Полный текст (386 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الإيمان والكفر [١]
أفضل الكلمات، وأثقلها في الميزان، وأعلاها قدراً عند الرحمن؛ هي كلمة لا إله إلا الله، فبها تفتح القلوب، ويعظم الأجر عند علام الغيوب، ومن أجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وسُفكت الدماء، وفرِّق بين الآباء والأبناء، وخلق الله الجنة والنار.
стр. 2
فضل كلمة (لا إله إلا الله) وحقيقتها
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام مجدد القرن الثاني عشر الهجري الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في خطبة جمعة له: الحمد لله الذي فتح أبواب المشاهدات على أرباب المجاهدات بمفتاح لا إله إلا الله، وأحيا نفوس العارفين وملأ كئوس الذاكرين من أقداح لا إله إلا الله، وأبدع المصنوعات، وأوجد المخلوقات ووسمها بميسم لا إله إلا الله، خلق الجنين من ماء مهين ليعبده بلا إله إلا الله، أرسل الرسل لأجلها مبشرين، وعن ضدها محذرين، فدعوا الناس كلهم إلى العمل بلا إله إلا الله، فهي رأس الملة والدين، وهي حبل الله المتين، فما خاب من تعلق بحبل لا إله إلا الله، غويت أحلام الجاهلين، وضلت أفئدة المعاندين حيث جعلوا إلهين اثنين بعدما طلع بدر لا إله إلا الله.
أحمده سبحانه وأشكره إذ جعلنا من أهل لا إله إلا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجي قائلها إذا خاب أهل الشرك ونجا أهل لا إله إلا الله.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي جدد الله به ما درس من معالم لا إله إلا الله، ومع ذلك قال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] فصدع بها ونادى، ووالى عليها وعادى، وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق لا إله إلا الله)، فدعا إلى الله سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً، حتى انكشف الغطاء عن وجه لا إله إلا الله.
اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين حموا بمرهفاتهم حوزة لا إله إلا الله -والمرهفات: هي السيوف- وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فيا أيها الناس! اتقوا الله تعالى، وجددوا إيمانكم في المساء والصباح بتأمل معنى لا إله إلا الله، فيا ذوي العقول الصحاح! ويا ذوي البصائر والفلاح! نادوا بالفلاح، فلا فلاح إلا لأهل لا إله إلا الله.
فكلمة الإسلام ومفتاح دار السلام: لا إله إلا الله، فلا قامت السماوات والأرض، ولا صحت السنة والفرض، ولا نجا أحد يوم العرض إلا بلا إله إلا الله، ولا جردت سيوف الجهاد، وأرسلت الرسل إلى العباد إلا ليعلموهم العمل بلا إله إلا الله؛ فانقسم الناس عند ذلك فريقين، وسلكوا طريقين.
فريق انقاد للعمل بلا إله إلا الله، والآخر حاد لعلمه أن دين آبائه تبطله لا إله إلا الله.
فسبحان من فاوت بين عباده بمقتضى حكمته ومراده، وذلك من أدلة لا إله إلا الله.
فطوبى لمن عرف معناها فارتضاها، وعمل باطناً وظاهراً بمقتضاها، فيكون قد حقق لا إله إلا الله، وويل لمن صاده الشيطان بالأشراك، فرماه في هوة الإشراك، فأبى واستكبر عن الانقياد للا إله إلا الله.
ألم تسمعوا قول الله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦].
стр. 3
حقيقة لا إله إلا الله
حقيقة لا إله إلا الله الذي هو إفراده بجميع العبادات، وتخصيصه بالقصد والإرادات، ونفيها عما سواه من جميع المعبودات التي نفتها لا إله إلا الله، وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله الذي لا يبقي في القلب شيئاً لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما به أمر الله.
هذا والله هو حقيقة لا إله إلا الله.
وأما من قالها بلسانه ونقضها بفعاله فلا ينفعه قول لا إله إلا الله، فمن صرف لغير الله شيئاً من العبادات، وأشرك به أحداً من المخلوقات، فهو كافر ولو نطق ألف مرة بلا إله إلا الله.
قيل للحسن رحمه الله تعالى: إن ناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قالها وأدى حقها وفرضها أدخلته الجنة لا إله إلا الله.
وقال ابن منبه لمن قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك؛ لأنك في الحقيقة لم تقل: لا إله إلا الله.
فيا ذوي الأسماء العتيدة! لا تظنوا أمور الشرك منكم بعيدة، فإن هاهنا مهاوياً شديدة تقدح في لا إله إلا الله.
أين من وحد الله بالحب والخوف والرجاء والعبادة؟ أين من خصه بالذل والخضوع والتعظيم والقصد وأفرده بالتوكل فجعل عليه اعتماده؟ كل هذا من معاني لا إله إلا الله.
فسارعوا عباد الله إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين قاموا بواجبات لا إله إلا الله، ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥١]، وتمسكوا بعرى لا إله إلا الله، فمن نفى ما نفته، وأثبت ما أثبتته، ووالى عليها وعادى؛ رفعته إلى أعلى عليين منازل أهل لا إله إلا الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨].
هذه خطبة جمعة كاملة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى تدور حول كلمة النجاة وكلمة الشهادة لا إله إلا الله، وقد أثبت فضائل عظيمة جداً لكلمة الشهادة وكلمة النجاة، وقبل أن نستطرد في الكلام في متعلقاتها، وما ينقضها، وما يصلح فيها وينحرف عن معانيها؛ نتحدث اليوم إن شاء الله في فضائل هذه الكلمة العظيمة.
стр. 4
لا إله إلا الله أفضل الذكر والدعاء
إن أفضل الذكر على الإطلاق، وأفضل ما ينطق به الإنسان من الأذكار هو أن يقول: لا إله إلا الله، وبقول هذه الكلمة تحقن الدماء، ويعصم المال، ويصبح الإنسان من أهل السعادة بإذن الله.
إن لا إله إلا الله هي أفضل ما يذكر الله ﵎ به، كما قال ﵊: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله).
لقد فزع إليها الولي لما جاءته المحنة، وكذلك العدو لما جاءته المحنة فزع إليها.
أما العدو فهو فرعون لما قرب منه الغرق هرب منه وقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، ففزع إليها؛ لأنه يعلم أنها منجية، وأما الولي فكما في حق يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨].
ولذلك قيل: أعظم الدعاء هو دعاء القرآن؛ لأنه ليس هناك كلام أفضل من كلام الله، وأعظم ما في القرآن من الدعاء هو الذي تعقبه الإجابة، ولذلك أعقب الله دعاء يونس بقوله ﵎: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨]، وفرق شديد بين حال يونس ﵇ النبي وهو يفزع إلى كلمة النجاة، وبين حال فرعون العدو المتأله المتكبر حين فزع إلى كلمة النجاة؛ إذ كلاهما فزع إليها عند المحنة، لكن لم تنفع إلا الولي وحرم منها العدو، ومن الفروق بين يونس ﵇ وفرعون: الفرق الأول: أن يونس ﵇ لما قال وهو في ظلمة بطن الحوت وفي ظلمة البحر وفي ظلمة الليل: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، كان يحقق قول النبي ﵊: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فيونس سبقت له المعرفة بالله ﵎، وكان يكثر تسبيح الله وعبادته وتوحيده، فكان ينادي الله كما قال : ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨]، ثم قال ﵎: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣]، الذين يسبحون الله، ويصلون لله، ويعبدون الله، ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]، لذلك على الإنسان أن يفزع إلى التسبيح إذا وقعت الكربة، وإذا تأزم عليك أي حال من الأحوال فافزع إلى التسبيح أو الصلاة، فقد كان ﷺ إذا حزبه شيء فزع إلى الصلاة، فمن حفظ الله في الخلوات يحفظه الله في الفلوات: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)، وكما جاء في الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فيونس سبق له المعرفة بالله، فلذلك عرفه الله في الشدة.
أما فرعون فتقدم له سبق الكفر؛ بل كان ينادي كما قال عنه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٣ - ٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص:٣٨]، فسبق له قبل الغرغرة وقبل نزول الهلاك والغرق أن ادعى الألوهية، ونازع الله ﵎ في كبريائه وتوحيده جل وعلا.
بل كان كما جاء في معنى الحديث: أن فرعون لما أدركه الغرق والهلكة كان يقول: لا إله إلا الله، يقول جبريل مخاطباً النبي ﷺ : (فلو رأيتني يا محمد وأنا أدس من وحل البحر في فيه مخافة أن تدركه الرحمة)، خشي جبريل أن تنفعه هذه الكلمة في ذلك الوقت، ولشدة عداوة جبريل لهذا المتأله الكذاب كان يأخذ من طين البحر فيدسه في فيه حتى لا يعود إلى قول لا إله إلا الله؛ مخافة أن تدركه الرحمة.
الفرق الثاني: أن يونس ﵇ ذكرها مع الحضور والشهادة؛ فقد كان حاضراً مع الله ﵎، شاهداً لقوة الله وبأسه وقدرته على إنجائه، ومحبته لله، فقال: لا إله إلا أنت.
أما عدو الله فرعون فقد قالها في صيغة الغيبة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، ما قالها في الحضور، وما خاف بها ربه، لكنه قالها على سبيل التقليد لبني إسرائيل في ذلك الوقت: ((آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ))، وكأنه أحال العلم بحقيقتها على غيره، لكن هو لا يعرفها ولا يعلم حقيقتها.
الفرق الثالث: أن يونس ﵇ ذكرها على سبيل الاستذلال مع العجز والانكسار: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، ثم قال بعدها: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فجمع بين توحيد ربه ﵎، وتنزيهه ووصفه بالكمال وجمع إلى ذلك ذم نفسه فقال: ((إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ))، وهذان هما جناحا العبودية: غاية الحب وغاية الذل معاً، فلذلك كان يقول: (لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، يقولها عاجزاً ذليلاً لربه، منكسراً لما ألم به، ولذلك صارت مقبولة؛ لأن الله ﵎ من شأنه أن يجيب المضطر إذا دعاه، ويونس كان مضطراً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
الفرق الرابع: أن يونس ﵇ قالها لما حصل له الانكسار بسبب التقصير في الطاعة والعبودية: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، أما فرعون فذكرها لا للعبودية بل لطلب الخلاص من الغرق، بدليل قوله ﵎ عنه: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، لما أدركه الغرق أراد فقط أن يستعمل لا إله إلا الله لينجو من الهلكة، كما حكى الله ﵎ عنه.
وعلى كل حال: هذه تأملات في هذه الفضيلة الأولى لكلمة النجاة لا إله إلا الله، وهي: أنها أفضل ما يذكر به الله ﵎، والدليل على أفضليتها أن العدو والولي كلاهما فزع إليها عند المحنة، وقالها في الوقت الضيق الذي لا يتسع لغيره، فلا شك أنه ينتقي أعظم طوق للنجاة، ويتمسك بأعظم حبل ينجيه من الهلكة، فمن هنا كانت هذه الكلمة أفضل الأذكار، وأفضل ما ينطق به اللسان من ذكر الله ﵎.
стр. 5
شهادة الله تعالى أنه لا إله إلا هو
أمرنا الله ﵎ بطاعات كثيرة: بالصلاة، وبالصيام، وبالحج، وبالزكاة إلى آخر هذه الطاعات، ويستحيل أن يوافقك الله ﵎ في شيء من هذه الطاعات، فأنت تصلي، لكن الله مستحيل أن يفعل ذلك أنت تصوم، تزكي، تحج؛ لكن الله هو المعبود الغني عن عباده، ويستحيل أن يوافقنا في شيء من هذه العبادات، لكن الله أمرنا أن نقول: لا إله إلا الله، ثم إنه وافقنا فيها، فهي الذكر الذي يوافقنا الله ﵎ فيه، وكما نشهد نحن له بها ﵎، فهو يقول : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، فكررها في أول الكلام وفي آخره، كررها ليواظب العبد على تكرارها طوال عمره، قال ﷺ : (أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها، ولقنوها موتاكم)، فلذلك نندب إلى الإكثار من شهادة أن لا إله إلا الله، فلا تزهد في هذا الثواب العظيم، فهي كلما سهلت على لسانك في الدنيا كلما سهلت عليك عند الموت، حتى توفق إلى أن تختم حياتك بلا إله إلا الله.
