← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قال محمد بن رشد: قوله: وإن لم يكن عند واحد منهما وفاء بها، مطروح في بعض الروايات، وطرحه صواب؛ لأنه خطأ من أجل أن المحيل له مائة، وعليه مائة فلا زكاة عليه في المائة التي له قبضها من التي عليه، أو أحال بها عليه الذي له عليه المائة، إلا أن يكون له وفاء بالمائة التي عليه؛ وأما المحتال، فالمائة التي استحال بها دين له على المحيل يجب عليه زكاته إذا قبضه منه، أومن المحال عليه؛ ولا يشترط أن يكون له وفاء بها، إذ ليست بدين عليه، وإنما هي دين له؛ ويجب على المحيل زكاة المائة التي له - إذا أحال بها بنفس الإحالة - وإن لم يقبضها المحتال بها؛ لأن المائة التي عليه تسقط عنه بنفس الإحالة، فيصير قابضا لها؛ فكأنه بذلك قد قبضها من الذي كانت له عليه. وتأول ابن لبابة على أصبغ أن الزكاة لا تجب عليه بنفس الإحالة حتى يقبضها المحتال بها، لقوله: لأنه كقبضها لو قبضها من صاحبها؛ فحمله على الخلاف؛ لقول ابن القاسم وهو تأويل فاسد، إذ لا وجه لمراعاة قبض المحتال فيما يجب على المحيل من الزكاة، وإنما يراعى قبضه فيما يجب عليه هو في خاصة نفسه؛ ومعنى قول أصبغ: لأنه كقبضها، يريد؛ لأن الإحالة كقبضها لو قبضها من صاحبها؛ لأنه يصير بها قابضا من نفسه، وهذا كله بين. قال محمد بن المواز: وعلى المحتال عليه زكاتها أيضا - إن حال عليها الحول عنده من يوم تسلفها، أو صارت عليه - إن كان له وفاء بها وهو صحيح، فيجب على المحيل زكاة المائة بنفس الإحالة - إن كان له بها وفاء، ويجب على المحال زكاة المائة إذا قبضها، لا بنفس الإحالة على كل حال، إذ لا دين عليه، ولو كان للمحال عليه على المحال مائة قد حال عليها الحول أيضا، فقاصه بها، لوجب على كل واحد منهم زكاتها للمحيل بنفس الإحالة، والمحال عليه بالمقاصة إن كان لكل واحد منهم وفاء بها؛ لأن كل واحد منهم له مائة وعليه مائة، فوجب

стр. 912

أن يزكي المائة التي له إذا قبضها، أو صارت إليه بحوالة، أو مقاصة - وله وفاء بالمائة التي عليه، وبالله التوفيق. [مسألة: بعث بعشرة دنانير إلى مكة ليشترى له بها كسوة لعياله فحلت زكاته] مسألة وسئل: عن رجل بعث بعشرة دنانير إلى مكة ليشترى له بها كسوة لعياله، فحلت زكاته وحل حولها - قبل أن يشترى بها؛ أعليه زكاتها؟ قال: نعم يزكيها. قال أصبغ: وذلك إذا لم يكن أشهد عليها لمن أمر أن يشتري له بها، فإن أشهد، خرجت من ماله؛ لأنه لو مات قبل رجوعها، كانت ثابتة لمن أشهد له، فلا زكاة فيها؛ قال: وسألناه عن رجل حال الحول على ماشيته، فلم يأته الساعي فعزل لعياله ضحايا وقسمها، ونحو هذا، ثم جاءه الساعي يوم النحر قبل الذبح؛ قال: إن كان أشهد عليها، فلا زكاة عليه فيها، وإن كان لم يشهد ففيها الزكاة، أنظر أبدا ما كان لو مات كانت ثابتة لمن جعلها له، فلا زكاة عليه فيها، وكل ما لو مات لم يكن لمن جعلها له فهي مال من ماله، فيها الزكاة. قال أصبغ: فالأول مثل هذا - وهما سواء وقال أبو زيد: عن ابن القاسم مثله. قال محمد بن رشد: وجه تفرقة ابن القاسم بين المسألتين ظاهر، وقوله في المسألة الأولى أصح من قول أصبغ؛ لأن تفرقة زكاة العين إلى صاحبه فهو مصدق فيما (يذكره مما) يسقط عنه الزكاة فيها؛ لأنها موكولة إلى أمانته؛ فإن قال: إن الدنانير التي بعث بها ليشتري بها كسوة لعياله كان قد بتلها

стр. 913

لها، لم يكن عليه فيها زكاة: أشهد، أو لم يشهد؛ لأن ذلك فيما بينه وبين الله. وإن قال: إنه لم ينو تبتيلها وجبت عليه زكاتها؛ لأنها باقية على ملكه - وإن بعث بها ليشتري بها ثوبا لامرأته؛ لأن ذلك -من ناحية العدة، فله أن يرجع فيها ما لم يوجبها على نفسه بالإشهاد، وأما مسألة الغنم، فللساعي ألا يصدقه فيما يدعيه فيها مما يسقط زكاتها الواجبة عليه فيها، لحلول الحول، وقد اختلف إذا ادعى بعد الحول أنه كان تصدق بها قبل الحول على ما في أول سماع ابن القاسم من كتاب زكاة الماشية. [يتسلف مالا فيشتري به سلعة وذلك قبل حلول حوله بشهرين] مسائل نوازل سئل عنها أصبغ قيل لأصبغ: ما تقول في الرجل يتسلف مالا فيشتري به سلعة، وذلك قبل حلول حوله بشهرين أو ما أشبهه، أو لا يشتري به سلعة فيحول عليه الحول؛ أيزكيه - إن كان ناضا، أو (يقوم) ما اشترى به من السلع، فيزكيها مع ما يزكي من ماله؟ قال أصبغ: هو كسائر ماله - إن كان له وفاء بدينه زكاه مع ماله إذا خلطه بماله، وجرت فيه التجارة قبل الحول؛ زكاه عند الحول - إن كان له وفاء غيره - إذا لم يدر، فإن كان يدير قوم عرضه مع ماله - إن كان له وفاء أيضا بدينه - وإن اشترى به، ولم ينض عند الحول. قال محمد بن رشد: هذه مسألة مخالفة لأصولهم؛ لأن الذي تسلف كالفائدة، فلا زكاة عليه فيه حتى يحول عليه الحول من يوم تسلف وله به وفاء؛ ولا اختلاف بينهم في هذا، وإنما اختلفوا إذا حال عليه الحول، وله به وفاء لم يحل عليه الحول؛ هل يزكيه الآن، أو حتى يحول الحول على الوفاء الذي له به على ما مضى من الاختلاف في ذلك في رسم "استأذن" وغيره من سماع عيسى، وكأنه

стр. 914

تأول أنه لما تسلف السلف على ما بيده، كان كأنه منه، وذلك فاسد؛ وقد تأول بعض الناس أن الشراء هو الذي كان قبل حلول حوله بشهرين، أو ما أشبه ذلك وأن السلف قد كان من أول الحول، وهو تأويل بعيد لا تستقيم به المسألة، لقوله: زكاه مع ماله إذا خلطه بماله وجرت فيه التجارة قبل الحول، إذ لو كان السلف من أول الحول لوجبت عليه فيه الزكاة بحلول الحول إذا كان له به وفاء خلطه بماله وجرت فيه التجارة أو لم يخلطه به ولا جرت فيه التجارة. [مسألة: المقارض يعمل بالمال وله مال لا تجب فيه الزكاة] مسألة قيل لأصبغ: أرأيت المقارض يعمل بالمال سنة فيفاصل صاحبه ويقبض حصته من الربح - وله مال لا تجب فيه الزكاة، وقد حال عليه الحول، إلا أنه إذا جمع إلى ما ربح في القراض صار به ما يجب في مثله الزكاة، هل يضمه إلى ربح هذا القراض، فيزكيه معه؟ قال: لا يكون له أن يضمه إلى فائدة إن كانت عنده لم يجب فيها شيء، ولهذه يستدل على المساقي يصير في حصته من التمر وسقان، ويجد من نخله ثلاثة أوسق، أن عليه أن يزكي ما صار له، فهذه وتلك سواء على العامل أن يزكي ما صار له واجب، فلما كان ذلك عليه لم يضف إلى غيره، وكان هذا بزكاته وسنته، وهذا بزكاته وسنته. قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة لأصبغ في نوازله من كتاب القراض أيضا بزيادة ألفاظ فيها بيان، ومراده في الموضعين أن المقارض لا يضم ما له من مال قد حال عليه الحول ولا يبلغ ما تجب فيه الزكاة ـ إلى ما ربح في القراض فيزكيه مكانه - إن كان يبلغ بإضافته إليه ما تجب فيه الزكاة - وإن كان قد زكى الربح، ولكنه يضيفه إليه ويستقبل به حولا، كما أن المساقي إذا

