← Акыда

Акыда · id 21753

سلسلة الإيمان والكفر - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (386 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

معنى قول أهل السنة: الإيمان هو التصديق محال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب، قال النبي ﷺ : (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). فمن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في تعريف الإيمان: هو التصديق، فعلى ظاهر اللغة، كما قال الله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] فهو إنما يقصد التصديق الذي يستلزم الانقياد والإذعان لا مجرد المعرفة كما يقول المرجئة؛ كما في قوله ﵎: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٥] ومعلوم أن هذه الرؤيا كانت وحي من الله فقط، وما أطلق عليها تصديقاً حتى انضم إليها الانقياد بأن أسلم هو وولده وتله للجبين حينئذ لما انضاف إلى التصديق العمل والانقياد والإذعان، فالقلب هو ملك البدن، فإذا وجد عمل القلب بالإذعان، فلابد أن يذعن في الظاهر بأعمال الجوارح، والدليل هذا الحديث: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، يعني: إذا وجد عمل القلب من الإذعان والخضوع والانقياد والمحبة إلى غير ذلك، ينعكس ذلك على الجوارح، فهذا عكس ما يردده أغلب الناس ويسيئون تطبيق هذا الحديث بعد أن يسيئوا فهمه، فيقولون: الإيمان في القلب، وهذا الحديث حجة عليه، كما قال شيخ الإسلام: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية وحديث لإثبات باطله إلا وكان في نفس الآية والحديث ما يدل على نقيض ما ذهب إليه، وهذه من آيات الله أنك إذا عكست الدليل عليه تجد الحجة قائمة عليه تماماً؛ فكذلك هنا قوله: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، فالقلب يؤثر في البدن، والظاهر أيضاً يؤثر في القلب، هناك تفاعل مشترك بين الأمرين؛ فمثلاً الذي يحلق لحيته ويقول: إن الأعمال بالنيات، وإن قلبي سليم! نقول له: كذبت وخالفت قول رسول الله ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ قال: إذا صلح القلب صلح الجسد، وانعكس على ظاهره الأعمال الصالحة سواء من إعفاء اللحية والتمسك بسنة النبي ﵊، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وسائر الأعمال الظاهرة، فهذه تكون عنواناً على سلامة هذا القلب؛ كذلك القلب السليم ينضح بهذه الأعمال الصالحة. فالمقصود أن من قال من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان هو التصديق؛ فإنما أراد التصديق على أساس أصل اللغة؛ لكن الإيمان في الاصطلاح هو التصديق المستلزم للانقياد. وهذا مقياس في الظاهر والباطن ليس فقط في الظاهر، فلم يعنوا مجرد التصديق، والدليل: أن إبليس لعنه الله لم يكذِّب ولم يشك في أن الأمر له بالسجود هو من عند الله ﵎، وإنما الذي تخلف عن إبليس هو عمل القلب وهو بالانقياد في هذا الأمر، لذا كان إباؤه كفراً واستكباراً. كذلك اليهود كانوا يعتقدون صدق رسول الله ﷺ ، ولم يتبعوه جحوداً وعناداً، وفرعون كان يؤمن أن موسى رسول الله حقاً، والأدلة على ذلك موجودة في القرآن الكريم وهي كثيرة، منها: قوله ﵎: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، ويقول ﵎ في آخر سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:١٠١]، فماذا أجاب موسى وموسى صادق مصدوق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؟ ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، فهذا دليل على أن فرعون كان عنده يقين ومعرفة أن هذا رسول الله حقاً وصدقاً؛ لكنه لم ينقد له. وهناك آيات أخرى في سورة الأعراف وغيرها من السور فيها إثبات أن القوم لما كان ينزل بهم سخط الله وعذابه كانوا يهرعون إلى موسى، يقول: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف:٤٩]، ثم ينقضون العهد بعد ذلك كما هو معلوم في سورة الزخرف والأعراف أيضاً. فالشاهد أن هؤلاء كانوا يعرفون صدق الرسول؛ لكن لم ينقادوا إليه، وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينقد له، بل جحد بآيات الله ظلماً وعلواً، فأين هذا التصديق من تصديق من قال الله تعالى فيه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]؟ وحتى تتمثل الأمر بوضوح؛ لأنه ربما يلتبس على الإنسان الفرق بين قول القلب وعمله، نقول: فرعون كان عنده القول بالقلب؛ وإبليس كان عنده القول بالقلب، واليهود الذين صدقوا بنبوة النبي ﵊ كان عندهم القول بالقلب، لكن لم يوجد عندهم عمل القلب، وهو الانقياد والإذعان والمحبة وغير ذلك من الأعمال القلبية. إذاً: تذكر قوله في حق فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وقارن هذا التصديق الذي كان عليه فرعون وقومه بالتصديق الذي جاء في قوله ﵎: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]، قارن أيضاً تصديق اليهود الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء:٤٦]، و: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٧٦]، فقارن بين هذا التصديق وتصديق الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فلابد أن نفرق بين قول القلب وبين عمل القلب، قول القلب هو التصديق واليقين، أما عمل القلب فهو الانقياد والمحبة والإذعان لما أمر الله ﵎ به، فهذا خلاصة شرح قول صاحب سلم الوصول إلى الأصول: اعلم بأن الدين قول وعمل فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل يعني: ما اشتمل عليه هذا الكلام من أن الإيمان قول وعمل، قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل باللسان والجوارح.

