بن عبد العزيز] فيما يذكر من نجابة عمر بن عبد العزيز وسمعت ابن القاسم يذكر عن حفص بن عمر أن عمر بن عبد العزيز كان يؤتى به إلى عبد الله بن عمر وهو صغير، قال ابن القاسم: ابن خمس سنين ونحو ذلك بعدما عقل، قال فيدعو له ويمسح على رأسه فيرجع إلى أمه فيقول لها: يا أمه إني أحب أن أشبه خالي، فتقول له يا بني، أنى لك أن تشبه عبد الله بن عمر.

стр. 8949

قال محمد بن رشد: كان عبد الله بن عمر من أخوال عمر بن عبد العزيز، لأن أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب الذي نازعت جدته في حضانته عمر بن الخطاب على ما جاء من أنه وجده يلعب بفناء المسجد فأخذه بعضده فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني، فقال أبو بكرالصديق: خل بينها وبينه. قال: فما راجعه عمر الكلام. وهذا أصل في أن الجدة للأم أحق بالحضانة من الأب، وبالله التوفيق. [ما يحكى من فضائل عبد الله بن عمر] فيما يحكى من فضائل عبد الله بن عمر قال وذكر عن حفص أيضا أن عبد الله بن عمر كان له غلام، قال قد سماه، وبرذون يحتطب عليه ويستقي عليه الماء، ويركبه عبد الله بن عمر في حاجة إن نابته. قال فدخل على الغلام يوما فقال يا فلان كيف أصبحت؟ قال أصبح الناس كلهم بخير إلا أنا وأنت وهذا البرذون، قال فقال: اذهب فأنت حر فأعتقه. قال محمد بن رشد: هذا نحو ما جاء عنه من أنه كاتب غلاما له يقال له يربى بأربعين ألف درهم، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له حتى أدى خمسة عشر ألفا، فجاءه إنسان فقال له: أمجنون أنت؟ أنت ها هنا تعذب نفسك وعبد الله بن عمر يشتري الرقيق يمينا وشمالا ويعتقهم. ارجع إليه فقل قد عجزت. فجاء إليه بصحيفته فقال: يا أبا عبد الرحمن قد عجزت، فهذه صحيفتي امحها. فقال لا والله، ولكن امحها أنت إن شئت، فمحاها ففاضت عين عبد الله بن عمر ثم قال: اذهب فأنت حر. فقال:

стр. 8950

أصلحك الله، أحسن إلى ابني، فقال: هما حران، فقال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولدي، قال هما حرتان، فأعتقهم خمستهم جميعا في مقعده. وقعت هذه الحكاية عنه في المكاتب من المدونة. ويروى أنه انتهى عدد من أعتق من العبيد ألف رأس، وأنه حبس ألف فرس، واعتمر ألف عمرة، وحج ستين حجة، وأفتى الناس ستين سنة. وقد مضى في سماع ابن القاسم أنه عاش سبعا وثمانين سنة، رحمة الله عليه ورضوانه. [خير الأمة بعد النبي ﷺ ] في خير الأمة بعد النبي- ﷺ قال: وسألت مالكا عن خير هذه الأمة بعد نبيها، فقال: أبو بكر، أو في ذلك شك؟ قد أمره رسول الله- ﷺ بالصلاة ومعه غيره، وأمره على الحج ومعه غيره. قال: وسألت مالكا مخليا أنا وابن وهب عن التفضيل بين علي وعثمان، فقال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به إلا يكف عن ذلك، يريد التفضيل بينهما. فقلت لمالك: فأبو بكر وعمر؟ قال ليس في ذينك شك، يريد ليس في تفضيلهما على جميع أصحاب النبي- ﷺ والناس بعد رسول الله- ﷺ شك. قال محمد بن رشد: الذي عليه أهل الخير والدين والفضل أن أفضل الناس بعد النبي- ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، بدليل اجتماع أهل الشورى على تقديم عثمان على علي في الخلافة، وهو مذهب مالك على ما روي عنه في ذلك أيضا، خلاف ما تدل عليه هذه الرواية من أن مذهبه التوقيف عن التفضيل بين عثمان وعلي، وليس ذلك بصريح، إذ لم ينص على