стр. 915

صار له من التمر في حصته وسقان، وجد من نخل له ثلاثة أوسق، لا يضيف الثلاثة الأوسق إلى الوسقين فيزكيها، وإنما يزكي الوسقين خاصة - إذا كان لصاحب الحائط ما إذا أضافه إلى الوسقين وجبت فيه الزكاة؛ وهذا ما لا أعلم فيه نص خلاف؛ لأن الربح إنما يزكيه العامل في القراض على ملك رب المال، وكذلك حظه من تمر الحائط في المساقاة، إنما يزكيه على ملك رب الحائط؛ ألا ترى أنه يزكي حظه من الربح، وحظه من تمر المساقاة - وإن كان لا يبلغ ذلك ما تجب فيه الزكاة؛ فوجب ألا يضيف إلى ذلك ما يزكيه على ملكه، وأن يكون يفرق هذا على سنته، وهذا على سنته؛ وقوله: فهذه وتلك سواء على العامل أن يزكي ما صار له واجب، أي عليه أن يزكي ما صار له من الثمن في المساقاة بإضافته إلى ما صار لصاحب الحائط، فلما كان عليه أن يزكي ذلك، وإن كان لا يبلغ ما تجب فيه الزكاة، لم يضف إلى ذلك الثلاثة الأوسق، ولا كان عليه فيها زكاة، وكان هذا على سنته، وهذا على سنته. [مسألة: أعتق من زكاة ماله عن المسلمين رقبة لا تجوز في الرقاب أعليه بدلها] مسألة قيل لأصبغ: فلو أعتق رجل من زكاة ماله عن المسلمين رقبة لا تجوز في الرقاب، أعليه بدلها؟ قال: نعم عليه بدلها من أجل أن الإمام لو كان هو المعتق، لم يكن ليعتق عن المسلمين كافرا ولا ذميا؛ وإنما يعتق عنهم من يستعاض بولائه من ثمنه، ويكون رغبة وثروة وزيادة؛ قيل له: فلو اشترى مدبرا أو مكاتبا فأعتقه، أيجزئ أم لا - وهو الآن لا يرده إلى ما كان عليه، وقد بطل ما كان فيه وصار عتيقا، وصار ولاؤه للمسلمين؟ قال أصبغ: أما قول مالك الأول حين كان يقول: يرد ذلك ولا يجوز، فهو لا يجزئه، وأما قوله الذي رجع إليه حين قال ذلك جائز، ويمضي العتق، فهو يجزئه؛ لأن ذلك العيب الذي كان

стр. 916

يكره قد زايله وخرج منه، ولكن أحب إلي أن لو أبدله من غير وجوب. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: أنه لا يجوز للرجل أن يعتق من زكاته إلا رقبة تجوز في الرقاب؛ لأن اللفظ في ذلك سواء في القرآن، ولا يجوز للرجل أن يعتق في شيء من ذلك مكاتبه ولا مدبره ولا أم ولده؛ فأما إن اشترى مكاتبا أو مدبرا لغيره، فأعتقه؛ فذلك جار على ما ذكر من اختلاف قول مالك، وسواء عندي اشتراه - وهو يظنه عبدا، فدلس له بذلك البائع، أو اشتراه وهو يعلم أنه مكاتب أو مدبر، يدخل في ذلك الاختلاف المذكور إذا اشتراه من زكاة ماله فأعتقه، وأما إذا اشتراه في رقبة واجبة عليه فأعتقه، فإن كان عالما فلا ينبغي أن يجزيه؛ لأن ذلك بمنزلة شرائه إياه بشرط العتق، وإن كان لم يعلم، وإنما دلس له بذلك البائع، جرى ذلك على الاختلاف المذكور، يبين ذلك ما وقع من الاختلاف في ذلك في سماع أصبغ من كتاب الوصايا، ومن كتاب العتق، فقف على ذلك وتدبره؛ وما وقع في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات" من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات من إجازة شراء المدبر ابتداء في الزكاة، يحتمل أن يكون معناه أن المدبر كان بيع في موضع يجوز بيعه (فيه) - والله أعلم، وبه التوفيق. [مسألة: له دار فباع الطعام كله بثلاثين دينارا أكان يضع عنه ذلك الزكاة] من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن رجل ابتاع طعاما بمائة

стр. 917

دينار وحمله إلى بلد بثلاثين دينارا، فلزمه الكراء فباع (منه) بثلاثين دينارا للكراء، وحبس ما بقي؛ قال: عليه أن يزكي تلك الثلاثين دينارا، وأن ما باع من الطعام بمنزلة أن لو كان له دار، فباع الطعام كله بثلاثين دينارا في دين عليه لكراء أو غيره؛ أكان يضع عنه ذلك الزكاة؟ فأرى الزكاة عليه؛ لأن ما بقي من طعامه فيه وفاء لدينه، بمنزلة الدار؛ فإذا باع الطعام، لم يكن عليه زكاة في الثلاثين دينارا التي كانت عرضا لديه؛ وما باع به أكثر من ذلك، زكاه مع الثلاثين التي زكاها أولا التي قضى - وإن كان الذي يفضل عن الثلاثين أقل مما فيه الزكاة؛ لأنها من الأولى. قال محمد بن رشد: قوله: إنه يزكي الثلاثين دينارا التي باع للكراء، ويجعل الدين الذي عليه للكراء فيما بقي من الطعام، صحيح؛ لا خلاف فيه؛ لأن الطعام قد حال عليه الحول، فلا يدخل في ذلك من الخلاف ما يدخل في الذي عليه مائة دينار (دين، وله) مائتان حل حول إحداهما، ولم يحل حول الأخرى؛ ولا يكون له أن يجعل الدين الذي كان عليه للكراء فيما باع من الطعام، فلا يزكيه كما يكون له أن يجعل المائة التي عليه في المائة التي حال حولها، فلا يزكيها على الصحيح من القولين في ذلك؛ وأما قوله: فإذا باع الطعام لم تكن عليه الزكاة في الثلاثين دينارا التي كانت عوضا لدينه، فيتخرج ذلك على قولين؛ أحدهما: هذه أنه لا يزكي الثلاثين دينارا التي كانت وفاء للدين الذي كان للكراء عليه، حتى يحول الحول عليها من يوم سقط دين الكراء

стр. 918

عنها؛ وهذا يأتي على ما في رسم "استأذن" من سماع عيسى في الذي يفيد فائدة، وعليه دين يستغرق ما بيده، (أنه لا يزكي ما بيده) حتى يحول الحول على الفائدة من يوم أفادها؛ وعلى ما في المدونة لمالك فيمن كان بيده مال وعليه دين مثله، فوهب له بعد أن حال الحول على ما بيده، أنه لا زكاة عليه فيها بيده حتى يحول عليه الحول من يوم سقط الدين عنه، والقول الثاني: أنه يزكي جميع ثمن ما بقي من الطعام بعد ما باع منه الدين ساعة بيعه قرب ذلك أو بعد، لسقوط الدين عنه، وهذا يأتي على قول غير ابن القاسم في المدونة، وعلى ما يلزم ابن القاسم على أصله في مسألة رسم "العرية" من زكاة المائة الثانية إذا حل عليها الحول، وجعله الدين في المائة التي كان زكاها، وهذا تفسير معنى قول ابن أبي زيد في النوادر عقب هذه المسألة، وهذا على قول من قال في المائتين حولهما مختلف، وعليه مائة يزكي مائة واحدة؛ ولو كان له عروض سوى الطعام تفي بالثلاثين دينارا، لزكى جميع ثمن الطعام قولا واحدا، ولو كان مديرا لقوم جميع الطعام إذا حال عليه الحول، فأسقط منه الثلاثين التي عليه للكراء، وزكى الباقي - إن لم يبعه، ولم يكن في ذلك كلام، ولا اختلاف؛ فهذه المسألة يفترق فيها حكم المدير من غير المدير؛ لأن غير المدير يزكي الثلاثين مرتين على ما ذكرناه من أحد القولين، وأما مسألة رسم "العرية" من سماع عيسى، فمن قال: إن حكم المدير يختلف فيها من غير المدير فقد أخطأ - وبالله التوفيق. [مسألة: أخرج زكاة ماله فسقطت منه ثم وجدها وقد أعدم وعليه دين] مسألة وقال: في رجل أخرج زكاة ماله، فسقطت منه، ثم وجدها وقد أعدم وعليه دين؛ قال: لا يكون لأهل الدين فيها شيء. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال أنه ليس لأهل الدين فيها شيء،

стр. 919

لأنها للمساكين؛ إلا أن يكون قد أداها إليهم لما تلفت، فتكون إذا وجدها لأهل دينه - وبالله التوفيق. [يدير بعض ماله ولا يدير بعضه كيف يزكيه] من مسائل سئل عنها عيسى بن دينار قال عيسى بن دينار في الذي يدير بعض ماله، ولا يدير بعضه، ولكن يشتري به السلعة فتربص بها النفاق، ولا يشتري به شيئا، وقد أخرج من ماله صدرا سواه يديره، قال: إن كان الذي يدير هو الأقل، والآخر الأكثر، فليزك الذي يدير على الإدارة، والآخر على غير الإدارة؛ وإن كان الذي يدير هو الأكثر والآخر الأقل، فليزكه كله على الإدارة؛ وسئل أصبغ، فقيل له: الرجل يدير صدرا من ماله النصف أو الثلثين، وسائر ماله بحاله لا يحركه، أو لعله أن يشتري به الأنواع من التجارة، يرتصد بها الأسواق في أيامها، أو يكون له المال فيسلف رجلا نصفه، ويتجر بنصفه على حال الإدارة؛ فيقيم الدين على حاله، هل يزكيه كله زكاة الإدارة؟ قال أصبغ: إن كان حين شغل ما شغل للإدارة، إنما (أبقى) الباقي عنده لمثل ذلك إن رأى ذلك، فليزكه زكاة الإدارة، وإن كان حين شغل ما شغل على عزم أن الباقي لا يدخله في الإدارة أبدا ولا حاجة له بذلك، ولا نواه، فليزك الذي شغل على الإدارة والآخر على سنته. قال محمد بن رشد: في الواضحة لمطرف وابن الماجشون: إن المالين كانا متناصفين، زكي كل مال منهما على جهته، وإن كان أحدهما أكثر فللأقل