стр. 72

مراتب الدين قال الشيخ حافظ حكمي ﵀: كفاك ما قد قاله الرسول إذ جاءه يسأله جبريل على مراتب ثلاث فصله جاءت على جميعه مشتمله الاسلام والإيمان والإحسان والكل مبني على أركان قوله: (كفاك) يعني: كفاك يا طالب الحق ما قد قاله الرسول محمد ﵌. قوله: (إذا جاءه يسأله) يعني: حين جاءه يسأله عن مراتب الدين وشرائعه، وهو جبريل ﵇ كما في الحديث الصحيح السابق. قوله: (على مراتب ثلاث فصله) أي: بتلك الأجوبة الصريحة. قوله: (جاءت) يعني: الثلاث المراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان. قوله: (على جميعه) يعني: على جميع الدين مشتملة؛ ولهذا سمى النبي ﷺ هذه الأمور كلها بقوله: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). والكلام في قضية الإيمان يصبح رداً قوياً جداً على الذين يصفون هذه الأعمال سواء كانت أعمال القلب أو غيرها، يقول: أنتم تهتمون بأمور نظرية فلا يترتب عليها عمل، كلا. هذه عمل في الحقيقة، كما ذكرنا عمل القلب بالانقياد والإذعان، كما يقول : ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، فالقلب له كسب وعمل أيضاً.

