← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وجد بيده ما يجب لذلك العام، ثم يأخذ منه زكاة ما مضى من الأعوام على ما يثبت أنه كان عنده في كل عام منها، أو على الأكثر مما كان بيده يوم هرب، أو يوم وجد، إذ قد يهرب وشاؤه أربعون، ثم يجده بعد أعوام - وشاؤه ألف شاة، فيقول: إنما أفدتها منذ عام، وقد يهرب أيضا وشاؤه ألف شاة، ثم يجده بعد أعوام وشاؤه أربعون شاة؛ فيقول: إن الألف شاة تلفت في العام الذي هربت فيه - ولم يكن عندي فيما بعد ذلك من الأعوام إلا أربعون، أربعون في كل عام، فلا يكسر على هذا القول ما يأخذ منه زكاة غيره من الأعوام؛ روى ذلك عنه أصبغ، وقال به، وهو قول ابن الماجشون، وسحنون في المختصر، واختيار ابن المواز، ومرة قال: إنه يبدأ بالعام الأول، فيأخذ منه ما وجب عليه فيه، فيكون كأنه أخذ منه حينئذ زكاة ما بقي للعام الذي بعده، فلا يأخذ منه للعام الذي وجده فيه إلا زكاة ما بقى بيده بعد ما أخذ منه؛ وهو قوله في رواية عيسى هذه، وقول سحنون في آخر سماعه بعد هذا، فعلى قوله في هذه الرواية، لا يأخذ منه التسع شياه عن التسع مائة شاة، إلا أن يكون قد أفاد الألف قبل توبته بعام؛ لأن الشاة إذا أخذها عن أول سنة من الأربعين التي هرب بها، يرجع إلى أقل من نصاب، فلا يجب عليه زكاة ما أفاد إليها حتى يحول عليه الحول من يوم أفاده، ولو لم يعلم متى أفاد الألف، لم يصدق في أنه أفادها في هذا العام، ويأخذ منه شاة للعام الذي هرب فيه، وتسع شياه، تسع شياه، لكل عام من الأعوام التي بعده؛ ويلزم على قياس قوله في هذه الرواية في الذي هرب وشاؤه ثلاثمائة، ثلاث سنين، ثم جاء في السنة الرابعة فلم يجد عنده إلا أربعين، ألا يأخذ من الأربعين لهذه السنة شيئا؛ لأن الذي أخذ للأعوام الماضية يكسرها، كما كسرت التسع شياه المائة من الألف؛ وكذلك قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وتفرقته بين المسألتين ها هنا لا وجه له في القياس، ولاحظ له في النظر - وبالله التوفيق.

стр. 947

[انتظار مجيء الساعي في الحول] ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس وقال في رجل كانت عنده خمس ذود فضل منها بعير أو شرد، فأتاه الساعي وليس عنده إلا أربع ذود، قال: لا زكاة عليه فيها، فإن وجده، صدقها حين يجده. قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: ويكون حولها من يومئذ، ولا ينتظر مجيء الساعي في الحول الثاني، وقال ابن المواز غير ذلك أحب إلي أن ينظر، فإن كان صاحبه أيس منه، فليجعل السنة من يوم يجده؛ وإن كان منه على رجاء، فليزكه مع الأربعة للحول الأول، كزكاة الفطر عن العبد الآبق، وفي ذلك كله نظر، ولا يصح فيه على وجه القياس والنظر، إلا أن ينظر؛ فإن لم يكن آيسا منه، زكى حين يجده، ولم ينتقل حوله عما كان عليه، وعلى هذا ينبغي أن تحمل الرواية، ولا تفسر بما لابن القاسم في كتاب ابن المواز؛ ولو انتقل الحول إلى حين إخراجه الزكاة، لا نبغي على أصولهم ألا يزكي حتى يأتي الساعي من العام الثالث، وإن كان آيسا منه، كان وجوده كالفائدة يستقبل حولا من حينئذ، ولا يزكي حتى يمر به الساعي من بعد حلول الحول؛ وهذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد بعد هذا، وبالله التوفيق. [يزكي غنمه ثم يخلطها مع آخر] ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار وسئل: عن الرجل يزكي غنمه فتلبث ستة أشهر بعد زكاتها، ثم يخلطها مع رجل، فيأتيهم الساعي في شهره ذلك الذي

стр. 948

خلط فيه غنمه - وقد وجبت على صاحبه الزكاة في غنمه؛ فقال: يزكي غنم صاحبه - وليس على هذا زكاة حتى يحول على صاحبه الحول من يوم يزكي، إلا أن يخرج غنمه منها قبل ذلك؛ وذلك بمنزلة الرجل يفيد الغنم أو يشتريها، فتلبث في يده ستة أشهر، ثم يأتيه الساعي فليس له أن يزكيها حتى يأتيه من سنة قابل. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: أن الرجلين لا يكونان خليطين ويزكيان زكاة الخلطة، حتى يكون الحول قد حال على ماشية كل واحد منهما؛ ولو زكاهما زكاة الخلطة، وأحدهما لم يحل على ماشيته الحول، لكان ما أخذ زائدا منهما بسبب الخلطة مظلمة على من أخذت من غنمه، ولم يترادا ذلك بينهما؛ إذ لا اختلاف في ذلك، بخلاف إذا زكاهما زكاة الخلطة، وماشية أحدهما أقل من نصاب؛ مثال ذلك أن تكون الماشية التي قد حال عليها الحول مائة، والتي لم يحل عليها الحول خمسين، فيأخذ الساعي منها شاتين، فإنه إن أخذهما من غنم صاحب المائة، لم يكن على صاحب الخمسين شيء؛ لأن الواحدة واجبة عليه، والثانية مظلمة وقعت عليه؛ إلا على القول بأن من أغرم غرماء على مال غيره، فله أن يرجع به على صاحب المال؛ وإن أخذهما من غنم صاحب الخمسين، رجع بالواحدة على صاحب المائة، وكانت الثانية مظلمة وقعت عليه، وإن أخذ واحدة من غنم صاحب المائة، وواحدة من غنم صاحب الخمسين، لم يكن لصاحب الخمسين على صاحب المائة رجوع بالشاة التي أخذت منه؛ لأنها مظلمة وقعت عليه. [مسألة: يفر بماشيته من الساعي] مسألة وسئل: عن الرجل يفر بماشيته من الساعي - وهي أربعون شاة، فيغيب عنه الساعي سنين، ثم يأتيه - وهي أربعون لم تزد على الأربعين في السنين الفارطة، قال: ليس عليه إلا شاة واحدة لجميع

стр. 949

السنين، وإنما يؤخذ من الفار كل سنة ما وجب عليه - وجدت عنده غنم، أو لم توجد - هو ضامن لما وجب عليه في ماله، وليس هو كمن لم يفر، إلا أن الساعي لم يأته، فذلك إذا جاءه ولم يجد في يده شيئا من الماشية، أو وجد في يده ما لا زكاة فيه، فليس عليه لما مضى من السنين التي لم يأته فيها الساعي شيء. قال محمد بن رشد: هذا على ما مضى له في رسم "العرية": أن الساعي يبدأ فيأخذ شاة لأول سنة، ثم لا يأخذ منها شيئا؛ لأنها ترجع إلى ما لا يجب فيه الزكاة؛ وعلى قوله الثاني - وهو قول ابن الماجشون، وأحد قولي سحنون - يبدأ بهذه السنة فيأخذ لها شاة، ثم يأخذ منه شاة شاة للأعوام الماضية؛ لأنه كان ضامنا لها، وقد مضى هذا في رسم "العرية"؛ وأشهب يقول: إذا فر بغنمه سنين، ثم وجده الساعي - وقد زادت غنمه، أنه يأخذ منه لكل عام من الأعوام الماضية على ما يجد بيده، ولا يكون أحسن حالا من الذي يغيب عنه الساعي؛ وإذا وجده الساعي وقد نقصت غنمه، فهو ضامن - كما قال ابن القاسم - والله أعلمه. [يذبح الصدقة ويجزئها على المساكين] ومن كتاب الجواب وسألته: عن الرجل تجب عليه) البقرة في صدقة بقره، أو الشاة في صدقة غنمه، فيريد أن يذبحها ويجزئها على المساكين، قال ابن القاسم لا يعجبني، ولا ينبغي له أن يفعل ذلك؛ ولكن يخرجها كما هي حية، فيدفعها بحالها، فإن ذبحها وجزأها وأخرجها مذبوحة، لم تجزه وأبدلها.