стр. 920

حكم الأكثر، وقد تأول ابن لبابة ما في المدونة على أنهما يزكيان جميعا على الإدارة - كان الذي يدار هو الأقل أو الأكثر، وهو ظاهر ما مضى في سماع أصبغ قبل هذا؛ فهذه أربعة أقوال، والقياس أن يزكي كل مال على سنته، كانا متناصفين أو أحدهما تبعا لصاحبه؛ لأن الأصل في عروض التجارة ألا زكاة فيها حتى تباع، إذ لا زكاة إلا في الحرث، والعين، والماشية، فلما كان الذي يدير ماله، لا يقدر على أن يحفظ أحواله، أمر أن يجعل لنفسه شهرا من السنة، فيقوم فيه ما عنده من العروض ويضيفه إلى ما بيده من المال، فيزكي جميع ذلك؛ فإذا كان للرجل مالان يدير أحدهما ولا يدير الآخر، وجب أن يزكي الذي لا يدير على سنة التجارة، لكونه قادرا على حفظ أحواله، والذي يدير على سنة الإدارة، لكونه غير قادر على حفظ أحواله، وقول عيسى بن دينار إنه إذا كان الذي يدير هو الأكثر، زكاه كله على الإدارة، استحسان واحتياط للمساكين على غير قياس؛ لأنه إذا زكى (ما لا يدار - وإن قل - على سنة الإدارة، فجعل مخرجا لزكاة العرض قبل بيعه، ولزكاة الدين قبل قبضه، وقد قال ابن القاسم في المدونة: أما من فعل ذلك لم يجزه، وكان كمن أدى زكاة ماله قبل أن يحول عليه الحول، وظاهر معنى المدونة وسماع أصبغ من أنه يزكي) المالين جميعا على الإدارة - وإن كان الذي يدار هو الأقل - إغراق في الاستحسان، وقول أصبغ قريب منه في الاستحسان؛ لأنه يزكيهما جميعا في مذهبه على الإدارة - وإن كان الذي يدار هو الأقل، إلا أن يكون ما أبقى منه ولم يدخله في الإدارة، أبقاه على عزم أنه لا يدخله في الإدارة، وأما قول مطرف وابن الماجشون: إن الأقل تبع الأكثر، فهو كلام خرج على غير تدبير ولا تحصيل، إذ لا يستقيم أن يزكي ما يدار على غير الإدارة، كما يستقيم أن يزكي ما لا يدار على الإدارة؛ لأن الذي يدير يبيع ويشتري، وغير المدير يزكي - إذا باع، إلا أن يكون معناه في الذي

стр. 921

يبيع العروض بالعروض، ولا ينض له ما تجب فيه الزكاة؛ وفي قول عيسى بن دينار لفظ فيه نظر، وهو قوله أولا يشتري به شيئا؛ لأن العين ما لم يشتري به شيئا، فحكمه حكم المدار في أنه تجب زكاته في كل عام؛ ومثله قول أصبغ وسائر ماله بحاله لا يحركه، فتدبر ذلك، وقف عليه، وبالله التوفيق. * * *

стр. 922

[كتاب زكاة الماشية] [ تصدق على ابن له بغنم فحازها هل يضمها إلى غنمه في الزكاة] من سماع ابن القاسم من كتاب أوله شك في طوافه وسئل عن رجل تصدق على ابن له بغنم فحازها له ووسمها وجعلها في غنمه، فهي إن ضمها مع غنمه كان فيها شاتان، وإن أفردها لم يكن فيها إلا شاة واحدة، أترى أن يضمها مع غنمه؟ قال: لا أرى أن يضمها معها؛ قال: قلت: أرأيت لو ضمها - وقال للمصدق إذا جاءه: ليس لي منها إلا كذا وكذا، وسائرها تصدقت به على ولدي؛ أفترى للساعي أن يقبل قوله ويصدقه، قال: نعم، يصدقه إذا كانت على صدقته بينة. قال سحنون: لم يصدقه إذا قال

стр. 923

إن كانت على صدقته بينة - ولم يكن في كتابه، وإنما هو في رواية عيسى. قال محمد بن رشد: معنى قوله: يصدقه إذا كانت على صدقته بينة، أنه يصدق على تعيين الغنم المتصدق بها - إذا شهدت له بينة على الصدقة، ولم تعينها، وظاهر قول سحنون أنه مصدق، وإن لم تكن له بينة أصلا، وهو استحسان في الزكاة على غير قياس في الحقوق؛ لأنه قد أقر أن الغنم كانت له وادعى من صدقته بها على ابنه ما يسقط عنه الزكاة في غنمه، واختلف في تصديقه: فقيل بيمين، وقيل بغير يمين، وقيل: إن كان متهما أحلف، وإلا لم يحلف، وقد تؤول أن ذلك ليس باختلاف، وأن القول الثالث يبين القولين الأولين، فيرجع الأمر إلى ألا يحلف إلا المتهم، وهذا التأويل صحيح فيمن ظهر له مال - وادعى ما يسقط الزكاة عنه فيه؛ وأما من لم يظهر له مال - وادعى عليه الساعي أنه غيب ماله، فإن كان ممن لا يتهم، لم يحلف باتفاق؛ وإن كان ممن يتهم، فقيل: إنه يحلف، وقيل: إنه لا يحلف - وهي رواية ابن أبي أويس عن مالك؛ والدليل على وجوب تحليف من اتهم في زكاته - وإن كانت الزكاة من حقوق الله التي تعد عبادة؛ ما روي «عن ابن عباس في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] . قال: كانت المرأة - إذا أتت النبي ﵊ لتسلم، حلفها بالله ما خرجت من بغض زوجها؛ وبالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت، إلا حبا لله ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 924

وسلم-» . ولو ادعى أنه تصدق بها على ابنه بعد أن حال عليها الحول قبل أن يأتيه الساعي، كان للساعي ألا يصدقه، ويأخذ منه الزكاة، إلا أن يقيم على ذلك بينة على ما في سماع أصبغ قولا واحدا. [مسألة: الأسنان المحدودة للأخذ في الزكوات] مسألة قال مالك: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن: «أن النبي ﷺ بعث رجلا مصدقا، فأتى إلى رجل، فإذا عليه بنت مخاض، فقال: والله ما كنت أول من أعطى ما لا يحلب ولا يركب، فأعطى كبيرة، فأبى أن يأخذها، وقال لم أؤمر بذلك، فأقبل الرجل مع الذي بعثه النبي ﵇ إلى النبي ﵇، فذكر للنبي الذي عرض عليه، فأمره النبي ﷺ أن يأخذها منه، قال: ودعا له النبي ﵇ بالبركة في إبله؛ قال: فنمت وكثرت» قال: فإنه ليعرف فيها دعوة النبي ﵇ إلى اليوم. قال محمد بن رشد: في هذا الحديث أن الأسنان المحدودة للأخذ في الزكوات، ليست بحد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كعدد ركعات الصلوات؛ وإنما هي حد في أن لا يؤخذ من أحد فوقها إلا برضاه، وهذا ما لا خلاف فيه - وبالله التوفيق. [مسألة: لا يرد عليه الساعي لبعده من موضع مياه الناس] ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته قال: وسئل عمن لا يرد عليه الساعي لبعده من موضع مياه الناس التي يجمعون عليها مواشيهم للسعاة، فهم لا يجلبون على

стр. 925

الساعي، والساعي لا يأتيهم؛ قال: أرى عليهم أن يجلبوا إلى المدينة ما عليهم من الزكاة، فقيل له: إنها ضعاف، ويخاف عليها أن تنكسر، وليس مثلها يجلب؛ وإن انكسر منها شيء، تكلفت مرة أخرى؛ قال: لابد من جلبها، أو يصطلحون على قيمتها؛ قلت: أرأيت إن جلبوها، فقال الساعي: ليس فيها وفاء؛ قال: لا ينظر إلى قوله، وينظر في ذلك؛ فإن كان ما جلبت فيها وفاء، وهي مما تجوز في الصدقات، أخذت منك، قال: إنه يعتل علي ويقول: إن السن قد يكون واحدا، وبينهما في القيمة دنانير. قال: إذا جلبت ما يجوز في الصدقة - وفيه وفاء قبل منك، ولم ير بالقيمة في مثل هذا أن يشتري صدقته بقيمتها بأسا. قال محمد بن رشد: إنما وجب عليهم أن يجلبوا إلى المدينة ما عليهم من الزكاة، لبعدهم بمواشيهم عن موضع مياه الناس التي يجتمعون عليها بمواشيهم إلى حيث لا تمر إليه السعاة؛ لأن السنة أن يخرج السعاة إلى حيث يجتمع الناس بمواشيهم على مياههم، ولا يلزمهم أن يتبعوا من بعد بماشيته، كما لا يلزم صاحب الماشية، أن يسوق صدقته إلى الساعي - وهو جالس ببلده؛ لقول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، فوجب بظاهر قوله أن تؤخذ الزكاة من المال، حيث هو إلا أن يبعد به، فيجب عليه أن يسوق زكاته إلى السعاة، أو يصطلح معهم على القيمة - كما قال، وخفف أخذ القيمة في ذلك، لما يخاف من انكسارها في جلبها؛ لأن إعطاء القيمة فيها شراء منه لها، ومالك يكره للرجل شراء صدقته - اتباعا لابن عمر في كراهية ذلك؛ ولقوله ﵇: «العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه. » وقد روي إجازة ذلك عن عمر بن الخطاب،