стр. 73

مرتبة الإسلام قوله: (الإسلام) أي: مفصل من مجمل المراتب، وهو بدل بعض من كل. الاسلام والإيمان والإحسان والكل مبني على أركان هذه هي المرتبة الأولى كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ ومن وافقه من الصحابة حينما سأل جبريل النبي ﷺ عن الإسلام. نأتي أولاً بالمعنى اللغوي ثم بالمعنى الاصطلاحي، فالإسلام لغة: الانقياد والإذعان. وأما في الشريعة فله حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، هنا أتى الإسلام مفرداً دون أن يقترن بلفظ الإيمان، فيشمل كل أمور الدين، الباطن والظاهر والأقوال والأعمال والاعتقادات، وكل شيء يدخل تحت مسمى الدين يدخل في كلمة الإسلام؛ لأنها أتت مفردة مطلقة دون أن ترتبط بلفظ الإيمان في وقت واحد: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ومثلها: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فيشمل هنا كل أمور الدين، وقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، السلم هنا المقصود به الإسلام، أي: التزموا بجميع أمور الدين والإسلام سواء الاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال الباطنة أو الظاهرة. وهذه الآية من أقوى الأدلة التي نرمي بها في نحور الذين يقسمون الدين إلى أمور نظرية، ويفترون على الله حينما يسمونها تافهة ويسخرون منها وهي من أركان الإيمان؛ لأن قوله: (كافة) يعني: جميع ما يتعلق بالإسلام من الأقوال والأعمال والنيات والأحوال وغير ذلك، هذا كله مأمور بالدخول فيه سواء في ذلك العقيدة أو الفقه والعمل. إذاً: في هذه الآية دليل ضد الذين يسخرون من أمور الفقه أو العلم، ويسخرون في ذلك من طلاب العلم، ويقولون: متى تخرجون من فقه دورة المياه؟ يسخرون من فقه الطهارة، ويسخرون من بعض العلماء أو طلاب العلم، ويقولون: علماء الحيض والنفاس، ولا يدرون أنهم بذلك يهلكون؛ لأن هذه تدخل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، لا يسمى أبداً شيء من أمر الدين أو أمر به النبي ﵊ أو أقره لا يمكن أن يسمى تافهاً أو سخيفاً، إنما يحمل قوله ﵊: (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها) معالي الأمور مقاصد الدين، أما السفساف فهي أمور الدنيا الحقيرة؛ لكن أن تعمد إلى قضية من قضايا الدين وتسخر منها أو تقول: هذه قشور أو أمور شكلية أو مظاهر لا حاجة لنا بها، فهذا كله إعراض عن المقصود الشامل من قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، أي: في كل ما يتعلق بالدين والإسلام. ومن ذلك قوله ﵊ لما سأله معاوية بن حيدة: (ما الإسلام؟ قال: أن تقول: أسلمت وجهي لله)، إلى آخر الحديث، وحديث عمرو بن عبسة ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك لله ، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟)، الحديث فهنا يعتبر كدليل على أن كلمة الإسلام إذا أطلقت مفردة غير مقترنة بلفظ الإيمان فإنها تشمل كل أمور الإسلام، وكل أمور الدين، والظاهر والباطن وغير ذلك. فقول النبي ﷺ : (أن يسلم قلبك لله يدخل فيه عمل القلب وقوله: (وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك) هذا فيه عمل الجوارح واللسان. وقوله: (قال: فأي الإسلام أفضل؟) إذاً: الإسلام كلمة عامة، ثم يسأل عن أفضل ما يدخل في هذه الكلمة الشاملة الإسلام، قال: (فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان)، ففي هذا الحديث أطلقت كلمة الإسلام ويدخل في معناها أيضاً الإيمان بهذا النص، (قال: وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت)، فهذا دليل واضح على أن كلمة الإسلام إذا أطلقت وأفردت دون أن تقيد بالإيمان تشمل الظاهر والباطن. فجعل رسول الله ﷺ الإيمان جزءاً من الإسلام وهو أفضله، وقال ﵊: (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها)، فالانقياد ظاهراً بدون إيمان لا يكون حسن إسلام، بل هو النفاق، فكيف تكتب له حسنات أو تمحى عنه سيئات؟ فقوله هنا: (حسن إسلامه) يشمل كل أمور الإسلام باطناً وظاهراً، أي: حسن باطنه وظاهره، أما إذا حسن الظاهر فقط فهذا شأن المنافقين الذين كانوا يخرجون مع المسلمين في الجهاد، وكانوا يصومون ويصلون الجماعة ويحجون ويفعلون كل هذه الأشياء، فهو حسن إسلام في الظاهر وانقياد ظاهري، ولكن تخلف الانقياد الباطني الذي هو عمل القلب، فلا يمكن أن يكون بالمقصود من قوله: (فحسن إسلامه) صلاح الظاهر فقط، بل لابد أن يكون في ظل هذا الحديث اشتراط حسن الإيمان القلبي والانقياد الباطني، فهذه الحالة الأولى من حالة ورود لفظة الإسلام. الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترناً بالإيمان، فهو حينئذ يراد به الأقوال والأعمال الظاهرة فقط، إذا جاءك نص قرن فيه بين الإسلام والإيمان، ينطبق عليه قاعدة: إذا اجتمعا في لفظ واحد افترقا في المعنى لكن إذا افترقا اجتمعا. إذاً: الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترناً بالاعتقاد فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، هنا اقترن الإيمان بالإسلام. وربما يقول قائل: حديث عمرو بن عبسة أليس فيه إدخال الإسلام بالإيمان؟ نقول: نعم؛ ولكن جاءت قرينة تدل على أن الإسلام في أول الحديث المقصود به كل أمور الدين؛ لأنه نص على أن الإيمان جزء من الإسلام، والإسلام يشمل هذا ويشمل ما عداه. وكقوله ﵌ لما قال له سعد ﵁: (ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمناً؟ فقال ﷺ : أو مسلماً)، يعني: هلا أطلقت عليه لفظة الإسلام لا لفظة الإيمان؟ لأنك تخبر عن علمك أنت، فعلمك يكون حسب الظاهر، فلا تقل: مؤمناً، لكن قل: مسلماً؛ لأنك لم تطلع على إيمانه، وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة، فهنا قوله: (إني أراه مؤمناً)، قصد بالإيمان الأمر الباطن، والرسول ﵊ قصد بالإسلام الأمر الظاهر. وفي رواية النسائي: (لا تقل: مؤمناً، وقل: مسلماً)، وكحديث عمر أيضاً الذي سقناه في بداية الكلام، قال: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -كلها أعمال ظاهرة- وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن -هذه أعمال باطنة بالقلب- بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.

