← Акыда

Акыда · id 21753

سلسلة الإيمان والكفر - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (386 стр.). Показаны 351–386 · переход к 356.

стр. 351

الإيمان والكفر [٢٦] قد يختلف أهل السنة في بعض الأدلة على العذر بالجهل، ودلالتها على المقصود، لكنهم متفقون على أصل الدعوى، وقد استفاضت نصوصها لديهم وكثرت بينهم، وتحذيرهم من تكفير المعين بلا دليل أوضح من شمس النهار؛ لأن نتيجته الواقعية سيئة، سواء أكانت بالأقوال أم بالأفعال.

стр. 352

مسائل في التوحيد اختلف في العذر فيها بالجهل روى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال سعد بن عبادة ﵁: (لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه. فبلغ ذلك رسول الله ﵌ فقال: أتعجبون من غيرة سعد؟! فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة). يقول النبي ﵌ هنا في هذا الحديث: (ليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى) فالعذر هنا بمعنى الإنذار، أي أن الله ينذر الناس ويعذر إليهم قبل أن يؤاخذهم بالعقوبة، ولهذا بعث المرسلين، كما قال : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. وسنضيف هنا إلى ما سبق بعض المسائل التي يعذر فيها بالجهل والتي لا يعذر فيها بالجهل، ونذكر بعض المسائل التي قد تكون محل خلاف بين العلماء فيما يتعلق بهذه القضية، والنزاع فيها إنما هو مبني على تفسير وفهم بعض النصوص والأحاديث، وأشهرها حديث ذلك الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرقوه.

стр. 353

حديث الرجل الذي أمر بنيه أن يحرقوه ويذروه من تلك المسائل مسألة العذر بالجهل بعموم قدرة الله ، وإنكار معاد الأبدان إذا تفرقت، فذلك الرجل جهل قدرة الله العامة، وأنكر معاد الأبدان إذا فرقت، كما أوصى، وأساس اختلاف العلماء في هذه القضية مبني على تفاوت فهمهم وتفسيرهم لخطة ذلك الرجل. ونص الحديث عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (إن رجلاً حضره الموت، فلما يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطباً كثيراً، وأوقدوا فيه ناراً، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت فخذوها فاطحنوها، ثم انظروا يوم ريح فذروه في اليم. ففعلوا، فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله له)، وهذا الحديث رواه البخاري وغيره. وقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذاك: (وكان نباشاً). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه. يعني: هذا الرجل قد أسرف على نفسه في المعاصي، كما جاء في بعض الروايات الأخرى أنه أسرف على نفسه في خوض بعض المعاصي، حتى إذا حضره الموت خاف من لقاء ربه ، وغلبت عليه خشيته من عذاب الله، وكان يظن أنه إذا فعل ذلك فإن الله لن يقدر على جمعه، فلذلك أوصاهم هذه الوصية، كما يفعل الهنود من الإحراق بعد الموت، فأوصاهم أن يحرقوه حتى يمتحش تماماً وتخلص النار إلى عظمه، ثم يأخذوا ما تبقى من رماده وينتظروا يوماً ذا ريح، وفي بعض الروايات أنه قال: (ألقوا جزءاً منها في البر، وجزءاً في البحر، وجزءاً في الجو) أي: في الهواء، فجمعه الله ﵎ وسأله لما مثل بين يديه: لم فعلت ذلك؟! فقال: من خشيتك. فغفر الله ﵎ له. فالشاهد أن هذا الرجل قد غفر الله له، فدل على أن هذا الرجل لم يمت مشركاً؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦]. وهذا الاعتقاد الذي اعتقده ينبئ عن أنه كان يجهل أن الله على كل شيء قدير، وكان يجهل قدرة الله عليه، لذا أوصى بأن يفعل به ما فعل، ظناً منه أنه إذا ذهب جزء منه في البحر، وجزء في البر، وجزء في الهواء فإن الله لا يقدر على جمعه، والشك في قدرة الله ﵎ كفر أكبر، لكنه كان يجهل ذلك على تفسير فريق من العلماء الذين استدلوا بهذا الحديث على الإعذار بالجهل، وبعضهم عمم فقال: يعذر بالجهل عموماً في العقيدة، وبعضهم خص الإعذار بالجهل في الصفات. فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهل بذلك، ضال في هذا الظن مخطئ، فغفر الله له ذلك. يقول شيخ الإسلام: والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى ذلك أن يكون شاكاً في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره، وهو بين في عدم إيمانه بالله تعالى. لأن بعض الذين يريدون إبطال دلالة هذا الحديث يقولون: قوله: (فوالله لئن قدر الله علي) هو مثل قوله ﵎: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، يعني: لئن ضيق الله علي. أو هو كمثل قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] يعني: لن نضيق عليه، ولن نبتليه، ولن نمتحنه. وهذا -في الحقيقة- يفسد معنى الحديث؛ لأن معناه يصير: فوالله لئن ضيق الله علي ليضيقن علي. يقول شيخ الإسلام: من تأول قوله: (لئن قدر الله علي) بمعنى (قضى) أو بمعنى (ضيق) فقد أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه، فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه؛ لئلا يجمع ويعاد. السبب في هذا كله: أنه ظن أنه بذلك -والعياذ بالله- سوف يعجز الله عن أن يجمعه ويعيده ويحاسبه، وقال: (إذا أنا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في الريح في البحر)، أي: أنا آمركم بذلك حتى لا يجمعني الله، فوالله لئن قدر الله علي وعلى جمعي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقب الأولى، وهذا يدل على أنها سبب لها، فهذه فاء السببية، حيث فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه، فلو كان مقراً بقدرة الله عليه إذا لم يفعل ذلك لم يكن في ذلك فائدة له. وكلام الحافظ ابن حزم في هذه المسألة هو شجى في حلوق الذين ينحون منحى عدم الإعذار بالجهل في هذه القضايا. يقول ابن حزم: فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله، وقد قال بعض من يحرف الكلم عن مواضعه: إن معنى (لئن قدر علي) إنما هو: لئن ضيق الله علي. كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٦]، وهذا تأويل باطل؛ لأنه سيكون معناه حينئذ: لئن ضيق الله علي ليضيقن علي. وأيضاً: لو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذر رماده معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى، فهذا من الأحاديث المشهورة في هذا الباب. ومن أهل العلم من استشكل المغفرة لهذا الرجل مع إنكاره للبعث والقدرة، حتى قال بعض العلماء: إنما قال ذلك الرجل هذا في حال الدهشة وغلبة الخوف عليه حتى ذهب هذا الخوف بعقله لما يقول. يقول الحافظ ابن حجر ﵀: وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشة وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يكن قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما صدر منه. وقال الخطابي رداً على من تأول هذا الحديث على غير وجهه فإن قلت: كيف يغفر له وهو منكر بالقدرة على الإحياء؟! قلت: ليس بمنكر؛ إنما هو رجل جاهل ظن أنه إذا صنع به هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب، وحيث قال: (من خشيتك) علم منه أنه رجل مؤمن فعل ما فعل من خشية الله، ولجهله حسب أن هذه الحيلة تنجيه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضاً: فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك. فهذا الحديث من أشهر الأدلة التي استدل بها من عذر بالجهل في قضية في قضايا الأصول أو قضايا الإيمان، وبعضهم -كما ذكرنا- خصها بقضايا العقيدة.

стр. 354

حديث عائشة (مهما يكتم الناس يعلمه الله) ومن نفس هذا الباب الحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﵌؟! قلنا: بلى. قالت: لما كانت ليلتي التي النبي ﷺ فيها عندي انقلب -أي: رجع إلى البيت- فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه واضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وفتح الباب رويداً، فخرج ثم أجافه رويداً، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري) أي: ظنت أن الرسول ﵊ لما اطمأن إلى أنها قد نامت خرج يريد أن يذهب إلى أخرى من أمهات المؤمنين (ثم انطلقت على أثره، حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاثاً، ثم انحرف وانحرفت) أي: لما أحست أنه على وشك الرجوع من حيث جاء انحرفت هي -أيضاً- وغيرت اتجاهها (وأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر -تردد النفس بسرعة في الصدر- فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت) أي: أرادت أن تهرب منه حتى لا يشعر بذلك، فاضطجعت على الفراش بسرعة، ونتيجة للإسراع في الجري كانت تتنفس تنفساً سريعاً متتابعاً، فقال النبي ﷺ لما دخل ووجدها على الفراش وصدرها يعلو ويهبط في التنفس قال: (ما لك يا عائشة حشيا رابية؟! قالت: لا شيء. قال: لتخبرني، أو ليخبرني اللطيف الخبير. قالت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي. فأخبرته، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟! قلت: نعم. فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله - أي: أظننت أن الرسول ﵊ يضيع حقك؟! - قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟! قال: نعم)، رواه مسلم والنسائي والإمام أحمد وغيره. وموضع الشاهد في الحديث عندما نحتج به في المسألة التي نحن بصددها هو السؤال الذي في آخر الحديث، وهو قولها: (مهما يكتم الناس يعلمه الله؟!) أي: هل كل ما يكتمه الناس في قلوبهم يعلمه الله؟! قال: (نعم، فبعض العلماء فهموا أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لم تكن تعلم هذه الحقيقة، وكانت تجهل هذه الصفة من صفات الله ﵎، وهي أن الإنسان مهما كتم في صدره فإن الله يعلم ذلك، فهذا موضع الشاهد، ولكن في النفس شيء من هذا الاستدلال؛ لأنه يصعب جداً أن نتصور أن أم المؤمنين ﵂ -وهي التي تربت في بيت أبي بكر، ثم كانت في بيت النبوة تلك الفترة من الزمن- تجهل مثل هذه الحقيقة التي ينطق بها القرآن صباح مساء في جميع المحافل، فيبعد هذا الأمر في الحقيقة، ولا يكون هذا السؤال على حقيقته، ويؤول عن ظاهره، لكن الذين قالوا بهذا هم من كبار أئمة الإسلام، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فهو الذي استدل بهذا الحديث على هذه المسألة، فتكفينا صحة الدعوى وإن لم تستقم له الدلالة. أي أن المسألة نفسها -وهي الإعذار بالجهل في هذه الأمور وإن كانت من أمور العقيدة- ثابتة، وإن لم يصح هذا الاستدلال فهناك أدلة أخرى، كالحديث الذي ذكرناه آنفاً، وما سيأتي إن شاء الله، لكن قد يحصل نزاع في الاستدلال نفسه لا في صحة الدعوى، ولذا سنتلوا كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، حيث يقول: (فهذه عائشة أم المؤمنين سألت النبي ﷺ : هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي ﵌: (نعم)، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وأن الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء). فهذا فيما يتعلق بهذا الدليل والكلام فيه.

стр. 355

حديث أبي واقد: (اجعل لنا ذات أنواط) من الأدلة المشهورة حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم -أي: يعلقون فيها الأسلحة للتبرك- يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﵌: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، لتركبن سنن من كان قبلكم). قال بعض العلماء: إن هذا الحديث إنما هو في مسلمة الفتح الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يكونوا قد تلقوا قدراً كبيراً من التربية النبوية، ولم يتعلموا كل أمور التوحيد، فحينئذ طلبوا من النبي ﵌ شجرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، ويتبركون بها كما يفعل المشركون سواء بسواء، فما كفرهم النبي ﷺ وآله وسلم، ولم يقم عليهم حد الردة، وإنما علمهم ما جهلوه، وأخبرهم أن ما سألوه هو مما يخدش عقيدتهم، وهو مثلما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇، فكفر مقالتهم ولم يكفر أعيانهم.

стр. 356

حديث حذيفة: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب) من الأدلة حديث ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً إلى النبي ﵌ قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فنحن نقولها) قال صلة بن زفر لـ حذيفة: ما تغني عنهم (لا إله إلا الله) وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار. فقوله ﵊ هنا: (يدرس الإسلام) يعني: تنمحي معالمه وتضيع (كما يدرس وشي الثوب) يعني: حينما يصبح الثوب خلقاً تضيع الألوان والرسوم التي فيه، وكذلك الإسلام بمرور الوقت يجئ عليه زمن غربة وجهل عظيم بالدين، حتى يصل هذا الأمر إلى أن الناس لا يدرون ما هو الصيام، ولا ما هي الصلاة، ولا ما الصدقة، ولا ما هو النسك، ثم قال: (وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية) وهذا مما تنبأ به النبي ﷺ ، وهو أن القرآن سوف يرفع من الأرض والصدور ولا يبقى منه آية في الأرض، قال: (وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز)، والشيء الوحيد الذي يبقى لهم هو أنهم يقولون: لا إله إلا الله (يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة فنحن نقولها)، فقال صلة بن زفر -كما هؤلاء الذين لا يعذرون بالجهل في مثل هذا-: ما تغني عنهم (لا إله إلا الله) وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك؟! فأعرض عنه حذيفة وهو يكررها عليه ثلاثاً، ثم رد حذيفة أيضاً بثلاث مرات فقال: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار. فهذا -أيضاً- دليل على الإعذار بالجهل حينما يرفع العلم ويفشو الجهل، ولا يبقى للناس شيء يعلمونه من الإسلام غير كلمة التوحيد، فهم يجهلون الصيام والصلاة والصدقة فضلاً عن بقية أركان الدين، وهذا ما استدل به من لا يكفر تارك الصلاة، لقوله: تنجيهم من النار. وحديث حذيفة هذا يبين القدر الأدنى من النجاة، ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم مع ما هم فيه ليسوا من المشركين؛ لأن كلمة التوحيد تنجيهم من النار كما بين حذيفة رضي الله ﵎ عنه، وبعض الناس دفع هذا الاستدلال قائلاً: كيف نقول: إن هؤلاء الناس إنما كانوا معذورين؛ في حين أن القرآن رفع وما بقي منه شيء؟! ونقول: نعم، لكن موضع الاستدلال ما زال قائماً، وهو أدنى ما ينجي الناس من النار ويدخلهم الجنة، وهو جود الإقرار بهذه الكلمة، فمن أجل ذلك تنجيهم من النار.

стр. 357

سجود معاذ للنبي ﷺ بعد رجوعه من الشام وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: (لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي ﷺ ، قال: ما هذا يا معاذ؟! قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن أفعل ذلك لك. فقال رسول الله ﵌: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه)، وقوله: (وهي على قتب) يعني: على ظهر الجمل. فبعض العلماء قالوا: إنه كان يفهم هذا الحديث على ظاهره، أي أن معناه أنه لو كانت المرأة على قتب لا تمتنع من زوجها، لكن جاء التفسير بما هو أشد من ذلك، وهو أن العرب إذا كانت المرأة فيهم على وشك الوضع وتعسرت ولادتها كانوا يرون أن جلوسها على الجمل يسهل الولادة، فجاء التفسير بما هو أشد، فيا ويل النساء النواشز اللائي يستهن بطاعة الزوج وأداء حقه، فقوله: (لو سألها نفسها وهي على قتب) معناه: وهي في حالة الوضع. يقول الشوكاني رحمه الله تعالى في فوائد هذا الحديث: وفيه أن من سجد جاهلاً لغير الله لا يكفر. وقد يورد على هذا الاستدلال أن السجود على أنواع، وربما وجدت أدلة في القرآن تبين ذلك، كما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم ﵇، وهناك سجود التحية والإكرام، وربما استدل لذلك بقوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف:١٠٠] فهو سجود الانحناء أو التحية، وليس سجود العبادة.

стр. 358

قول الجارية (وفينا نبي يعلم ما في غد) ومما استدل به على ما نحن بصدده حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: (جاء النبي ﷺ فدخل حين بُني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آباء يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال: دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين)، رواه البخاري. فكأن النبي ﵊ هنا أمرهن بأن يعدلن عما يقلن من نسبة علم الغيب لغير الله إلى ما كن يقلن مما ليس فيه هذا، فهذا نوع من التعليم وإبطال هذا الاعتقاد الفاسد. وأجاب الفريق الآخر الذين لا يعذرون وقالوا: إن هذا الحديث في جويريات صغيرات غير مكلفات. وبعضهم قال: إن المقصود بهذا أنه يعلم ما في غد عن طريق إخبار جبريل ﵇ بالوحي، والله تعالى أعلم.

