Полный текст (386 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ضابط الإيمان والكفر
هذه المسألة وضحها الحافظ ابن القيم ﵀ في كتابه: (حكم تارك الصلاة)، ومعرفتها مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصح النفي أو الإثبات بعد ذلك.
فالكفر والإيمان متقابلان متضادان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر، فإذا زال الإيمان عن الإنسان ثبت له وصف الكفر؛ إذ لابد لكل واحد من الناس من إحدى هاتين الصفتين: إما أنه كافر وإما أنه مؤمن.
أما مسألة التوقف في الحكم على شخص، والإتيان بالمقاييس والكلام الفاسد، مثل قولهم مثلاً: هذا حرير طبيعي، وهذا حرير صناعي، وكلاهما ناعم الملمس، فنحن لا نستطيع أن نحكم على أحدهما حتى نتبين حقيقة كل منهما، فهذا كلام لغو، وعندما يريد الإنسان أن يميز بين شيئين فإنه ينبغي أن يركز على وجه الافتراق وليس على وجه الاتفاق، يقول لك: هذا رجل مسلم، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أو يلبس ملابس المسلمين، أو يقول: السلام وعليكم، أو يظهر أي شعيرة من شعائر الإسلام.
وأيضاً هناك آخرون كفروا من وجهة نظرهم هم، أو كفروا بالفعل، ويتلبسون ببعض هذه المظاهر الإسلامية، فيقول: هذا يظهر هذه الشعائر وهذا يظهرها، وأنا لا أدري من الصادق فيهما من الكاذب، إذاً: لابد أن نتوقف حتى نتبين صدق إيمانه بضوابط وقواعد اخترعوها وأحدثوها في دين الله ﵎.
في أي نوع من العلوم حينما تعقد مقارنة بين جهاز وجهاز، خلية وخلية، أو أي شيء تضع أوجه المقارنة وتقارن بينهما، وهل تذكر أوجه الاتفاق أم تميز بينهما بما يفترقان فيه؟ عند عقد المقارنة ينبغي أن تبحث عن وجه الافتراق وليس عند وجه الاتفاق، مثلاً: مسلم ونصراني، هذا يقول الشهادتين لكنه سب الدين، أو خرج من الملة بأي فعل من أفعال الكفر، فهذا هو الذي ينبغي أن يكون.
والمقصود أن الكفر والإيمان متقابلان، ولابد أن كل إنسان يكون في حالة من حالتين: إما أن يكون مؤمناً أو كافراً، أما المنزلة بين المنزلتين فهذا كلام خارج عن أصول وقواعد أهل السنة والجماعة.
لكن الإيمان أصل وأساس، ثم يتفرع عن هذا الأصل شعب وفروع متعددة، وكل شعبة من شعب الإيمان يجوز أن يطلق عليها إيماناً، فمثلاً: الصلاة شعبة من شعب الإيمان؛ لذلك تسمى أحياناً: إيماناً، كما في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنهم سألوا عن ذلك بعد تحويل القبلة إلى مكة المكرمة، فقالوا: فكيف بالصلاة التي كنا نصلي من قبل مستقبلين بيت المقدس؟ وماذا عن المسلمين الذين ماتوا قبل أن تحول القبلة وقد صلوا إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: ليحبط صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنكم في الحالين مستسلمون لأمر الله .
فشعبة الإيمان تسمى إيماناً، يقول النبي ﷺ : (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟! قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)، والمقصود من الحديث: نفي الإيمان عمن أساء الجوار، لكن هل الإنسان الذي يسيء إلى جاره يعتبر كافراً كاليهودي أو النصراني؟ كلا، لماذا؟ لأن شعب الإيمان تسمى إيماناً، لكن الإيمان له أصل، وهذا الأصل إذا ذهب زال الإيمان بالكلية وحل محله الكفر.
أما شعب الإيمان فإذا زالت فهي تنقص الإيمان لكن لا تحبطه بالكلية.
فالإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة من شعب الإيمان تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والحج يسمى إيماناً، والصيام كذلك، وليس هذا في الأعمال الظاهرة فقط بل أيضاً في الأعمال القلبية الباطنة كالتوكل على الله ، والخشية من الله، والإنابة إليه كل هذه الأعمال الباطنة تسمى إيماناً، يقول ﵌: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان).
إذاً: هذه هي القاعدة: شعب الإيمان تسمى إيماناً، لكن ليس معنى ذلك أن شعب الإيمان التي هي فروع الأصل هي كل الإيمان؛ بحيث إذا زالت زال كل الإيمان، لكنها تسمى إيماناً بوجودها، وازديادها يزيد الإيمان، وبذهاب بعضها ينقص الإيمان ما دام النقص في الشعب لا في الأصل نفسه.
فشعب الإيمان عبارة عن مراتب أعلاها: لا إله إلا الله، ثم تأتي أفعال أخرى من الإيمان تصل إلى سبعين شعبة، فالصلاة شعبة من الإيمان، والزكاة، والحج، والصيام وهكذا، ثم تأتي الأعمال الباطنة: الحياء، والتوكل، والخوف، والرجاء إلى آخره، ثم تنتهي بآخر درجة من شعب الإيمان، وهي: إماطة الأذى عن الطريق؛ لقوله ﵌: (وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)، وقوله أيضاً في الحديث الآخر: (نحي الأذى عن طريق المسلمين)، أو كما قال ﷺ .
كلما اقتربت الشعبة من الصلاة أو الشهادتين ازدادت خطورتها، بحيث إذا زالت من قلب المؤمن ومن سلوكه فإنها تهز إيمانه هزاً شديداً.
كذلك توجد شعب إيمان أخرى قد تقترب من شعبة إماطة الأذى عن الطريق، وكلما كانت أقرب لشعبة إماطة الأذى عن الطريق كان تخلفها أهون مما عداها.
يقول الحافظ ابن القيم ﵀ ﵎: الكفر والإيمان متقابلان، فإذا زال أحدهما خلفه الآخر، ولما كان الإيمان أصلاً له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحج والصيام، والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنه شعبة من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها، وإذا زالت زال الإيمان تماماً عن الإنسان وصار كافراً، مثل الشهادتين وكلمة التوحيد، رجل عنده حياء وكرم وصدق، وقل ما شئت من شعب الإيمان لكنه لم يشهد شهادة التوحيد، لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
فزوال شعبة التوحيد التي هي أصل الإيمان ينهي كل إيمانه ولا يعتد به.
ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، فمن رأى قشرة موز أو زجاجة أو أي شيء يؤذي الناس في الطريق ولم يزله فهو مقصر، وينقص إيمانه بحسب ما يترك من هذه الشعب، لكن إذا أساء بترك إماطة هذا الأذى هل يصبح كافراً بمجرد ذلك؟ كلا، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً.
إذاً: ما بين كلمة التوحيد وإماطة الأذى عن الطريق شعب تتفاوت تفاوتاً عظيماً، فمن هذه الشعب ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب.
كذلك الكفر له أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر.
فالحياء شعبة من شعب الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، فكل شعبة إذا كان وجودها من شعب الإيمان فزوالها يعد من شعب الكفر.
الصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر.
الحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر.
والقاعدة: أن المعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، هذا الأمر الثاني الذي نريد أن نستصحبه.
خلاصة الكلام: أن المعاصي كلها من شعب الكفر، ويمكن أن تسمى أحياناً كفراً كما في النصوص التي ذكرناها، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.
стр. 37
شعب الإيمان والكفر وأنواعهما
شعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية، وشعب الكفر أيضاً قولية وفعلية.
стр. 38
شعب الإيمان القولية والفعلية
شعب الإيمان القولية منها شعبة يكون بزوالها زوال الإيمان، مثل كلمة التوحيد فهي شعبة من شعب الإيمان القولية.
كذلك شعب الكفر قولية وفعلية، فقد يأتي الإنسان بشعبة من شعب الكفر يكون بقولها زوال الإيمان بالكلية مثل سب الدين، وسب نبي من الأنبياء، والاستهزاء بالله ﵎، فهذا إذا صدر من إنسان فهو يذهب كل الإيمان، فهو شعبة من شعب الكفر القولية كالنطق بكلمة الكفر مثلاً اختياراً، فهذا يحبط الإيمان فيصبح الإنسان كافراً خارجاً من الملة.
كذلك أيضاً يكفر بفعل شعبة من شعب الكفر الفعلية التي تحبط الإيمان تماماً مثل تمزيق المصحف، أو من يهين المصحف -والعياذ بالله- وهو يعلم بذلك، ومتعمد له، أو شخص سجد لصنم، فهذه شعبة من شعب الكفر الفعلية.
فشعب الإيمان منها قولية ومنها فعلية، وشعب الكفر منها شعب قولية ومنها فعلية، وكل هذه الأنواع في شعب الإيمان إذا زالت -القولية أو الفعلية- ممكن أن تزيل الإيمان بالكلية، كذلك هناك شعب من شعب الكفر إذا تعرض الإنسان لها فقد تزيل إيمانه بالكلية.
هذا أصل.
стр. 39
قول وعمل اللسان والقلب
الأصل الآخر هو: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وقول اللسان، قول القلب: بالاعتقاد والتصديق، يعني: تصديقك بأن محمداً ﵊ رسول الله، والقرآن كتاب الله، وهذه الأوامر هي أوامر الله، وهذه النواهي هي نواهي الله، فهذا هو التصديق الذي هو جزء من حقيقة الإيمان.
إذاً: حقيقة الإيمان: قول وعمل، القول: قول بالقلب وهو التصديق، وقول باللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام.
أما العمل فعملان أيضاً: عمل القلب وعمل الجوارح، عمل القلب: بأن يعمل الأعمال الصالحة بنية وإخلاص ومحبة وانقياد في العمل.
إذاً: حقيقة الإيمان تتركب من قول وعمل، لكن عندما نفصلها تتركب من أربعة: قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل بالأركان أو بالجوارح.
قول القلب: التصديق والاعتقاد.
وعمل القلب: انقياد القلب لهذه الأوامر وهذه التكاليف، والمحبة والانقياد لحكم الله ﵎، فإذا زالت هذه الأربع: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح زال الإيمان كله، أما إذا زال من إنسان تصديق القلب لكن تكلم بكلمة الإسلام، وعمل بعمل الجوارح، وأتى بعمل القلب، فهل تنفعه باقي الأجزاء؟ لا.
هذا هو المنافق.
وأما إذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، كمن يصدق بأن محمداً رسول الله ﵌، ومؤمن بأن الأمر بالصلاة من عند الله، وأن القرآن من عند الله، وأن محمداً ﵊ رسول الله حقاً، ولا ينطق عن الهوى، ولكنه لم ينقد لشريعته، ولا لأحكامه، فهذه المسألة من المعارك الكبرى بين أهل السنة وبين المرجئة، فإن المرجئة يقولون: إن الإيمان هو مجرد المعرفة! أما أهل السنة فهم مجمعون على زوال الإيمان إذا انتفى عمل القلب مع وجود التصديق، لماذا؟ لأن إبليس حينما أمره الله ﵎ بالسجود كان عنده تصديق بأن الأمر بالسجود من عند الله، وكان يعلم أن الذي يأمره بالسجود هو الله ﵎، لكن عمل قلبه وانقياد قلبه لهذا الحكم لم يتواجد، وزال عمل القلب مع وجود التصديق، فلم ينفعه وصار إمام الكافرين.
فرعون هل كان مصدقاً بموسى أم لم يكن مصدقاً بأن موسى رسول الله؟ نعم كان مصدقاً، والدليل: قوله ﵎ في سورة النمل في شأن فرعون وقومه: (وَجَحَدُوا بِهَا) أي: بالآيات ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، هذا القرآن يخبرنا أنهم كانوا على يقين كامل من صدق موسى ﵇، لكن كفرهم كان كفر جحود وعناد واستكبار، لكن في قلوبهم كانوا يصدقون.
مشركو قريش أيضاً كانوا يصدقون أن الرسول ﵊ من عند الله؛ ففي قلوبهم وجد قول القلب باعتقاد الصدق، والدليل قوله ﵎: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، يعني: من وصفهم إياك بأنك كذاب ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، كان يشق على النبي ﷺ حينما يسمع أذية المشركين له وهم يتهمونه بالكذب ﷺ ، فأنزل الله القرآن لإخباره بهذه الحقيقة التي يعلمها الله وحده ﵎، (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)، من اتهامك بهذه التهمة الشنيعة الكذب على الله والعياذ بالله، (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ)، اعلم أنهم في الحقيقة لا يكذبونك (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، فمشركو قريش كانوا على يقين بأن محمداً رسول الله حقاً، فالتصديق الذي هو قول القلب بالاعتقاد كان موجوداً لكن لم يوجد عمل القلب بالانقياد لهذا الدين، ولهذا النبي ﷺ نفي عنهم الإيمان.
كذلك أهل الكتاب كانوا كذلك، والدليل قوله ﵎: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، وآيات أخرى كثيرة تدل على أن أهل الكتاب كانوا على يقين أن النبي ﷺ صادق فيما يبلغه عن الله، لكن انتفى عمل القلب بالانقياد، وجد عمل القلب بالتصديق أن هذا من عند الله، لكن لم يشفعوه بانقياد القلب ومحبة وامتثال ما أمر به ﵌.
أيضاً عمل القلب داخل في حقيقة الإيمان، وحقيقة التصديق يدخل فيها العمل، والدليل على ذلك: قوله ﵎ في حق إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٥]، فمتى وصفه الله ﵎ بتصديق الرؤيا؟ إبراهيم ﵇ لما استيقظ من نومه بعد أن أوحي إليه في المنام أن يذبح ابنه كان مصدقاً بذلك، ولو لم يكن مصدقاً لما أقدم على ذبح ولده؛ لأنه يعلم أن هذا وحي من الله ﵎؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، ومع ذلك لما امتثل قلبه وجوارحه لهذا الأمر الإلهي الذي أريه في منامه حينئذ وصف بالتصديق: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥]، لما انضم إليه انقياد القلب والعمل.
خلاصة الكلام: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، القول: قول القلب: وهو اعتقاد الصدق.
وقول باللسان: وهو النطق بكلمة التوحيد.
ثم عمل: وهو عمل القلب بالنية والإخلاص والمحبة والانقياد، ثم عمل الجوارح، وإذا زالت هذه الأربع زال الإيمان كله بكماله، وإذا زال تصديق القلب زال الإيمان ولم تنفع بقية الأجزاء.
стр. 40
عقيدة أهل السنة إذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق
هذا هو موضع المعركة بين أهل السنة والمرجئة، حيث إن أهل السنة مجمعون على زوال الإيمان إذا انتفى عمل القلب مع وجود التصديق، وذكرنا أمثلة إبليس وفرعون واليهود والمشركين، هؤلاء جميعاً كانوا يعتقدون صدق رسول الله ﷺ ، وينفون عنه الكذب، لكن قالوا: لا نتبعه ولا نؤمن به، وما كانوا بذلك مؤمنين.
الخلاصة: ليس الإيمان مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه، كما أن اعتقاد التصديق -وإن سمي تصديقاً- ليس هو التصديق المستلزم للإيمان، والدليل قوله : ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥].
إذاً: معرفة الحق وتبينه هذا نوع من الهدى، فمن رأى الحق حقاً لكن لم يرزقه الله اتباعه، فهذا في المرتبة الثانية من الهداية، لكن هل هذه المرتبة تستلزم الاهتداء؟ كلا، أما الهدى الذي يترتب عليه الانقياد والعمل والامتثال فهذه هي المرتبة الثالثة التي تستلزم الاهتداء، فهؤلاء الذين ذكرنا أمثلتهم من المشركين أو فرعون أو إبليس أو غير ذلك من اليهود أو النصارى؛ عرفوا الحق ولكنهم لم ينقادوا له، فبذلك لم يصيروا مؤمنين.
يقول الإمام ابن القيم ﵀ ﵎: وها هنا أصل آخر، وهو: أن حقيقة الإيمان مؤكدة بالقول والعمل، والقول قسمان: قول القلب: وهو الاعتقاد، وقول اللسان: وهو التكلم بكلمة الإسلام.