стр. 74

مرتبة الإيمان الإيمان لغة: التصديق، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، يعني: ما أنت بمصدق لنا. أما في الشريعة فللإيمان أيضاً حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، فحينئذ يراد به الدين كله، كقوله في الذين آمنوا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، (فآمنوا) هنا تشمل الظاهر والباطن. وقوله ﵎: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]، وقوله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، تشمل أيضاً الظاهر والباطن، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]. وقوله ﷺ : (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)، هنا تشمل الظاهر والباطن؛ لأنها مفردة غير مقيدة بالإسلام؛ ولهذا حصر الله الإيمان فيمن التزم الدين كله باطناً وظاهراً، في قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال:٢]، يعني: لا يوجد الإيمان إلا في هؤلاء؛ فانظر إلى صفتهم وأفعالهم، وسوف تجد أفعالهم وأعمالهم باطنة وظاهرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] هذه باطنة: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، أيضاً باطنة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، أعمال باطنة بالقلب: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]، ظاهرة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤] فأطلق الإيمان وحصره فيمن جمع بين الظاهر والباطن، وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، هذه أعمال قلبية: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، (في سبيل الله)، عمل قلبي بالنية؛ لأنه يريد إعلاء كلمة الله. وقال : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٥ - ١٧]، فسرهم بمن اتصف بذلك كله أيضاً في قوله : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥]، ووصفهم أيضاً بالإيمان في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] إلى آخر الآيات، وقال : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، إلى آخر الآيات. ثم قال جل وعلا: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وقال أيضاً -وهي من أوضح الأدلة في ذلك-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، الذين من صفاتهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ١١]، وقال أيضاً: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٢ - ٣]، وغير ذلك من الآيات. بل أتى أيضاً نصاً صريحاً جداً فسر الإيمان بهذه الأعمال كلها، كما في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]. وروي عن النبي ﷺ : أن أبا ذر ﵁ سأله فقال له: (ما الإيمان؟ فتلا عليه رسول الله ﷺ : ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)) [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية)، فأتى بهذه الآية جواباً عن سؤاله عن الإيمان، ثم قال له أيضاً: (ما الإيمان؟ فتلاها عليه، فقال: إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك)، يعني: هذه أيضاً علامة من علامات الإيمان، كما قال ﵊: (إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن)، هذه علامة من علامات الإيمان. وأيضاً فسر النبي ﷺ الإيمان بالباطن والظاهر، كما في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وغيرهما: (آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم)، هذه عادة الصحابة في الجواب حينما يسألون أن يقولوا: الله ورسوله أعلم، بعض الناس يكررون هذه الكلمة الآن في غير موضوعها، تسأله عن الشيء الفلاني حصل أو لم يحصل؟ يقول: الله ورسوله أعلم لو قلت له: أين الكتاب الفلاني؟ قال: الله ورسوله أعلم. كلا. كيف: الله ورسوله أعلم؛ لأن الرسول ﵊ في حياته كان ينزل عليه الوحي فيخبره بهذه الأشياء؛ لذلك كان يقول الصحابة: الله ورسوله أعلم، لكن هل الرسول يعلم كل شيء؟ نعم، حتى بعد موته ﷺ لا يجوز أبداً أن تقول: الله ورسوله أعلم في كل شيء. (قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس)، فهذه أعمال ظاهرة دخلت في مسمى الإيمان، وقد جعل رسول الله ﷺ قيام رمضان إيماناً واحتساباً من الإيمان، وكذا قيام ليلة القدر، وأداء الأمانة، والجهاد والحج، واتباع الجنائز، وغير ذلك، يقول ﵊: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، تماماً مثل كلمة الإسلام في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، تشمل الظاهر والباطن؛ لأنها غير مقترنة بالإسلام وقد أتت مفردة: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وهذه الشعب المذكورة قد جاءت في القرآن والسنة في مواضع متفرقة، منها ما هو من قول القلب، ومنها ما هو من عمل القلب، ومنها ما هو من قول اللسان، ومنها ما هو من عمل اللسان أو الجوارح، ولما كانت الصلاة جامعة لقول القلب وعمل القلب، وقول اللسان وعمل اللسان وعمل الجوارح، سماها الله تعالى إيماناً، كما في قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]؛ لأن الصلاة مشتملة على جميع أنواع الإيمان، فقد روى سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁، فذكرنا أصحاب محمد ﷺ وما سبقونا به، فقال عبد الله (إن أمر محمد ﷺ كان بيناً لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمان بالغيب، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢ - ٣])، فهنا حمل معناها عل