стр. 359

قول الرجل للنبي ﷺ : (ما شاء الله وشئت) وهنا استدلال آخر، وهو حديث ابن عباس ﵄ أن رجلاً جاء رسول الله ﷺ وقال له: ما شاء الله وشئت؟ فقال ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟! ما شاء الله وحده)، واستدل به -أيضاً- من لا من يعذرون بالجهل في هذه الأمور، وإن كان قد يستدل به أيضاً على العكس؛ لأن قول الإنسان: توكلت على الله وعليك، أو: أرجو التيسير من الله ومنك قولٌ يوهم الندية والمساواة، وبين ﷺ المخرج من ذلك بأن يعطف الإنسان بـ (ثم) لا بالواو؛ لأن (ثم) تقتضي التراخي والتأخير في الرتبة، فهذا هو المخرج، فهذا لو سمي شركاً فكأنه يكون شركاً عملياً وليس شركاً حقيقياً أكبر، فقد يكون -أيضاً- في الاستدلال بهذا الدليل نظر.

стр. 360

نصوص العلماء في قضية العذر بالجهل ويلحظ هنا أننا لم نسهب في ذكر الأدلة من القرآن؛ لأن أكثر الذين تكلموا في قضية العذر بالجهل وانتصروا للإعذار بالجهل يستدلون بأدلة لا علاقة لها بالمسألة التي تهمنا؛ إذ هذه الأدلة التي استدلوا بها هي في عموم الناس وفي الكفار الأصليين، أما قضيتنا فهي في رجل مسلم دخل في الإسلام وارتكب فعلاً من أفعال الشرك وهو يجهل أن هذا شرك، ولم يبلغه أن هذا شرك، فعامة الذين يتكلمون في العذر بالجهل يستدلون -مثلاً- بقوله ﵎: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وغيرها من الآيات، كقوله : ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، وقوله ﵎: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨ - ٩] إلى آخر الآية، كذلك قوله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]. فالشاهد أن هذه الآيات في الكفار، أما موضوعنا فهو موضوع خارج عن قضية الكفار، فموضوعنا هو في قضية مسلم ارتكب فعلاً من أفعال الشرك أو الكفر وهو يجهل، فالفرق بين المسلم والكافر: أن هذا المسلم أقر الإقرار المجمل بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله) قبل أن يبدأ في الانقياد لله واتباع رسوله ﵊، فالذين لا يعذرون يقولون: إن الميثاق الذي أخذه الله من قبل على ذرية بني آدم -كما جاءت بذلك الأحاديث والآية في سورة الأعراف- يكفي. وفريق آخر استدلوا بأن الإنسان فطر على التوحيد، لقوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه)، أو بأن العقل يهدي أيضاً إلى التوحيد. والجواب عن هذا كله أن هذه الأشياء لا تثبت تفضلاً من الله ، ولا يحاسب الإنسان عليها حتى تبلغه الحجة الرسالية، ولم يعول الشرع في ذلك لا على الميثاق الأول ولا على الفطرة أو العقل، وإنما أوقف العذاب على بلوغ الحجة الرسالية التي يكفر تاركها. ومن الأدلة التي استدلوا بها من القرآن قوله تعالى عن الحواريين: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٢] إلى آخر الآية في سورة المائدة، فوقف من يعذرون بالجهل عند قوله تعالى عن الحواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة:١١٢]، والقرآن أثنى على الحواريين، وكأن الحواريين كان عندهم شك في قدرة الله على أن يفعل ذلك، وفي الآية -أيضاً- أخذ ورد من حيث الاستدلال.

стр. 361

أقوال العلماء في العذر بالجهل يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر. وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: الطاعات كما تسمى إيماناً كذلك المعاصي تسمى كفراً، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد به الكفر المخرج عن الملة، فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً لا يلتبس على مثله وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعاً قطعياً يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع. وقال الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى: صح أنه لا يكفر أحد حتى يبلغه أمر النبي ﵌، فإذا بلغه فلم يؤمن به فهو كافر، فإن آمن به ثم اعتقد ما شاء الله أن يعتقده في نحلة أو فتيا أو عمل، أو عمل ما شاء الله أن يعمله دون أن يبلغه في ذلك شيء عن النبي ﷺ حكم بخلاف ما اعتقد أو قال أو عمل فلا شيء عليه أصلاً حتى يبلغه، فإن بلغه وصح عنده فإن خالفه مجتهداً فيما لم يتبين له وجه الحق في ذلك فهو مخطئ معذور مأجور مرة واحدة، كما قال ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر)، وكل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء، وإن خالفه بعلمه معانداً للحق معتقداً بخلاف ما عمل به فهو مؤمن فاسق، وإن خالفه معانداً بقلبه أو قوله فهو مشرك كافر، سواء في ذلك المعتقدات والفتيا للنصوص التي أوردناها، وهو قول إسحاق بن راهويه، وبه نقول وبالله التوفيق. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنا من أعظم الناس نهياً أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. وقال الإمام ابن القيم ﵀: إن العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، فأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما ونعذرهم لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. ويقول القرطبي رحمه الله تعالى: فكما أن الكافر لا يكون مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع. وقال الشوكاني ﵀: لا اعتبار بما وقع من فوارق عقائد الشرك، لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه. فهذه نصوص عن بعض العلماء في هذه القضية، أما هؤلاء الذين لم تبلغهم الدعوة على وجهها وماتوا فقد ذكر العلماء أنهم فريقان، فمنهم من أطلق القول بعذرهم، وأن الرحمة تشملهم ابتداء، حتى قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والفرس ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف: الصنف الأول: لم يبلغهم اسم محمد ﷺ أصلاً، فهم معذورون. الصنف الثاني: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون. الصنف الثالث: هم بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد ﷺ ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا -أيضاً- منذ الصبا أن -والعياذ بالله- كذاباً اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له: المقفع بعثه الله تحدياً بالنبوة كاذباً. يقول الغزالي: فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك النظر في الطلب. فهذا كلام الغزالي في فيصل التفرفة بين الإيمان والزندقة. ومنهم من قال في هذا الصنف: يمتحنون في عرصات يوم القيامة، وصحت النصوص في ذلك كما أشرنا إليها من قبل، وذهب إلى القول به عدد كبير من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن حجر وابن حزم وابن كثير والبيهقي، ونسبه أبو الحسن الأشعري إلى أهل السنة والجماعة، واستدلوا بحديث النبي ﷺ : (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة، فأما الأصم فيقول: يا رب! جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل. وأما الذي مات على الفطرة فيقول: يا رب! ما أتاني رسولك. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولاً أن: ادخلوا النار. قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً). قال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد أن ساق النصوص التي تشير إلى امتحان هؤلاء في عرصات يوم القيامة: وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي ذكره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. وأجاب عمن ضعفوا هذه الأحاديث بقوله: إن أحاديث هذا الباب -التي هي امتحان أهل الفترة يوم القيامة- منها ما هو صحيح، كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإن كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وقال الحافظ ابن حزم ﵀: أما من لم يبلغه ذكره ﷺ فإن كان موحداً فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد لهم نار يوم القيامة فيؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلها نجى، ومن أبى هلك. وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة -التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا - هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، فوجه الجمع بين الأدلة هو عذرهم بالفترة، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل، فبهذا الجمع تتفق الأدلة، فيكون أهل الفترة معذورين، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضاً.

стр. 362

قيام الحجة وشروطها ومعناها

стр. 363

قيام الحجة على المعين هذا في الحقيقة هو من موارد الاجتهاد والنزاع بين العلماء، وذلك عندما يعين بعض الناس شخصاً باسمه ويقولون: فلان معذور أم غير معذور؟ وفي هذه القضية بعينها أقامت عليه الحجة أم لم تقم؟ فإذا ثبت أصل العذر بالجهل فالمنازعة قد تقع في قضية بعينها، أو بالنسبة لشخص بعينه، فهذا مما تتفاوت فيه التقديرات، وهو من موارد الاجتهاد -أيضاً- بلا نزاع، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أشار إلى هذا في بعض كتبه فقال: إن الشخص إذا دفع الحكم بالكفر عن شخص معين يعتقد إسلامه ويحسن الظن به -أي: ويكون قد أخطأ بالفعل في هذه القضية- فإنه لا يكون آثماً في ذلك، بل هو مثاب لحسن ظنه في أخيه المؤمن، بل استدل على ذلك بقوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) وخطؤه معفو عنه. فإذاً: هذا يؤكد أنه إذا كانت هناك شبهة الكفر فالأولى أن تدفع شبهة الكفر عن آحاد المسلمين من أن تدرأ الحدود عنهم بالشبهات؛ لأن عواقب حكم الكفر أخطر من إقامة الحد خطأً، إذ قد ندبنا إلى الاحتياط في إقامة الحدود، كما قال ﵊: (ادرءوا الحدود بالشبهات، فلأن يخطئ الولي في العفو خير من أن يخطئ في القصاص) فأدنى شبهة تبطل الحد فلا يقام، فينبغي للإنسان أن يتورع ولا ينظر إلى قضية الجرأة على التكفير على أنها نوع من البطولة والشجاعة والاعتزاز بالدين. وفي الحقيقة أنه ينبغي أن تخاف على نفسك أكثر مما تخاف على هذا الشخص الذي يكون محل النزاع، فالمسألة ليست في أنك راض بكفره، بل لابد من أن تصف الكفر بأنه كفر، أما قضية الإجراءات فإنها توكل إلى أهل العلم، والأحوط أن تكل الأمر إلى أهل العلم في الجزم عند التعيين وتخاف على نفسك؛ لأنك إذا أخطأت في الحكم بالكفر فإنه تحور عليك وترتد إليك هذه الكلمة. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه، فالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئاً ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة، كما جاء في الحديث.

стр. 364

معنى إقامة الحجة وشروطها معنى إقامة الحجة أو صفة قيام الحجة -كما قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى- أن تبلغه، فلا يكون عنده شيء يقاومها. وقد ذكر بعض العلماء أن من شروط إقامة الحجة أن تكون من إمام أو نائبه، أي: من إنسان ذي سلطان يبين ذلك، وقال بعض العلماء: بل الواجب على كل أحد قبول الحق ممن قاله كائناً من كان. وقال بعض العلماء: الحجة على العامة لا تقوم إلا من خلال من يثقون به من أهل العلم؛ لأن العامة فرضهم سؤال أهل الذكر، ولا شأن لهم بالنظر في النصوص أو استنتاج الأحكام الشرعية منها، وقد تقوم عليهم برجل ولا تقوم عليهم بآخر، ولا ضابط لمن ترد إليه الفتيا بالنسبة لهم إلا التسامع والاستفاضة، وفي مثل هذا تتفاوت الاجتهادات، والحجة على العامة غير الحجة على العلماء، فالعامة يثقون بأهل الذكر فحسب، والواجب عليهم هو أن يسألوا أهل الذكر، والغالب عند العامة أن الشخص المعتد به عندهم هو من استفاض وانتشر في المجتمع الشهادة له بالعلم، وبرز أمامهم كرمز للعلم الشرعي والفتيا وغير ذلك، ففي مثل هذا الأمر يتفاوت الاجتهاد في قيام الحجة بهذا الشخص أو بهؤلاء الناس، من عدمه. والحجة على أهل العلم ليست كالحجة على العامة، فالحجة على أهل العلم تقوم بالأدلة الشرعية المعتبرة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقد يحسن عرضها رجل ولا يحسن عرضها رجل آخر، فكم من حامل حق لا بصيرة له في إحيائه، وكم من قضية عادلة أضاعها محامون فاشلون، فقد يكون الإنسان معه الحق لكن ليس عنده الأدوات التي تمكنه من الانتصار لهذا الحق، وحينئذٍ يعجز عن إقامة هذا الحق، وفي الحقيقة أن كثيراً من الناس يحسنون الظن بأنفسهم بمجرد أن يطلع أحدهم اطلاعاً يسيراً، فإنه يغتر ويكون صاحب الشبر، وصاحب الشبر هو الذي إذا بدأ يتعلم أشياء يسيرة يغتر ويتكبر على الناس ويختال، ويظن أنه صار شيخ الإسلام وعمدة الأنام، فإذا تعلم الإنسان شبراً آخر تواضع، فإذا تعلم شبراً ثالث علم أنه لا يعلم شيئاً، وعبر عن ذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فقال: كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي. وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي. خاصة طلبة العلم الذين ليس لهم فيه قدم راسخة، فإنهم يغترون، فيظن أحدهم بنفسه أنه أقام الحجة وهو لا يحسن إقامة الحجة، مثل المحامي الفاشل، فلذلك لا ينبغي أن يجزم الإنسان بأنه أقام الحجة إلا إذا تحرر من الأهواء، وتسلح بالعلم النافع الذي يستطيع به أن يدفع جميع شبهات الخصم حتى لا يبقى له مدفع أبداً للحق الذي بلغه، فليس كل من حفظ دليلاً أو دليلين في مسألة تقوم بمثله الحجة، بل الأصل في الحجة أنها لا تقام إلا بالمجتهد أو بذي سلطان أو أمير مطاع، فهذا هو الذي عبر عنه الفقهاء بذي السلطان، وهو في الحقيقة أقرب إلى عمل القضاء، فهي قضية إجرائية أكثر من كونها قضية تمس العقيدة، فتتبع الشخص الذي فعل الكفر في كونه معذوراً أم غير معذور، وجاهلاً أم غير جاهل، وفي تأوله كل ذلك يقتضي وجود نوع من العلم الشرعي بدرجة عالية من العلم، حتى نستطيع أن نجزم بأن فلاناً قد قامت عليه الحجة التي يكفر من خالفها.

