Полный текст (386 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
حتمية تأويل أقوال سيد قطب
يقول الأستاذ البهنساوي عن حتمية تأويل أقوال سيد قطب: ترد وتجد في عبارات الشهيد سيد قطب كلمات الجاهلية والأصول العامة في الإسلام، توجب أن تفسر هذه العبارات إذا اتصلت بالمسلمين على أن المقصود بها اعتزال المناهج والتشريعات المستوردة، على أن أساس أن أصلها جاهلي، ولا يترتب على هذا أن يقال: إن المسلمين في عصرنا قد ارتدوا عن الإسلام وأصبحوا كفاراً، ولهذا فعبارة اعتزال معابد الجاهلية ليست إلا وصفاً لا مدلول له من الناحية الفقهية، ذلك أن أقوال النبي ﷺ استوجب تأويلها اتفاقاً مع القواعد العامة كما رأينا، فمن باب أولى كلام العلماء والفقهاء، وليس أدل على أن الشهيد سيد قطب لا يريد النتائج والأحكام الفقهية المترتبة على الألفاظ العامة من الخطاب الذي نشره الأستاذ محمد قطب بمجلة المجتمع في العدد (٢٧١) الصادر في السابع عشر من شوال سنة ألف وثلاثمائة وخمس وتسعين هجرية، الموافقة (٢١/ ١٠/١٩٧٥م) وهو يؤكد ما قلناه.
والمجلة أولاً ذكرت مقدمة كتمهيد للمقالة، قالت مجلة المجتمع: دارت حول أفكار الشهيد سيد قطب آراء اكتنف بعضها الغلو سلباً وإيجاباً، ودفع للحوار في طريق أدق أمانة وأكثر إيجابية كتب شقيقه الكاتب الإسلامي المعروف الأستاذ محمد قطب الرسالة التالية، وهو خير من يكتب في هذا الموضوع نظراً لاطلاعه الوافر على أفكار أخيه، ومعرفة مدلول هذه الأفكار بالتالي، ومما هو معروف أن الشقيقين كانا يتدارسان الإسلام معاً، ويقلبان وجوه النظر في قضاياه وموضوعاته معاً أيضاً، ومن هنا قلنا: إن الأستاذ محمد قطب أقدر على تحديد نقاط الأفكار وآراء واجتهادات الشهيد سيد قطب.
نص الرسالة: أخي: السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإنك تعلم -يا أخي- ما دار من لغط في محيط الإخوان حول كتابات الشهيد سيد قطب، وما قيل من كونها مخالفة لفكر الإخوان أو جديدة عليه، وأحب في هذا المجال أن أثبت مجموعة من الحقائق أحس بأنني مطالب أمام الله بتوضيحها حتى لا يكون في الأمر شبهة.
إن كتابات سيد قطب قد تركزت حول موضوع معين هو بيان المعنى الحقيقي لـ: (لا إله إلا الله)، شعوراً منه بأن كثيراً من الناس لا يدركون هذا المعنى على حقيقته، وبيان المواصفات الحقيقية للإيمان كما ورد في الكتاب والسنة، شعوراً منه بأن كثيراً من هذه المواصفات قد أهمل أو غفل الناس عنه، ولكنه مع ذلك حرص حرصاً شديداً على أن يبين أن كلامه هذا ليس مقصوداً به إصدار الأحكام على الناس، وإنما المقصود به تعريفهم بما غفلوا عنه من هذه الحقيقة، ليتبينوا هم لأنفسهم إن كانوا مستقيمين على طريق الله كما ينبغي، أم بعيدين عن هذا الطريق فينبغي عليهم أن يعودوا إليه.
ولقد سمعته بنفسي أكثر من مرة يقول: نحن دعاة ولسنا قضاة، إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس، ولكن مهمتنا أن نعرفهم بحقيقة (لا إله إلا الله)؛ لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي، وهو التحاكم إلى شريعة الله.
كما سمعته أكثر من مرة يقول: إن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس في أيدينا، ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس فضلاً عن كوننا دعوة ولسنا دولة، دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم.
أما بالنسبة لقضية المفاصلة فقد بين في كلامه أنها المفاصلة الشعورية التي لابد أن تنشأ تلقائياً في حس المسلم الملتزم تجاه من لا يلتزمون بأوامر الإسلام، ولكنها ليست المفاصلة الحسية المادية، فنحن نعيش في هذا المجتمع وندعوه إلى حقيقة الإسلام ولا نعتزله، وإلا فكيف ندعوه؟ تلك خلاصة كتابات سيد قطب، ولي على هذه الخلاصة تعقيبات -والكلام للأستاذ محمد قطب -: الأول: هو تأكدي الكامل -بإذن الله- من أنه ليس في هذه الكتابات ما يخالف الكتاب والسنة اللذين تقوم عليهما دعوة الإخوان المسلمين.
وتعقيباً على هذا نقول: كان ينبغي أن تكون العبارة: الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، بدل أن نقول: اللذين تقوم عليهما دعوة الإخوان المسلمين.
فقبل الإخوان المسلمين وقبل أنصار السنة، وقبل محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية، وقبل هؤلاء جميعاً كان الميزان هو منهج أهل السنة والجماعة.
التعقيب الثاني: هو تأكدي الكامل أيضاً من أنه ليس في هذه الكتابات ما يخالف أفكار الإمام الشهيد حسن البنا ﵀ مؤسس هذه الجماعة، ولا ما يخالف أقواله، وهو الذي نص في رسالة التعاليم في البند العشرين على أن المسلم الذي لا يجوز تكفيره هو الذي نطق بالشهادتين، وعمل بمقتضاهما، وأدى الفرائض، وذلك فضلاً عن كون كتابات سيد قطب -كما أسلفت- لم يقصد بها إصدار الأحكام على الناس، وإنما قصده منها كما كان قصد الإمام الشهيد بالضبط، وهو بيان حقيقة الإسلام ومواصفات المسلم كما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
تلك حقائق أرى أن من واجبي أن أبينها وأوضحها أداء للشهادة لله؛ فإننا لا ندري متى نلقى الله، ولا ينبغي لنا أن نلقاه وقد كتمنا شهادتنا، والله الموفق إلى سواء السبيل.
أخوك: محمد قطب.
فبهذا نستطيع أن نقول: إننا أنهينا هذا البحث فيما يتعلق بما قيل حول المنهج عند سيد قطب، وهل هذا المنهج كان له أثر في اتجاهات التكفير أم لا ويكفي في هذا الاضطراب كله أن نقول: إنه لن يخلو من أثر من الآثار، سواء قصد أم لم يقصد، وسواء أساء الناس فهمه أم لم يسيئوا، فعلى أي الأحوال الذي يهمنا هو ما ذكرناه في بداية الكلام، أي: أن يبقى الحق حقاً والرجل رجلاً، فالحق حق في كل الأحوال، والرجل قد يكون محقاً وقد يكون مبطلاً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وسبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 317
الإيمان والكفر [٢٤]
أهل الفترة هم الذين عاشوا في فترة انقطاع الرسالة بين نبيين، فمنهم من بلغته الدعوة فوحد الله، ومنهم من أشرك، ومنهم من لم تبلغه الدعوة بالكلية، وهؤلاء هم الذين اختلف العلماء في حكمهم، والقول الذي تعضده الأدلة هو القول بامتحانهم في عرصات يوم القيامة.
стр. 318
أحكام أهل الفترة
قبل أن ندرس قضية العصر، أو موضة العصر، وهي قضية العذر بالجهل التي تطرح بين وقت وآخر، وتتعرض للخوض الكثير فيها، ونرجو -إن شاء الله- أن نتكلم فيها بمزيد تفصيل، ثم لن نفتحها بعد ذلك، ولا نحتاج إلى ذلك بإذن الله، قبل ذلك علينا أن نعلم أن بعضاً ممن يكتبون أو يتكلمون في قضايا العذر بالجهل يخلطون بين أمرين: بين الكافر الذي لم يدخل أصلاً في الإسلام، وبين المسلم الذي ثبت له عقد الإسلام، فتجد بعض الناس يستدل بأدلة هي في حق المشركين الذين لم يدخلوا أصلاً في الإسلام، كقوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣] إلى آخر الآية في سورة الأعراف، فهذه في حق المشركين.
وفي الطرف الآخر يستدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فهذه -أيضاً- تحمل على غير معناها.
فالشاهد أن بعض الناس يخلطون بين هذين الطرفين، وفرق بين من استكبر أن يقول لا إله إلا الله، واستكبر عن أن يدخل في دين الإسلام وكفر ولم يؤمن بالله ولا بالرسول ولا بالقرآن، ولا دخل في الإسلام، وبين من دخل في الإسلام، ثم خالف أو وقع في شيء يناقض عقيدة التوحيد ويناقض عقيدة الإسلام دون أن يعرف أن هذا يناقض الإسلام، أو دون أن تبلغه الحجة الرسالية، فرق كبير بين الطرفين، وسنزيد ذلك بياناًَ إن شاء الله فيما بعد.
ومما يتعلق بقضية العذر بالجهل قضية أهل الفترة، وكثير من المتكلمين يناقشون معرفة الله هل تدرك بالعقل أم تدرك بالشرع؟ واعتقادنا -والله أعلم- أن هذه الأشياء تدرك عن طريق التلقي بالوحي لا عن طريق العقل، بل إن الله ﵎ قد فطرنا على فطرة الإسلام، وأنزل إلينا الكتب، وبث آياته في الآفاق وفي أنفسنا، ومع ذلك فإنه ﵎ تفضل وامتن على عباده بأنه لن يعذب أحداً منهم حتى تبلغه حجة الرسل.
فإذاً: الحجة تقوم بالأنبياء والمرسلين، وبنصوص الوحي، ولذلك قال : ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا))، وترد هنا بعض الأدلة التي فيها المؤاخذة قبل بعثة الرسل، مثل حديث الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ : (أين أبي؟ فقال: في النار فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار).
فنجد أن ناساً يقولون: إن هذا دليل على أن هؤلاء كانوا في النار رغم أنهم كانوا من أهل الفترة، لكن مع ذلك عذبوا.
وهذا يعني أن النقاش في هذه القضية سيطول قليلاً -إن شاء الله- لنوضحها؛ لأن لها علاقة بما نحن بصدده.
стр. 319
تعريف الفترة لغة واصطلاحاً
الفترة في اللغة: هي السكون والضعف.
تقول: فتر الشيء: إذا سكن بعد حدة، ولان بعد شدة.
وتقول: أفتره الداء: أي: أضعفه.
والفترة: فعلة من: فتر الأمر يفتر أو يفتر فتوراً، وذلك إذا هدأ أو سكن، وفي الحديث: (ثم فتر الوحي)، أي: انقطع وسكن.
أما اصطلاحاً فهي: ما كان بين كل نبيين، كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﵊، وكالفترة بين نوح وإدريس ﵉، وقيل: هي ما كانت بين رسولين، فلم يرسل فيها إلى الناس الرسول الأول، ثم لم يدركوا الرسول الثاني، فهذه فترة.
وقال الألوسي ﵀: أجمع المفسرون على أن الفترة هي الانقطاع ما بين رسولين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ [المائدة:١٩]، وفي الصحيح: (أن الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ستمائة سنة)، وهذا في البخاري، وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا أولى الناس بابن مريم -والأنبياء أولاد علات-؛ ليس بيني وبينه نبي)، رواه البخاري، والعلات: الضرائر، كما جاء في الحديث الآخر: (نحن -معشر الأنبياء- إخوة لعلات، ديننا واحد، وأمهاتنا شتى)، فقوله: (ديننا واحد) يعني العقيدة، لكن الشرائع تختلف، فالحلال والحرام، ونظم الطلاق، والزواج، والبيوع، والأمور العامة تتفاوت، والشرائع تتغير وتنسخ، لكن العقيدة واحدة من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، والأنبياء كلهم جاءوا ليدعوا إلى الإسلام، فقوله: (وأمهاتنا شتى) هي الشرائع والأحكام في الحلال والحرام، والأمور العملية.
وقوله ﵊: (ليس بيني وبينه نبي) لفظ واضح وصريح في أنه لم يكن هناك نبي بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، خلافاً لبعض الأحاديث الضعيفة التي فيها إثبات نبي من الأنبياء ضيعه قومه، فهذا الحديث صريح في ذلك، حيث قال: (ليس بيني وبينه نبي) وهو أصح.
стр. 320
تعريف أهل الفترة
يأتي بعد تعريف الفترة معرفة أهل الفترة ومعرفة أحكامهم، وهل أهل الفترة يكلفون أم لا؟ إن المكلف في الاصطلاح هو الشخص الذي تعلق حكم الشارع بفعله، وشرط هذا المكلف أن يكون قادراً على فهم الدليل؛ لأن التكليف خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وخطاب من لا عقل ولا فهم له محال، والقدرة على الفهم إنما تكون بالعقل؛ لأن العقل هو أداة الفهم والإدراك، وبه يمكن الامتثال، ولما كان العقل من الأمور الخفية، وليس شيئاً محسوساً نراه، فربط الشرع التكاليف بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس، وهو البلوغ، بأن يكون المرء عاقلاً، ويعرف ذلك بما يصدر عنه من الأقوال والأفعال بحسب المألوف من الناس، فمن بلغ الحلم ولم يظهر خلل في قواه العقلية والفعلية والقولية صار مكلفاً.
ويشترط في المكلف أن يكون أهلاً للتكليف، والأهلية هي الصلاحية لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه، قال الله تعالى: ((وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا))، والأهلية تتحقق بالعقل والفهم، فمن هذه الشروط: أن يكون المكلف عالماً بما كلف به، أو متمكناً من العلم ليستطيع الفعل والترك؛ لأن التكليف بالمستحيل وبما لا يقدر عليه المكلف محال.