стр. 950

قال محمد بن رشد: مثل ما حكى ابن حبيب عن ابن القاسم أيضا: أنها لا تجزئه، وروى البرقي عن أشهب: أنها تجزئه، وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن قيمتها مذبوحة - إن كانت أقل من قيمتها - حية، فقد أخرج أقل قيمة مما عليه؛ وإن كانت مثل قيمتها حية، فهو بمنزلة من أخرج عن العين عرضا لا يجزئه عند ابن القاسم، ويجزئه عند غيره؛ وكذلك أيضا لو كانت قيمتها مذبوحة أقل من قيمتها حية، فأخرج تمام القيمة، لا يجزئه ذلك على مذهب ابن القاسم، ويجزئه على مذهب غيره. [مسألة: الساعي يقف على الرجل في زكاة زرعه أو صدقة ماشيته] مسألة وسألته عن الساعي أو العامل يقف على الرجل في زكاة زرعه، أو صدقة ماشيته، فيقاطعه منها بالدراهم طوعا أو كرها؛ هل يجتزئ بذلك، ويعتد بها إن وضع بقية ذلك في وجهها؟ أو هل للرجل أن يشتري صدقته من العامل بعد أن يدفعها إليه؟ قال ابن القاسم: نعم يجتزئ بها، ويعتد بذلك إذا كان العمال والسعاة يضعون ما يأخذون من الصدقة مواضعها، ولا أحب لأحد أن يشتري صدقته، وإن كان بعد أن يقبضها العامل، وإن فعل لم أر بذلك بأسا، ولا أرى عليه شيئا إذا كانوا يضعون الصدقات مواضعها، كما أعلمتك؛ فأما الوالي الجائر الذي لا يضعها مواضعها، فلا يجتزئ عن صاحبها دفعها إليه - طائعا، أو كارها، قاطعه عليها، أو لم يقاطعه، اشتراها منه بعد وصولها إليه، أو لم يشترها، فلا يجزئه على حال، ولا يعتد بها؛ وسألته عن الصدقات والعشور هل يصح الاشتراء منها؟ قال ابن القاسم: إن كانوا يضعون أثمانها مواضعها، فلا بأس بالاشتراء منهم، وإلا فلا يحل؛ قال أصبغ: وقد كان يقول قبل ذلك فيما أعلم إذا أخذت

стр. 951

كرها في محلها، أجزأت، ولا أعلمه إلا قاله في المكوس، قال (أصبغ: وقد سمعت) ابن وهب: يقول: تجزئه إذا أخذها كرها، وهو رأي إذا حلت ووجبت في المكوس والسعاة. قال محمد بن رشد: قوله في المدونة، وأحد قوليه ههنا، وقول ابن وهب، وأصبغ، أن ما يأخذ الولاة من الناس من الصدقات، تجزئ عنهم - وإن كانوا لا يعدلون فيها، ويضعونها غير مواضعها، أصح من قوله الآخر - ههنا: إنها لا تجزئ عنهم، إلا أن يضعوها مواضعها؛ لأن دفعها إليهم واجب لما في منعها من الخروج عليهم المؤدي إلى الهرج والفساد، فإذا وجب أن يدفع إليهم، وجب أن يجزئ عنهم، وقد روي أن رسول الله ﷺ ، قال: «أما والله لولا أن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية، ما تركتها عليكم جزية تؤخذون بها من بعدي، ولكن أدوها إليهم، فلكم برها وعليهم إثمها - قالها ثلاث مرات» . وأما دفع القيمة إليهم في ذلك، فمكروه لوجهين؛ أحدهما: لما في ذلك من معنى الرجوع في الصدقة، والثاني: لئلا تكون القيمة أقل مما عليه، فيكون قد بخس المساكين حقوقهم. وأما شراء الرجل صدقته من العامل بعد أن يدفعها إليه، فهو أخف في الكراهية؛ لأن ذلك إنما يكره لوجه واحد، وهو ما في ذلك من معنى الرجوع في الصدقة، وليس بحقيقة الرجوع فيها، إلا إذا اشتراها من المساكين الذين دفعها إليهم؛ مع أن الحديث إنما ورد في صدقة التطوع،

стр. 952

فإذا أكرهه الإمام على أخذ القيمة منه، لم يكن عليه في ذلك بأس؛ وأما شراؤه من العامل صدقات غيره، فذلك جائز إن كانوا يضعون ذلك في مواضعه؛ لقوله ﵊: «لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة - فذكر فيهم: أو رجل اشتراها بماله» . وأما إذا كانوا لا يضعون ذلك مواضعه، فقد قيل: إن الشراء منهم سائغ؛ لأن البيع لهم جائز، وإنما يقع عداؤهم على الأثمان، - قاله ابن حبيب في الوالي يعزل العمال الظلمة فيرهقهم ويعذبهم في غرم يغرمهم لنفسه، أو ليرده إلى أهله، فيلجئهم ذلك إلى بيع أمتعتهم ورقيقهم، والصحيح ما ههنا، أن ذلك لا يحل ولا يجوز؛ لأنه بيع عداء؛ إذ الواجب أن يقسم على المساكين على ما هي عليه، ولا تباع إلا على وجه نظر، مثل أن يحتاج الإمام أن ينقل الزكوات من بلد إلى بلد لحاجة نزلت بأهل ذلك البلد، فيخاف أن يذهب الكراء ببعضها، فيرى أن تباع ويشتري في ذلك البلد بالثمن مثله فيقسم؛ أو يقسم الثمن فيه فيسد للمساكين مسده، فإذا باع الزكوات ليستأثر بها، أو ليتعدى فيها، فهو كمن تعدى على سلعة رجل فباعها، فلا يحل لأحد شراؤها. [يأتيهم الساعي فيجد لأربعة نفر أربعين شاة فيأخذ منها شاتين] من سماع يحيى بن يحيى من كتاب أوله يشتري الدور والمزارع قال يحيى: قال ابن القاسم في القوم يأتيهم الساعي فيجد لأربعة نفر أربعين شاة، لكل واحد منهم عشرة، عشرة، فيأخذ منها شاتين، أنهم يكونون كالخلطاء في الشاة الواحدة، وتكون مصيبة الشاة الأخرى على صاحبي الشاتين؛ لأنها مظلمة دخلت عليهما بغير سبب

стр. 953

الغنم، ومظلمة الشاة الأخرى دخلت عليهم أجمعين للشبهة التي تأول المصدق؛ إذ وجدها مجتمعة، فرأى أن فيها شاة إذ هي أربعون، وتعدى في الأخرى فغصبها ربها، فلما لم يعرف التي أخذ للصدقة من التي تعدى على ربها فيها، فقبضها إياه، فإن قيمة الشاتين تجمعان، ثم تكون نصف قيمتهما على الأربعة نفر، تقسم على ما لهم من العدد في الغنم، كالخليطين اللذين يترادان، ثم يكون نصف قيمتهما بين صاحبي الشاتين، على كل واحد منهما نصف ذلك، وهو ربع جميع قيمة الشاتين. قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم "استأذن" من سماع عيسى تفسير هذه المسألة، وتبيين موضع الخلاف بين السماعين، فلا معنى لإعادته. [ما يكون للعامل على الصدقة] من سماع سحنون بن سعيد وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: سألت ابن القاسم عن وجه ما يكون للعامل على الصدقة، قال: إن ذلك يختلف، ربما بعد المسعى، وقل ما فيه، فيجتهد له ويعطى، وإنما هو بمنزلة الأجير، فيعطى على قدر عناه وشخوصه، وليس في ذلك حد، فإذا كان مثل ما وصفنا، فربما كان له سهمان وثلاثة، وربما قرب المسعى، وكثر ما فيه، فيعطى أيضا على قدر ذلك، فربما لم يصر له إلا ربع سهم، أو أقل، أو أكثر؛

стр. 954

قلت له: فيولاها عبد لأنه أجير، قال: لا، الإجارة منها، ولا يجوز أن يليها إلا من كان يجوز له أن يأخذ منها، ثم قال أيولاها نصراني؟ قلت له: فما معنى قول مالك: أعطى طاووس نفقة، وأعطى معاذ بن جبل نفقة؛ قال: هو وجه ما كانوا يعملون عليه، وكانوا يعانون به ويعطون، وإنما ذلك أن يولى الرجل وليست له قوة، فيعان من بيت المال ويجهز، وآخر له قوة، فيخرج بمال نفسه؛ قلت له: فهذا الذي أعين؟ قال: يحط من العطية على قدر ما نابه من العطاء، وعلى ما وصفنا؛ قلت له: فإن كان العامل عليها مديان، أيأخذ منها مثل ما يأخذ الغارمون، قال: لا، إلا أن يعطيه السلطان منها على وجه الاجتهاد. قال محمد بن رشد: قوله: إن العامل على الصدقة يعطى منها على قدر عنائه في عمالته، هو مذهب مالك، (وقول) عامة العلماء؛ لأن الله ﵎ لما قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، دل ذلك من قوله: إن الصدقات التي هي الزكوات مقصورة على الأصناف التي ذكر، لا تخرج عنهم، إلى غيرهم؛ ولم يدل ذلك من قوله على وجوب قسمتها عليهم بالسوية، فيؤثر بذلك أهل الحاجة منهم، وتنتقل بانتقالها؛ ومن أهل العلم من يرى أنها تقسم عليهم بالسواء على ظاهر قَوْله تَعَالَى، فيعطي العامل عليها الثمن، وقيل: السبع؛ لأن سهم المؤلفة قد بطل، وقد قال بعض العلماء: إن تولى الإمام قسمة الزكاة، قسمها على سبعة أصناف، لا يجزئه إلا ذلك، وإن

стр. 955

قسم الرجل زكاته، كان عليه أن يضعها في ستة أصناف؛ لأن سهم العاملين يبطل بقسمته هو إياها؛ والصحيح ما ذهب إليه مالك، وعامة العلماء: أنها توضع في الأصناف المذكورين، ويؤثر بذلك أهل الحاجة منهم. وقوله: إن العبد لا يولى على الصدقة صحيح؛ لأن العمالة عليها في قبضها من أهلها، ووضعها في أهلها، ولاية كالحكم؛ فلا يصح من العبد، لما لسيده عليه من الحجر، مع نقصان مرتبته؛ وقول مالك: لا يجوز أن يليها إلا من كان يجوز له أن يأخذ منها، يستفاد منه أنه لا يجوز أن يولاها أحد من بني هاشم؛ لأن الصدقة لا تحل لهم، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إن الهاشمي يجوز أن يولى على الصدقة؛ لأن الذي يأخذ منها، إنما يأخذه بعمالته، كالغني الذي لا تحل له الصدقة، وهو يأخذ منها بعمالته، وقد خالفه أبو يوسف، وقال بقولنا وهو الصواب؛ لأن الهاشمي لما لم يكن له في الصدقة حق بفقره، كان أحرى ألا يكون له فيها حق بعمالته؛ ومن سواه لما كان له فيها حق بفقره، لم يمتنع أن يكون له فيها حق بعمالته، وقد قال ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة - فذكر فيهم: أو لعامل عليها» . فلما قال: إنها لا تحل لغني إلا بالعمالة، دل أنها تحل له إذا كان فقيرا دون عمالة؛ فخرج من ذلك الهاشمي بالإجماع على أنه لا تحل له إذا كان فقيرا دون عمالة، وقد أجاز أحمد بن نصر أن يستعمل عليها العبد، والنصراني - قياسا على الغني - وهو بعيد، وإنما قال: إن العامل على الزكاة إذا كان مديانا لا يأخذ منها كما يأخذ الغارمون، من أجل أنه هو الذي يقسمها، فلا يحكم لنفسه، وجائز للإمام أن يعطيه من أجل دينه - سوى ما يجب له بعمالته - على مذهبه في أن الزكاة موضوعة في الأصناف بالاجتهاد، لا مقسومة عليهم بالسوية.