стр. 365

نصوص العلماء في عدم تكفير المعين هناك بعض النصوص لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء في قضية عدم تكفير المعين، وعدم الاجتراء على ذلك. ونبدأ بكلام لـ ابن الوزير في كتابه (إيثار الحق على الخلق)، يقول ﵀: واعلم أن أقصى الكفر هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحد من رسله ﵈، أو لشيء مما جاءوا به إذا كان ذلك الأمر المكذب به معلوماً بالضرورة من الدين، ولا خلاف أن هذا القدر كفر، ومن صدر عنه فهو كافر إذا كان مكلفاً مختاراً غير مختل العقل ولا مكره. يقول: وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع. ويقول: وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الإسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها إذا قارف المعلوم بالضرورة للبعض أو للأكثر لا المعلوم له وتأول، وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التصريح، أو التبس علينا في حقه، وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في الاعتقاد، ومضادة الأدلة الجلية عقلاً وسمعاً، ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة المقدمة، وهؤلاء كالمجبرة الخلص المعروفين بالجهمية عند المحققين. وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: أما قول بعض أهل العلم: إن المتأول كالمرتد فهاهنا تسكب العبرات، ويناح على الإسلام وأهله بما جره التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا بسنة ولا قرآن، ولا ببيان من الله ولا ببرهان، بل لما غلت مراجل العصبية في الدين، وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين لقنهم الزمان بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب في البقيع، فيالله وللمسلمين من هذه الفاقرة -أي: الداهية- التي هي أعظم فواقر الدين، والرزية التي ما رزئ بمثلها سبيل المؤمنين، فأنت إن بقي فيك نصيب من عقل وبقية من مراقبة الله وحرقة من الغيرة الإسلامية علمت -وعلم كل من له علم بهذا الدين- أن النبي ﷺ لما سئل عن الإسلام قال في بيان حقيقته وإيضاح مفهومه: إنه إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. والأحاديث بهذا المعنى متواترة، فمن جاء بهذه الأركان الخمسة، وقام بها حق القيام فهو المسلم على رغم أنف من أبى ذلك كائناً من كان، فمن جاء بما يخالف هذا من ساقطي القوم وزائفي العلم بالجهل فاضرب به في جهه، وقل له: قد تقدم هذيانك، هذا برهان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر. يقول الشيخ صديق حسن خان: وكما أنه تقدم الحكم من رسول الله ﷺ لمن قام بهذه الأركان الخمسة بالإسلام، فقد حكم لمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره بالإيمان، وهذا منقول عنه نقلاً متواتراً، فمن كان هكذا فهو المؤمن حقاً، وقد ورد من الأدلة المشتملة على الترهيب العظيم من تكفير المسلمين، والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه ما يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح، فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية. مثلاً: إذا نظرنا إلى أدلة تحريم الغيبة ووجوب حفظ عرض المسلم بأنواعها نجد أنها من أكبر الذنوب وأكبر الكبائر، فكيف يكون الأمر إذاً؟! إن من الغيبة أن يقول المرء عن شخص: فلان قصير. أو نحو ذلك، أو يعيب ملابسه، أو ابنه، أو أي شيء يخصه، فهذا من الوقوع في عرض المسلم، وقد قال ﵊: (إن أهون الربا مثل أن ينكح الرجل أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم)، فهذا فيه تعظيم شديد جداً لعرض المسلم، فكيف بالطعن في دينه وانتسابه إلى ملة رسول الله ﵌؟! فما من شك في أن الجرأة على التكفير أخطر من ذلك، والأمر الذي يرتاب فيه الإنسان عليه يقول فيه: أقول ما يقول أهل العلم. أو: أنا طالب علم. أما أن يخضع للإرهاب الفكري كأن يقول له شخص: من لم يكفر الكافر فهو كافر حتى يزيل الوحشة التي يجدها المبتدع فلا ينبغي الالتفات إلى مثل هذه الأساليب. يقول الشيخ صديق حسن خان ﵀: وفي الأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه ما يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح، فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية؟! فإن هذه جناية لا تعدلها جناية، وجرأة لا تماثلها جرأة، وأين هذا المجترئ على تكفير أخيه من قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في الصحيح أيضاً: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)، ومن قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في الصحيح أيضاً: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، ومن قول رسول الله ﷺ : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) وهو في الصحيح، وكم يعد العاد من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية، فالهداية بيد الله ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير سورة الحجرات في قوله ﵎: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] قال: وليس قوله: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع. والحقيقة أن مشكلة التسرع في قضية التكفير ترجع إلى التداعيات التي تترتب عليها، والآثار الذي تنتج عنها، وهذا أمر محسوس، وقد لمسنا في الواقع الحي نماذج له، وكثير من البلاد تعيش مرارة هذه الانحرافات حتى اليوم، فإن من المكفرين من وصل إلى حد تكفير أئمة، بل وصل بعضهم إلى حد تكفير الأنبياء، فقد وقع أن بعض هؤلاء كان ينكر أن هناك ظلماً دون ظلم، وكفراً دون كفر، وجهلاً دون جهل، فاستدل بعض الإخوة -وظنوا أن الحجج ستكون قاطعة تخرسهم- بمثل قول يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فعاند المكفر وأصر، وقال: إن معنى (كنت من الظالمين) أن يونس ﵇ كفر ثم أسلم. وحملوا على ذلك كل حديث، حتى نسبوا إلى آدم أنه كفر -أيضاً- بالذنب ثم أسلم، فالتوبة دخول في الإسلام من جديد، وهذا من الضلال والانحراف في العقيدة. ومما نلمسه من آثار هذه البدعة تكفير السلف، مثل الإمام البخاري، فبعض هؤلاء الضالين كفر الإمام البخاري؛ لأنه قال في كتابه: (باب كفران العشير وكفر دون كفر) فعد هذا كفراً، فكفر البخاري وكفر مسلماً، وكان يقول شكري مصطفى: يجوز الاستدلال بأحاديث البخاري وإن كان كافراً، والكافر يمكن أن يكون صادقاً. وكفروا -أيضاً- كثيراً من العلماء المعاصرين، ومنهم الشيخ ناصر الدين الألباني وغيره من أئمة الهدى، فالشاهد أن من آثار ذلك: استحلال الأعراض، والدماء، والأموال، وعقوق الوالدين كما يقع، بل ربما تقع إراقة دم الأب أو الأم، واستحلال الفروج، فلضلالاتهم قد يأخذون امرأة من زوجها ويزوجونها شخصاً آخر، فهل هناك جرأة أعظم من هذه الجرأة؟! فهذا هو شؤم هذه الدعوة الضالة، إلى جانب فتح باب عظيم لأعداء الإسلام من الصحفيين والإعلاميين لتشويه الدعوة والتنفير منها بحجة أن هذا هو الذي يدعو إليه هؤلاء الناس، وهو السخرية من العبادات، وتكفير الذين يصلون في المساجد لأنهم يأوون إلى معابد الجاهلية ويشاركون الجاهليين في عبادتهم، فتصور ديناً أو عقيدة أو نحلة وصل خذلان الله ﵎ لأصحابها إلى أنهم يتعبدون بهجرة المساجد، والله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤]، فكان شكري مصطفى يعتقد أن جميع المساجد على وجه الأرض مساجد ضرار لا تجوز الصلاة فيها ما عدا أربعة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء، وما عدا ذلك من المساجد فلا يجوز الصلاة فيها؛ لأنها كلها مساجد ضرار، ومن يصلي فيها كافر، حتى بلغني أن مثل هذا كان إذا سمع الأذان يقول: هذا مكاء وتصدية المشركين. فصارت عبارات الأذان ونداء التوحيد مكاء وتصدية عندهم، وهذا هو الذي حكاه الله عن المشركين في قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥]، فهل هؤلاء عندهم دين؟! وهل يخافون الله ويراقبونه؟! وهل هؤلاء يعدون العدة ليوم الحساب حينما يعتدون على شعائر الله وعلى دين الله ﵎ بهذه الطريقة؟! فالشاهد أن هذه القضية ليست بالهينة، ويترتب عليها من الآثار ما نلمسه في واقعنا من هذه المناكر. يقول الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: إن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة ﵃ أن: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما) هكذا في الصحيح، وفي لفظ آخر في الصحيحين وغيرهما: (من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه) أي: إن كان غير مستحق لهذا يعود هذا الأمر عليه، وفي لفظ في الصحيح: (فقد كفر أحدهما) ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير، وقد قال الله : ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦]، فلاب

стр. 366

الإيمان والكفر [٢٧] الصلاة عند أهل السنة والجماعة جائزة خلف كل بر وفاجر، وكذا الصلاة عليهم، ومحل الصلاة هي المساجد التي بنيت لعبادة الله، ولا يجوز لمسلم أن يهجر المساجد ويترك الجمعة والجماعة بغير عذر، فإن فعل ذلك فقد ابتدع، وقد ابتلي الإسلام في عصرنا ببعض المنتسبين إليه الذين جعلوا مساجد الله مساجد ضرار، وتقربوا إلى الله بترك الجمعة والجماعة مشترطين في ذلك شروطاً أملتها عليهم أهواؤهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 367

الصلاة خلف أئمة المسلمين فحديثنا سيكون -بإذن الله تعالى- عن قضية من القضايا المهمة التي نتطرق إليها، والتي هي ثمرة من ثمرات الفكر الخبيث الذي ينحرف عن منهج أهل السنة والجماعة، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:٥٨]، فهذه الجماعة الخبيثة أعادت فكر الخوارج -وهي المسماة بجماعة التكفير والهجرة- ومن سار على دربها اجترأ المنتسبون إليها على حدود الله ﵎ كثيراً، ومن هذه الجرأة موقفهم من المساجد التي هي بيوت الله عز جل، وقضية الصلاة خلف عموم المسلمين في مساجدهم في بلاد المسلمين. فنبدأ أولاً بدراسة شرح ما يتعلق بهذه القضية من متن العقيدة الطحاوية، حيث يقول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم). يقول الشارح رحمه الله تعالى: قال ﷺ : (صلوا خلف كل بر وفاجر)، وقد استعمل الشارح عبارة الحديث مع أنه ضعف الحديث، فقال: رواه مكحول عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه الدارقطني وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة. وفي إسناده معاوية بن صالح متكلم فيه، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وخرج له الدارقطني أيضاً، وأبو داود عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم بر أو فاجر، وإن هو عمل بالكبائر، والجهاد واجب مع كل أمير بر أو فاجر وإن عمل الكبائر)، وفي هذا الحديث -أيضاً- ضعف، وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك ﵁، وكان الحجاج فاسقاً ظالماً. ومعروف فسق الحجاج وجرأته على إراقة دماء المسلمين، بل خيار المسلمين ﵃. وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده إلى عمير بن هانئ قال: شهدت ابن عمر والحجاج محاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء وربما حضر الصلاة مع هؤلاء. وهذا سند صحيح، وأخرجه البيهقي -أيضاً- بلفظ: عن عمير بن هانئ قال: بعثني عبد الملك بن مروان بكتب إلى الحجاج، فأتيته وقد نصب على البيت أربعين منجنيقاً -حيث ضرب الكعبة بالمنجنيق- فرأيت ابن عمر إذا حضر في الصلاة مع الحجاج صلى معه، وإذا حضر ابن الزبير صلى معه، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! أتصلي مع هؤلاء وهذه أعمالهم؟! فقال: يا أخا أهل الشام! ما أنا لهم بحامد، ولا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق. يعني: أنا لا أثني على ما يفعلونه من الشر، ولا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق. وروى الشافعي بسنده عن نافع أن ابن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير والحجاج، فصلى مع الحجاج، وروى ابن سعد في الطبقات عن زيد بن أسلم أن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أميراً إلا صلى خلفه وأدى إليه زكاة ماله. وسنده صحيح. وأيضاً عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان، قال: فقيل له: أما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؟! قال: فيقول: لا والله، ما كانوا يزيدون على صلاة الأئمة. يعني أن صلاة الأئمة في المساجد يعتدون بها حتى ولو كانوا من الظلمة أو الفاسقين ما داموا على أصل الإسلام. وفي المجموع قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: الصلاة وراء الفاسق صحيحة ليست محرمة، لكنها مكروهة، وكذا تكره وراء المبتدع الذي لا يكفر ببدعته وتصح، ونص الشافعي في المختصر على كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، فإن فعلها صحت، وقال مالك: لا تصح وراء فاسق بغير تأويل، كشارب الخمر والزاني، وذهب جمهور العلماء إلى صحتها. يقول شارح الطحاوية: وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقاً ظالماً. وفي صحيحه -أيضاً- أن النبي ﷺ قال: (يصلون لكم)، يعني الأئمة في عهود الإسلام الأولى، حيث كان -كما هو في حكم الإسلام- الذي يلي الإمامة والجماعة الجامعة للمسلمين الخليفة أو الحاكم أو الوالي، وكالمحافظ اليوم مثلاً، وهذا هو شأن الصلاة، حيث ينبغي أن يكون أول من يتولاها ويحاسب من يتخلف عنها هو الإمام، فكان الذي يلي إمامة الصلاة من الأئمة قد يكون ظالماً أو فاسقاً. وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم). وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﵌ قال: (صلوا خلف من قال: (لا إله إلا الله)، وصلوا على من مات من أهل (لا إله إلا الله))، أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها. يقول الشارح ﵀: اعلم -رحمك الله وإيانا- أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقاً باتفاق الأئمة. إذاً: هذا اتفاق بين أئمة الإسلام، وهو أنه يجوز لك أن تصلي خلف الشخص الذي لا تعرف عنه بدعة ولا فسقاً. يقول: وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه فيقول له: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف المستور الحال. ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه -أي: حيث لا يوجد سوى هذا المسجد، ولا يوجد إمام إلا هذا الإمام المعين الذي هو الإمام الراتب بالمسجد- كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك، فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء. يعني: لو كان الإمام مرتكباً بدعة لا تكفره، ولا مناص من الصلاة خلفه، فمن صلى في البيت لأجل بدعة الإمام صار هو المبتدع, أو صار حرياً بأن يوصف بأنه مبتدع. يقول: ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء، والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر ﵄ يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس ﵁ كما تقدم، وكذلك كان عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر. وفي صحيح مسلم عن طريق حصين بن المنذر قال: شهدت عثمان وأتي بـ الوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم. فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال: عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها. فقال: يا علي! قم فاجلده. فقال علي: قم -يا حسن - فاجلده. فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها. فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر! قم فاجلده. فجلده علي بعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين وكلٌ سنة، وهذا أحب إلي. والشاهد أن هذا رجل فاسق كان يشرب الخمر، ومع ذلك صلى خلفه عبد الله بن مسعود ﵁. وفي الصحيح أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أمير البررة وقتيل الفجرة لما حصر صلى بالناس شخص آخر غير الإمام الذي هو عثمان ﵁، فسأل سائل عثمان وهو في الدار قد حاصره الثوار الفجرة فقال: إنك إمام عامة، وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة. فقال: يا ابن أخي! إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم. أخرجه البخاري من حديث عبيد الله بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج. فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا تجنب إساءتهم. فهذا هو المقياس المنضبط في الحكم على مثل هذه الأمور، فهذه العبارة عن أمير المؤمنين عثمان ﵁ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب، وأن يحفظها كل منا حتى يلقمها كل من يشخط الكلام ويتشدق بهذه البدع الإبليسية ويقوم بطرد الناس عن بيوت الله ﵎ وتخريبها، فماذا يبقى إذا خربت هذه القلاع المتبقية التي منها تنطلق الدعوة إلى الإسلام، ويحفظ على الناس دينهم؟! فما من شك في أن في هذا مضادة لمقاصد الشريعة الإسلامية العليا، فينبغي أن يحفظ الناس هذا الأثر عن عثمان ﵁، وهو يا ابن أخي! إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. يقول الشارح: والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحي

стр. 368

قاعدة أهل السنة في رحمة أهل البدع والمعاصي والصلاة معهم هذه رسالة من الرسائل المهمة جداً، وإن كان أغلب شرح الطحاوية مقتبس من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وهذه الرسالة من الرسائل المباركة التي ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى نصيحة للمسلمين، وسنذكرها -إن شاء الله- لأهميتها، وتسمى (قاعدة أهل السنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال الله تعالى وتقدس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٦]. يقول ابن عباس في تفسير هذه الآية: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدع والفرقة. يقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧]. وفي الترمذي عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ في الخوارج: (أنهم كلاب أهل النار. وقرأ هذه الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]). قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه. وقد أخرجها مسلم في صحيحه، وخرج البخاري طائفة منها. قال النبي ﷺ عنهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم -يعني: لا يرفع ولا يتقبل منهم- يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)، وفي رواية: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان). وفي بعض الأحاديث الأخرى: (طوبى لمن قتلهم أو قتلوه). يقول شيخ الإسلام: والخوارج هم أول من كفر المسلمين بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق. وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فعاقب الطائفتين، أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار. وذلك لأن بعض هؤلاء الشيعة -وهم أشد الشيعة غلواً- زعمواً أن علياً ﵁ هو الله، وعبدوه وألهوه، والعياذ بالله، فدعا بنار وأحرقهم، فلما أدخلهم النار قالوا: ألم نقل لك: إنك إله؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا الله. والعياذ بالله، فقال علي ﵁ قال: لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبرا يعني: قلت له: أوقد هذه النار. يقول: وأما الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه. وهو عبد الله بن سبأ اليهودي ابن السوداء، هكذا كان لقبه، وهو الذي أشعل نيران الفتنة، وهو الذي أسس للشيعة دينهم. وأمر علي ﵁ بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر، وهم فرقة أخرى من فرق الشيعة، وهي فرقة المفضلة الذين كانوا يفضلون علياً على أبي بكر وعمر، وكان أمير المؤمنين علي ﵁ -فيما قد تواتر عنه- يقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، والله لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. أي: حد الكذاب. يقول شيخ الإسلام: ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات، لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم، فإن كان الإمام مستوراً لم تظهر منه بدعة ولا فجور صلى خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمة: إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره. بل ما زال المسلمون من بعد نبيهم ﷺ يصلون خلف المسلم المستور. ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم، كما أشرنا من قبل إلى هذا الخلاف، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أن الإنسان لو صلى خلف مبتدع أو فاسق مع إمكان أن يصلي خلف عدل فصلاته صحيحة، وأكثر العلماء يصححون هذه الصلاة، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وأما إذا لم يتمكن من الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر، كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فإنه يصلي خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم. وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب أن لا يصلي إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب، كما نقل عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله، ولم يقل أحد: إنه لا تصح إلا خلق من عرف حاله. ومعنى هذا أنه استحب بعضهم أن يصلي خلف من يعرف حاله نظراً لشيوع البدع والانحرافات والضلالات، لكن ليس النقاش في صحة الصلاة. وقد حصل أن قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر، وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع، وكانوا باطنية ملاحدة؛ لأن الدولة الفاطمية الخبيثة أفسدت الحياة في مصر، وأرست كل البدع التي تختص بها مصر دون سائر الشعوب الإسلامية، كالمقابر التي وضعت في المساجد، والمولد، ونحو ذلك من الضلالات، بل تركت -أيضاً- آثاراً من التعصب لأهل البيت رضي الله تعالى عنهم والغلو فيهم، وتركت بصماتها إلى عهد قريب، وكان العلماء يعدون مصر في ذلك الوقت دار حرب، حتى ألف الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في ذلك الوقت كتاباً سماه (النصر على مصر)، وأكثر الناس حينما يُذكَر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى تلتفت أذهانهم إلى سيرة هذا الملك الصالح الذي حرر بيت المقدس من أيدي الصليبيين، ونحن -معشر المصريين- ينبغي أن نشكر لـ صلاح الدين رحمه الله تعالى جميله، فقد طهر مصر من الدولة الفاطمية، وهو الذي أحدث هذا التغيير في الدولة الفاطمية في مصر، وقضى عليها، وأعاد مكانها مذهب من هو أقرب إلى مذهب أهل السنة بلا شك. يقول شيخ الإسلام: ولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر، وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع، وكانوا باطنية ملاحدة، وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع وظهرت بالديار المصرية أمر أصحابه أن لا يصلوا إلا خلف من يعرفونه؛ لأن عامة الناس كان قد حصل فيهم هذا التغيير في العقيدة، ثم بعد موته فتحها ملوك السنة قبل صلاح الدين، وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة، ثم صار العلم والسنة يكثر بها ويظهر. يقول شيخ الإسلام: فالصلاة خلف المستور جائزة باتفاق المسلمين، ومن قال: إن الصلاة محرمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره، كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة ﵃ خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد كان يشرب الخمر، وصلى مرة الصبح أربعاً، وجلده عثمان بن عفان على ذلك، كما في صحيح مسلم. وكذلك عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة كانوا يصلون خلف الحجاج بن يوسف، وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف المختار ابن أبي عبيد معروف أن المختار بن أبي عبيد ادعى النبوة، والأخبار تثبت أنه كان يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل، وقد قيل لـ ابن عمر ﵄: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه! فقال: صدق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٢١]. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَر

стр. 369

الصلاة خلف أهل الفجور والبدع يقول شيخ الإسلام: فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة، ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاً أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وإذا كان قادراً على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه والأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي ﷺ في الصحيح: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً) فهنا ترتيب النبي ﷺ خلاف الترتيب المتعارف عليه الآن بين عموم الناس إذا حضرت الجماعة، فإنهم لا يعملون بهذا الحديث، وربما صدروا الأكبر سناً لأول وهلة، وهذا في حالة إذا لم يكن هناك إمام راتب، فعليهم أن يقدموا الأولى. ويقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [البقرة:١١٤] يعني: لا أحد أظلم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤]، فهؤلاء ممن يسعون في خراب ببيوت الله ، والمفروض هو أن الدعوة الإسلامية تحرص كل الحرص على أن توجد لها مواقع جديدة في المجتمع توثر بها على القطاع الأعظم من المسلمين، فالقلاع المتبقية الآن هي هذه المساجد، فماذا يبقى بعد أن نهدم بأيدينا هذه القلاع وهذه الحصون؟! ماذا يبقى بعد ذلك للإسلام والمسلمين في هذه البلاد؟! فهل نستجلب نحن وصف الغربة الذي هو إضعاف الدين بأيدينا؟! فهل عند قائل هذا عقل فضلاً عن الدين. يقول شيخ الإسلام: وأما إذا ولي رجل بغير إذنه، وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذا الجمعة والجماعة جهلاً وضلالاً، وكان رد بدعة ببدعة. يقول: حتى إن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة، وكرهها أكثرهم. فأكثر العلماء كرهوا إعادة صلاة الجمعة إذا صليتها خلف فاجر، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع. وهذا أظهر القولين؛ لأن الصحابة ﵃ لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ونحن نعلم الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ تنبأ ببعض الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، فسأله الصحابة: ماذا نفعل إذا أدركنا هؤلاء الأمراء؟ قال: (صلوا الصلاة لقوتها، واجعلوها معهم نافلة) فكل واحد يصلي الصلاة لوقتها لحاله وحده، فإذا أقام الصلاة في غير وقتها هؤلاء الأمراء فصلوها معهم نافلة إظهاراً لطاعة أولي الأمر. والشاهد في هذا أن هؤلاء الأمراء فساق، فإذا كان أمير يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها ويداوم على ذلك فهذا فسق منه، فلو كانوا يصلون في أول الوقت لأمرهم أن يصلوا معهم، ولكونهم سوف يؤخرونها عن وقتها أمرهم أن يصلوا الصلاة لوقتها مراعاة لحرمة الصلاة، ثم يصلوا خلفهم نافلة، فما دامت النافلة تصح خلفهم فكذلك الفريضة خلفهم مع فسقهم. يقول شيخ الإسلام: حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع. وهذا أظهر القولين؛ لأن الصحابة ﵃ لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحداً إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة، ولهذا كان أصح قولي العلماء أن من صلى بحسب استطاعته أن لا يعيد. فما دمت قد بذلت وسعك لصحة الصلاة فلا تعد، حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله، والمحبوس، وذوو الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته. يقول شيخ الإسلام: وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة ﵃ صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة، بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلاة جهلاً بوجوبها لم يأمره بالقضاء، فـ عمر وعمار لما أجنبا وعمر لم يصل وعمار تمرغ كما تمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء؛ لأن هذا الذي كان يستطيعه ساعة دخوله في الصلاة، وأبو ذر لما كان يجنب وبدأ يصلي لم يأمره بالقضاء، والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة منعتها الصلاة والصيام لم يأمرها بالقضاء. والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء، وكانوا قد غلطوا في معنى الآية، فظنوا أن معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] هو الحبل، فقال النبي ﷺ : (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) ولم يأمرهم بالقضاء، والمسيئ في صلاته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات. والمسيئ هو خلاد بن رافع، صحابي أنصاري شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وشهد مع علي الجمل وصفين، وتوفي أول إمارة معاوية، وهذا الحديث رواه السبعة. والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة وغيرها بعد أن نسخت بالأمر بالصلاة إلى الكعبة وصلوا إلى الصخرة حتى بلغهم النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا، وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ. وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله ﷺ هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: قيل: يثبت. وقيل: لا يثبت. وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ. والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، وفي الصحيحين: (ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل رسله مبشرين ومنذرين) فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدراً. ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعض الكلام في حكم من يسب الصحابة ﵃. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن حكم الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع فقال ﵀: وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع وخلف أهل الفجور ففيه نزاع مشهور وتفصيل ليس هذا موقع بسطه، لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء للإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهراً للفجور والبدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية -يعني الداعية إلى البدعة- وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت؛ فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة. ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى، بخلاف من أظهر الكفر، فإن كان داعية -أي: إن كان المبتدع داعية- إلى البدعة غير ساكت وغير مستتر بها منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته، لما في ذلك من النهي عن المنكر، لا لأجل فساد صلاته أو إتهامه في شهادته وروايته، فإذا أمكن لإنسان أن لا يقدم مظهراً للمنكر في الإمامة وجب ذلك. ويعني بالمظهر للمنكر من لا يبالي بالجهر بالمعصية، ولو كان مستتراً بالمعصية لكان ذلك أهون، لكنه يجهر بها، كحلق اللحية -مثلاً- وقد علم أنه حرام، وكالتدخين ولباس خاتم الذهب وغير ذلك من المعاصي الظاهرة التي يتلبس بها كثير من الناس. يقول: فإذا أمكن لإنسان أن لا يقدم مظهراً للمنكر في الإمامة وجب ذلك، لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضرراً من ضرر ما أظهره من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين لتحصيل أعظم الضررين؛ فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعاً، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعاً، فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم يجز ذلك، بل يصلى خلفه ما لا يمكن فعلها إلا خلفه، كالجمعة والأعياد والجماعات إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم إفساداً من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لاسيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره، فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. ولهذا كان التاركون للجمع والجماعات خلف أئمة الجور مطلقاً معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع، وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو أولى من فعلها خلف الفاجر، وحينئذ إذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد بين العلماء، منهم من قال: إنه يعيد؛ لأنه فعل ما لا يشرع، بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهياً عنها، فيعيدها، ومنهم من قال: لا يعيد؛ لأن الصلاة في نفسها صحيحة، وما ذكر من ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة، وهو يشبه البيع عند نداء الجمعة، وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلفه كالجمعة فهنا لا تعاد الصلاة، وإعادتها من فعل أهل البدع. وكثير من الم

стр. 370

شروط المساجد من وجهة نظر جماعة التكفير والهجرة بالنسبة لموضوع المساجد فإن فرقة التكفير والهجرة كما تسمى -وكانوا هم يسمون أنفسهم جماعة المسلمين- لها نظرة شاذة فيما يتعلق بموضوع المساجد نتجت من الشذوذ في قضية معرفة المسلم من الكافر، كما أشرنا من قبل إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:٥٨]. يقول الأستاذ رجب مذكور في كتاب له يسمى: (التكفير والهجرة وجهاً لوجه)، في صفحة مائة وثلاث وتسعين: وتقوم وجهة نظرهم على أساس أن كل المساجد القائمة في الأرض منذ عدة قرون مضت وحتى الآن مساجد ضرار. أي أن ذلك قد يكون من الدولة الأموية بعد الخلافة الراشدة، وهذا من جرأة هؤلاء الناس على الله وعلى دين الله، وليسوا وحدهم في ذلك، بل كثيراً ما نسمع من كثير يذكرون أن هذه الأمة ما كان فيها خير، وبمجرد ما انقضت القرون الخيرية انتهى كل شيء وانهار، حتى ظهرت جماعاتهم هذه التي ظهرت قريباً وأعادت الإسلام من جديد، وكأن كل هذا التاريخ مبتور، والأمة كانت تعمى في ضلال، ولو انتقينا أسوأ واحد من خلفاء الدولة الأموية نسبياً لوجدناه بالنسبة لحكامنا اليوم كالخلفاء الراشدين؛ لأنهم كانوا يحكمون بما أنزل الله، وكانوا يقومون الليل، ويقيمون في الناس شرع الله ﵎، مع أنه قد يكون هناك سفك لبعض الدماء في أي نوع من الأشياء التي غايتها أن تكون معاصي أو كبائر، لكن لم يمس انحرافهم أصل دين الإسلام. فهؤلاء بالنسبة لحكامنا اليوم عباد متبتلين، وأئمة هدى على أصل الإسلام، كانوا يقيمون علم الجهاد، ويفتحون البلاد في سبيل الله إلى عهد الدولة العثمانية التي تغلغلت في أحشاء سويسرا وأخذت أجزاء من فرنسا، فهؤلاء كانوا يجاهدون في سبيل الله، وكانوا يقيمون حكم الله ﵎، فهذه النظرة ليست صائبة، أعني اعتبار أن هذه أمة لا خير فيها، وبمجرد أن انتهت الخلافة الراشدة انتهى معها كل شيء، فهذا من الضلال المبين. يقول الأستاذ رجب مذكور: تقوم وجهة نظرهم على أساس أن كل المساجد القائمة في الأرض منذ عدة قرون مضت وحتى الآن مساجد ضرار، باستثناء أربعة مساجد فقط: المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد الأقصى بيت المقدس، ومسجدي قباء والنبوي بالمدينة المنورة، وبناءً على وجهة نظرهم هذه فإنهم يحكمون بتحريم الصلاة في كل المساجد على الأرجح، وما زال يوجد الآن من أهل البدع والضلال في قضية التكفير من يكفرون من يصلي في معابد المشركين التي هي المساجد في زعمهم. يكفرونك لأن تصلي في المساجد، وكأنك تذهب إلى سينما أو خمارة أو نحوهما من أماكن الفسق والفجور، ولست ذاهباً إلى بيت من بيوت الله التي يذكر فيها اسم الله ، وبناء على وجهة نظرهم هذه فإنهم يحكمون بتحريم الصلاة في كل المساجد على الأرجح، وقالوا: إنه لا يجوز من حيث التسمية ابتداءً أن نسمي أي مسجد مسجداً لله، إلا بعد أن نتحرى فيه شروطاً ثلاثة هي:

стр. 371

إخلاص الدعوة لله أولا: الدعوة التي تعلن فيه، حيث اشترطوا بتسميته مسجداً لله أن تكون الدعوة فيه خالصة لله وحده، وهل المسلمون الذين يصلون في المساجد يعبدون المسيح بن مريم، أو يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، أو يعبدون بوذا؟! إنهم يعبدون الله وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]. فإذا وقع في بعض المساجد دعاء غير الله وعبادة غير الله -كما يحصل في المساجد المبنية على القبور التي تعبد فيها الموتى من دون الله، وتذبح لهم الذبائح، ويطاف بقبورهم، ويتمسح بأعتابهم- فهذا منكر، ونقول كما قال العلماء: إن هذه المساجد مبنية على لعنة رسول الله ﵊. فدين الإسلام لا يجتمع فيه مسجد وقبر أبداً، والحكم يكون للسابق، فإذا كان الأصل المسجد وبني عليه قبر فإنه ينبش القبر وينقل إلى قبور المسلمين، وإن كان العكس فالعكس، هذا إذا كان مجرد قبر، فما بالك إذا كان يتخذ لعبادة غير الله؟! فهذا شيء حقيقي وواقع، فلا بأس بتطبيق هذا على مثل ذلك، أما أصل المساجد الموجودة في بلاد المسلمين فإنه -لله الحمد- لا يعبد فيها إلا الله ، ويرتفع فيها الأذان بشهادة الحق وشهادة التوحيد. فهذا هو أول شرط عندهم، وهو أن تكون الدعوة خالصة لله وحده، وما معنى أن تكون الدعوة خالصة لله وحده؟! معناه أنها لن تكون كذلك إلا إذا كانت على دعوتهم، فهي الوحيدة التي تستحق هذا الوصف العظيم. ودليلهم على هذا الشرط قول الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، فيقولون: إن المسجد لا يصح أن نسميه مسجداً لله حتى ننظر في الدعوة التي يدعى إليها فيه، فهل هي لله خالصة أم لا؟ ونقول: إن التسمية قد لحقت بالمسجد قبل أن يدعى المسجد، فسمي مسجداً رغم أنوفهم أجمعين منذ وقفه صاحب الأرض وقال: هذه أرض لله موقوفة ليبنى عليها مسجد. فيصير مسجداً منذ هذه اللحظة، وقبل أن يقوم أحد فيه بالدعاء لله . ومن زعم أن تسميته مسجداً لله لا تجوز من هذه اللحظة، وإنما يفرض إرجاء التسمية مدة من الزمن فقد ضل. فهم يقولون: إننا لا نحكم على مثل هذا المسجد بأنه مسجد حتى تمر مدة فترة امتحان واختبار، فننظر في خطيب المسجد يوم الجمعة، ثم نقوم وندرس خطبته، وفي ضوء نتيجة هذا التقييم تكون التسمية من عدمها. يقول: أقول: من زعم ذلك فليأتنا ببرهان ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإلا فاشتراطه باطل، كما قال ﵊: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو رد وإن كان مائة شرط). يقول: وتظل تسميته مسجداً لله مصاحبة له ما بقي مخصصاً لهذا الغرض ما دام بناؤه شرعياً منذ اللحظة الأولى، أعني: لم يبن على قبر -مثلاً- لوجود نهي عن ذلك، فإذا افترضنا أن مسجداً من مساجد الله بناه رجل من المسلمين الصالحين لوجه الله، ثم اعتلى منبره خطيب جاهل أو منافق فكانت خطبته تحتوي على خلط في أحكام الله، أو تملقاً لحاكم أو كبير فإن وزر هذا الخطيب يقع على نفسه، وعلى من لم ينكر عليه بأي صورة من صور الإنكار المعروفة، ولا يمس البناء شيء تماماً، كما لو حدث أن اعتلى المنبر أحد رجال فرقة التكفير ودعا إلى هذه الافتراءات التي يفترونها على دين الله، فإننا حينئذ لن نقول له: إن هذا المسجد قد أصبح مسجد ضرار، وإنما كل الذي يمكن أن يحدث أن المصلين يقومون فيضربونه ويطردونه من المسجد، ولكن المصلين قد لا يفعلون ذلك إذا كان الخطيب يتملق لحاكم على حساب دين الله إيثاراً منهم للسلامة وخوفاً مما لا يحمد عقباه، ويكتفون -مثلاً- بالإنكار القلبي، وقد يكون بعضهم منافقاً مثل الخطيب تماماً فتتلاقى الأرواح، ويفتقد حتى الإنكار القلبي الذي هو أضعف الإيمان. يقول: والذي أريد أن أقوله أن هذا التغيير باليد أو اللسان أو القلب، أو حتى في حالة النفاق الذي يفتقد الإنكار القلبي أيضاً، فإنه لا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا يتحمل المسجد منه شيئاً، فإذا نهى رسول الله ﷺ المسلم أن ينشد المسلم ضالته في المسجد فيقول: من يدلني على هذا الشيء الذي ضاع مني؟ فلو قام رجل أو رجال ففعلوا ذلك الأمر المنهي عنه فإن وزرهم على أنفسهم، كما أن الخطيب منهي عن أن يتملق لمنافق، وهذا لا يؤثر في المسجد بشيء تماماً، كما لا يؤثر لو أن رجلاً قام فنشد الضالة أو باع وابتاع في المسجد، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، فهل معنى ذلك أن المسجد صار سوقاً؟! هل هذا يغير صفة المسجد من حيث كونه مسجداً؟! يقول: ولا يصح أن يقال: إن المسجد أصبح ضراراً لوجود هذه المخالفة أو تلك، فلقد كان المشركون يزحمون المسجد الحرام بالأصنام، فما تحول المسجد عن كونه مسجداً لله، وكان رسول الله ﷺ يصلي فيه رغم وجود هذه الأصنام المعبودة من دون الله، وكل الذي حدث أن المسلمين قد كلفوا حين القدرة بإزالة تلك المنكرات من بيوت الله وتحطيمها بعد أن جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً.