стр. 926

وعمر بن عبد العزيز ﵄، وجماعة من السلف. والوجه في إجازة ذلك، قصر الحديث على صدقة التطوع؛ لأنه خرج عليه، وذلك «أن عمر بن الخطاب كان حمل على فرس في سبيل الله، أراد أن يبتاعه من الذي كان عنده برخص، إذ كان قد أضاعه، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال له: لا تشتره - وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه» . وأيضا فإن الصدقة التي أعطى فيها القيمة، لم تتعين بعد للمساكين، ولا وصلت إليهم، فاشتراها منهم؛ وإنما اشتراها من الناظر لهم فيها، فهذا وجه تخفيف ذلك - والله أعلم. [مسألة: الساعي يأخذ من قوم ظلما هل لهم أن يحسبوا في صدقاتهم] مسألة قال: وسئل مالك عن الساعي يخرج - قبل إبان خروجه، فيأخذ من قوم ظلما، أترى أن يحسبوا في صدقاتهم؟ قال: لا - وهو ظلم ظلموا به، وعليهم الصدقة إذا حل الحول. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، وفي رسم "الجواب" من سماع عيسى؛ وقد روى ابن وهب وابن أبي أويس عن مالك مثله، ورويا عنه أيضا أنه قال: تجزئه، وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] ؛ والقول الأول هو القياس؛ لأن الزكاة لا تجب إلا بمرور الحول، فإذا أخذها قبل الحول فهي مظلمة لا تسقط الزكاة الواجبة عليه بمرور الحول، وقد روى زياد، وابن نافع، عن مالك أنه سئل عن رجل أخذت منه زكاة مال لم تجب فيه الزكاة، أيجوز أن يجعله زكاة مال قد وجبت فيه الزكاة؟ قال: لا أرى ذلك، وهذا مثل الذي تؤخذ منه الزكاة قبل الحول، ووجه القول الثاني مراعاة قول من يقول: إن الزكاة تجب في المال ساعة يستفاد قبل أن يحول عليه الحول) ولو أخذت منه زكاة زرع لم يبد صلاحه، لوجب ألا يجزئه باتفاق؛ إذ لا خلاف في أن الزرع لا تجب زكاته حتى يبدو صلاحه، وقد روى زياد، وابن نافع، عن

стр. 927

مالك أن من أخذت منه زكاة زرعه قبل حصاده - والزرع قائم في سنبله، فإن ذلك تجزئ عنه - إذا لم يتطوع بها من نفسه، ومعنى ذلك - والله أعلم - إذا أخذها منه بعد أن أفرك قبل أن ييبس في المكان المختلف في وجوب الزكاة فيه - وبالله التوفيق. [السعاة ينزلون بالرجل الموسر فيبيتون عنده ومن شأنه أن يصدق أهل تلك القرية] ومن كتاب طلق ابن حبيب وسئل مالك: عن السعاة ينزلون بالرجل الموسر، فيبيتون عنده - ومن شأنه أن يصدق أهل تلك القرية، وهو ممن يريد أن يصدق ماشيته معهم، فيضيفه ويذبح له، ولعله أن يستعير منه الدابة لبعض أصحابهم إلى قرية أخرى؛ قال: ما يعجبني ذلك، وإن فيه لوجها آخر خوفا من أن يرى (من) يقتدى به يفعل ذلك، ولعله أن يصح منه، فيقول قائل: قد كان فلان يفعل ذلك، فيجر ذلك إلى ما لا يحل ولا ينبغي، والدين مثل ذلك يستضيف الرجل أهل دينه، وأنا أكره ذلك؛ وقد كان بعض من أخبر عنه يكون عليه الدين، فإذا جاءوه أجازهم وهو لا يقضيهم دينهم، فهذا كله مكروه؛ قال ابن القاسم: حسبته ابن شهاب. قال محمد بن رشد: الأصل فيما كره مالك للسعاة من هذا، ما روي «أن رسول الله ﷺ استعمل ابن اللتبية أحد الأزد - على صدقات بني سليم، فلما جاء وحاسبه رسول الله ﷺ ؛ قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي؛ فقال له رسول الله ﷺ : ألا جلست في بيت أبيك وأمك - حتى تأتيك هديتك، إن كنت صادقا، ثم قام في الناس - خطيبا - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما

стр. 928

بعد؛ فإني استعمل الرجل منكم على العمل مما (ولاني) الله ، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي؛ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه - حتى تأتيه هديته، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه، إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته - إن كان بعيرا له رغاء؛ أو بقرة له خوار، أو شاة تيعر» - الحديث، فمبين ﷺ بهذا الحديث وغيره، أن ما أعطي الساعي - بسبب سعايته - عليه حرام، فلا يحل له أن يستضيف من يسعى عليه، ولا يأكل له شيئا، وأما إذا نزل بالرجل الموسر الذي من عادته وشأنه أن يضيف كل من نزل به، فأضافه وذبح له، ورأى أنه لم يفعل ذلك به بسبب سعايته، وإنما فعله على عادته مع سواه، فذلك مما يكره له - مخافة أن يكون قد زاد في قراه على عادته بسبب سعايته؛ ولئلا يقتدي به غيره أيضا، فيكون ذلك ذريعة إلى استجازة ذلك ممن لا يصح منه ذلك الفعل؛ وكذلك هدية المديان جارية على هذا السبيل، لا يحل لمن عليه دين من بيع أو سلف، أن يهدي لمن له عليه الدين هدية، ولا أن يطعمه طعاما - رجاء أن يؤخره بدينه؛ ولا يحل لمن له عليه الدين أن يقبل ذلك منه - إذا علم ذلك من غرضه، وجائز لمن عليه الدين أن يفعل ذلك - إذا لم يقصد ذلك، ولا أراده وصحت نيته فيه، كما كان يفعل ابن شهاب؛ ويكره للذي له الدين أن يقبل ذلك منه، وأن يحقق صحة نيته في ذلك - إذا كان ممن يقتدى به، لئلا يكون ذريعة لاستجازة ذلك حيث لا يجوز؛ وهذا وجه رد عمر بن الخطاب هدية أبي بن كعب، إذ أسلفه فأهدى له هدية، إذ قد تحقق أن أبي بن كعب لم يهد له لمكان ما أسلفه ليوسع عليه في السلف، إذ ليس ممن يتهم في ذلك، وبالله التوفيق.

стр. 929

[استضافة السعاة] ومن كتاب أوله سن رسول الله ﷺ وقال مالك: لا أحب للسعاة أن ينزلوا بأحد فيستضيفونهم يأكلون طعامهم، ولكن يأكلون من أرزاقهم، قيل له: فيشرب الماء؟ قال: إن ذلك لخفيف. قال محمد بن رشد: قوله: لا أحب للسعاة إذا نزلوا، لفظ فيه تجاوز، والمراد به لا ينبغي ذلك ولا يجوز، وقوله: في شرب الماء: إنه خفيف، يدل على أن أكل الطعام ثقيل فهو يبين أن لفظة لا أحب ليست على ظاهرها، وقد تقدم في الرسم الذي قبل هذا ما يبين هذا، وبالله التوفيق. [سوق الناس إلى المصدق] ومن كتاب أوله كتب على رجل ذكر حق وسئل مالك: عن سوق الناس إلى المصدق، فقال: لم يزل الناس يجتمعون على مياههم؛ فأما أن يساق عليهم من المكان البعيد، فلا أرى ذلك أن يشق عليهم ولا يضيق عليهم في السوق. قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم "حلف بطلاق امرأته" ما يبين معنى هذه المسألة - والله الموفق. [مسألة: المصدق يمر بالماشية فيحصيها فيجدها لم تبلغ ما يجب فيه الزكاة] مسألة وقال مالك في المصدق يمر بالماشية، فيحصيها فيجدها لم تبلغ ما يجب فيه الزكاة، فيرجع إليها بعد ذلك فيجدها قد بلغت بأولادها

стр. 930

ما تجب فيه الصدقة؛ قال: لا ينبغي له أن يأخذ منها صدقة، ولا يأخذ منها شيئا؛ لأنه لا ينبغي للمصدق أن يرجع فيها، ولا يمر بها، ولا بما مر به من الماشية، ولا يمر على الماشية في العام الواحد إلا مرة واحدة. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن حول الماشية إنما هو مرور الساعي بها بعد حلول الحول عليها، فلو كان يرجع إليها بعد أن مر بها في ذلك العام، لم يكن لذلك حد، ولا انضبط لها حول، وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه وبالله التوفيق. [النصاب من المال ما هو] من سماع أشهب وابن نافع عن مالك من كتاب الوصايا الذي فيه الحج والزكاة قال سحنون: قال أشهب، وابن نافع: سئل مالك عن النصاب من المال ما هو؟ فقال: خمس من الإبل، أو ثلاثون من البقر، أو أربعون شاة من الغنم. قال محمد بن رشد: وهذا - كما قال: إن النصاب من المال هو أقل ما تجب فيه الزكاة، وإنما سمي نصابا - والله أعلم - لأنه الغاية التي ليس فيما دونها زكاة، والعلم المنصوب لوجوب الزكاة، والحد المحدود لذلك؛ من قول الله : ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ، أي إلى غاية أو علم منصوب لهم يسرعون، ويحتمل أن يكون سمي نصابا؛ لأن المال إذا بلغ هذا المقدار، وجب أن ينصب لأخذ الزكاة سعاة يبعثون لذلك، ويحتمل أن يكون مأخوذا من النصيب؛ لأن المساكين لا يستحقون في المال نصيبا فيما دون هذه المقادير، والله أعلم.