كذلك أيضاً كررها في أول الآية وآخرها ليجعلها العبد أول عمره وآخره حتى ينجو ويفوز، فكما تستقبل الدنيا بسماع الأذان، كذلك يندب للإنسان أن يختم حياته بلا إله إلا الله، قال ﵊: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
стр. 6
فضائل يكتسبها العبد بلا إله إلا الله
هذه الشهادة العظيمة (لا إله إلا الله) تمزج المؤمن بأنواع من القرابة المطهرة بأشرف نسب في هذه الدنيا، فلا إله إلا الله هي نسبة ينتسب الإنسان بها إلى طائفة من أكرم الخلق على الله ﵎، فأنت إذا قلت: لا إله إلا الله، أصبح أباك إبراهيم ﵇، والدليل قوله ﵎: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، فلا إله إلا الله تمنحك أبوة إبراهيم، وتجعل أزواج النبي ﷺ أمهاتك: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦].
أيضاً هذه الكلمة تمنحك أخوة المؤمنين، يقول ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
أيضاً تدخلك تحت استغفار النبي ﵌ الذي أمره الله به في قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩].
وأيضاً تسبب لك استغفار الملائكة كما قال ﵎: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] وأيضاً تعطيك شفاعة رسول الله محمد ﵌ كما جاء في الشفاعة لأهل الكبائر من أمته.
أيضاً تصبح أنت مؤمناً فتنال هذا الشرف، وكل ما يترتب على هذا الوصف العظيم الذي تحوزه بنطقك لكلمة التوحيد.
стр. 7
أسماء كلمة: (لا إله إلا الله)
كلمة التوحيد لعظم معانيها تعددت أسماؤها، وقد تكلم العلماء في ذلك كلاماً كثيراً نحاول أن نجمله أولاً ثم نفصله.
أول أسماء هذه الكلمة: كلمة التوحيد؛ لأنها تدل على نفي الشرك على الإطلاق، يقول الله ﵎: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:١٦٣] أفادت هذه الآية: التوحيد العام الكامل.
أيضاً تسمى: كلمة الإخلاص؛ لأن الأصل في هذه الكلمة عمل القلب، وهو كون الإنسان عارفاً بقلبه وحدانية الله ﵎.
стр. 8
لا إله إلا الله هي كلمة الإحسان
وهي كلمة الإحسان، يقول تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، يعني: هل جزاء الإيمان إلا الإحسان، وقول العبد: (لا إله إلا الله) يدل على اعترافه بأن كل ما سواه عبده ومربوبه، وقال : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، اتفق المفسرون على أن المراد من قوله: ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)) الذين قالوا: لا إله إلا الله مصدقين بقلوبهم، ثم النطق باللسان والعمل بالأركان، فهؤلاء هم الذين أحسنوا.
وهو دليل أيضاً على أنه لو قالها ومات ولم يعمل أي عمل دخل الجنة، كذلك الرجل الذي أتى من بادية بعيدة فلما اقترب استقبله النبي ﵊ وقال له: (من تريد؟ قال: أريد محمداً رسول الله ﵊، قال: قد استقبلته) يعني: هو الذي يكلمك، فسأله عن الإسلام، وكيف أصير مسلماً؟ فأخبره بأن يشهد أن لا إله إلا الله فشهد شهادة التوحيد، وقال كلمة الإحسان، ثم بعد ذلك بلحظات وهو يمشي ببعيره بعدما قال: لا إله إلا الله، عثرت رجل البعير في جحر جرذان -تجويف تصنعه الفئران لجحورها، وكانت جروفاً كبيرة في الأرض- فوقع الرجل على أم رأسه ومات في الحال، فاجتمع عليه الصحابة فوجدوه قد مات، فتولى الصحابة ﵃ بأمر النبي ﷺ غسله وتكفينه ودفنه، ثم قال ﵊: (إن هذا الرجل عمل قليلاً وأجر كثيراً)، رواه الإمام أحمد في مسنده.
وفي نفس هذا المعنى حديث من رواية البخاري: أن رجلاً أتى وشهد شهادة التوحيد، ثم خرج في الجهاد فوراً فقتل شهيداً فدخل الجنة، فبين النبي ﷺ أن هذا الرجل عمل قليلاً وأجر كثيراً.
فمن قال هذه الكلمة ومات ولم يتفرغ لعمل آخر دخل الجنة، ودخل تحت قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).
وقال ﵎: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]، هذه الآية ليست كما يتبادر إلى أذهاننا أنها فقط في الدعوة إلى الله، لكن أساساً يدخل فيها المؤذنون، وقال ﵊: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)، وهذه الآية للمؤذنين أيضاً: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا)) أي: لا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله بالأذان ((وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ))، وما هذه الفضيلة العظيمة إلا لاشتمال الأذان على لا إله إلا الله.
وقال ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام:٢١]، فكما أنه لا قبيح أقبح من كلمة الكفر، فكذلك لا حسن أحسن من كلمة التوحيد.
وقال الله تعالى في أول سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، وفي آخرها قال: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، فالمؤمنون الذين قالوا لا إله إلا الله يفلحون، أما الكافرون الذين استكبروا عنها فإنهم لا يفلحون.
وقال ﵎: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، ولا شك أن أحسن القول هو لا إله إلا الله.
فهي كلمة التوحيد، كلمة الإخلاص، كلمة الإحسان، وهي أيضاً دعوة الحق، يقول ﵎: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد:١٤]، قال ابن عباس ﵄: (هو قول لا إله إلا الله)، وقوله: (له دعوة الحق) يفيد الحصر، أي: له هذه الدعوة لا لغيره، فلا تقال في حق أحد غير الله، و (له دعوة الحق) مبتدأ وخبر، وتقديم الخبر يفيد الحصر، أي: هذه الكلمة ليست لأحد إلا لله، فلذلك قال ابن عباس في تفسيرها: لا يقال: لا إله إلا الله إلا في حق الله ﵎.
وهي أيضاً كلمة العدل التي قال ﵎ فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، قال ابن عباس: (العدل شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان الإخلاص فيها).
وهي أيضاً الطيب من القول، كما في قوله : ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج:٢٤]، فالهداية ليست بجهودكم ولا بأموالكم ولا بأنسابكم ولا بعرض الدنيا، وإنما هي منة من الله، فليست بجهدك وشطارتك؛ بل منة من الله أن جعلك من أهل لا إله إلا الله، فهي هداية: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤]، فانظر كيف عبر عن لا إله إلا الله بالطيب من القول! و (أل) هنا تفيد الاستغراق، فيصح أن تستبدلها بكلمة (كل) حتى تصيب هذا المعنى، ((وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ)) أي: هدوا إلى كل الطيب من الكلام، وهو كلمة لا إله إلا الله، فلا أطيب ولا أطهر من هذه الكلمة، والطيب عكس الخبيث، فنجد أن المشركين لما استكبروا عن التوحيد وصفهم الله بالكفر، فقال ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، ووصف أهل التوحيد بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] أي: طهرها بلا إله إلا الله.
قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]، على أحد التفسيرات: (لا يؤتون الزكاة)، أي: لا يقولون: لا إله إلا الله، ولا يزكون أنفسهم بالتوحيد، ولذلك فالمشرك مهما نظف نفسه فهو من أخبث خلق الله؛ لأن قلبه نجس، فقد استكبر عن أن يؤمن بلا إله إلا الله، وأن يقول: لا إله إلا الله، فهو نجس خبيث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) [التوبة:٢٨]، فالنجاسة الحاصلة بسبب كفرهم لا تزول، فلو عاش رجل سبعين سنة وهو يشرك بالله في الألوهية -وهو أخبث أنواع الشرك والكفر والعياذ بالله- ثم قال هذه الكلمة مرة واحدة فإنه تزول بهذه الكلمة الطاهرة الطيبة نجاسة سبعين سنة من الكفر، وتطهره تماماً من نجاسة هذا العمر الطويل، ولو أنك تخيلت مثل هذا الخبث الذي يبقى عليه الإنسان سبعين سنة يزول بكلمة يقولها؛ لأنها أطيب ما يقال على الإطلاق.
стр. 9
لا إله إلا الله هي الكلمة الطيبة
كذلك سماها الله ﵎: الكلمة الطيبة، وهناك حكمة من تسمية لا إله إلا الله بهذا الاسم الشريف فهي كلمة بريئة من الشرك، والتشبيه، والتعطيل، فكما يخرج اللبن خالصاً من بين فرث ودم؛ كذلك تخرج كلمة التوحيد خالصة من بين فرث التشبيه ودم التعطيل.
أيضاً صاحبها يكون بها طيب الاسم في الدنيا، يقول ﵎: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦] على بعض التفاسير ((الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ))، أي: المؤمنات للمؤمنين، والمؤمنون للمؤمنات، لكن هناك تفسير لعله أشهر وهو: الطيبات من الصفات للطيبين من الناس.
وعلى أي الأحوال: مما يفيد صاحبها أنه يكون طيباً في الدنيا، وفي الآخرة تفيده بأن يسكن في مساكن طيبة، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة:٧٢]، وطيبة بمعنى: مقبولة.
يقول الله ﵎: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، فما يصعد إليه من الكلم الطيب يقبله وما لا فلا يصعد، ويقول ﵊: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فبما أنه كلم طيب فإن الله يقبل الكلم الطيب، لقوله ﵊: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).
وقد شبهها الله ﵎ بالشجرة الطيبة، قال المفسرون: هي النخلة أقرب مثل للعبد المؤمن؛ لأن المؤمن ينفع الناس على كل الأحوال، ولذلك كان أقرب ما يكون مثلاً له النخلة، فالنخلة لا يرمى منها شيء، وما من شيء في النخل إلا ويستفاد منه، فما هي أوجه الشبه بين المؤمن وبين النخلة؟ أولاً: أن كلمة لا إله إلا الله لا تجري على كل لسان، ولا في كل قلب؛ إنما تنبت في قلب المؤمن فقط، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ [إبراهيم:٢٤] في قلب المؤمن ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤]، إذاً: كلمة التوحيد لا تجري على كل لسان، ولا في كل قلب؛ فليس كل محل قابلاً لأن يهدى لـ: لا إله إلا الله، لكن من اصطفاهم الله وطهر قلوبهم وزكاهم هم الذين تعمر قلوبهم بلا إله إلا الله، فربما تعرض على قلب آخر مشرك نجس فينبذها ويرفضها ولا تنبت فيه، ولا تصلح معه.
وكذلك النخل لا ينبت في جميع البلدان بل في بعض دون بعض، فله تربة خاصة، وأماكن معينة ينبت فيها.
كذلك كلمة التوحيد هي أعلى الكلمات، والنخلة هي أطول الأشجار، والكلمة الطيبة أصلها ثابت في القلب وهي المعرفة، وفرعها في السماء: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، والنخلة أيضاً ثابتة في الأرض وفرعها في العلو، والإيمان يثاب صاحبه في الدنيا لأجل إيمانه بأهلية الشهادة والولاية والأمانة؛ فكونك تدخل في أهل التوحيد بقولك: لا إله إلا الله؛ فإنك تثاب على ذلك بهذه الكلمة الطيبة في الدنيا لأجل هذا الإيمان، وتصبح أهلاً للشهادة والولاية والأمانة، فأنت تثاب مرات عليها.
مرة في الدنيا بهذه الأمور، ومرة في الآخرة وهي الجنة الدائمة والنعيم المقيم، فهي تثمر لك الثمرة الباقية والنعمة الدائمة في الآخرة.