стр. 372

تحقق صفات عمار المسجد واشترطوا لتسمية المسجد مسجداً لله أن يستوفي عماره الأوصاف التي ذكرها الله في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]. وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، وفي قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]. فقالوا: إنه لا يجوز لنا أن نسمي مسجداً ما مسجداً لله حتى يستوفي عماره هذه الأوصاف المذكورة في الآيات السابقة. يقول: وعن الشرط الثاني الذي اشترطته فرقة التكفير هو استيفاء أوصاف من يعمرون بيوت الله كما ذكرت في الآيات القرآنية، فنقول: إن الله قد ذكر لنا ما يجب أن يتصف به عمار بيوته من صفات قلبية وظاهرية لنتحرى هذه الصفات في ذات أنفسنا، وندعو إليها، ونذكر بها، ولكنه لم يذكر لنا هذه الصفات من أجل أن نتعقبها في الناس، ونؤسس عليها حكماً شرعياً بأن هذا المسجد لله أم لا. ذلك أن بعض هذه الصفات قلبية، وذلك مثل ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ [النور:٣٧]، فكيف تحكم على شخص بأنه يخاف يوم القيامة أو لا يخاف؟! فهذا عمل قلبي ولا سلطان لك على قلب هذا الإنسان، بل المنافق يصلي مع المسلمين في جماعة، ويحضر معهم الجماعة. يقول: ذلك أن بعض هذه الصفات قلبية لا يمكن استيفاؤها من أصحابها، ولم نكلف بذلك، وأيضا ًفإن المسجد قد لحقت به التسمية -كما قلنا- منذ اللحظة الأولى التي بني فيها بناءً شرعياً وخصص للصلاة، ولم نكلف أبداً أن نؤجل التسمية حتى يعمره الناس، ثم يقوم المسلم بفحص أحوالهم الظاهرة والباطنة، ثم على أساس نتيجة الفحص يطلق التسمية أو يحرمها. إن هذا التنطع لم يعرفه السلف، ولا أقره النبي ﷺ وشرعه، ولا الذين آمنوا معه، وما عرفته الأرض كلها إلا بعد أن منيت بهذه الفرقة الشاذة التي تزين هذا التنطع بزعم الغيرة على دين الله، أو بادعاء أن البشرية كلها لن تهتدي إلا على أيديهم. وخلاصة القول أن من زعم أن الصفات التي وصف الله بها عمار بيوته هي شروط لابد من وجودها حتى يسمى المسجد مسجداً لله فليأتنا بهذا الشرط، وإلا فهو شرط باطل ومردود على أصحابه، كما قال الله في هذه الآيات في سورة التوبة: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، نعم أخذ بعض العلماء من هذا أن الإنسان يتحرى المسجد الذي يصلي فيه أن يكون أهله من أهل الخير والاستقامة والصلاح إرضاء لله . وأفضل للإنسان أن يصلي مع قوم هم أتقى لله، وأقرب إلى سنة رسول الله ﵊، لكن كلامنا هنا عن الشروط، فهم يعتبرون أن المسجد لا يسمى مسجداً إلا بذلك، فهناك فرق.

стр. 373

التأسيس على التقوى حيث اشترطوا -أيضاً- لتسمية المسجد مسجداً لله استيفاء التقوى ممن أسسه، لقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨]. وشققوا في موضوع التقوى كلاماً طويلاً، وقالوا على سبيل الفلسفة إن هناك مساجد بنيت على التقوى يقيناً، وثانية بنيت على التقوى راجحاً، وثالثة على التقوى مرجوحاً، ورابعة على غير التقوى يقيناً. إلى آخر هذا الضرب من التفلسف واصطناع الأسلوب العلمي في الكلام. يقول الأستاذ رجب مذكور في رد هذا الشرط: أما عن الشرط الثالث -هو أننا لم نسم المسجد مسجداً لله حتى نعرف أنه قد أسس على التقوى-فإذا كانت التقوى كما قال ﵊: (التقوى هاهنا) فالتقوى في القلب، ومهما ادعاها أحد الناس فإننا نكل أمره إلى الله، ولا نجزم بوجودها فيه، ولا بانتفائها عنه؛ لأن الله وحده هو الذي يعلم ذلك، فلست أدري كيف يمكن أن نتحراها في أحد من الأحياء فضلاً عن الأموات، فضلاً عمن لا نعرفه أصلاً، إذ إن كثيراً من المساجد قد مات من بناها منذ قرون. أي: ولابد من أن يكون المؤسس تقياً، هذا هو الشرط، فمن مات من عدة قرون كيف لنا أن نتحقق من كونه أسس المسجد على التقوى أو لم يوسسه على ذلك، ولو كان موجوداً فكيف نعرف التقوى وهي في قلبه؟! يقول: لست أدري كيف يمكن أن نتحراها في أحد من الأحياء فضلاً عن الأموات، فضلاً عمن لا نعرفه أصلاً؟! إذ إن كثيراً من المساجد قد مات من بناها منذ قرون، وفي كثير من الأحيان لا نعلم من الذي أسسها، ولم يكلفني الله إذا رأيت يافطة -ويقصد بها كلمة (لافتة) على حد تعبير فرقة التكفير والهجرة- مكتوباً عليها (مسجد الله)، لم يكلفني الله أن أسأل: من الذي أسس هذا المسجد؟ وهل أسسه من أول يوم على التقوى أم على غيرها؟! إن ذلك إعنات وحرج لا يعرفه الإسلام، وإنما يعرفه المتشنجون من أصحاب البدع والأهواء التي تلبس مسوح الدين. أما قوله تعالى لرسوله ﷺ بعد أن نهاه عن الصلاة في مسجد بعينه يعلم الله وحده الغرض الذي أسس من أجله، ولولا إخبار الله لرسوله به لصلى فيه ﷺ : ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] فلا تحمل هذه الآية تكليفاً عاماً للمسلمين إذا رأوا مسجداً أن لا يعتبروه مسجداً لله حتى يعرفوا نية مؤسسه، وإنما كل ما فيها توجيه للرسول ﷺ والمسلمين من ورائه إلى أحقية القيام. أي أن القيام أحق وأفضل في مسجد وصفه الله تعالى بأنه أسس على التقوى من أول يوم، حيث قد أسسه رسول الله ﷺ . يقول: ولو شئت لتعقبت تفاصيلهم الباطلة فيما يقتصر بهذا الشرط، وبينت خطأهم في مسألة التقوى، والراجح والمرجوح فيها، بل إنه حسب تحليلاتهم العقلية السخيفة كان ينبغي لرسول الله ﷺ أن لا يصلي في المسجد الحرام قبل تطهيره من الأصنام، لتساوي أدلة الإثبات مع أدلة النفي كما يزعمون؛ إذ إنهم يقولون: إنه مؤسس على التقوى يقيناً، ودخله الضرار يقيناً بوجود الأصنام المعبودة من دون الله فيه. فحسب مفهومهم للتوقف يجب أن يتوقف الرسول ﵊ عن الصلاة فيه، أليس كذلك؟! فانظر -هداك الله- كيف يمكن أن تذهب التحليلات البشرية بأصحابها حتى تصل بهم إلى الاستدراك على رسل الله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 374

آثار دعوة التكفير يقول: ولكن لا يفوتني هنا أن أذكر أن إمام فرقة التكفير ومؤسسها الراحل قد جعل إشراف الشيخ محمد حسين الذهبي ﵀ على المساجد في مصر هو أحد دليلين -بل أول دليلين- على كفر الرجل، وهو ما بنى عليه خطته الآثمة في خطف ذلك الشيخ الطاعن في السن وقتله غيلة وغدراً، فقد سئل في غرفة المداولة أثناء محاكمته: وما رأيك في المرحوم الشيخ الذهبي أمسلم هو أم كافر؟ فأجاب: هو عندي كافر. السؤال وما دليلك؟ قال: دليلي أنه كان يعمل في هيئة الأوقاف، وكان وزيراً لها، ومديراً للإشراف على مساجد الضرار، جريمته أنه مدير إشراف على مساجد الضرار، وقد أقسم اليمين على الحكم بغير ما أنزل الله في قسم الوزراء، وهو ما لا يمكن أن يعتبر جهلاً منه بوجوب الحكم بما أنزل الله. فاعتبر أن قسمه على الدستور في حقه إنكار لوجوب الحكم بما أنزل الله، واعتبره -أيضاً- قسماً على الحكم بغير ما أنزل الله، أي: كأنه قال: أقسم بالله أن أحكم بغير ما أنزل الله. يقول: وكلا الاتهامين الخطيرين كفر لا شك فيه، لكن لا يمكن إثباتهما عليه بمثل هذا التساهل والتجرؤ في استصدار الأحكام؛ لأن هناك أوجه تأول كثيرة، وأعذاراً لابد من انتفائها حتى يحكم على الشخص المعين بالكفر ليس هذا مقام تفصيلها. يقول: وأنا أعرف أن أسلوب التكفير والهجرة هذا في استصدار الأحكام يروق للكثيرين، خاصة المتعالمين وبعض الشباب ذوي الفهم المتسر والعلم الضئيل بأصول الأحكام وضوابطها، ولكن أحكام الإسلام العتيدة ليست بأماني أحد، وإنما هي شريعة محكمة بضوابطها، ثابتة في أصولها هيهات أن تتبدل أو تتحول وفقاً لرغبة أحد أو اتجاه طائفة. أما الإشراف على المساجد وتعميرها فهو إن ابتغي به وجه الله خالصاً فهو عمل صالح وقربة إلى الله، ولكن الموازين المختلة تجعله دليلاً على الكفر يوجب استحلال الدماء والأموال والأعراض، ثم الاستعلاء على عباد الله، والتطاول عليهم بالدعاوى العريضة والمزاعم الفارغة، أين هؤلاء جميعاً ومن يتبعهم في الدعوة إلى تخريب المساجد والعدوان بوصفها بمساجد الضرار ومعابد الجاهلية؟! أين هم من قول رسول الله ﷺ : (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة)، وفي رواية: (بنا الله له في الجنة مثله)؟! وعن عمرو بن عبسة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً ليذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة). وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من بنى مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة).

стр. 375

الجمعة وموقف فرقة التكفير منها أما بالنسبة لفريضة الجمعة فقد ذكرنا أنهم أراحوا أنفسهم، بل أتعبوها -بلا شك- حق التعب حينما أخذوا موقفاً خطيراً وجريئاً من فريضة الجمعة، فهم يسقطون فريضة الجمعة إلى الأبد؛ لأنهم يوقفون إقامتها أن إلى أن يمكنهم الله في الأرض ويقيموا دولتهم. وهذا التمكين إنما هو حلم وهمي في رءوسهم فحسب؛ لأن الله إنما يمكن في الأرض الصالحين من عباده الذين آمنوا وعلموا الصالحات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]. ونريد من الإخوة دائماً أن يستحضروا خطر البدع بالنسبة للمعصية، كالوقوع في بدع العقيدة، مثل تأويل صفات الله ، ومثل هذه بدع الخوارج أو غيرها التي هي أخطر بكثير من الوقوع في معصية من المعاصي، فينبغي استحضار هذا؛ لأن من الولاء والبراء أن تعادي من يشذ عن منهج أهل السنة والجماعة من الفرق النارية التي ذمها الله وذمها رسول الله ﷺ . ويقول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥]. يقول: لما كان هذا التمكين لا وجود له مطلقاً فقد قلت: إنهم يسقطونها إلى الأبد. ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩]. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم فليكونن من الغافلين)، رواه مسلم. فترك صلاة الجمعة بدون عذر من الذنوب العظيمة، ومن كبائر الذنوب، والعقوبة المترتبة عليه شديدة جداً، يقول ﵊: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات -والودع هو الترك- أو ليختمن الله على قلوبهم فليكونن من الغافلين). ويعاقبهم الله بأن يسلط الغفلة على قلوبهم ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]. وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: (الجمعة حق على كل مسلم في جماعة، إلا عبداً أو صبياً أو امرأة أو ضريراً)، وهناك خلاف في تصحيح هذا الحديث. والمهم أنه قد يقيناً أن الجمعة فرض عين على كل مسلم، فيحرم على أحد من الناس أن يسقط وجوبها والعمل بها، ولو لخير من الزمان إلا بدليل قطعي يقيني. وقالت فرقة الهجرة: إن فريضة الجمعة لها شروط إذا توافرت أقيمت الفريضة، وإلا توقفنا عنها حتى تستوفي شروطها، وشرط في إقامة الجمعة التمكين، فلا جمعة مع هذه الصراعات. يقول: ويبدوا أن أئمة هذه الفرقة قد شعروا بسخافة هذا الكلام، فحاولوا أن يضيفوا إليها سنداً آخر، فطبقوا عليها قاعدة: تعارض الفرائض، وهذه من الطامات الكبرى التي ابتليت بها هذه الفرقة الضالة، زينوا لأنفسهم وأتباعهم الكثير من المعاصي بسبب هذه القاعدة المشئومة، فاستباحوا بها المحرمات بلا استثناء، بادعاء أن هذا المحرم أو ذاك يتعارض مع ما هو أهم منه، وأقرب بزعمهم، ومقياس الفريضة، والأقرب عندهم هو التكتيك الحركي للجماعة، أو -حسب تعديلهم- هو مدى قرب أو بعد هذه الفريضة بالنسبة للغاية التي يسعون إليها، فدخلت -أيضاً- قضية الحركية والتكتكة ونحو هذه الأشياء، فوصل بهم الأمر إلى أنهم ارتكبوا بعض هذه الكبائر بحجة أن هذا يتعارض مع الفريضة التي نسعى إليها، وهي التمكين، فمن أجل ذلك التمكين استباحوا كثيراً من المحرمات، ولا شك في أنه قد حصلت قصص ومآسٍ عن استحلال أو فعل المحرمات من هؤلاء المبتدعين بسبب هذه القاعدة الإبليسية، أعني قاعدة تعارض الفرائض، حيث زين لهم الشيطان ارتكاب الموبقات بحجة أن قاعدة تعارض الفرائض. فقالوا: إن الضرورة الأمنية لحركة الجماعة تستدعي التوقف عن العمل بفريضة الجمعة. وما أشأم هذه الضرورات الأمنية التي بها الناس يتنازلون عن دينهم، ويترخصون في ارتكاب كثير من المعاصي بسبب الضرورة الأمنية لحركة الجماعة التي تستدعي التوقف عن العمل بفريضة الجمعة. والذي يهمنا الآن هو الدليل الشرعي لفرقة التكفير والهجرة على شرط التمكين، فاستدلوا ببعض الأحاديث على أن التمكين هو شرط إقامة الجمعة، والرد -باختصار- على ما استدلوا به من هذه الأدلة وهو أن الله أثبت في كتابه أن اليقين لا يزول بالظن والتخرص، وأن الظن لا يغني من الحق شيئاً، فمن أراد أن يسقط فرضاً ثابتاً بيقين -كفرض الجمعة- فعليه أن يأتينا بدليل يقيني يثبت دعواه، وأما هؤلاء فعامة الآثار التي استدلوا بها حكايات وغرائب لا تثبت، فهي مردودة عليه. يقول في نهاية البحث: وعموماً فإن كل ما بني على الباطل فهو باطل، إذ إن عدم حكمهم على غيرهم بالإسلام وتوقفهم فهيم جعلهم حتى لو أرادوا أن يقيموا هذه الفريضة فلن يجدوا المسجد الذي يصلون فيه، ولا الإمام الذي يصلون خلفه، فهي إذاً متاهة بدءوها وزينها الشيطان لهم، ولابد أن تحكمهم بالسير في دروبها، ولن يخلصوا منها إلا إذا أراد الله لهم الهداية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣]، فهذا باختصار ما يتعلق بقضية المساجد، وقضية الصلاة خلف الأئمة برهم وفاجرهم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 376