стр. 931

[مسألة: حزرات أموال الناس هل توخذ في الزكاة] مسألة وسألته عن قول عمر بن الخطاب: إياكم وحزرات الناس، ما الحزرات؟ قال: ضنائن الأموال في الصدقات من المواشي، والإبل، وغيرها، يقول: اتركوا الضنائن لا تأخذوها من أهلها تفتنونهم في ذلك. قال محمد بن رشد: وهذا بين كما قال؛ لأن حزرات أموال) الناس، هي التي يحزر صاحب المال أنها خيار ماله. [مسألة: زكاة سائمة الغنم إذا بلغت أربعين] مسألة وسألته عن قول عمر بن الخطاب: وفي سائمة الغنم إذا بلغت أربعين فقال: هو مثل قول الله ﵎: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] يقول فيه يرعون. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال في السائمة من الغنم وغيرها من المواشي - هي الراعية منها، ولا دليل في قوله: وفي سائمة الغنم الزكاة: على أنه لا زكاة في غير السائمة عند من يقول بدليل الخطاب؛ لأن المعنى في ذلك عندهم، أن الحديث خرج على سؤال سائل، هل في سائمة الغنم الزكاة؛ فقال: وفي سائمة الغنم الزكاة، فكان مقصورا على سببه، وانتفى بذلك أن يكون فيه دليل على أنه لا زكاة في المعلوفة، وبالله التوفيق. [مسألة: عنده خمس ذود ستة أشهر فباع منها ثلاثة واشترى أخرى وحال عليه الحول] مسألة وسألته: عمن كان عنده خمس ذود ستة أشهر من السنة، فباع

стр. 932

منها ثلاثة ذود، فأقام بذلك شهرين آخرين، ثم ابتاع ثلاثة ذود - مكانها؛ فحال عليه الحول وعنده خمس ذود، وجاءه الساعي على ذلك، أترى عليه الصدقة، فقال: كانت خمسا فأقامت في يديه ستة أشهر، ثم باع منها ثلاثا أو أربعا، أو باعها كلها، ثم أقام شهرين، ثم ابتاع مكانها، وحال عليها الحول، وجاءه الساعي؛ فلا أرى في ذلك زكاة، فقيل له: أفلا ترى فيها زكاة؟ فقال: لا في رأيي، فقلت له: رأيتها فائدة شراء، قال: هو الذي سمعت. قال محمد بن رشد: لم يقل في هذه المسألة إنه اشترى الثلاث ذود بالثمن الذي باع به الثلاث ذود الأولى، فإذا لم يشترها به، فلا اختلاف في أنها فائدة تضيف إليها الذودين وتستقبل بالجميع حولا، (وإنما) يختلف إذا اشترى الثانية بثمن الأولى، أو أخذها من ثمنها على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها فائدة في الوجهين جميعا - وهو مذهب ابن القاسم، قال ابن المواز: وكذلك لو باعها ثم استقال منها، لكانت فائدة؛ لأن الإقالة بيع حادث. والثاني: أنه يزكي الثانية على حول الأولى في الوجهين - وهو قول ابن الماجشون في كتاب ابن المواز. والثالث: أنه يزكي الثانية على حول الأولى - إذا أخذها من الذي باع منه بالثمن، ويستقبل بها حولا إذا اشتراها بالثمن من غيره؛ وهذا القول ظاهر ما حكاه ابن حبيب في الواضحة لمالك من رواية مطرف، وابن وهب، وعن أصحاب مالك إلا ابن القاسم؛ واختلف قول ابن القاسم إذا استهلكت له ماشية فأخذ في قيمتها ماشية من صنفها، فمرة جعل ذلك

стр. 933

كالبيع تكون فائدة؛ ومرة قال: يزكيها على حول الأولى وهذا إذا كانت الغنم قائمة، لم تذهب أعيانها بما أحدثه الغاصب فيها؛ ولو ذهبت أعيانها، لاستقبل بها حولا كالبيع على مذهبه؛ ولو كانت الغنم قائمة، لم تفت بوجه من وجوه الفوت، لزكاها على حول الأولى كالمبادلة سواء، قاله بعض شيوخ القرويين، وهو بين صحيح - والله أعلم. [مسألة: بعث السعاة في كل سنة] مسألة قال: وسألته أترى أن يبعث السعاة في كل سنة لا يؤخرون في الجدب والخصب؟ قال: أما في السنة الجدبة، فلا أرى أن يبعث السعاة حتى يذهب الجدب، وأما في غير ذلك، فأرى أن يبعثوا في كل سنة ولا يؤخروا، وأما في السنة المجدبة الشديدة الجدب، فلا أرى ذلك حتى يحيا الناس ويذهب الجدب؛ قيل (له) : أيترك ذلك لهم يرتفقون بألبانهم؟ قال: (لا) ، ليس ذلك نظرا لهم، ولكن نظرا للمسلمين؛ لأن السعاة يأتون يومئذ إلى ما إن باعوه هنالك لم يوجد له ثمن، وإن جلب، لم ينجلب؛ وإن أعطاه إنسانا، لم يكن في ذلك ما ينفعه عجفا؛ فإنما ينظر في ذلك للمسلمين، ليس لأهل المواشي، قلت له: فإذا كانت السنة المقبلة، وأحيا الناس، أرسل السعاة فأخذوا منهم لعامين، فقال لي: نعم، وإنما يصدقون ما يجدون في أيديهم، قال لي: ولو أنهم أرسلوا اليوم السعاة، رأيت ذلك قد

стр. 934

أمطر الناس، وأعشبت الأرض، وعاشت المواشي، وذلك في شهر بيع الأول - وكانوا في جدب، فكان ذلك في أول ما أمطروه، فنرى أن يرسل السعاة حينئذ. قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما في سماع أصبغ عن ابن شهاب، أو مالك، أو عنهما - جميعا - أن الصدقة تؤخذ في الخصب والجدب، ولا يؤخذ أحدها ولا يضمونها، وليس في هذا سنة قائمة، ولا أثر يتبع؛ وإنما هو النظر والاجتهاد في تغليب أحد الضررين؛ فقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا اجتمع ضرران بقي الأصغر للأكبر» ففي أخذ الصدقة في الجدب ضرر على المساكين، وفي تركها عند أرباب المواشي ضرر عليهم، ورواية أصبغ أظهر - والله أعلم. [مسألة: تجارته المواشي يحول عليها الحول عنده] مسألة قال: وسألته عمن تجارته المواشي يحول عليها الحول عنده، قال: إذا حال عليها الحول أخرج زكاتها - وإن لم يبعها، ليس المواشي مثل العروض، وإن باعها قبل أن يحول عليها الحول، وقد حال على ثمنها من يوم زكاه، زكى ثمنها يوم بيع. قال محمد بن رشد: هذه المسألة في بعض الروايات، وهو مثل ما في المدونة وغيرها، وإنما كانت المواشي بخلاف العروض؛ لأن زكاة الماشية في أعيانها، فهي أملك بها من زكاة التجارة في العروض - وبالله التوفيق.

стр. 935

[الشنق من الإبل ما يؤخذ في صدقتها] ومن كتاب الزكاة قال: وسألته عن الشنق من الإبل، ما يؤخذ في صدقتها: أضأن أم معز؟ فقال لي: إن كان من أهل الضأن، أخذ منه الضأن، وإن كان من أهل المعز، أخذ منه المعز قلت له: أذلك فيمن يكون عنده، أم في اختلاف البلدان؟ فقال لي: بل في البلدان، أن النجد أهل الضأن، فلا يؤخذ منهم إلا الضأن، وهذه الناحية الأخرى أهل الشام أهل المعز، فلا يؤخذ منهم إلا المعز قال: فقلت له: وما الشنق؟ فقال لي: الشنق من الإبل ما لا يؤدى فيه إلا الغنم أربع وعشرون بعيرا فدون ذلك، فإذا كانت خمسة وعشرين، فليست بشنق. قال محمد بن رشد: لمالك في كتاب ابن سحنون، أن ذلك يؤخذ مما تيسر على رب الإبل، ولا يكلف ما ليس عنده، وقال ابن حبيب: وإن كان من أهل الصنفين، أخذ المصدق من أيهما شاء، ورواية أشهب أشبه بظاهر الحديث؛ لأن لفظ الغنم في الحديث عموم، فيحمل على غنم البلد، كانت عنده أو عند غيره، ولا يقصر على ما عنده إلا بدليل، وما في كتاب ابن سحنون، وابن حبيب، تيسير على رب الإبل، إذ ليس في الحديث بيان برفع القدر، وشأن الزكاة التخفيف، وروي أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا خرصتم

стр. 936

فخذوا ودعو الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع» . وكان محمد بن مسلمة لا يساق إليه شاة فيها وفاء من حقه إلا قبلها، ويأتي في سماع أبي زيد القول في الشنق. [مسألة: قدما المدينة من البصرة بإبل لهما أيسألهما الساعي عن الصدقة] مسألة قال: وسألته عن رجلين قدما المدينة من البصرة بإبل لهما، وأحدهما من بني أسد، والأخر من طيء، فسألهما صاحب الصدقة: هل صدقتما إبلكما هذه، وأين كنتما تصدقان؟ فقالا: أما مسكننا وأهلونا وذرارينا فبالبصرة، وأما صدقتنا - وأين كنا نصدق - فإنا والله ما أدينا صدقة قط لا ههنا ولا بالبصرة؛ ومازال هذا وجهنا نكري من البصرة إلى المدينة، أترى أن يصدقا بالمدينة؟ فقال: وما بالهما يصدقان بالمدينة - إن كانا أهل العراق، به إقامتهما وقرارهما وأهلوهما؛ إنما صدقتهما إلى العراق، وأوى أن يسأل أهل عمله عنهما؛ فإن كانا إنما كانت صدقتهما بالمدينة - وهما كاذبان فيما قالا، صدقهما - وإن كان مسكنهما بالعراق؛ وإنما كانا يصدقان بها؛ أو غيبت عنهما بأمر؛ فلا أرى أن يأخذ منهما الصدقة، وإنما صدقتهما بالعراق؛ إما أن تكون قد أخذت منهما بها الصدقة، وإما أن سوف تؤخذ منهما، إما صدقتهما بالعراق - إن كانا من أهلها وبها أهلوهما وقرارهما وأوطانهما.