كذلك كلمة التوحيد وإن كان معها شيء من المعاصي لكنها تنفع صاحبها؛ لأن كلمة التوحيد مثل الروح بالنسبة للبدن، فإن البدن إذا بتر ذراعه أو قدمه أو أي شيء منه مما يستقيم له الحياة بغيره يظل حياً بعد ذلك، لكنه لا يستطيع أن يعيش بلا روح، وكذلك الإيمان قد تتخلف بعض أركانه، وقد يقع الإنسان في بعض الذنوب، ويضيع بعض الواجبات، ولكن ما دام معه في قلبه لا إله إلا الله فإنه يبقى إيمانه حياً، أما إذا خرجت لا إله إلا الله فهو ميت، ولذلك المشرك الذي لم يقل: لا إله إلا الله هو ميت في صورة حي، ولكن حياته مثل حياة البهائم والأنعام؛ يأكل ويتنفس ويتحرك ويتكاثر، ويعمل كل هذه الوظائف التي يفعلها الحي، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فمن كان معه لا إله إلا الله فهو الحي، ومن حرمها فهو الميت، وإن بدا في صورة الحي، يقول الله ﵎ لأهل لا إله إلا الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
فالنخلة وإن حصل في وسط ثمرتها نواة لا خير فيها؛ فإن قيمة الثمرة لا تنقص بسبب النواة، فالتمر والبلح الذي يؤكل يكون في داخله تلك النواة التي ربما لا ينتفع بها، ولكن هل وجود هذه النواة يقدح في قيمة التمرة أو في قيمة هذه الثمرة؟ كلا، كذلك إذا كان مع الإنسان لا إله إلا الله؛ فإنه لا يقدح في إيمانك إن قصرت ببعض المخالفات.
والدين فيه تكاليف شاقة فاصبر على هذه التكاليف، وهذه المشقة تكون مثل الشوك، لكن أعلاه الثمرة الحلوة اللذيذة، وهي معرفة الله، ثم الجنة في الآخرة، كذلك النخلة أسفلها شوك والثمرة في أعلاها.
هذه بعض أوجه الشبه التي حاول الرازي ﵀ في تفسيره أن يجمعها بين النخلة التي هي الشجرة الطيبة، وبين الكلمة الطيبة التي هي لا إله إلا الله.
стр. 10
لا إله إلا الله هي كلمة التقوى
هي أيضاً كلمة التقوى؛ لأن صاحبها يتقي أن يصف ربه بما وصفه به المشركون، وهي واقية لبدنك من التيه، ولمالك من الاستغلال من أن يصير غنيمة للمسلمين، ولذمتك من الجزية، ولأولادك من الضياع، فإذا انضاف القلب إلى اللسان صارت واقية لقلبك من الكفر، وإن انضم التوفيق صارت واقية لك من المعاصي: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦].
стр. 11
لا إله إلا الله هي الكلمة الباقية
هي أيضاً الكلمة الباقية، فالتوحيد لا يزول بالمعصية، وإن كانت المعاصي تقدح في كمال الإيمان، لكن لا تقدح في أصل الإيمان، فالتوحيد لا يزول بالمعصية، والمعصية تزول بسبب التوحيد، فلذلك هي الكلمة الباقية، يقول ﵎ في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨]، وإن كان هنا لم يذكر كلمة التوحيد، لكن ذكر الكفر بالطاغوت وتوحيد الله: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ))، هذا هو معنى الكفر بالطاغوت ((إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي))، هذا هو إسناد التوحيد لله ﵎ والإيمان به، فعبر عن لا إله إلا الله بمعناها، ثم قال بعد ذلك: ((وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً))، ما هي هذه الكلمة الباقية؟ هي لا إله إلا الله.
ويقول ﵎: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، والله صاحب الدوام والبقاء، والقول تبع المقول، فتبقى حقيقة لا إله إلا الله ثابتة البقاء والدوام.
стр. 12
لا إله إلا الله هي القول الثابت
هي أيضاً القول الثابت الذي قال فيه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، يضلهم فلا يستطيعون أن يقولوها.
стр. 13
لا إله إلا الله هي الكلمة العليا
هي أيضاً كلمة الله العليا، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠] وهي لا إله إلا الله، وكلمة الله عليا على الدوام؛ ولذلك لم يعطفها على ما قبلها (كلمة الذين كفروا)، ما قال: وجعل كلمة الله العليا، حتى لا تكون مفعولاً للجعل أو معطوفة على كلمة الذين كفروا، لكن استأنف كلاماً جديداً فقال: ((وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا)).
وقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، فالظهور والعلو هنا لـ: لا إله إلا الله.
стр. 14
لا إله إلا الله هي المثل الأعلى
هي أيضاً المثل الأعلى، كما قال ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، قال قتادة: هو قول لا إله إلا الله، والمثل هنا معناه الصفة، كما يقول : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد:٣٥] يعني: صفة الجنة التي وعد المتقون.
стр. 15
لا إله إلا الله هي كلمة السواء
هي أيضاً كلمة السواء، يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] ما هي هذه الكلمة؟ هي لا إله إلا الله.
وبعض الناس من ذوي القلوب المريضة من المنافقين يسيئون استعمال هذه الآية ليداهنوا النصارى وإخوانهم الذين نافقوا، فيفهموا الناس أن الكلمة السواء هي حل وسط، وليست داعية إلى الدخول في الإسلام، فمعنى: ((تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)): أن تدخلوا في دين الله في الإسلام، وتقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وليس كلمة (سواء) حل وسط يرضي جميع الأطراف؛ فإن هذا مما لا يجوز.
والدليل على هذا قوله ﵎ بعدها: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤].
стр. 16
لا إله إلا الله هي كلمة النجاة
أيضاً هي كلمة النجاة، كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وكما قال المؤمن: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] فالنجاة هي في قول لا إله إلا الله.
стр. 17
لا إله إلا الله هي العهد
أيضاً هي العهد الذي أشار إليه ﵎ في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة:٤٠] يعني: أوفوا بلا إله إلا الله، ثم قال بعد ذلك ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ﴾ [البقرة:٤١]، فيكون المراد من العهد الإيمان وقول لا إله إلا الله.
стр. 18
لا إله إلا الله هي كلمة الاستقامة ومقاليد السماوات والأرض
هي أيضاً كلمة الاستقامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠].
وهي أيضاً مقاليد السماوات والأرض، يقول ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٣]: هو قول لا إله إلا الله، فبها تفتح أبواب السماء عند الدعاء، وأبواب الجنان لا تفتح إلا بها، وأبواب النيران لا تغلق إلا بها، وباب القلب لا يفتح إلا بها، وأنواع الوساوس لا تندفع إلا بها، فبلا إله إلا الله تفتح أبواب السماء عند الدعاء، وبلا إله إلا الله تفتح أبواب الجنة؛ لأنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة موحدة، فلا يمكن أبداً أن مشركاً يدخل الجنة، فالله حرم الجنة على من لم يقل: لا إله إلا الله.
إذاً: أبواب الجنان لا تفتح إلا بها، وأبواب النيران لا تغلق إلا بها، وباب القلب لا يفتح إلا بها، وأنواع الوساوس لا تندفع إلا بها؛ فلذلك قال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٣]: هو قول لا إله إلا الله.
стр. 19
لا إله الا الله هي القول السديد
هي أيضاً القول السديد، كما قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٧٠]، سديد فعيل، وتأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، فإذا قيل: إنها سديد بمعنى فاعل يعني: يقول قولاً يسد على صاحبه أبواب جهنم، أو إذا قلنا: سديد بمعنى مفعول كما تقول: قتيل بمعنى مقتول؛ يعني: يسد صاحبه عن أن يضيره شيء من الذنوب، ومنه سد يأجوج ومأجوج، فهو سد لدفع ضررهم، وكذلك كلمة التوحيد هي قول سديد؛ لأنك بها تسد عن أن يضرك شيء من الذنوب.
стр. 20
لا إله إلا الله هي البر والدين والصراط
هي أيضاً البر، كما قال الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٧٧]، إشارة إلى التوحيد المفهوم من لا إله إلا الله.
وهي الدين كما قال : ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، فحصل الخضوع لله، ودل على أنه لا إله سواه، ولا معبود إلا إياه.
وهي الصراط كما قال الله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وهو: قول لا إله إلا الله، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
стр. 21
لا إله إلا الله هي كلمة الحق والصدق والعروة الوثقى
هي أيضاً كلمة الحق، يقول المولى : ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف:٨٦] أي: شهد بلا إله إلا الله.
وهي كلمة الصدق كما قال الله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] يعني: جاء بلا إله إلا الله.
وهي العروة الوثقى، يقول الله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦].
هذه بعض أسماء لا إله إلا الله.
стр. 22
فضائل لا إله إلا الله
من فضائل لا إله إلا الله ما ذكره صاحب معارج القبول في الجزء الأول صفحة (٣٦٩) قال: وقد حوته لفظة الشهادة فهي سبيل الفوز والسعادة من قالها معتقداً معناها وكان عاملاً بمقتضاها في القول والفعل ومات مؤمناً يبعث يوم الحشر ناج آمناً يقول: (وقد حوته) أي: جمعته واشتملت عليه (لفظة الشهادة) أي: شهادة أن لا إله إلا الله (فهي) أي: هذه الكلمة (سبيل الفوز) بدخول الجنة والنجاة من النار، قال الله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، (و) هي سبيل (السعادة) في الدارين، أي: طريقهما لا وصول إليهما إلا بهذه الكلمة، فهي الكلمة التي أرسل الله بها رسله، وأنزل بها كتبه، ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة، والجنة والنار، وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة، وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، ويثقل الميزان أو يخف، وبها النجاة من النار بعد الورود، وبعدم التزامها البقاء في النار، وبها أخذ الله الميثاق، وعليها الجزاء والمحاسبة، وعنها السؤال يوم التلاق؛ إذ يقول تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]، وقال : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦].
فأما سؤاله تعالى الذين أرسل إليهم يوم القيامة، فمنه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، والآيات قبلها وبعدها وغير ذلك.
وأما سؤاله المرسلين فمنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١٠٩]، وغير ذلك من الآيات، وهي أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم إليها.
فأعظم نعمة في الوجود على الإطلاق: أن هداك الله لقول: لا إله إلا الله والإيمان بها، هذه أعظم نعمة في الوجود كله، ولا شك أن كلمة هذا شأنها تكون أخطر وأعظم كلمة ينطق بها الإنسان، فهي إن قلتها حجبت عن النيران، وتفوز بالبقاء بلا نهاية في الجنة، وإذا حدت عنها واستكبرت؛ تخلد بلا نهاية في أشد أنواع العذاب والإيلام.
قال: ولهذا ذكرها الله في سورة النحل التي هي سورة النعم، فقدمها أولاً قبل كل النعم.
قدم الله ﵎ إنعامه على عباده بقول لا إله إلا الله على كل نعمة أخرى في سورة النعم، فقال الله ﵎ في أول سورة النعم التي هي سورة النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:٢]، فأول نعمة وأعظم نعمة صدرت بها سورة النعم هي نعمة لا إله إلا الله.
والقرآن يشير كثيراً جداً إلى أهمية التوحيد، والتوحيد هو لا إله إلا الله، فالقرآن يكثر من الدعوة إلى التوحيد، وتهديم الشرك وأهله، والإخبار عما حل بذويه، وعما يثيب الموحدين ويجزيهم خير الجزاء، فهذا هو شأن القرآن، فهو أفضل كتاب في التوحيد، وكلمة الله في التوحيد، فالقرآن إما عن التوحيد، أو حقوق التوحيد أو جزاء التوحيد، بيان ذلك: أن القرآن إما أنه خبر عن الله، وعن أسمائه وصفاته، وهذا توحيد علمي خبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وهذا التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته؛ فلذلك كان من حق التوحيد الأمر بالصلاة؛ لأنها من حق لا إله إلا الله كما جاء في حديث أبي بكر، فجميع الأوامر والنواهي هي من حقوق التوحيد، وإما خبر عن إكرامه ﵎ لأهل التوحيد، فهذا يكون جزاء التوحيد، وإما خبر عن أهل الشرك وما يعاقبهم به، فهو جزاء من نبذ التوحيد، وإما إخبار عن هلاك الأمم السابقة الذين رفضوا التوحيد، وهكذا.