стр. 956

[مسألة: المحتاج يجد اللقطة] مسألة قلت له: فالرجل المحتاج يجد اللقطة: الدينار، أو النصف دينار، أو نحوه - وهو محتاج؛ أترى أن يأكله، قال: لا أحب ذلك له، فإن أكله، غرمه إن جاء ربه؛ فأما أنا، فلا آمره بذلك. قال محمد بن رشد: مذهب مالك ﵀ أن اللقطة لا يجوز لواجدها أكلها بعد التعريف؛ لأن معنى قوله ﵊: عنده فشأنك بها أي: أنه مخير فيها بين أن يزيد في تعريفها، ويمسكها على صاحبها؛ وبين أن يتصدق بها ويخير صاحبها - إذا جاء في أن ينزل على أجرها، أو يغرمه إياها؛ فلم ير له مالك أن يأكلها وينزل نفسه منزلة المساكين - إن كان مسكينا، إذ له أن يتصدق بها على المساكين؛ لأنه إذا فعل ذلك، كان هو الحاكم لنفسه، فلم ير ذلك له، وأوجب عليه الغرم؛ لأنه لو تصدق بها لغرمها، ولم ينزله في سقوط الغرم عنه منزلة غيره من المساكين - لو تصدق بها عليهم؛ لأنه حكم لنفسه بإسقاط الضمان عنها، فلم يجز ذلك له؛ وقوله في هذه المسألة، نحو قوله في المسألة المتقدمة: إن العامل على الصدقة - إذا كان مديانا، لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة، كما يأخذ الغارمون؛ ونحو ما في رسم "البز" من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع، والوكالات، في الذي يبعث معه بمال ليعطي منه كل منقطع به، فانقطع به هو فأخذ منه، أن عليه أن يبين ذلك لصاحبه، إذ ليس ما يحكم به بين الناس، كما يحكم به بينه وبين الناس، وقد اختلف في واجد اللقطة: هل له أن يأكلها بعد التعريف - على أربعة أقوال؛ أحدها: هذا أنه ليس له أن يأكلها - وإن كان محتاجا إليها، والثاني: أن له أن يأكلها - وإن كان غنيا؛ ويغرمها لصاحبها - وهو مذهب الشافعي. والثالث:

стр. 957

أنه ليس له أن يأكلها، إلا أن يكون محتاجا إليها - وهو قول أبي حنيفة. والرابع: أنه ليس له أن يأكلها، إلا أن يكون له وفاء بها. [مسألة: الهرب عن الساعي بالغنم] مسألة قال سحنون: لو أن رجلا له أربعون شاة، أو عشرون دينارا، فأقامت في يده سنين كثيرة - هاربا عن الساعي بالغنم، وشحا عن إعطاء الزكاة في الدنانير، (أنه) إن كانت له عروض، ضمن الزكاة في الدنانير لجميع السنين، وذلك أن الزكاة صارت عليه دينا؛ فأنت تنظر: فإن كان له مال سوى هذه الدنانير، ضمن الزكاة لجميع السنين، وإن لم يكن له مال سوى هذه الدنانير يضمن فيها الزكاة، لم يكن عليه إلا زكاة واحدة لجميع السنين؛ قال: وأما الغنم فليس عليه إلا شاة واحدة لجميع السنين كلها - كان له مال غيرها، أو لم يكن؛ لأنه بمنزلة ما لو أن رجلا وجبت عليه الزكاة في غنمه - وعليه دين، زكاها ولم يمنعه الدين من الزكاة. قال محمد بن رشد: أما مسألة الدنانير، فإن لم تكن له عروض تفيء بما عليه من الزكاة للأعوام الماضية، فليس عليه إلا زكاة سنة واحدة، واختلف إن كانت له عروض تفيء بما عليه من الزكاة للأعوام الماضية، فقيل: إنه يزكي للأعوام الماضية، ويجعل دين الزكاة في عروضه، وهو قول سحنون هذا؛ وقول أشهب في المدونة، خلاف ظاهر قول ابن القاسم فيها، ونص قوله في سماع سحنون من كتاب زكاة العين في بعض الروايات، وجه قول ابن القاسم: إن الزكاة لما كانت متعينة في عين المال، وجب أن تؤخذ من عينه لأول سنة، فإذا أخذت فكأنها قد أخذت حين وجبت، فلا يزكي للعام الذي بعده إلا ما بقي -

стр. 958

إن كان ما بقي تجب فيه الزكاة، وإن كانت له عروض، ووجه قول أشهب، وسحنون، أن الزكاة، وإن كانت متعينة في المال، فقد ترتبت في الذمة بتأخيرها عن وقتها، فأشبهت سائر الديون، ووجب أن تجعل في العروض، وتزكى لجميع السنين، وأما مسألة الغنم، فسواء كانت له عروض، أو لم تكن له عروض، إذ لا يسقط الدين زكاة الماشية؛ قيل: إنه يبدأ بالعام الأول فيزكي زكاة واحدة، وهو قول سحنون هذا، وقول ابن القاسم في رسم "العرية"، ورسم أسلم من سماع عيسى، وقيل: إنه يبدأ بالعام الآخر، ثم يؤخذ منه زكاة ما مضى من الأعوام؛ لأنه كان ضامنا لها، وهو قول ابن الماجشون، وقول أصبغ، وروايته عن ابن القاسم، وقول سحنون في المختصر - وبالله التوفيق. [الرجل تقيم عنده أربعون شاة مدة متى يزكيها] من سماع أبي زيد من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن الرجل تقيم عنده أربعون شاة ستة أشهر، ثم يبيعها بعشرين دينارا، فتقيم العشرون دينارا أشهرا، ثم يبتاع بها أربعين شاة، متى يزكيها؟ قال: يستقبل بها حولا من يوم اشتراها. قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة، وتحصيل القول فيها في أول رسم من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته. [مسألة: عنده أربعون شاة حال عليها الحول ولم يأته المصدق] مسألة وقال في رجل كانت عنده أربعون شاة، حال عليها الحول - ولم يأته المصدق، ثم باعها بعد الحول؛ هل عليه زكاة فيما باعها به؟ قال: إن كان باعها بعشرين دينارا، كان عليه نصف دينار ساعتئذ؛ وإن باعها بأقل من عشرين دينارا، فلا زكاة عليه فيها.

стр. 959

قال محمد بن رشد: هذا على أحد قولي مالك في المدونة، وغيرها، أنه يزكي الدنانير على حول الماشية المقتناة؛ لأنها لما كانت في عينها الزكاة، كانت بخلاف العروض المقتناة. والقول الثاني: أنه يستقبل بالثمن حولا من يوم قبضه، ولو كانت الغنم أقل مما تجب فيه الزكاة أو باعها بأقل مما تجب فيه الزكاة، لكان الثمن فائدة من يوم قبضه قولا واحدا. [مسألة: غاب عنه الساعي سنين] مسألة وسئل: عمن غاب عنه الساعي سنين، فلما حضرته الوفاة، أوصى أن تؤدى زكاة ماشيته لتلك السنين، وأوصى بوصايا؛ أتبدأ، أم يحاص بها الوصايا؟ قال: بل يحاص بها الوصايا. قال محمد بن رشد: وهذا (على) أصولهم في أن حول الماشية بمجيء الساعي، وأن من غاب عنه الساعي سنين، ثم هلكت ماشيته قبل أن يأتيه، فلا شيء عليه، فلما أوصى بما لم يجب عليه، كان ذلك كسائر وصاياه - وبالله التوفيق. [مسألة: زكاة الخليطين في الإبل] مسألة وسئل: عن الخليطين في الإبل تجب عليهما ابنة مخاض، فتؤخذ من إبل أحدهما، فيريد شريكه أن يعطيه الذي يجب عليه في إبله من الغنم، ويأبى ذلك، قال ذلك له أن يرجع عليه ببقية البكرة، فيتحاصان فيها على عدد إبلهما. قال محمد بن رشد: قوله: فيتحاصان فيها - يريد في البكرة، فيرجع عليه ببقيتها - أي بما يجب عليه منها، وهذا صحيح؛ لأنه إنما يرجع عليه بما