стр. 8951

أنه يعتقد ما حكاه عمن أدرك ممن يقتدى به من الكف عن التفضيل بينهما. فيحتمل أن يكون حكى ذلك عمن أدرك ممن يقتدي به في الرواية، وهو يعتقد تفضيل عثمان على علي بما بان له بقول من يقتدي به في العلم، أو لما بلغه عمن لم يدرك ممن هو أرفع مرتبة ممن أدرك. وقد وقعت هذه الحكاية في كتاب الديات من المدونة بخلاف هذا اللفظ، ونصه: قال ابن القاسم فقلت لمالك: فعلي وعثمان أيهما أفضل؟ فقال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه، يعني عليا وعثمان، ويرى الكف عنهما، وفي بعض الروايات: ورأيته يرى الكف عنهما. فقوله ويرى الكف عنهما يحتمل أن يكون من قول مالك حكاية عمن أدركه ممن يقتدي به، ويحتمل أن يكون من قول ابن القاسم حكاية عن مالك. فإن كان من قول مالك حكاية عمن أدرك ممن يقتدي به فهو مثل ما في هذه الحكاية من قوله ما أدركت أحدا ممن أقتدي به إلا يكف عن التفضيل بينهما، وقد مضى الكلام على ذلك، [وإن كان] من قول ابن القاسم حكاية عن مالك فهو نص منه في التوقف عن التفضيل بينهما على ما حكاه عمن أدرك ممن يقتدي به، بخلاف المروي عنه من تفضيل عثمان على علي. فإن كان اختلف قوله في ذلك فقد قيل إن القول الذي رجع إليه هو تفضيل عثمان على علي ﵄، وليس في التوقف عن التفضيل بينهما شيء من الطعن على واحد منهما، وإنما هو إقرار لهما بالفضل جميعا. ثم الفضل بعد هؤلاء الأربعة لبقية العشرة: الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكلهم بدريون. ثم التقدم بعد هؤلاء العشرة لبقية أهل بدر؛ ثم أهل بيعة الرضوان، وهم أصحاب الشجرة الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]

стр. 8952

الآية، وكان فيهم أيضا ممن شهد بدرا خلق كثير، ثم جملة المهاجرين الأولين، ثم الأنصار. ومنهم من اتفق له هذه المواطن كلها، ومنهم من نال بعضها، ثم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، لقول الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] . ولا اختلاف في أن أمة النبي- ﷺ أفضل الأمم، قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي خيارا عدولا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] يريد يوم القيامة. كما أن النبي- ﷺ أفضل الأنبياء والرسل وخاتم النبيين وسيد المرسلين، ورسول رب العالمين المبعوث إلى الخلق أجمعين. وقد مضى الكلام على هذا في رسم سن من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [وطء المرأة في غير مخرج الولد] في وطء المرأة في غير مخرج الولد قال وسألت مالكا عن وهاطء في وهدبر مخليا، فقوه عهوه هوبوس بل حندل، وعه كن وهكا وهبورد، قال مالك وما أدركت أحدا ممن أقتدي به يشك فيه. قال مالك حدثني ربيعة بن أبي

стр. 8953

عبد الرحمن عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال لا بأس به. قال ابن القاسم: والمدنيون يذكرون الرخصة فيه عن النبي- ﷺ . قال ابن القاسم: فيما أعلم، وتلا هذه الآية: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] . قال مالك: أو في ذلك شك؟ أو ما تقرأ قول الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] . قال: أي شيء أبين من هذا؟ وقال ابن القاسم أيضا قال الله : ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] وقوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أنى وأين واحد، كأنه تأول ذلك على أنه أين شئتم. ومثل ذلك ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] من أين لك هذا. قال ابن القاسم: إلا أني لا أحب أن لي ملء هذا، يعني المسجد الأعظم، وأني أفعله، قال: وما آمر به، وقد جاءني غير واحد يستشيرني في ذلك فأمرته ألا يفعل، إلا أن العلماء يتكلمون في ذلك فما أخبرك وأخبرني مطرف عن مالك في الوطء في اهدبر ونل هوغسن حهيل وهوون ينزه، وقال تكلمنا لئلا نحرم ما ليس بحرام. قال: وقال لي مالك: وليس هذا بكلام يتكلم به عند كل من جاء. قال محمد بن رشد: سأل ابن القاسم مالكا في هذه الرواية عن الوطء في الدبر مخليا، فقال: حلال لا بأس به عنده أحل من الماء البارد، ثم مشى في الكلام إلى أن قال: وقَوْله تَعَالَى ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أنى وأين