يقول ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٨]، فإذا قلت: ما الدليل على أن كل ما أوحي إلى النبي ﵊ هو في حق لا إله إلا الله؟ فالجواب هو هذه الآية؛ لأن الله ﵎ أمر رسوله ﷺ في هذه الآية أن يقول: ((قُلْ إِنَّمَا)) وهذا أسلوب حصر يعني: كل الوحي الذي أنزل على النبي هو هذا، فكل ما أنزل على النبي ﵌ وأوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد، ((قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)).
إذاً: الكلام في الصلاة، والزكاة، والصيام، وأحكام الصلاة، والزواج، وأحوال الآخرة، والدنيا، والأمم السابقة، وعاقبة المكذبين؛ كل هذا يدور في فلك لا إله إلا الله، ((قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ))، وهذا هو لا إله إلا الله ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) فأشار إلى أن ما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول (لا إله إلا الله) لجميع ما جاء في الكتب؛ لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده، فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب.
يقول الشيخ حكمي رحمه الله تعالى: ولهذا ذكرها في سورة النحل -وهي أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم إليها- ولهذا ذكرها في سورة النحل التي هي سورة النعم، فقدمها أولاً قبل كل نعمة فقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:٢].
وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره، وساق شجرته، وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، متشعبة منها، مكملات لها، مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها، فهي العروة الوثقى التي قال الله : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، قاله سعيد بن جبير والضحاك.
وهي العهد الذي ذكر الله إذ يقول: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧]، لا يملكون الشفاعة إلا من قال: لا إله إلا الله، هذا هو العهد، قال عبد الله بن عباس ﵄: هو شهادة أن لا إله إلا الله، والبراءة من الحول والقوة إلا بالله، وألا يرجو إلا الله .
وعن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله بن مسعود ﵁ هذه الآية: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧]، ثم قال: اتخذوا عند الله عهداً، فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له عند الله عهد فليقم؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! فعلمنا ماذا تقصد؟ قال: قولوا: (اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة؛ فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً تؤديه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد) وكان يلحق ابن مسعود بهن: (خائفاً مستجيراً مستغفراً راهباً راغباً إليك).
وهي الحسنى في قول الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧] قاله أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك ورواه عطية عن ابن عباس.
وهي كلمة الحق التي ذكر الله في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦].
وهي كلمة التقوى التي ذكر الله في قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦].
وهي القول الثابت الذي ذكر الله إذا يقول تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وهي الكلمة الطيبة المضروبة مثلاً في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤].
قال علي بن طلحة عن ابن عباس: أصلها ثابت في قلب المؤمن، وفرعها العمل الصالح في السماء صاعد إلى الله ، وكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد.
وهي الحسنة التي ذكر الله إذ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠].
قال أبو ذر: قلت: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: إذا عملت سيئة فاعمل حسنة فإنها عشر أمثالها، قلت: يا رسول الله! لا إله إلا الله من الحسنات، قال: هي أحسن الحسنات).
وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النمل:٨٩] بلا إله إلا الله ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل:٨٩] يعني: أكثر ثواباً ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩].
وهي المثل الأعلى الذي ذكر الله إذ يقول: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧].
وهي سبب النجاة كما في الحديث: (إن الله حرم على النار من
стр. 23
الإيمان والكفر [٢]
جعل الله لكلمة التوحيد العظيمة شروطاً ضمنها كتابه، وشملتها سنة نبيه ﷺ ، فهي وإن لم يأت دليل يعدّدها لكنها مبثوثة منشورة في نصوص الوحي، وكل منها مكمل للآخر، وهي: العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة.
стр. 24
الإيمان والكفر والقضايا المتعلقة بهما
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد شرعنا في دراسة متعلقات قضية الكفر والإيمان، وتكلمنا في فضائل كلمة التوحيد، وشرعنا في ذكر شروط كلمة التوحيد، وهذه السلسلة ما من شك أن لها حساسية خاصة، وتحتاج إلى أن يكون البناء فيها طبقاً فوق طبق في التثقيف؛ بحيث نمر على أغلب القضايا المهمة المتعلقة بها.
وسوف نناقش حكم تارك شيء من أركان الإسلام العملية، ولا شك أن الإجماع منعقد على كفر من أخل بالشهادتين، فهو لا يعد مسلماً، أما من أتى بالشهادتين وأتى بشيء من الأركان الإسلامية بالذات الصلاة، وغيرها من الأركان كالزكاة والحج وغيرها، فسنذكر التفاصيل في ذلك بإذن الله، وسنذكر حكم تارك الصلاة، وهل يعد كافراً كفراً أكبر مخرجاً من الملة أم لا؟ كذلك نناقش القواعد، إذ لابد من الإحاطة بها حتى نحكم على الفعل أنه كفر -إذا كان وصف في الأحاديث بأنه كفر- وهل هو كفر أكبر أم أصغر؟ كذلك نثبت انقسام النفاق إلى أكبر وأصغر، والشرك إلى أكبر وأصغر وانقسام شعب الإيمان، وشعب الكفر، وما هو الميزان الذي به نحكم على الفعل إن كان مخرجاً من الملة أم لا؟ وسنعقد باباً واسعاً في معنى لا إله إلا الله، وأنواع التوحيد، وكيف نوحد الله ﵎؟ ثم نعقبه بكلام مفصل في ما يضاد التوحيد وهو الشرك، وأغلب صور الشرك منتشرة بين الناس، والتي منها مثلاً: الحكم بغير ما أنزل الله.
كذلك أيضاً نتعرض لظاهرة المجازفة في إطلاق الحكم بالتكفير أو الكفر، وخطأ الاندفاع أو التهور في إطلاق الكفر بدافع الحماس، أو النظرة الجزئية لبعض النصوص مع إهمال الأخرى.
ثم نناقش ما يخرج من الملة، ونواقض التوحيد؛ لأنها أمور محصورة منذ زمن بعيد، والعلماء حصروا تماماً ما هي الأشياء التي يخرج بها فاعلها من الملة، ويصير كافراً، وما يترتب على الحكم بالكفر من الأحكام الدنيوية والأخروية.
كذلك إن شاء الله نناقش قضية أهل الفترة ومن في حكمهم، وماذا عن مسئولياتهم تجاه الدعوة إلى التوحيد في الدنيا والآخرة.
ثم القضية التي ابتلينا بها والتي تتفجر من آن لآخر، ويكثر الإخوة السؤال والكلام حولها، وهي: قضية العذر بالجهل، وقضية حد الإسلام.
ثم بعض المسائل المتعلقة بالإيمان كمعنى الإيمان والإسلام، ومسألة أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه قول وعمل واعتقاد، وأن أهل الإيمان يتفاضلون فيه، وهذه القضايا بالذات من القضايا التي تفترق فيها الفرق؛ فلذلك نفردها بالذكر، فتجد أهل السنة في قضايا القدر وسط بين الفرق، كما أن أهل القبلة وأهل الإسلام وسط بين أهل الديانات الأخرى، كذلك نجد على طرفي نقيض المعتزلة الوعيدية من جانب، والمرجئة المتساهلين من جانب آخر، فهذه المسائل التي يخالفون أهل السنة فيها، أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه قول وعمل واعتقاد بالقلب، وأن أهل الإيمان يتفاضلون فيه، ثم الكلام على فاسق أهل القبلة، ونثبت أنه مؤمن ناقص الإيمان، وأنه لا يكفر بالمعصية.
أيضاً نناقش قضية أن العاصي الموُحد لا يخلد في النار، وأمره إلى الله، وأن المؤمن لا يكفر بالمعاصي إلا إذا استحلها، والتوبة إذا استكملت شروطها فهي مقبولة من كل ذنب حتى الكفر.
ثم نذكر بعض الفرق الأساسية في قضية الكفر والإيمان التي حادت عن منهج أهل السنة والجماعة، ونظرت إلى جانب من النصوص وأهملت النصوص الأخرى مثل الخوارج والمعتزلة والمرجئة، وغيرهم.
ثم نناقش ظاهرة التكفير التي ظهرت في السنوات الأخيرة، وبدأت تظهر من جديد نفس هذه الفرق، ولكن في ثوب جديد، وتحت أسماء جديدة، كما هو معروف سواء جماعة التوقف والتبيّن، أو ما سمي بالتكفير والهجرة أو غير ذلك من الاتجاهات، فنناقش الدوافع التي دفعت إلى ذلك، ونناقش أيضاً تفاصيل هذه الحقائق، فهذا مجمل مختصر لعامة القضايا التي سنمر عليها بإذن الله، وفي أثناء ذلك أيضاً هناك قضايا أخرى نتعرض لها بإذن الله في حينها.
وأوصي الإخوة لو استطاعوا أن يدرسوا كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه من أعظم الكتب في هذا الباب.
стр. 25
شروط كلمة التوحيد
شروط لا إله إلا الله جمعها الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في كتابه: معارج القبول، وهو شرح لمتن يسمى: سلم الوصول إلى علم الأصول في توحيد الله واتباع الرسول ﷺ ، وقد شرحه الناظم في كتابه العظيم: معارج القبول بشرح سلم الوصول.
يقول ﵀: وبشروط سبعة قد قيدت وفي نصوص الوحي حقاً وردت فإنه لم ينتفع قائلها بالنطق إلا حيث يستكملها العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبه وفقك الله لما أحبه قوله هنا: (وبشروط سبعة قد قيدت)، أي: قيد انتفاع قائلها بها في الدنيا والآخرة، من الدخول في الإسلام، وعصمة الدم والمال، والفوز بالجنة والنجاة من النار في الآخرة، أما من لم يستوف هذه الشروط حتى وإن قالها بلسانه، ولفظ بها، فلا ينجو بذلك في الآخرة.
وأقرب ما يتطرق إلى أذهاننا حينما نذكر ذلك هم المنافقون، فالمنافقون يقولون: لا إله إلا الله؛ ليعصموا بها أرواحهم وأموالهم في الدنيا، وكما قال ﵊: (وحسابهم على الله).
(وفي نصوص الوحي حقاً وردت) يعني: هذه الشروط ليست محدثة ولا مخترعة، ولا باجتهاد المؤلف، وإنما وردت وقيد انتفاعه بها بتوفر هذه الشروط بأدلة من القرآن والسنة.
(فإنه لم ينتفع قائلها)، أي: قائل لا إله إلا الله.
(بالنطق إلا حيث يستكملها) لا يكفيه النطق بها، ولا تنفعه حتى يستكمل هذه الشروط السبعة، والمعنى: أن يجمعها في قلبه، ويلتزم هذه الشروط دون أن يأتي بما يناقض شيئاً منها، وليس المراد بالشروط السبعة: أن يعدها ويحصيها ويحفظها ويسردها سرداً، كلا، بل المقصود الالتزام بها، وبراءته مما يناقضها، وكم من رجل عامي اجتمعت فيه هذه الشروط، وإذا سألته ما هي شروط لا إله إلا الله؟ لا يدري، لكنه ينتفع بها، وتستكمل هذه الشروط قلبه ويلتزمها، ولو قيل له: اعددها؟ لم يحسن ذلك، وكم من حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، ومع ذلك تراه يقع كثيراً فيما يناقضها والتوفيق بيد الله، وبه المستعان.
ثم شرع يفصل هذه الشروط، ويذكر أدلتها من القرآن والسنة فقال: العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبه وفقك الله لما أحبه
стр. 26
العلم المنافي للجهل
أول هذه الشروط: العلم: المراد بالعلم بمعنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً، وهذا العلم ينافي الجهل، فلابد للإنسان أن يعلم معنى لا إله إلا الله، فإن الله قد أمر نبيه وهو خير من قال: لا إله إلا الله، وخير من أدى شروطها، ومع ذلك قال له ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] يعني: شهد بلسانه بلا إله إلا الله، وهو يعلم بقلبه ما نطق به لسانه، وهذا أيضاً دليل على اشتراط العلم، فهم: شهدوا بلا إله إلا الله، وهم يعلمون معنى ما نطقت به ألسنتهم من أن لا إله إلا الله.
فلا يكون الإنسان مثل جهاز التسجيل الذي يتكلم وينطق، من الممكن أن تسجل عليه لا إله إلا الله، لكن هذا جهاز جامد لا يفقه ما يقول، كذلك الشخص الذي يرددها دون أن يعيها فما من شك أن ذلك لا ينفعه، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، يعني: وشهد أولوا العلم أيضاً بهذه الشهادة العظيمة بأن لا إله إلا الله، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، لكن أوضح دليل على اشتراط العلم، هو قوله تعالى هنا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩].