стр. 75

الإيمان والكفر [٦] من قواعد أهل السنة والجماعة المنعقد عليها إجماع السلف: أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وأن الأعمال ركن من أركان الإيمان لا تتخلف عنه، فإن تخلفت عنه لم يعد صاحبه مؤمناً، وإلا لاشترك كل الناس في الإيمان حتى إبليس وفرعون.

стр. 76

تعريف الإسلام والإيمان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. تقدم الكلام في مسمى الإسلام والإيمان، وقلنا: إن الإسلام له تعريف لغوي وآخر اصطلاحي أو شرعي، وأن الإسلام لغة: الانقياد والإذعان. أما الإسلام في الشرع فحسبما ورد اللفظ بالإسلام، فإذا ذكر بالإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، ففي هذه الحالة يراد به كل الدين أصوله وفروعه، اعتقاداته وأقواله وأفعاله، أما إذا أطلق مقترناً بالإيمان أو بالاعتقاد، فإنما تطلق كلمة الإسلام على الأعمال والأقوال الظاهرة، ويدل على ذلك حديث جبريل: (قال: ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة)، إلى آخر الحديث. ذكر الأعمال الظاهرة، ثم لما سأله عن الإيمان في نفس الحديث فسره بالأعمال الباطنة. إذاً: إذا اقترن الإسلام بالإيمان ينصرف معنى الإسلام إلى الأعمال الظاهرة، والإيمان إلى الأعمال الباطنة؛ لأنهما اجتمعا في النص، وافترقا في المعنى، أما إذا افترقا في النص وأتى كلاً منهما مفرداً، فإنهما يجتمعان في المعنى في هذه الحالة. أما الإيمان فهو في اللغة: التصديق، كما قال الله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، أي: ما أنت بمصدق لنا، فهذا معنى الإيمان لغة: التصديق. أما معنى الإيمان شرعاً: فيأتي على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، وفي هذه الحالة يراد به الدين كله تماماً، مثل لفظ الإسلام إذا أطلق فيشمل أصول الدين، وفروعه، اعتقاداته وأقواله وأفعاله، أما إذا أطلق مقروناً بالإسلام، فيفسر الإسلام بأنه إظهار أعمال مخصوصة، ويفسر الإيمان بأنه تصديق بأمور مخصوصة، وكما أن العامل الذي يعمل الأعمال الصالحة لا يكون مسلماً كاملاً إلا إذا اعتقد وآمن، كذلك المؤمن المعتقد لا يصير مؤمناً كاملاً إلا إذا عمل.