والعمل قسمان: عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول ﷺ ، بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به، مثل أبي طالب لما قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا فـ أبو طالب كان يعلم أن الرسول ﵊ رسول من عند ربه، لكنه لم ينقد بقلبه لشرائعه؛ فلم ينفعه ذلك.
стр. 41
أنواع الكفر
الأصل التاني هو: أن الكفر نوعان: كفر اعتقاد وكفر عمل، قال ابن القيم ﵀: وهنا أصل آخر، وهو: أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد.
فكفر الجحود: أن يكفر بما علم أن الرسول ﷺ جاء به من عند الله جحوداً وعناداً من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه.
وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، أي: أن كفر الجحود والتكذيب يضاد الإيمان ولا يمكن أن يجتمع مع الإيمان؛ ففاعله كافر كفراً أكبر.
إذاً: كفر الاعتقاد كله يخرج من الملة إذا كان كفر جحود.
أما كفر العمل فمنه ما يخرج من الملة ومنه ما لا يخرج من الملة، وقد يجتمع مع الإيمان مع تسميته كفراً.
يقول: وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم كفر عملي، لكن من أي النوعين هو: هل هو مما يجتمع مع الإيمان أم مما يضاده من كل وجه؟ السجود للصنم، والامتهانة للمصحف، وقتل النبي، وسب الرسول ﵌ أو أحد من الأنبياء؛ هذا كله يضاد الإيمان، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يجتمع الإيمان مع وجود شيء من هذه الأفعال، هذا وإن كان كفراً عملياً فمنه ما يخرج تماماً من الملة ومنه ما لا يخرج من الملة، مثل: الحكم بغير ما أنزل الله كما ذكرنا ووضحنا، ومثل: ترك الصلاة، فتركها كفر عملي قطعاً، ولا يمكن أن ينفى عن فاعل هذا الوزر اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله ﷺ عليه، فالله ﵎ سمى من يحكم بغير ما أنزل الله كافراً، فقال ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وسمى رسول الله ﵌ تارك الصلاة كافراً، ولكنه كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يسمي الله الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ويسمي رسول الله ﷺ تارك الصلاة كافراً، ولا يطلق عليهما اسم الكفر! فهما يستحقان اسم الكفر لكن الخلاف: هل هذا كفر يخرج من الملة، ويضاد الإيمان تماماً، أم لا يضاد الإيمان ولا يحبطه بالكلية؟ أيضاً نفى رسول الله ﵌ الإيمان عن الزاني فقال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وأخبر عمن شرع في هذه المعصية -والعياذ بالله- أنه يخرج الإيمان من قلبه، ويبقى فوق رأسه مثل المظلة أو السحابة، ثم يرجع إليه الإيمان.
وكذلك السارق إذا سرق: (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن).
كذلك نفى الإيمان عن شارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، فإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، لكن ينتفي عنه كفر الجحود والاعتقاد، فالزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو غير ذلك مما وصف بالكفر كفر عملي، وقد يجامع الإيمان وقد لا يجامع كما بينا.
يقول ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)؛ فيؤخذ من هذا الحديث: أن القتال بين اثنين من المسلمين أو طائفتين من المسلمين من الكفر، لكن هذا الكفر من الكفر العملي، فهو لا يخرج من الملة، ولا يضاد الإيمان تماماً.
إذاً: الكفر العملي منه ما لا يضاد الإيمان، وقد يوجد في الإنسان، وكما قلنا: إن شعب الإيمان -البضع والسبعون- تسمى إيماناً، وشعب الكفر تسمى كفراً، فعندما يفعل الإنسان شعبة من شعب الكفر يقال: إن هذا الشخص فعل شيئاً من أفعال الكفر، وهذا الفاعل كما جاءت الأحاديث يسمى فاعله كافراً، لكن يحكم له بالإيمان ووجود أصل الإيمان، وإن نقص إيمانه بحسب ما ارتكب من هذه المخالفات، مثلاً: قول النبي ﷺ : (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، فهذا كفر عملي.
стр. 42
قاعدة أهل السنة والجماعة في تكفير المعين
قال ﵊: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما) رواه البخاري يعني: رجع بها أحدهما، لماذا؟ لأن هذا المسلم إن كان فعل فعلاً من أفعال الكفر مثل سب الرسول، أو الدين، أو إهانة المصحف، فإذا قال له: يا كافر؛ فإن كان كما قال وكان صادقاً في الحكم عليه ببينة فهو فعلاً كافر، لكن هذا المسلم إذا لم يكن مستحقاً بأن يوصف بالكفر فإن هذا الشخص الذي وصفه بالكفر يعود عليه الحكم بالكفر؛ ولذلك دائماً نقول: إن القوم الذين يعتقدون أنه لا يوجد كفر دون كفر، وأن كل الكفر يخرج من الملة، نقول: أنتم أولى بالتورع عن إطلاق الحكم بالكفر على المسلمين؛ لأننا أهل السنة والجماعة إذا اعتقدنا أن الشخص إذا حكم على آخر بالكفر، وقال له: يا كافر! ظلماً وعدوناً؛ فإنه يأثم بذلك، ويسمى كافراً، ويقال: إنه أتى بشعبة من شعب الكفر العملي، وهي شعبة تنقص إيمانه، ولكن لا يخرج بها من الملة، أما هم فإذا أخطئوا في الحكم على شخص بالكفر، وكان هذا الشخص غير كافر في الحقيقة؛ فبنص الحديث سيعود حكم الكفر عليه هو، فيصبح كافراً، وهو لا يعتقد أن هناك كفراً دون كفر، وكل الكفر عنده يخرج من الملة، فإذاً هذا يستلزم فيه مزيداً من الاحتياط في حقه هو؛ لأنه إذا وصف أحداً بالكفر واستحق الكفر إذا أخطأ في الحكم على أخيه بالكفر، فسيكون كافراً كفراً أكبر مخرجاً من الملة في اعتقاده لا كما هو الأمر في الحقيقة؛ فلذلك يجب الحذر في حقه من إطلاق الكفر أكثر من غيره.
وقد سمى الله من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمناً بما عمل به وكافراً بما ترك العمل به، قال ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة:٨٤]، (تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ) المقصود: إخوانكم؛ لأن من شدة الرابطة بين المؤمنين وأصحاب العقيدة الواحدة أن الله ﵎ يعبر بالأنفس عن الإخوان في الله، فهذا دليل من هذه الأدلة: (وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ) يعني: لا تخرجون إخوانكم في الدين، ومثل هذا قوله: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] يعني: لا تلمزوا إخوانكم، وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] يعني: على إخوانكم على بعض التفاسير، وقوله: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] يعني: بإخوانهم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٨٤ - ٨٥] يعني: إخوانكم، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْم الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥].
فأخبر أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم بأنه لا يقتل بعضهم بعضاً، وشهدوا بذلك، ولا يخرجوا بعضهم بعضاً من ديارهم، ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقاً آخر، وأخرجوهم من ديارهم، فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق كافرين بما تركوه منه، فهذا الإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي.
стр. 43
قول أهل السنة في أهل المعاصي
قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، ففرق بين قتاله وسبابه، وجعل السباب- فسوقاً لا يكفر به، والآخر -القتال- كفراً، ومن المعلوم أنه أراد هنا الكفر العملي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، هذا التفسير هو قول الصحابة ﵃ الذين هم أعلم هذه الأمة بكتاب الله، وأعلم الأمة بالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين الذين أتوا بعد الصحابة ما فهموا كما فهم الصحابة، فانقسموا فريقين: فريق أخرجوا العاصي من الملة بالكلية وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، واستدلوا بالأدلة التي فيها نص على بعض الكبائر بالكفر وقالوا: من يفعل هذه الأشياء كافر وخارج من الملة.
وفريق آخر اشتط في الجانب الآخر وجعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، وهم المرجئة، فالخوارج ومن تابعهم غلوا وهؤلاء فرطوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل: أن هذا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم.
стр. 44
الظلم على قاعدة أهل السنة
قال سفيان بن عيينة: عن هشام بن جحير عن طاوس عن ابن عباس ﵄ في قوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] قال: ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه، قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وقال في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة.
وقال طاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة.
وقال وكيع: عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه؛ فإن الله سمى الحاكم بغير ما أنزله كافراً، ويسمى الجاحد ما أنزله على رسوله أيضاً كافراً، وليس الكافران على حد سواء، ويسمى الكافر ظالماً، كما في قوله ﵎: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، فسمى الكافرين ظالمين، وسمى المتعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالماً، فقال ﵎ بعدما أشار إلى بعض أحكام الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١]؛ فوصفه بالظلم، والكافرون أيضاً وصفهم بالظلم كما قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، لكن هل هذا الظلم مثل هذا الظلم؟ لا، فتماثل الأسماء لا يقتضي تماثل المسميات، بل قال يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فهل قوله: (من الظالمين) يعني: من الكافرين؟ كلا.
لكن هذا ظلم دون ظلم بل هي في حق الأنبياء من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذه معاصي في حق الأنبياء بالنسبة إلى علو مقامهم، لكنها في حق غيرهم من البشر لا تكون معاصي على الإطلاق، إنما يكون النبي يفعل فعلاً معيناً وهو يظن أنه يرضي الله، ويتضح بعد ذلك أنه لم يوافق مرضاة الله ﵎، أو يفعل فعلاً كان الأولى ألا يفعله لكنه لا يأثم بذلك، وقد عقد الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه (الفصل) فصلاً طويلاً تتبع فيه جميع النصوص التي فيها ما يوهم نسبة المعاصي إلى الأنبياء، وبين تنزيههم عن المعاصي.
وهؤلاء المبتدعة أدى بهم الجهل الفاحش إلى إنكار أن يكون هناك ظلم دون ظلم، وقالوا: إن كل ظلم هو كفر مخرج من الملة، فكان بعض الإخوة حينما يناقشونهم يقول: سنأتي لهم بأدلة تفحمهم تماماً ويسكتون على المعارضة، فقال: قال يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فقالوا: يونس أيضاً كان كافراً، والعياذ بالله! وقالوا: آدم كفر ثم دخل في الإسلام من جديد: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧]، ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، ففسروا الظلم هنا على أنه ظلم أكبر، وقالوا: إن الأنبياء كفروا والعياذ بالله، سبحان الله! الأمة مجمعة على عصمة الأنبياء من الكفر، وعن كبائر الذنوب، بل وعن صغائرها على القول الراجح، فقول آدم ﵇: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا)، هذا ظلم دون الظلم الذي جاء في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤].
وقول موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦]، وموسى ﵇ ما تعمد قتل ذلك الرجل، ولكنه كان شديد القوة عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وما تعمد أن يقتله؛ لذا قال هنا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦]، فوصف نفسه بالظلم، فهل هذا مثل الظلم في قوله ﵎: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)؟ ليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم.
وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، هل الظلم هنا ظلم دون ظلم أم ظلم أكبر؟ ظلم أكبر، والدليل قوله ﵎ حاكياً عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فهذا ظلم أكبر، وشرك يخرج من الملة تماماً، كما في قوله: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
стр. 45
الفسق على قاعدة أهل السنة
كما سمي الكافر كفراً أكبر ظالماً يسمى أيضاً فاسقاً، كما في قوله ﵎: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة:٢٦ - ٢٧]، فهذا الفسق فسق أكبر مخرج من الملة.
ويقول ﵎: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة:٩٩]، فهذا فسق أكبر، وهو كثير في القرآن، وليس الفسق كله أكبر، فهناك فسق دون فسق، كما في قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]، فهذا فسق لكنه فسق دون فسق.
كذلك قوله ﵎: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢].
وقال : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤]، فمن قذف المحصنات وصف بالفسق، لكن هل هو الفسق الأكبر المخرج من الملة؟ كلا.
والدليل: أن إقامة الحد عليه دون حد المرتد، ولو أن الذي يقذف المحصنات يصير فاسقاً فسقاً أكبر مخرجاً من الملة، فلو أقيم عليه حد لكان حد الردة لحديث: (من بدل دينه فاقتلوه)، لكن حد هذا جلد ثمانين جلدة، وهو حد القاذف، فدل على أنه مسلم.
على أي الأحوال: من الأبحاث المهمة: أن بعض الأفعال اختلف علماء أهل السنة في أنها إذا تركت ينقض الإيمان، مثل ترك الإنسان شيئاً من أركان الإسلام بلا جحود، فهذه مسائل خلاف، مثل ترك الصلاة أو الزكاة أو الحج أو غير ذلك، لكنه كافر كفراً أكبر إذا جحدها، أما إذا تركها تكاسلاً أو اتباعاً للهوى أو بخلاً أو نحو هذا؛ فهناك خلاف بين العلماء، والخلاف الحاصل في تارك الصلاة أقوى من الخلاف في غيرها، وجمهور العلماء لا يكفرون تارك الصلاة كفراً يخرجه من الملة، مع اتفاقهم على أنه أشد وزراً من السارق والزاني وقاتل النفس وشارب الخمر والمرابي، فكل هذه الآثام ترك الصلاة أشد إثماً منها، وهذا على قول من لا يكفره.
أما تارك الزكاة فالأقرب -والله أعلم- أنه لا يكفر بذلك إلا إذا جحد، وكذلك تارك الحج وسائر الأركان.
يقول الله ﵎ عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، ففسق إبليس هل كان فسقاً أكبر أم كان فسقاً دون فسق؟ هو فسق أكبر.
ويقول ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فهل هذا الفسوق كفسق إبليس؟ وهل هذا الفسوق كقوله: (والكافرون هم الفاسقون)؟ كلا.
стр. 46
الجهل والشرك على قاعدة أهل السنة
كما أن الكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان، فإن الجهل جهلان، مثل قوله ﵎: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
وهناك جهل غير مكفر، كما في قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، فهنا جهل عملي، مثل قوله ﵊ في الدعاء إذا خرج من البيت: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ).
وكما يقول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فهذا جهل عملي، وليس بالجهل الأكبر المخرج من الملة.
كذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة، ويخرج من الملة، وهو الشرك الأكبر، وهناك شرك دون شرك، وهو الشرك الأصغر؛ كشرك العمل (الرياء).
قال ﵎ في الشرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢]، فهذا شرك أكبر.
وقال ﵎: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
أما ما دون ذلك، فقال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وهذا شرك الرياء كما فسره العلماء بذلك، وهو أن يعمل عملاً لغير الله، يعمله مراءاة للناس، فهذا شرك دون شرك.
والشرك الأصغر يدل عليه قوله ﵌: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، ولذلك قال ﵊: (من قال: واللات، فليقل: لا إله إلا الله)، فهذه معصية كفارتها أن تقول كلمة التوحيد.
أيضاً من هذا الشرك الذي هو دون شرك، ما ورد في قوله ﵌: (الشرك في هذه الأمة -أي: الأمة المحمدية- أخفى من دبيب النمل)، وذكر ﵌ في نفس الحديث صورة لذلك فقال: (أن يقوم الرجل في صلاته فيطيلها لما يعلم من نظر الناس إليه)، فهذا أيضاً شرك عملي، أو شرك دون شرك.
فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما لا ينقل عنها.
стр. 47
النفاق على قاعدة أهل السنة
النفاق نوعان: نفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد: هو الذي أنكره الله ﵎ على المنافقين في القرآن، وهو الذي أوجب لهم الدرك الأسفل من النار.
ونفاق العمل، كما في قوله ﵌ في الحديث الصحيح: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).
وفي الصحيح أيضاً يقول ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان).
وهذا نفاق عملي قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه من الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً، ولذلك قال ﵊: (أربع من كن فيه -يعني: استحكمت فيه- كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها)، لكن إذا اجتمعت تماماً وتمكنت في هذا الشخص، فهذا في الغالب يكون منافقاً نفاقاً أكبر.