وفي الصحيح من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)، هذا الحديث وأمثاله مما يأتي فيه ذكر هذه الشروط، وهو مقيد لمطلق الأحاديث التي فيها مثلاً: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، هذا لا نفهمه وحده، لكن نفهمه بضمه إلى هذه الأحاديث التي قيدت لا إله إلا الله بقيود معينة منها: العلم، وسائر الشروط المذكورة، فدليل العلم، ودليل تقييدها بالعلم: قوله ﵊ هنا: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله) يعني: يقول: لا إله إلا الله، ويكون عالماً بمعناها: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).
стр. 27
اليقين المنافي للشك
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك: وذلك بأن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة يقيناً جازماً، فإن الإيمان لا يكون فيه إلا علم اليقين، لا علم الظن، وما من شك أن الظن أعلى من الشك، ومع ذلك الإيمان لا يصلح فيه الظن، ولابد من اليقين، فإذا دخل الريب والشك في القلب نقض الإيمان، ولا يلتفت في ذلك إلى الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب المؤمن، وإنما هذه حيل من الشيطان ليدخل القلب فيسرق منه الإيمان، فقد يوسوس للإنسان أحياناً ببعض الأفكار، لكنها لا تستقر في قلبه، إنما تمر مروراً عابراً حين يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذه من علامات الإيمان الصريح، كما قال ﵊ حينما شكا له الصحابة منه، فقال: (ذلك صريح الإيمان)، ولا يجزع الإنسان إذا ابتلي بشيء من هذه الوساوس، لكن يفزع إلى الذكر، وأن يكف عن هذه الوساوس؛ لأن السارق لا يدخل بيتاً يعلم أنه بيت خرب، لا يوجد فيه أي شيء له قيمة، لماذا يدخله؟ وماذا يسرق منه؟ لكنه يدخل البيت الذي يحتوي على الأشياء الثمينة حتى يسرقها، فكذلك الشيطان رد الله كيده، وعلى المؤمن أن يصبر على وسوسته، فإذا ذكرت الله انخنس وهرب؛ فلذلك قال ﵊ لما شكا له الصحابة ذلك: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)، لا يستطيع أكثر من ذلك، فلا عبرة بهذه الوسواس الذي طرق قلب المؤمن من فعل الشيطان الرجيم، وإنما الذي يناقض اليقين هو الريب والشك في أمر الله والعياذ بالله! أن يشك إنسان في وحدانية الله، أو في وجود الله، أو في أن عيسى هو الله إذا شك في عقيدة من هذه العقائد المعلومة من الدين بالضرورة نقض إيمانه وهدمه تهديماً، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، الشرط: لا يرتاب أبداً فيما لديه من الإيمان؛ ولذلك أصل كلمة العقيدة من العقد أو العقدة، حينما تربط العقد وتعقده فهذه العقدة المفروض أنها تدخل الإيمان في قلبك وتعقد عليها بحيث لا يستطيع القلب أن يتفلت من هذه الأعقاد، فهذا معنى العقدة التي يعقدها الإنسان في قلبه فلا ينقضها ولا يحلها أبداً، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي: لم يشكوا، أما الريبة فمعلوم أنها من شأن المنافقين الذين يشكون في إيمانهم، وقد قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة:٤٥].
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا أدخله الجنة).
واليقين ليس شرطاً أن نأتي به بدون دليل، وإنما يفهم من قول النبي ﵊: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله) أي: وهو يعلم معناها، بدليل هذا الحديث الأول: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).
كذلك يضاف إليه: من مات وهو يقول هذه الكلمة بلسانه، ويعلم معناها، ويوقن بها غير متردد في صدقها وأحقيتها، والدليل قوله ﵊ في حديث أبي هريرة: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة)، وفي رواية: (لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما لا يحجب عن الجنة)، أي: لا يحجب عن الجنة من لقي الله وهو موقن غير شاك بهاتين الشهادتين.
وفي الصحيح عنه أيضاً ﵁ في حديث طويل: (أن النبي ﷺ بعثه بنعليه، فقال: من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقناً بها قلبه، فبشره بالجنة)، فاشترط في دخول قائلها الجنة: أن يكون مستيقناً بها قلبه، غير شاك فيهما، ومعلوم أنه إذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
فهذه الشروط التي نذكرها لابد من اجتماعها كلها، ولا يصلح بعضها مع فقدان واحد منها.
стр. 28
القبول لما اقتضته كلمة التوحيد
الشرط الثالث: القبول: أي: قبول ما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلنا، فمعلوم أن هذه الكلمة قد أنجت كثيراً من الأمم، وانتقم ممن ردها وأباها، كما قال ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، يفخرون بأمجاد الآباء والأجداد، وهم حطب من حطب جهنم، ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف:٢٤ - ٢٥]، يعني: المكذبين بلا إله إلا الله.
وقال : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:١٠٣]، وقال أيضاً: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
كذلك أخبرنا بما وعد به القائلين لها من الثواب، وما أعده لمن ردها من العذاب، فقال : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٤]، ثم قال في نفس السياق: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، يستكبرون عن أن يقولوها، وينقادوا لما تقتضيه، فهذا معنى الاستكبار عن الانقياد، فهؤلاء لم ينقادوا لما تضمنته وما تقتضيه كلمة: لا إله إلا الله من القبول بالقلب واللسان، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦]، فجعل الله علة تعذيبهم وسببه هو استكبارهم عن قول لا إله إلا الله، فلم ينفوا ما نفته.
فقول: (لا إله): كفر بكل إله يعبد من دون الله من الطاغوت، وتعريف الطاغوت: هو من طغى، وأصل الكلمة من الطغيان، والطغيان: هو المجاوزة للحد، كما قال ﵎: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١]، فكل من تجاوزت به حده فقد اتخذته طاغوتاً، في كل شيء من المخلوقات سواء كان حجراً أو شجراً أو شمساً أو كواكب أو أصناماً أو إنساناً أو غير ذلك وتجاوزت به حده الذي ينتهي إليه، وحد العبودية لله ، إلى أن تتخذه إلهاً تعبده من دون الله، فهذا معنى أن هذا نوع من الطغيان، طغى عن حده: صعد إلى أن ادعى الألوهية ونازع الله في الربوبية، ويأتي إن شاء الله ذكر أنواع الطاغوت بالتفصيل.
فهم لم ينفوا ما نفته كلمة التوحيد، ولم يثبتوا ما أثبتته لا إله إلا الله، بل قالوا إنكاراً واستكباراً: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فتجد حال الكفار كما قال : ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]، هل أحد يعبد عجلاً؟!! وهل ثَم إنسان عاقل مكرم يعبد العجل أو يعبد البقرة؟! ومع ذلك تجدهم أشربوا حب هذا العجل، وزين لهم سوء عملهم، بل قد يقاتلون ويضحون بالأموال والدماء والأنفس وكل شيء في سبيل هذه العقيدة الباطلة، ولعلكم سمعتم بما يحصل في إحدى الولايات الهندية من حرب ضارية بين المسلمين وهؤلاء الكافرين من الهندوس الذين يريدون أن يهدموا مسجداً ويعيدوا بناء معبد هندوسي على أنقاض هذا المسجد، ومصير هذه الحرب الضارية التي لا تتوقف لا يعرف، والتي أطاحت بالحكومة الجديدة، وما زالت المشكلة قائمة حتى الآن، فهم يحاولون من جديد هدم المسجد ويشنون حملة من أجل هدمه؛ لأنهم يعتقدون أن إلههم مدفون تحت هذا المسجد، سبحان الله! إله ميت مدفون، فانظر إلى هذا السخف؟ وكيف أن الكفر يغطي على بصائر القوم: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، وذكرنا من قبل في مناسبة أخرى عن هؤلاء الهنود: أن بعض الشيوخ اطلع على قصر من الرخام الأبيض في منتهى الفخامة يعبدون فيه الفئران! وكان غاندي يمتدح البقرة ويفضلها على أمه، وأنه ينبغي أن نشكر البقرة؛ لأنها ترزقنا وتفعل وتفعل، الحاصل: أن كل هذه الحرب حتى يهدم هذا المسجد بالذات؛ لأن إلههم في تصورهم مدفون تحت أطباق الثرى في أعماقه، فسبحان الله! الكفر فنون! على أي الأحوال هذا حال هؤلاء الكافرين: يستكبرون عن قول لا إله إلا الله، ويكذبون من جاء بها، ولا ينفون ما تنفيه، ولا يثبتون ما أثبتته، بل يواجهون الحق إنكاراً واستكباراً، ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٥ - ٧]، وقالوا هاهنا: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٦]، فكذبهم الله ورد عليهم دفاعاً عن رسوله ﷺ ، فقال: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧]، وهذا اليقين الذي تكلمنا عنه آنفاً جميع الخلق سوف يشاهدونه، لكن في دار الجزاء: العبرة بأن يكون عندك يقين وأنت هنا في دار الامتحان، أما في دار ظهور النتائج فما ينفعك اليقين، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢].
(إِنَّا مُوقِنُونَ) وهذا حين لا ينفعه الندم، ولا ينفعه اليقين في الدار الآخرة؛ ولذلك تقبل توبة العبد ما لم يغرغر؛ لأنه إذا غرغر انتقل إلى دار الآخرة وعاين الملائكة، وما كان يسمعه من قبل أن الملائكة تأتي وتقبض الروح يراه، وقد انكشفت الحجب، وبان له زيف ما كان عليه، وصار يقيناً لما هو مقبل عليه من عذاب الله وغضبه وسخطه، وهذا اليقين لا ينفعه، العبرة باليقين في دار الامتحان، وليس في دار ظهور النتائج.
ثم قال في شأن من قَبِلَ لا إله إلا الله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات:٤٠ - ٤٣]، وقال ﵎: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩]، (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ) ذكرنا أن الحسنة هي: لا إله إلا الله (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ)، يعني: له ثواب عظيم.
وفي الصحيح عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﵌ قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به).
هذا مثل في اختلاف قلوب الناس في تقبل كلمة التوحيد، وما يتفرع عنها، فمن الناس من تنبت في قلبه الأعمال الصالحة، كما قال : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾، قلب المؤمن، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤]؛ فهذا الحديث يضرب مثلاً لتفاوت الناس في تقبل هذا الحق، والانفعال به.
стр. 29
الانقياد لما دلت عليه كلمة التوحيد
الشرط الرابع: الانقياد لما دلت عليه: وهذا الانقياد ينافي ترك ذلك، قال الله : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤]، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢] والعروة الوثقى هي: لا إله إلا الله، ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢] ومعنى (يُسْلِمْ وَجْهَهُ)، أي: ينقاد إلى الله ﵎، ومن لم يسلم وجهه إلى الله، ولم يك محسناً، فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى، وهو المعني بقوله ﵎: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٣ - ٢٤]، وفي حديث مختلف في صحته -ولعله يكون حسناً إن شاء الله- أن رسول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، وهذا هو تمام الانقياد وغايته.
الهوى أصلاً مذموم، وأغلب النصوص يأتي الهوى مذموماً فيها، لكن في مثل هذا النص لا يكون المقصود به الهوى المذموم، وهو مثل قول عائشة ﵂: (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك)، أو كما قالت ﵂.
стр. 30
الصدق المنافي للكذب
الخامس: الصدق المنافي للكذب: الصدق في قولك: لا إله إلا الله، أي: يقولها بلسانه ويواطئ القلب اللسان في النطق بها، ولا يكون كالمنافقين الذين يقولونها بألسنتهم وترفضها وتأباها قلوبهم، يقول الله : ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] صدقوا بظهور أمارات الصدق في أعمالهم.