стр. 77

إبطال مذهب المرجئة في الإيمان ذكرنا أيضاً مذاهب المنحرفين في مسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان، وقلنا: إن منهم من يقول: إن الإيمان مجرد التصديق فقط، ومنهم من يقول: الإيمان مجرد المعرفة بالله فقط، وذكرنا مذهب المرجئة والكرامية الذين يقولون: إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب، إلى آخر الأمثلة التي ذكرناها من أهل البدع والضلال في هذا، لكن نقف وقفة يسيرة عند مذهب المرجئة. يقول الزهري رحمه الله تعالى: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على الملة من هذه. يشير إلى أهل الإرجاء، وسئل إبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة؟ فقال: أوه -أوه اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر أو أتوجع- لفقوا قولاً فأنا أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياهم! وقال إبراهيم: المرجئة أخوف عندي على الإسلام من الأزارقة، المرجئة أخوف عندي على الإسلام إذا كان هناك عدد يوازيهم من الأزارقة -والأزارقة: فرقة من فرق الخوارج- فالمرجئة يكونون أشد خطراً منهم. وقال أيوب: قال لي سعيد بن جبير: رأيتك مع طلق! قلت: بلى، فما له؟! قال: لا تجالسه فإنه مرجئ، قال أيوب: وما شاورته في ذلك. ويحق للمسلم إذا رأى من أخيه ما يكره أن يأمره وينهاه، وهذا موقف من مواقف السلف في البراءة من أهل البدع ومجانبتهم، فضلاً عن الجلوس معهم. وكان يحيى وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء، وذكر عند الضحاك بن مزاحم قول من قال: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، يعني: بعض المرجئة يستدلون بمثل هذه النصوص على أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون عقد القلب، فقال الضحاك بن مزاحم: هذا قبل أن تحد الحدود وتنزل الفرائض، لكن بعدما حدت الحدود، ونزلت الفرائض صارت هذه داخلة في مسمى الإيمان الذي ينجي صاحبه، فالله ﵎ أمر المؤمنين بعد أن صدقوا في إيمانهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد إلى آخره، فمن زعم أن الله فرض عليهم ما ذكرنا، ولم يرد منهم العمل، ورضي منهم بالقول، فقد خالف الله وخالف رسول الله ﷺ . يعني: أن الله أمرهم أولاً بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ثم بعد ما امتثلوا لذلك، واستقر الإيمان في قلوبهم أمرهم بالشرائع بالصلاة والصيام والزكاة والحج، هل يأمرهم لمجرد الأمر فقط أم أن هذا الأمر مطلوب منهم الامتثال له؟ إذاً: الله يريد منهم الامتثال والعمل، وتطبيق الأوامر التي أمرهم بها، فهؤلاء المرجئة مقتضى كلامهم أن الله أمرهم بهذه الأعمال ولم يلزمهم أن يعملوها، وهذا فيه مخالفة لأمر الله وأمر رسول الله ﷺ . فبعد أن صدق المؤمنون في إيمانهم أمرهم الله بالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الفرائض والحدود، فمن زعم أن الله فرض عليهم ما ذكرنا ولم يرد منهم العمل، ورضي منهم بالقول فقط، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، فقد خالف الله ورسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، معنى كلمة (َأَتْمَمْتُ): أنه كان ينزل شيئاً بعد شيء حتى اكتمل الدين في هذه الصورة النهائية، وقال ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت). فجمع إلى الشهادتين في نفس القوة أركان البناء، وأعمدة الإسلام الأربعة الأخرى غير الشهادتين، ولا شك أنها أعمدة يقوم بها الدين، فمن ضيعها فقد ضيع الدين. أما من قال: إن الإيمان مجرد المعرفة، والتصديق بأن هناك إلهاً وأن الله موجود فيلزمه أن إبليس مؤمن. ويتصور الناس أن الملحد هو الذي يقول: لا إله، فهذا غير صحيح؛ لا من حيث الشرع، ولا من حيث اللغة، فالإلحاد: هو الميل عن القصد، فأي شخص منحرف في عقيدته أو سلوكه يوصف بالإلحاد. فيلزم مما يزعمونه من أن الإيمان هو مجرد المعرفة: أن إبليس كان مؤمناً؛ لأنه كان يقر بوجود الله، وعرف ربه ﵎؛ لأنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، كذلك يلزم من ذلك أن اليهود مؤمنون، فإن الله ﵎ قال في حقهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، وقال ﵎ أيضاً: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]. ثم أليس الفرق بين الإسلام والكفر هو العمل؟! أما مذهب أهل الإرجاء واعتقادهم أن الإيمان هو مجرد الإقرار باللسان أو المعرفة، فيترتب على ذلك أن المرجئ يعتقد ما يأتي: أولاً: أن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل. ثانياً: أنه مؤمن عند الله حقيقة. ثالثاً: أنه مؤمن مستكمل الإيمان. رابعاً: أنه مؤمن حقاً. ولا يقولون بتفاضل أهل الإيمان فيه؛ لأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يكون الرجل أقوى إيماناً من الآخر، بل إيمان أقل واحد من المسلمين مثل إيمان جبريل وميكائيل ورسول الله ﵌. كذلك يقولون: الشخص المدمن للخمر الذي لا يصحو من الخمر والسكر إيمانه تماماً مثل إيمان جبريل وميكائيل. كذلك يقولون: من قال: لا إله إلا الله، لم تضره الكبائر أن يعملها. فيقولون: كما لا ينفع مع الكفر طاعة كذلك لا تضر مع الإيمان معصية، والإيمان في نظرهم هو مجرد الإقرار أو المعرفة، فيقولون: من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها، ولا الفواحش أن يرتكبها، وأن المرجئ البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئاً والفاجر يكونان سواءً. وهذا واضح مصادمته للقرآن، فهو من المنكرات العظيمة، يقول الله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، هذه الآية يسميها السلف: مبكاة العابدين؛ لأنها كانت تبكي العابدين كثيراً، وقال : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وتتفاضل الطائفتان من المؤمنين في الأعمال الصالحة درجات، ونفس أهل الإيمان هم أنفسهم درجات، كما قال الله : ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣]. إذا كان أهل الإيمان أنفسهم فيما بينهم متفاوتون فما بالك بأهل الطاعة والمعصية الذين يكون التمايز بينهم أشد؟! فأهل الإيمان أنفسهم متفاوتون في هذه الصلاة، ولعلهم جميعاً واقفون في صف واحد، وفي مسجد واحد، وراء إمام واحد، وذلك لتفاوت أحوال قلوبهم، يقول الله ﵎: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]. فهذا مجمل ما يئول إليه كلام المرجئة.