стр. 960

غرم عنه، وهو الذي يصير على غنمه من قيمة البكرة، وقد قيل: إنه يرجع عليه بالمثل، فيأتي ببكرة فيشاركه فيها وهو القياس. [مسألة: على السعاة أن يأتوا أصحاب المواشي على مائهم] مسألة قال ابن القاسم: على السعاة أن يأتوا أصحاب المواشي على مائهم مكانا يسقون ماشيتهم، ولا ينبغي لهم أن يقعدوا في قرية ويرسلوا تجلب عليهم المواشي. قال محمد بن رشد: قد تقدم هذا المعنى في رسم "حلف" من سماع ابن القاسم، فلا فائدة لإعادته. [مسألة: له خمس ذود فضل منها بعير أو شرد فأتاه الساعي] مسألة وقال ابن القاسم في رجل له خمس ذود فضل منها بعير، أو شرد، فأتاه الساعي - وليس عنده إلا أربع ذود؛ قال: لا زكاة عليه فيها، فإن وجده صدقها حين يجده، ولا ينتظر به الحول - وإن وجده بعد السنة بثلاثة أشهر. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في رسم "لم يدرك" من سماع عيسى. والذود ثلاثة، وأربعة، وخمسة - إلى سبعة؛ وما فوق السبعة: شنق - إلى أربع وعشرين؛ وما فوق ذلك إبل، ولا ينقص الذود، ولا يكون الذود واحدا، كما لا ينقص من عدد النفر، ولا يكون النفر واحدا، والنفر من ثلاثة إلى سبعة، وفوق السبعة إلى العشرة رهط، وفوق ذلك إلى الأربعين عصبة؛ وفوق ذلك إلى المائة فأكثر، أمة، وقال ابن مزين: أقل الذود واحد، هذا قول ابن حبيب - أعني قوله: إن الذود ثلاثة، وأربعة، وخمسة

стр. 961

إلى سبعة، وما فوق السبعة شنق، وهو خلاف قول مالك في رسم "الزكاة" من سماع أشهب: أن الشنق من الإبل، ما لا يؤدى فيه إلا الغنم؛ فعلى رواية أشهب عن مالك: الخمس شنق - إلى أربعة وعشرين، ولا يقال: شنق لما دون الخمسة، ولا لما فوق الأربعة والعشرين؛ وهو الصحيح في المعنى؛ لأن ذلك إنما سمي شنقا؛ لأن الساعي يكلف رب الإبل أن يأتيه بما ليس عنده ويشد عليه في ذلك، وإن شنق - عليه - مأخوذ من شناق البعير الذي يشنق به ويضغط، ويحمل على غير اختياره، وبالله تعالى التوفيق. [الساعي يأتي الرجل فيجد ماشيته عجافا كلها] من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب الزكاة والصيام قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول: سأل عثمان بن الحكم مالكا عن الساعي يأتي الرجل فيجد ماشيته عجافا كلها، قال: يأخذ منها - وإن كانت عجافا؛ قال سحنون: وهو قول المخزومي. قال محمد بن رشد: زاد في كتاب ابن المواز من قول مالك في هذه الرواية قال: ولو كانت ذوات عوار كلها وتيوسا، فليأت بغيرها؛ قال محمد: وكذلك العجاف فليشتر له ما يعطيه. وقول محمد خلاف لقول مالك؛ لأن قول مالك: ولو كانت ذوات عوار كلها وتيوسا، فليأت بغيرها، يدل على أن العجاف يأخذ منها، ولا يأتي بغيرها، وقد وقع لمحمد في موضع آخر أنه قال: معنى قول مالك: يأخذ منها - وإن كانت عجافا، أنه يزكيها لا يدعها، ولكن لا يأخذ عجافا، وما يدل (عليه) قوله أولى - من تأويل غيره - والله أعلم، والقياس أن يأخذ منها - عجافا كانت، أو ذوات عوار، فيتحصل في

стр. 962

المسألة ثلاثة أقوال، قولان وتفرقة، وكذلك الصغار، القياس أن يأخذ منها - إذا كانت كلها صغارا؛ وقد ذهب بعض من تعلق بظواهر الروايات، أن الخلاف لا يدخل في الصغار، وليس ذلك - عندي بصحيح. [مسألة: لا يؤخر الساعي الصدقة عند أهلها] مسألة وأخبرني ابن وهب عن ابن شهاب، أو مالك، أو جميعا، قال: لا يؤخر الساعي الصدقة عند أهلها - وإن كانت عجافا، ولكن يأخذ في الخصب والجدب ولا يؤخر أخذها ولا يضمنوها. قال محمد بن رشد: قد تقدم القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع أشهب، فلا وجه لإعادته. [مسألة: له نصاب ماشية فأفاد إليها غنما أخرى] مسألة وقال بعض المصريين: لو أن رجلا كان له نصاب ماشية، والنصاب ما تجب فيه الزكاة من الغنم؛ فأفاد إليها غنما أخرى، فلما حل حول الغنم الأولى، لم يكن في الغنم الأولى ما تجب فيه الزكاة، نقصت عن حالها بموت أو بأكل أو بغير ذلك؛ وفيما بقي منها ما إن ضمه إلى ما أفاد إليها، وجبت فيها الزكاة؛ أنه لا زكاة عليه في شيء من غنمه حتى يحول عليها حول الآخرة، فيزكيها عند ذلك؛ قال: وكذلك لو أن رجلا كانت عنده ثلاثون شاة، فأفاد إليها غنما أخرى، فلما حل حول الغنم الأولى، كانت الزكاة تجب فيها توالدت، فبلغت ما تجب الزكاة في مثلها؛ فإنه يزكيها، ويزكي معها ما أفاد إليها، ويكون حولها من يوم زكاها، وأصل هذا أنك تنظر إلى الغنم

стр. 963

الأولى فإذا حال حولها، فإن كانت الزكاة تجب فيها، فهي توجب الزكاة فيما أفاد إليها، وإذا حل حولها والزكاة لا تجب فيها، فهي تسقط الزكاة عن غيرها مما أفاد إليها، وإن كان لرجل نصاب ماشية، فأفاد إليها غنما، فهو يزكي ما أفاد إليها على حول نصاب الذي عنده - إذا حل عليها الحول وهي على حالها، لم تنقص عما تجب الزكاة في مثله؛ فإن نقصت فرجعت إلى ما لا زكاة فيه، ثم توالدت فرجعت إلى ما تجب فيه الزكاة - محل حولها، وهي مما تجب الزكاة فيها، فتزكيها على حولها - كما كنت تزكيها لو لم تنقص، وزك معها ما أفدت إليها، وإن حال حولها - وهي على نقصانها - فلا شيء عليك فيها، ولا فيما أفدت إليها، وزكها كلها على حول الآخرة - إلى أن ترجع الغنم الأولى إلى حالها الأول، أو تبلغ ما تجب في مثلها الزكاة، فتزكيها عند ذلك، وتزكي معها ما أفدت إليها، ويكون حولها من يوم زكيت، إلا أن تكون ممن يأتيك الساعي فتؤخر زكاتك إلى مجيئه؛ لأن حولك مجيء الساعي وحلوله عليك. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها بينهم، وإنما وجب أن تزكى الفائدة على حول النصاب في الماشية، بخلاف العين، لعلة افتراق الحول من أجل أن الساعي لا يخرج إلا مرة واحدة، ويزكيها على حول النصاب - وإن كان في بلد لا يخرج فيه السعاة - قاله بعض شيوخ القرويين،

стр. 964

ونسبه إلى المستخرجة - وهو قائم من آخر هذه المسألة، فقيل إن العلة في ذلك مخافة أن يخرج السعاة، إذ لا يأمن ذلك، فلا يمكن أن تبقى أحواله على ما رتبها. [مسألة: زكاة خليط الإبل] مسألة وقال بعض المصريين: لو أن رجلا كانت له ثلاثون من الإبل ولثلاثة نفر ثلاثون، لكل واحد منهم عشرة، عشرة، وكان خليطا، لكل واحد منهم بعشرة من إبله، فجاءهم الساعي، فإنه يحسب على الذي له العشرة الثلاثين كلها التي هي لصاحبه؛ لأنه يجمعها على صاحبه فيأخذ من صاحب العشرة ما يصير على عشرته - إذا جمعت كلها، وتفسير ذلك أن الساعي يبدأ بأحد الثلاثة نفر، فيقول له: إن لك عشرة من الإبل، ولفلان صاحبك معك عشرة أخرى، هو لك خليط بها، فهذه عشرون، وله عند فلان وفلان عشرون، فهذه أربعون، فلابد من أن أجمعها عليك كلها فأعرف ما يصير عليك يا صاحب العشرة - إذا جمعتها فأخذه منك، فأربعون من الإبل فيها ابنة لبون، وعليك يا صاحب العشرة من ابنة اللبون التي تجب في إبلكما الربع، ثم يرجع إلى الثاني والثالث، فيفعل بهما مثل ما فعل بالأول، ويأخذ من كل واحد ربع قيمة ابنة اللبون التي وجبت عليهم، ثم يرجع إلى صاحب الثلاثين، فيقول: إن لك ثلاثين من الإبل، ولأصحابك ثلاثين أخرى، وأنت لهم بإبلك خليط، فلا بد من أن أحسب عليك ما لأصحابك، فأعرف ما يصير عليك - إذا جمعتها عليك كلها وأخذه منك، فجميع إبلكم إذا جمعتها ستون،

стр. 965

وفيها حقة طروقة الفحل، فعليك يا صاحب الثلاثين نصفها فهاتها، فيأخذ ذلك منه ويستوفي الساعي صدقته كلها؛ قال: وإنما يأخذ قيمة النصف الذي وجب عليه دنانير، أو دراهم، قال: وكذلك لو أن رجلا كانت له خمسة عشر من الإبل، ولثلاثة نفر خمسة عشر، لكل واحد منهم خمسة، خمسة؛ فكان خليطا، لكل واحد منهم بخمسة، فإن الساعي يبدأ بأحدهم فيقول له: إن لك خمسة، ولصاحبك معك خمسة، فهذه عشرة، وله مع فلان خمسة، ومع فلان خمسة، فهذه عشرون؛ ولا بد لي من أن أجمعها عليكم؛ لأنه لك بها كلها خليط، وأعرف ما يجب عليك فيها، وما يصير عليك يا صاحب الخمسة، فالذي يجب في عشرين من الإبل أربع شياه، والذي يصير على صاحب الخمسة شاة يأخذها منه، ثم يرجع إلى الثاني، والثالث، فيفعل بهما مثل ذلك، ثم يرجع إلى صاحب الخمسة عشر فيقول له: إن لك خمسة عشر، ولأصحابك مثلها؛ فهذه ثلاثون، وأنت لهم خليط بإبلك، ولا بد من أن أجمعها عليك فأعرف ما يصير فيها إذا جمعتها، ثم آخذ منك ما يصير على إبلك؛ فالذي يجب في ثلاثين من الإبل بنت مخاض، والذي يصير على الخمسة عشر نصفها، فيأخذ منه نصف قيمة ابنة مخاض التي وجبت عليهم - إذا جمعت إبلهم، ثم يذهب عنهم؛ قال: ومجرى الغنم، والبقر، مجرى الإبل؛ والعمل في ذلك كالعمل في الإبل سواء الأمر فيه كما وصفت لك، فافهم هذا واعرفه، فإنه باب حسن.