يقول إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة، هل يكون مصراً من كانت هذه حاله؟ قال: هو مصر مثل قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام، يخرج من الإيمان الكامل، ويرتفع عنه هذا الوصف الشريف، لكن ما زال في دائرة الإسلام.
ونحو قوله: (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن).
ونحو قول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
قال إسماعيل بن سعيد: فقلت له: ما هذا الكفر؟ قال: كفر لا ينقل عن الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه.
стр. 48
أصل أهل السنة في اجتماع الكفر والإيمان في الشخص
الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وهذا من أعظم أصول أهل السنة: أنها قد تجتمع هذه الأشياء في الرجل الواحد، وخالفهم في ذلك غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل، وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة رضي الله ﵎ عنهم.
أما القرآن: فيقول الله ﵎: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فهذه الآية تدل على أنه قد يجتمع الإيمان مع الشرك الذي يخالفه، فأثبت لهم إيماناً به مع الشرك، لكن لابد أن نتذكر أن هناك نوعاً من الشرك لا يمكن أن يقترن مع الإيمان، يعني: إذا كان أصل الإيمان موجوداً قد يجتمع مع أشياء يطلق عليها شرك، لكن ليس بالشرك الذي يخرج من الملة.
قال ﵎: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٤]، فأثبت لهم إسلاماً وطاعة لله ورسوله ﷺ مع نفي الإيمان عنهم، وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه.
والإيمان المطلق هو مثل الذي في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:١٥]، وهؤلاء الذين ورد ذكرهم في آخر سورة الحجرات ليسوا بمنافقين في أصح القولين، بل هم مسلمون معهم شيء من طاعة الله ورسوله ﷺ ، وليسوا مؤمنين وإن كان معهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفر.
يقول الإمام أحمد ﵀ ﵎: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن -يريد الزنا والسرقة وشرب الخمر والانتهاك- فهو مسلم ولا أسميه مؤمناً، ومن أتى دون ذلك -يريد دون الكبائر- سميته مؤمناً ناقص الإيمان، ودل على هذا قوله ﷺ : (فمن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق)، فدل على أن النفاق يجتمع مع أصل الإيمان، وأن الرجل قد يجتمع فيه نفاق وإسلام، وكذلك الرياء شرك، فإذا اجتمع في رجل الشرك والإسلام، حكم بغير ما أنزل الله، أو فعل ما سماه رسول الله ﷺ كفراً، وهو ملتزم بالإسلام وشرائعه؛ فقد قام فيه كفر وإسلام، لكن تذكروا أنه كفر لا ينقل عن الملة، وكفر لا ينافي أصل الإيمان.
وقد بينا أن من المعاصي ما هي شعب من شعب الكفر، كما أن من الطاعات ما هي شعب من شعب الإيمان، فالعبد تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان، وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمناً وقد لا يسمى، كما أنه قد يسمى بشعب الكفر كافراً، وقد لا يطلق عليه هذا الاسم.
أيضاً لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، مثلاً: رجل كافر ولكنه كريم يحسن إلى الفقراء والمساكين والضعفاء واليتامى، فهذا قامت به شعبة من شعب الإيمان، وهي الإحسان إلى الخلق، لكن هل يسمى بذلك مؤمناً؟ كلا، فلا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً وإن كان ما قام به إيماناً، ولا من قامت به شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافراً وإن كان ما قام به كفراً.
ولذلك نذكر الناس عموماً بهذه المسألة: بعض الناس يتعامل مع بعض الكفار أو النصارى أو غيرهم فيزين له الشيطان أن يمتدح هؤلاء الكافرين فيقول: هذا رجل صادق، ويفي بوعده، ويحترم مواعيده، ويثني على هذا الكافر، ويتعامى عن أمر خطير جداً؛ لأنه قد يفضله على المسلمين والعياذ بالله! وهذا من الخذلان، لأنه يجب على الإنسان أن يعدل في الغضب والرضا، فهل تساوي المسلم الذي معه كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ويصلي ويصوم ويزكي ويحج برجل عنده حياء أو كرم أو إحسان إلى الخلق؟! من الجور الغفلة عن هذا الأمر.
فأصل الإيمان الموجود مع المسلم لا يمكن أن يساويه أبداً من أتى شعباً من الإيمان، ولا يصر بذلك مؤمناً.
إذاً: القاعدة الأخيرة هي: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، وإن كان ما قام به إيماناً، فمثلاً الإحسان إلى الجار إيمان، فإن وجد يهودي أو نصراني فيه إحسان إلى الجار لا يسمى مؤمناً، وإن كان ما قام به هو في حد ذاته إيماناً.
كذلك لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد أن يسمى كافراً، وإن كان ما قام به كفراً، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالماً، فلو أنك أتقنت دراسة مسألة من مسائل العلم في الطهارة أو الصلاة أو غير ذلك، وكنت عارفاً بهذه الجزئية، فهل تستحق بذلك أن تسمى العالم الفلاني الجليل الكبير أو العلامة؟ كلا، لا تسمى عالماً بمجرد إتقانك لجزئيات بعض المسائل.
كذلك لا يلزم من معرفة بعض مسائل الطب كالبول السكري مثلاً لمن يعيش فيها ليل نهار، وقرأ فيها كثيراً، ويعرف الأدوية والجرعات والمضاعفات وكل شيء عن حالة من الحالات؛ أن يسمى طبيباً بمجرد أنه علم أو تعلم كل ما يمكن أن يعرف عن حالة معينة من حالات الطب، ولا يسمى طبيباً بمجرد ذلك.
ولا يمتنع كذلك أن تسمى شعبة الإيمان إيماناً، وشعبة النفاق نفاقاً، وشعبة الكفر كفراً، يعني: لا يمتنع مع هذا أن المؤمن أو المسلم قد يفعل فعلاً من أفعال الكفر، والفعل نفسه يسمى كفراً، لكنه لا يسمى كافراً، أو الكافر يفعل فعلاً من أفعال وشعب الإيمان، ولكنه لا يسمى بذلك مؤمناً.
قال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر)، وقال ﵊: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر)، فمن صدرت منه خلة من الخلال الكفرية فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق، يعني: لا يأخذ حكم الكافر المطلق، لكن قد يوصف فعله بأنه كفر، وكذا يقال لمن ارتكب محرماً: إنه فعل فسوقاً، وإنه فسق بذلك المحرم؛ دلالة على أنه خرج عن طاعة ربه، ولا يلزمه اسم فاسق إلا بغلبة ذلك عليه، وهكذا الزاني والسارق والشارب للخمر لا يسمى مؤمناً وإن كان معه إيمان، كما أنه لا يسمى كافراً وإن كان ما أتى به هو من خصال الكفر وشعبه؛ إذ المعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.
стр. 49
حكم تارك الصلاة
سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، فتارك الصلاة يسلب عنه اسم الإيمان المطلق، وسلب اسم الإسلام عنه محل خلاف.
يقول الإمام ابن القيم في حق تارك الصلاة: سلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، (فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)؛ فلا يسمى تارك الصلاة مسلماً ولا مؤمناً وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام والإيمان، لكن هل ينفعه ما معه من الإيمان من قول واعتقاد كلمة التوحيد في عدم الخلود في النار؟ وهنا نصل إلى الميزان الذي نزن به مثل هذه الأفعال التي يوصف فاعلها بأنه كفر، لكن نريد أن نعرف: هل الكفر يخرج من الملة أم لا يخرج من الملة؟ هل وصف تارك الصلاة بالكفر هو الكفر الذي يحبط أصل الإيمان بالكلية أم دون ذلك؟ هل ترك الصلاة يحبط كلمة التوحيد؟ هل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟ ينفعه إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الإيمان واعتباره، وإن كان المتروك شرطاً في اعتبار الإيمان لم ينفعه؛ لأن شعب الإيمان مترابطة، وبعض شعب الإيمان تكون شرطاً في صحة شعبة أخرى؛ كالوضوء شعبة من شعب الإيمان، والصلاة شعبة من شعب الإيمان، لكن هل تصح شعبة الصلاة بدون شعبة الوضوء والطهارة؟ كلا، فإذا فقدت شعبة الوضوء قبل شعبة الصلاة فإنها تحبط هذه الصلاة، فلا يصح لشخص أن يصلي دون أن يكون متطهراً، فشعبة الصلاة تحبط إذا فقد شرط الطهارة.
كذلك شعبة التوحيد (لا إله إلا الله) شرط في صحة الإيمان واعتباره حتى تنفع قائلها وتنجيه في الآخرة؛ لأن بعض الكفار يعملون أعمالاً صالحة في الدنيا فيوفون جزاءهم هنا في الدنيا فقط، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨].
فالكافر إذا عمل أشياء من الأعمال الحسنة أو الخيرية فإنه يجازى بها في الدنيا فقط أما الآخرة فتكون هباء منثوراً.
فشعبة التوحيد (لا إله إلا الله) هي شرط في انتفاع العبد بجميع شعب الإيمان في اليوم الآخر، ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ووحدانيته، وأنه لا إله إلا هو، من أنكر رسالة محمد ﷺ ، حتى النصارى الذين يعيشون في أواسط المسلمين يقولون: نحن نقول: إله واحد، ويموهون بذلك على ضعفاء المسلمين ويشوشون عليهم، واليهود يقولون: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقط ولم يقل معها: محمد رسول الله ﵌؛ فإنها لا تنفعه، ويحبط كل ما أتى به من الأعمال الخيرية.
كذلك لا تنفع الصلاة من صلاها عمداً بغير وضوء، فشعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه وقد لا يكون كذلك.
هذا هو الميزان، وإذا أردت أن تحكم على شيء وصف الشرع فاعله بالكفر، مع وجود بعض شعب الإيمان فيه كالشهادتين مثلاً، فإذا ترك هذا الفعل هل ينفعه في الآخرة؟
الجواب
ينفعه إذا لم يكن هذا المتروك شرطاً في صحة شعب الإيمان واعتبارها، لكن إذا كان المتروك شرطاً في صحة شعب الإيمان فلا ينفعه ذلك ويكون مستوياً بالكافر الأصلي.
الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى بين أن تارك الصلاة يعد خارجاً من الملة، وأن كفره كفراً أكبر، وهذا البحث إن شاء الله سنذكره بالتفصيل، وعلى أي الأحوال نهمس دائماً في أذن من يترك الصلاة: هل تقبل أن يكون إيمانك وإسلامك وانتسابك إلى أمة محمد ﷺ وإلى هذا النبي وهذا الدين محل خلاف؟! عالم يقول: أنت كافر كفراً أكبر مثل فرعون وأبي لهب والمشركين واليهود والنصارى، وتستحق القتل، وإذا مت لا تكفن ولا تغسل ولا يصلى عليك ولا تدفن مع المسلمين ولا ترث ولا تورث؛ لأنك كافر تماماً مثل أي كافر أصلي، والبعض الآخر من العلماء يقولون: لا، بل هو مسلم عاص فاسق أشد شراً من السارق والزاني والقاتل والمرابي وفاعل هذه الكبائر العظمى، فكل العلماء متفقون على أن تارك الصلاة أشد وزراً من هؤلاء أجمعين، وتطبيقاً لقاعدة الإمام ابن القيم ﵀ حيث قال: فيبقى النظر في الصلاة: هل هي شرط لصحة الإيمان؟ وهذا هو سر المسألة، والأدلة التي ذكرناها وغيرها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة، فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها، وإن أتى بها صورة.
وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا بقوله: (فإن ضيعها فهو لما سواها أضيع)، وفي قوله: (إن أول ما ينظر في أعماله الصلاة، فإن جازت له نظر في سائر أعماله، وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعد).
فهذا باختصار تطبيق الحافظ ابن القيم لقاعدته الأخيرة، فهو يذهب إلى أن الصلاة شرط في اعتبار باقي الأعمال، واستدل بهذا الحديث: (فإن جازت له الصلاة نظر في سائر أعماله، وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعد)، فبهذا الحديث استدل بأن الصلاة شرط فيما عداها من الأعمال مثل شعبة الشهادتين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 50
الإيمان والكفر [٤]
عندما يتخلى الناس عن علمائهم الربانيين، ويبدءون في الأخذ من الكتب دون الرجوع إلى أهل العلم المتخصصين، تبدأ نقطة التخبط الأولى، فتفسر النصوص حسب الهوى، ويأخذ كل فريق منها ما يراه على ما يريد، فتكون النتيجة الحتمية التطرف إلى أقصى اليمين أو الشمال، وعلى هذا نشأت كل الفرق الضالة، ومنها فرقة الخوارج الذين امتد فكرهم إلى عصرنا وإن اختلفت التعبيرات والأسماء.
стр. 51
نشوء ظاهرة التكفير وأفكارها
الكلام في قضايا الكفر والإيمان ينقسم إلى شقين: الأول: يتناول أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة في قضايا الكفر والإيمان، وغالباً ما ينص علماء التوحيد -سواء في القديم أو الحديث- في مؤلفاتهم على قضايا كثيرة ويركزون على قضايا معينة، وبالذات القضايا التي خالف فيها أهل البدع أهل السنة والجماعة، فلذلك تجدهم ينصون في عقائدهم على ما يدحض بدعة المرجئة والخوارج والمعتزلة في قضايا الكفر والإيمان.
أما الشق الثاني: وهو ما يتعلق بقضايا الكفر والإيمان فهو يتعلق إلى حد كبير بالجانب التاريخي؛ فمن المهم جداً أن نلم بتاريخ الاتجاهات التكفيرية لأهل التوحيد أو أهل القبلة؛ لأن هذا له أنواع كثيرة جداً خاصة إذا لاحظنا أن كثيراً من البدع التي عادت من جديد هي عبارة عن تكرار وطبع لما نشأ في القرون البعيدة، وتصدى لها أهل الإسلام وأهل التوحيد بالرد والدحض والتفنيد.
بل ربما يفاجأ الكثير من الناس الذين ساروا وراء هذه الجماعات الخارجية أو المعتزلية إذا علموا أن نفس هذه المعتقدات التي هم عليها هي ما تصدى له علماء أهل السنة والجماعة من قبل، وشددوا النكير على أهلها.
هذا أمر.
أما الأمر الآخر فهو: أننا حينما نناقش ظاهرة التكفير وتاريخ التيار التكفيري في العصر الحديث، فإننا لا ننكر أن لمصر دوراً رائداً في تصدير الخير والفساد إلى العالم الإسلامي شرقه وغربه.
وقد كان شكري مصطفى -إمام الخوارج الجدد- له اتجاه جديد في بعض الأمور، حيث ابتدع تفسيراً لكلمة (أم القرى)، فكان هذا من التفسيرات المحدثة المبتدعة التي اخترعها؛ وذلك أنه فسر (أم القرى) لا بأنها مكة -وهذا الذي عليه عامة المفسرين في القديم والحديث- وإنما قال: إن أم القرى هي أعظم مركز للتأثير الثقافي أو العلمي في محيط العالم الإسلامي، أو العالم ككل، فقال: إن أم القرى فيما سبق مكة، أما أم القرى في هذا الزمان فهي مصر! ونقول: لا يصح أبداً أن تحرف معاني القرآن، فأم القرى هي مكة قطعاً بنص القرآن.
لكن هذا الكلام في حد ذاته يعكس فعلاً الواقع، ومصر كثيراً ما صدرت الخير وأيضاً بجانبه الشر إلى بلاد المسلمين وبالذات في العصور المتقدمة، ولو أردنا الكلام في هذا لطال الكلام جداً، وأول ما نشير إلى ذلك أن كثيراً من الحروب التي وقعت مع أعداء الإسلام كانت مصر تتصدى دائماً لكثير من هذه الحملات على الإسلام وبالذات الحملات الصليبية والفاطمية وغير ذلك، بل مصر لم تقم بتأييد الدعوة الوهابية السلفية في الجزيرة العربية، بل قامت بدور سلبي في تحطيمها، فكان لها أيضاً دور سيئ في قهقرة هذه الدعوة إلى حين.