стр. 78

تعريف الإيمان والإسلام إذا اجتمعا قلنا: الإيمان لغة: التصديق، وشرعاً له حالتان: الأولى: إما أن يأتي مفرداً، فبالتالي يشمل كل أمور الدين، والحالة الثانية: أن يطلق الإيمان مقروناً بالإسلام، وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة كما في حديث جبريل وما في معناه، وكما في قول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥]، حيث اقترن الإيمان بالعمل الصالح، فدل على أن الإيمان هو الأمور الباطنة، وكما في قول النبي ﵌ في دعاء الجنازة: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)، وما الحكمة في التعبير عن الشخص الحي بالإسلام، والمتوفى بالإيمان؟ الحكمة أن الإسلام إذا كان مجرد الأعمال الظاهرة كالصلاة والصيام والحج والزكاة إلى آخره، فعند الوفاة وعند خروج الروح لا يوجد متسع لعمل البدن، وإنما يوجد متسع لأعمال القلب، وأن يموت على الإيمان الكامل، فالأعمال المتعلقة بالجوارح إنما يتمكن منها في الحياة، فأما عند الموت فلا يبقى غير قول القلب وعمله, لحديث أنس عند أحمد عن النبي ﷺ قال: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب). فهنا اجتمعا في النطق فيفترقان في المعنى. الحاصل: أنه إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، بل كل منهما على انفراده يشمل الدين كله، وإن فرق بين الاثنين كان الفرق بينهما بما في هذا الحديث: (الإسلام علانية والإيمان في القلب). والمجموع مع الإحسان هو الدين، أي: أن الإسلام مع الإيمان مع الإحسان هو الدين، كما سمى النبي ﷺ ذلك كله ديناً فقال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). وبهذا يحصل الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث التي فيها تفسير الإيمان بالإسلام، والإسلام بالإيمان. قال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث جبريل ﵇ وسؤاله عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبي ﷺ بينهما، وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو: أن من الأسماء ما يكون شاملاً لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن الاسم بغيره صار دالاً على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها. كالفقير مع المسكين، إذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة، فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]. يقول الخطابي: والصحيح أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمناً في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، يعني: كما فعل بعض السلف: نرسم دائرة كبيرة تمثل الإسلام، وفي داخلها دائرة أصغر منها هي دائرة الإيمان، فكل من كان في دائرة الإيمان فهو أيضاً داخل في دائرة الإسلام، لكن ليس كل من كان في دائرة الإسلام يكون في دائرة الإيمان، فمن خرج عن الإيمان بقي في دائرة الإسلام، وقد يخرج عن الإيمان بالمعاصي، ولا يخرج عن الإسلام إلا بالكفر، فالمعاصي تخرج من الإيمان إلى الإسلام، والأحاديث معروفة في ذلك، مثل: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، نعم الإيمان موجود في قلبه، والتصديق بأن هذا الفعل حرام، لكن يغيب عنه حضور هذا الشعور، وتجنب هذا الذنب ساعة هذا الفعل، فيخرج الإيمان من قلبه ولا يبقى في قلبه، فإذا نزع وتاب دخل ثانية في الإسلام. يقول: وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول فيها، ولم يختلف شيء منها.