الإيمان والكفر [٢٨]

стр. 377

الأسئلة

стр. 378

نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة وأهميته في الواقع الذي نعيشه السؤال متى نشأ مصطلح أهل السنة والجماعة، وما هي أهميته بالنسبة للواقع الذي نعيشه؟ الجواب هذا سؤال عن تنبؤ النبي ﷺ بفرقة هذه الأمة، وما ذكره من هلاك هذه الفرق جميعاً إلا واحدة، وهي الجماعة، وهي التي اصطلحت الأمة على تسمية أهلها بأهل السنة والجماعة، فالسؤال هو عن نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة، والمقصود به، وأهميته بالنسبة للواقع الذي نعيشه الآن. أما بالنسبة لزمن نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة فالأصل في التسمي بأهل السنة هو ما ورد من النصوص التي تأمر باتباع السنة ولزوم الجماعة، فمضمون التسمية مأثور في السنة وكلام السلف، فمن ثم نقول: إن بداية هذا المضمون هي في ذلك الوقت الذي هو ليلة القدر في إحدى ليالي شهر رمضان المعظم، في الليلة المباركة حينما نزل جبريل ﵇ يأمر النبي ﷺ قائلاً له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١ - ٢]، هذه هي البداية التاريخية لمضمون هذه التسمية؛ فإن النبي ﵌ كثيراً ما أمرنا بلزوم السنة واتباعها والحرص على العض عليها بالنواجذ، وذم الشذوذ عنها ومخالفتها. وما أكثر النصوص التي جاءت تحث على لزوم الجماعة، فمضمون التسمية موجود منذ بداية هذه الدعوة، فالأصل في التسمي بأهل السنة والجماعة هو ما ورد من النصوص في الوحيين التي تأمر باتباع السنة ولزوم الجماعة، فهذا مأثور في السنة وفي كلام السلف. أما ظهور التسمية مصطلحاً يدل على فئة معينة وعلى اتجاه عقدي معين فلم يظهر في عهد النبي ﵌؛ لأن المسلمين لم يحصل بينهم فرقة في عهد النبي ﵌، فكانوا جميعاً يضمهم اسم الإسلام، وإن وجد -أيضاً- فيهم مضمون اتباع السنة والجماعة بكل معانيها، لكن صدق ظهور المصطلح بظهور الفُرقة حينما ظهر أهل البدع، فتميز أهل السنة بهذا اللقب. ولم تقطع أصول التاريخ الإسلامي بتحديد السنة التي ظهر فيها هذا المصطلح، وإن كان مضمونه هو حقيقة دين الإسلام الذي تلقاه الصحابة ﵃ عن نبيهم ﷺ . فالسؤال عن توقيت أو بداية نشوء هذه التسمية للدلالة على اتجاه معين واعتقاد متميز إنما هو سؤال عن بداية التسمي بهذا الاسم والتميز به، وليس سؤلاً عن نشأة المسمى الذي هو المذهب وأهله، فمن الخطأ البين الخلط بين هذين الأمرين، وأهل السنة والجماعة ليسوا فرقة ولا طائفة طارئة كسائر الفرق المنشقة عنهم، وإنما هم الأصل، فمن العسير أن نحدد لهم بداية نقف عندها كما نفعل مع الفرق النارية التي يتيسر لنا بسهولة تحديد منشئها؛ لأنها شذت وفذت عن الأصل، وارتبط التميز باسم أهل السنة والجماعة بظهور البدع التي أعقبت وقوع الفرقة في الأمة، كما تنبأ بذلك الصادق المصدوق ﵌، فلما ظهرت البدع والفرقة التي كانت تحيطها هذه البدع برز هذا اللقب الشريف، ليدل على تمسك أهله بالإسلام المحض الخالص عن الشكوك، فقبل حصول الافتراق لم يحتج المسلمون إلى هذا التمييز؛ إذ ما كان المسلمون يعرفون التمييز بين السنة والشيعة والخوارج ونحو ذلك، فقبل حصول الفرقة لم يحتج المسلمون إلى أن يتميزوا باسم أهل السنة والجماعة، فقد كان الإسلام وأهل الإسلام هم الاسم والمسمى، يقول : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. وقال ﵎: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨]، يعني: وفي هذا القرآن. ولهذا لما سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى عن السنة أجاب: هي ما لا اسم له سوى السنة. وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]. وأقدم انشقاق حصل في صفوف الجماعة الأولى، وأول صدع في وحدة العقيدة هو حركة الخوارج المارقين الذين تنبأ بهم النبي ﵌ في قوله: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق)، أو كما قال ﷺ . وكان وقوع ذلك بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ووقوع فتنة صفين، ثم تلا ذلك ظهور بدع غلاة الشيعة الذين ألَّهوا علياً ﵁، وادعوا النص عليه، وظهر السبابة الذين يسبون الشيخين ﵄، وكذلك المفضلة الذين فضلوا علياً ﵁ عليهما، وقد تصدى لهم جميعاً أمير المؤمنين علي ﵁، وعاقبهم كلاً بحسبه. غير أن هذا الابتداع لم يؤثر في بداية الأمر في القاعدة العريضة من المسلمين الملتزمين بالسنة وأهلها، ولم يحتج المسلمون حتى ذلك الوقت إلى التميز؛ لأنهم الأصل الذي انشق عنه المخالفون، والأصل لا يحتاج إلى ما يميزه، إنما الذي يحتاج إلى التمييز الفرع المنشق، الذي سرعان ما يشتهر ببدعته حين يتنكب السبيل. ولذلك لما سئل إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى عن أهل السنة أجاب: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي ولا قدري ولا رافضي، وقال محمد بن سيرين. والمتوفى سنة عشر ومائة من الهجرة. لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم. وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم، وقال عبد الله بن مصعب للرشيد حينما سأله عمن طعنوا على عثمان ﵁: يا أمير المؤمنين! طعن عليه ناس، وكان معه ناس، فأما الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه، وهم أنواع الشيع وأهل البدع وأنواع الخوارج، وأما الذين كانوا معه فهم أهل الجماعة اليوم. فأهل السنة والجماعة هم الامتداد الطبيعي للمسلمين الأوائل الذين فارقهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راض. وأهل السنة بين الفرق الإسلامية كالإسلام بين الملل، كما أن الإسلام هو الدين الوسط بين اليهودية والنصرانية وغيرها من الملل، ويتميز أهل السنة والجماعة -أيضاً- بأنهم دائماً الأمة أو الفرقة الوسط بين الغلاة والجفاة، وبين المُفْرِطين والمُفرِّطين، فمذهبهم لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وتجد في كل مسائل العقيدة التي خالف فيها أهل السنة أهل البدع تجد فريقاً يذهب إلى أقصى اليمين، وفريقاً آخر يذهب إلى أقصى اليسار، وهم الأمة الوسط العدول، فأولئك المبتدعون كانوا أحق الناس بوصف التطرف؛ لأن التطرف يعني الأخذ بأقصى الأطراف والغلو يميناً أو يساراً، فهؤلاء هم المتطرفون، أما الوسط فهو ما جاء به رسول الله ﷺ ، وهذا ينبغي أن يكون المقياس في كل شيء، انظر إلى ما جاء به الإسلام، فهذا هو الوسط فكل ما خالف الإسلام فهو تطرف، لا كما يفعل الزنادقة والملاحدة من العلمانيين وأعداء الدين بإيحاء من أعداء الإسلام حين يصفون الملتزمين بدينهم والمعظمين لسنة نبيهم ﷺ بالتطرف، والحقيقة أنهم هم الذين تطرفوا في موالاة الشيطان وأوليائه إلى أبعد الحدود، فصاروا حرباً على الإسلام والمسلمين، فكل من شذ عن طريق رسول الله ﵊ فهو المتطرف الخبيث الهالك. أما سنة رسول الله ﵊ فهي المحجة البيضاء النقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، والذي ينحرف عما جاء به رسول الله هو الهالك، وهو المتطرف المنحرف. والمقصود أن أهل السنة متوسطون معتدلون، فمذهبهم لا مع هؤلاء الغلاة ولا مع هؤلاء الجفاة، وإنما هم مع كل منهم في ما أصابوا فيه، وفي نفس الوقت برآء من باطل كل منهم، فمذهبهم حقّ، وهذا الحق بريء من كل انحرافات الفرق الضالة. ثم برز الذين اتبعوهم بإحسان منافحين عن السنة وكلما قرن البدعة برز له رموز وعلماء أهل السنة باسم أهل السنة والجماعة يتصدون لهؤلاء المبتدعين، فكانوا يواجهون البدعة بالدعوة إلى السنة، ويجابهون الفرقة بالدعوة إلى الالتزام بالجماعة، هكذا ظهر هذا الاسم وبرز في مقابل الانحرافات التي كانت تأخذ مجراها في التاريخ الإسلامي، خاصة أيام الاشتباك العقلي مع البدع الوافدة. فعلى ضوء هذه المقدمة التي نقدمها لهذا السؤال -وهو: متى نشأ هذا المصطلح- لا نجد أدنى حرج في أن نرفع عقيدتنا مرددين مع أئمتنا: إن مذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد، وإنه مذهب وطريقة الصحابة ﵃. وهذا ينبغي أن يكون راسخاً في أذهاننا، وقد ترد على هذا الكلام شبهة، إذ إ بعض الناس يقول: لماذا يشتهر الإمام أحمد بأنه إمام أهل السنة، أو ابن تيمية أو غيرهما من علماء الأمة؟! والجواب أن اشتهار بعض الأئمة بإمامة أهل السنة -كالإمام أحمد رحمه الله تعالى- لا يرجع إلى أنه هو مؤسس المذهب؛ لأن السنة كانت موجودة معروفة قبله، ولكن يرجع إلى أنه اشتهر بالدعوة إليها، والصبر على أذى من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة الثلاثة وغيرهم قد ماتوا قبل المحنة، فلما ظهرت فتنة القول بخلق القرآن في حياة الإمام أحمد بعد موت الأئمة قبله ﵏ كان الإمام أحمد قد علم السنة ﵀، وأظهرها، وثبت عليها، وانتصر لها، ومن ثم صار إماماً من أئمة السنة، وعلماً من أعلامها، لا أنه أحدث مقالة أو اتبع رأياً. حتى إن المأمون نفسه لما تكلم بحق الإمام أحمد ومن اتبعه قال: ونسبوا أنفسهم إلى السنة أهل الحق والجماعة ولذلك كان بعض العلماء إذا أراد أن يتميز بوضوح إلى أهل السنة قال: وأنا على ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. ومن هذا المنطلق

стр. 379

معنى السلفية باعتبارها منهجاً في الحق السؤال ما هي السلفية باعتبارها منهجاً في الحق وفي الفهم والسلوك، وهل يجوز أن تحاصر السلفية بحيث يعبر بها عن إطار حزبي معين؟ الجواب السلفية -والله أعلم- نسبة إلى السلف الذين هم أهل السنة والجماعة، ومنهج السلفي ليس منهجاً علمياً جافاً ونظرياً مجرداً، بل هو منهج علمي وعملي في نفس الوقت، فعندما أقول: سلفية فينبغي أن ينطلق ذهننا إلى ذلك النموذج الأعلى الذي طبق في حياة السلف الصالح من الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان، من الأخذ بالقرآن والسنة بفهم السلف الصالح رضي الله ﵎ عنهم، ولا ينظر فقط إلى عقيدة السلف، ولكن ننظر -أيضاً- إلى عبادتهم وأخلاقهم وجهادهم وفهمهم للإسلام، واستقلال كلمة السلفية علماً على حزب أو جماعة محددة أو اتجاه معين هذا له سلبيات، وينبغي أن نحافظ على المنهج بعيداً عن أن تحتكره طائفة معينة؛ لأن هذا سيفقد المنهج كونه هو الميزان الذي ينبغي أن تحاكم به جميع الاتجاهات، وهو المنهج المعصوم، ولكن الذين ينتسبون إليه ليسوا معصومين، وحينئذٍ إذا احتكرت طائفة اسم السلفية أو اسم أهل السنة والجماعة -وهكذا احتكار مثل هذه الألقاب الشريفة- فإن ذلك يجعل المنهج خادماً لا مخدوماً، ولا يصلح أن يكون المنهج خادماً لأي تجمع، ولذلك ينبغي أن يبقى بعيداً عن الحزبيات، وحتى يبقى صالحاً لا بد من أن يحاكم الناس جميعاً به ويلزموا به، فالمنهج معصوم والناس غير معصومين، والمنهج حاكم والناس محكوم عليهم، والمنهج مخدوم والناس خادمون له، كما كان هذا شأنه، ولا ينبغي أن يسخر لخدمة حزب أو تجمع غير معصوم، وذلك لكي يبقى هو الميزان الأعلى الذي يوزن به الجميع بمن فيهم من ينتسبون إلى هذا المنهج. ثم إنه يخشى من ذلك أن يغذي دائماً واقع راية حزبية، ويغذي الشعور الحزبي والعصبي بين المسلمين، وقد يتوهم بعض منهم بمرور الزمن أن السلفية أو أهل السنة جزء مبتور من كيان الأمة الإسلامية أو داخل الأمة. وفي حالة تغنى حزب أو تجمع بهذا الاسم الشريف أو ذاك فإن أخطاء هذا التجمع أو أخطاء أفراده سوف تحمل للمنهج، وفي هذا إساءة إلى هذا المنهج، بالإضافة إلى أن التعبير عن هذا المنهج بصورة حزبية أو تكتل معين فيه تحجيم للدعوة السلفية، وحصر لها في إطار محدود، وحينئذٍ يكون في ذلك الحيلولة دون القاعدة العريضة من الأمة، ودون الانتساب إليه باعتبار أنها صفة حزبية لا أكثر، فليست صفة منهج، لكنها صفة حزب. ونعود فنقول: إنه لا مانع من استعمال هذه الألقاب أو التسمي بها إذا كان استعمالها استعمالاً غير حزبي. ومثله كل لقب شريف، كلقب المهاجرين والأنصار، فهما من أشرف الألقاب في الإسلام، بل مدح الله ﵎ أهلهما أعظم المدح في القرآن فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. ومدحهم بالمعنى فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر:٨ - ٩]، فمدح الله المهاجرين والأنصار، وكذلك فعل النبي ﵌، فلا يوجد أدنى حرج في أن يتسمى فلان مهاجرياً وفلان أنصارياً، لكن حدثت حادثة كسح فيها رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، أي: ضربه على مؤخرته، فهو خطأ فردي وقع بين اثنين من المسلمين، فقال المهاجري لما ضرب: يا للمهاجرين! فدعا بدعوى الجاهلية، كما كان يتناصر الناس، فمن يظلم من قبيلة عبس يقول: يا لعبس. وينادي بأعلى بصوته حتى يأتي إليه كل منتسب إلى قبيلته، بغض النظر عن كونه ظالماً أو مظلوماً، كما يحصل في الصراعات الطائفية عند بعض الناس الجهلة الذين لم يتأدبوا بآداب الإسلام، وتجري عصبيات جاهلية لا تمت إلى الإسلام بصلة، فيقول أحدهم: هذا من أهل بلدي، فأنا أنصره ظالماً أو مظلوماً. وكذلك يقول الآخر. فقال المهاجري: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار! فأراد كل منهما أن يستعمل اللقب الشريف استعمالاً حزبياً يفرق المسلمين ويضعف كيانهم، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ غضب غضباً شديداً وقال: (ما بال دعوى الجاهلية؟! دعوها فإنها منتنة)، فسماها دعوى الجاهلية، فدل هذا الحديث على وجوب التخلي عن هذه الأسماء إذا صارت علماً على حزبية جاهلية مفرقة للأمة، وقال ﵊ في حديث آخر: (ليس منا من شق الجيوب، أو لطم الخدود، أو دعا بدعوى الجاهلية)، وقال ﵊ في أعظم مشهد شهده مع أصحابه ﵁: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي)، فهذه دعوى سماها في هذه الحال دعوى الجاهلية فقال: (ما بال دعوى الجاهلية؟!)، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، إذاً: يجب التخلي عن ذلك إذا صار الاسم علماً على حزب، حيث قال ﷺ : (دعوها فإنها منتنة)، ووصفها بالنتن والخبث، وقد جاء في صفته ﷺ قبل أن يأتي إلى الأرض وقبل أن يولد جاء وصفه ومدحه في التوراة والإنجيل بصفات معينة ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فقوله: (دعوها فإنها منتنة) وصف لها بالنتن، ووصفها الخبث يدل على أنها من الخبائث التي حرمها علينا رسول الله ﷺ ، ومن يستجيز أن يتسمى بشيء من هذه الألقاب ينبغي له أن لا يحدد الفكر لهذا التجمع، لكن ينبغي أن نعلن دائماً للناس أننا خادمون للفكر، وليس هو خادماً لنا، ونحن المحكومون بالمنهج، ولسنا حاكمين عليه. ثم ينبغي أن نحذر تربية الناس على الولاء لغاية حزبية، إنما يكون الولاء للمنهج وللأصول، وأن تكون معاملة الناس والتمييز بينهم على حسب ولائهم لله ورسوله ﷺ ، لا على حسب ولائهم لأشخاص أو لطائفة معينة، فلا بد من إحياء هذه المعايير بين وقت وآخر، وإلا انزلقنا إلى ما انزلق فيه غيرنا ولن نعتبر بهم. فهذا بالنسبة لمسألة تأطير المنهج، أو الفصل بين الفهم والسلوك، فمنهج أهل السنة فهم وسلوك، وليس هو فقط قضايا محصورة، إنما هو منهج للتعامل مع كل الظروف، والله ﵎ في سورة المعارج يقول: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٦]، فالتصديق لابد له من أن ينعكس في السلوك، فليست السلفية مجرد مفاهيم تصب في عقولنا وقلوبنا، وإنما هي مفاهيم تصب في أذهاننا وتستقر، ونعقد عليها قلوبنا، ثم تنعكس على سلوكنا؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج:٢٦]، ثم أردف ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج:٢٧]، فالجنة والنار موجودتان أبداً لا تفنيان، وهذا كلام متعلق بالفهم، لكن تستخلص منه وجود الجنة والنار، وينعكس هذا التصديق في سلوكك وامتثالك لقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٧ - ٢٨].