стр. 8954

واحد. ثم قال في آخر المسألة: وأخبرني مطرف عن مالك في الوطء في الدبر أنه لا غسل عليه إلا أن ينزل، فكتب ذلك كله في الكتاب على ما كتبه مصحفا معمى بقلب الأحرف، جعل الألف مكان الواو، والواو مكان الألف حيث وقع من الكلام، وفعل ذلك في الهاء واللام، وفي العين والحاء، وفي الكاف والميم، وأبقى سائر الحروف على حالها. فإذا تدبرت التعمية التي وقعت في الرواية على هذا الذي ذكرته أتى لك الكلام على ما حكيت، وفعل ذلك لئلا يقرأه كل أحد فيستبيحه الناس وليس بأمر متفق عليه، قد حرمه جماعة من العلماء، منهم الليث بن سعد، فإنه كان يرى إحلال هذه المسألة حراما، ومنهم ابن وهب فإنه قال كل من أتى امرأة في غير مخرج الولد ومن حيث تكون الحيضة فهو ملعون عند الله . وإنما قال ذلك، والله أعلم، لما روي عن النبي- ﷺ أنه قال: «إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في محاشهن، ملعون من أتى النساء في غير مخارج الأولاد» إلا أنه حديث ليس من صحيح الحديث. وقد اختلف في ذلك قول مالك، فروي أنه قيل له حمل عنك أنك تبيح ذلك، فقال كذب علي من قاله، أما تسمع الله ﵎ يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع، لا يكون الوطء إلا في موضع الولد. وهذا القول أصح في النظر، لأنه إذا لم يجز الوطء في الفرج في حال الحيض من أجل الأذى بنص قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]

стр. 8955

وجب أن لا يجوز الوطء في الدبر من أجل ما فيه من الأذى الذي هو بمنزلة دم الحيض أو أشد منه. وعلى قياس هذا القول تأتي رواية مطرف عن مالك أن الغسل لا يجب في ذلك إلا بالإنزال. والذي يأتي على قياس إباحة ذلك أن يجب الغسل فيه وإن لم ينزل إذا جاوز الختان الشرج، وعليه يأتي ما وقع في كتاب الإيلاء من المدونة من أن المولي يكون فايئا بالوطء في الدبر ويسقط عنه به الإيلاء. وللخلاف الحاصل في هذه المسألة قال مالك في هذه الرواية: وليس هذا بكلام يتكلم به عند كل من جاء. والذي خشي مالك من هذا أن يسمع قوله بتحليل ذلك فيشيع في الناس فيستبيحه العوام دون امتثال ما يلزم كل واحد منهم في ذلك من تقليد من يستفتيه. وإذا استفتى فقد يستفتي من يرى خلاف مذهبه في ذلك فيكون أخذه بمذهبه أخلص له، لأن ما اختلف العلماء في تحليله وتحريمه فالأخذ بتحريمه أحوط، لأنه من المتشابه الذي قال النبي- ﷺ فيه: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى المشتبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» الحديث. وقد مضى في رسم التسليف في الحيوان والطعام المضمون من سماع ابن القاسم الكلام على معنى قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وبالله التوفيق. [شراء الماء وحكمه] ومن كتاب أوله إن خرجت قال: ولا بأس باشتراء الماء إذا منعته ولم تقو عليه، فقلت إنهم يبيعونه منا على سقي دواب مسماة بدرهم، ومن الدواب ما يشرب الكثير ومنها ما يشرب القليل ومنها ما لا يشرب شيئا، فقال لا