стр. 966

(قال محمد بن رشد) : معنى هذه المسألة أن الذي له ثلاثون من الإبل هو خليط، لكل واحد من خلطائه بعشرة، عشرة، وليس بعض خلطائه خليطا لبعض، وهي مسألة حسنة - كما قال جارية على ما في المدونة في الذي له أربعون من الغنم مع خليط له أربعون، ولخليطه أربعون أخرى ليس له فيها خليط: أن الذي ليس له إلا أربعون يكون خليطا لصاحبه بجميع غنمه، فيأخذ المصدق منهم شاة يكون ثلثها على رب الأربعين، وثلثاها على رب الثمانين، وقد قيل في مسألة المدونة: إنه يكون كل واحد منهما خليطا لصاحبه بما خالطه به لا أكثر فيأخذ الساعي منهما عن الثمانين التي هما فيها خليطان - شاة، ويأخذ من صاحب الثمانين عن الأربعين التي لا خليط له فيها - نصف شاة؛ لأنه يضيفها إلى الأربعين التي قد زكاها مع خليطه، فيكون عليهما - على هذا القول شاة ونصف شاة، وهو مذهب ابن الماجشون، وسحنون، ويأتي على هذا القول في مسألة الإبل، أن الساعي يقول لواحد من أصحاب العشرة، ولصاحب الثلاثين: أنتما خليطان بعشرين، عشرة لكل واحد منكما، فعليكما أربع شياه، فيأخذها منهما شاتين من كل واحد منهما، ثم يفعل بالثاني منهم، وبصاحب الثلاثين - مثل ذلك، ثم بالثالث، وبصاحب الثلاثين - أيضا - مثل ذلك، فيكون قد أخذ منهم جميعا فيما وجب عليهم - اثنتي عشرة شاة، ستة من صاحب الثلاثين، واثنتين، اثنتين، من أصحاب العشرة، وقيل في مسألة المدونة أيضا: إن الذي ليس له إلا أربعون، يكون خليطا للذي (خالطه بما) خالطه به لا أكثر، ويكون الذي خالطه خليطا له بجميع

стр. 967

غنمه، فيأخذ الساعي من الذي له أربعون نصف شاة؛ لأنه يقول له: لك أربعون، ولخليطك معك أربعون، فجميع ذلك ثمانون، وفيها شاة عليك نصفها، ويأخذ من الذي له ثمانون ثلثي شاة؛ لأنه يقول له: لك ثمانون، ولخليطك أربعون، فجميعها مائة وعشرون - وفيها شاة، عليك ثلثاها، فيكون عليهما على هذا القول شاة وسدس شاة، ويأتي على هذا القول في مسألة الإبل - أن الساعي يقول لواحد من أصحاب العشرة أن لك عشرة من الإبل، وأنت بها خليط لعشرة من الإبل، فجميعها عشرون، وفيها أربع شياة، فعليك منها شاتان تأخذها منه؛ ثم تفعل بالثاني والثالث مثل ذلك، ثم يقول لصاحب الثلاثين: إن لك ثلاثين - وأنت بها خليط لخلطائك بثلاثين، فجميعها ستون؛ وفيها حقة طروقة الفحل، فعليك نصفها، فهاتها فيأخذ منه نصف قيمتها، وقد قيل: إنه يأتي بها فيكون شريكا معه فيها؛ وقد قيل في مسألة الإبل إنهم كلهم خلطاء الخليط وخليط الخليط، فيأخذ منهم حقة طروقة الفحل؛ لأن الجميع ستون، فتكون بينهم على عدد ما لكل واحد منهم من الإبل، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون، وقاله بناء على رواية مطرف عن مالك في مسألة قال فيها بمثل جوابه فيها، ولم يتكلم في المدونة على خليط الخليط، وإنما تكلم على الخليط - إذا كانت له غنم لم يخالط بها؛ فاحتمل أن يكون مذهبه فيها في خليط الخليط - على ما في العتبية عن بعض المصريين، واحتمل أن يكون على ما ذهب إليه ابن حبيب، والأول هو الذي حفظناه عن الشيوخ؛ وعلى قياس ما ذكرناه يجري القول في المسألة الثانية - وهي التي يكون له خمسة عشر من الإبل، وهو بكل خمسة منها خليط لرجل بخمسة على حدة؛ ففي مسألة المدونة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنهما خليطان بجميع الغنم، والثاني: أنهما لا يكونان خليطين إلا بما يخالطان به منها، والثالث: أن صاحب الأربعين يزكي على ما خالط به، وصاحب الثمانين يزكي على أنه خليط بجميع غنمه؛ وفي مسألة العتبية أربعة أقوال، الثلاثة منها على قياس الثلاثة الأقوال في مسألة المدونة - إذا لم يزك غنم خليط الخليط - على الخلطة، والقول الرابع: تزكية جميعهم على الخلطة، وقد مضى بيان ذلك كله وتفسيره، وتبين الأربعة الأقوال

стр. 968

بمسألة يتنزلها - وهي أن يكون لرجل ستون شاة، ثلاثون منها مع خليط بثلاثين، والثلاثون الأخرى مع خليط آخر بثلاثين - أيضا؛ فجميع الغنم على هذا مائة وعشرون، يأخذ منها المصدق شاة واحدة على القول بأنها تزكى كلها على الخلطة، ويأخذ منها شاتين على القول: بأنه يزكي كل واحد منهما مع الذي خالطه بما خالطه به، وذلك أنه يقول لصاحب الستين ولخليطه: - أنتما خليطان بستين، فيأخذ منهما شاة بينهما، ثم يقول لصاحب الستين أيضا، ولخليطه الآخر: أنتما خليطان بستين، فيأخذ منهما شاة أيضا بينهما، ويأخذ منهما شاة ونصفا على القول بأنه يزكي كل واحد من الخليطين على أنه خليط بما خالط به لا أكثر، وأنه يزكي الذي خالطهما جميعا على الخلطة في الجميع؛ وذلك أنه يقول لأحد الخليطين لك ثلاثون من الغنم، (ولخليطك ثلاثون، فجميعها ستون؛ وفيها شاة، فعليك نصفها، فيأخذ منه نصف شاة، ويقول لصاحبه مثل ذلك، فيأخذ منه نصف شاة أيضا، ثم يرجع إلى صاحب الستين فيقول له: لك ستون، وأنت خليط لخليطيك بستين، فجميعها مائة وعشرون، وفيها شاة، فعليك نصفها، فيأخذ منه نصف شاة، فيستوفي صدقته، ويأخذ منها شاة وسدسا - على القول بأن يزكي كل واحد من الخليطين على أنه خليط للذي خالطه بجميع غنمه، وإن لم يخالطه إلا ببعضها، وأنه يزكي الذي خالطهما جميعا على الخلطة في الجميع، وذلك أن يقول لأحد الخليطين: لك ثلاثون من الغنم) ، ولخليطك ستون، فجميعها تسعون، وفيها شاة عليك ثلثها، فيأخذ منه ثلث شاة، ويقول لصاحبه مثل ذلك، فيأخذ منه ثلث شاة أيضا، ثم يرجع إلى صاحب الستين، فيقول له: لك ستون، وأنت خليط لخليطيك بستين، فجميعها مائة وعشرون وفيها شاة، فعليك نصفها فيأخذ منه نصف شاة. فهذه أربعة أقوال بينة في مسألة واحدة، وهذا التنزيل على مذهب من لا يراعي النصاب في الخلطة، ومالك يراعيه في الانتهاء دون الابتداء؛ ولو كانت لرجل عشرون من الإبل خالط بكل عشرة منها خليطا بعشرة - على