وجذور هذه البدعة جاءت من مصر كما انتشرت إلى جميع العالم بما في ذلك أفغانستان وحتى أوروبا وأمريكا، وهذه البدع صُدرت من مصر كما صدرت مصر الفنانين والراقصين والخبثاء إلى شرق الأرض وغربها.
أيضاً بدعة التكفير هذه نشأت في مصر وترعرعت، ونحن كما ندرس الجذور التكفيرية ابتداءً من الشيعة أو الخوارج وغيرهم، أيضاً نحتاج إلى الاطلاع على الظروف التي نشأت فيها بدعة التكفير هنا في مصر، فما من شك أن هذا التطرف إنما نشأ كرد فعل لأوضاع معينة، وربما لم ينضبط الذين انفعلوا بهذه الأحداث بالقاعدة القرآنية العظيمة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
فكان يقع أحياناً ظلم، وعوامل أخرى كثيرة أدت إلى رد فعل أن بعض الناس ما استطاعوا أن يعبروا عن شعورهم بالقهر والظلم إلا باختراع أو ترديد صدى صوت الكثير من البدع القديمة كوسيلة للتنفيس عما يرونه من ظلم واضطراب.
стр. 52
أسباب ظاهرة التكفير ومبرراتها
أحتاج للحديث عن موضوع التكفير إلى أن أستعير مقدمة للدكتور: نعمان عبد الرزاق السامرائي الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في كتابه: (التكفير جذوره وأسبابه ومبرراته)، وهذه المقدمة تعبر عما يدور في نفس الإنسان حينما يواجه عقيدة أو ظاهرة التكفير، والعوامل التي أدت إلى ظهورها من جديد، وطبيعة الناس الذين قامت على ظهورهم هذه الدعوة.
يقول الدكتور: أتيحت لي فرصة زيارة مصر حيث سجلت طالباً بالدكتوراه في جامعة القاهرة، فكنت أسافر في كل إجازة خلاصة الكلام: أنه احتك بكثير من الشباب في تلك الفترة هنا في مصر، ويقول: إن هذه الأفكار الخارجية -أفكار التكفير- ولدت في بطون الكتب، وقل من كان يبحث أو يفتش عنها، ولكن جاء اليوم من ينفض عنها الغبار، ويحاول أن يعيد إليها الحياة، وفي كثير من الأحيان -كما يبدو لي- لم يكن الطارحون الجدد الذين طرحوا هذه الأفكار على علم مسبق، ولكنه لون غريب من التوافق في التفكير أدى إلى عين النتائج.
حصل توافق في التفكير والمنهج بينهم وبين فرق أخرى لم يكونوا هم على علم بها، ولذلك لم يستنكفوا -مثلاً- أن يتبعوا منهج المعتزلة أو الخوارج الأول وأن يشعروا بذلك.
يقول: كما يمكن أن يكون البعض قد درس هذه الفرق وتأثر بمعتقداتها، وبما توصلت إليه من أفكار، وما استشهدت به من حجج.
стр. 53
جذور فكرة التكفير
يقول: والملاحظ لتاريخنا يجد قضية التكفير أو الردة قد طرحت بعمق وبقوة في صدر خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين ارتد العرب لجملة أسباب، ثم استطاعت الدولة الإسلامية ردهم إلى الإسلام, وتجلوا بحرب أهلية طاحنة، وبعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان ﵃ قامت فرق عدة مثل: الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية والمعتزلة؛ فناقشت فيما ناقشت قضية مرتكب الكبيرة، وهل هو مسلم أم كافر، فطرحت قضية التكفير طرحاً فكرياً، وحاولت كل فرقة أن تسهم في هذا النقاش، وتستدل بالنصوص على ما ذهبت إليه، ثم نسيت القضية أو كادت، واستودعت في بطون الكتب، ومرت قافلة أهل السنة والجماعة في طريقها، ونبذت وتناست وتجاهلت هؤلاء المنحرفين؛ حتى طرحت مجدداً في الستينيات من القرن العشرين، وكان لابد للطرح الجديد أن يعتمد على النصوص، وأن يدخل قضايا جديدة ويناقشها، ويصدر أحكاماً حولها.
وقضية التكفير تكتنف الكثير من المحاذير، ولها أضرار كثيرة، وإثارتها باستمرار على عموم الناس الذين ليس لهم رصيد كافٍ من العلم الشرعي ربما أوقع كثرة الكلام فيها إلى تهوين أمور المعاصي في عيونهم؛ نظراً لكثرة الكلام على العذر بالجهل، وأن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، وهكذا، فنقع في نفس المحذور الذي حذره رسول الله ﵌ حينما أخبر معاذ بن جبل ﵁، وما منعه من أن يخبر الناس من قبل إلا خشية الإثم، وهو قوله: (من مات وكان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: أفلا أبشر بها الناس؟ قال: إذاً يتكلوا)، فكثرة الكلام أمام الناس الذين لا تطيق عقولهم ضبط هذه القضايا قد يوقعهم في هذا الاتكال، ويقعون فريسة لتغيير الشيطان، حتى إن بعض الناس ربما ظن أن الجهل شيء يعذر به، مما يدفعه إلى أن يتمادى فيه حتى لا تقوم عليه الحجة، فينبغي الحذر وأن نرفع تلك القاعدة التي أرساها عبد الله بن مسعود ﵁ حينما قال: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) فيراعي الإنسان طبيعة الذين يخاطبهم في هذه القضية، لما يكتنفها من الكثير من الشبهات.
стр. 54
أهمية بيان خطأ التكفير
ولذلك يقول الدكتور السامرائي: ويبقى سؤال هام: لمن أكتب هذا الكتاب؟ ربما إن كان الكلام يحمل بعض الحق قد يتفق عرضاً مع المصالح التي يقصدها من وراء هذا الكلام مع هوى من لا يريدون بالدعوة الإسلامية خيراً، فدرأً لهذه الشبهة يقول: يبقى سؤال هام: لمن أكتب هذا الكتاب، هل أكتبه للشباب المتحمس عسى أن يراجع نفسه، ويصوب بعض مقولاته؟ وجوابه: نعم، أطمع بذلك، وأرجو ألا أكون متهماً في نظرهم فيسقط الكتاب قبل قراءته.
هل أكتب للشباب المؤمن طلائع الصحوة الإسلامية المباركة حتى لا يسقطوا في التكفير؟ يقول: نعم، أكتب لهم، وأملي أن يقرءوا كلامي بعقل واعٍ لا يقبل قضية إلا محملة بدليلها من كتاب أو سنة، وأقوال الأئمة المعتبرين لدى الأمة، وأن يرفضوا كل قضية لا ينهض دليلها مهما كانت وجيهة، أو صادرة من وجيه كبير، ثم يقول: هل أكتب للحكومات المنحرفة -وما أكثرها في عالم اليوم- لكي تستعمل كتابي هذا حجة ضد الشباب المؤمن المتحمس؟ أذكر هذا وأبرأ إلى الله منه.
هل أكتب هذا ليطلع عليه بعض علماء المخابرات ليستخدموه حسب هواهم، ووسيلة لكسب السحت من حكام فقدوا جميع القيم، وقادوا أمتهم إلى الذل والهوان من أجل الحفاظ على مناصبهم، والبقاء أطول مدة في الحكم؟ أعوذ بالله من ذلك، وأرجو ألا يقع في أي شبر من هذه الأرض، فعلماء السوء إذا ما أرادوا تسخير علمهم لخدمة السلطة وصاحبها فعندهم الكثير -يعني: يأخذوا من غير كتابي هذا ما يريدونه- وأرجو ألا يستعينوا بجهودي المتواضعة.
إذاً: بكل وضوح أنا أوجه كلامي إلى الشباب؛ من سقط منهم في التكفير ومن لم يسقط.
стр. 55
أهمية تسخير الجهود للحد من التكفير اللامسئول
يقول: يبقى سؤال هام: هل مثل هذا الجهد يكفي وحده؟ أجيب صراحة: لا؛ لأن الكثير من الحكومات التي تحكم شعوباً مسلمة تضغط عليهم ضغطاً لا يمكن حصوله إلا من عدو، أو من حاكم متواطئ مع العدو، أو عامل بنصائح الأعداء، فهذه السجون التي تغط بالشباب المسلم، وهذه المقاتل بالسر والعلن التي تنصب للشباب المسلم كلها ستدفعه ليكفر هؤلاء الحكام.
يقول: وهل سمع أحد بوزير داخلية في دولة تحترم نفسها يصرح بأن قوانين الطوارئ لا تنفذ إلا على الجماعات الإسلامية، ثم لا يكون من بين ردود الفعل تكفير مثل هذا الحاكم أو ذاك.
يقول: لكن هذا التعسف باستعمال السلطة ضد الشباب المسلم، والذي يصفق له العالم بشرقه وغربه، لا يعفينا من مسئولية بيان الحق من الباطل والصواب من الخطأ، فإن كانت الحكومات جادة في محاربة التطرف -كما تسميه- فلتكف هي عن السماع للشيطان، فإنه لا ينصح إلا بإعدام هذا الشباب؛ لأنه يعاديه حتى الموت، لا لأنه متطرف، بل لأنه مسلم، فالحقيقة جريمة هؤلاء الشباب أنهم يعادون لأنهم متدينون، ولأنهم مسلمون، ثم يغطي القوم هذه الحرب بتلك التسمية الخبيثة: متطرف.
يقول: والمسلم الملتزم صار أكثر خطورة من غيره في نظرهم.
ثم ذكر بداية التقائه ببعض العائدين من هؤلاء الشباب الذين قابلهم في القاهرة في السبعينات التي حضر فيها رسالة الدكتوراه، يقول: التقيت بعض الشباب الذين قد كانوا خرجوا من السجن، وشعرت بأن ثمة تركيزاً كبيراً على قضية التكفير، فلما علموا أن موضوع البحث الذي كان يعده كرسالة هو موضوع الردة أو ظاهرة الردة دهش الشباب، وعلق بعضهم قائلاً: هل أنت من هواة الفقه أم من المحترفين؟! ثم قال له: حالك وهيأتك توحيان بأنك مجرد هاوٍ على أي الأحوال، هو يشير أيضاً إلى فكر جديد طرأ في الساحة الإسلامية في ذلك الوقت: أن الإنسان حتى يوصف بأنه رجل شريف موثوق به لابد أولاً أن يكون قد دخل السجن، وإن لم يكن سجن فهو متهم ومشكوك في نيته.
يقول: يكفي في البلاد العربية أن يسجن الإنسان لغير جريرة حتى تحكم عليه بأنه شريف، وعلى حد قول أحد الأساتذة المصريين: لقد جمع الحكم العلي الظالم كل الشرفاء، وأودعهم السجون، ومن بقي فلا شرف له، يقول هذا الأستاذ: وأنا منهم.
يعني: أن من لم يسجن يصير متهماً بغير ذلك.
стр. 56
لقاء مع شباب من جماعة التكفير
يقول: استقبلت هؤلاء الشباب بعضهم من الطب وأحدهم من معهد التمثيل، وثالث في كلية العلوم، وكان كل نقاشهم وحديثهم عن الردة، وهال الدكتور نعمان اندفاع الشباب الشديد نحو قضية التكفير، حتى كونوا أحكاماً عجيبة وفقهاً لا مثيل له، قال: ودائماً يزخرفون كلامهم بما يسمعونه عن إهدار كرامة الإنسان، وما يلقاه من عنت وبالذات المسلمين.
ويقول: صرت حينئذٍ أقدر دوافعهم، وكلما ذكرت لهم ذلك استراحت نفوسهم وأشرقت وجوههم، ولكن صارحتهم بخطأ ما توصلوا إليه، فالمحاضن الأولى التي نشأ فيها فكر التكفير هي زنازين السجون، والمعاملة التي لقيها هؤلاء الشباب، فكان رد الفعل المقابل أن تصرفوا هم أيضاً في استنباط هذا الفكر الجديد الذي كان صدى لصوت الخوارج والمعتزلة، سواء علموا بذلك أم لم يعلموا.
يقول الدكتور نعمان: ولكن صارحتهم بخطأ ما توصلوا إليه، وفي لحظة عارضة قلت: هذا الذي تقولون ليس جديداً.
يعني: استقلالهم بفهم الآيات والأحاديث، واسبتدادهم بتفسيرها بمعزل عن علماء الأمة من أهل السنة والجماعة، فأدى إلى أنهم قالوا نفس كلام الخوارج، حتى كان شكري مصطفى يقول: إن الرجل لو أصر على صغيرة فإنه يكفر كفراً يخرجه من الملة، ولو مات على ذلك فهو كافر مثل فرعون وأبي لهب.
إلى مقولات كثيرة جداً وغريبة جاءت نتيجة هذه الأشياء، وكان بعضهم يستدل -مثلاً- بالخلود في النار لمن أصر على المعصية، ويقولون: قال الله ﵎: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١]، ويستدل بعضهم بهذه الآية التي وردت في وعيد قاتل المؤمن عمداً، فهكذا يأتون ببعض النصوص فيفسرونها بمعزل عن فهم أهل العلم والمتأهلين لتفسير القرآن والسنة، فنتجت هذه الغرائب.
يقول: وفي لحظة عارضة قلت: هذا الذي تقولون ليس جديداً، لقد قاله الخوارج كلهم، وقال ببعضه المعتزلة، فدهش الشباب ونظر بعضهم إلى بعض، فكررت ذلك عليهم، فرد أحدهم: مستحيل! فهذه الأحكام وليدة الزنزانات، والفقه البعيد عن أي كتاب؛ إذ لم يكن مع الجميع كتاب واحد، أي: أنهم لما أنتجوا هذا الفكر لم يكن معهم أي كتاب، بل ما ولدت هذه الأفكار إلا في داخل الزنازين.
حتى المصاحف كانت تصادر منهم، وما توصل إليه الشباب فهو اجتهاد يقوم على ما يفقهون من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
قال: وأردت تطييب خواطرهم فقلت: حالكم ليس فريداً في تاريخنا.
أي أنه: أراد أن يلاطف هؤلاء الشباب ويواسيهم فيما كانوا عليه من الوحدة في الزنازين التي أدت إلى ردة هذا الفعل، ومع ذلك أيضاً لا يمنعه هذا من أن يقول لهم: حالكم ليس فريداً في تاريخنا، فهذا الإمام السرخسي الحنفي أملى مبسوطه في عشرين جزءاً وهو مسجون؛ لأن السرخسي سجن في سجن أوزجد في فرغانة، سجنه أميرها حين قبض عليه، فسجن في داخل البئر، وهذه طريقة غريبة للسجن، فكان تلامذته يأتون ويجلسون على قف البئر، وقف البئر هو: السور من الطوب يكون على بئر مثل السور لأعلى البئر، فكان التلامذة يأتون يجلسون على قف البئر والإمام السرخسي مسجون في ظلمة الجب، فكان يملي عليهم هذا الكتاب من ذاكرته ﵀.
وكتاب المبسوط معروف أنه من أكبر كتب الفقه الحنفي وأقدمها، وهو في ثلاثين جزءاً بالقطع الكبير أملاه من ذاكرته على تلامذته وهو في السجن.
والإمام أحمد في محنته كان يجلد بالسياط؛ لأنه يمتنع عن القول بخلق القرآن، والطلبة في الخارج كانوا يمسكون بأقلامهم ومحابرهم عساهم يسمعون شيئاً من الرجل الممتحن ليسجلوه.
والإمام مالك جلد جلداً شديداً لفتوى أفتاها لم تعجب الحاكم الظالم.
ثم قلت: أنتم من هذه الأمة وعلى طريقها، ولو حدتم لحزتم الكثير من متاع الدنيا، ولكن ما تذكرون تجدونه لدى الشهرستاني في الملل والنحل.
يعني: مع ما أنتم عليه من الابتلاء بسبب الدين وما تقولونه من أفكار، إن أردتم توثيقها ورجعتم إلى كتب الفرق والملل والنحل ستجدون نفس هذه الأفكار مدرجة في قوائم أهل البدع والضلال كالخوارج وغيرهم، سواء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني، أو الإمام البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق، والأشعري في مقالات الإسلاميين.