стр. 8956

بأس بذلك على وجه الضرورة. قال محمد بن رشد: قوله لا بأس باشتراء الماء إذا منعته ولم تقو عليه، معناه لا بأس على البائع في بيعه، إذ له أن يمنعه ولا يمكن منه أحدا إلا بثمن، وذلك في مثل [الشراء] من البئر أو العين تكون في داره أو في جنانه الذي قد حظر عليه، لأن من حقه ألا يدخل أحد في داره أو في جنانه لاستقاء الماء منه إلا بإذنه، كان ذلك فيه فضل عن حاجته أو لم يكن. وأما إن كانت البئر والعين في أرضه التي لا ضرر عليه في الدخول فيها لاستقاء الماء منها فاختلف فيما يفضل من ماء ذلك عن حاجته هل له أن يبيعه أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها أن له أن يبيعه وأن يمنعه إلا بثمن، وجد له ثمنا عند سواه أو لم يجده، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية والمشهور في المذهب، وقيل ليس له أن يمنعه إلا أن يجد له ثمنا عند سواه، فإن لم يجد له ثمنا عند سواه لم يكن له أن يحبسه عنه وهو لا يحتاج إليه، والثالث أن ليس له أن يبيعه ولا أن يمنعه إذا لم يحتج إليه وإن وجد له ثمنا، وإلى هذا ذهب يحيى بن يحيى على ظاهر قول النبي- ﷺ : لا يمنع فضل بئر ولا يمنع رهو ماء، فقال: أربع لا أرى أن يمنعن: الماء، والنار، والحطب، والكلأ. وقد مضى هذا والقول فيه في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى من كتاب السداد والأنهار.

стр. 8957

وفي قوله في بيع الماء على سقي دواب مسماة إن ذلك لا بأس به على وجه الضرورة وإن كان منها ما يشرب القليل ومنها ما يشرب الكثير ومنها ما لا يشرب شيئا، يريد بالضرورة المشقة التي تلحق المتبايعين في اشترائه على الكيل، فأجيز ذلك لهذه الضرورة كما أجيز شراء الصبرة من الطعام جزافا لمؤنة الكيل ومشقته، لأن الغرر في ذلك يسير، إذ لا تسلم البيوع من يسير الغرر. ولو اشترى منه سقية دابة واحدة وهما لا يدريان هل تحتاج إلى الشرب أم لا لما جاز لكثرة الغرر في ذلك. ونظير هذا إجازة شراء لبن الشياه العدد الشهر والشهرين جزافا، بخلاف شراء لبن الشاة الواحدة جزافا الشهر والشهرين، وبالله التوفيق، لا شريك له. [طعام الفجأة] ومن كتاب النسمة وسئل ابن القاسم وابن وهب عن طعام الفجأة هل بلغك فيه شيء، يغشى الرجل القوم وهم يأكلون فيدعونه هل يأتيهم؟ فقالا: حسن جميل أن يجيبهم إذا دعوه، وإن غشيهم ولم يدعوه فلا يأكل لهم شيئا. قال محمد بن رشد: هذا مما ينبغي للرجل أن يعمل فيه بما يظهر إليه من حال الذين غشيهم يأكلون فدعوه للأكل معهم، إن ظهر منهم إليه استبشارهم بقدومه عليهم وسرورهم بأكله معهم استحب له أن يجيبهم إذا دعوه، وإن ظهر إليه منهم أنهم كرهوا غشيانه إياهم يأكلون وهم إنما دعوه استحياء منهم كره له أن يجيبهم، وإن لم يتبين له منهم أحد الوجهين كان له جائزا أن يجيبهم من غير استحباب ولا كراهة، وبالله التوفيق.

стр. 8958

[التاريخ من مقدم رسول الله ﷺ المدينة] ومن كتاب أوله إن أمكنتني من حلق رأسك وقال مالك إنما التاريخ من مقدم رسول الله- ﷺ المدينة. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن التاريخ إنما هو من مقدم النبي- ﷺ المدينة، وهو تاريخ الهجرة. وكان قدومه المدينة ضحى يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل يوم الإثنين الثامن من شهر ربيع الأول. وولد- ﷺ عام الفيل يوم الإثنين لثمان خلت من ربيع الأول، وبعث أيضا- ﷺ يوم الإثنين لثمان أيضا خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، فكان بين مولده إلى أن بعثه الله أربعون سنة [تامة، ومن مبعثه إلى أول المحرم من السنة التي هاجر فيها اثنتا عشرة سنة] وتسعة أشهر وعشرون يوما، ذكر ذلك الخوارزمي. وروي عن ابن عباس أنه قال: ولد نبيكم- ﷺ يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، وكانت بدر يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين. وقال ابن عبد البر: الأكثر على أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان، وما رأيت من ذكر أنها كانت يوم الإثنين إلا في هذا الخبر من رواية ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، وبالله التوفيق. [إيمان الكافر وتوبة المسلم] في إيمان الكافر وتوبة المسلم قال ابن القاسم: تذاكرنا مع عبد الرحمن بن خالد إيمان