стр. 321
أقسام أهل الفترة
ينقسم أهل الفترة إلى قسمين: قسم بلغته الدعوة، وقسم لم تبلغه الدعوة، فمن بلغته الدعوة من أهل الفترة قسمان: قسم بلغته الدعوة وأشرك بالله، وقسم وحد ولم يشرك بالله.
وقد قدمنا أن أهل الفترة هم الذين يعيشون في فترة انقطاع الرسالة بين نبيين، فلا أرسل إليهم النبي الأول، ولا أدركوا النبي الثاني، لكن هؤلاء بلغتهم الدعوة بصورة أو بأخرى، كالمشركين الذين سمعوا أو علموا شيئاً من دين إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقسم واحد من هؤلاء الذين عاشوا في هذه الفترة لم يشرك، إما بفطرته، وإما بالاطلاع على بقايا من دين السابقين.
والقسم الثاني: قسم لم تبلغه الدعوة ولكنه غَير وأشرك مع الله، وهناك قسم آخر من أهل الفترة لم تبلغه الدعوة، وبقي على حين غفلة، فهؤلاء تنازع العلماء فيهم على أقوال، فبعض العلماء يقول: إن الواحد من هؤلاء يموت ناجياً.
والقول الثاني أنه يكون في النار، والثالث: يمتحن بنار في عرصات القيامة.
стр. 322
من بلغته الدعوة ووحد ولم يشرك
أما القسم الأول فهو من بلغته الدعوة ووحد ولم يشرك، كـ قس بن ساعدة الإيادي أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم، وكان قس يسكن نجران، ويقال: إنه أول عربي خطب على سيف أو عصا.
وهو أول من قال في كلامه: أما بعد.
أدركه النبي ﷺ قبل البعثة، وسئل عنه بعد البعثة فقال: (يحشر أمة وحده)، توفي سنة ثلاث وعشرين قبل الهجرة، أي أنه لم يدرك بعثة النبي ﷺ ، وإذا قرأنا كلام قس بن ساعدة الإيادي كما حكاه ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني نجد توحيداً كثيراً جداً في كلامه، وله خطبة مشهورة، من كلماتها (أقسم قس قسماً لا ريب فيه أن لله ديناً هو أرضى له من دينكم)، فكان يخطب في المشركين ويقول لهم هكذا.
ومن هؤلاء الذين هم من أهل الفترة الذين بلغتهم الدعوة ووحدوا ولم يشركوا زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد حكماء العرب، كان يكره عبادة الأوثان، رحل إلى الشام باحثاً عن دين، ثم عاد إلى مكة ليعبد الله على دين إبراهيم ﵇، كان عدواً لدوداً لوأد البنات، وهو والد سعيد بن زيد الصحابي الجليل ﵁، وكان زيد بن عمرو بن نفيل يقول: اللهم! إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك، ولكني لا أعلم.
ثم يسجد على راحلته، أي: لو أعرف كيف أعبدك والطريقة التي يمكن أن أعبدك بها وهي محبوبة إليك -بل هي أحب الوجوه إليك- لفعلتها.
لكنه كان لا يعرف، لذا فإن العبادات إنما تعرف عن طريق الوحي، ثم إن الشيء الذي كان يستطيع أن يفعله هو أن يسجد على راحلته لله ﵎، وكان يقول أيضاً: أرباً واحداً أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور وقد أدركه النبي ﷺ قبل مبعثه، وكان يتحنث في غار حراء، وكان لا يأكل مما ذبح على النصب، فذكر عند النبي ﷺ بعد البعثة فقال: (غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم)، فهذا النوع ليس محلاً للنزاع؛ لأن النصوص الواردة تدل على أن هناك من ماتوا على التوحيد.
стр. 323
من بلغته الدعوة وأشرك ولم يوحد الله تعالى
النوع الثاني من أهل الفترة: من بلغته الدعوة، ولكنه أشرك وغَير ولم يوحد، وأمثلته كثيرة، كـ عمرو بن لحي بن عامر الأسدي، وهو أول من غير في دين إسماعيل ﵇، قدم الشام فوجد أهلها يعبدون الأصنام فأعجب بها، فأخذ منها وأتى مكة، ودعا الناس إلى عبادتها، وكان آنذاك سيد قومه، فـ عمرو بن لحي هو أول من سن عبادة الأصنام، وهو الذي بحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، قال فيه رسول الله ﷺ : (رأيت عمرو بن لحي بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار)، أي: يجر أمعاءه في النار.
وفي بعض الأحاديث: (لأنه أول من سيب السوائب)، وهذا محمول على أنه غير وبدل وأشرك بعد أن بلغته الدعوة.
وكذلك عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، أدرك النبي ﷺ قبل البعثة، وكانت له جفنة يأكل منها الطعام القائم والراكب، فعن عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن ابن جدعان فقالت: (قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: لا؛ إنه لم يقل يوماً: رب! اغفر لي خطيئتي يوم الدين).
ومن ذلك -أيضاً- ما ورد في عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي ﷺ ، الذي توفي والرسول ﷺ في بطن أمه، ففيما رواه مسلم: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفا دعاه، فقال له: إن أبي وأباك في النار)، أخرجه مسلم.
وكذلك ورد حديث بشأن أم النبي ﷺ ، وهي آمنة بنت وهب، وقد توفيت عنه ﷺ وهو ابن ست سنوات، قال ﵊: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)، أخرجه مسلم، فهذا الحديث يحتمل أنها بلغتها الدعوة، ويحتمل أنها لم تبلغها الدعوة، وهذا النص ليس بصريح؛ لأن النبي نهيَّ عن الاستغفار لها حيث إنها لم تمت على التوحيد، سواء بلغتها الدعوة أم لم تبلغها.
فهذا النوع ليس محلاً للنزاع لورود النصوص التي تفيد بأن الدعوة قد بلغتهم، وذكر بعض العلماء أن الله أحيا له أبويه فأسلما على يديه ثم ماتا، وهذا موجود في رسالة للإمام السيوطي، ولا يصح، وقد طبعت هذه الرسالة مؤخراً محققة، لكن لا يصح ذلك أبداً.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حول هذه الدعوة: لم يصح ذلك عن أهل الحديث، بل أهل العلم متفقون على أن ذلك كذب مختلق، ولو كان صحيحاً لتناقلته كتب الصحاح؛ لأنه من أعظم الأمور خرقاً للعادة، لما فيه من إحياء الموتى والإيمان بعد الموت، وهذا خلاف ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨] فبين الله أنه لا توبة لمن مات كافراً، وجاء في صحيح مسلم: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أين أبي؟ فقال: إنه في النار.
فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار).
يقول شيخ الإسلام: وكذلك حديث الاستغفار، فلو كان الاستغفار جائزاً بحقهما لم ينهه عن ذلك، أي: الاستغفار، فإن الأعمال بالخواتيم، ومن مات مؤمناً فإن الله يغفر له، ولا يكون الاستغفار ممتنعاً، أما زيارة النبي ﷺ لأمه فإنها كانت بطريقه بالحجون بمكة، أما أبوه فقد دفن بالشام، فكيف أحياه له؟! ولو كان أبواه مؤمنين لكانا أحق بالشهرة من عميه الحمزة والعباس، والله تعالى أعلم.
стр. 324
من لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة وجاهلية
أما القسم الثاني من أقسام أهل الفترة فهو من لم تبلغه الدعوة أصلاً، وبقي على حين غفلة وجاهلية، وأكثر أهل الجاهلية هم من هذا النوع، قال الله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس:٦]، والأصل في أهل الجاهلية أنهم كانوا من هذا النوع، أي: من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة وبقوا في غفلتهم سادرين، ويقول الله ﵎: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٦]، فهذا القسم هو محل نزاع بين العلماء، فمنهم من قال: إن من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجياً.
ومنهم من قال: من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار.
ومنهم من قال: من مات ولم تبلغه الدعوة يمتحن بنار في عرصات يوم القيامة.
стр. 325
أقوال العلماء فيمن لم تبلغه الدعوة من أهل الفترة
стр. 326
القول بنجاته
وهذا القول قال به الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، وبعض الشافعية من الفقهاء، واستدل هؤلاء بالأدلة الآتية: أولاً: قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فأخذوا من هذا أن هؤلاء كانوا في فترة، ولم تبلغهم الحجة الرسالية، فلن يعذبهم الله بنص هذه الآية ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا))، وهؤلاء لم يبعث إليهم رسول، أو لم تبلغهم دعوة الرسل.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، يعني: بعد بعثة الرسل.
ووجه الدلالة أن الله قطع الحجة على الناس بإرسال الرسل إليهم مبشرين ومنذرين، حتى لا يعتذروا يوم القيامة بأنه لم يأتهم رسول ولا نذير ينذرهم هذا اليوم، وأهل الفترة لم يأتهم نذير ولا بشير، فالحجة قائمة معهم، فدلت الآية على أنهم لا يعذبون، فهم في الجنة.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٩]، فـ (كلما) صيغة عموم، والمعنى أن كل من يدخل النار سوف يوجه إليه هذا الكلام، فالملائكة تبكتهم وتوبخهم بقولها: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ)) فيجيبون بقولهم: ((بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ))، ومعنى ذلك أن كل من دخل النار قد بلغته حجة الرسل ونذارة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهذا يدل على أن الذين يدخلون النار هم ممن بلغتهم الحجة الرسالية؛ لقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨ - ٩].
رابعاً: قوله ﵎: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]، فقوله هنا: ((وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا)) يعم جمع الكافرين الذين يدخلون جهنم والعياذ بالله، وتوبخهم الملائكة، بقولها لهم: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)) فيجيبون بقولهم: ((بلى)) أي: جاءتنا الرسل ((وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)).
أما أهل الفترة فلا يدخلون في هؤلاء؛ لأنهم لن يقولوا: ((بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ))، فهم غير مؤاخذين، أي: فهم في الجنة.
خامساً: قوله ﵎: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٠]، فهنا يخاطب الله ﵎ خلقه من الجن والإنس بقوله: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)) فيجيبون بقولهم: ((شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ))، فأشهدهم الله على أنفسهم وأقروا بتلك الشهادة، واعترفوا بأن الرسل قد بلغتهم آيات ربهم وأنذرتهم يوم القيامة، لكن أهل الفترة ليسوا بهذه المثابة، فلا يعذبون، فهم من أهل الجنة.
سادساً: قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] ووجه الدلالة أن الله لا يظلم أحداً من خلقه، فلا يمكن أن يعذب أمة دون أن يرسل إليها رسولاً فتكذبه فتكون ظالمة بهذا التكذيب، وعندئذٍ تستحق عقاب الله تعالى لها بالإهلاك والاستئصال، لكن أهل الفترة لم تأتهم رسل، ولم يكذبوا الرسل، فهم معذورون لأجل هذا، ولا يستحقون عقاب الله، فهم في الجنة.
سابعاً: قوله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٩] يعني: لم يبق لكم حجة، ويوم القيامة لن تستطيعوا أن تقولوا: ((مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ))، فقد جاءكم البشير والنذير، فوجه الدلالة هنا أن الله أخبر أهل الكتاب أنه قد أرسل إليهم رسولاً يبين لهم أمور دينهم، ويحذرهم من عقابه إن هم عصوه، وقد قامت الحجة عليهم بذلك، لكن أهل الفترة معذورون حيث لم يأتهم رسول، ولذا فهم غير مؤاخذين، فهم في الجنة.
ثامناً: جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري أن رسول الله ﵌ قال: (ما من أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب) يعني: لا يوجد أحد يحب الإعذار وإقامة الحجة مثل الله ﵎، وفي رواية أخرى: (ما أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، وما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن).
فأهل الفترة لم ترسل إليهم الرسل، ولذا فهم في الجنة.
стр. 327
القول بدخوله النار
وهذا القول قال به المعتزلة وجماعة من الحنفية الماتريدية، قالوا بأنهم مكلفون وإن لم يرسل إليهم رسول، وعليهم أن يستدلوا بعقولهم، فما استحسنه العقل فهو حسن، وما استقبحه العقل فهو قبيح، وإن الله يعذب في النار من لم يؤمن وإن لم يرسل إليه رسولاً لقيام الحجة عليه بالعقل، وهذا يدل على أن هناك ثواباً وعقاباً قبل بلوغ الدعوة وبعثة الرسل، واستدلوا بقوله ﵎: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٨]، ووجه الدلالة في نظرهم أن من يموت كافراً فهو في النار، سواء أنذر أم لم ينذر، وأهل الفترة في النار؛ لأنهم ماتوا على الشرك، فقد كان لهم عقول، وكان في الإمكان أن تهديهم عقولهم إلى التوحيد.
ومن الأدلة التي استدلوا بها ما رواه مسلم من الأحاديث التي تدل على أن أهل الفترة لا يعذرون وإن لم يأتهم نذير، فمن هذه الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)، فكون الله لم يأذن للنبي ﷺ في الاستغفار لأمه يدل على أنها في النار، وهي من أهل الفترة، فدل على أن من مات من أهل الفترة على الشرك فهو في النار.
وكذلك استدلوا بحديث أنس ﵁: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: في النار.
فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)، ووجه الدلالة في ذلك: أن الكافر في النار، وأهل الفترة كفار، فهم في النار.
ثم استدلوا بالعقل، ومعلوم تقديس المعتزلة للعقل، واحتجوا بما أخبر الله عن إبراهيم ﵇ في قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤]، وكذلك استدلاله ﵇ بالنجوم ومعرفة الله بها، كما قال الله تعالى عنه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨]، والمعروف أن إبراهيم ﵇ في هذه الآيات كان مناظراً ولم يكن ناظراً، فقد كان يتبع أسلوباً معيناً في الجدل والحوار، ولم يكن باحثاً عن الحق بالفعل؛ لأنه كان قد وصل إليه؛ لقول ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥] والأنبياء معصومون من الذنوب قبل البعثة أو بعدها، فكيف بعصمتهم من الشرك؟! فهذا لا جدال فيه، فإبراهيم ﵇ لم يرتب في الله تعالى لحظة واحدة من الزمن، هو معصوم من ذلك؛ لأنه نبي من أنبياء الله المعصومين، فإبراهيم كان مناظراً ولم يكن ناظراً، وإنما كان يسلك سبيلاً معيناً لإقناعهم ومحاجتهم، وكان يريد أن يبصرهم بما هم عليه من عبادة الكواكب والأصنام.