يقول: وأقول لكم بحدود ما أعلم: ليس هناك جديد فيما تذكرون، فدهش الشباب دهشة كبيرة، واعترف بعضهم بأنه لم يسمع بهذه الكتب، وقال بعضهم: إنه سمع بها، ولكنه لم يرها، قلت: يا شباب! إذا كنا لم نطلع أو نقرأ فلنسمع إلى العلماء وهم في مصر كثر، ونظر بعضهم إلى بعض، وكأني قلت منكراً من القول وزوراً! أي: كيف يقول: إن مصر فيها علماء؟! وقال أحدهم: أنت غريب وحسن الظن، ما تراه هنا هم تجار يبيعون دينهم وعلمهم للحاكم الكافر عوض دراهم معدودة، وتملقاً بلا ثمن في أحوال كثيرة، ثم راحوا يذكرون قضايا تخزي أمة بكاملها، ويستحي منها الفجار، ولا يقدم عليها إنسان فيه وزن بعوضة من دين، قال أحدهم بحسرة: كانوا يأتون ببعض هؤلاء التجار وكانوا يناقشوننا في بدهيات يعرفها الطلبة في المدارس الابتدائية، ويدافعون عن تصرفات الحاكم بما لا يفعل مثله الحاكم أو زبانيته من الشرطة والجلادين.
فانظر إلى الفتنة والظروف التي كان هؤلاء الشباب يعيشون فيها؛ فأنتجت رد الفعل هذا وعدم الثقة في بعض الشيوخ، يقول: إن بعض هؤلاء الشيوخ الذين كانوا يأتون بهم ليناظروهم ويقنعوهم وأيديهم مقيدة بالأغلال والسيوف على رقابهم، ويأتي هؤلاء الشيوخ ليناظروهم وليقنعوهم وليقيموا الحجة عليهم.
يقول: كان بعض هؤلاء المحاضرين يقول لهم: إنه تفاهم مع المسئولين عن التعذيب لتخفيف ذلك على من يستجيب ويترك التشدد والانحراف، فإذا قام له بعض الشباب وقالوا: ليس هناك تشدد ولا انحراف، وإن الأمة وأصحاب المذاهب جميعاً يقولون بأن من أحل الحرام أو حرم الحلال فقد كفر، قهقه الشيخ وقال بسخرية: لا ترجع لهذه المذاهب وخذ عني، فأنا متخصص بمقارنة الأديان، فرد عليه الشباب قائلين: الإسلام ليس فيه بابا ولا قسس يفسرونه للناس، وقرأ عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
وفصل الكلام في قضية التشريع، وأن الشرك في الحكم كالشرك في العبادة، فكان يرد الشيخ عليهم كلما يستدلون بهذه الآية، يقول له: يا بني! هذا خاص بالرسول ﵊.
يقول: فنقول له بأن الإمام البخاري ﵀ ذكر في دعاء الصلاة الدعاء المعروف: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)، هذا الدعاء يردده كل مسلم، وبعض العلماء يقولون: تقول: وأنا من المسلمين، والبعض يقول: بل تقول كما قال ﵊: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
فرد عليهم ذلك الشيخ بقوله: إني قرآني، والبخاري صواب لكن القرآن حق، والحق مقدم على الصواب.
وخلاصة الكلام: أنه أنكر الأحاديث، وقال: إنه لا يعترف بالسنة مطلقاً، وإنما يعترف بالقرآن.
على أي الأحوال هو يذكر بعض القصص، إلى أن ينتهي إلى قوله: قلت: وأين أنتم عمن تثقون به من العلماء؟ قال الشباب بحسرة: العلماء الذين نثق بهم ليس بمقدورنا الاتصال بهم ومناقشتهم كما نريد، فحكى لهم حكاية عن صديق له أستاذ في الجامعة تقدمت به السن، وكانوا يلحون عليه في الزواج، وكان كلما عاتبوه في عدم زواجه مع تقدم سنه يقول: إن شاء الله.
يقول: ومرة انفردت به وقلت له: ماذا تنتظر؟ لماذا لا تتزوج؟ فقال: يا فلان! أنا في حيرة، فمن أريدها زوجة وأرضاها وأتمناها لا ترضى بي، ومن ترضى بي وتريدني لا أرغب بها ولا أرضاها زوجة، وهذه مشكلتي، ضحك الشباب، يقول: وقليلاً ما يضحكون، وقالوا: هذه هي مشكلتنا، فمن تأتي بهم الحكومة لمناقشتنا كلهم من جواسيس الظالم وأعوانه، وعلمهم من علم إبليس فلا نثق بهم، يقولون: حتى لو كان ما يقولونه حقاً، ومن نثق به وبعلمه لا نصل إليه، وهذه مشكلتنا.
وهنا يدخل الشيخ في نقطة مهمة جداً ويقول: الذي أخشاه: أن فقد الثقة بالعلماء سيحملكم على أحد الأمرين، أو على الأمرين معاً: الاجتهاد من غير استعداد كافٍ ومعرفة تؤهل لذلك، أو العودة للكتب والأخذ عنها دون الاستعانة بأحد، وفي الاثنين من المخاطر ما فيهما! وقال أحد الشباب: لقد وقعنا في الاثنين معاً، ففي السجن الاجتهاد، والذي يخرج من السجن يقرأ الكتب، وبعضنا لم يدرس اللغة العربية إلا في المدارس الرسمية، والذين درسوا في القسم العلمي لا يذكرون من العربية وقواعدها وآدابها شيئاً، وهم داخل السجون يفتون، وكل اعتمادهم على القرآن والسنة.
وهذا الكلام أنا لا أقصد به التشجيع، لكن لننظر الظروف التي نشأ فيها هذا النوع من الفكر، حتى إني أعرف بعض الإخوة من الشباب حديثي السن كان يلقب في داخل السجن بالإمام الفلاني.
стр. 57
الجذور التاريخية لفكر التكفير
ثم تطرق الشيخ إلى بحث مهم جداً يتعلق بالجذور التاريخية لفكر التكفير، وبدأ بظاهرة التكفير عند الشيعة، يقول: ينبغي أولاً استعراض الفترة من مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، وما لحق بذلك من اقتتال المسلمين في حروب الجمل وصفين والنهروان.
يعني: وقع ما يمكن أن يسمى بالحروب الأهلية بين المسلمين، وكان من البداهة أن يثور الجدل والنقاش حول من يكون الحق معه، ومن هو على غير الحق، لماذا يقف هؤلاء في طرف، وهؤلاء في طرف آخر، بينما يقف آخرون على الحياد؟ يقول الشيخ المودودي ﵀: نتيجة لهذه الأسئلة ولدت بعض النظريات المستقلة بذاتها، كانت في أصلها نظريات سياسية خالصة، ثم ما لبث دعاتها أن اضطروا شيئاً فشيئاً لأن يرتبوا لها بعض الأسس الدينية، كي يقووا جانبهم ويحصنوا موقفهم، فتبدلت الفرق السياسية رويداً رويداً إلى فرق مذهبية، وما حصل في البداية من قتل وسفك دماء، واستمر بعد ذلك في عهد بني أمية وبني العباس فلم تبق القضية قاصرة على مجالات العقيدة إلخ.
ومعروف قضية الاختلاف حول الخلافة.
وحصل تطور في عقيدة الشيعة عن طريق عبد الله بن سبأ اليهودي أو ابن السوداء أدى إلى تبلور المذهب الشيعي في صور عقائدية محددة كانت تخرج بأصحابها عن أصول الدين، وأصول العقيدة، ومعروف قصة الوصي، وحينما ادعى ابن سبأ أن لكل نبي وصياً، وأن وصي النبي ﵊ هو علي بن أبي طالب ﵁، وحينما وضع مصطلح الإمامة بدل مصطلح الخلافة، واعتقدوا في الأئمة أنهم يكونون كذا، وأنهم لا ينسون، ولا يخطئون، وكل ما يصدر عنهم فهو حق وصواب، وأن علياً هو الإمام بعد النبي ﷺ ، وأن الإمامة واجبة على الله -تعالى الله عن ذلك- وليست واجبة على الأمة، وحصروا الأئمة في الإثني عشر المعروفين، وأن الإمامة تكون بالنص وليست بالاختيار، وهكذا تفرقت طوائف الشيعة وتعددت، وحصل انحراف شديد جداً، حتى إن بعض هؤلاء الفرق الضالة من الشيعة زعموا بأن علياً هو الله، وزعموا أنه الإله، وأنه حي ويسكن القمر.
فحصل تكفير من طوائف الشيعة الأخرى لأمثال هؤلاء، هذه نظرة على أحد عوامل التكفير الأولى التي حصلت بتحول الخلافات السياسية إلى خلافات عقائدية، فبرزت أول ظاهرة في فرقة الشيعة وما لديهم من أفكار.
أما الخوارج فهم يأتون بعد الشيعة في هذه المسألة، وكانوا في البداية من أتباع وأنصار علي بن أبي طالب ﵁، وكانوا يقاتلون تحت رايته ويؤيدونه، ثم في حرب صفين لما طلب معاوية ﵁ إيقاف القتال واللجوء إلى التحكيم لتصفية هذا النزاع، كان رأي علي ﵁ استمرار القتال، ولكن جيشه رفض وطالب بقبول التحكيم، فاضطر لذلك، فلما خرج التحكيم خرج عليه طائفة من أتباعه رفضوا هذا التحكيم، ورفعوا هذا الشعار: لا حكم إلا لله، ففهموا أن تحكيم الرجال انحراف في قضية الحاكمية، فمن حَكَّم غير الله فقد كفر بالله، فكان رد علي بن أبي طالب عليهم بالكلمة المشهورة: (كلمة حق أريد بها باطل)، ثم بعث لهم عبد الله بن عباس لمناقشتهم وإقامة الحجة عليهم، فرجع الكثير منهم عن آرائهم، ولكن بقيت جموع منهم كبيرة مصرة على التكفير.
ثم انقسمت الخوارج أيضاً إلى فرق متعددة: إذ إن من خواص أهل البدع حصول هذا الانشقاق الداخلي الذي يجعل الفرقة الواحدة فرقاً شتى.
أما خلاصة نظريات الخوارج فتتلخص في أنهم يقولون بصحة خلافة أبي بكر وعمر، أما عثمان فقالوا: إنه انحرف -والعياذ بالله- في آخر خلافته عن العدل والحق، فكان يستحق القتل أو العزل، وإن علياً ﵁ ارتكب كبيرة بتحكيمه غير الله، وإن الحكمين: عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري ومن نصبهما من جميع أصحاب علي ومعاوية كلهم مذنبون، وأيضاً الذين اشتركوا في حرب الجمل جميعاً ارتكبوا ذنباً عظيماً، والذنب والمعصية عندهم تعني الكفر! فيكفرون كل مرتكب كبيرة ما لم يتب منها، ولذلك كفروا كل هؤلاء الصحابة الذين سبق سرد أسمائهم، بل لم يتورعوا عن لعنهم وسبهم، على أنهم كفروا عامة المسلمين أيضاً؛ لأنهم لم يستغفروا من الذنوب، فكفروا عامة المسلمين أيضاً بهذا؛ لأن عامة المسلمين يعتبرون الصحابة ﵃ ليسوا مؤمنين فحسب، بل يتخذونهم أئمة لهم، ويثبتون الأحكام الشرعية بالأحاديث التي تؤثر عن طريقهم.
أيضاً قالوا: إن الخلافة لا تنعقد إلا بالانتخاب الحر بين المسلمين وليست عن طريق آخر، وكانوا ينكرون ضرورة أن يكون الخليفة قرشياً، ويوجبون قتال الخليفة أو عزله أو قتله إذا حاد عن طريق العدل والصلاح، وكانوا يقبلون القرآن كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي.
أما السنة والإجماع فلهم فيها سبيل مختلف وشاذ عن سبيل عامة المسلمين، هذا هو السبب في موقف الخوارج من جمهور الصحابة الذين نقلوا السنة والإجماع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فقال هؤلاء الخوارج: من مات إما مؤمناً أو كافراً، المؤمن هو من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار، ثم جعلوا كل من خالف قولهم أيضاً كذلك، فقالوا: إن عثمان وعلياً ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله، ظلموا وصاروا كفاراً، ومذهب هؤلاء باطل كما سيأتي -إن شاء الله- إثبات بطلانه بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة.
وافترقت الخوارج أيضاً وتشعبت إلى فرق شتى، وأهم خصائص هذه الفرق المنشطرة: أنهم يكفر بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً، ويستحل بعضهم حرمات بعض، وقد انقسموا إلى أكثر من عشرين فرقة من أشدها المحكمة والأزارقة، ومن أقلها تعصباً الإباضية، وهم منتشرون حتى الآن في بعض البلاد العربية، ولهم السطوة في عمان، وعمان أصلاً دولة خارجية يغلب عليها مذهب الخوارج، وربما يوجدون أيضاً في الصحراء الإفريقية، أو ليبيا وبلاد المغرب العربي، ومع ذلك فهم يقولون بكفر كافة المسلمين، ويقولون: هم غير مشركين، وبالتالي يقبلون شهادتهم ويتزوجون منهم ويتوارثونهم.
وهناك فرقة من فرق الخوارج تسمى: النجدات العامرية، وصلت إلى ما نسميه اليوم بالفوضوية، فقالت: إن قيام دولة الخلافة غير ضروري إطلاقاً، وبإمكان المسلمين أن يعملوا بشكل جماعي متبعين الحق، ولكن يجوز انتخاب الخليفة إذا لزم ذلك.
أيضاً مما يلفت النظر بالنسبة للخوارج: أن الخوارج كانوا على درجة كبيرة جداً من الاجتهاد في العبادة، بل وربما وصفوا بالإخلاص، ولهم في ذلك أخبار لا ينقضي منها العجب، من شدة قراءة القرآن والتعبد والتبتل والتورع الزائد عن الحد، حتى إن أحدهم كان يمر فمر به خنزير لرجل من أهل الكتاب فقتله، فقالوا له: أنت ظلمت هذا الرجل الذمي، وقاموا عليه قياماً شديداً ولم يسكتوا حتى عوضوا ذلك الرجل وأرضوه.
وسقطت بلحة من النخل فالتقطها واحد منهم فأكلها، فثاروا عليه وقالوا: أكلتها بغير حقها، وأنكروا عليه حتى أخرجها، وهكذا كانوا يتورعون في أخف الأشياء، ثم هم على جانب كبير جداً من العبادة، ومع ذلك كانوا يتجاسرون ويجترئون على القدح في خيار الأمة، كما أشرنا من قبل إشارة عابرة إلى فرقة المعتزلة حين تكلمنا عن تاريخ الفرق، ثم بعد ذلك ظهرت فرقة الخوارج.
فإذا كانت الشيعة تقف في أقصى اليمين تكفر من خالف علياً ﵁، أو غالبه أو نازعه، فقد وقع الخوارج في أقصى اليسار، فهم يكفرون علياً ومن حاربه، ثم ظهرت فرقة المرجئة -والإرجاء بمعنى التأخير- فلم يعجبها تصرف كلا الفريقين: الخوارج والشيعة، فمالت نحو الحياد التام، وقالت: نحن نؤجل الكلام فيهم، وأمرهم متروك إلى الله يفصل فيه يوم القيامة.
ثم تطورت معاني الإرجاء إلى أن وصلت إلى مدرسة فكرية محددة، وأهم آرائهم: أن الإيمان هو الاعتراف بالله وبالرسول فحسب، وأن العمل ليس ضرورياً في الإيمان، وعلى هذا فالمرء يبقى مؤمناً حتى لو كان تاركاً للفرائض مرتكباً للكبائر، يعني: أن الفروق الأساسية بين أهل السنة والمرجئة: أنهم يقولون: إن الإيمان هو مجرد المعرفة، وإن أهله لا يتفاضلون فيه، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
على أي الأحوال لم تستجب الأمة الإسلامية بأسرها لهذه الاتجاهات، وكان الجمهور الأعظم والسواد الأعظم من الأمة الإسلامية بعيداً كل البعد عن الانخراط وراء هذه الفرقة، بالذات في عهد الخلفاء الراشدين، وكان جمهور المسلمين في تلك العصور الأولى ينظرون إلى هذه النظريات على أنها فرق ضالة خارجة عن عقيدة أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية.