стр. 8959

الكافر ورجوعه إلى الإسلام، وما ذكر الله في كتابه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ، وذكرنا ذنوب أهل الإسلام فقال: إني لأرجو أن يكون أهل الإسلام أفضل حالا في هذا من أهل الكفر، ولقد بلغني أنه يقال إن توبة المسلم كالإسلام بعد الإسلام. قال محمد بن رشد: المعنى في قول عبد الرحمن بن خالد إني لأرجو أن يكون أهل الإسلام أفضل حالا في هذا من أهل الكفر بين، لأن الكافر يغفر له بإسلامه ما سلف من آثامه، فيكون كمن ولد حينئذ لا حسنة له ولا سيئة عليه، والمؤمن إذا تاب تغفر له ذنوبه التي سلفت وآثامه، وتبقى له حسناته. وإنما قال أرجو ذلك ولم يطلق القول بأنه أفضل منه دون أن يقيده بالشك والرجاء من أجل أن من الذنوب ما لا تكفرها التوبة، وهي ما كان منها يتعلق به حق بمخلوق، لأن الظلامات لا تصح التوبة منها إلا بردها إلى أربابها أو تحللهم منها، فلا يدري التائب إذا كانت عليه ظلامات هل تفي بها حسناته أم لا، فإن وفت بها دون زيادة ولا نقصان كانت حاله في توبته كحال الكافر في إسلامه، وإن وفت بها وزادت عليها كانت حاله أفضل من حال الكافر في إسلامه، وإن لم تف بها كانت حال الكافر في إسلامه أفضل من حاله، لأن الكافر إذا أسلم يسقط عنه بإسلامه جميع الآثام والتباعات، ويحتمل أن يكون إنما علق ذلك بالرجاء ولم يطلق القول بأن حال المسلم إذا تاب أفضل من حال الكافر إذا أسلم من أجل أنه قيل إن قبول الله لتوبة التائب من عباده لا يقطع بها في حق كل تائب، لاحتمال أن لا يكون قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] عاما في كل تائب، ويكون معناه فيمن سبق له من الله أنه يقبل توبته. وعلى هذا ينبغي للعبد إذا تاب أن يرغب

стр. 8960

إلى الله في قبول توبته. والذي عليه الجمهور أن الآية على عمومها في قبول الله توبة كل تائب، وكذا سائر الآيات الواردة في هذا محمولة على عمومها في حق كل تائب، منها قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨] ، وعسى من الله واجبة، قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] . والتوبة النصوح هي أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه، قاله عمر بن الخطاب. وقد روي عن النبي- ﷺ أنه قال: «الندم توبة» وأنه قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . وروي عن الشعبي أنه قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . فإذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب، فإذا تاب الرجل من الذنب فإن ندم عليه ونوى ألا يعود إليه بنية صحيحة ثم لم يعد إليه كان قد تاب توبة نصوحا، فاستوجب بذلك ما وعده الله به من الغفران وإدخال الجنة. وإذا تاب من الذنب بأن ندم عليه ونوى بنية صحيحة أن لا يعود إليه غفر له ذنبه الذي تاب منه، فإن عاد إليه لم تكن توبة نصوحا، فحصل له بذلك الوعد بتكفير إثم الذنب الذي تاب منه، ولم يحصل له الوعد منه تعالى بدخول الجنة وكان في المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. وقد روي عن النبي- ﷺ أنه قال: «من استغفر من ذنبه غفر الله له ما لم يعد إليه» ومعنى هذا، والله أعلم، إذا استغفر الله منه ولم يتب منه بالندم عليه والعزم على ألا يعود إليه، وبالله التوفيق.