واحتجوا كذلك بمحاجة الرسل لأقوامهم، بما يرشدهم العقل إليه، كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم:١٠]، وقوله ﵎: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]، فأخذوا من ذلك أن العقل كان يمكنه أن يكون وسيلة لإيصالهم إلى الحق، لكنهم عبدوا الأوثان، ولم ينتفعوا بعقولهم.
стр. 328
القول بامتحان أهل الفترة في عرصات القيامة
فمن دخل النار كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها فقد عصا الله تعالى، فيدخله الله فيها، وهذا القول قال به السلف، وجمهور الأئمة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀، والحافظ ابن كثير تلميذه، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وحكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وقال به الإمام أبو محمد ابن حزم ﵀، واختاره الإمام الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في (أضواء البيان).
واستدل هؤلاء القائلين بأن أهل الفترة يمتحنون في عرصات القيامة بالأدلة التالية: أولاً: الحديث الذي أورده الإمام أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع التميمي أن رسول الله ﷺ قال: (أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة، فأما الأصم فيقول: رب! قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً.
وأما الأحمق فيقول: رب! قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر.
وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً.
وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب! ما أتاني كتاب ولا رسول.
فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن: ادخلوا النار.
فو الذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً).
وهذا الحديث رواه الطبراني بنحوه، وفي آخره (فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سحب إليها)، ورجال الإمام أحمد رجال الصحيح، كما في (مجمع الزوائد).
واستدلوا -كذلك- بالحديث الذي رواه أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، وبالمعتوه، وبمن مات في الفترة، وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎ لعنق من النار: ابرزي.
فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم.
قال: ويقول لهم: ادخلوا هذه.
ويقول من كتب عليه الشقاء: أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟! فيقول الله: فأنتم لرسلي أشد تكذيباً) أي: إذا كنتم كذبتموني فكيف لو كنت بعثت إليكم رسلاً في الدنيا؟! سوف تكونون أشد تكذيباً لرسل الله، قال: (وأما من كتب عليه السعادة فيمضي فيقتحم فيها، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء إلى النار)، رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، وفيه الليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول.
ويقول: المعتوه: أي رب! لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً.
ويقول المولود: لم أدرك العمل قال: فيرفع لهم النار فيقال: ردوها -أو قال: ادخلوها- فيدخلها من كان في علم الله سعيداً أن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً أن لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: إياي عصيتم، فكيف برسولي بالغيب؟!)، رواه البزار، وفيه عطية وهو ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ عقلاً: يا رب! لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد مني.
ويقول الهالك في الفترة: يا رب! لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه عهد بأسعد بعهده مني.
ويقول الهالك صغيراً: لو آتيني عمراً ما كان من آتيتُه عمراً بأسعد مني.
فيقول الرب: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم وعزتك.
فيقول: اذهبوا إلى النار.
فلو دخلوها ما ضرتهم، فيخرج عليهم قوابس - جمع قبس، وهي قطع من النار- يظنون أنها أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعاً فيقولون: خرجنا -يا رب- نريد دخولها فخرجت علينا قوابس ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء.
فيأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك، فيقولون مثل قولهم، فيقول ﵎: قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون، وإلى علمي تصيرون.
فتأخذهم النار)، رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك، قال عنه البخاري: رمي بالكذب.
وبقية رجال الحديث رجال الصحيح.
стр. 329
ترجيح ابن تيمية القول بالامتحان في عرصات القيامة
بعد سرد أدلة الاتجاهات الثلاثة في حكم من لم تبلغه الدعوة أصلاً وبقي في غفلته سادراً رجح كثير من المحققين ومن السلف القول الثالث، وهو أنهم يمتحنون في عرصات يوم القيامة، وهذا الاستدلال لا ينافيه ما استدل به الفريق الأول الذي قال: إنهم ناجون، ولا ما استدل به الفريق الثاني الذي قال: إنهم في النار.
أما ما استدل به الفريق الأول بما يفيد نفي العذاب عن أهل الفترة، فتلك الأدلة التي تنفي العذاب عن أهل الفترة لا تدل على أنهم ناجون، ولا تدل على أنهم في الجنة، فيمكن أن تأتلف مع أدلة من قال بالامتحان، أما أهل الفترة فلا تشملهم تلك النصوص؛ لأن هناك نصوصاً أخرى دلت على أنهم يمتحنون في عرصات القيامة، وهي النصوص التي استدل بها الفريق الثالث.
أما ما استدل به الفريق الثاني من نصوص تفيد أنهم في النار فيجاب عنها بأنها نصوص عامة، كقوله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة:١٦١]، فهذه نصوص عامة.
أما أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة فقد وردت فيهم النصوص التي تخصهم، فيخرجون من هذا العموم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمعلوم أن الحجة تقوم بالقرآن على من بلغه، كقوله تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه من القرآن دون ما لم يبلغه، فكيف بمن لم يبلغه جميع نصوص الكتاب؟! فهذا من باب أولى.
هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
أما حديث: (استأذنت ربي في أن استغفر لأمي) وحديث: (إن أبي وأباك في النار) فهذه نصوص قد تكون في غير محل النزاع، أو تحمل على أن هؤلاء قد بلغتهم الدعوة وما نحن فيه قسم آخر غير هذا القسم، وهو القسم الذي لم تبلغه الدعوة أصلاً.
أما استدلال المعتزلة بالعقل فلا يصح؛ لأن العقل لا يدرك به التكليف على انفراده، وهذا سنبينه إن شاء الله فيما بعد.
وقد أشرنا إلى أن اختيار أهل التحقيق من العلماء أن أهل الفترة يمتحنون، يقول الإمام الحافظ أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: إن النذارة لا تلزم إلا من بلغته لا من لم تبلغه، وإنه تعالى لا يعذب أحداً حتى يأتيه رسول من عند الله، فصح بذلك أن من لم يبلغه الإسلام أصلاً فإنه لا عذاب عليه، وهكذا جاء النص من عند رسول الله ﷺ ، (فيوقد لهم ناراً يقال لهم: ادخلوها.
فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً).
ويقول الإمام ابن القيم ﵀: إن العذاب يستحق بسببين: أحدهما الإعراض عن الحجة، وعدم إرادتها والعمل بموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة العمل بموجبها، فالأول كفر الإعراض، والثاني كفر عناد، أما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التذكر بمعرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم الحجة بإرسال الرسل.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: فقد صحت مسألة الامتحان في حق من مات في الفترة والمجنون.
ويقول الشنقيطي ﵀: والجمع بين الأدلة واجب ما أمكن بلا خلاف، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا وجه للجمع إلا بهذا، وهو القول بالعذر والامتحان.
стр. 330
هل الآخرة دار جزاء أم دار تكليف ؟
وتنبني على هذه المسألة مسألة أخيرة، وهي إمكان امتحان أهل الفترة في الآخرة؛ إذ هل يصح أن تكون الآخرة دار تكليف، أم أنها دار جزاء فحسب؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: إثبات وقوع التكليف في الآخرة.
وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والإمام العلامة المحقق ابن القيم، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن كثير، والإمام ابن حزم وغيرهم من العلماء، ذهبوا إلى إثبات التكليف في الآخرة، وأن كون الآخرة دار جزاء لا يتنافى مع أن يكون التكليف في عرصاتها.
القول الثاني: انتفاء التكليف في الآخرة.
وهو قول الحافظ إمام المغرب ابن عبد البر وجماعة من المالكية، فقد ذهبوا إلى أنه لا تكليف في الآخرة، وأن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف، لذلك طعنوا في الأحاديث التي استدل بها على الامتحان في عرصات القيامة، لأن الآخرة ليست دار تكليف، وطعنوا فيها من حيث السند.
وأجاب الفريق الثالث بأن هذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً باجتماع طرقها، فأثبتوا التكليف مستدلين بحديث الأسود بن سريع: (أربعة يحتجون يوم القيامة)، وفي نهاية الحديث: أن الله امتحنهم بأن أمرهم أن يلقوا أنفسهم في هذه النار، فهذا دليل على أن في الآخرة تكليفاً.
واستدلوا بحديث أنس: (يؤتى بأربعة يوم القيامة) وهو مثل الماضي، وكذلك حديث معاذ: (يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً) إلى آخره، وحديث أبي سعيد ﵁: في الهالك في الفترة إلى آخره، فهذه الأحاديث في جملتها تثبت أصل وقوع هذا في الآخرة.
ومما استدلوا به قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣].
ووجه الدلالة في هذه الآية على المقصود -وهو أن الآخرة يمكن أن يكون فيها تكليف- أنه ﵎ أخبر أنه سوف يدعو أقواماً إلى السجود يوم القيامة، وهذا تكليف، وجاء الحديث عن الرسول ﷺ مفصلاً ومبيناً شرح هذه الآية، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاءً وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً)، أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قال النبي ﷺ : فإنكم ترونه يوم القيامة، كذلك يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه.
فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطاغوت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)، فالمنافقين كانوا يظهرون أنهم يعبدون الله مع الموحدين، قال: (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه.
فيأتيهم ربهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: أنت ربنا.
فيتبعونه، ويضرب جسر جنهم، قال رسول الله ﷺ : فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذٍ: اللهم! سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟! قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله -يعني: الهالك- ومنهم المخردل -أي: الهاوي- ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر ملائكته أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من بني آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا -أي: احترقوا- فيصب عليهم ماء يقال له: ماء الحياة، فيبتون نبات الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا رب! قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها -يعني لهيبيها- فاصرف وجهي عن النار) أي أن هذا الرجل وجهه مصروف إلى النار، فهو يشكو إلى الله ويقول: (يا رب! قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار) فكل أمنيته أن يتحول وجهه يتحول إلى الجهة الأخرى؛ لأن لهيب النار ولفحها قد آذاه وعذبه، فلا يزال يدعو الله (فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره.
فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره.
فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب! قربني إلى باب الجنة.
فيقول: أليس قد زعمت ألا تسألني غيره؟! ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك! فلا يزال يدعو فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره؟! فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره.
فيعطي الله ما شاء من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب! أدخلني الجنة.
ثم يقول: أوليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟! ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك! فيقول: رب! لا تجعلني أشقى خلقك.
فلا يزال يدعو حتى يضحك، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول، فإذا دخل فيها قيل له: تمنى من كذا.
فيتمنى، ثم يقال له: تمنى من كذا.
فيتمنى حتى تنقطع به الأماني، فيقول له: هذا لك ومثله معه)، هذا الحديث أخرجه البخاري.
فوجه الدلالة في هذا الحديث أن الله أخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يسأله غير الذي أعطاه، فخالف هذه العهود والمواثيق وغدر بها بسؤاله بعد ذلك، فهذا تكليف، فقد الله كلفه أن لا يسأل غيره، وفي كل مرة كان يكلفه، فهذا يدل على وقوع شيء من التكليف في الآخرة.
وكذلك حديث الصراط الذي هو جسر جنهم، والعياذ بالله، وهو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، يمر عليه الناس كلٌ على حسب عمله، فمنهم من يمر عليه كالبرق، وكالريح المرسلة، وكأجاويد الخيل، ومنهم الراكب والساعي، ومنهم المخدوش، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبواً.
قال ابن عباس: هو يوم كرب عظيم.
وقال القرطبي: هو مقام هائل يمتحن الله به عباده ليميز الخبيث من الطيب.
ويقول الطيبي: لا يلزم من أن الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء أن لا يقع في إحداهما ما يختص بالأخرى؛ فإن القبر أول منازل الآخرة، وفيه ابتلاء وفتنة بالسؤال وغيره.
فالإنسان يعتبر قد انتقل إلى يوم الآخر بموته، وكل إنسان له يوم قيامة خاص به هو، وهو ساعة موته، فمنها ينتقل من الدنيا إلى أول منازل الآخرة، وينتقل من الغيب إلى الشهادة، وينقطع عمله، فهو -في الحقيقة- يشرع في قيامته منذ أن يدخل القبر، وأول ما يدخل القبر يجد امتحاناً وفتة بالسؤال والابتلاء.
فهذه أدلة من ذهبوا إلى وقوع التكليف في الدار الآخرة، ووقوع التكليف قبل دخول الجنة أو النار.
أما الفريق الآخر الذي يقول بعدم وقوع التكليف في الآخرة فقد استدلوا بالعقل، وأنه ليس في وسع المكلف الدخول في النار؛ لأن دخول النار من التكليف بالمحال.
وأجابوا عن الأحاديث التي فيها الأمر بدخول النار ابتلاء وامتحاناً لأهل الفترة بأنها ضعيفة ولا يحتج بها.
والجواب على هذا أن هذه الأدلة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، ومنها ما يتقوى بعضه ببعض ويشتد به.
قال الحافظ ابن القيم: هذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها مذهب السلف.
ويقول الحافظ ابن حجر: قد ثبت بأحاديث صحيحة أن الله يكلف عباده يوم القيامة في عرصات الآخرة، وأن التكليف في دار الدنيا، وأما ما يقع في القبر وفي الموقف فهي آثار ذلك التكليف.
وأجاب الفريق الأول على ما استدل به الفريق القائل بعدم التكليف من أنه ليس في وسع المكلف الدخول في النار بأن هذه النار هي رأي العين، وليست ناراً في الحقيقة، فهي في نظر العين نار، ومن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، كما جاء في الأحاديث.