стр. 58
أسباب التكفير في العصر الحاضر
أما عودة التكفير في عصرنا الحاضر، فكان له عدة أسباب: أولها: الاضطهاد السياسي.
ثانيها: فقدان الثقة بالعلماء الرسميين.
ثالثها: محاولة أخذ الأحكام من القرآن مباشرة دون معرفة كافية.
رابعها: الخلط بين الكفر الأصغر، والكفر الأكبر، سواء كان كفر الاعتقاد أو كفر الأعمال.
خامسها: التعلق بنصوص بعض المفكرين الإسلاميين وبالذات بـ سيد قطب والمودودي رحمهما الله، فقد كان لهما بعض عبارات فهمت بطريقة أو بأخرى أدت إلى تغذية هذه الأفكار منذ البداية.
وهناك تفاصيل كثيرة عن الاضطهاد السياسي لا نطيل بذكرها، لكن لعلنا نوهنا بها منذ البداية أنها كانت أحد العوامل التي أثمرت رد الفعل على ذلك.
أما فقدان الثقة بالعلماء الرسميين فقد أشرنا إليها إشارة عابرة، لكن نقف قليلاً عند محاولة أخذ الأحكام من القرآن مباشرة، فيمكن أخذ أحكام القرآن مباشرة إذا كانت صادرة عن القرون الأولى أو في عهد الصحابة، فهذا لابد أن يكون مقبولاً؛ لأن الصحابة ﵃ بفطرتهم السليمة، وبفهمهم للغة العربية، وبمعرفتهم بأسباب النزول، وبمعاشرتهم للوقائع التي نزلت فيها الآيات، وأسباب ورود الحديث الشريف كانوا يفهمون المقصود، فلذلك كان يمكن أن يأخذوا من القرآن مباشرة.
أما بعد أن تطورت هذه القرون، ومرت هذه الأزمان، ووجد شباب لا حظ له لا من علوم اللغة، ولا من علوم القرآن، ولا من علوم السنة، ولا من أدوات النظر المباشر في القرآن الكريم تجاسر هؤلاء الشباب على أخذ هذه النصوص، بحيث أثمروا وأنتجوا هذا الفكر، وقد وقعت بعض حوادث قليلة من بعض الصحابة ربما يكونون أخطئوا في فهم بعض آيات القرآن، لكن سرعان ما كانوا يرجعون إلى الصواب في ذلك، مثال ذلك: ما وقع من عمثان بن مضعون ﵁ حينما شرب الخمر في خلافة عمر ﵁، وقال: إن التقوى والصلاح تزيل أثر هذه الحرمة، واستشهد على فعله بقوله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣]، فأوضح له أمير المؤمنين خطأه في فهم هذه الآية، وتركه ليحاور بعض فقهاء الصحابة الذين ذكروا أن الآية نزلت بعد تحريم الخمر.
وعلى أي الأحوال هذا نموذج معروف.
وأيضاً: بعض الناس فهم من قوله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]، فقالوا: لا حاجة للسعي بين الصفا والمروة؛ لأن الآية فيها رفع الجناح، ورفع الجناح يعني: عدم الوجوب، فلما سمعت بذلك أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ليس الأمر كما فهمت، ولكن بعض المسلمين كان يسعى في الجاهلية بين الصفا والمروة والأصنام هناك، فلما أسلم صار يتحرج أن يفعل كما كان يفعل من السعي، فأنزل الله هذه الآية لرفع هذا التحرج الذي وجد في صدورهم.
ومما وقع فيه بعض الشباب من هذه النماذج في هذا الزمان: أن بعضهم يرى أن المسلم متى ارتكب معصية صغيرة أو كبيرة فيلزمه التوبة فوراً، وإلا صار كافراً، واستشهدوا بقوله ﵎: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٧]، ولم يجمعوا هذا النص الحكيم بغيره من النصوص، وبالذات الآية التي تلي هذه الآية، وهي قوله ﵎: ﴿وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، فقوله: (من قريب) يعني: عند حدوث الموت، فإذا أضفنا إلى ذلك أيضاً قول النبي ﷺ : (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه).
تبين أن التوبة لها أجلان: أجل في حق عمر الدنيا، وأجل في حق عمر الإنسان، فلو أن رجلاً أذنب ذنباً، وأخطأ بأن سوَّف في التوبة، وعاش فترة بعد ذلك، فهل يعيش هذه الفترة كافراً بهذا الذنب؟ فاستدلالهم بقوله ﵎: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧] استدلال فيه نظر، فأجل التوبة يكون إما بحضور الأجل، كما قال ﵊: (تقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، وأما في عمر الدنيا فحين تطلع الشمس من مغربها يغلق باب التوبة.
فالشاهد: أن بعض الناس ربما بتروا نص القرآن عن جملة ما ورد من النصوص في ذلك، فينشأ عن ذلك هذا التحريف في المعاني.
كذلك أيضاً استدلالهم بمثل قوله ﵎: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١].
قالوا: ((سَيِّئَةً)) هنا تعم كل معصية، وقوله: ((وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)) إشارة إلى الإصرار عليها إلى أن يموت عليها.
والرد على ذلك: أن هذه الآية نزلت في اليهود، فقوله: ((بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً)) يعني: مثل سيئتكم أيها اليهود! وكفر مثل كفركم، أو شرك مثل شرككم، والسياق يوضح لنا ذلك؛ حيث يقول ﵎: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٨ - ٧٩] ((وَقَالُوا)) أي: اليهود ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠]، يعني: الأيام المعدودة التي عبدوا فيها العجل، ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٠ - ٨١] فلا يقاس أبداً المسلم الذي ارتكب المعصية على المشرك، أو الذي ارتكب هذه السيئة الكبيرة التي فعلها اليهود.
وكذلك استدلالهم بقوله ﵎: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣].
ومعلوم الخلاف في تفسير هذه الآية، والأقرب إلى منهج أهل السنة والجماعة والصحيح: أن قاتل المؤمن إذا تاب فإنه تقبل توبته، ولا يخلد في نار جهنم، وإنما المقصود بالخلود هنا طول المكث، والدليل قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فأثبت لهم أخوة الإيمان مع وجود هذا الاقتتال، فدل على أنه لم يكفرهم بذلك.
أيضاً: حصل بعض الانحراف لديهم، بحيث قرر بعض الناس مقولة: المنزلة بين المنزلتين، فيقولون: هذا الشخص لا نحكم عليه بأنه مسلم ولا نحكم عليه بأنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، لكن لا يستعملون تعبير المعتزلة؛ لأنهم لم يكونوا قد وقفوا عليه، وإنما قالوا: نتوقف فيه.
أيضاً تخبطهم في ضابط الحكم على الكفر بأنه أكبر أو أصغر، وأحد أسباب شيوع ظاهرة التكفير هو الخلط بين هذين النوعين من الكفر، فهناك كفر النعمة، كما قال ﵎: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، فالكفر هنا بمعنى جحود وكفران النعمة وعدم شكرها.
كذلك قوله ﵊ في حق النساء: (وتكفرن العشير، قالوا: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير: تحسن إلى إحداهن الدهر، فإذا رأت منك ما تكره قالت: ما رأيت منك خيراً قط).
فسماها كافرة بمعنى: كفر النعمة أو الجحود بفضل الزوج عليها.
أيضاً: قول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر).
ومع ذلك يقول ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، وقال بعدها: ((إنما المؤمنون إخوة))، فمع وجود الاقتتال أثبت لهم الإيمان، فدل على أن هذا الكفر لا يخرج من الملة.
كذلك قوله ﷺ (من ادعي إلى غير أبيه فقد كفر).
يعني: من انتسب إلى غير أبيه فقد كفر، وقوله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر).
وهناك خلاف في قضية ترك الصلاة، حيث أطلق عليها في الأحاديث أيضاً لفظ الكفر، والأحاديث بمثل قوله ﵊: (بين الرجل والكفر ترك الصلاة)، وقوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وجمهور العلماء الذين لا يكفرون تارك الصلاة يفهمون هذه الأحاديث في ضوء قوله ﵌: (خمس صلوات كتبهن الله ، من جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد؛ إ
стр. 59
الإيمان والكفر [٥]
الإيمان قول وعمل، فهو قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والأركان، وكل قول وعمل من الإيمان يقابله قول وعمل من الكفر والجحود والنكران، وذلك واضح من حديث جبريل ﵇، فقد قسم مراتب الدين إلى ثلاث: إسلام، ثم إيمان، ثم الإحسان، وللإيمان شروط صحة، وشروط كمال.
стр. 60
أسباب ظهور بدعة تكفير المسلمين في الوقت الحاضر
لقد تكلمنا فيما سبق عن الجذور التاريخية لبدعة تكفير المسلمين، وتكلمنا عن تطور هذه التوجهات المنحرفة في قضية التكفير، ابتداء بالشيعة ثم الخوارج ثم المعتزلة ثم المرجئة، وتكلمنا أيضاً عن أسباب ظهور بدعة تكفير المسلمين في العصور الحاضرة، وذكرنا أن الظروف التي نشأت فيها هذه البدعة كانت ظروفاً خاصة، وكانت لأسباب منها: الاضطهاد السياسي الذي كان التكفير رد فعل مقابل له، ومنها: فقدان الثقة بعلماء السلطة، ومنها: محاولة جمع من الفتية أخذ الأحكام من القرآن مباشرة دون الرجوع إلى فهم أهل العلم لأدلة القرآن والسنة، وبسبب عدم تأهلهم ربما نظروا من خلال أطراف من النصوص مع إهمال البعض الآخر.
ومن هذه الأسباب: الخلط بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر، أما آخر أسباب هذه الظاهرة فهي تعلق هؤلاء ببعض ما قاله الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀، والشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى؛ وذلك أن الشيخين صدر منهما في بعض المؤلفات عبارات فهمت خطأ، أو تكون هي نفسها إذا عرضت على ميزان عقيدة أهل السنة والجماعة يكون فيها بعض النظر، خاصة ما ورد في مقدمة سورة الأنعام في تفسير الظلال، وما جاء في كتاب (المصطلحات الأربعة) للشيخ: أبي الأعلى المودودي رحمه الله تعالى، والقاعدة التي أرساها الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ بل حكاها عنه الشافعي حينما حضر عليه في المسجد النبوي بالمدينة، كان يجلس الإمام مالك ﵀ بجوار قبر النبي ﷺ ، وكان كلما ناقشه أحد في قضية خالف فيها الدليل، فكان الإمام مالك يمد يده ويقول: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، ويشير أو يضع يده على قبر النبي ﷺ .
فنناقش إن شاء الله تعالى بالتفصيل موقف المودودي وسيد قطب رحمهما الله في قضية الكفر والإيمان، وما هي المواضع المحددة المعينة التي أدت إلى تغذية فكر التكفير من خلال عبارات معينة صاغها الشيخان.
يرى الشيخ المودودي في كتابه: (المصطلحات الأربعة) أن هناك فهماً للمصطلحات الأربعة التي هي: العبادة، والرب، والدين، والإله.
هذا الفهم كان عند العرب موجوداً بحكم السليقة العربية، وفقههم لمعاني الكلام في اللغة؛ فلذلك كان أحدهم إذا نطق بكلمة التوحيد؛ فإنه كان يدرك تماماً ما يستتبعها من معان ولوازم، فإذا ما جاء بعد ذلك من ليس على نفس هذه السليقة العربية ونطق بكلمة التوحيد دون أن يحيط علماً بمعانيها ومرامها ولوازمها فهذا لم يدخل في الإسلام أصلاً.
وهذا الكلام الغريب لم يعهد من قبل، ولم يصدر فيما نقل من كلام العلماء إلا فيما ذهب إليه العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في كتابه: (تطهير الاعتقاد عن أدران الكفر والإلحاد) فقد قال من قبل هذه المقولة، وأنكر عليه كثير من العلماء حين قال: إن من لم يحط علماً بلوازم هذه الكلمات: العبادة، والرب، والدين، والإله كما كان السلف أو كما كان الصدر الأول، بسبب علمهم باللغة العربية؛ فمن نطق بها ولم يعلمها كما علموها فهو كافر أصلي لم يدخل في الإسلام أصلاً، ولا شك أن في هذا مصادمة صريحة لنصوص النبي ﵌ التي تثبت الإسلام لمن نطق بالشهادتين.
وردد الأستاذ سيد قطب ﵀ في مواضع كثيرة عبارات المودودي ﵀؛ ونظراً لأن الاكتظاظ في الكلام في هذه المواضع قد يؤدي إلى سوء فهمها نرجئها إلى موضعها المناسب، ونتكلم فيها إن شاء الله بعد ذلك بالتفصيل.
стр. 61
أصول أهل السنة والجماعة في الإيمان والكفر
أما عن أصول أهل السنة والجماعة في قضية الإيمان فهي متعلقة بمعنى كلمة الإسلام والإيمان، وخلاصة الكلام في تعريف الدين أنه عبارة عن قول وعمل، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح.
والقول بالقلب هو التصديق، وأن يوقن الإنسان بأحقية هذا الذي يؤمن به ويصدقه، وقول اللسان هو النطق بالشهادتين.
أما عمل القلب فهو ما لا يؤدى إلا بالقلب كالنية، الإخلاص، الخوف، الرجاء، المحبة، الإنابة، الإخبات، التوكل، الانقياد، الإقبال على الله، ولوازم هذه الأعمال القلبية.
أما عمل اللسان فهو ما لا يؤدى إلا باللسان من العبادات، كالذكر، وقراءة القرآن، والاستغفار، والتهليل، والحوقلة، والحلف، والنذر وهكذا.
وعمل الجوارح فهو ما لا يؤدى إلا بالجوارح، كالصيام، والصلاة، والركوع، والسجود، والجهاد وغير ذلك، فهذا هو جماع معنى الدين، قول وعمل، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح.
أما الكفر فهو على أنواع أربعة مقابلة لأنواع الإيمان التي هي: قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، فإذا انتفى التصديق الذي هو قول القلب؛ فسوف يكون هذا هو النوع الأول من الكفر، وهو كفر الجهل والتكذيب؛ لأنه انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق.
النوع الثاني: كفر الجحود، وهو كتم الحق مع العلم بصدقه، هذا نوع آخر من الكفر، فهو يعلم أن هذا حق؛ لكنه يكتمه، وهذا هو كفر الجحود: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
النوع الثالث: كفر العناد والاستكبار، فينفي في هذا الكفر عمل القلب والجوارح مع المعرفة للقلب والاعتراف باللسان، فهو يعرف أن هذا حق؛ لكن ينتفي عمل القلب من الانقياد والمحبة، والخوف والرجاء إلى آخر أعمال القلب، فينفي عمل القلب، وينتفي عن صاحبه عمل الجوارح مع وجود المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان أن هذا حق، هذا مثل كفر إبليس وأغلب اليهود لعنهم الله، ومثل كفر من ترك الصلاة عناداً واستكباراً، ويوضع السيف على رقبته ويقال له: إما أن تصلي أو تقتل فيختار القتل، فما من شك أن هذا لا يمكن أن يكون في قلبه تصديق؛ لأن الصلاة فرض من فروض الدين؛ ولأنه إذا وجد التصديق في القلب لوجد العمل، فإذا انتفى مع وجود هذه الحالة يخير بين القتل وبين الصلاة، فيختار القتل على الصلاة، فحصل هذا العناد منه بسبب غياب التصديق في قلبه.
النوع الرابع: كفر النفاق، وفي هذا النوع ينتفي عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة، ففي النفاق تنقاد الجوارح الظاهرة؛ لأن المنافق يظهر شعائر الإسلام، يصلي ويصوم ويزكي ويفعل جميع الأفعال الظاهرة؛ لكن ينتفي عمل قلبه.