стр. 8961

[الاستيناس ما هو] ومن كتاب أوله باع شاة وسألته عن الاستيناس ما هو؟ فقال: التسليم. قلت: فالرجل يؤذن له في مثل دار فيدخل في الدار بإذن، فإذا جاء إلى باب البيت أترى أن يستأذن؟ قال: ليس ذلك عليه إذا أُذن له مرة، وقال الاستيذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع. قلت: ما هذا؟ قال: تسلم ثلاث مرات فإن أذن لك وإلا فانصرف. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية إن الاستيناس هو السلام بعيد، لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] فلو كان الاستيناس هو التسليم لكان معنى الكلام حتى تسلموا وتسلموا، وذلك لا يصح. وقد روى ابن وهب عن مالك أن الاستيناس هو الاستئذان، وهو الصحيح الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، أن معنى حتى تستأنسوا حتى تستأذنوا، وقالوا إنما تستأنسوا وهم من الكاتب على ما جاء عن ابن عباس من أنه قال: إنما هو حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها، وغلط الكاتب. واستدلوا على ذلك بقراءة أبي بن كعب وابن عباس والأعمش (حتى تستأذنوا) . وقال جماعة منهم أيضا إن المعنى حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح [والتنخم] وما أشبه ذلك حتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم. وقال أبو جعفر الطبري: الذي أراه، والله أعلم، أن الاستيناس استفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم مختبرا بذلك من فيه وهل فيه أحد، وليؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم. وقد

стр. 8962

حكي عن العرب سماعا: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا في الدار. وقال الفراء والكسائي: في الكلام تقديم وتأخير، معناه حتى تسلموا وتستأذنوا، وهو أن يقول السلام عليكم أدخل؟ وقال حتى تستأنسوا أي تستأذنوا وتعلموا من في الدار هل هو ممن يجوز أن يدخل عليه أم لا، من قول العرب اذهب فاستأنس هل ترى من أحد. قال محمد بن رشد: وإنما قال الفراء والكسائي إن في الكلام تقديما وتأخيرا لما روي عن ابن عباس من أنه كان يقرؤها كما كان أبي ابن كعب وابن مسعود يقرآنها: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وليس تقديم السلام على الاستئذان على ما جاء في هذه القراءة بالذي توجبه البداية بالتسليم قبل الاستئذان كما قالا من أنه يقول السلام عليكم أدخل؟ لأن الواو لا توجب الرتبة، وإذا لم توجب رتبة فالبداية بما بدأ الله به من السلام أو الاستئذان إنما هو استحسان، لقول رسول الله- ﷺ في الحج: «نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا» . وقد اختلفت الروايات في صفة استئذان أبي موسى الأشعري على عمر بن الخطاب، فروي أنه قال: السلام عليكم أأدخل، السلام عليكم أأدخل، السلام عليكم أأدخل؟ وروي أنه قال: يستأذن أبو موسى، يستأذن أبو موسى، يستأذن عبد الله بن قيس. وإذا كان قد قرئ حتى تستأذنوا وتسلموا، وحتى تسلموا وتستأذنوا، وكان الثابت بين اللوحين الذي يقطع أنه قرآن ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور: ٢٧] وكان معنى حتى تستأنسوا حتى تستأذنوا على ما روى ابن وهب عن مالك وقال إنه قول أكثر أهل التفسير، كان الصواب أن يقدم الاستئذان، فإن أذن له في الدخول سلم على من في البيت ودخل، لأنه قبل أن يؤذن له لا يدري على من يسلم، وقد لا يكون في البيت أحد يسلم عليه، لا كما قال في الرواية من أن معنى ما جاء في الحديث من أن الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع، هو أن يسلم