وأيضاً: إذا كان دخول النار سبباً في النجاة فلا مانع من التكليف بدخولها، فهم قالوا: العقل يحيل أن يدخل نفسه في النار.
و
الجواب
من الذي يأمرهم؟ لو كان الذي يأمرهم من البشر لاختلف الأمر، كما حصل من ذلك الصحابي الذي كان أميراً على مجموعة من الصحابة، فأغضبوه في السفر فأمرهم أن يجمعوا حطباً ويوقدوا فيه ناراً، ثم قال: ادخلوا فيها.
فانقسموا إلى فريقين: فريق أراد أن يطيع؛ لأن الرسول ﵇ أوصاهم بطاعته، وقال: (من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) وفريق آخر قال: انتظروا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنسأله، فو الله ما أسلمنا إلا لنفر منها.
فلما أتوا وأخبروا رسول الله ﷺ قال لهم النبي ﵊: (أما إنهم لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، أو كما قال ﵌.
فالشاهد في هذا أن المخلوق إذا أمرك بمثل هذا فلا يجوز لك أن تطيعه، لكن هنا من الذي يأمر بولوج النار؟ إنه الله ، إذاً: التكليف من الله، والله أخبرهم أولاً أن ذلك امتحان امتحاناً لهم، فإذا كانت طاعة الله في دخول النار سوف يترتب عليها النجاة والفوز والسعادة فلا مانع من التكليف بذلك؛ لأنه ثبت مثل ذلك في حديث الدجال في آخر الزمان، وهو أن الدجال يكون معه ماء وناراً، فناره ماء بارد، وماؤه نار، والرسول ﵊ أمرنا إذا رأينا الدجال ومعه الجنة والنار بأن نقتحم هذه النار، وسوف نجد ما تحتها برداً وسلاماً، ومن يدخل جنته ويطيعه فسيجدها ناراً تلظى.
فهنا الرسول ﷺ يأمر من يدرك الدجال بأن يقع في النار، وهذا تكليف بدخول النار؛ لأن وقوعهم في النار سبب
стр. 331
الإيمان والكفر [٢٥]
لأن يخطئ المرء في الاعتذار عن الآخر بالجهل خير له من أن يخطئ في الحكم عليه بالكفر ويخرجه من الملة، فيبني عليه أحكام المرتد، وباب العذر بالجهل باب دقيق لا يلجه إلا أهله المشتغلون به، فقد يعذر المرء في أمور كثيرة إن لم تبلغه الحجة وتقوم عليه.
стр. 332
التحذير من الخوض في الحكم بالكفر وعدمه
سبق الكلام على خطورة الإسراع في إصدار الحكم بالتكفير على شخص من الأشخاص، وذكرنا أن للاندفاع في هذا الأمر آثاراً خطيرة في الدنيا والآخرة، أولها: أن من يحكم عليه بالردة عن الإسلام أو الخروج عن ملة الإسلام فإنه يستوجب أن يقتل على يد الحاكم المسلم، كما قال ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، رواه البخاري.
ثانياً: ينفسخ بمجرد ردته عقد نكاحه، وتحرم عليه زوجته.
ثالثاً: تبطل عباداته، ويحبط عمله.
رابعاً: تنقطع الولاية بينه وبين المسلمين، فلا يصبح ولياً لتزويج بناته، ولا يرث المسلمين، ولا يورث إذا مات، وتسقط حقوقه الخاصة به بوصفه مسلماً، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهذا حكمه في الدنيا.
وأما في الآخرة فهو كافر خالد مخلد في النار أبداً، والعياذ بالله، فمن كان هذا شأنه فينبغي الاحتراز والتورع عن القول فيه بغير علم.
وقد قال ﷺ : (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر)، قال العلماء: أهل البدع.
وقال ﵊: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
وقال عمر ﵁: إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتخلفت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم.
فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم.
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: محدثان أحدثا في الإسلام: مترف يعبد الدنيا، لها يغضب وعليها يقاتل، ورجل ذو رأي سوء، رأى أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، فسل سيفه وسفك دماء المسلمين واستحل حرماتهم.
ثم إن كثرة الخوض في هذه القضية بغير علم لها من الآثار السيئة ما لها، ففي تكفير الناس قطع للجسور الممتدة بيننا وبينهم؛ لأن التكفير عبارة عن سلوك أضيق طريق، بل قطع أي طريق يصل بين الدعاة وبين الناس، وهو طريق التكفير، وفيه إعراض عن الطريق الصحيح، وهو طريق التواصي بالحق والتواصي بالصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبعض الناس يريدون أن يبرروا كسلهم عن تبعات الدعوة وواجباتها، فيريحون أنفسهم بالحكم بالتكفير، لينتهى واجبهم.
فحينما نتعرض لقضية أثر عارض الجهل في الحكم بالكفر من عدمه نؤكد أن الإنسان حينما يتكلم في قضية العذر بالجهل فإن ذلك يكون انطلاقاً من تقليل خطر هذا الواقع الذي شاع فيه الجهل بين الناس، ولفت النظر إلى أهمية محاربة هذا الجهل، وإزالة غشاوته، ورفع حجابه بالعلم والتعليم والدعوة إلى الله، لا بالصد والتنفير، وقد قال ﷺ فيمن هو أقل من هذا من المبادرة إلى التكفير: (إن منكم لمنفرين) وقال ﷺ : (بشروا ولا تنفروا).
بل في القرآن أمر الله نبيين من أنبيائه -موسى وهارون ﵉ بأن يذهبا إلى فرعون الذي طغى وتجبر وقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فإذا كان هذا الأدب مع الكافر فأولى ثم أولى أن يكون مع المسلم الذي ثبت له عقد الإسلام.
وإذا كان الله أمر بالإحسان والرفق فذلك مع الناس عموماً، لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، فتشمل اليهودي والنصراني، فبالأولى والأحرى أن تشمل إحسان القول فيمن انتسب إلى هذا الإسلام.
ومن خطورة الانشغال بهذه القضية وكون الإنسان يتبوأ مقعد الحاكم على الناس، وتحديد مصائرهم في الدنيا -بل في الآخرة- أن يشيع خلق الكبر، والنظر إلى الناس من علو ومن فوق كأنه رب ينظر إلى العباد، فلا يكتفي بأن غيره عبد وينظر في حاله كعبد، لكنه يحاول أن يتحرى ما في قلبه، أو أن يعامله معاملة الرب للعبد لا معاملة العبد للعبد.
إن معاملة العبد للعبد ينبغي أن تتوقف على ما يظهرون، أما الرب فهو الذي يطلع على ما في القلوب ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
وليس أدل على ذلك من حال المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام، ويصلون مع المسلمين، ويخرجون إلى الجهاد مع المسلمين، ويفعلون الأفعال الظاهرة مع المسلمين، وعصمتهم هذه الكلمة رغم أن النبي ﷺ الذي أوحي إليه الوحي كان يُخبر عن وجود هؤلاء المنافقين، فمنهم من علمهم ومنهم من لم يعلمهم ﵌، ومع ذلك كانت تجري عليهم في الظاهر أحكام الإسلام.
ومن أصول أهل السنة: حسن الظن وحسن الرجاء لأهل القبلة أمواتاً وأحياء.
وقد قال ﵌: (ادرءوا الحدود بالشبهات؛ فلأن يخطئ الوالي في العفو أهون من أن يخطئ في القصاص) فلأن تخطئ في العفو أولى من أن تخطئ بعد أن تقيم الحد على شخص ويتضح بعد ذلك أنه مظلوم، فمتى وجدت الشبهة فلا بد من درأ الحدود بهذه الشبهات.
فإذا كان هذا في قطع يد، أو جلد، أو أي حد من هذه الحدود التي غايتها الانتهاء في الدنيا فكيف بحكم يترتب عليه هذه الآثار الخطيرة التي أشرنا إليها؟! ألا وهو حكم التكفير والخروج من الملة.
فحكم الكفر أولى بأن يدرأ بالشبهة، فمن الورع الواجب أن يحترز الإنسان عن التهور في إطلاق حكم التكفير بدون بينة.
ونكرر التحذير من الإرهاب الفكري الذي يروجه بعض أهل البدع عندما يلوحون في وجه مخالفيهم بهذه القاعدة، وهي أن من لم يكفر الكافر فهو كافر، ويضعونها في غير موضعها، وهي ليست آية في القرآن ولا حديثاً عن رسول الله ﵌، فإن صحت فإنها تحمل على من لم يكفر الكافر الذي قام على كفره دليل قطعي، أو من لم يكفر الكافر الذي نزل الوحي بكفره.
أما شخص يختلف العلماء في حكمه هل هو كافر أم غير كافر فلا، وهل سمعنا أحداً من العلماء يكفر من لم يكفر تارك الصلاة بناء على هذه القاعدة؟! كلا.
فالتلويح بهذه القاعدة هو محاولة من بعض أهل البدع لإزالة تلك الوحشة التي تصيبهم حينما يرون أنفسهم شاذين ومنحرفين عن طريق أهل السنة والجماعة، لكي يستأنسوا ويبرروا أفعالهم بالضغط بهذه القاعدة، وهي أنك إن لم توافقه على ما هو عليه في موضوع التكفير فأنت كافراً، ويلوحون -أيضاً- بأن الرضا بالكفر كفر.
стр. 333
قضية العذر بالجهل
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إذا دفع المرء الحكم بالكفر عن أخيه المسلم وعمن يظن أنه ليس بكافر فهذا قصد حسن يثاب عليه، بل إذا أخطأ في ذلك فهو مأجور.
أو كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
والشاهد أنه ليس الأمر كما يتصور الكثير من الناس أن الجرأة على التكفير نوع من البطولة، وإنما يكون ذلك عن جهل وقلة ورع.
ثم إن هذه القضية التي نتعرض لها اليوم وجدت بصورة أخرى، لكن قد يكون ما نحن فيه الآن هو صدى من أصداء هذه الدعوة، فالتاريخ يعيد نفسه، فقد فجرت من قبل هذه القضية، أي: قضية العذر بالجهل، ومن نعذر ومن لا نعذر، وأول من فجرها رجل يدعى نجدة بن عامر الحنفي الذي تنسب إليه فرقة النجدات العامرية، وهي فرقة من فرق الخوارج، ويسمون النجدات نسبة إلى نجدة هذا، وكانوا يقولون: الدين أمران: أحدهما: معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، وتحريم دماء المسلمين -ويقصدون بالمسلمين من يوافقونهم- والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب على الجميع، والجهل به لا يعذر فيه.
الثاني: ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلال والحرام.
فكان نجدة بن عامر يعذر من انتسب إليه من الخوارج، وتفصيل الكلام فيهم وفي محنتهم منشور في الملل والنحل في الجزء الأول.
وكثير من الناس يخلطون الأوراق في هذه القضية، ويطيلون النفس فيما لا فائدة من ورائه، وما ليس علاقة له بالموضوع، فنحن -في الحقيقة- لا نناقش حكم الكافر الجاهل؛ لأن للكفر أنواعاً: كفر الجحود، وكفر العناد، وكفر الجهل إلى آخره، فنحن لا نتكلم على الكافر الجاهل، ولا نتكلم على أدلة كفر اليهود والنصارى أو أي نوع من الكفار الأصليين بأنواعهم، ولا نتكلم -أيضاً- عن أهل الفترة ولا عن مصيرهم، وقد سبق بيان ذلك، ولا عن حكم المرتد الذي أصر على الكفر وانشرح به صدره، ولا على من ارتكب من المسلمين الشرك الأكبر وأقيمت عليه الحجة الشرعية بشروطها ثم أصر على هذا الشرك أو الكفر عناداً واستكباراً، لكن القضية التي هي محور الخلاف ومحور الكلام هي حكم تكفير المسلم الذي صدر منه كفر يتعلق بالعقيدة وهو جاهل بأن هذا كفر، وجاهل بأن هذا يخدش عقيدته، هذه هي القضية، وليس الكلام فيما عداها.
стр. 334
تنبيهات تتعلق بالجهل والعذر به
стр. 335
الجهل مذموم كله
إن الجهل مذموم كله، والجهل جامع للرذائل كلها، ولا فضائل له، فلا يعني إعذار الجاهل بالجهل الرضا به، وإنما هذا لفت نظر بالنسبة للدعاة أو الذين لهم دور في مواجهة هذا الجهل، وأن لا يشتغلوا بغيره عن محاربته، فنحن لا نذكر العذر بالجهل من أجل أن نطمئن الناس لنقع فيما حذر منه النبي ﷺ في قوله: (إذاً يتكلوا)، وذلك لقصور عقول الناس عن فهم هذه الأشياء.
ولا ينبغي أن يشاع الكلام في قضية العذر بالجهل كثيراً إلا على مستوى طلبة العلم، لئلا نقع في ذلك المحذور، ويسيء الناس فهم هذا الكلام ولا تطيقه عقولهم فيتمادون ويتمادون في التفريط في حق الله وفي جنب الله ﵎.
ولا نريد أن نقول: الغاية تبرر الوسيلة، فهل الإنسان الذي يكفر الناس بالمعصية تشفع له نيته أنه يريد أن يخوف الناس من المعاصي فيقول لهم: من فعل المعصية كفر؟! هل يشفع له ذلك؟! كلا، بل عليه أن يقول: المعصية حرام، وعقوبتها كذا وكذا.
فإذا وجد من يكفر بالمعصية فإنك تضطر إلى أن ترد وتقول: ليس فاعلها بكافر لأدلة كذا وكذا، وإن كان هذا يخدش وينقص من إيمانه، لكن لا يحبطه بالكلية.
فرد الأمور إلى نصابها ووزنها بموازينها من أدلة القرآن والسنة بقصد الاعتدال، والقصد وإحقاق الحق ووضع الأمور في نصابها هو المسلك الذي ينبغي أن يسلك.