وقال ﵎ في شأن المنافقين الذين قالوا: لا إله إلا الله، لكن بغير صدق مع الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ -النفاق- فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠]، قالوا: آمنا وهم كاذبون، وقالوا: لا إله إلا الله وهم غير صادقين في تلك الشهادة، ومعلوم ما ذكره الله ﵎ من شأن المنافقين، وكم أفاض وأعاد في كشف أستارهم وهتكها، وأبدى فضائحهم في غير ما موضع من كتابه، فمن السور التي فيها مظان الكلام على المنافقين وأحوالهم وصفاتهم: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والتوبة، والأنفال، وسورة كاملة سميت باسمهم وهي سورة المنافقون، وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله؛ صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار)، فاشترط في إنجاء من قال هذه الكلمة من النار أن يقولها صدقاً من قلبه، فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب.
وفي الصحيحين أيضاً من حديث أنس بن مالك وطلحة بن عبيد الله ﵄ من قصة الأعرابي ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر لما سأل رسول الله ﷺ عن شرائع الإسلام فأخبره، قال: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع قال: والله لا أزيد عليها، ولا أنقص منها، فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق)، وفي بعض الروايات: (إن صدق ليدخلن الجنة)، انظر إلى هذا الشرط: (أفلح إن صدق) فعلق الفلاح على الصدق.
стр. 31
الإخلاص
الشرط السادس: الإخلاص: وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، قال الله ﵎: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال ﵎: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢]، لا تقصد بعبادتك إلا وجه الله وحده ﵎، وأن تمحص العمل وتمحضه لوجه الله.
وقال ﵎: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، وقال ﵎: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]، اشترط أيضاً الإخلاص، وغير ذلك من الآيات.
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، أو نفسه).
وفي الصحيح عن عتبان بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله .
فهذا الشرط يقيد عموم الأحاديث التي فيها إنجاء كلمة لا إله إلا الله لمن قالها، (من مات وكان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، بشرط أن تتوفر فيها هذه الشروط والأدلة كما ذكرنا.
стр. 32
المحبة لكلمة التوحيد ولما اقتضته ودلت عليه
الشرط السابع: المحبة أي: محبة هذه الكلمة، ومحبة ما اقتضته ودلت عليه، ومحبة أهلها والعاملين بها، والملتزمين بشروطها، وبغض ما يناقض ذلك.
أن تحب هذه الكلمة، وتحب معانيها، وحقوقها، وأهلها، وتبغض ما ينافيها من المعاني والألفاظ، قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، يعني: يتخذون الأنداد والأضداد والشركاء لله، فيحبونهم كحب الله، وليس معناه: أنهم يساوون في المحبة بين الله وبين هذه الأنداد، لكن المقصود هو كما قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، فأخبرنا الله : أن عباده المؤمنين أشد حباً له، وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحداً؛ لأن أصل الإله من الألوهة، وهي المحبة الشديدة لله ﵎، والمؤمنون لم يشركوا في محبة الله أحداً كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحبه.
ونرى للأسف ممن ينتسبون زوراً إلى الإسلام من هو شديد المحبة للأنداد الذين يتخذون من دون الله، حتى وإن كانوا من أولياء الله الصالحين، تجد أن الناس يحلفون كذباً بالله ﵎، بل يحلف اليمين الغموس الذي تغمسه في جهنم كاذباً بالله ﵎، فإذا طلب منه أن يحلف على ذاك الشيء بـ البدوي أو الدسوقي يتلعثم ويرتعش، ويقر بأنه كان كاذباً، ويرفض أن يحلف بغير اسم الله ﵎ كاذباً، ويتجرأ ويتجاسر على أن يحلف بالله وهو كاذب في ذلك، انظر -والعياذ بالله- إلى مدى بعد هؤلاء الناس عن حقيقة التوحيد.
يقول الله ﵎: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، فعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه.
هذه علامة محبة الله ، وهذا شأن المحبوب دائماً، أما المحبة بدون طاعة وانقياد فلا تسمى محبة، فهذه كذب ودعوى، فكذلك من ادعى محبة الله ﵎ فعلامة صدقه في هذه المحبة: أن يقدم ما يرضي الله على ما تهواه نفسه، ويدفعه إليه هواه، ويبغض ما يبغضه ربه وإن مال إليه هواه.
وقد حقق السلف معنى الولاء والبراء لله أعظم التحقيق، ومحبة أهل لا إله إلا الله، وبغض من خالفهم، حتى إن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ رأى رجلاً نصرانياً، فأغمض عينيه، فقيل له: هل حرام أن تنظر إلى النصراني؟ قال: ليس حراماً، ولكني لا أطيق أن أملأ عيني ممن يشرك بالله، وهذه لا نقول: إنها سنة، أو إنها من الدين، وأنك إذا رأيت نصرانياً أو يهودياً تغمض عينيك، لكن انظر إلى هذا الانفعال والبغض للكفر وأهله، حتى أن الإمام أحمد ما أطاق أن يملأ عينه ممن يسب الله، هذا الرجل يشتم الله، ويقول: إن محمداً كذب على الله، وأنه ادعى الرسالة، وأن الوحي ينزل عليه، وأنه ألف هذا القرآن ونسبه إلى الله والعياذ بالله! ومع ذلك تجد المسلم في هذا الزمان يرى أشياء يعجب لها الإنسان، وعلامة حب العبد لربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ﷺ ، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله ﷺ ، واقتفاء أثره، وقبول هداه.
وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها، قال الله ﵎: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣].
إذاً هذا مقتضى قولك: لا إله إلا الله، أي: لا إله حق إلا الله، فـ (لا) نافية للجنس، ولا يصح أن نقدر خبر (لا) النافية للجنس (بموجود) هنا فنقول: لا إله موجود إلا الله؛ لأن هناك آلهة تعبد من دون الله كثيرة جداً، ونأتي بالأدلة من القرآن، قال الله تبارك تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، فكلمة إله أعم من لفظ الجلالة الله، فهي تطلق على إله الحق والباطل، أما لفظ الجلالة (الله) فهو علم على الذات المقدسة لا يمكن أبداً أن يسمى أحداً بهذا الاسم، فالهوى إله يعبد من دون الله، والدليل هنا قوله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] إلى آخر الآية، فالمال إله كما قال النبي ﵌: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، يدعو عليه ﵊ بأنه إذا دخلت شوكة في جلده فلا تخرج، ويظل يتألم منها فهذا عبد المال.
قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢]، وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، هذه الآية تتزلزل لها القلوب، يقول أحد الصحابة ﵃: ليحذر أحدكم يصير يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر؛ لهذه الآية: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ)، فمن يواد ويوالي اليهود والنصارى فإنه منهم ويصبح كافراً مثلهم، وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:٢٣]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، وغير ذلك من الآيات.
وقال مشترطاً اتباع رسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢] وقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ)، كما ذكر بعض السلف: أن هذه الآية حينما ادعى قوم محبة الله امتحنهم الله وابتلاهم بهذه الآية؛ ليميز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، من أحب الله أحب رسول الله ﵊؛ لأنك إذا أحببت الله معناه أنك تحب أن تعبد الله، وكيف تعبد الله؟ كيف تعلم كيفية الصلاة والصيام والزكاة؟ وكيف نكون منفذين لما يحبه الله؟ لا طريق لمعرفة ما يحبه الله وما يقرب إلى الله إلا باتباع رسول الله ﷺ ، فجعل اتباع الرسول ﵊ علامة صدق هذه المحبة، ثم بين أنه يكافئهم بما هو أعظم: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي)، فإن اتبعتموني كيف يكافئكم الله؟ (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، فليس الشأن في أن يحب العبد ربه، هذا هو رد الفعل الطبيعي، والقلوب جبلت على محبة من يحسن إليها، فكونك تحب الله لما أنعم به عليك من النعم العظيمة والجسيمة، فهذا ليس فيه شأن كبير، هذا أقل ما ينبغي، أنت مقصر على كل الأحوال، لكن الشأن في أن يحبك الله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢]، وصفهم بالكفر بسبب توليهم عن مقتضى اتباع رسوله ﷺ .
وقال رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)، من أراد أن يذوق طعم الإيمان وحلاوة الإيمان فلينظر أين هو من هذه الثلاث؟ أولاً: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، انظر إلى شدة بغضه للكفر والمعاصي، وكل ما يمقته الله ويمقت فاعله.
وهذا الحديث في الصحيحين.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، بل ولا يتم إيمانه حتى يحب رسول الله ﷺ أكثر مما يحب نفسه، ودليل ذلك قوله ﵎: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)؛ بحيث إذا تصورت أنه يوشك أنك تموت من العطش، وأمامك جرعة ماء يمكن أن تنقذ حياتك إذا شربتها، فتكون على يقين جازم بأنه إذا كان رسول الله ﵊ موجوداً معك الآن، ويريد أن يشرب هو هذا الماء، وأنت ستموت وتهلك وتخرج روحك إذا لم تشرب هذا القدر من المياه، فيجب عليك حتماً أن تقب
стр. 33
الجمع بين أحاديث الوعد والوعيد
اعلم أن الأحاديث الدالة على أن الشهادتين سبب لدخول الجنة والنجاة من النار لا تناقض بينها وبين تلك الأحاديث التي ورد فيها الوعيد، يعني: أن هناك مجموعة من النصوص فيها بيان أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة، ولا إله إلا الله سبب للنجاة من النار، بدليل الأحاديث التي ذكرناها والتي فيها المزيد من الشروط كما جمعناها في هذه الشروط السبعة؛ لكن هناك نصوص أخرى في أحاديث الوعيد: من فعل كذا دخل النار، لعن الله من فعل كذا، من فعل كذا استحق عقوبة كذا، ما العلاقة بين هذه النصوص وتلك التي ظاهرها التعاطف؟ يمكن الجمع بين هذه النصوص، بأنها جنان كثيرة، فمثلاً قول النبي ﵊: (لا يلج حاضرة القدس مدمن خمر) و (حاضرة القدس): مكان معين في الجنة، من شرب الخمر في الدنيا ومات على التوحيد فمآله إلى الجنة سواء عذاب أم لم يعذب فإذا دخل الجنة فإنه لا يدخل مرتبة معينة من الجنة، وهي محرمة عليه؛ بسبب شربه الخمر، وكذا قول الرسول ﵊: (لا يدخل الجنة قتات)، أي: نمام.
فإنه يدل على أنه لا يدخل مكاناً معيناً من الجنة، لكن لا نسلك سلوك الوعيدية الخوارج المبتدعين حينما يقولون: هذا دليل على كفره، لماذا أهل السنة هم الوسط والعدول؟ لأنهم يأخذون جميع أطراف النصوص ويجمعون بينها، فلا يفرطون ولا يفرطون، لا يغلون ولا يجفون، فهذه من الأمثلة التي فيها جمع بين النصوص مثل قوله هنا: (لا يدخل الجنة قتات)، وكذا حديث مرور النبي ﵌ على قبرين فقال: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر: فكان يسعى بالنميمة بين الناس)، أو كما قال ﷺ ، فوضع الجريدتين الرطبتين على القبرين، وقال: (اللهم خفف عنهما ما لم ييبسا)، ودخولهما تحت دعاء النبي ﷺ يدل على أنهما مسلمان، لو كانا مشركين لما جاز أن يترحم عليهما، أو أن يتشفع لهما، ويدعو لهما، فهذا يدل على أنهما وإن ماتا على الذنب، لكن ماتا على أصل التوحيد، وهذا يدل على أنهما موحدان يدخلان الجنة، لكن قوله ﵊ مثلاً: (لا يدخل الجنة نمام)، يفيد أنه لا يدخل مع أول الداخلين، بل يتأخر، إما في العذاب في النار أو لغير ذلك في الحساب، وقوله: (لا يدخل الجنة)، يريد به منزلة معينة من الجنة لا يدخلها كما في حديث مدمن الخمر، ويمكن الجمع بين النصوص بأنها جنان كثيرة كما أخبر النبي ﷺ ، وبأن أهل الجنة أيضاً متفاوتون في دخول الجنة في السبق وارتفاع المنازل، فيتفاوتون في الأسبقية في دخول الجنة، ويتفاوتون بعد دخولها أيضاً في المنازل، كما قال : ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) [آل عمران:١٦٣]، فيكون فاعل هذا الذنب لا يدخل الجنة التي أعدت لمن لم يرتكبه، أو لا يدخلها في الوقت الذي يدخل فيه من لم يرتكب ذلك الذنب، وهذا مفهوم للعارف بلغة العرب.