стр. 380

الإيمان والكفر [٢٩]

стр. 381

الأسئلة

стр. 382

حكم التعبير عن السلفية بسلفية المنهج وعصرية المواجهة السؤال استعمل في الآونة الأخيرة في بعض المصنفات تعبير (سلفية المنحى والمنهج وعصرية المواجهة)، على أساس أن هذا التعبير فيه رد على من يحيون السلفية في بعض القضايا التاريخية التي لم تعد تمثل معترك الإسلام في واقعنا المعاصر، فما هو تعليقكم على ذلك؟ الجواب هذه العبارة تحتاج لنوع من التوضيح؛ لأن فيها إيهاماً، فلا نقول كما تقول هذه العبارة: سلفية المنهج عصرية المواجهة، لكن نقول: سلفية المنهج سلفية المواجهة. ومثال ذلك قول الله ﵎: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فهل حينما نتلو هذه الآية في هذا الزمان نقول: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة عصرية، أم أن فيها من العموم ما يقضي استفراغ الوسع في الأخذ بأسباب القوة؟! وهل يفهم من قولنا: سلفية المنهج سلفية المواجهة، أن الجهاد في سبيل الله في هذا الزمان يكون بالسيوف والرماح والنبال والخيول حتى نحترز فنقول: عصرية المواجهة؟! إن هذا الاحتراز لا نحتاج إليه، وإلا فسنحفظ الأمة الإسلامية في متحف من متاحف التاريخ! فسلفية المواجهة هي بطبيعتها لابد من أن تكون عصرية؛ لأن المنهج شامل لكل زمان ولكل مكان. ثم إن مفهوم هذه الثنائية: (سلفية المنهج عصرية المواجهة)، فيه إدخال البعد الزمني في تعريف السلفية، وكأن هذا انسياق وراء المفهوم الغربي للسلفية الذي يعني الرجوع إلى الوراء، وأنها فهم متجه إلى الوراء، فعندما نقول: سلفية المنهج فإن هذا يعني فهماً متجهاً إلى الخلف، وعصرية المواجهة تعني فهماً متجهاً إلى الأمام. ونحن نقول: المنهج السلفي لا هو متجه إلى الخلف ولا هو متجه إلى الأمام، بل هو متجه إلى أعلى، بمعنى أن السلفية ليست رجوعاً إلى الوراء، بل السلفية عملية ارتقاء وتسامٍ وصعود إلى مستوى السلف الصالح رضي الله ﵎ عنهم. فإدخال العنصر الزمني أو البعد الزمني في تعريف المنهج على أساس أن له بعداً زمنياً يتجه إلى الوراء معناه أنه لا يصلح لمواجهة مشاكل العصر المتجه إلى الأمام، فكأن السلفية هي مجرد تراث ذكري لا يتضمن منهجاً للتعامل مع كل العصور. وباختصار نستطيع أن نعبر عن الحقيقة في هذا الأمر أننا نريد بسلفية المنهج وسلفية المواجهة أن نعيش عصرنا، ونواجه مشكلاته بنفس الطريقة التي نتوقع أن الصحابة ﵃ كانوا سيسلكونها إذا عاشوا في عصرنا. فالسلفية لا تتجه -كما ذكرنا- إلى الوراء ولا إلى الخلف، وإنما السلفية تتجه إلى أعلى، فهي عملية ارتقاء وارتفاع إلى مستوى السلف الصالح ﵃ في عقيدتهم ومفاهيمهم وسلوكهم وأخلاقهم والتزامهم وذلك من الثوابت التي لا تتفاوت بتفاوت العصور، وارتقاء إلى مستوى العصر الذي نعيشه، فلابد من أن يكون هناك مواجهة لتحديات هذا العصر، وارتفاع إلى مستوى العصر، أخذاً بالأسباب التي أمرنا الله بها في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. فكل ما يحقق مصالح المسلمين ويوفر لهم عناصر القوة بكل أنواعها ينبغي أن نرتقي إليه، هذا هو جوهر السلفية للتعامل مع العصر، لا كما يحصل من بعض الناس ممن يستسلمون أمام البعد الحضاري الشاسع بيننا وبين الكفار في هذا الزمان، فلا يقوى أحدهم على مواجهة الواقع الذي يتحداه، لكنه يهرب منه بشتى الأحلام، فيرى أننا مسلمون وموحدون، وحينما نحارب الكفار يظن أنه ستنزل علينا معجزة من السماء، وتنزل معنا الملائكة تحارب حتى لو قاتلناهم بالرماح والسهام والسيوف، وسوف نغلبهم لأننا موحدون، كلا، فأنت بهذا الظن بالآية ولا احترمت الأسباب، حيث قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]. وأما دفاع الله عن بيته الحرام بالطير الأبابيل فإنه كان في وقت إسلام، ولم ينزل قرآن، ولم تأت سنة، ولا قامت الأمة بعد. فلا ينبغي أن نتوقع أن ينصر الله دينه بكلمة (كن)، وقد جرت سنة الله بأنه لا بد من الابتلاء، ولابد من الجهاد والبذل في سبيل هذا الدين، أما مجرد النوم والأماني فذلك يعني الهروب من مواجهة الحقيقة. وهناك صورة أخرى من الهروب أمام البعد الحضاري الشاسع بيننا وبين الكفار، وهي أن بعض الناس يقول: الحل والمخرج من البعد العظيم أنه ستحصل حرب نووية تدمر فيها القوة الكافرة كلها، ويقضى على كل العالم، ويبقى المسلمون، وبعد ذلك هم الذين سيقومون من جديد بالرماح والسيوف ويجاهدون ويعيدون الإسلام من جديد. وهذا هروب من مواجهة الحقيقة. والحقيقة هي أن البعد الحضاري من المستطاع ملء الفجوة فيه لولا الخونة الذين أذلوا المسلمين لأعداء الله في الشرق والغرب، والذين أشركوا كل قوى الكفر في تحديد مصير المسلمين، ولم يشركوا المسلمين أنفسهم في تحديد هذا المصير، والآن يحدد مصيرنا اليهود والنصارى، ونحن لا حول لنا ولا قوة. والمقصود أن هذا الأمر داخل في الأسباب المادية بشيء من الصبر والإصرار والهمة، وهناك قابلية لحصول نوع من التقدم بالنسبة للمسلمين يمكنهم بها مواجهة أعداء الله مهما بلغ بطشهم، لكن بالعلوم الحديثة، وبالأخذ بجميع أسباب القوة، وليس بالأماني التي نقول فيها: أماني إن تك حقاً تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا فلا بد من مواجهة المشكلة كما تواجه أي مشكلة أخرى، واستفراغ الوسع في الأسباب، ثم بعد ذلك يجيب الله المضطر إذا دعاه، بعد أن نأخذ بالأسباب لا بالأحلام وانتظار حدوث خوارق من السماء؛ لأن هذا لم يقع حتى مع أشرف خلق الله، نعم إن الله قادر على أن يقول للشيء: (كن) فيكون، فيصبح كل من في الأرض عباداً ربانيين ليس فيهم مشرك ولا مبتدع ولا ضال ولا فاسق، لكن ليس لهذا خلقت الخليقة، وهذا ينافي الحكمة التي خلق الله من أجلها الخلق ليبتليهم. فالمنهج السلفي أو منهج أهل السنة والجماعة لا يعني ولا يشير إلى جيل ولا إلى أجيال مضت، ولكن تتسع دائرته لتشمل الحاضر والمستقبل. ثم إنه لا يتعلق بالأزمان والعصور، ولكن يتعلق باتباع طريقة ثابتة واحدة حتى وإن قل أصحابها، فالتعبير بسلفية المنهج وعصرية المواجهة كأن فيه دمغاً للسلفية بأنها دعوة رجعية تنافي التقدم، ولذلك احتيج لهذه الثنائية فقيل سلفية المنهج وعصرية المواجهة، وهذا انسياق وراء المفهوم الغربي للسلفية، فالسلفية عند الغربيين عقدة من أسلافهم الصالحين، ويطلقون لفظ السلف عندهم على القرون الوسطى المظلمة، وعلى العهود المظلمة في أوروبا؛ لأن هؤلاء لهم حق في أن تصيبهم هذه العقدة من جراء ما عاناه أسلافهم من حرب للتقدم العلمي، والاكتشافات العلمية، وقهر الكنيسة وبطشها، والعقيدة الشركية التي قدمتها لهم، ومحاكم التفتيش، إلى غير ذلك مما حصل في أوروبا، فكان لهذا الفعل رد فعل ظهر في فصل الدين عن الحياة، والكفر بالدين، ورفع شعار: (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)، فسلفهم السيئ الظالم المشرك الوثني يسمون عصوره العصور المظلمة، فأوروبا والغرب ما رأى أهلها النور أبداً بعد تلك القرون المظلمة، حتى في هذا الزمان ما زالوا يعيشون في بربرية هي أشد من العصور المظلمة التي يعيبونها. فالشاهد أن موقفهم من السلفية هو انعكاس لمفهوم السلفية عندهم، فيقولون: السلفية رجوع إلى الوراء حتى انساق بعض الصحفيين وراء هذا المفهوم، فيعبرون عن الرجعي بكلمة سلفي، حتى إن بعض الصحفيين في إحدى المجلات الإسلامية -مع الأسف- لما تكلم عن السلفية الناصرية، يعني الذين يريدون أن يعودوا إلى فكر عبد الناصر، فيسمونهم السلفية الناصرية، يعني أن كل شيء يشير إلى الوراء فهو سلفي، كما يفعل زكي نجيب محمود في كثير من مقالاته، حيث يقول: كيف يكون الجيل الحالي أكثر سلفية من الجيل الماضي؟! ترى البنت تمشي مع أمها وهي سلفية وأمها متبرجة في ملابسها. هذا معنى كلامه، فيقول: كيف نجد الثورة في الشباب في كل العالم تتجه إلى الأمام، ونجد بيننا من يدعوهم إلى السلفية. فيرى أن السلفية رجوع إلى الوراء دائماً. وأوروبا لما تخلت عن الدين وعما كان عليه أسلافها تقدمت، أما نحن فلا يوجد مبرر أبداً لأن نتأثر بهذا المفهوم عن السلفية وننساق خلفه؛ لأن أسلافنا هم خير أمة أخرجت للناس. وأعلى أنموذج بشري دب على هذه الأرض كان في صورة هذه الجماعة أو العصابة المؤمنة التي أخرج الله بها العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فبالنسبة لنا الأمر عكسي، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو الإسلام بهذا المنهج القويم. ومما يزيد الاشتباه في هذا التعبير المهم -وهو سلفية المنهج وعصرية المواجهة- باقي السؤال، وهو أن هذا التعبير يشيع رداً على من يحيون السلفية في بعض القضايا التاريخية التي لم تعد تمثل معترك الإسلام في واقعنا المعاصر، فهذا مما يؤكد أن ما فهمناه في محله، وأن المقصود بهذه الثنائية الإشارة إلى البعد الزمني الذي أشرنا إليه، فما المقصود بالقضايا التاريخية، وإحياء مثل هذه القضايا التاريخية؟! إن كثيراً من الناس يشير بهذا التعبير، وكل من هب ودب يشنع على السلفيين بأنهم يحيون قضايا اندثرت، كما يفعل كثير من المشايخ، وهذا فيه جناية على منهج أهل السنة والجماعة، جناية مغطاة؛ إذ إن عادة أهل السنة وعلماء أهل السنة أنهم لا يبدءون بإثارة أي شيء لم يتكلم فيه السلف الأوائل، لكن كانوا كلما ظهرت بدعة وخرج المبتدعة بصورة من صور الانحراف يتصدون لهم، فيؤلفون الكتب ويناظرون ويناقشون الدلالات من منطلق قوله ﵎: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧]، ومن منطلق قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٨]. فمن هذا المنطلق كانوا يضطرون إلى الرد على أهل البدع، وكانوا يدفعون دفعاً إلى التصدي لهؤلاء المبتدعة،