فخوفنا من الناس هو أن يسيئوا فهم قضية الجهل، وتماديهم في التفريط ينبغي أن يضطرنا إلى الكلام في توضيح هذه الأمور، ووضع الأمور في نصابها، خاصة أن قضية الجرأة على تكفير الناس فيما هم معذورون به يترتب عليه أمور لمسناها في الواقع، وتداعيات نراها أعياناً في كثير من الأماكن، كما قال بعض السلف: (يوشك أن يظهر الجهل ويقل العلم، حتى إن الرجل ليرفع سيفه على أمه من الجهل)، فهذا نلمسه في واقع نعيشه، وليس مجرد ترف فكري، فالواقع يثبت أن الكثير ممن ينزلقون في قضية التكفير وينحرفون في ذلك ينعكس هذا في سلوك عملي لهم تجاه بعض المسلمين، ولا نريد أن نكثر ذكر الأمثلة، ويكفي في ذلك أن هناك من قتل أباه وانتهك أعراض الناس بتأويلات فاسدة بسبب قضية التكفير وما آل إليها.
стр. 336
ليس كل من عذر بالجهل عارياً عن الإثم
هناك تنبيه مهم جداً، وهو: ليس كل من عذر بالجهل عارياً عن الإثم، وليس معنى أن إنساناً عذر بالجهل أننا لا نكفره، فمثلاً: الشخص الذي يجهل فروض الأعيان يحكم العلماء بفسقه؛ لقول النبي ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، فهناك علم واجب على كل مسلم وفرض لازم عليه أن يتعلمه، وهو علم لا يتم الواجب إلا به، مثل: كيف تصح صلاته، وكيف يصح وضوؤه، وكيف يصح صيامه؟ إلى آخر ذلك.
فالجاهل بفروض الأعيان فاسق كما قال العلماء.
قال الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى: العابد إذا كان عارياً عن العلم لا يسمى في عرف الشرع عابداً، بل فاسقاً.
فإذا وجد شخص مجتهد في العبادة لكنه عار عن العلم ومقصر في طلب العلم فإنه لا يسمى في الشرع عابداً، بل يسمى فاسقاً؛ لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقاً؛ لأنه يرتكب معصية يستمر فيها، وهي هجره لطلب العلم الواجب عليه، فهذا فسوق وخروج عن أمر الله بتعلم ما تصح به العبادات.
يقول: العابد إذا كان عارياً عن العلم لا يسمى في عرف الشرع عابداً، بل يسمى فاسقاً؛ لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقاً، كما أشار إليه بعض علمائنا الأجلاء بقوله: وجاهل لفرض عين لم يجز إطلاق صالح عليه فاحترز لأنه بتركه التعلما لم ين فاسقاً يقول العلماء يعني أن الشخص الذي يقصر في طلب العلم الواجب عليه -وهو علم فروض الأعيان- لم يجز أن يسمى صالحاً، ولا يمدح بذلك، فاحترز، يعني: احترز عن أن تصفه بهذه الصفات؛ لأنه بتركه التعلما لم ين -أي: لم يزل- فاسقاً، يقول العلماء: إنه لم يزل فاسقاً بتركه التعلم الواجب عليه.
فالصالح لا يطلق شرعاً إلا على القائم بحقوق الله وحقوق العباد، ولا يمكن ذلك بدون العلم، وقد أشار الناظم المذكور إلى هذا بقوله: وقائم بحق ربه وحق عباده فصالحاً قد استحق فالصالح مرادف للعابد؛ لأن عبادة العابد بدون علم لا تسمى عبادة؛ لأن ما يفسده صاحبها أكثر مما يصلحه، كما أشار إليه الناظم بقوله: إن الذي بدون علم يعبد لا يحسن العمل لكن يفسد فترد أعماله ولا تقبل لخلوها عن العلم، كما أشار إليه العلامة الشيخ أحمد بن رسلان الشافعي في خطبة نظمه المسمى بالزبد بقوله: وكل من بغير علم يعمل أعماله مردودة لا تقبل ونعود إلى أصل التنبيه، وهو أن العذر بالجهل ليس على الإطلاق؛ فإنه لابد من نوع مؤاخذة إذا كان هناك تقصير.
وكذلك فعل عمر ﵁ حين عذر الحبشية التي زنت مع عدم علمها بحرمة الزنا مع أنها فرطت في التعلم، وكذلك عذر الصحابة الذين شربوا الخمر متأولين، لعدم تقصيهم معرفة الحلال والحرام.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: القسم الثاني: متمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالاً بدنياه ورياسته ولذاته ومعاشه، فهذا مستحق للوعيد، وآثم بترك ما أوجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته.
انتهى كلام ابن القيم.
فالقول هنا لا يكفر هذا الشخص بل يؤثمه؛ لأنه ليس بمعرض عن الشريعة بالكلية، ولم يكذب الرسول ﷺ ، بل مراده اتباعه، وخالف النبي ﵊ عن جهل مع تمسكه بشيء من الشرع، ومع هذا لم يعرض عن الشرع جملة، ففرق بينه وبين من لم يقصد اتباع الدين أصلاً.
стр. 337
كفر الإعراض والعناد خارج دائرة العذر بالجهل
من التنبيهات المهمة في هذا الأمر أن كفر الإعراض والعناد لا دخل للجهل فيه، والكفر أنواع، فهناك كفر الجهل، وكفر الإعراض وكفر العناد.
فكفر الجهل مثل كفر النصارى، وكفر الجحود والعناد ككفر اليهود.
يقول الإمام الحافظ ابن القيم ﵀: العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة، وعدم إرادتها والعمل بموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد.
وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم الحجة بالرسل، وهذا متعلق بقضية أهل الفترة ومن يلحق بهم.
وبين ابن القيم رحمه الله تعالى أن أتباع الكفرة من النساء والصبيان هم كفار وإن كانوا جهالاً، قال: فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاً، أو تقليداً لأهل العناد، وهؤلاء لا يكون التقليد عذراً لهم، كما قال ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢].
وفي الحديث حين يسأل الكافر في قبره: من ربك، وما دينك، وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم فلا يهتدي لاسمه فيقال له: محمد ﵊ يقول: (هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) فهذا ليس بعذر له.
وقد نبهت في المقدمة على أن الكافر الأصلي لا يعذر بجهله؛ لأنه لم ينقد، ولم يعلن التزامه المجمل بدين الإسلام، فمن الظلم التسوية بين الكافر الجاهل وبين المسلم الجاهل كما سنبين -إن شاء الله فيما بعد.
стр. 338
كفر الاستهزاء خارج عن دائرة العذر بالجهل
كفر الاستهزاء بالله ﵎، وبآيات الله، وبأنبياء الله ورسله وبكتاب الله لا دخل للعذر بالجهل فيه أيضاً، فلا يعذر من سب دين الإسلام، أو استهزأ بالله ﵎، أو سب النبي ﷺ ، أو فعل أي شيء من أفعال الاستهزاء بالله ، أو ما ينسب إلى الله من الكعبة أو الرسل أو الكتب أو غير ذلك، فهذا كفر مخرج عن الملة، وإن صدر ممن يدعي الإسلام، وإذا قال فاعله: أنا جاهل بهذا الحكم لا يلتفت إليه؛ لأن هذا فيه استهانة بالله ، وتعظيم الرب ﵎ لا يحتاج إلى علم، ولا يجهله أحد، حتى اليهود والنصارى، فما من أحد إلا وهو يدين بتعظيم الله ، حتى الطفل الصغير حينما يسمع صبياً لم يربه أهله على الدين واحترام الدين فيسب الدين يعرف أن هذا كفر، وأن سب الدين يخرج من ملة الإسلام، فهذا مما هو معروف، ولا أحد يجهل تعظيم الله، وتعظيم رسل الله وأنبيائه وكتبه، يقول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فكل من كان على غير الإسلام، وبلغه أمر الإسلام وسمع بالنبي وبالقرآن ولم يدخل في دين الإسلام فهو كافر.
ومن تأول من أهل الإسلام فأخطأ، أو صدر عنه كفر وهو جاهل به فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة التي يكفر تاركها، قال ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام -أي: علم بالضرورة من دين الإسلام- واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلماً.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح حديث ابن عباس ﵄: وفيه الاستدلال في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين.
стр. 339
التفريق بين كفر الفعل وكفر الفاعل
نحتاج ونحن ندرس هذه القضية إلى أن نذكر بما سبق أن أسلفنا القول فيه، وهو التفريق بين كفر الفعل وكفر العين، فالفعل قد يكون كفراً لكن فاعله لا يسمى كافراً إلا بحصول شروط وانتفاء موانع، فلذلك قد يتكلم الإنسان في الكلام العام المجرد عن أحوال معينة فيقول: من فعل كذا فهو كافر.
لكن لا يعني شخصاً؛ لأنه لا يستلزم الحكم على الفعل بأنه كفر أن يكون صاحبه كافراً، فكفر الفعل غير كفر العين، وهو هذا الشخص، وإن كان تكفير المعين ضرورة من ضرورات الدين، وهذا -أيضاً- مما ينبغي أن نتفطن له، فليس معنى ذلك أن باب التكفير مسدود حتى في حق من أتى بالكفر الأكبر والشرك الأكبر وأقيمت عليه الحجة، لكن هذا الأمر يوكل إلى أهله، ولا تترك المسألة مفتوحة يطرقها كل من شاء، وكل شخص يحسن الظن بنفسه ويرى أنه أصبح الحجة ليستقل بمقاضاة الناس وإصدار الأحكام عليهم، فإن باب التكفير ليس مغلقاً، وتكفير شخص بعينه واسمه ليس مغلقاً، لكنه مفتوح لأهله من أهل العلم والقضاة الشرعيين حتى لا يصير الناس في فوضى ويستحل بعضهم أموال بعض، ويقتل بعضهم بعضا ويسفكون دماء بعضهم بمجرد الدعوى ويصير الأمر فيه كثير من الخلط.
فتكفير المعين باسمه ضرورة من ضرورات الدين، وإلا لزم إلغاء باب الردة ونصوص الردة، لكن السؤال هو عمن يملك سلطة تكفير المعين، وتطبيق حدود الله ﵎ عليه.
وخلاصة الكلام أن تكفير المعين لابد منه، ولكن هذه مهمة القاضي الشرعي والحاكم.
стр. 340
قضية العذر بالجهل من القضايا العملية وليست من قضايا العقيدة
من الأمور المهمة والتنبيهات أن قضية العذر بالجهل هي من القضايا الفقهية العملية، وليست من مسائل العقيدة.
وفي ضوء الكلام الذي أسلفناه آنفاً يتبين أن هذه قضية إجراءات تتم في الدولة المسلمة من قبل القضاء الشرعي، حيث يستوفي القاضي القضية مع الشخص، وإن كان عنده شبهة يزيلها ويقيم عليه الحجة، ومثله العالم أو الحاكم أو من بيده هذه السلطة، ثم يترتب على ذلك فعل عملي.
فالقضية تتعلق أكثر ما تتعلق بالقضاة لا بالدعاة، أما في الأوضاع التي نحن فيها الآن فينبغي استفراغ الوقت في إزالة عارض الجهل عن الناس، وهذا هو الذي لا نشك فيه، وهو أننا مطالبون بمحاربة الجهل، وأما مقاضاة الناس بهذه الصورة التي تحصل من كثير من الإخوة فهذا مما فيه نظر كثير.
ومما يؤسف له أنني اطلعت على كتاب لبعض الإخوة أسماه (العذر بالجهل عقيدة السلف)، فلماذا ينسب القضية إلى السلف؟! فهذه القضية ليس لها علاقة بالعقيدة، وإنما هي قضية من القضايا العملية الفرعية، وليست من القضايا الأصولية، وليست من مسائل العقيدة.
فالشخص في قضية العذر بالجهل يسلك مسلك من قال بتكفير تارك الصلاة، فهو قول من قولين قال به بعض الفقهاء، لكن لم يصل الأمر إلى درجة أن الفقيه الذي يكفر تارك الصلاة يكفر الفقيه الآخر الذي لم يقل بهذه المسألة، لكن لأن الذي شاع بيننا وفي واقعنا أن عدم العذر بالجهل في الغالب يقترن بغلو في بدعة التكفير انقدح في أذهاننا أنه لا يترك العذر بالجهل إلا هؤلاء الغلاة، فمن أجل ذلك أخذت هذا الحجم الكبير؛ لأن الواقع هو أنه انقدح في الذهن أن من لم يعذر بالجهل يتجاسر ويتهور في موضوع التفكير.
وقد لمسنا أن عرض عدم العذر بالجهل يكون في الغالب مقدمة لكثير من المضاعفات، كالتكفير بالعموم والتوقف والتبين، إلى غير ذلك من المبالغات.
ولهذا يجب التحذير من هذه الضلالات؛ لأنها ارتبطت في واقعنا بعدم العذر بالجهل.
ثم إن تبيين الكفر وأنواعه والأشياء التي تخرج الإنسان من الملة، وتبيين وعيد فاعل ذلك من واجبات الشرع وأسس الدعوة، وشتان بين ذلك وبين الاجتراء على حرمة المسلمين ووصفهم بالكفر.
стр. 341
العذر بالجهل أمر نسبي إضافي ليس على إطلاقه
العذر بالجهل في هذه القضية التي ذكرناها أمر نسبي يتفاوت باختلاف الأشخاص وباختلاف المكان والزمان.
فقضية العذر بالجهل هي قضية نسبية حسب الظروف الزمنية والأحوال التي يسود فيها الجهل ويتصدر علماء السوء الذين يدلون العوام.
والأصل هو اعتبار عارض الجهل والاعتداد به، سواء الجهل أو الإكراه أو التأويل، كما أشرنا في الكلام عند إجراء الأحكام؛ لأن موضوع العذر بالجهل هو إجراء، سواء أكانت المخالفة -أو الجدل- في أمر من أصول الدين أو من فروع الدين، فالأصل هو الإعذار بهذه الأمور الثلاثة: الجهل، التأويل، الإكراه.