стр. 937

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الشأن أن تؤخذ الصدقة من أغنياء كل موضع، فترد على فقرائهم، ولا ينقل عنهم إلى غيرهم، إلا أن يرى الإمام ذلك لحاجة نزلت ببعض البلاد، فلأمير كل إقليم قبض صدقات أهل إقليمه، دون من سواه من الأمراء، وقد سئل سحنون عن رجل له أربعون شاة في أربعة أقاليم، وفي كل إقليم أمير، عشرة بالأندلس، وعشرة بأفريقية، وعشرة بمصر، وعشرة بالعراق، قال: إن كان الولاة عدولا فليخبرهم بذلك، فيأخذ منه كل أمير ربع شاة يأتي بشاة يكون الإمام شريكا له بربعها، هكذا يفعل في كل إقليم، وإن أخذ منه كل أمير قيمة ربع شاة، أجزأه؛ وإن لم يكونوا عدولا، فليخرج هو ما يلزمه - كما أعلمتك، وكذلك إن كان له خمسة أوسق مفترقة - كما ذكرنا، فليعط كل أمير زكاته في بلده؛ وإن لم يكونوا عدولا، أخرج هو ما يلزمه عن جميع ذلك. [مسألة: زكى غنما له فأقامت عنده ستة أشهر ثم اشترى بها إبلا] مسألة وسئل عن رجل زكى غنما له، فأقامت عنده ستة أشهر، ثم اشترى بها إبلا؛ متى تجب الزكاة في الإبل، فقال: حتى يحول الحول عليها من يوم زكى الغنم الذي ابتاعها، فقال له: من يوم زكى الغنم؟ فقال: نعم في رأي. قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما في المدونة، ومثل ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك وأصحابه إلا ابن القاسم؛ وجه قول ابن القاسم أن شراء الماشية بالماشية المخالفة لها، كشرائها بالدنانير والدراهم في وجوب استئناف الحول بها، ووجه القول الآخر، أن الدنانير إذا كانت تزكى على حول الماشية من أجل أن الماشية في عينها الزكاة، فأحرى أن تزكى الماشية على حول الماشية المخالفة لها؛ لأن الماشية إلى الماشية أقرب من الدنانير

стр. 938

إلى الماشية، وأشبه بها، فلكلا القولين وجه، وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن قياس المثمون على المثمون أولى من قياسه على الثمن - وبالله التوفيق. [فضل معاوية وعدله] ومن كتاب الحج والوصايا والزكاة قال مالك: سمعت ربيعة يقول: قدم على معاوية رجل من أهل المدينة، فجعل يسأله عن أهل المدينة، ثم سأله عن أصحاب الصدقات، فأخبره، فقال له معاوية أتدري لم أسأل عن المصدقين؟ فقال الرجل: تسأل عن رعيتك وعما لك، فقال لا، إنما أسألك؛ لأن الأعراب قوم جفاة، إن لم يأتهم من يعلمهم ويعدل فيهم ويرفق بهم، هلكوا. قال محمد بن رشد: ليس في هذا أكثر من فضل معاوية وعدله، ويكفي من الدليل على ذلك، أنه كان أميرا لعمر بن الخطاب ﵁ على الشام أربعة أعوام، ولعثمان بعده مدة خلافته - اثنتي عشرة سنة، واجتمع الناس عليه حين بايعه الحسن، فكان خليفة عشرين سنة، «وقال ﷺ فيه - وكان يكتب له الوحي -: اللهم علم معاوية الكتاب، والحساب، وقه العذاب» وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: لرجل إبل فسيرها في سفر فحال عليها الحول وهي في سفرها] من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله استأذن سيده قال عيسى: وقال ابن القاسم: إذا كان لرجل إبل فسيرها في سفر، فحال عليها الحول - وهي في سفرها، فليس عليه صدقتها حتى تقدم، فإن ماتت فلا صدقة عليه فيها.

стр. 939

قال محمد بن رشد: إنما لم تجب عليه صدقتها، من أجل أنه لا يدري ما حدث عليها من تلف أو عطب، ولا يلزمه أيضا أن يخرج زكاتها إلا منها - وهو لا يقدر على ذلك مع مغيبها عنه، وقوله: فإن ماتت فلا صدقة عليه فيها - يريد وإن علم أنها ماتت بعد حلول الحول عليها، إذ لم يفرط وليس عليه أن يخرج زكاتها إلا منها - وإن كانت زكاتها من غيرها. [مسألة: النفر يكونون خلطاء بأربعين شاة فيأتي الساعي فيأخذ منها شاة] مسألة وسئل: عن النفر يكونون خلطاء بأربعين شاة، يكونون أربعة نفر، لكل واحد منهم عشرة، عشرة، أو يكون لكل واحد منهم أكثر من ذلك، أو أقل، إلا أن عدد الغنم أربعون شاة، فيأتي الساعي فيأخذ منها شاة؛ قال: يترادونها على عدد ما لكل واحد منهم. قلت: فلو أخذ منها شاتين، قال: إن كانت أخذت من غنم واحد، كانت الواحدة مظلمة وقعت عليه، ويترادون الشاة الواحدة بينهم على قدر غنمهم؛ وإن أخذ شاتين من غنم رجلين، كانت نصف شاة كل واحد منهما مظلمة وقعت عليه، ويترادون الواحدة بينهم إن كانت أربعين شاة؛ والنفر أربعة، لكل واحد منهم عشرة، عشرة، فإن أخذ شاتين من رجلين، كان نصف شاة كل واحد منهما مظلمة وقعت عليه، ورجعا على صاحبيهما بربعي شاة فاقتسماها. قال محمد بن رشد: أما إذا أخذ منها شاة واحدة، فإنهم يترادونها على عدد غنمهم؛ فإن كانوا أربعة خلطاء لكل واحد منهم عشرة، فأخذ من أحدهم شاة قيمتها أربعة دراهم؛ رجع الذي أخذت الشاة من غنمه على كل واحد من خلطائه بدرهم، درهم، ولا كلام في هذا الوجه، وأما إن كان أخذ منها شاتين من غنم واحد، فقال: إن الشاة الواحدة تكون مظلمة ويترادون الشاة

стр. 940

الأخرى بينهم، وهذا بين - إن كانت الشاتان مستويتين في القيمة؛ وأما إن لم يستويا في القيمة، فيكون نصف كل شاة منهما مظلمة، ويترادون النصفين الآخرين؛ مثال ذلك أن تكون قيمة إحدى الشاتين دينارين، وقيمة الثانية أربعة دنانير، فتكون المصيبة منه في نصفهما جميعا، وذلك ثلاثة دنانير، ويترادون الثلاثة الدنانير الأخرى بينهم؛ فيجب على كل واحد منهم منها ثلاثة أرباع دينار، فيرجع الذي أخذت الشاتان من غنمه على كل واحد من خلطائه بثلاثة أرباع دينار؛ وأما إذا أخذت الشاتان من غنم رجلين، فقال في هذه الرواية: إن نصف شاة كل واحد منهما مظلمة وقعت عليه، ويرجعان على صاحبيهما بربعي شاة فيقتسمانهما، وقال في سماع يحيى: إن قيمة الشاتين تجمعان ثم يكون نصف قيمتها على الأربعة، يقسم بينهم على مالهم من العدد في الغنم، وذلك اختلاف من القول يتبين بالتنزيل، مثال ذلك أن يأخذ من غنم أحدهما شاة قيمتها أربعة دراهم، ويأخذ من غنم الآخر شاة قيمتها درهمان، فيؤخذ على هذه الرواية من اللذين لم يؤخذ من غنمهما شيء ثلاثة أرباع درهم، فيدفع من ذلك درهم وربع درهم - إلى الذي أخذت منه الشاة التي قيمتها أربعة دراهم، ويدفع الربع درهم الباقي إلى الذي أخذت من غنمه الشاة التي قيمتها درهمان، ووجه العمل في ذلك، أن يقال للذي أخذت منه الشاة التي قيمتها أربعة دراهم: الدرهمان من الأربعة دراهم مظلمة لا رجوع لك فيها، وإنما يجب التراد في الدرهمين الباقيين؛ ويقال للذي أخذت منه الشاة التي قيمتها درهمان: الدرهم الواحد من الدرهمين مظلمة عليك، لا رجوع لك فيه، وإنما يجب التراد في الدرهم الباقي، فيجمع ما يجب فيه التراد، وذلك ثلاثة دراهم، فيقسم على جميعهم بالسواء، إن كان لكل واحد منهم عشرة، فيجب على كل واحد منهم من ذلك ثلاثة أرباع درهم؛ فيقال للذي أخذت الشاة من غنمه التي قيمتها أربعة دراهم: قد وجب عليك ثلاثة أرباع درهم في التراد، وأنت قد أديت مما

стр. 941

يجب فيه التراد درهمين، فيبقى لك درهم وربع درهم؛ ويقال للذي أخذت من غنمه الشاة التي قيمتها درهمان: قد وجب عليك ثلاثة أرباع درهم في التراد، وأنت قد أديت مما يجب فيه التراد درهما واحدا، فبقي لك ربع درهم، فيؤخذ من الذين لم يؤخذ من غنمهما شيء ثلاثة أرباع درهم من كل واحد، فيدفع من ذلك درهم وربع للذي أخذت من غنمه الشاة التي قيمتها أربعة دراهم، ويدفع الربع درهم الباقي إلى الذي أخذ من غنمه الشاة التي قيمتها درهمان، فيعتدلون فيما وجب التراد بينهم؛ ويؤخذ على ما في سماع يحيى من اللذين لم يؤخذ من غنمهما شيء، ثلاثة أرباع درهم، ومن الذي أخذت من غنمه الشاة التي قيمتها: درهمان، ربع درهم، فيدفع جميع ذلك، وهو درهم وثلاثة أرباع درهم إلى الذي أخذت من غنمه الشاة التي قيمتها أربعة دراهم فيعتدلون فيما وجب فيه التراد بينهم؛ ووجه العمل في ذلك، أن تجمع قيمة الشاتين وذلك ستة دراهم فيكون النصف من ذلك، وهو ثلاثة دراهم مظلمة، درهم ونصف من كل واحد لا رجوع له به، والنصف الثاني وهو ثلاثة دراهم يجب التراد فيه، فيجب من ذلك على كل واحد منهم ثلاثة أرباع درهم، فيقال للذي أدى الشاة التي قيمتها أربعة دراهم، عليك من الأربعة دراهم درهم ونصف مظلمة، لا رجوع لك به على أحد، ويجب عليك مما يجب فيه التراد ثلاثة أرباع درهم (الباقي لك من حقك درهم وثلاثة أرباع درهم، ويقال للذي أدى الشاة التي قيمتها درهمان، عليك من الدرهمين درهم ونصف مظلمة، لا رجوع لك بهما على أحد، ويجب عليك مما يجب فيه التراد ثلاثة أرباع درهم) فيبقى عليك ربع درهم يؤخذ منه ويدفع إلى الذي أخذت منه الشاة التي قيمتها أربعة دراهم مع ما يؤخذ من الذين لم يؤخذ من غنمهما شيء، وذلك درهم ونصف ثلاثة أرباع من كل واحد، فيستوفي جميع حقه، ويعتدلون فيما يجب فيه التراجع بينهم - وبالله التوفيق.