стр. 969

حدة، لوجب للساعي فيها على القول الأول بنت لبون، يأخذها من جميعهم، ويترادون فيها على عدد إبلهم، ويجب له فيها على القول الثاني ثمان شياه: أربع شياه على صاحب العشرين، وشاتان، شاتان - على كل واحد من صاحبي العشرة، وذلك أنه يقول لصاحب العشرين، ولأحد خليطيه: أنتما خليطان بعشرين عشرة، عشرة، لكل واحد منكما، فعليكما أربع شياه: شاتان على كل واحد منكما، ثم يقول لصاحب العشرين أيضا، ولخليطه الآخر: أنتما خليطان بعشرين: عشرة، عشرة لكل واحد منكما، فعليكما أربع شياه: شاتان، شاتان، على كل واحد منكما؛ ويجب له فيها على القول الثالث نصف ابنة مخاض، وأربع شياه؛ وذلك أنه يقول لصاحب العشرين: لك عشرون من الإبل، ولخليطيك عشرون، فجميعها أربعون، وفيها ابنة لبون، وعليك نصفها، فيأخذ منه نصف ابنة لبون، ثم يقول لأحد الخليطين - صاحب العشرة: لك عشرة من الإبل، ولخليطك عشرة من الإبل، فجميعها عشرون، وفيها أربع شياه، عليك منها شاتان، فيأخذ منه شاتين، ويفعل بصاحبه مثل ذلك، فيستوفي حقه نصف ابنة لبون، وأربع شياه، ويجب له فيها على القول الرابع ثلثا ابنة لبون مخاض ونصف ابنة لبون، وذلك أنه يقول لأحد الخليطين صاحب العشرة: لك عشرة من الإبل، ولخليطك عشرون، فجميعها ثلاثون، وفيها ابنة مخاض، فعليك ثلثها، فيأخذ منه ثلث ابنة مخاض، ويفعل بصاحبه مثل ذلك، فيأخذ منه ثلث بنت مخاض أيضا؛ ثم يرجع إلى صاحب العشرين فيقول له: إن لك عشرين من الإبل، ولخليطيك عشرون: عشرة، عشرة، فجميعها أربعون، وفيها ابنة لبون، عليك منها نصفها، يأخذ ذلك منه ويستوفي جميع حقه؛ وهذه أيضا أربعة أقوال بينة في هذه المسألة على

стр. 970

مذهب مالك في الابتداء والانتهاء، فقس عليها سواها تصب - (إن شاء الله) - وبالله تعالى التوفيق. * * *

стр. 971

[كتاب زكاة الحبوب والفطر] [ زكاة الحنطة] من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب القبلة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، قال: سمعت مالكا قال في زرع الحنطة وما أشبهه مما فيه الزكاة، يبيعه صاحبه بعد أن ييبس ويستحصد، وهو قائم قبل أن يحصده: فلا بأس أن يأمن المبتاع عليه - إذا فرغ وكاله، أخبره بما وجد فيه، فأخرج البائع زكاة ذلك، قال ابن القاسم: فإن باعه من نصراني فأحب إلي أن يتحفظ من ذلك حتى يعلم ما خرج منه. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الزرع إذا أفرك واستغنى عن

стр. 972

الماء، فقد وجبت فيه الزكاة على صاحبه؛ وكذلك الثمرة إذا أزهت، فإذا باع شيئا من ذلك بعد وجوب الزكاة فيه، فالزكاة واجبة عليه حتى يؤديها، وله أن يأمن المبتاع في مبلغ ما رفع فيه - إن كان مأمونا، وإن لم يكن مأمونا، أو كان ذميا، فعليه أن يتوخى قدر ذلك ويزيد ليسلم؛ قاله ابن المواز، وهو صحيح؛ كمن عليه صلوات ضيعها لا يعرف مبلغها، فإنه لا يصلي حتى لا يشك أنه قد قضى أكثر مما عليه، وقد اختلف إن أعدم البائع قبل أن يؤدي الزكاة، ووجد المصدق الطعام بيد المشتري، فقال ابن القاسم: يأخذ الزكاة منه ويرجع المبتاع على البائع بقدر ذلك من الثمن، وقال غيره: لا سبيل له على المشتري، ويتبع البائع - وهو الأظهر؛ لأن البيع كان له جائزا بظاهر قول النبي ﷺ : «لا تبيعوا الحب في سنبله حتى يبيض في أكمامه» «ونهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛» وقد قال محمد بن المواز: قول ابن القاسم أحب إلي؛ لأن البائع باع ما لم يكن له أن يبيعه - وهو بعيد، إذ لو كان البائع باع ما لم يكن له أن يبيعه، لوجب أن تؤخذ الزكاة من المشتري - وإن كان قد أكل الطعام مليا، كان البائع أو معدما - على حكم الاستحقاق؛ أو أن يكون البيع فاسدا - على تأويل في المذهب، وهو مذهب الشافعي: أنه إذا باع من الثمار ما تجب فيه الزكاة بعد الزهو، فالبيع فاسد، إلا أن يبيع تسعة أعشارها ونصف عشرها إن كان نضجا، فقول ابن القاسم استحسان على غير قياس، وكان ينبغي إذا أخذت الزكاة من الطعام على هذا - أن يرجع المشتري على البائع بالمثل؛ لأن المكيلة وجبت على البائع، فكأن المبتاع أداها عنه، لا بقدر ذلك من الثمن على حكم الاستحقاق، إذ ليس ذلك باستحقاق، وإذا رجع عليه بقدر ذلك من الثمن - على ما قاله ابن القاسم، فيرجع عليه أيضا بقدر ذلك من النفقة التي أنفقها في عمله؛ لأن العمل كان على البائع فلا يخسره المبتاع، وبالله التوفيق. مسألة قال مالك: ليس على أهل الحوائط أن يحملوا ما عليهم من صدقات ثمارهم، إنما يؤخذ ذلك منهم في حوائطهم.

стр. 973

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]- الآية، فوجب أن تؤخذ الزكاة من المال بموضعه الذي هو فيه، ولا يلزم أصحاب الأموال حمل زكواتهم إلى من يأخذها منهم، إذ لم يؤمروا بذلك، كالجزية التي قال الله فيها: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]- الآية، وقد مضى القول في هذا المعنى في سماع ابن القاسم من كتاب زكاة الماشية، ويأتي أيضا في أول سماع أشهب من هذا الكتاب. [صاحب الزرع أن يحسب كل ما أكل منه قبل الزكاة] ومن كتاب أوله الشريكان يكون لهما المال قال: وقال مالك فيما أكل الناس من زرعهم، وما يستأجرون به، مثل القتة التي يعطى منها حمل الجمل بقته قال مالك: أرى أن يحسبوا كل ما أكلوا واستحملوا به، فيحسب عليهم في العشور - إذا أخذ منهم؛ وأما ما أكلت منه الدواب والبقر إذا كانت في الدرس، فلا أرى فيه شيئا.

стр. 974

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الزرع إذا أفرك فقد وجبت فيه الزكاة: العشر، أو نصف العشر - حبا مصفى تكون النفقة في ذلك من ماله، لقوله ﵊ فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وفيما سقي بالنضح - نصف العشر. فعلى صاحب الزرع أن يحسب كل ما أكل منه، أو أعلفه، أو استأجر به في عمله، لوجوب ذلك عليه في ماله، قال ابن المواز: وكذلك ما تصدق به، إلا أن يكون ذلك كله تافها يسيرا لا قدر له؛ وقد قيل: إنه ليس عليه أن يحصي ما أكل منه أو تصدق به - وهو فريك، أو قبل أن ييبس، لقوله : ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وهو مذهب الليث بن سعد. وأما ما أكل منه بعد يبسه، أو أعلفه، فلا اختلاف في أنه يجب عليه أن يحصيه، واختلف فيما تصدق به بعد اليبس - إن كانت الصدقة على المساكين، إذ قد قيل في قوله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] : أنه أن يعطي منه المساكين ما تيسر عند حصاده من غير الزكاة - سوى الزكاة - ندبا، وقيل: فرضا واجبا - مع فرض الزكاة، وقيل: نسخه فرض الزكاة: قول النبي ﵊: «فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» فمن جعله ندبا، أو فرضا واجبا - مع الزكاة، فليس عليه أن يحصيه، ومن رآه منسوخا بالزكاة، أو قال: إن المراد به الزكاة - وهو مذهب مالك، أوجب عليه أن يحصيه - كما قال ابن المواز، ولا يجوز له أن يحسبه من زكاته - إذا نوى به صدقة التطوع، وكذلك لو أعطاه - ولا نية له في تطوع، ولا زكاة، وقد اختلف

стр. 975

إذا أخذت منه الزكاة كرها - على قولين؛ أحدهما: أنه تجزئه من الزكاة؛ لأن الزكاة متعينة في المال، فإذا أخذها منه من إليه أخذها، أجزأت عنه، كما تجزئ عن الصبي، والمجنون؛ والثاني: أنها لا تجزئه، إذ لا نية له، والأول أظهر؛ لأن النية في ذلك موجودة من المأمور بأخذها، وأما ما أكلت منه الدواب والبقر، في حين الدرس، فليس عليه أن يحصي شيئا من ذلك؛ لأنه أمر غالب بمنزلة ما لو أكلته الوحوش، أو ذهب بأمر من السماء، وبالله تعالى التوفيق. [حب القرطم هل فيه زكاة أم لا] ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية قال مالك: في حب القرطم الصدقة، سحنون أحب إلي ألا تكون فيه الصدقة، وهو قول مالك؛ وقد كان ابن القاسم يرى فيه الصدقة من زيته، ولا يعجبني ذلك. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم خلاف قولي مالك جميعا؛ لأن الظاهر من قول مالك في حب القرطم الصدقة، - أن الصدقة تؤخذ منه حبا، فتحصيل الاختلاف في ذلك، أن فيه قولين؛ أحدهما: أن الزكاة لا تجب فيه، والثاني: أنها تجب فيه، قيل في حبه - وهو ظاهر أحد قولي مالك، وقيل في زيته - وهو قول ابن القاسم، وقول مالك في الرسم الذي بعد هذا، والأظهر أن الزكاة لا تجب فيه؛ لأنه ليس من الحبوب التي تدخر للاقتيات بها، ولا من الثمار، فالقول بأن الزكاة تؤخذ من زيته إغراق، ومن أوجب الزكاة فيه قاسه على الزيتون، وما أنفق الناس على الزيتون في قياسه على ثمار النخيل، والأعناب؛ لأن الشافعي لا يرى فيه الزكاة - وهو مذهب ابن وهب من أصحابنا، فالشافعي لا يرى الزكاة في شيء من الثمار، إلا في ثمار النخيل والأعناب؛ ومالك يراها في ثمار النخيل، والأعناب، والزيتون، وابن حبيب يراها في جميع الثمار الثابتة - كان مما يدخر أو مما لا يدخر، بظاهر قوله :