إذاً: أنواع الكفر كل منها على حدة يخرج من الملة بالكلية، فإذا انضمت كلها ووجدت في شخص واحد فهي ظلمات بعضها فوق بعض وزيادة في الكفر، كفر الجهل والتكذيب، كفر الجحود، كفر العناد والاستكبار، كفر النفاق.
стр. 62
تعريف الإسلام والإيمان لغة واصطلاحاً
هناك تعريف لغوي للإسلام والإيمان لغوي وتعريف اصطلاحي.
الإسلام في اللغة: الانقياد والإذعان.
أما الإسلام في الشرع فيأتي على حالين: الأول: يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فحيثما أطلقت كلمة الإسلام ولم يقترن بها لفظ الإيمان، فحينئذٍ يراد به الدين كله، أصوله وفروعه، اعتقاداته وأقواله وأفعاله.
الثاني: إذا أطلق الإسلام مقترناً بالإيمان، أو مقترناً بالاعتقاد فينصرف فقط إلى الأعمال والأقوال الظاهرة.
أما الإيمان لغة: فهو التصديق.
أما الإيمان شرعاً: فيطلق أحياناً على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام؛ فيراد به هنا الدين كله، أو تأتي كلمة الإيمان وتطلق مقرونة بالإسلام، فهنا يفسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة.
وبالتالي: ينطبق علينا القول المعروف: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
إذا اجتمعا في لفظ واحد، كما في حديث جبريل، فيكون الإسلام عبارة عن الأفعال الظاهرة، والإيمان عن الأشياء الباطنة، أما إذا أتت كلمة الإسلام مطلقة بدون ما تقرن بالإيمان، أو أتت كلمة الإيمان مطلقة بدون أن تقترن معها الإسلام، فبهذه الحالة كل منهما على حدة ينصرف إلى كل أمور الدين والظاهر والباطن والاعتقادات وغير ذلك، وكما أن الإيمان المقيد الذي يأتي مع الإسلام في لفظ واحد يكون تصديقاً بأمور مخصوصة، والإسلام يكون إظهار أعمال مخصوصة، كما أن العالم لا يكون مسلماً كاملاً إلا إذا اعتقد؛ فكذلك المعتقد لا يكون مؤمناً كاملاً إلا إذا عمل، وسيأتي إن شاء الله ذكر التفصيل في ذلك.
стр. 63
أركان الإسلام والإيمان
стр. 64
تفنيد مذهب المنحرفين في تعريف الإيمان
يقول بعضهم الإيمان هو مجرد التصديق فقط بما عند الله.
وهذا الذي قاله ابن الراوندي، ومن وافقه من المعتزلة وغيرهم.
أما الجهم بن صفوان فزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط.
والمرجئة والكرامية قالوا: إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب، وقال آخرون: هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان.
أما الخوارج والعلاف ومن وافقهم فقالوا: الإيمان هو الطاعة بأسرها فرضاً كانت أو نفلاً.
وقال الجبائي وأكثر المعتزلة: هو الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل، وقال الباقون من المعتزلة: هو العمل والنطق والاعتقاد، ونحاول أن نوضح المخالفات الموجودة في كلام كل منهم على حدة.
أما الكلام في مسمى معنى الدين والإسلام والإيمان، فنحتاج أن نصدره بالحديث الشهير حديث جبريل ﵇، وقد رواه مسلم بسنده عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر ﵄ داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنف، قال ابن عمر: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف عليه عبد الله بن عمر؛ لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم قال: حدثني أبي عمر الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه! -ولكن من أدب الصحابة ﵃ أنهم كانوا يتريثون ولا يتعجلون الاستفصال عن هذا، لكنهم كتموا في أنفسهم هذا التعجب، كيف يسأله ثم يقول له: صدقت؟! - قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال لي: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
وروايات هذا الحديث كثيرة نكتفي منها بهذه الرواية.
стр. 65
الأركان الجامعة للدين
يقول الشيخ حافظ حكمي ﵀ في كتابه (معارج القبول): اعلم بأن الدين قول وعمل فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل يعني: اعلم بأن الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ورضيه لأهل سماواته وأرضه، وأمر ألا يعبد إلا به، ولا يقبل من أحد سواه، ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه، ولا أحسن ديناً ممن التزمه واتبعه.
اعلم بأن الدين قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، فهذه أربعة أركان جامعة لأمور دين الإسلام.
стр. 66
الركن الأول: قول القلب
إن قول القلب هو تصديقه وإيقانه، قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٣٣ - ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، يعني: صدقوا بالله ورسوله ثم لم يشكوا في هذا التصديق، وفي حديث الدرجات العلى أخبر النبي ﷺ عن قوم على منابر من نور يوم القيامة يغبطهم عليها الأنبياء والمرسلون، ثم قال ﵊: (بلى والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين)، والشاهد قوله: (وصدقوا المرسلين)، وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، أي: يصدقون بالغيب، وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥]، وغير ذلك من الآيات التي فيها بيان أن من الإيمان قول القلب بالتصديق واليقين.
وفي حديث الشفاعة يقول ﵊: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة)، وفي الحديث الآخر فيقال: (انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان)، فالشاهد هنا قوله: (في قلبه).
وقال ﵎ في المكذبين: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، يعني: لا يصدقون، وقال تعالى في المرتابين الشاكين: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧]، وقال فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] لأنهم يقولون هذا بلسانهم، أما قلوبهم فليس فيها تصديق ولا يقين: ((وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ))، أي: في قولهم: نشهد، فهم كذبوا لا يشهدون بذلك بقلوبهم، وإنما هو بألسنتهم تقية ونفاقاً ومخادعة.
فهذا هو الركن الأول من الدين وهو قول بالقلب.
هذه الأركان لابد من وجودها جميعاً في كل مؤمن، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل بالأركان.
стр. 67
الركن الثاني: قول اللسان
أما قول اللسان: فهو النطق بالشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ [القصص:٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف:٨٦]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣]، وقال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، وهذه الشهادة تكون باللسان.
стр. 68
الركن الثالث: عمل القلب
هناك فرق بين قول القلب وبين عمل القلب؛ لأن قول القلب هو التصديق واليقين، أما عمل القلب فهو العبادات القلبية التي لا تؤدى إلا بالقلب، مثل: النية، الإخلاص، المحبة، الانقياد، الإقبال على الله ، التوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه، يقول ﵎: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] عمل القلب في قوله: ((يُرِيدُونَ وَجْهَهُ))، وقال : ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]، هذا هو عمل القلب، وقال ﵎: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩]، هذه أيضاً أعمال القلب، النية والإخلاص لله، وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] فهنا ذكر من أعمال القلب وجل القلب والخوف من الله ﵎ وذلك من أركان الإيمان.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] ومعلوم أن السيدة عائشة ﵂ سألت النبي ﷺ عن هؤلاء الذين يؤتون ما آتوا فقالت: (هل هم الذين يسرقون ويزنون ويفعلون المحرمات ويشربون الخمر، فقال ﵊: لا يا ابنة الصديق! بل هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخافون ألا يتقبل منهم)، فهذا هو تفسير النبي ﵊ لقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا))، يعني: من الأعمال الصالحة، ومع ذلك هم خائفون وجلون ألا يتقبل منهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
فالشاهد هنا في قوله: ((وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ))، فالوجل والخوف من أعمال القلب.
وقال : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، وقال أيضاً: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، وقال : ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، والإخلاص عمل قلبي، وقال أيضاً: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وهذا عمل قلبي: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، والنية عمل قلبي، وقال أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] والحب عمل قلبي.
فهناك أعمال في القلب لابد أن تؤدى، وحتى تحقق التوحيد في الأعمال القلبية ينبغي ألا توجهها إلا إلى الله ﵎، كما أن من أعمال البدن السجود، الركوع، الصيام، الجهاد، هذه كلها من أعمال البدن، حتى توحد الله بأعمال البدن لا توجه هذه العبادات إلا إلى الله ﵎، فلا تسجد ولا تركع إلا لله ﵎؛ كذلك أعمال القلب ينبغي ألا توجه إلا إلى الله ، فلا تخاف إلا الله، ولا تحب إلا الله وفي الله، ولا تتوكل إلا على الله، فإن وجهت التوكل إلى غير الله ففي هذه الحالة تكون اتخذته شريكاً مع الله ﵎, يقول الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] وقال : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧]، وقال أيضاً: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥]، وقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]، وقال: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤]، وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، هذا الدليل واضح جداً في اشتراط عمل القلب في الإيمان، ولا يتحقق الإيمان حتى تجتمع هذه الأشياء: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ))، وقال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
قوله: (إنما الأعمال بالنيات)، يعني: الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، ونحتج بالحديث على أن من يعمل عملاً مخالفاً للشرع ثم يقول: نيتي صحيحة؛ كمن يسرق ليتصدق، نقول له: لابد أن يكون العمل صالحاً، إنما الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، ولو عمل عملاً صالحاً يريد به غير وجه الله لا ينفعه أيضاً، فلابد من الاثنين أن يكون العمل صالحاً موافقاً للشرع، وأن يكون خالصاً يبتغى به وجه الله ﵎، وتقدم الكلام على ما ينافي الإخلاص من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر.
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (أحبوا الله من كل قلوبكم)، وقال ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، هذا أيضاً عمل قلبي، وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، وكان ﷺ يقول: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربني إلى حبك)، وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، فهذا غاية الانقياد؛ إذ لم يكن له هوى غير ما جاء به رسول الله ﷺ .
أما التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع وغير ذلك من أعمال القلوب فأدلتها كثيرة جداً يطول الكلام بإحصائها واستقصائها.
الشاهد: كما أن قول القلب هو بالتصديق واليقين بالحق؛ كذلك لابد أن ينضم إليه: قول اللسان بالنطق بالشهادتين.
стр. 69
الركن الرابع: عمل اللسان والجوارح
أما عمل اللسان فهو ما لا يؤدى إلا به، مثل: العبادات التي مناطها اللسان، كتلاوة القرآن، والأذكار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء والاستغفار ونحو ذلك.
أما عمل الجوارح فما لا يؤدى إلا بها، كالقيام في الصلاة والركوع والسجود، والمشي في مرضاة الله كالخطى إلى المساجد، وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما يشمله حديث شعب الإيمان.
قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر:٢٩]، هذا عمل باللسان، ويمكن أن يكون عملاً بالجوارح على اعتبار أن اللسان أحد الجوارح.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]، وقال ﵎: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]، فهذا أمر بالعمل باللسان.
وقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦] وهي كما جاء في الحديث الصحيح: (خذوا جنتكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومجنبات -أي: من الجنبين تحيط بالإنسان ومن قدامه ومن خلفه- وهن الباقيات الصالحات)، هذا الحديث نص في أن الباقيات الصالحات هن هؤلاء الكلمات.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]، وقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]، وقال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] والقيام من عمل جوارح، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٧ - ٧٨]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٤]، وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، فهذه فيها أعمال القلب والجوارح.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] وهذا بالجوارح: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١] إلى آخره، ثم قال : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢]، فالآيات والأحاديث كثيرة جداً في أن أعمال الجوارح ركن من أركان الدين وداخله في مسماه.
стр. 70
أنواع الكفر المخرجة من الملة
إن أصل أصول الدين هو أن الإيمان قول وعمل؛ قول بالقلب وباللسان، وعمل بالقلب وبالأركان بما فيها اللسان، فإذا حقق الإنسان هذه الأمور الأربعة تحقيقاً بالغاً، وعرف ما يراد بها معرفة تامة، وفهم فهماً واضحاً، ثم أمعن النظر في أضدادها ونواقضها، تبين له أن أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة: كفر جهل وتكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق، وكل واحد منها يخرج من الملة بالكلية، وإن اجتمعت في شخص فظلمات بعضها فوق بعض والعياذ بالله من ذلك؛ لأنه إما أن تنتفي هذه الأمور كلها فلا يكون عنده قول القلب ولا عمله، ولا قول اللسان ولا عمل الجوارح، أو ينتفي بعضها، فإن انتفت كلها فقد اجتمعت أنواع الكفر غير النفاق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧]، فإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق، فهذا كفر الجهل والتكذيب، قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:٣٩]، فلما انتفى تصديق القلب مع الجهل بالحق فهذا هو كفر الجهل والتكذيب، وقال ﵎: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ [النمل:٨٤]، كذب وجهل بالحق، فهو جمع بين التكذيب والجهل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٣ - ٨٤] فإذا كتم الحق مع العلم به وبصدقه فهذا كفر الجحود والكتمان، يعني: قلبه يعلم بالحق لكنه يكتمه ويجحده، كما قال في فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة:٨٩]-اليهود- ﴿مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩]، هم يعرفون أن الرسول حق، وأنه رسول الله ﷺ حقاً وصدقاً؛ لكنهم جحدوا واستكبروا، وقال : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:١٤٦ - ١٤٧].
أما إذا انتفى عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة والإذعان مع انقياد الجوارح، فهو يصلي ويصوم ويزكي ويشهد الشهادتين؛ لكن انتفى عمل القلب، فلا نية ولا إخلاص ولا محبة ولا إذعان بالقلب، فهذا هو كفر النفاق؛ سواء وجد التصديق المطلق أو انتفى، وسواء انتفى بتكذيب أو شك، يقول : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:٨ - ١٠] إلى قوله ﵎: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].
وإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان، كمن لا يوجد له عمل بالقلبس ولا عمل بالجوارح؛ لكن عنده معرفة بالقلب واعتراف باللسان؛ فهذا كفر العناد والاستكبار، ككفر إبليس؛ لأن قلبه لم ينقد لأمر الله ﵎، وانتفى عمل الجوارح؛ لأنه لم يمتثل الأمر بالسجود، مع معرفته بقلبه أن هذا الأمر بالسجود صادر من الله ﵎، فهو يصدق أن هذا أمر الله.
وكذلك كفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه، أمثال حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهم من اليهود هو من هذا الباب، وكذا كفر من ترك الصلاة عناداً واستكباراً.
стр. 71
معنى قول أهل السنة: الإيمان هو التصديق
محال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب، قال النبي ﷺ : (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فمن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في تعريف الإيمان: هو التصديق، فعلى ظاهر اللغة، كما قال الله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] فهو إنما يقصد التصديق الذي يستلزم الانقياد والإذعان لا مجرد المعرفة كما يقول المرجئة؛ كما في قوله ﵎: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٥] ومعلوم أن هذه الرؤيا كانت وحي من الله فقط، وما أطلق عليها تصديقاً حتى انضم إليها الانقياد بأن أسلم هو وولده وتله للجبين حينئذ لما انضاف إلى التصديق العمل والانقياد والإذعان، فالقلب هو ملك البدن، فإذا وجد عمل القلب بالإذعان، فلابد أن يذعن في الظاهر بأعمال الجوارح، والدليل هذا الحديث: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، يعني: إذا وجد عمل القلب من الإذعان والخضوع والانقياد والمحبة إلى غير ذلك، ينعكس ذلك على الجوارح، فهذا عكس ما يردده أغلب الناس ويسيئون تطبيق هذا الحديث بعد أن يسيئوا فهمه، فيقولون: الإيمان في القلب، وهذا الحديث حجة عليه، كما قال شيخ الإسلام: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية وحديث لإثبات باطله إلا وكان في نفس الآية والحديث ما يدل على نقيض ما ذهب إليه، وهذه من آيات الله أنك إذا عكست الدليل عليه تجد الحجة قائمة عليه تماماً؛ فكذلك هنا قوله: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، فالقلب يؤثر في البدن، والظاهر أيضاً يؤثر في القلب، هناك تفاعل مشترك بين الأمرين؛ فمثلاً الذي يحلق لحيته ويقول: إن الأعمال بالنيات، وإن قلبي سليم! نقول له: كذبت وخالفت قول رسول الله ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ قال: إذا صلح القلب صلح الجسد، وانعكس على ظاهره الأعمال الصالحة سواء من إعفاء اللحية والتمسك بسنة النبي ﵊، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وسائر الأعمال الظاهرة، فهذه تكون عنواناً على سلامة هذا القلب؛ كذلك القلب السليم ينضح بهذه الأعمال الصالحة.