فكل من ثبت له عقد الإسلام بأن أقر إقراراً مجملاً قبل أن يبدأ في طاعة الله وطاعة رسول الله ﵌ تصديقاً وانقياداً، فشهد لله بالوحدانية ولرسوله محمد ﷺ بالرسالة، وتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام فإنه يثبت له عقد الإسلام، فمثل هذا الشخص الأصل فيه أن نعتبر ونعتد بعارض الجهل والتأويل والإكراه عند إجراء الحكم عليه.
وأيضاً يجب التحقق من انتفاء هذه العوارض قبل دمغه بالحكم الذي يقتضيه مع ما تلبس به من المخالفة.
стр. 342
طريق معرفة الله وأسمائه وصفاته
هنا سؤال نحتاج لتجليته، وهو: هل معرفة الله ﵎، ومعرفة ما يجب إثباته لله ﵎ من صفات، وما يستحيل عليه ﵎، هل ذلك يكون عن طريق العقل أم عن طريق الشرع؟! هذا سؤال اختلف فيه الناس، وهو موضع خلاف أساسي بين المعتزلة وأهل السنة.
فالمعتزلة يقولون: إن معرفة الله تجب عقلاً، والطريق إليها هو العقل.
وأهل السنة يقولون: إن وجوب المعرفة وطريقها هو الشرع.
ثم تتعدد وتنقسم الفرق في هذا الباب أيضاً بعد ذلك، ولذلك نحذر من خطر الكلمة التي تشيع على ألسنة الناس عندما يقولون: عرفوا الله بالعقل، كلا؛ فالله لا يعرف بالعقل، إنما يعرف بالشرع عن طريق الوحي.
فما يتعلق بذات الله ﵎، وما يجب له، وما يستحيل عليه لا سبيل للبشر إلى إدراكه ما لم يعرف ذلك عن طريق الوحي المعصوم، فالإنسان أسير للمحدثات التي يراها ويتصورها ويتخيلها، والله ﵎ فوق ذلك كله، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وأي عقل سوف نتحاكم إليه؟! إن العقول تتفاوت، وبعض العقول تكون كاملة وبعضها تكون قاصرة، فما يتصوره شخص قد يعجز عن تصوره شخص آخر، فلا مخرج من التناقض حينما نرد الناس إلى العقل؛ لأننا لا نردهم إلى مصدر يحسم الخلاف، والله ﵎ حينما أخبر عن تنازع الناس قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] فعند التنازع نتحاكم إلى الشرع؛ لأننا إذا تنازعنا فتحاكمنا إلى العقول فلن يسد باب التنازع، بل ربما تزداد المنازعات.
قال الإمام اللالكائي في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة): (سياق ما يدل من كتاب الله ، وما روي عن رسول الله ﷺ على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل) فقوله: (بالسمع) يعني: بالنقل والوحي.
قال الله تعالى يخاطب نبيه ﷺ بلفظ خاص والمراد به العام: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وقال ﵎: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦]، وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
يقول الحافظ اللالكائي: فأخبر الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد.
وقال : ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠].
ودائماً يأتي في القرآن الهوى في مقابلة الوحي، كقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦].
وكذلك استدل إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بأفعال الله المحكمة المتقنة على وحدانيته بطلوع الشمس وغروبها، وظهور القمر وغيبته، وظهور الكواكب واختفائها، ثم قال بعد ذلك: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧] فعلم أن الهداية وقعت بالسمع، وكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع، قال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
وهنا لفتة، وهي أن بعض الناس يقولون: كيف نخاطب الناس بالقرآن وهم لا يؤمنون بالقرآن؟! وأقول: بل هذا هو المسلك الصحيح، فآيات الله أنزلت كي ينذر بها الذين أرسل إليهم هذا الرسول، وأنزل هذا الكتاب من أجل هدايتهم.
فكما يستعمل الإنسان الآيات العقلية وغير ذلك من الآيات المبثوثة في الآفاق وفي أنفسنا فإنه كذلك يستعمل آيات الله التنزيلية يتلوها على الكفار ويحذرهم بها، ولا يفت في عضده أن يقول بعض الناس: كيف تخاطب بالقرآن أناساً لم يؤمنوا بالقرآن؟! نقول: هكذا كان يفعل الرسول وهكذا كان يفعل الصحابة ﵃ في تلاوة آيات الله على المشركين.
وعوداً على موضوع حديثنا عن ثبوت التوحيد ومعرفة الله وأحكامه بالشرع لا بالفعل نستشهد هنا بقوله ﵎: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
وقال ﵎: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، يقول القرطبي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: في هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافاً للمعتزلة القائلة بأن العقل يقبح ويحكم ويبيح ويحرم.
ويقول ابن القيم ﵀: إن الله سبحانه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وهذا كثير في القرآن، حيث يخبر الله أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة.
وقال الشنقيطي ﵀: والآيات القرآنية مصرحة بكثرة على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة وما ركز من الفطرة، بل إن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فإنه قال فيها: ((حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا))، ولم يقل: نخلق عقولاً وننصب أدلة ونركز فطرة.
فالفطرة تهدي للتوحيد، والعقول تهدي للتوحيد، والآيات في السماوات وفي أنفسنا أمور تهدي للتوحيد، ومع ذلك فإن الله ﵎ قضى أنه لن يعذب أحداً حتى تبلغه حجة الرسل بالسمع وبالوحي.
стр. 343
عارض الجهل وأثره في إجراء الأحكام
أما عارض الجهل وأثره في إجراء الأحكام على من أتى شيئاً من الأفعال الكفرية جاهلاً بذلك فالأصل في هذا أن حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلف إلا إذا بلغه على الأظهر من أقوال العلماء.
يقول : ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] يعني: ومن بلغه هذا القرآن.
وقال : ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ولهذا لم يأمر النبي ﷺ عمر وعماراً ﵄ لما أجنبا فلم يصل عمر وصلى عماراً لم يأمرهما بأن يعيد واحد منهما، ولم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجلس ويمكث أياماً لا يصلي، ولم يأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء، ولم يأمر من أكل من الصحابة حتى تبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء، فأعذرهم بهذا الجهل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأصل هذا أن حكم الخطاب هل يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: قيل: يثبت.
وقيل: لا يثبت.
وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ.
والأظهر لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد أن يبلغ الإنسان الحكم الشرعي؛ لقوله تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
ومثل هذا في القرآن متعدد.
أما العلم الثاني فهو علم الخاصة، وهو ما ينوب العباد من فروع الفرائض، ولم يرد فيه نص قاطع أو إجماع صريح، وهذا الذي يعذر فيه الجاهل بجهله، وأمثلته كثيرة تتعلق بالفروع التفصيلية، كالمتعلقة بأحكام أو تفاصيل التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك.
وهناك نسبية في العذر بالجهل بالنسبة للدار أو بالنسبة للمكان، فما يعذر به في دار الحرب غير ما يعذر به في دار الإسلام، وما يعذر به من هو في بادية أو كان حديث عهد بالإسلام ليس كما يعذر به من نشأ وتربى بين المسلمين، ومن كان عريقاً في الإسلام.
والعذر بالجهل -أيضاً- في الأزمنة التي نقصت فيها آثار النبوة وطويت خلافة النبوة التي كان فيها العلم ظاهراً والحدود تقام، والشرائع ظاهرة، والعلماء يبينون ويوضحون، ويعيش المسلم في زمن التمكين بدين الله، وكذلك العذر بالجهل في هذه الأزمان التي نعيش فيها والتي طويت فيها أعلام السنة، وانتشر فيها دعاة الضلالة ليس العذر بالجهل في ذلك كالعذر بالجهل في أزمنة التمكين وغلبة السنة وظهور دعاتها، فكل حالة بحسبها.
فالعذر بالجهل تتغير فيه الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص ونحو ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوة، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيراً مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك.
يعني أنه لا يعلم ذلك، وليس هناك أحد يبلغه، فمثل هذا لا يكفر.
يقول شيخ الإسلام: ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول ﷺ ، ولهذا جاء في الحديث: (يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صوماً ولا حجاً إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله).
ثم ساق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قصة ذلك الرجل الذي أمر أولاده بإحراقه بعد موته وتذرية رماده في يوم ريح لعله يفلت من عقوبة الله .
يقول شيخ الإسلام أيضاً: ولهذا لم يحكم النبي ﷺ بكفر الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم ذروني في اليم، فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين.
وأصل الحديث أنه كان رجل فيمن قبلنا أسرف على نفسه بالمعاصي، وقال لأولاده حين حضره الموت: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم خذوا الرماد المتبقي من حرق الجثة، وانتظروا يوماً شديد الرياح، فاجعلوا جزءاً منه في الريح، وجزءاً في البر، وجزءاً في البحر، ثم علل هذا فقال: فو الله لئن قدر الله علي -أي: والله لو استطاع الله أن يجمعني بعدما يفعل بي ذلك- ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين.
فواضح جداً من السياق أن المقصود أنه كان يشك في قدرة الله على بعثه إذا فُعل به ذلك بعد موته.
فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: مع شكه في قدرة الله وآياته لم يحكم النبي ﷺ بكفره، والشاهد في الحديث أنه بعدما فعل به ذلك قال الله للأرض: اجمعي ما أخذت منه.
وقال للريح كذلك، وقال للبحر كذلك، حتى أنشأه الله وخلقه خلقاً جديداً، وسأله فقال: ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك.
فغفر له.
فهذا الرجل لو كان كافراً لن يغفر له؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فدل دخوله في مغفرة الله على عدم كفره، وإعذاره بجهله بهذه الصفة من صفات الله ﵎.
يقول شيخ الإسلام: ولهذا لا يكفر العلماء من استحل شيئاً من المحرمات لقرب عهده بالإسلام، أو لنشأته ببادية بعيدة؛ فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة.
وكثير من هؤلاء قد لا يكون بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول ﷺ بعث في ذلك، فيطلق أن هذا القول كفر، فيكفر من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها دون غيره، والله تعالى أعلم.
ويقول الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ في أصول الفقه: الجهل بالأحكام الإسلامية في غير الديار الإسلامية هو جهل قوي، إلى درجة أن جمهور الفقهاء قال: إنه تسقط عنه التكليفات الشرعية، حتى إنه لو أسلم رجل في دار الحرب، ولم يهاجر إلى الديار الإسلامية، ولم يعلم أنه عليه الصلاة والصوم والزكاة، ولم يؤد فروضاً من هذه الفرائض لأنه لم يعرف أن هذا واجب عليه فإنه لا يؤديها قضاء إذا علم.
وقال زفر: يجب عليه أن يؤديها إذا علم، ووجهه أنه بقبوله الإسلام صار ملتزماً أحكامه وعليه أداؤها، ويعذر إذا لم يؤدها في وقتها، لكن إذا علم فحكم الالتزام ثابت، ويجب عليه قضاء ما التزم.
أما جمهور الفقهاء الذين يقولون: ليس عليه أن يقضي بعدما يعلم فوجهتهم أن دار الحرب ليست موضع علم بالأحكام الشرعية، فلم تستفض فيها مصادر الأحكام ولم تنتشر، فكان الجهل جهلاً بالدليل، والجهل بالدليل يسقط التكليف إذا لم يتوجه الخطاب.
والشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله يقول في بعض محاضراته: هناك ثلاث مجتمعات: الأول: الإسلامي الذي فهم العقيدة الصحيحة، فمن عاش في هذا المجتمع لا يعذر بجهله.
الثاني: المجتمع الكافر الذي قد يسلم بعض أفراده، فمن أين للفرد المسلم فيه أن يعرف العقيدة الصحيحة؟! فهو معذور بجهله.
الثالث: مجتمع بينهما، فهو في الظاهر مسلم، وعلامات الإسلام ظاهرة عليه، لكن كبار أهله منحرفون عن العقيدة الصحيحة، فمن أين يتلقى أفراد هذا الشعب العقيدة الصحيحة؟! فيكونون -والحال هذه- معذورين.
стр. 344
لا عذر بالجهل في الإقرار المجمل بالإسلام
ومن الأمور المهمة في هذا الموضوع أنه لا عذر بالجهل في الإقرار المجمل بالإسلام، والبراءة المجملة من كل ما يخالف دين الإسلام.
فأكثر الذين كفروا بالله كفروا عن طريق تقليد الآباء والأجداد، يقول الله ﵎: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، ويقول : ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣]، ويقول: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]، ويقول: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة:١٨]، ويقول: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] أي: شك.
فذم الله ﵎ المكذبين من الكفار فيما لا يحصر من أدلة القرآن والسنة.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله ورسوله ﷺ ، واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاً وتقليداً لأهل العناد.
فسياق كلام ابن القيم هو في الكفار الأصليين الذين يخصهم بأنهم جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله، ولم يتحقق لديهم الإقرار المجمل بالإسلام، والبراءة المجملة من كل دين يخالفه، ومن كان كذلك لم يعذر بجهله بالاتفاق.
فهذا فيما يتعلق بالكافر الجاهل؛ لأن هذا الكافر الجاهل لم يقر إقراراً مجملاً بالالتزام بحكم الإسلام ثم جهل شيئاً، فالخلل والخطر في الحقيقة هو قياس المقرين بالإسلام في الجملة على هؤلاء الكفار الأصليين، أن تقيس من قال: لا إله إلا الله على من استكبر عن أن يقول: لا إله إلا الله، وأن تقيس من يعظم كتاب الله ويوقره ويؤمن به على أنه وحي من الله بمن قال عن القرآن: إنه سحر وكهانة وأساطير الأولين.
فإنه لا يستوي من وصف النبي ﵌ بأنه كذاب أشر ساحر مجنون ومن عظم رسول الله ﵌ وآمن برسالته ونبوته ومحبته.