كذلك لا تناقض بين الأحاديث التي فيها تحريم أهل هاتين الشهادتين على النار، وبين الأحاديث التي فيها إخراجهم منها بعد أن صاروا حمماً، لإمكان الجمع: بأن من مات على شيء من الكبائر أو الذنوب ولم يتب منها، ولو عذبه بدخول النار فإنه سيدخل الجنة؛ لأن من الموحدين من يدخل النار بلا شك، وهناك من تكون له الشفاعة إما برحمة أرحم الراحمين ، وإما بشفاعة الشافعين، ثم يغمسون في نهر الحياة ويدخلون الجنة؛ حينئذ يحرمون على النار فلا تمسهم بعد ذلك، فيكون هذا معنى: (من قال: لا إله إلا الله، حرم الله جسده على النار)، فإذا دخلها وقد ارتكب ذنباً يستحق به دخول النار، فإنه يدخل لكنه لا يخلد فيها.
أو يكون المراد: أنهم يحرمون مطلقاً على النار التي أعدت للكافرين؛ لأن هناك طبقة -والعياذ بالله- من النار لا يخرج منها من دخل فيها، فهم يحرمون على النار الخاصة بالكافرين التي من دخلها لا يخرج منها أبداً، لا يموت فيها ولا يحيا، فهي ما عدا الطبقة العليا من النار، فالطبقة العليا من النار يدخلها بعض عصاة أهل التوحيد ممن شاء الله عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه، ثم يخرجون فلا يبقى فيها أحد ممن قال لا إله إلا الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 34
الإيمان والكفر [٣]
أهل السنة وسط بين فرق أهل الإسلام كما أن الإسلام وسط بين غيره من الملل، ولما كانوا وسطاً وفقهم الله لاختيار القول الوسط الجامع لأدلة الدين الوسط، فلا يغلوا ويتجاوزوا، ولاهم فرطوا وضيعوا، وهم وسط أيضاً في قضايا الكفر والإيمان بين طرفي نقيض.
стр. 35
أمثلة لنصوص الكفر غير المخرج من الملة
ورد استعمال كلمة الكفر في كثير من النصوص دون أن يفهم منها خروج صاحب هذا الفعل الذي وصف بالكفر من الملة المحمدية، وقضية ضوابط الكفر والإيمان من القضايا التي إن لم يجتهد فيها الإنسان، ويعمل على الإحاطة بالنصوص الواردة في المسألة؛ فربما أخذ أحد طرفي النقيض، وانحرف في فهم هذه النصوص، ونزلها على غير منازلها.
فمثلاً يقول النبي ﵌: (من تعلم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها)، فهذا أطلق عليه الكفر؛ لكنه ليس بالكفر الذي يخرج من الملة، وإنما هو كفر النعمة.
ويقول ﵌ أيضاً فيما رواه الشيخان: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم).
وقال أيضاً ﵌ فيمن أنكر نسبه: (تبرؤه من نسب وإن دق كفر بعد إيمان) أي: تبرؤ الرجل من الانتساب إلى والده، أو إنكاره ولده (وإن دق كفر بعد إيمان).
وقال ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر).
وقال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فوصفهم بالكفر لوقوع التقاتل بينهم.
لكن عندنا أدلة أخرى إذا ضممناها إلى هذه الأدلة نفهم أن وقوع القتال بين المسلمين يسمى كفراً كما سماه رسول الله ﷺ ، لكن هل هذا الكفر أكبر مخرج من الملة؟
الجواب
لا، ومن الأدلة التي تؤيد أن وقوع القتال لا يعد كفراً أكبر مخرجاً من الملة وإن كان يسمى كفراً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، فوصفهم أولاً بالإيمان، وأثبت لهم هذا الإيمان، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].
وكذا قوله ﷺ : (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)، وإن كان ليس فيه لفظ الكفر الذي نتكلم عنه.
ورأى الرسول ﷺ إلى الحسن بن علي ﵄ وقال: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)، فوصف الطائفتين المتقاتلتين والجيشين بأنهم من المسلمين رغم وقوع القتال بينهما.
وقال ﵊: (تمرق مارقة على حين فرقة من أمتي تقتلها أولى الطائفتين بالحق).
وقوله تبارك تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨] إلى أن قال ﵎: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فناداهم في صدر الآية بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ووصفهم وخاطبهم بالإيمان، ثم قال ﵎: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)، أي: إن عفى ولي الدم عن أخيه، فأثبت له أخوة الإيمان مع وجود الاقتتال بينهما.
وقال ﵌: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ .
وقال أيضاً: (من حلف بغير الله فقد كفر)، هل كفر بمعنى: خرج من الملة وصار مثل اليهودي أو النصراني؟ كلا.
كذلك قوله ﵌: (اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت).
وهذه الأحاديث لها نظائر كثيرة كالأحاديث التي نفت الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر.
وقال ﵌ أيضاً: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، فالمقصود: لا إيمان كاملاً.
ومعروف تفسير ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ لقوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، قال ابن عباس: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه.
وقال طاوس: سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: هو به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال أيضاً: كفر لا ينقل عن الملة.
وقال سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
وهذا فيمن رفع راية التوحيد، ورفع راية تحكيم الشريعة، ويكون ذلك في حال الخلافة الإسلامية، ثم إن قاض من القضاة حكم بغير ما أنزل الله، وهو يعلم أنه عاص بفعله ذلك، كأن يكون حكم برشوة أخذها، أو محسوبية لبعض أقاربه، أو مجاملة لبعض الناس، أو اتباعاً للهوى؛ فهذه معصية أو كفراً دون كفر، وليس بالكفر الذي يخرج من الملة، وهذا بخلاف من نبذ الدين خلف ظهره، ولم يرفع بذلك رأساً، كما سنبين إن شاء الله بالتفصيل فيما بعد.
ومن المسائل التي وصف فاعلها بالكفر: ترك الصلاة، فقد قال ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن ترك الصلاة فقد كفر)، وقوله: (بين المرء وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)، إلى جملة أخرى من النصوص التي فيها وصف تارك الصلاة بالكفر.
إذاً: ما هو الضابط؟ وما هو الميزان الذي نستطيع أن نعرف به أن الكفر أكبر أم هو كفر دون كفر؟ كذلك الظلم: هل الظلم أكبر يخرج من الملة أم هو ظلم دون ظلم لا يخرج فاعله من الملة وإن كان ينقص من الإيمان؟ فالكفر الأكبر يذهب بأصل الإيمان، والكفر الأصغر يذهب بكمال الإيمان، ينقص الإيمان لكن لا يطيح به بالكلية، كالشجرة إذا قطعت عنها بعض أغصانها أو فروعها تظل حقيقتها قائمة بخلاف ما إذا اجتثثتها من جذورها وأذهبتها بالكلية، فكيف نستطيع أن نضع ميزاناً دقيقاً لهذه الأشياء؟ ما ضابط الحكم على الفعل بأنه كفر دون كفر أو كفر أكبر، والظلم هل هو ظلم أكبر أو ظلم دون ظلم؟ فهناك بعض الناس لم يلتفت إلى هذه النصوص، فمن أجل ذلك جازفوا في الحكم على الناس بالكفر، وهو يعتمد على دليل شرعي لكنه يضعه في غير موضعه، فمثلاً يسمع أن من حلف بغير الله فقد أشرك فيحكم عليه بالشرك والكفر! لماذا تفعل هذا؟ يقول: لأن الرسول ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)! وبذلك التقى مع الخوارج الوعيدية في تكفير المؤمنين الموحدين الذين ارتكبوا بعض هذه المخالفات.
стр. 36
ضابط الإيمان والكفر
هذه المسألة وضحها الحافظ ابن القيم ﵀ في كتابه: (حكم تارك الصلاة)، ومعرفتها مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصح النفي أو الإثبات بعد ذلك.
فالكفر والإيمان متقابلان متضادان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر، فإذا زال الإيمان عن الإنسان ثبت له وصف الكفر؛ إذ لابد لكل واحد من الناس من إحدى هاتين الصفتين: إما أنه كافر وإما أنه مؤمن.
أما مسألة التوقف في الحكم على شخص، والإتيان بالمقاييس والكلام الفاسد، مثل قولهم مثلاً: هذا حرير طبيعي، وهذا حرير صناعي، وكلاهما ناعم الملمس، فنحن لا نستطيع أن نحكم على أحدهما حتى نتبين حقيقة كل منهما، فهذا كلام لغو، وعندما يريد الإنسان أن يميز بين شيئين فإنه ينبغي أن يركز على وجه الافتراق وليس على وجه الاتفاق، يقول لك: هذا رجل مسلم، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أو يلبس ملابس المسلمين، أو يقول: السلام وعليكم، أو يظهر أي شعيرة من شعائر الإسلام.
وأيضاً هناك آخرون كفروا من وجهة نظرهم هم، أو كفروا بالفعل، ويتلبسون ببعض هذه المظاهر الإسلامية، فيقول: هذا يظهر هذه الشعائر وهذا يظهرها، وأنا لا أدري من الصادق فيهما من الكاذب، إذاً: لابد أن نتوقف حتى نتبين صدق إيمانه بضوابط وقواعد اخترعوها وأحدثوها في دين الله ﵎.
في أي نوع من العلوم حينما تعقد مقارنة بين جهاز وجهاز، خلية وخلية، أو أي شيء تضع أوجه المقارنة وتقارن بينهما، وهل تذكر أوجه الاتفاق أم تميز بينهما بما يفترقان فيه؟ عند عقد المقارنة ينبغي أن تبحث عن وجه الافتراق وليس عند وجه الاتفاق، مثلاً: مسلم ونصراني، هذا يقول الشهادتين لكنه سب الدين، أو خرج من الملة بأي فعل من أفعال الكفر، فهذا هو الذي ينبغي أن يكون.
والمقصود أن الكفر والإيمان متقابلان، ولابد أن كل إنسان يكون في حالة من حالتين: إما أن يكون مؤمناً أو كافراً، أما المنزلة بين المنزلتين فهذا كلام خارج عن أصول وقواعد أهل السنة والجماعة.
لكن الإيمان أصل وأساس، ثم يتفرع عن هذا الأصل شعب وفروع متعددة، وكل شعبة من شعب الإيمان يجوز أن يطلق عليها إيماناً، فمثلاً: الصلاة شعبة من شعب الإيمان؛ لذلك تسمى أحياناً: إيماناً، كما في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنهم سألوا عن ذلك بعد تحويل القبلة إلى مكة المكرمة، فقالوا: فكيف بالصلاة التي كنا نصلي من قبل مستقبلين بيت المقدس؟ وماذا عن المسلمين الذين ماتوا قبل أن تحول القبلة وقد صلوا إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: ليحبط صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنكم في الحالين مستسلمون لأمر الله .
فشعبة الإيمان تسمى إيماناً، يقول النبي ﷺ : (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟! قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)، والمقصود من الحديث: نفي الإيمان عمن أساء الجوار، لكن هل الإنسان الذي يسيء إلى جاره يعتبر كافراً كاليهودي أو النصراني؟ كلا، لماذا؟ لأن شعب الإيمان تسمى إيماناً، لكن الإيمان له أصل، وهذا الأصل إذا ذهب زال الإيمان بالكلية وحل محله الكفر.
أما شعب الإيمان فإذا زالت فهي تنقص الإيمان لكن لا تحبطه بالكلية.
فالإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة من شعب الإيمان تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والحج يسمى إيماناً، والصيام كذلك، وليس هذا في الأعمال الظاهرة فقط بل أيضاً في الأعمال القلبية الباطنة كالتوكل على الله ، والخشية من الله، والإنابة إليه كل هذه الأعمال الباطنة تسمى إيماناً، يقول ﵌: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان).