стр. 942

[مسألة: له أربعون شاة وللآخر ثلاثون فأخذت شاة من الأربعين أو من الثلاثين كيف الزكاة] مسألة قلت: فلو كان لواحد أربعون شاة، وللآخر ثلاثون، فأخذت شاة من غنم صاحب الأربعين، أو من غنم صاحب الثلاثين؛ قال: إن أخذها من غنم صاحب الثلاثين، رجع فأخذها من غنم صاحب الأربعين، ولم يكن على صاحب الثلاثين شيء؛ وإن كان أخذها من غنم صاحب الأربعين، لم يكن على صاحب الثلاثين شيء؛ لأن الواحدة وجبت عليه، والأخرى مظلمة وقعت عليه؛ وإن كانتا أخذتا من غنم صاحب الثلاثين، رجع على صاحب الأربعين بالشاة التي كانت وجبت عليه في غنمه، وكانت الأخرى من صاحب الثلاثين؛ لأنها مظلمة وقعت عليه. قال محمد بن رشد: قوله في الشاتين: أنهما إن أخذتا من غنم صاحب الثلاثين، رجع على صاحب الأربعين بالشاة الواحدة، وكانت الأخرى منه؛ لأنها مظلمة وقعت عليه - بين إن كانت الشاتان معتدلتين، وإن لم تكونا معتدلتين، فإنما يجب عليه أن يرجع بنصف قيمتها جميعا؛ ولو كانت إحداهما تحب في الزكاة، والأخرى لا تجوز فيها، أو لا تجب، لرجع عليه بقيمتها التي تجب في الزكاة؛ ولو كانتا جميعا مما لا يجوز في الزكاة، لم يكن له رجوع بشيء منهما، وبقيت الزكاة على صاحب الأربعين، وسائر المسألة صحيحة بينة على ما في المدونة وغيرها. [مسألة: له عشرون ومائة وللآخر ثلاثون فأتى الساعي فأخذ شاة من غنم صاحب الثلاثين] مسألة قلت: فلو كانت لواحدٍ عشرون ومائة، وللآخر ثلاثون، فأتى الساعي فأخذ شاة من غنم صاحب الثلاثين، قال: يرجع ويأخذها من (غنم) صاحب العشرين ومائة، وليس عليه شيء؛ قلت فإن

стр. 943

أخذ الساعي شاتين من غنم صاحب الثلاثين أو من غنم صاحب العشرين ومائة، فقال لا تبالي، من غنم من أخذت منهما، يترادانهما بينهما على عدد غنمهما؛ لأن كل ما اختلف فيه الناس، فالأمر إذا وقع بينهم، حملوا على ما وقع عليه الأمر؛ لأن الناس قد قالوا: إنه إذا كان العدد ما يجب فيه الزكاة، أخذت منهما الزكاة، وهما الخليطان لا تبالي أكان في غنم كل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، أو لم يكن، ففي خمسين ومائة على قولهم شاتان. قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه إن أخذ الساعي منها شاتين، فالواحدة على صاحب العشرين ومائة؛ لأنها واجبة عليه، ويترادان الأخرى التي أخذت بسبب خلطتهما، وهو قول ابن وهب، وابن عبد الحكم؛ ويأتي على أصل مذهب مالك في أن الرجلين لا يكونان خليطين، حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة دون مراعاة قول من يراهما خليطين - وإن لم تبلغ ماشية كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة؛ لأنه قال: إن الشاة الواحدة تكون على صاحب العشرين ومائة؛ لأنها واجبة عليه، والشاة الثانية تكون بينهما على عدد غنمهما؛ لأنها إنما أخذت عنهما عداء على القول بأن من أغرم غرماء على متاع لغيره، أنه على صاحب المتاع وبالله التوفيق. [زكاة الخليطين إذا كان الراعي واحدا] ومن كتاب التفسير قلت لابن القاسم: ما قول مالك في الخليطين إذا كان الراعي واحدا، والفحل واحدا، والمراح واحدا، والدلو واحدا، فالرجلان خليطان، أرأيت إن افترقا في بعض هذا الذي وصفه مالك، أتراهما

стр. 944

خليطين؟ قال: نعم؛ لأن مالكا قال في القوم يفترقون في المراح، والحلاب، فهم خلطاء؛ ولم يرد في الحديث ألا يفترقوا في شيء من هذا. قال ابن القاسم: هم خلطاء إذا اجتمعوا في جله - وإن افترقوا في الوجه الواحد منه - كما فسر لي مالك، لا يكونون خلطاء إلا أن يجتمعوا في جل ذلك. قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الروايات، وهي مثل ما في المدونة وغيرها، ولا اختلاف في ذلك في المذهب، والمخالف في هذا، الشافعي، فيقول: إنهما لا يكونان خليطين حتى يشتركا في المراح، والمسرح، والفحل، والدلو، ولا يراهما أيضا خليطين حتى يتخالطا من أول السنة؛ ويقول: إنهما خليطان وإن لم يكن لواحد منهما نصاب، وحجته الحديث: «ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة؛ وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» ، وأبو حنيفة لا يرى الخلطة ولا يقول بها على حال من الأحوال، ويقول معنى ما في الحديث من قوله «لا يفرق بين مجتمع» هو أن يكون للرجل مائة وعشرون شاة، فيفرقها الساعي أربعين، أربعين ليأخذ منها ثلاث شياه؛ فنهي عن ذلك، «ولا يجمع بين مفترق» هو أن يكون لرجلين أربعون شاة، عشرون، عشرون، فنهى الساعي أن يجمعهما ليأخذ منهما شاة، ومعنى ما فيه من قوله: «وما كان من خليطين، فإنهما يترادان بينهما بالسوية» هو مثل أن يكون الغنم بين الرجلين مشتركة على الثلث والثلثين، فيجب عليهما في ذلك شاتان: شاة على كل واحد منهما، فيأخذها من جملة الغنم قبل القسمة، إذ ليس عليه انتظار القسمة؛ فيكون إذا فعل ذلك، قد أخذ من حصة الذي له الثلثان: شاة وثلثا، ومن حصة الذي له الثلث ثلثي شاة، فوجب أن يترادا ذلك فيما بينهما حتى يستويا فيما يجب عليهما؛ فقول مالك وسط بين قول الشافعي، وأبو حنيفة، استحسان.

стр. 945

[يهرب بغنمه ثلاث سنين زكاته] ومن كتاب العرية وسئل: عن الرجل يهرب - بغنمه ثلاث سنين - وهي فيها: أربعون، أربعون في كل سنة، ثم يأتيه الساعي في السنة الثالثة فيجدها ألفا، قد أفادها في تلك السنة؛ قال: يبدأ بما وجب عليه قبل، فيأخذ شاة للأربعين التي كانت عنده ثلاث سنين، ثم يأخذ تسعة لهذه السنة؛ قلت: وكيف وقد قلت: لو أن رجلا عنده ثلاث مائة شاة - ثلاث سنين - هاربا بها، ثم جاء في السنة الرابعة، فلم يجد عنده إلا أربعين شاة؛ أنه يأخذ تسع شياه لثلاث سنين، ويأخذ شاة لهذه السنة من الأربعين، فكيف لا تكسر التسع شياه الأربعين، حتى لا يؤدى منها شيء كما كسرت الشاة المائة من الألف؛ قال: لأنه لو لم يكن عنده في الثلاث سنين إلا ستون ومائتان، كانت عليه ثلاث شياه لكل سنة، وهذه الأربعون التي وجد في يديه كأنها كانت عنده ثلاث سنين، فلا تكسر بعضها بعضا، وأنه إذا كانت في السنتين أربعين، أربعين، ثم وجدها ألفا؛ فإنه يبدأ بالشاة التي وجبت عليه فيأخذها، فإذا أخذها فقد انكسرت عليه المائة من الألف عن الصدقة، ثم يأخذ تسعة، تسعة، وإنما يبدأ - أبدا - بالأول، فالأول، الذي وجب عليه فيأخذه، ثم يزكي ما بعد ذلك على حال ما وجب عليه. قال محمد بن رشد: كذا وقع في الأم: ثم يأتيه الساعي في السنة الثالثة، وفي الأصل في السنة الرابعة - وهو الصواب؛ لأنه إذا غاب عنه ثلاث سنين لهروبه، فإنما يأتيه في الرابعة؛ وقد اختلف قول ابن القاسم في الذي يهرب بماشيته عن الساعي، فيجده بعد أعوام، فمرة قال: إنه يبدأ فيأخذ مما