فلا يصح أبداً قياس المقرين بالإسلام في الجملة على هؤلاء الكفار الأصليين؛ لأن عامة المسلمين وجهلاء المسلمين يقرون في الجملة لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة، فلا نتخيل واحداً من هؤلاء الذين شهدوا بالشهادتين أن يقول: إن الله ثالث ثلاثة.
أو: إن عيسى ابن الله.
أو: عزير ابن الله.
ونحو هذا مما يخالف الإقرار المجمل بإثبات الوحدانية لله ، فمثل هذا لا يقع من هؤلاء.
فالحقيقة أن من أقروا في الجملة بالالتزام بدين الإسلام لم يجحدوا التوحيد، ولم يكذبوا الرسل، وإن خفيت عليهم بعض تفاصيل الدين.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أيضاً: بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، واليقين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، أما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم.
وقال الشيخ محمد أبو زهرة ﵀: وقد ذكر علماء الأصول من ذلك -أي: من الجهل الذي لا يعذر به صاحبه- جهل غير المسلم بالوحدانية، وجهله بالرسالة المحمدية، إذا بُلِّغ الدعوة الإسلامية على الوجه الصحيح، وأقيمت الأدلة القاطعة بصدقها، فإنهم قالوا: إن قال هذه الأشياء جهلاً منه فإنه لا يعذر بجهله.
وهذا في الكافر الأصلي كما ذكرنا.
стр. 345
قضايا في التوحيد يعذر فيها بالجهل
هناك أمور في تفاصيل التوحيد يعذر فيها بالجهل، كالجهل ببعض صفات الله ، وكذلك التحاكم إلى الشرائع الوضعية فيما ظن أن الشريعة قد أحالت به إلى التجربة والخبرة البشرية باعتباره من الشئون الدنيوية، وما أكثر ذلك، مثل قوله ﷺ : (أنتم أعلم بشئون دنياكم)، فهو ليس عنده علم بقضية الحاكمية وانفراد الله بهذه الحاكمية، لكن ربما انفرد في قبول بعض مبدأ التحكيم لغير شريعة الله في بعض هذه الأشياء التي لبست عليه على أنها ليست من الدين، بل على أنها من أمور الدنيا، محتجاً بقوله ﷺ : (أنتم أعلم بشئون دنياكم) ويذكرون الحديث عن النبي ﵌ في غير موضعه.
وكذلك موالاة من يجهل أحوالهم من المشركين والمرتدين ونحوهم.
стр. 346
الوقوع في الشرك جهلاً به
يقول شيخ الإسلام ابن القيم ﵀: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله ورسوله، واتباع كل ما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل.
فهذه الطبقة من كفار الجهل هي في الكفار الأصليين، وبعض الناس ينتزعون هذه العبارة من كلام ابن القيم ويطبقونها على المسلمين الجهال، ويقولون: قال ابن القيم: فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل.
ونحتج عليهم بقول ابن القيم بعد ذلك: فإن الكافر من جحد توحيد الله، وكذب رسوله إما عناداً أو جهلاً أو تقليداً لأهل العناد.
وهذا الذي أقر إقراراً مجملاً بالإسلام لم يجحد توحيد الله، ولم يكذب الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
فمن احتج بأن الإسلام لا يثبت عقده إلا بتحقق التوحيد والعبادة، وأن هذا القدر لا يعذر فيه بالجهل احتج عليه بما ذكره ابن القيم بعد ذلك من أن الكفر لا يتحقق إلا بجحود التوحيد وتكذيب الرسل، كما عبر عن ذلك الطحاوي ﵀ بقوله: ولا يخرج العبد من الإسلام إلا بجحود لا عذر له فيه.
فهل من تلبس بشيء من الشرك من العامة وهو جاهل بحقيقته هل هو جاحد للتوحيد؟! وهل هو مكذب للرسل؟! والجحود معروف بأنه الإنكار بعد العلم، وهذا لم يعلم أصلاً ولم تبلغه الحجة! وإذا طعن بعض الناس في جحوده للتوحيد فهل هو مكذب للرسول ﷺ ؟! إنه لا يكذب الرسول ﵊، وإنما جهل فوقع في المخالفة التي لا يعرف أنها تضاد التوحيد الذي أقره الله .
стр. 347
الجهل ببعض صفات الله وأسمائه
من الأمثلة المتعلقة بالتوحيد التي ذكر العلماء أن فاعلها أو صاحبها يعذر فيها بالجهل الجهل ببعض أسماء الله ﵎ وصفاته.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية ولا الفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وقال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك.
وقال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافراً إذا كان مسلماً بما جاء به الرسول ﷺ ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه.
وقد استدل شيخ الإسلام على ذلك ببعض الاستدلالات، وقد يكون فيها بعض النظر، لكن أنموذج القضية التي ندرسها هو قصة الرجل الذي أوصى أولاده أن يحرقوه، فإنه يوضح هذه المسألة؛ لأن بعض العلماء قالوا: إنه كان يجهل صفة أن الله قادر على بعثه لو فعل به ما أوصى به.
لكن هذا المثال يشنع بعض الناس على من يستدل به، فنترك التفصيل في الكلام حول هذا الحديث، لكن نحن الآن على إقرار كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو ممن استدل به في هذا المقام، وهو أنه فهم من بعض الأحاديث أن أم المؤمنين عائشة ﵂ كانت تجهل صفة من صفات الله قبل أن يبلغها بذلك الرسول ﵌، وذلك حين سألت النبي ﵊ يوماً فقالت: (هل يعلم الله كل ما يكتمه الناس؟ فقال لها النبي ﷺ : نعم) قال شيخ الإسلام: وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، ولهذا نَهَزَها النبي ﷺ وقال: (أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟!)، وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع، فقد تبين أن هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها.
ومن أمثلة ذلك جهل بعض الصحابة ﵃ برؤية الله يوم القيامة، ولذلك سألوا رسول الله ﷺ : هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه، وكثير من الناس لا يعلم ذلك؟ إما لأنه لم تبلغه الأحاديث، وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط، فمثل هذا -أيضاً- لا تكفير به.
стр. 348
التأويل وحسن الظن بأهل البدع
وهنا مثال آخر، وهو جهل الذين يتأولون للحلوليين ويحسنون الظن بهم، مع أن هؤلاء الحلوليين يعتقدون أن الله يحل في المخلوقات أو يتحد بها، فهناك من العلماء من أحسن الظن بهؤلاء ولم يكفرهم، مثل الإمام ابن حجر الهيتمي، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، ونحو هؤلاء يدافعون في بعض المواضع عن محي الدين بن عربي، ويعظمون شأنه ومقالته، والحافظ السيوطي رحمه الله تعالى كتب رسالة سماها (تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي) فذكر فيها أن الناس انقسموا في ابن عربي فريقين: الفرقة المصيبة تعتقد ولايته، والأخرى بخلافها.
ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفريقان، وهي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه.
وابن عابدين صاحب الحاشية على الدر المختار عقد مطلباً في حاشيته عنون له بقوله: مطلب في حال الشيخ الأكبر سيدي محي الدين ابن عربي نفعنا الله تعالى به.
وقد دافع في هذا المطلب عنه وقال: ومن أراد شرح كلماته التي اعترض عليها المنكرون فليرجع إلى كتاب (الرد المتين على منتقص العارف محي الدين) لسيدي عبد الغني النابلسي.
وابن حجر الهيتمي ممن لا يعذرون بالجهل في كتابه (الإعلام بقواطع الإسلام) الملحق بكتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر)، فقد صرح بأنه يعتقد جلالة ابن عربي ولا يعتقد عصمته، بل الألوسي في (روح المعاني) لا تكاد تخلو تفسيراته الإشارية من النقل عن ابن عربي في (الفتوحات المكية) و (فصوص الحكم) وغيرها.
ودائماً يقول الألوسي: قال الشيخ الأكبر قدس الله سره.
وهو يعني بذلك ابن عربي.
والألوسي في مثال من هذه الأمثلة يقول: ولمولانا الشيخ الأكبر قُدِّس سره في هؤلاء القوم ونحوهم كلام تقف الأفكار دونه حسرى، فمن أراده فليرجع إلى (الفصوص) يرى العجب العجاب، والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.
وانظر -أيضاً- إلى كلام الألوسي في عبارة أخرى: ومن ذلك كتب كثير من الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، فإنه قد هدي بها أرباب القلوب الصافية، وضل بها الكثير حتى تركوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وعطلوا الشرائع، واستحلوا المحرمات، وزعموا -والعياذ بالله تعالى- أن ذلك هو الذي يقتضيه القول بوحدة الوجود التي هي معتقد القوم نفعنا الله تعالى بفتوحاتهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن قال: إن لقول هؤلاء سراً خفياً وباطن حق، وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص الخلق فهو أحد رجلين: إما أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال، فالزنديق يجب قتله، والجاهل يعرف حقيقة أمره، فإن أصر على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله.
يعني: إذا وقفت على رجل يثني على ابن عربي فهل معنى ذلك أن تدمغه بأنه يعتقد كل ضلالات ابن عربي؟! كلا؛ فهو يحسن الظن به، وإن كان هذا الظن لا يقع موقعاً يستحسنه، لكن لا يأخذ الناس كلهم حكماً واحداً.
يقول شيخ الإسلام: كل من كان أخبر بباطل هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفراً وإلحاداً، وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ والعارفين الذين يتكلمون بالكلام الصحيح الذي لا يفهمه كثير من الناس فهؤلاء تجد فيهم إسلاماً وإيماناً ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقراراً لهؤلاء، وإحساناً للظن بهم، وتسليماً بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال إلى أن قال شيخ الإسلام: فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر، كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين.
стр. 349
عوام المنتسبين لأهل البدع المكفرة
ومن أمثلة هؤلاء عوام المنتسبين إلى بعض الفرق الغالية -كالجهمية الاتحادية ونحوها- ممن لا يعرفون أسرارهم وحقائقهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما المنتسبون إلى الشيخ يونس فكثير منهم كافر بالله ورسوله، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله بل لهم من الكلام في سب الله ورسوله والقرآن والإسلام ما يعرفه من عرفهم، وأما من كان فيهم من عامتهم لا يعرف أسرارهم وحقائقهم، فهذا يكون معه إسلام عامة المسلمين الذي استفاده من سائر المسلمين لا منهم -أي: أخذ الإسلام العام من إخوانه المسلمين لا من هؤلاء الضالين-، فإن خواصهم مثل الشيخ سلول وجهلان والصهباني وغيرهم فهؤلاء لم يكونوا يوجبون الصلاة، ولا يشهدون للنبي ﷺ بالرسالة.
فهذا بالنسبة لخواص الملاحدة والزنادقة.
أما العامي فقد يتابعهم ويقلدهم وهو لا يعي حقيقة أقوالهم وما يقصدون إليه، وإن كان معه أصل الإسلام الذي عليه عموم الناس وعموم المسلمين.
كذلك جهل عوام القبوريين في بعض ما يتلبسون به من عبادة غير الله حتى تقوم عليهم الحجة التي يكفر من يعاندها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فكل عبادة غير معمول بها فلابد أن ينهى عنها، ثم إن علم أنها منهي عنها وفعلها استحق العقاب، فإن لم يعلم لم يستحق العقاب، وإن اعتقد أنه مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه يثاب عليها، وإن كانت من جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به.
يعني: أن أفعال الإنسان هي إما شيء منهي عنه، فإن كان منهياً عنه استحق العقاب، وإن لم يعلم أنه منهي عنه وفعله لم يستحق العقاب؛ لأنه لا يعلم، وإن اعتقد أن هذا الشيء مأمور به وداخل في جنس الشيء المأمور به المشروع فهو يثاب عليه.
لكن قد يعتقد شيئاً غير مأمور به، بل هذا الشيء ليس من جنس المشروع، بل هو من جنس المنهي عنه، مثل الشرك، فالشرك ليس فيه شيء يمكن أن يكون مأموراً به، لكن قد يحسب بعض الناس أن بعض أنواعه مأمور به، فهو في هذه الحالة يقلد غيره من الشيوخ الذين يفعلون ذلك، فإما فعلوه لأنهم جربوه فوجوده ينفع في زعمهم، أو اعتمدوا على حديث كذب أو باطل، فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي عن هذه الأشياء لا يعذبون، وأما الثواب فإنهم قد يثابون.
ويقول أيضاً شيخ الإسلام: ونحن نعلم بالضرورة أن رسول الله ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود للميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله ﷺ ، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ .
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ تعليقاً على هذه المقولة: ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الاستدراك أن الحجة إنما تقوم على المكلفين، ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق وحجة الرسالة ومقصودها الذي هو توحيد الله، وإسلام الوجوه له، وإنابة القلوب إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقد مثل العلماء هذا الصنف بمن نشأ ببادية، أو ولد في بلاد الكفار ولم تبلغه الحجة الرسالية، ولهذا قال الشيخ: لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين.
وقد صنف رسالة مستقلة في أن الشرائع لا تلزم قبل بلوغها، وأكثر العلماء يسلمون بهذا في الجملة، ويرتبون عليه أحكاماً كثيرة في العبادات والمعاملات.
يقول: فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له والجزم أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له إذاً إذنٌ في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله وجعل معه الأنداد والآلهة؛ لأن هذا بلغته الحجة الرسالية وقامت عليه، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا -يعني: لا يترددون في هذا الكلام-، وشيخنا ﵀ قد قرر هذا -يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وبينه وفاقاً لعلماء الأمة واقتداءً بهم، ولم يُكَفِّر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من يفهمه.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نفسه: إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر، والصنم الذي على قبة أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من يفهمهم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، ولم يكفر، ولم يقاتل؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦]! فهذه العبارة صريحة وهي قذى في أعين هؤلاء المبتدعين، قذى في أعينهم إذا سمعوا هذه العبارة، بل وصل الأمر ببعضهم في يوم من الأيام حينما تلوت عليه هذه العبارة أن قال: إذا قال محمد بن عبد الوهاب هذا الكلام فهو -أيضاً- كافر.