стр. 383

الفرق بين استحلال المعاصي والإصرار عليها السؤال ما الفرق بين استحلال المعاصي والإصرار عليها؟ الجواب اتفق أهل السنة على تكفير المستحل للمعاصي أو المحرمات، أما الإصرار فلا يكفر صاحبه، بل اتفق أهل السنة على تبديع من قال: إن الإصرار يكفر فاعله. والإيمان حقيقة مركبة من جزأين: قول وعمل، والقول منقسم إلى قسمين: قول بالقلب، وقول باللسان، والعمل عمل بالقلب وعمل بالأركان، وفيها اللسان. فقول القلب بالنسبة لأصول الدين أو أصول العقيدة هو التصديق، وقول اللسان هو النطق بكلمة الشهادة، وعمل القلب غير قول القلب، فقول القلب هو الإقرار والتصديق، أما عمل القلب فهو شيء آخر من أركان الإيمان، الذي وهو محبة هذا الشيء، والانقياد له، والتوكل على الله وحده إلى آخر هذه الأعمال القلبية. فالإيمان حقيقة مركبة من جزأين: تصديق الخبر، والانقياد للأمر، حتى من قال من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان هو التصديق إنما عنى بذلك التصديق المستلزم للانقياد، فإذا كان الإيمان هو التصديق بالخبر والانقياد للأمر أو الحكم فمن كذب بالخبر صار كافراً كفر تكذيب، ومن صدق الخبر ولكن رد الأمر ولم ينقد له صار كافراً كفراً الرد والإباء والامتناع، مثال ذلك: إبليس لما أمره الله ﵎ بالسجود، فقد كان مصدقاً بأن هذا الأمر صادر من الله، ومع ذلك كفره الله تعالى فقال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، لأنه وقع في نوع آخر من الكفر، حيث وجد عنده التصديق، فهو يعلم ويصدق بأن الله أمره بالسجود، وما قال: أنا أشك في هذا الأمر. ويعلم أن الآمر هو الله، إذاً: وجد التصديق، لكن لم يوجد الانقياد للأمر، لم يوجد قول القلب الذي هو قبول الخبر، وصار إبليس كافراً كفر رد وإباء وامتناع، ومثله من يقول: الشريعة الإسلامية شريعة الله، لكن لا أطبقها وأرفضها. فيمتنع إباء أو إعراضاً أو استكباراً، وكلها غير امتناع الجحود؛ لأن الجحود كفر تكذيب. أما الذي لا ينقاد قلبه ولا يتقبل الحكم بقلبه، بل يعرض عنه ويرفضه فهذا كافر كفر إباء وامتناع وإعراض. ثم لا بد من أن نعلم أن الانقياد الذي يؤثر في أصل الإيمان ليس هو الامتثال العملي للأحكام؛ إذ الانقياد نوعان: الانقياد العملي، والانقياد القلبي، فالانقياد القلبي كفعل القلب، وذنوب القلب أعظم من ذنوب الجوارح، فامتناع القلب عن الانقياد الذي يؤثر ويقدح في أصل الإيمان ويرتبط به ليس هو الامتثال العملي بالجوارح في الأحكام كما تزعم الخوارج، وإنما هو قبول الأحكام والتزام الشرائع جملة كما هو مذهب أهل السنة، وحتى نوضح هذه الحقيقة ونجليها أكثر نذكر الأحوال الثلاثة: الحالة الأولى: حال رجل لا يشرب الخمر، لكنه يعتقد بقلبه أنها حلال، فهذا كافر كفر تكذيب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] فهو لا يعتقد تحريم الخمر، ويقول: هي حلال فهذا مكذب بحكم الله ، جاحد لمعلوم من الدين بالضرورة، ولا شك في كفره حقيقة عند الله . الحالة الثانية: رجل شرب الخمر وداوم على شربها، وعقد قلبه على عدم تركها أبداً معتقداً بقلبه أنها حلال، فهذا كافر -أيضاً- كفر تكذيب، وفاقد لأحد ركني الإيمان الذي هو تصديق الخبر. وهذان الشخصان لا سبيل للحكم عليهما بالكفر في الظاهر إلا إذا قام دليل قطعي صريح على هذا الاستحلال القلبي، فإذا قام دليل على أن في القلب جحوداً وتكذيباً فهذا يكفر، كأن ينطق بلسانه ويقول: أنا لا أعتقد تحريم الخمر. فهذا اللسان هو الذي يغرف مما في القلب، فترجمان القلب هو اللسان، فإذا دل دليل قطعي صريح على هذا الاستحلال القلبي كأن يصرح بلسانه بهذا الاعتقاد فإنه يكفر بذلك. الحالة الثالثة: مؤمن بأن حكم الله في الخمر هو تحريم شربها، لكنه لا يقبل هذا الحكم اقتداء بقلبه، فيقول: هو حكم الملك، ولكنني لا أقبله ولا ألتزمه. ويرده ويرفضه، بل قد يعترض عليه وينتقده ويعيبه، ويعقد قلبه على عدم ترك شرب الخمر أبداً، فهذا الاستحلال يئول إلى كفر الرد والإباء وعدم القبول، فهذا القلب لم ينقد أصلاً للحكم، فهو مثل كفر إبليس؛ إذ هو عالم بأن الخمر حرمها الله، لكن لم يحصل الانقياد القلبي الذي هو كون الإيمان قولاً وعملاً، وقولاً بالقلب وقولاً باللسان. أي أن القلب لم ينقد ولم يقبل هذا الحكم، ومثل هذا الرد حتى مع التصديق بأن هذا حكم الله يكفر به صاحبه، ومصداق ذلك في قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، إلى أن قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] فهذا عرف أنه حكم الله لكنه لم يحكم شرع الله، والله تعالى قال: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء:٦٥] وهذا وجد حرجاً، ولم يسلم تسليماً لحكم الله، فهذا نوع أكبر من الكفر. ونحن نعلم حديث ابن مظعون لما شرب هو وطائفة الخمر وتأولوا الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة:٩٣] إلى آخر الآية، فأفتى الصحابة ﵃ في ذلك بمحضر ابن عمر ﵁ بأنهم إن أقروا به جلدوا، وإن لم يقروا به كفروا. وعلى أي الأحوال فهذا الشخص الذي يرد ويرفض الانقياد لحكم الله يرتكب نوعاً آخر من الكفر غير كفر التكذيب، وهو كفر الرد والإعراض والإباء، مثل اليهود الذين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشهدوا له بأنه رسول الله، وقالوا: نشهد أنك رسول الله. لكن قالوا هذه العبارة على سبيل الإخبار عما في قلوبهم لا على سبيل الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، فلم يصيروا مسلمين بمجرد ذلك، مع أنهم معتقدين أن الرسول حق، بل قد قال الله عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، وليس هناك أحد يخطئ في معرفة أولاده، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويؤمنون أنه رسول الله حقاً، لكن لم ينقادوا لحكمه، فكفرهم كفر عناد وإباء ورفض وعدم تحكيم. فهذه الصور الثلاثة السابقة: صورة الشخص الذي لا يشرب الخمر، لكنه يعتقد بقلبه أنها حلال، وصورة رجل آخر يشرب الخمر ويداوم على شربها، ويعقد قلبه على عدم تركها أبداً معتقداً -أيضاً- بقلبه أنها حلال، وصورة رجل يصدق بأن حكم الله في الخمر هو تحريم شربها، لكنه يرفض بقلبه هذا الحكم ولا ينقاد له قلبياً، هذه الصور الثلاث يصدق على أصحابها ضابط الاستحلال، وهؤلاء مستحلون لما حرم الله، فهذا الاستحلال يكفرهم، وله صورتان: الأولى: عدم اعتقاد الحكم الشرعي، وهذا يرجع ويئول إلى كفر التكذيب، الثانية: عدم التزام هذا الحكم وقبوله والانقياد له بقلوبهم، فهذا يرجع إلى كفر الرد وعدم القبول.

стр. 384

الفرق بين الاستحلال المكفر والإصرار غير المكفر السؤال كيف نفرق بين الاستحلال الذي يكفر صاحبه باتفاق أهل السنة، والإصرار الذي لا يكفر صاحبه؟ الجواب نفترض أن رجلاً يشرب الخمر، وهو مقيم على هذه المعصية، ولم يقلع عنها ويتب منها بسبب غلبة الشهوة وضعف الإرادة، مع بقاء اعتقاده القلبي بأن الله حرمها، ومع بقاء مبدأ قبول حكم التحريم والتزامه به، أي: يعتقد أن الخمر حرام، ويصدق أن هذا حكم الله، ثم هو بقلبه قبل هذا الحكم وما رفضه، لكن غلبته شهوته، فلا يستطيع أن يفارق هذه المعصية، فمثل هذا المصر لا يكفره السلف؛ لأنهم لا يعدون تكرار الذنب ومجرد الإقامة الظاهرة عليه دليلاً على استحلال القلب، ويقولون: إن مات موحداً غير تائب من هذا الذنب فهو تحت المشيئة: إن شاء عفا الله عنه بفضله، وإن شاء عذبه بعدله، لكنه لا يخلد في النار. ومثال هذا كثير، كالرجل الذي كان يضحك الرسول ﷺ ، وكان يلقب حماراً، وكان يؤتى به وقد شرب الخمر، ففي مرة من المرات قال بعض الصحابة حينما أحضر ليقام عليه الحد: لعنه الله؛ ما أكثر ما يؤتى به! فقال له النبي ﷺ : (لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله) قال هذا ﵊ مع أن الرجل مداوم على شرب الخمر، ومع ذلك قال فيه النبي ﷺ ما قال، فهذا مصر لكنه غير مستحل. وكذلك أبو محجن الثقفي، ومعروفة قصته، فقد كان مداوماً على شرب الخمر، فهو مثال للشخص الذي تغلبه شهوته، ثم تاب بعدما أبلى في الجهاد كما هو معلوم. فالفرق بين الاستحلال الذي اتفق أهل السنة على تكفير صاحبه، وبين الإصرار على المعصية الذي اتفقوا على تبديع من يكفر به هو أن الاستحلال إما أن يكون بتكذيب حكم الله وعدم الإقرار به، فهنا يكون متعلقاً بمبدأ تصديق الخبر، وإما أن يكون برد هذا الحكم وعدم التزامه، والاعتراض عليه، والاستكبار عنه، وهو هنا يتعلق بمبدأ قبول الأحكام، فتخلف التصديق كفر تكذيب، وتخلف القبول كفر رد وإباء، وكلاهما قادح في أصل الإيمان. أما الإصرار على المعصية فيتعلق بمبدأ الدخول في الأعمال، فهو بقلبه قد قبل الحكم، وبقي تنفيذ الحكم أو عدم تنفيذه بالجوارح، لكنه بقلبه قابلٌ حكم الله، وملتزم بحكم الله، فالإصرار يتعلق بمبدأ الدخول في الأعمال، أي: تنفيذ الأحكام أو عدم تنفيذها، وهذا قادح في كمال الإيمان لا في أصله، وينقص إيمانه بهذه المعصية، ولا يذهب بالكلية، ويضربون مثالاً لذلك بالبدن الذي فيه روح، فالبدن الذي لا روح فيه، البدن الذي فيه روح أصل الإيمان موجود فيه بشقيه: تصديق الخبر والانقياد للأمر، فيبقى الجسد حياً حتى لو بترت بعض أعضائه، فلو بترت ساقه أو أطرافه أو عينه أو غير ذلك من أعضائه يبقى كائنا حياً يستطيع أن يعيش ما زالت فيه الروح، لكن إذا خرجت الروح لم ينفعه شيء، فإذا خرج الإيمان بشقيه -تصديق الخبر والانقياد للأمر- لا يبقى فيه إيمان، بل يقضى عليه بالكلية، كالشجرة إذا اجتثت من جذورها، لكن إن كسرت واستخرج منها بعض الأغصان فإن ذلك ينقصها ولا يبقيها سليمة، وتبقى حية مع ذلك.

стр. 385

حكم تحكيم القوانين الوضعية السؤال هل تحكيم القوانين الوضعية كفر أكبر أم كفر دون كفر؟ الجواب هذا السؤال بعبارة أخرى هو: هل تحكيم شريعة غير شريعة الله ﵎ يدخل في الاستحلال أم في الإصرار؟ ومن ثم فهل فاعله يكون كافراً كفراً أكبر، أم يكون كافراً كفراً دون كفر؟ إن هذه الشريعة هي الدستور الأعلى، والقانون الأوحد المهيمن، لكن الحاكم بغير ما أنزل الله إذا عرض عليه قضية أو قضيتان أو عشر قضايا أو أغلب القضايا التي تعرض عليه، فحكم في قضايا عارضة جزئية بغير ما أنزل الله، لا بسبب التكذيب، ولا بسبب الرد والرفض، وإنما بسبب مجاملة لصديقه أو قريبه، أو رشوة أغري بها، أو محسوبية، أو هوى، فهذا كله كفر دون كفر، وهذا معصية، وليس كفراً يخرج من الملة، لكنه ينقص إيمانه؛ لأن هذا انحراف عارض في التطبيق وليس في المبدأ. وبعبارة أخرى نقول: من رغب عن تطبيق الشريعة الإسلامية واستبدلها بالقوانين الوضعية فهذا الاستبدال له صور عدة: فإما أنه يكون رافضاً لها بقلبه، وحينها لم يوجد قول القلب الذي هو الانقياد والإقرار والقبول، أو يكون كارهاً لها، أو معتقداً أن القوانين الوضعية أفضل من الأحكام الإلهية، باعتبار أنها أحكام رجعية جامدة لا تناسب العصر، كما يقع من العلمانيين وخصوم الإسلام، أو يفعل ذلك عناداً ومكابرة، فيؤمن بأنه حكم الله لكن يعاند ويكابر ولا يقبله ولا ينقاد له، فهذا كافر خارج عن ملة الإسلام، ولو كان مصدقاً بها مقراًَ بأنها شريعة الله ، وكفره ككفر إبليس الذي ما شك في أن الأمر بالسجود صادر عن الله ﵎، لكنه رد حكم الله ولم يلتزمه، ففي حق مثل هذا نستدل بقوله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فالمسألة هنا ليست مسألة خطأ في التطبيق أو خطأ عارض، بل هي مسألة مبدأ، فحين يحصل التخلي عن أصل تحكيم الشريعة وإبطال تحكيمها في أغلب شئون الحياة والدولة، وتنكيس راية الشريعة تماماً، ثم استبدال راية الشريعة براية القوانين الوضعية الجاهلية لتصبح هي بدل الشريعة الإسلامية مع أن الشريعة هي المظلة ذات السيادة، وهي المهيمنة على المجتمع، فإن ذلك لا يتضمن عدم الحكم بما أنزل الله بتعطيله وإبطاله فحسب، بل يتضمن جريمة أخرى هي الإباحة العامة للحكم بغير ما أنزل الله. فما بالك لو انضم إليه الإلزام القسري، أي: إلزام الأمة جميعها بالتحاكم إلى هذه القوانين الجاهلية؟! وليس الأمر إلى هذا الحد، بل يفتن كل من تمرد على هذه القوانين أو حاول تغييرها حتى ولو كان قاضياً. ما أكثر ما يتردد في ساحات المحاكم الوضعية من عبارات تقشعر منها الجلود وتشمئز لبشاعتها النفوس لما تتضمنه من رد الدفاع الشرعي، حينما يدافع المدافع بأدلة الشرع الإسلامي القائم على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يبطل القاضي الوضعي الحكم الشرعي والدفاع الشرعي، لا لشيء إلا لأنه يخالف القوانين الوضعية. فيرد حكم رجم الزاني، أو جلد الشارب، أو قطع يد السارق؛ لأنه يخالف القوانين، وهذا فصل بين الخلق والأمر، وقد يكون هذا الشخص مؤمناً بأن هذا حكم الله، لكنه لا ينقاد إليه قلبياً، ويجعل عدم تطبيق الشرعية مبدأ عاماً، فيلزم كل الناس بتعطيل الشريعة أولاً، ثم باستباحة الحكم بغير ما أنزل الله إباحة عامة يلزم بها سائر الناس ويمتحن ويفتن من خالفها أو تمرد عليها، فالله له الخلق والأمر، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالذي يخلق هو الذي يأمر ويحكم، فكما أنه لا يخلق إلا الله، كذلك لا يأمر ولا يشرع إلا الله . ونشير بهذه المناسبة إلى عبارة (الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع)، فهذه العبارة تنافي العقيدة الإسلامية تماماً؛ إذ إنها تساوي القول بأن الله هو الخالق الرئيس لهذا الكون. فهل يقبل أن الله هو الخالق الرئيس؟! إن الله تعالى كما له الخلق له -أيضاً- الأمر، فكما أنه لا يصح أن تقول: الله هو الخالق الرئيس، كذلك لا يصح أن تقول: شريعة الله هي الشريعة الرئيسة للقوانين. وقد حصل أن جنكيز خان ملك التتار استبدل أحكام القرآن وأحكام الشريعة بكتابه (الياسق) أو (اليافا)، وجعله خليطاً من الشريعة الإسلامية مع بعض القوانين الأخرى من الملل الأخرى، ووقفت الأمة منه موقفاً عظيماً خطيراً لإبائه ورده ورفضه الشريعة الإسلامية. فأرجو أن يكون بهذا اتضح الفرق بين الإصرار وبين الاستحلال، وبعض العلماء يقولون: الحكم بالكفر الأكبر نتيجة الاستحلال له صورتان: تكذيب الخبر، أو رد الحكم وإبطاله وعدم الانقياد له والتزامه، وفي الحالة الثانية قالوا: هو كفر، لكن لا يحكم على قائله أو فاعله بالكفر حتى يتثبت من وجود أفعال أو شروط معينة، وانتفاء موانع تمنع من الحكم بالكفر على الشخص، لكن يقال: من فعل كذا فهو كافر. ولا يجزم بأن فلاناً بعينه كافر حتى نتأكد من زوال العوارض الأهلية من إكراه أو جهل أو تأويل.

стр. 386

حكم الصلاة خلف الإباضية من الخوارج السؤال هل تجوز الصلاة خلف الإباضية من الخوارج؟ الجواب الخوارج من أهل البدع، والأصل أنك إذا كنت مستطيعاً أن تعزل الإمام المبتدع الفاسق ببدعته -كبدعة الخوارج مثلاً- فإنه يجب عليك أن تعزله، ولا تصل خلفه، فإن عجزت فعليك أن تصلي في مسجد آخر، فإن لم تجد جمعة ولا جماعة ولا عيداً إلا خلف هذا المبتدع ففي هذه الحالة إن كنت لا تستطيع تغييره إلا بإحداث فتنة أكبر فصل خلفه، كما بين ذلك شيخ الإسلام في الكلام الذي ذكرناه عنه في مثل هذا، فهذه هي القاعدة في شأن أهل البدع عموماً. فالقاعدة أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، فما دام أنه لم يحكم بكفره، وما دام باقياً على أصل الإسلام حتى وإن تلبس بهذه البدعة فتصح صلاته بغيره مع الكراهة؛ لأن بعض العلماء متفقون على هذه الكراهة، والله تعالى أعلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.