стр. 946

وجد بيده ما يجب لذلك العام، ثم يأخذ منه زكاة ما مضى من الأعوام على ما يثبت أنه كان عنده في كل عام منها، أو على الأكثر مما كان بيده يوم هرب، أو يوم وجد، إذ قد يهرب وشاؤه أربعون، ثم يجده بعد أعوام - وشاؤه ألف شاة، فيقول: إنما أفدتها منذ عام، وقد يهرب أيضا وشاؤه ألف شاة، ثم يجده بعد أعوام وشاؤه أربعون شاة؛ فيقول: إن الألف شاة تلفت في العام الذي هربت فيه - ولم يكن عندي فيما بعد ذلك من الأعوام إلا أربعون، أربعون في كل عام، فلا يكسر على هذا القول ما يأخذ منه زكاة غيره من الأعوام؛ روى ذلك عنه أصبغ، وقال به، وهو قول ابن الماجشون، وسحنون في المختصر، واختيار ابن المواز، ومرة قال: إنه يبدأ بالعام الأول، فيأخذ منه ما وجب عليه فيه، فيكون كأنه أخذ منه حينئذ زكاة ما بقي للعام الذي بعده، فلا يأخذ منه للعام الذي وجده فيه إلا زكاة ما بقى بيده بعد ما أخذ منه؛ وهو قوله في رواية عيسى هذه، وقول سحنون في آخر سماعه بعد هذا، فعلى قوله في هذه الرواية، لا يأخذ منه التسع شياه عن التسع مائة شاة، إلا أن يكون قد أفاد الألف قبل توبته بعام؛ لأن الشاة إذا أخذها عن أول سنة من الأربعين التي هرب بها، يرجع إلى أقل من نصاب، فلا يجب عليه زكاة ما أفاد إليها حتى يحول عليه الحول من يوم أفاده، ولو لم يعلم متى أفاد الألف، لم يصدق في أنه أفادها في هذا العام، ويأخذ منه شاة للعام الذي هرب فيه، وتسع شياه، تسع شياه، لكل عام من الأعوام التي بعده؛ ويلزم على قياس قوله في هذه الرواية في الذي هرب وشاؤه ثلاثمائة، ثلاث سنين، ثم جاء في السنة الرابعة فلم يجد عنده إلا أربعين، ألا يأخذ من الأربعين لهذه السنة شيئا؛ لأن الذي أخذ للأعوام الماضية يكسرها، كما كسرت التسع شياه المائة من الألف؛ وكذلك قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وتفرقته بين المسألتين ها هنا لا وجه له في القياس، ولاحظ له في النظر - وبالله التوفيق.

стр. 947

[انتظار مجيء الساعي في الحول] ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس وقال في رجل كانت عنده خمس ذود فضل منها بعير أو شرد، فأتاه الساعي وليس عنده إلا أربع ذود، قال: لا زكاة عليه فيها، فإن وجده، صدقها حين يجده. قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: ويكون حولها من يومئذ، ولا ينتظر مجيء الساعي في الحول الثاني، وقال ابن المواز غير ذلك أحب إلي أن ينظر، فإن كان صاحبه أيس منه، فليجعل السنة من يوم يجده؛ وإن كان منه على رجاء، فليزكه مع الأربعة للحول الأول، كزكاة الفطر عن العبد الآبق، وفي ذلك كله نظر، ولا يصح فيه على وجه القياس والنظر، إلا أن ينظر؛ فإن لم يكن آيسا منه، زكى حين يجده، ولم ينتقل حوله عما كان عليه، وعلى هذا ينبغي أن تحمل الرواية، ولا تفسر بما لابن القاسم في كتاب ابن المواز؛ ولو انتقل الحول إلى حين إخراجه الزكاة، لا نبغي على أصولهم ألا يزكي حتى يأتي الساعي من العام الثالث، وإن كان آيسا منه، كان وجوده كالفائدة يستقبل حولا من حينئذ، ولا يزكي حتى يمر به الساعي من بعد حلول الحول؛ وهذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد بعد هذا، وبالله التوفيق. [يزكي غنمه ثم يخلطها مع آخر] ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار وسئل: عن الرجل يزكي غنمه فتلبث ستة أشهر بعد زكاتها، ثم يخلطها مع رجل، فيأتيهم الساعي في شهره ذلك الذي

стр. 948

خلط فيه غنمه - وقد وجبت على صاحبه الزكاة في غنمه؛ فقال: يزكي غنم صاحبه - وليس على هذا زكاة حتى يحول على صاحبه الحول من يوم يزكي، إلا أن يخرج غنمه منها قبل ذلك؛ وذلك بمنزلة الرجل يفيد الغنم أو يشتريها، فتلبث في يده ستة أشهر، ثم يأتيه الساعي فليس له أن يزكيها حتى يأتيه من سنة قابل. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: أن الرجلين لا يكونان خليطين ويزكيان زكاة الخلطة، حتى يكون الحول قد حال على ماشية كل واحد منهما؛ ولو زكاهما زكاة الخلطة، وأحدهما لم يحل على ماشيته الحول، لكان ما أخذ زائدا منهما بسبب الخلطة مظلمة على من أخذت من غنمه، ولم يترادا ذلك بينهما؛ إذ لا اختلاف في ذلك، بخلاف إذا زكاهما زكاة الخلطة، وماشية أحدهما أقل من نصاب؛ مثال ذلك أن تكون الماشية التي قد حال عليها الحول مائة، والتي لم يحل عليها الحول خمسين، فيأخذ الساعي منها شاتين، فإنه إن أخذهما من غنم صاحب المائة، لم يكن على صاحب الخمسين شيء؛ لأن الواحدة واجبة عليه، والثانية مظلمة وقعت عليه؛ إلا على القول بأن من أغرم غرماء على مال غيره، فله أن يرجع به على صاحب المال؛ وإن أخذهما من غنم صاحب الخمسين، رجع بالواحدة على صاحب المائة، وكانت الثانية مظلمة وقعت عليه، وإن أخذ واحدة من غنم صاحب المائة، وواحدة من غنم صاحب الخمسين، لم يكن لصاحب الخمسين على صاحب المائة رجوع بالشاة التي أخذت منه؛ لأنها مظلمة وقعت عليه. [مسألة: يفر بماشيته من الساعي] مسألة وسئل: عن الرجل يفر بماشيته من الساعي - وهي أربعون شاة، فيغيب عنه الساعي سنين، ثم يأتيه - وهي أربعون لم تزد على الأربعين في السنين الفارطة، قال: ليس عليه إلا شاة واحدة لجميع

стр. 949

السنين، وإنما يؤخذ من الفار كل سنة ما وجب عليه - وجدت عنده غنم، أو لم توجد - هو ضامن لما وجب عليه في ماله، وليس هو كمن لم يفر، إلا أن الساعي لم يأته، فذلك إذا جاءه ولم يجد في يده شيئا من الماشية، أو وجد في يده ما لا زكاة فيه، فليس عليه لما مضى من السنين التي لم يأته فيها الساعي شيء. قال محمد بن رشد: هذا على ما مضى له في رسم "العرية": أن الساعي يبدأ فيأخذ شاة لأول سنة، ثم لا يأخذ منها شيئا؛ لأنها ترجع إلى ما لا يجب فيه الزكاة؛ وعلى قوله الثاني - وهو قول ابن الماجشون، وأحد قولي سحنون - يبدأ بهذه السنة فيأخذ لها شاة، ثم يأخذ منه شاة شاة للأعوام الماضية؛ لأنه كان ضامنا لها، وقد مضى هذا في رسم "العرية"؛ وأشهب يقول: إذا فر بغنمه سنين، ثم وجده الساعي - وقد زادت غنمه، أنه يأخذ منه لكل عام من الأعوام الماضية على ما يجد بيده، ولا يكون أحسن حالا من الذي يغيب عنه الساعي؛ وإذا وجده الساعي وقد نقصت غنمه، فهو ضامن - كما قال ابن القاسم - والله أعلمه. [يذبح الصدقة ويجزئها على المساكين] ومن كتاب الجواب وسألته: عن الرجل تجب عليه) البقرة في صدقة بقره، أو الشاة في صدقة غنمه، فيريد أن يذبحها ويجزئها على المساكين، قال ابن القاسم لا يعجبني، ولا ينبغي له أن يفعل ذلك؛ ولكن يخرجها كما هي حية، فيدفعها بحالها، فإن ذبحها وجزأها وأخرجها مذبوحة، لم تجزه وأبدلها.

стр. 950

قال محمد بن رشد: مثل ما حكى ابن حبيب عن ابن القاسم أيضا: أنها لا تجزئه، وروى البرقي عن أشهب: أنها تجزئه، وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن قيمتها مذبوحة - إن كانت أقل من قيمتها - حية، فقد أخرج أقل قيمة مما عليه؛ وإن كانت مثل قيمتها حية، فهو بمنزلة من أخرج عن العين عرضا لا يجزئه عند ابن القاسم، ويجزئه عند غيره؛ وكذلك أيضا لو كانت قيمتها مذبوحة أقل من قيمتها حية، فأخرج تمام القيمة، لا يجزئه ذلك على مذهب ابن القاسم، ويجزئه على مذهب غيره. [مسألة: الساعي يقف على الرجل في زكاة زرعه أو صدقة ماشيته] مسألة وسألته عن الساعي أو العامل يقف على الرجل في زكاة زرعه، أو صدقة ماشيته، فيقاطعه منها بالدراهم طوعا أو كرها؛ هل يجتزئ بذلك، ويعتد بها إن وضع بقية ذلك في وجهها؟ أو هل للرجل أن يشتري صدقته من العامل بعد أن يدفعها إليه؟ قال ابن القاسم: نعم يجتزئ بها، ويعتد بذلك إذا كان العمال والسعاة يضعون ما يأخذون من الصدقة مواضعها، ولا أحب لأحد أن يشتري صدقته، وإن كان بعد أن يقبضها العامل، وإن فعل لم أر بذلك بأسا، ولا أرى عليه شيئا إذا كانوا يضعون الصدقات مواضعها، كما أعلمتك؛ فأما الوالي الجائر الذي لا يضعها مواضعها، فلا يجتزئ عن صاحبها دفعها إليه - طائعا، أو كارها، قاطعه عليها، أو لم يقاطعه، اشتراها منه بعد وصولها إليه، أو لم يشترها، فلا يجزئه على حال، ولا يعتد بها؛ وسألته عن الصدقات والعشور هل يصح الاشتراء منها؟ قال ابن القاسم: إن كانوا يضعون أثمانها مواضعها، فلا بأس بالاشتراء منهم، وإلا فلا يحل؛ قال أصبغ: وقد كان يقول قبل ذلك فيما أعلم إذا أخذت
следующие страницы →