стр. 350
حكم من نشأ في بيئة تحيا على الشرك
يقول الشيخ ناصر الدين الألباني -أيضاً- في نفس هذا الموضوع لما سئل: هل يعذر بالجهل من كان في بلد يقام فيها الذبح للأولياء والطواف حول قبورهم وهم يدعون الإسلام، واعتقد أن هذا الرجل الذي يطاف حوله ينفع ويضر، وهذا هو الاعتقاد التعيس في ذلك البلد؟ فأجاب: هناك ثلاثة مجتمعات: مجتمع إسلامي صحيح، ومجتمع كافر، ومجتمع إسلامي اسماً، فالذي وجد في المجتمع الثاني والثالث معذور -يعني المجتمع غير الإسلامي والمجتمع الإسلامي بالاسم- وحجة الله عليه لم تقم، بمعنى أننا لا نحكم عليه بأنه من أهل الكفر المخلدين في النار، وليس معناه أن يدخل الجنة، فإنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، كما قال ﵊ في حجة الوداع.
ولكن أريد من قول (إنه معذور)، أي: لا يحكم له بالنار التي وعد بها الكفار، فله معاملة يوم القيامة معروفة في بعض الأحاديث الثابتة، فإن أطاع دخل الجنة وإن عصى دخل النار.
وهناك من تفاصيل التوحيد ما يعذر فيه بالجهل، ومنها ما لا يعذر فيه بالجهل، مثلاً: رجل يدعي الإسلام ثم ينسب الصاحبة والولد إلى الله ﵎، فهذا لا يعذر بجهله.
ومثله شخص يعادي الإسلام ويعادي جميع المسلمين عداوة دينية وليست عداوة دنيوية بسبب مال أو أرض أو عرض من الدنيا، لكنه يعاديهم لأجل تدينهم ويبغضهم ويحرمهم بسبب التدين، فهذه -أيضاً- عداوة تنم عن كره وبغض لما أنزل الله .
وكذلك سب الله ، وسب النبي ﵌، كل هذا مما لا يتصور ورود عارض الجهل فيه على أحد من المسلمين؛ لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 351
الإيمان والكفر [٢٦]
قد يختلف أهل السنة في بعض الأدلة على العذر بالجهل، ودلالتها على المقصود، لكنهم متفقون على أصل الدعوى، وقد استفاضت نصوصها لديهم وكثرت بينهم، وتحذيرهم من تكفير المعين بلا دليل أوضح من شمس النهار؛ لأن نتيجته الواقعية سيئة، سواء أكانت بالأقوال أم بالأفعال.
стр. 352
مسائل في التوحيد اختلف في العذر فيها بالجهل
روى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال سعد بن عبادة ﵁: (لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه.
فبلغ ذلك رسول الله ﵌ فقال: أتعجبون من غيرة سعد؟! فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة).
يقول النبي ﵌ هنا في هذا الحديث: (ليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى) فالعذر هنا بمعنى الإنذار، أي أن الله ينذر الناس ويعذر إليهم قبل أن يؤاخذهم بالعقوبة، ولهذا بعث المرسلين، كما قال : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
وسنضيف هنا إلى ما سبق بعض المسائل التي يعذر فيها بالجهل والتي لا يعذر فيها بالجهل، ونذكر بعض المسائل التي قد تكون محل خلاف بين العلماء فيما يتعلق بهذه القضية، والنزاع فيها إنما هو مبني على تفسير وفهم بعض النصوص والأحاديث، وأشهرها حديث ذلك الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرقوه.
стр. 353
حديث الرجل الذي أمر بنيه أن يحرقوه ويذروه
من تلك المسائل مسألة العذر بالجهل بعموم قدرة الله ، وإنكار معاد الأبدان إذا تفرقت، فذلك الرجل جهل قدرة الله العامة، وأنكر معاد الأبدان إذا فرقت، كما أوصى، وأساس اختلاف العلماء في هذه القضية مبني على تفاوت فهمهم وتفسيرهم لخطة ذلك الرجل.
ونص الحديث عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (إن رجلاً حضره الموت، فلما يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطباً كثيراً، وأوقدوا فيه ناراً، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت فخذوها فاطحنوها، ثم انظروا يوم ريح فذروه في اليم.
ففعلوا، فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله له)، وهذا الحديث رواه البخاري وغيره.
وقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذاك: (وكان نباشاً).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه.
يعني: هذا الرجل قد أسرف على نفسه في المعاصي، كما جاء في بعض الروايات الأخرى أنه أسرف على نفسه في خوض بعض المعاصي، حتى إذا حضره الموت خاف من لقاء ربه ، وغلبت عليه خشيته من عذاب الله، وكان يظن أنه إذا فعل ذلك فإن الله لن يقدر على جمعه، فلذلك أوصاهم هذه الوصية، كما يفعل الهنود من الإحراق بعد الموت، فأوصاهم أن يحرقوه حتى يمتحش تماماً وتخلص النار إلى عظمه، ثم يأخذوا ما تبقى من رماده وينتظروا يوماً ذا ريح، وفي بعض الروايات أنه قال: (ألقوا جزءاً منها في البر، وجزءاً في البحر، وجزءاً في الجو) أي: في الهواء، فجمعه الله ﵎ وسأله لما مثل بين يديه: لم فعلت ذلك؟! فقال: من خشيتك.
فغفر الله ﵎ له.
فالشاهد أن هذا الرجل قد غفر الله له، فدل على أن هذا الرجل لم يمت مشركاً؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦].
وهذا الاعتقاد الذي اعتقده ينبئ عن أنه كان يجهل أن الله على كل شيء قدير، وكان يجهل قدرة الله عليه، لذا أوصى بأن يفعل به ما فعل، ظناً منه أنه إذا ذهب جزء منه في البحر، وجزء في البر، وجزء في الهواء فإن الله لا يقدر على جمعه، والشك في قدرة الله ﵎ كفر أكبر، لكنه كان يجهل ذلك على تفسير فريق من العلماء الذين استدلوا بهذا الحديث على الإعذار بالجهل، وبعضهم عمم فقال: يعذر بالجهل عموماً في العقيدة، وبعضهم خص الإعذار بالجهل في الصفات.
فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهل بذلك، ضال في هذا الظن مخطئ، فغفر الله له ذلك.
يقول شيخ الإسلام: والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى ذلك أن يكون شاكاً في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره، وهو بين في عدم إيمانه بالله تعالى.
لأن بعض الذين يريدون إبطال دلالة هذا الحديث يقولون: قوله: (فوالله لئن قدر الله علي) هو مثل قوله ﵎: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، يعني: لئن ضيق الله علي.
أو هو كمثل قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] يعني: لن نضيق عليه، ولن نبتليه، ولن نمتحنه.
وهذا -في الحقيقة- يفسد معنى الحديث؛ لأن معناه يصير: فوالله لئن ضيق الله علي ليضيقن علي.
يقول شيخ الإسلام: من تأول قوله: (لئن قدر الله علي) بمعنى (قضى) أو بمعنى (ضيق) فقد أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه، فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه؛ لئلا يجمع ويعاد.
السبب في هذا كله: أنه ظن أنه بذلك -والعياذ بالله- سوف يعجز الله عن أن يجمعه ويعيده ويحاسبه، وقال: (إذا أنا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في الريح في البحر)، أي: أنا آمركم بذلك حتى لا يجمعني الله، فوالله لئن قدر الله علي وعلى جمعي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقب الأولى، وهذا يدل على أنها سبب لها، فهذه فاء السببية، حيث فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه، فلو كان مقراً بقدرة الله عليه إذا لم يفعل ذلك لم يكن في ذلك فائدة له.
وكلام الحافظ ابن حزم في هذه المسألة هو شجى في حلوق الذين ينحون منحى عدم الإعذار بالجهل في هذه القضايا.
يقول ابن حزم: فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله، وقد قال بعض من يحرف الكلم عن مواضعه: إن معنى (لئن قدر علي) إنما هو: لئن ضيق الله علي.
كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٦]، وهذا تأويل باطل؛ لأنه سيكون معناه حينئذ: لئن ضيق الله علي ليضيقن علي.
وأيضاً: لو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذر رماده معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى، فهذا من الأحاديث المشهورة في هذا الباب.
ومن أهل العلم من استشكل المغفرة لهذا الرجل مع إنكاره للبعث والقدرة، حتى قال بعض العلماء: إنما قال ذلك الرجل هذا في حال الدهشة وغلبة الخوف عليه حتى ذهب هذا الخوف بعقله لما يقول.
يقول الحافظ ابن حجر ﵀: وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشة وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يكن قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما صدر منه.
وقال الخطابي رداً على من تأول هذا الحديث على غير وجهه فإن قلت: كيف يغفر له وهو منكر بالقدرة على الإحياء؟! قلت: ليس بمنكر؛ إنما هو رجل جاهل ظن أنه إذا صنع به هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب، وحيث قال: (من خشيتك) علم منه أنه رجل مؤمن فعل ما فعل من خشية الله، ولجهله حسب أن هذه الحيلة تنجيه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضاً: فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك.
فهذا الحديث من أشهر الأدلة التي استدل بها من عذر بالجهل في قضية في قضايا الأصول أو قضايا الإيمان، وبعضهم -كما ذكرنا- خصها بقضايا العقيدة.
стр. 354
حديث عائشة (مهما يكتم الناس يعلمه الله)
ومن نفس هذا الباب الحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﵌؟! قلنا: بلى.
قالت: لما كانت ليلتي التي النبي ﷺ فيها عندي انقلب -أي: رجع إلى البيت- فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه واضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وفتح الباب رويداً، فخرج ثم أجافه رويداً، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري) أي: ظنت أن الرسول ﵊ لما اطمأن إلى أنها قد نامت خرج يريد أن يذهب إلى أخرى من أمهات المؤمنين (ثم انطلقت على أثره، حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاثاً، ثم انحرف وانحرفت) أي: لما أحست أنه على وشك الرجوع من حيث جاء انحرفت هي -أيضاً- وغيرت اتجاهها (وأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر -تردد النفس بسرعة في الصدر- فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت) أي: أرادت أن تهرب منه حتى لا يشعر بذلك، فاضطجعت على الفراش بسرعة، ونتيجة للإسراع في الجري كانت تتنفس تنفساً سريعاً متتابعاً، فقال النبي ﷺ لما دخل ووجدها على الفراش وصدرها يعلو ويهبط في التنفس قال: (ما لك يا عائشة حشيا رابية؟! قالت: لا شيء.
قال: لتخبرني، أو ليخبرني اللطيف الخبير.
قالت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي.
فأخبرته، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟! قلت: نعم.
فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله - أي: أظننت أن الرسول ﵊ يضيع حقك؟! - قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟! قال: نعم)، رواه مسلم والنسائي والإمام أحمد وغيره.
وموضع الشاهد في الحديث عندما نحتج به في المسألة التي نحن بصددها هو السؤال الذي في آخر الحديث، وهو قولها: (مهما يكتم الناس يعلمه الله؟!) أي: هل كل ما يكتمه الناس في قلوبهم يعلمه الله؟! قال: (نعم، فبعض العلماء فهموا أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لم تكن تعلم هذه الحقيقة، وكانت تجهل هذه الصفة من صفات الله ﵎، وهي أن الإنسان مهما كتم في صدره فإن الله يعلم ذلك، فهذا موضع الشاهد، ولكن في النفس شيء من هذا الاستدلال؛ لأنه يصعب جداً أن نتصور أن أم المؤمنين ﵂ -وهي التي تربت في بيت أبي بكر، ثم كانت في بيت النبوة تلك الفترة من الزمن- تجهل مثل هذه الحقيقة التي ينطق بها القرآن صباح مساء في جميع المحافل، فيبعد هذا الأمر في الحقيقة، ولا يكون هذا السؤال على حقيقته، ويؤول عن ظاهره، لكن الذين قالوا بهذا هم من كبار أئمة الإسلام، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فهو الذي استدل بهذا الحديث على هذه المسألة، فتكفينا صحة الدعوى وإن لم تستقم له الدلالة.
أي أن المسألة نفسها -وهي الإعذار بالجهل في هذه الأمور وإن كانت من أمور العقيدة- ثابتة، وإن لم يصح هذا الاستدلال فهناك أدلة أخرى، كالحديث الذي ذكرناه آنفاً، وما سيأتي إن شاء الله، لكن قد يحصل نزاع في الاستدلال نفسه لا في صحة الدعوى، ولذا سنتلوا كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، حيث يقول: (فهذه عائشة أم المؤمنين سألت النبي ﷺ : هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي ﵌: (نعم)، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وأن الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء).
فهذا فيما يتعلق بهذا الدليل والكلام فيه.
стр. 355
حديث أبي واقد: (اجعل لنا ذات أنواط)
من الأدلة المشهورة حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم -أي: يعلقون فيها الأسلحة للتبرك- يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﵌: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، لتركبن سنن من كان قبلكم).
قال بعض العلماء: إن هذا الحديث إنما هو في مسلمة الفتح الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يكونوا قد تلقوا قدراً كبيراً من التربية النبوية، ولم يتعلموا كل أمور التوحيد، فحينئذ طلبوا من النبي ﵌ شجرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، ويتبركون بها كما يفعل المشركون سواء بسواء، فما كفرهم النبي ﷺ وآله وسلم، ولم يقم عليهم حد الردة، وإنما علمهم ما جهلوه، وأخبرهم أن ما سألوه هو مما يخدش عقيدتهم، وهو مثلما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇، فكفر مقالتهم ولم يكفر أعيانهم.
следующие страницы →