стр. 8963

ثلاث مرات فإن أذن لك وإلا انصرفت. وقد روي عن ابن عباس «أن عمر قال: أتيت رسول الله- ﷺ وهو في مشربة له فقلت السلام عليك يا رسول الله أيدخل عمر؟» . وروي أن رسول الله- ﷺ قال: «لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام» . ففي هذا الحديث البداية بالسلام قبل الاستئذان، فيحمل على أن المعنى فيه إذا وقف على باب البيت فعلم من فيه ممن يصلح له الدخول عليه. وأما إذا وقف على الباب فلم يعلم من في البيت ولا هل فيه من يصلح له الدخول عليه أم لا، ولا هل فيه أحد أم لا، فالبداية بالاستيناس، وهو الاستئذان، على ما روى ابن وهب عن مالك أظهر وأولى على ما ذكرناه، وبالله التوفيق. لا شريك له. [بشر بن سعيد وبعض فضائله] من سماع من كتاب أوله نقدها نقدها وسمعته يقول كان بشر بن سعيد رأس العُبَّاد، كما كان سعيد بن المسيب رأس الفقهاء. قال وكذلك كنت أسمع. قال محمد بن رشد: قد مضى ذكر فقهاء المدينة وعبادهم في أول رسم أوصى فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق. [تسري عَبِيد عبد الله بن عمر في أموالهم] في تسري عَبِيد عبد الله بن عمر في أموالهم قال ابن القاسم: حدثني عبد الله بن عمر عن نافع قال: كان عَبِيدُ عَبدِ الله بن عمر يتسرون من أموالهم ولا يستأذنونه. قال وسألنا مالكا عن ذلك فقال مثله.

стр. 8964

قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب النكاح الأول من المدونة. ومعنى ذلك أنه كان قد أذن لهم في التجارة، لأن العبد المحجور عليه لا يجوز له بيع ولا شراء إلا بإذن سيده. وفي هذا دليل على أن العبد يملك، على ما قاله مالك وذهب إليه، خلاف ما ذهب إليه من خالفه في ذلك من فقهاء الأمصار، إذ لو لم يملك وكان ماله لسيده لما حل له أن يتسرى فيه، إذ لم يبح الله الوطء إلا بنكاح أو ملك يمين فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] وبالله التوفيق. [وصية القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز] في وصية القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز وما قاله له فيما عرض عليه وسمعته يذكر عن مالك قال: التقى عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد في حج أو عمرة، فقال له أوصني، فقال له القاسم: عليك بالصبر في مواضع الصبر، فقال له عمر بن عبد العزيز: إن معنا فضلا من أزواد وأمتعة، أفلا نأمر لك بها؟ فقال له القاسم: إني امرؤ لا أرزأ أحدا شيئا. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول عليه في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادة القول فيه، وبالله التوفيق. [كراهة الأخذ بالرخص] في كراهة الأخذ بالرخص وسمعته يحدث عن بعض الحكماء أنه قال: لو كانت لي

стр. 8965

نفسان أخذت بالرخص فقدمت إحداهما، فإن كان الأمر على ذلك وإلا رجعت على نفسي الأخرى فاستعنيت، إنما هي نفس واحدة. قال محمد بن رشد: ليس معنى هذا في الرخص التي رخص الله فيها لعباده في كتابه أو على لسان رسوله- ﷺ من التعجيل في يومين من قوله : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ، أو من الفطر في رمضان في السفر وما أشبه ذلك، إذ لا اختلاف في أن الأخذ بالرخص في مثل هذا جائز، بل قد قيل إن ذلك أفضل لما جاء من أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى شدائده. وإنما معناه فيما اختلف العلماء فيه فأجازته طائفة منهم وحظرته أخرى، فهو إن أخذ بقول المحظرين لذلك الشيء فلم يستبحه سلم، وإن أخذ بقول من أجازه فاستباحه لم يأمن من مواقعة الخطأ والوقوع في المأثم. فلو كان له نفسان كما قال لم يبال من إثم الواحدة إذا سلمت له الثانية من الإثم. وأما وليس له إلا نفس واحدة فمن الحظ له الاحتياط لها، وبالله التوفيق. [الاجتهاد في العبادة] في الاجتهاد في العبادة وسمعته يحدث عن سليمان بن القاسم قال: يقولون لي: لو رفقت بنفسك، والله لأنا بما أنا فيه ألذ من أهل افتضاض العذارى لعذاراهم. وسمعته يحدث عن محمد بن يحيى الإسكندراني عن رجل كان يصلي في البحر ويتعلق بالحبل، وأنه غلبته عيناه فنام، فلما استيقظ قال لرجل: ما منعك أن توقظني؟
следующие страницы →