إذاً: هذه هي القاعدة: شعب الإيمان تسمى إيماناً، لكن ليس معنى ذلك أن شعب الإيمان التي هي فروع الأصل هي كل الإيمان؛ بحيث إذا زالت زال كل الإيمان، لكنها تسمى إيماناً بوجودها، وازديادها يزيد الإيمان، وبذهاب بعضها ينقص الإيمان ما دام النقص في الشعب لا في الأصل نفسه.
فشعب الإيمان عبارة عن مراتب أعلاها: لا إله إلا الله، ثم تأتي أفعال أخرى من الإيمان تصل إلى سبعين شعبة، فالصلاة شعبة من الإيمان، والزكاة، والحج، والصيام وهكذا، ثم تأتي الأعمال الباطنة: الحياء، والتوكل، والخوف، والرجاء إلى آخره، ثم تنتهي بآخر درجة من شعب الإيمان، وهي: إماطة الأذى عن الطريق؛ لقوله ﵌: (وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)، وقوله أيضاً في الحديث الآخر: (نحي الأذى عن طريق المسلمين)، أو كما قال ﷺ .
كلما اقتربت الشعبة من الصلاة أو الشهادتين ازدادت خطورتها، بحيث إذا زالت من قلب المؤمن ومن سلوكه فإنها تهز إيمانه هزاً شديداً.
كذلك توجد شعب إيمان أخرى قد تقترب من شعبة إماطة الأذى عن الطريق، وكلما كانت أقرب لشعبة إماطة الأذى عن الطريق كان تخلفها أهون مما عداها.
يقول الحافظ ابن القيم ﵀ ﵎: الكفر والإيمان متقابلان، فإذا زال أحدهما خلفه الآخر، ولما كان الإيمان أصلاً له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحج والصيام، والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنه شعبة من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها، وإذا زالت زال الإيمان تماماً عن الإنسان وصار كافراً، مثل الشهادتين وكلمة التوحيد، رجل عنده حياء وكرم وصدق، وقل ما شئت من شعب الإيمان لكنه لم يشهد شهادة التوحيد، لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
فزوال شعبة التوحيد التي هي أصل الإيمان ينهي كل إيمانه ولا يعتد به.
ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، فمن رأى قشرة موز أو زجاجة أو أي شيء يؤذي الناس في الطريق ولم يزله فهو مقصر، وينقص إيمانه بحسب ما يترك من هذه الشعب، لكن إذا أساء بترك إماطة هذا الأذى هل يصبح كافراً بمجرد ذلك؟ كلا، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً.
إذاً: ما بين كلمة التوحيد وإماطة الأذى عن الطريق شعب تتفاوت تفاوتاً عظيماً، فمن هذه الشعب ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب.
كذلك الكفر له أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر.
فالحياء شعبة من شعب الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، فكل شعبة إذا كان وجودها من شعب الإيمان فزوالها يعد من شعب الكفر.
الصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر.
الحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر.
والقاعدة: أن المعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، هذا الأمر الثاني الذي نريد أن نستصحبه.
خلاصة الكلام: أن المعاصي كلها من شعب الكفر، ويمكن أن تسمى أحياناً كفراً كما في النصوص التي ذكرناها، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.
стр. 37
شعب الإيمان والكفر وأنواعهما
شعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية، وشعب الكفر أيضاً قولية وفعلية.
стр. 38
شعب الإيمان القولية والفعلية
شعب الإيمان القولية منها شعبة يكون بزوالها زوال الإيمان، مثل كلمة التوحيد فهي شعبة من شعب الإيمان القولية.
كذلك شعب الكفر قولية وفعلية، فقد يأتي الإنسان بشعبة من شعب الكفر يكون بقولها زوال الإيمان بالكلية مثل سب الدين، وسب نبي من الأنبياء، والاستهزاء بالله ﵎، فهذا إذا صدر من إنسان فهو يذهب كل الإيمان، فهو شعبة من شعب الكفر القولية كالنطق بكلمة الكفر مثلاً اختياراً، فهذا يحبط الإيمان فيصبح الإنسان كافراً خارجاً من الملة.
كذلك أيضاً يكفر بفعل شعبة من شعب الكفر الفعلية التي تحبط الإيمان تماماً مثل تمزيق المصحف، أو من يهين المصحف -والعياذ بالله- وهو يعلم بذلك، ومتعمد له، أو شخص سجد لصنم، فهذه شعبة من شعب الكفر الفعلية.
فشعب الإيمان منها قولية ومنها فعلية، وشعب الكفر منها شعب قولية ومنها فعلية، وكل هذه الأنواع في شعب الإيمان إذا زالت -القولية أو الفعلية- ممكن أن تزيل الإيمان بالكلية، كذلك هناك شعب من شعب الكفر إذا تعرض الإنسان لها فقد تزيل إيمانه بالكلية.
هذا أصل.
стр. 39
قول وعمل اللسان والقلب
الأصل الآخر هو: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وقول اللسان، قول القلب: بالاعتقاد والتصديق، يعني: تصديقك بأن محمداً ﵊ رسول الله، والقرآن كتاب الله، وهذه الأوامر هي أوامر الله، وهذه النواهي هي نواهي الله، فهذا هو التصديق الذي هو جزء من حقيقة الإيمان.
إذاً: حقيقة الإيمان: قول وعمل، القول: قول بالقلب وهو التصديق، وقول باللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام.
أما العمل فعملان أيضاً: عمل القلب وعمل الجوارح، عمل القلب: بأن يعمل الأعمال الصالحة بنية وإخلاص ومحبة وانقياد في العمل.
إذاً: حقيقة الإيمان تتركب من قول وعمل، لكن عندما نفصلها تتركب من أربعة: قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل بالأركان أو بالجوارح.
قول القلب: التصديق والاعتقاد.
وعمل القلب: انقياد القلب لهذه الأوامر وهذه التكاليف، والمحبة والانقياد لحكم الله ﵎، فإذا زالت هذه الأربع: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح زال الإيمان كله، أما إذا زال من إنسان تصديق القلب لكن تكلم بكلمة الإسلام، وعمل بعمل الجوارح، وأتى بعمل القلب، فهل تنفعه باقي الأجزاء؟ لا.
هذا هو المنافق.
وأما إذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، كمن يصدق بأن محمداً رسول الله ﵌، ومؤمن بأن الأمر بالصلاة من عند الله، وأن القرآن من عند الله، وأن محمداً ﵊ رسول الله حقاً، ولا ينطق عن الهوى، ولكنه لم ينقد لشريعته، ولا لأحكامه، فهذه المسألة من المعارك الكبرى بين أهل السنة وبين المرجئة، فإن المرجئة يقولون: إن الإيمان هو مجرد المعرفة! أما أهل السنة فهم مجمعون على زوال الإيمان إذا انتفى عمل القلب مع وجود التصديق، لماذا؟ لأن إبليس حينما أمره الله ﵎ بالسجود كان عنده تصديق بأن الأمر بالسجود من عند الله، وكان يعلم أن الذي يأمره بالسجود هو الله ﵎، لكن عمل قلبه وانقياد قلبه لهذا الحكم لم يتواجد، وزال عمل القلب مع وجود التصديق، فلم ينفعه وصار إمام الكافرين.
فرعون هل كان مصدقاً بموسى أم لم يكن مصدقاً بأن موسى رسول الله؟ نعم كان مصدقاً، والدليل: قوله ﵎ في سورة النمل في شأن فرعون وقومه: (وَجَحَدُوا بِهَا) أي: بالآيات ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، هذا القرآن يخبرنا أنهم كانوا على يقين كامل من صدق موسى ﵇، لكن كفرهم كان كفر جحود وعناد واستكبار، لكن في قلوبهم كانوا يصدقون.
مشركو قريش أيضاً كانوا يصدقون أن الرسول ﵊ من عند الله؛ ففي قلوبهم وجد قول القلب باعتقاد الصدق، والدليل قوله ﵎: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، يعني: من وصفهم إياك بأنك كذاب ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، كان يشق على النبي ﷺ حينما يسمع أذية المشركين له وهم يتهمونه بالكذب ﷺ ، فأنزل الله القرآن لإخباره بهذه الحقيقة التي يعلمها الله وحده ﵎، (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)، من اتهامك بهذه التهمة الشنيعة الكذب على الله والعياذ بالله، (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ)، اعلم أنهم في الحقيقة لا يكذبونك (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، فمشركو قريش كانوا على يقين بأن محمداً رسول الله حقاً، فالتصديق الذي هو قول القلب بالاعتقاد كان موجوداً لكن لم يوجد عمل القلب بالانقياد لهذا الدين، ولهذا النبي ﷺ نفي عنهم الإيمان.
كذلك أهل الكتاب كانوا كذلك، والدليل قوله ﵎: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، وآيات أخرى كثيرة تدل على أن أهل الكتاب كانوا على يقين أن النبي ﷺ صادق فيما يبلغه عن الله، لكن انتفى عمل القلب بالانقياد، وجد عمل القلب بالتصديق أن هذا من عند الله، لكن لم يشفعوه بانقياد القلب ومحبة وامتثال ما أمر به ﵌.
أيضاً عمل القلب داخل في حقيقة الإيمان، وحقيقة التصديق يدخل فيها العمل، والدليل على ذلك: قوله ﵎ في حق إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٥]، فمتى وصفه الله ﵎ بتصديق الرؤيا؟ إبراهيم ﵇ لما استيقظ من نومه بعد أن أوحي إليه في المنام أن يذبح ابنه كان مصدقاً بذلك، ولو لم يكن مصدقاً لما أقدم على ذبح ولده؛ لأنه يعلم أن هذا وحي من الله ﵎؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، ومع ذلك لما امتثل قلبه وجوارحه لهذا الأمر الإلهي الذي أريه في منامه حينئذ وصف بالتصديق: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥]، لما انضم إليه انقياد القلب والعمل.
خلاصة الكلام: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، القول: قول القلب: وهو اعتقاد الصدق.
وقول باللسان: وهو النطق بكلمة التوحيد.
ثم عمل: وهو عمل القلب بالنية والإخلاص والمحبة والانقياد، ثم عمل الجوارح، وإذا زالت هذه الأربع زال الإيمان كله بكماله، وإذا زال تصديق القلب زال الإيمان ولم تنفع بقية الأجزاء.
стр. 40
عقيدة أهل السنة إذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق
هذا هو موضع المعركة بين أهل السنة والمرجئة، حيث إن أهل السنة مجمعون على زوال الإيمان إذا انتفى عمل القلب مع وجود التصديق، وذكرنا أمثلة إبليس وفرعون واليهود والمشركين، هؤلاء جميعاً كانوا يعتقدون صدق رسول الله ﷺ ، وينفون عنه الكذب، لكن قالوا: لا نتبعه ولا نؤمن به، وما كانوا بذلك مؤمنين.
الخلاصة: ليس الإيمان مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه، كما أن اعتقاد التصديق -وإن سمي تصديقاً- ليس هو التصديق المستلزم للإيمان، والدليل قوله : ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥].
إذاً: معرفة الحق وتبينه هذا نوع من الهدى، فمن رأى الحق حقاً لكن لم يرزقه الله اتباعه، فهذا في المرتبة الثانية من الهداية، لكن هل هذه المرتبة تستلزم الاهتداء؟ كلا، أما الهدى الذي يترتب عليه الانقياد والعمل والامتثال فهذه هي المرتبة الثالثة التي تستلزم الاهتداء، فهؤلاء الذين ذكرنا أمثلتهم من المشركين أو فرعون أو إبليس أو غير ذلك من اليهود أو النصارى؛ عرفوا الحق ولكنهم لم ينقادوا له، فبذلك لم يصيروا مؤمنين.
يقول الإمام ابن القيم ﵀ ﵎: وها هنا أصل آخر، وهو: أن حقيقة الإيمان مؤكدة بالقول والعمل، والقول قسمان: قول القلب: وهو الاعتقاد، وقول اللسان: وهو التكلم بكلمة الإسلام.
والعمل قسمان: عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول ﷺ ، بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به، مثل أبي طالب لما قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا فـ أبو طالب كان يعلم أن الرسول ﵊ رسول من عند ربه، لكنه لم ينقد بقلبه لشرائعه؛ فلم ينفعه ذلك.
следующие страницы →