فالمقصود أن من قال من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان هو التصديق؛ فإنما أراد التصديق على أساس أصل اللغة؛ لكن الإيمان في الاصطلاح هو التصديق المستلزم للانقياد.
وهذا مقياس في الظاهر والباطن ليس فقط في الظاهر، فلم يعنوا مجرد التصديق، والدليل: أن إبليس لعنه الله لم يكذِّب ولم يشك في أن الأمر له بالسجود هو من عند الله ﵎، وإنما الذي تخلف عن إبليس هو عمل القلب وهو بالانقياد في هذا الأمر، لذا كان إباؤه كفراً واستكباراً.
كذلك اليهود كانوا يعتقدون صدق رسول الله ﷺ ، ولم يتبعوه جحوداً وعناداً، وفرعون كان يؤمن أن موسى رسول الله حقاً، والأدلة على ذلك موجودة في القرآن الكريم وهي كثيرة، منها: قوله ﵎: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، ويقول ﵎ في آخر سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:١٠١]، فماذا أجاب موسى وموسى صادق مصدوق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؟ ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، فهذا دليل على أن فرعون كان عنده يقين ومعرفة أن هذا رسول الله حقاً وصدقاً؛ لكنه لم ينقد له.
وهناك آيات أخرى في سورة الأعراف وغيرها من السور فيها إثبات أن القوم لما كان ينزل بهم سخط الله وعذابه كانوا يهرعون إلى موسى، يقول: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف:٤٩]، ثم ينقضون العهد بعد ذلك كما هو معلوم في سورة الزخرف والأعراف أيضاً.
فالشاهد أن هؤلاء كانوا يعرفون صدق الرسول؛ لكن لم ينقادوا إليه، وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينقد له، بل جحد بآيات الله ظلماً وعلواً، فأين هذا التصديق من تصديق من قال الله تعالى فيه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]؟ وحتى تتمثل الأمر بوضوح؛ لأنه ربما يلتبس على الإنسان الفرق بين قول القلب وعمله، نقول: فرعون كان عنده القول بالقلب؛ وإبليس كان عنده القول بالقلب، واليهود الذين صدقوا بنبوة النبي ﵊ كان عندهم القول بالقلب، لكن لم يوجد عندهم عمل القلب، وهو الانقياد والإذعان والمحبة وغير ذلك من الأعمال القلبية.
إذاً: تذكر قوله في حق فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وقارن هذا التصديق الذي كان عليه فرعون وقومه بالتصديق الذي جاء في قوله ﵎: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]، قارن أيضاً تصديق اليهود الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء:٤٦]، و: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٧٦]، فقارن بين هذا التصديق وتصديق الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فلابد أن نفرق بين قول القلب وبين عمل القلب، قول القلب هو التصديق واليقين، أما عمل القلب فهو الانقياد والمحبة والإذعان لما أمر الله ﵎ به، فهذا خلاصة شرح قول صاحب سلم الوصول إلى الأصول: اعلم بأن الدين قول وعمل فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل يعني: ما اشتمل عليه هذا الكلام من أن الإيمان قول وعمل، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح.
стр. 72
مراتب الدين
قال الشيخ حافظ حكمي ﵀: كفاك ما قد قاله الرسول إذ جاءه يسأله جبريل على مراتب ثلاث فصله جاءت على جميعه مشتمله الاسلام والإيمان والإحسان والكل مبني على أركان قوله: (كفاك) يعني: كفاك يا طالب الحق ما قد قاله الرسول محمد ﵌.
قوله: (إذا جاءه يسأله) يعني: حين جاءه يسأله عن مراتب الدين وشرائعه، وهو جبريل ﵇ كما في الحديث الصحيح السابق.
قوله: (على مراتب ثلاث فصله) أي: بتلك الأجوبة الصريحة.
قوله: (جاءت) يعني: الثلاث المراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان.
قوله: (على جميعه) يعني: على جميع الدين مشتملة؛ ولهذا سمى النبي ﷺ هذه الأمور كلها بقوله: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
والكلام في قضية الإيمان يصبح رداً قوياً جداً على الذين يصفون هذه الأعمال سواء كانت أعمال القلب أو غيرها، يقول: أنتم تهتمون بأمور نظرية فلا يترتب عليها عمل، كلا.
هذه عمل في الحقيقة، كما ذكرنا عمل القلب بالانقياد والإذعان، كما يقول : ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، فالقلب له كسب وعمل أيضاً.
стр. 73
مرتبة الإسلام
قوله: (الإسلام) أي: مفصل من مجمل المراتب، وهو بدل بعض من كل.
الاسلام والإيمان والإحسان والكل مبني على أركان هذه هي المرتبة الأولى كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ ومن وافقه من الصحابة حينما سأل جبريل النبي ﷺ عن الإسلام.
نأتي أولاً بالمعنى اللغوي ثم بالمعنى الاصطلاحي، فالإسلام لغة: الانقياد والإذعان.
وأما في الشريعة فله حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، هنا أتى الإسلام مفرداً دون أن يقترن بلفظ الإيمان، فيشمل كل أمور الدين، الباطن والظاهر والأقوال والأعمال والاعتقادات، وكل شيء يدخل تحت مسمى الدين يدخل في كلمة الإسلام؛ لأنها أتت مفردة مطلقة دون أن ترتبط بلفظ الإيمان في وقت واحد: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ومثلها: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فيشمل هنا كل أمور الدين، وقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، السلم هنا المقصود به الإسلام، أي: التزموا بجميع أمور الدين والإسلام سواء الاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال الباطنة أو الظاهرة.
وهذه الآية من أقوى الأدلة التي نرمي بها في نحور الذين يقسمون الدين إلى أمور نظرية، ويفترون على الله حينما يسمونها تافهة ويسخرون منها وهي من أركان الإيمان؛ لأن قوله: (كافة) يعني: جميع ما يتعلق بالإسلام من الأقوال والأعمال والنيات والأحوال وغير ذلك، هذا كله مأمور بالدخول فيه سواء في ذلك العقيدة أو الفقه والعمل.
إذاً: في هذه الآية دليل ضد الذين يسخرون من أمور الفقه أو العلم، ويسخرون في ذلك من طلاب العلم، ويقولون: متى تخرجون من فقه دورة المياه؟ يسخرون من فقه الطهارة، ويسخرون من بعض العلماء أو طلاب العلم، ويقولون: علماء الحيض والنفاس، ولا يدرون أنهم بذلك يهلكون؛ لأن هذه تدخل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، لا يسمى أبداً شيء من أمر الدين أو أمر به النبي ﵊ أو أقره لا يمكن أن يسمى تافهاً أو سخيفاً، إنما يحمل قوله ﵊: (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها) معالي الأمور مقاصد الدين، أما السفساف فهي أمور الدنيا الحقيرة؛ لكن أن تعمد إلى قضية من قضايا الدين وتسخر منها أو تقول: هذه قشور أو أمور شكلية أو مظاهر لا حاجة لنا بها، فهذا كله إعراض عن المقصود الشامل من قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، أي: في كل ما يتعلق بالدين والإسلام.
ومن ذلك قوله ﵊ لما سأله معاوية بن حيدة: (ما الإسلام؟ قال: أن تقول: أسلمت وجهي لله)، إلى آخر الحديث، وحديث عمرو بن عبسة ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك لله ، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟)، الحديث فهنا يعتبر كدليل على أن كلمة الإسلام إذا أطلقت مفردة غير مقترنة بلفظ الإيمان فإنها تشمل كل أمور الإسلام، وكل أمور الدين، والظاهر والباطن وغير ذلك.
فقول النبي ﷺ : (أن يسلم قلبك لله يدخل فيه عمل القلب وقوله: (وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك) هذا فيه عمل الجوارح واللسان.
وقوله: (قال: فأي الإسلام أفضل؟) إذاً: الإسلام كلمة عامة، ثم يسأل عن أفضل ما يدخل في هذه الكلمة الشاملة الإسلام، قال: (فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان)، ففي هذا الحديث أطلقت كلمة الإسلام ويدخل في معناها أيضاً الإيمان بهذا النص، (قال: وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت)، فهذا دليل واضح على أن كلمة الإسلام إذا أطلقت وأفردت دون أن تقيد بالإيمان تشمل الظاهر والباطن.
فجعل رسول الله ﷺ الإيمان جزءاً من الإسلام وهو أفضله، وقال ﵊: (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها)، فالانقياد ظاهراً بدون إيمان لا يكون حسن إسلام، بل هو النفاق، فكيف تكتب له حسنات أو تمحى عنه سيئات؟ فقوله هنا: (حسن إسلامه) يشمل كل أمور الإسلام باطناً وظاهراً، أي: حسن باطنه وظاهره، أما إذا حسن الظاهر فقط فهذا شأن المنافقين الذين كانوا يخرجون مع المسلمين في الجهاد، وكانوا يصومون ويصلون الجماعة ويحجون ويفعلون كل هذه الأشياء، فهو حسن إسلام في الظاهر وانقياد ظاهري، ولكن تخلف الانقياد الباطني الذي هو عمل القلب، فلا يمكن أن يكون بالمقصود من قوله: (فحسن إسلامه) صلاح الظاهر فقط، بل لابد أن يكون في ظل هذا الحديث اشتراط حسن الإيمان القلبي والانقياد الباطني، فهذه الحالة الأولى من حالة ورود لفظة الإسلام.
الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترناً بالإيمان، فهو حينئذ يراد به الأقوال والأعمال الظاهرة فقط، إذا جاءك نص قرن فيه بين الإسلام والإيمان، ينطبق عليه قاعدة: إذا اجتمعا في لفظ واحد افترقا في المعنى لكن إذا افترقا اجتمعا.
إذاً: الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترناً بالاعتقاد فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، هنا اقترن الإيمان بالإسلام.
وربما يقول قائل: حديث عمرو بن عبسة أليس فيه إدخال الإسلام بالإيمان؟ نقول: نعم؛ ولكن جاءت قرينة تدل على أن الإسلام في أول الحديث المقصود به كل أمور الدين؛ لأنه نص على أن الإيمان جزء من الإسلام، والإسلام يشمل هذا ويشمل ما عداه.
وكقوله ﵌ لما قال له سعد ﵁: (ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمناً؟ فقال ﷺ : أو مسلماً)، يعني: هلا أطلقت عليه لفظة الإسلام لا لفظة الإيمان؟ لأنك تخبر عن علمك أنت، فعلمك يكون حسب الظاهر، فلا تقل: مؤمناً، لكن قل: مسلماً؛ لأنك لم تطلع على إيمانه، وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة، فهنا قوله: (إني أراه مؤمناً)، قصد بالإيمان الأمر الباطن، والرسول ﵊ قصد بالإسلام الأمر الظاهر.
وفي رواية النسائي: (لا تقل: مؤمناً، وقل: مسلماً)، وكحديث عمر أيضاً الذي سقناه في بداية الكلام، قال: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -كلها أعمال ظاهرة- وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن -هذه أعمال باطنة بالقلب- بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
стр. 74
مرتبة الإيمان
الإيمان لغة: التصديق، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، يعني: ما أنت بمصدق لنا.
أما في الشريعة فللإيمان أيضاً حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، فحينئذ يراد به الدين كله، كقوله في الذين آمنوا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، (فآمنوا) هنا تشمل الظاهر والباطن.
وقوله ﵎: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]، وقوله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، تشمل أيضاً الظاهر والباطن، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].
وقوله ﷺ : (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)، هنا تشمل الظاهر والباطن؛ لأنها مفردة غير مقيدة بالإسلام؛ ولهذا حصر الله الإيمان فيمن التزم الدين كله باطناً وظاهراً، في قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال:٢]، يعني: لا يوجد الإيمان إلا في هؤلاء؛ فانظر إلى صفتهم وأفعالهم، وسوف تجد أفعالهم وأعمالهم باطنة وظاهرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] هذه باطنة: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، أيضاً باطنة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، أعمال باطنة بالقلب: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]، ظاهرة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤] فأطلق الإيمان وحصره فيمن جمع بين الظاهر والباطن، وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، هذه أعمال قلبية: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، (في سبيل الله)، عمل قلبي بالنية؛ لأنه يريد إعلاء كلمة الله.
وقال : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٥ - ١٧]، فسرهم بمن اتصف بذلك كله أيضاً في قوله : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥]، ووصفهم أيضاً بالإيمان في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] إلى آخر الآيات، وقال : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، إلى آخر الآيات.
ثم قال جل وعلا: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وقال أيضاً -وهي من أوضح الأدلة في ذلك-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، الذين من صفاتهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ١١]، وقال أيضاً: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٢ - ٣]، وغير ذلك من الآيات.
بل أتى أيضاً نصاً صريحاً جداً فسر الإيمان بهذه الأعمال كلها، كما في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
وروي عن النبي ﷺ : أن أبا ذر ﵁ سأله فقال له: (ما الإيمان؟ فتلا عليه رسول الله ﷺ : ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)) [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية)، فأتى بهذه الآية جواباً عن سؤاله عن الإيمان، ثم قال له أيضاً: (ما الإيمان؟ فتلاها عليه، فقال: إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك)، يعني: هذه أيضاً علامة من علامات الإيمان، كما قال ﵊: (إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن)، هذه علامة من علامات الإيمان.
وأيضاً فسر النبي ﷺ الإيمان بالباطن والظاهر، كما في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وغيرهما: (آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم)، هذه عادة الصحابة في الجواب حينما يسألون أن يقولوا: الله ورسوله أعلم، بعض الناس يكررون هذه الكلمة الآن في غير موضوعها، تسأله عن الشيء الفلاني حصل أو لم يحصل؟ يقول: الله ورسوله أعلم لو قلت له: أين الكتاب الفلاني؟ قال: الله ورسوله أعلم.
كلا.
كيف: الله ورسوله أعلم؛ لأن الرسول ﵊ في حياته كان ينزل عليه الوحي فيخبره بهذه الأشياء؛ لذلك كان يقول الصحابة: الله ورسوله أعلم، لكن هل الرسول يعلم كل شيء؟ نعم، حتى بعد موته ﷺ لا يجوز أبداً أن تقول: الله ورسوله أعلم في كل شيء.
(قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس)، فهذه أعمال ظاهرة دخلت في مسمى الإيمان، وقد جعل رسول الله ﷺ قيام رمضان إيماناً واحتساباً من الإيمان، وكذا قيام ليلة القدر، وأداء الأمانة، والجهاد والحج، واتباع الجنائز، وغير ذلك، يقول ﵊: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، تماماً مثل كلمة الإسلام في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، تشمل الظاهر والباطن؛ لأنها غير مقترنة بالإسلام وقد أتت مفردة: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وهذه الشعب المذكورة قد جاءت في القرآن والسنة في مواضع متفرقة، منها ما هو من قول القلب، ومنها ما هو من عمل القلب، ومنها ما هو من قول اللسان، ومنها ما هو من عمل اللسان أو الجوارح، ولما كانت الصلاة جامعة لقول القلب وعمل القلب، وقول اللسان وعمل اللسان وعمل الجوارح، سماها الله تعالى إيماناً، كما في قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]؛ لأن الصلاة مشتملة على جميع أنواع الإيمان، فقد روى سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁، فذكرنا أصحاب محمد ﷺ وما سبقونا به، فقال عبد الله (إن أمر محمد ﷺ كان بيناً لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمان بالغيب، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢ - ٣])، فهنا حمل معناها عل
стр. 75
الإيمان والكفر [٦]
من قواعد أهل السنة والجماعة المنعقد عليها إجماع السلف: أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وأن الأعمال ركن من أركان الإيمان لا تتخلف عنه، فإن تخلفت عنه لم يعد صاحبه مؤمناً، وإلا لاشترك كل الناس في الإيمان حتى إبليس وفرعون.
следующие страницы →