стр. 976

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]- إلى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]- بعد أن ذكر الرمان فيما ذكر، وأبو حنيفة يراها في كل ما أنبتت الأرض مما يؤكل، بظاهر قول النبي ﵊: فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر - وبالله التوفيق. [زيت القرطم هل فيه زكاة أم لا] ومن كتاب أوله تسلف في المتاع والحيوان وقال مالك: أرى في زيت القرطم زكاة إذا كان يعصر منه مثل ما ذكرتم، قال ابن القاسم: قال مالك: وليس في (حب) بزر الكتان ولا في زيته شيء. قال محمد بن رشد: أما الزكاة في القرطم، فقد مضى القول فيه في الرسم الذي قبل هذا، وقول مالك في هذا الرسم، مثل قول ابن القاسم في الرسم الذي قبله؛ وأما حب بزر الكتان، فلم يختلف قول مالك في أن الزكاة لا تجب فيه، ولأصبغ في كتاب ابن المواز، أن الزكاة فيه، ولا فرق في القياس بين بزر الكتان، وحب القرطم؛ لأن الزكاة إنما وجبت فيهما عند من أوجبها فيهما، من أجل ما يعصر منهما من الزيت - قياسا على الزيتون؛ وإنما فرق مالك في أحد قوليه بينهما؛ لأنه رأى الناس يعصرون الزيت الكثير من القرطم، ويتخذونه لذلك، ولا يفعلون ذلك في بزر الكتان - والله أعلم. [مسألة: دفع زكاة الفطر أيدفع إليه منها] مسألة وسئل مالك: عمن دفع زكاة الفطر، أيدفع إليه منها؟ فأنكر

стр. 977

ذلك وقال: كيف تدفع إلى من دفع؟ لا أرى ذلك، ثم رجع عنها بعد ذلك، فقال في نعم: إني لأستحب ذلك - إذا كان محتاجا. قال محمد بن رشد: زكاة الفطر إنما هي زكاة الرقاب، ليست بزكاة الأموال، فهي تجب على من لا مال له إذا كان عنده فضل عن قوت يومه، وفيه ما يؤديها منه - قاله ابن حبيب؛ وقال غيره: إلا أن يضر ذلك به، ويؤدي إلى جوعه، وجوع عياله، ومن ليس له إلا هذا المقدار، فهو من الفقراء الذين تحل لهم الزكاة، فلهذا وقع الاختلاف في هذه المسألة، فوجه قول مالك الأول، هذا ممن تجب عليه زكاة الفطر، فلا يأخذها قياسا على سائر الزكوات؛ ووجه القول الثاني أنه مسكين، فجاز أن يأخذ صدقة الفطر - قياسا على سائر المساكين - وإن كان هو ممن دفعها؛ وإذا جاز دفعها إليه، فهو أولى من غيره بما تبين من فضله؛ إذ دفع الزكاة مع مسكنته وحاجته، قال الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]- الآية، فهذا وجه استحسان قول مالك لذلك، وهذا إذا دفعها إليه الذي تجمع عنده، ويلي تفرقتها، وكذلك يصلح إن يقرأ كيف يدفع على ما لم يسم فاعله، وأما أن دفعها إليه المسكين الذي دفعها هو إليه، فذلك مكروه - إن كانت هي بعينها، من أجل الرجوع في الصدقة، فمن أوجبها على من له فضل عن قوت يومه، قدرها لم يجز لمن يجب عليه أن يأخذها، لم يجز أن يعطي زكاة الفطر لمن عنده قوت يومه؛ ولا أن يعطي لمسكين واحد أكثر من صاع، إلا أن يكون ذا عيال، وهو قول أبي مصعب: إنه لا يعطاها من أخذها، ولا يعطى فقير أكثر من زكاة إنسان. [مسألة: الحمص والفول الذي يبيعه أصحابه أخضر كيف تخرج زكاته] مسألة وقال مالك في الحمص والفول الذي يبيعه أصحابه أخضر:

стр. 978

أرى أن يتحروا ذلك كما هو يابس، ثم يؤدون حمصا وفولا يابسا؛ قال مالك: وهو عندي وجه الصواب. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الزكاة قد وجبت في ذلك بالإفراك، والاستغناء عن الماء، فبيع ذلك أخضر بمنزلة بيع الحائط من النخل أو الكرم إذا أزهى، أنه ينبغي له إذا لم يدر كم بلغ ما فيه من التمر، أو الزبيب، أن يتحرى ذلك؛ وقد مضى في أول رسم من هذا السماع، مثل هذا المعنى، ولمالك في كتاب ابن المواز في الفول والحمص: أنه إن أدى من ثمنه، فلا بأس به، ولم يقل ذلك في النخل والكرم، والفرق بينهما على هذا القول، أن تمر النخل والكرم، إنما يشتريه المشتري لييبسه، فهو ينقص في ثمنه لذلك؛ والحمص والفول إنما يشتريهما المشتري للأكل إذا اخضر، لا للتيبيس، فلا ينقص في الثمن من أجل التيبيس الذي يجب على البائع شيئا، فإذا أعطى المساكين من الثمن، فلم يبخسهم شيئا، وبالله التوفيق. [مسألة: سقى نصف سنته بالعيون ثم انقطعت عنه فسقى بقية عامه بالنضح] مسألة وقال مالك في رجل كانت له نخل أو زرع أو كرم، مما يزكى، فسقى نصف سنته بالعيون، ثم انقطعت عنه، فسقى بقية عامه بالنضح، أو بالسواقي؛ قال مالك: أرى أن يخرج نصف زكاته عشورا، والنصف الآخر نصف العشر، قال ابن القاسم: قال لي مالك: أما ما كان مثل هذا، فعلى هذا يعمل فيه، وأما ما كان على غير هذا، فالذي به تم - وهو أكثر، فعليه أن يزكي به إن كان بالنضح فنصف العشر، وإن كان بالعين فعليه العشر، قال سحنون عن علي بن زياد، عن مالك مثله.

стр. 979

قال محمد بن رشد: إرادته (أنه) إن كان ما سقي بالعين مثل ما سقي بالنضح، أو زاد أحدهما على صاحبه شيئا يسيرا، فليخرج نصف زكاته عشرا، ونصفها نصف عشر؛ وإن كان أحدهما قليلا، والآخر كثيرا: الثلثين أو أكثر، فليخرج على الأكثر كان هو الأول أو الآخر؛ لأن به تم، كذا هو مفسر لمالك، وابن القاسم، وابن الماجشون - في غير هذا الموضع، فعليه يحمل ما في الرواية؛ لأن في لفظها بعض الإشكال، وبالله التوفيق. [ليس طعامهم إلا التين أيؤدون منه الزكاة في الفطرة] ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا (إلى السلطان) وسئل مالك عن قوم وليس طعامهم إلا التين، أيؤدون منه الزكاة في الفطرة، قال لا يؤدون منه الزكاة. قال محمد بن رشد: هذا يبين أن ما في المدونة من كراهية إخراج التين في الفطرة لمالك، معناه: وإن كان ذلك عيشهم، وهو مثل قول أشهب فيها إن إخراجها من القطنية لا يجزئ - وإن كان ذلك عيشهم، خلاف رواية أبي زيد عن ابن القاسم: أنها تجزئ إن كان ذلك عيشهم، وقد روي عن ابن القاسم مثل قول أشهب؛ ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، أن زكاة الفطر، تخرج من غالب عيش البلد من تسعة أشياء، وهي: القمح، والشعير، والسلت، والتمر، والأقط، والزبيب، والأرز، والذرة، والدخن؛ فإن كان عيشه وعيش عياله غير الصنف الذي هو غالب عيش البلد من هذه الأصناف، أخرج من الذي هو غالب عيش البلد، كان الذي يتقوت (هو)

стр. 980

به أرفع، أو أدنى، إلا أن يعجز عن أن يخرج أفضل مما يتقوت به، وذهب محمد بن المواز إلى أنه إنما يخرج مما يتقوت (هو) به، كان أفضل مما يتقوت به أهل البلد، أو أدنى، إلا أن يكون الذي يتقوت به هو أدنى بخلا ولوما، فيلزمه أن يخرج مما يتقوت به أهل البلدة وزاد ابن حبيب على هذه التسعة الأشياء - العلس، وله في مراعاة ما يتقوت به هو وأهل بلده - تفصيل يطول جلبه، من أحب الوقوف عليه تأمله في موضعه، وقد قيل: إنها لا تخرج إلا من ستة أشياء، وهي: القمح، والشعير، والسلت، والتمر، والأقط، والزبيب - وهو قول أشهب، وقيل: إنها لا تخرج إلا من خمسة أشياء، وهي: القمح، والشعير، والتمر، والزيت، والأقط - وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى عنه في العشرة، وقاله ابن الماجشون؛ إلا أنه جعل السلت مكان الزبيب، وذهب أهل الظاهر إلى أنها لا تخرج إلا من التمر، والشعيرة، وذكر وجه كل قول من هذه الأقوال، وما يتعلق به قائله، يطول، فتركت ذلك اختصارا، وبالله التوفيق. [دفع القيمة في زكاة الفطر] ومن كتاب أوله يتخذ الخرقة لفرجه وسئل عن الرجل لا يكون عنده قمح يوم الفطر، فيريد أن يدفع ثمنه إلى المساكين يشترونه لأنفسهم، ويرى أن ذلك أعجل؛ قال: لا يفعل ذلك، وليس كذلك قال رسول الله ﷺ ؛ ومن رواية عيسى قال ابن القاسم: ولو فعل لم أر به بأسا. قال محمد بن رشد: رواية عيسى هذه عن ابن القاسم، خلاف لرواية أبي زيد عنه بعد هذا؛ وقد قيل: إنها ليس بمخالفة لها، وإنما خفف ذلك

стр. 981

في رواية عيسى هذه؛ لقوله: يشترونه لأنفسهم، فإنما دفع الثمن إليهم على ذلك - والله أعلم، وبه التوفيق. [يحمل الطعام إلى أهل مكة هل يؤخذ منه نصف العشر مثل المدينة] من سماع أشهب، وابن نافع من مالك من كتاب أوله وصايا ثم حج ثم زكاة قال أشهب، وابن نافع: سئل مالك: عمن يحمل الطعام إلى أهل مكة، أترى أن يؤخذ منه نصف العشر مثل المدينة؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: زاد مالك في كتاب ابن سحنون، والمجموعة: وكذلك من بأعراضهما من القرى، ليكثر حملهم لذلك، فأما في القطنية فيؤخذ منهم العشر، وذكر ابن سحنون في كتابه من رواية ابن نافع يؤخذ من أهل الذمة من الزيت، والطعام، العشر إن تجروا في بلاد المسلمين إلى المدينة، ومكة، وغيرهما، وإنما أخذ منهم عمر نصف العشر في الحنطة، والزيت، ليكثر الحمل إلى المدينة، وقد أغنى الله المدينة، وغيرها، فيؤخذ منهم اليوم العشر من الزيت، والطعام، وقال ابن نافع: لا يؤخذ منهم بهذين البلدين، إلا نصف العشر، كما فعل عمر، وإن استغنوا اليوم عن ذلك، مثل ما في العتبية، وهو الأظهر؛ لأنهم وإن استغنوا عن ذلك، ففيه رفق لهم على كل حال، وقد فعله عمر فلا يترك، لقوله ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وبالله التوفيق. [مسألة: يخرص عليه نخله فيجد في تمره أكثر مما خرص عليه] مسألة وسئل مالك: عن الذي يخرص عليه نخله فيجد في تمره أكثر مما خرص عليه، قال: أرى أن يؤدي فضل ذلك؛ قلت: أرأيت إن وجد أقل مما خرص عليه؟ قال: إن ترك فلا يعطهم، ولو أطاعوني، لأمرتهم ألا يأخذوا منه شيئا.

стр. 982

قال محمد بن رشد: قوله: أرى أن يؤدي فضل ذلك - يريد واجبا عليه، وهو أصح ما في المدونة، لأنه قال فيها: أحب إلي أن يؤدي؛ لأن نهاية خرص الخارص، أن يجعل في القوة كحكم الحاكم، وقد أجمعوا أن الحاكم إذا حكم بما لم يختلف فيه أنه خطأ، تنقض قضيته؛ وهذا الاختلاف إنما هو إذا خرصه عالم (في زمن العدل) وأما إذا خرصه جاهل، أو عالم في زمن الجور، فلا يلتفت إلى ذلك، ويعمل صاحب المال على ما وجد، فقول أشهب: إن كان في زمن العدل عمل على ما خرص - زاد أو نقص، وإن كان في زمن الجور، عمل على ما وجد - زاد أيضا أو نقص -؛ مفسر لما في المدونة، وكذلك ما روي عن مالك من أنه إن خرصه عالم، عمل على ما خرص؛ وإن خرصه جاهل، عمل على ما وجد مفسر أيضا لما في المدونة، وقد كان بعض الناس يحمل الروايات على ظاهرها فيجعلها أربعة أقوال، وهو تأويل خطأ - والله أعلم، وبه التوفيق. [مسألة: أيكلف الناس أن يحملوا زكاة ثمارهم إلى من يلي أخذها] مسألة وسئل: أيكلف الناس أن يحملوا زكاة ثمارهم إلى من يلي أخذها؟ قال: ولكن يأخذونها يأتونه في حائطه، ولا يكلفون حمل ذلك إليهم؛ كذلك أهل الزرع يؤتون في مواضعهم، ولا يكلفون حمل ذلك إليهم، وكذلك أصحاب المواشي لا يكلفون المشقة، ولا جلبها إليهم، ولكن يؤتون في مجامعهم.

стр. 983

قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي سماع ابن القاسم أيضا من كتاب زكاة الماشية، فلا معنى لإعادة ذلك. [مسألة: تجارته المواشي يحول عليها الحول عنده] مسألة قال: وسألته عمن تجارته المواشي يحول عليها الحول عنده، قال: إذا حال عليها الحول عنده، أخرج زكاتها، وإن لم يبعها؛ ليس المواشي مثل العروض (وإن باعها) قبل أن يحول عليها الحول - وقد حال على ثمنها الحول من يوم زكاه، زكى ثمنها يوم يبيع. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مثل ما في المدونة وغيرها، لا اختلاف فيها، وذلك أن الغنم في أعيانها الزكاة، فإذا حال عليها الحول عنده - وهي ما تجب فيه الزكاة، أخذت منها زكاة السائمة، كان اشتراها للتجارة أو للقنية، فإن باعها قبل أن يحول عليها الحول، رجع في زكاتها إلى زكاة العين، فزكى الثمن إن كان قد حال عليه الحول، وهو ما تجب فيه الزكاة، إن كان اشتراها للتجارة. واختلف قول مالك إن كان اشتراها للقنية، فمرة قال: إنه يستقل بالثمن حولا من يوم قبضه، ومرة قال: إنه يزكيه على حول الغنم من يوم ابتاعها للقنية، والقولان في المدونة. [مسألة: الذي يقسم الصدقة يصدق المسكين فيما يدعي من المسكنة والحاجة] مسألة وقال مالك: زعم لي يزيد بن رومان، أن عمر بن الخطاب خرج يوما إلى خيبر، وأنه يوما لقائل تحت شجرة يستظل بها، إذ جاءته امرأة من العرب - وهو نائم فدنت منه فمست قدمه فنبه، فقال: ما لك؟

стр. 984

ما حاجتك يا أمة الله؟ فقالت: توسمت فيك الخير، وأن أمير المؤمنين بعث إلينا عام الأول - محمد بن مسلمة ساعيا، وأمره أن يأخذ من أغنيائنا ويرد على فقرائنا؛ فجاءنا فلم يعطنا شيئا، وأنا امرأة مؤتمة؛ وقد بلغني أن عمر باعثه إلينا العام، فأحب أن تمشي معي إليه توصيه وتكلمه لي، عسى إن قدم علينا أن يعطيني، فقال عمر: يا يرقا اذهب فادع إلي محمد بن مسلمة، فقالت: إني لم أرد هذا؛ إنما أردت أن تذهب معي إليه، فقال: إن لم يأتنا جئناه؛ فأتاه يرقا، فقال له: يدعوك أمير المؤمنين، فاستنكر ذلك وقال: ما شأنه؟ فقال: ما أدري، إلا أني رأيت امرأة، قال محمد: هي إحداهن؛ فلما جاءه، قال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين - ورحمة الله، فلما سمعت ذلك المرأة، استحيت وجمعت عليها ثيابها؛ فقال له عمر: هل تدري كيف كنا وأنتم قبل الإسلام؟ فقال: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فقال: إنا كنا أكلة رأس والعرب أعداؤنا من (كل) ناحية، فقال: يا أمير المؤمنين لا تعجل علي، قال: بعثتك مصدقا على هؤلاء، وأمرتك أن تأخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فلم تعط هذه المرأة شيئا، فقال: يا أمير المؤمنين، أما أن أكون تعمدت تركها، فما كان ذلك؛ ولكن عسى أن أكون أخطأتها، أو لم تأتنا، قال: إن بعثتك العام إليهم، فأعطها للعام الأول، وللعام الثاني، ثم قال عمر: الحقي بخيبر، آمر لك.

стр. 985

قال محمد بن رشد: في هذا الحديث أن الذي يقسم الصدقة يصدق المسكين فيما يدعي من المسكنة والحاجة: إذا رأى عليه هيئة ذلك، ولا يكلف البينة؛ لأن عمر بن الخطاب، ﵁، صدق المرأة فيما ادعت من الحاجة، وأمر محمد بن مسلمة أن يعطيها لقولها، دون أن يكلفها بينة، وكذلك قال مالك ﵀ في رسم "البز" من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع، والوكالات. [مسألة: حمل من أهل الذمة الطعام من تيماء ووادي القرى إلى المدينة أعليهم عشور] مسألة وسئل: عمن حمل من أهل الذمة الطعام من تيماء، ووادي القرى إلى المدينة، أعليهم عشور؟ فقال: أما أهل تيماء، فأرى ذلك عليهم، وأما أهل وادي القرى، فلا؛ لأني أخاف أن يكون من المدينة وهي قريبة. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن أهل الذمة إنما يلزمهم العشر فيما اتجروا به إذا خرجوا من أفق إلى أفق: من الحجاز إلى اليمن، أو من الشام إلى العراق، وما أشبه ذلك، فرأيتها خارجة من الحجاز، فأوجب على من قدم منها بطعام إلى المدينة العشر - يريد فيما عدا الحنطة والزيت؛ لأنه قد قال في أول الرسم: إنه لا يؤخذ منهم بمكة والمدينة من الطعام إلا نصف العشر، وقد مضى ما في ذلك من الاختلاف هنالك، وشك في وادي القرى لقربها، وخشي أن يكون من الحجاز، فلم ير أن يؤخذ منهم العشر بالمدينة؛ والأندلس كلها أفق واحد، فلا يؤخذ من الذمي، إذا خرج تاجرا من أعلاها إلى أسفلها شيء، وبالله التوفيق. [مسألة: رد الصدقة المأخوذة من الأغنياء على الفقراء] مسألة قال: وسمعت أن «رجلا جاء فقال: هذا ابن عبد المطلب المرتفق؟
следующие страницы →