стр. 79

الإيمان يزيد وينقص من الأصول المهمة جداً عند أهل السنة والجماعة المتعلقة بقضايا الإيمان: أن الإيمان يزيد وينقص. يقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀: إيماننا يزيد بالطاعات ونقصه يكون بالزلات هذه هي المسألة الأولى من المسائل الستة التي ذكرها الشيخ حافظ الحكمي في معارج القبول في الجزء الثاني، وهي: أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا ترجم الإمام البخاري ﵀ في كتاب الإيمان: باب: قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس، وهو قول وفعل يزيد وينقص، قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، الإيمان يزيد مثل الترمومتر يرتفع وينزل، فالإيمان شيء يخص كل إنسان في نفسه، كلما ازددت من الطاعات ومن الأعمال الصالحة تشعر بزيادة الإيمان، إذاًً: هذا هو الداء الذي يشكو منه كثير من الناس، يشكون من نقصان الإيمان في قلوبهم، ونقصان اليقين، حتى التصديق في حد ذاته واليقين الذي هو عمل من أعمال القلب. هذا أيضاً يزيد بكثرة التأمل والتفكر في خلق الله ﵎ وفي آياته، ألم تر إلى إبراهيم ﵇: هل كان يشك أن الله ﵎ قادر على أن يحيي الموتى؟ لا، وبلا شك أن إبراهيم ﵇ كان موقناً بذلك ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، أي: أنا مؤمن ومصدق بذلك عن علم ويقين، فهو يريد حق اليقين وأن يرى ذلك بنفسه، أو يرى عين اليقين بعينه ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، إذاً: كان عنده أصل الإيمان والتصديق واليقين القوي في قدرة الله، لكن لا يوجد العلم الذي هو أقوى؛ لأن العلم درجات، فهناك: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، لو أخبرتك بأن في هذه الحجرة إناء فيه عسل فصدقتني ولم تشك في أمري، فهذا علم اليقين، فإذا أدخلتك فيها ورأيته فهذا عين اليقين لأنك رأيته بعينك، فإذا ذقته فهذا حق اليقين، إذا سمعت بأن هناك كعبة في مكة المكرمة، وكنت لا تتردد في ذلك أبداً في التصديق بهذا الخبر، فهذا علم اليقين، فإذا ذهبت هناك ورأيتها فهذا عين اليقين، فإذا لمستها فهذا حق اليقين، فلذلك لما قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، إذاً: اليقين يزداد ويقوى بزيادة التدبر، ورؤية آلاء الله ، وإعمال الفكر في خلق الله ﵎، فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. كذلك الكفار يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، فالكافر يزداد كفراً على كفره، ويزداد ظلمات فوق الظلمات، وقال ﵎: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] إذاً: الهداية أيضاً تزيد، وقال : ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، ويقول ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، وقال ﵎: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [المدثر:٣١]، وذلك لما أتى الخبر بأن عدد خزنة النار من الملائكة تسعة عشر ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠]؛ فانقسم الناس إزاء هذا الخبر إلى أقسام، فالمؤمن هو مؤمن أصلاً، فحينما يعرف شيئاً جديداً من مسائل دينه وأركان عقيدته ويؤمن به يزداد إيماناً قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [المدثر:٣١] بهذا الخبر، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر:٣١]؛ لأن أهل الكتاب سيجدون أن هذا موافق لما عندهم في كتبهم، فلا يشك في صدقه، وأنه يخرج من مشكاة واحدة. أما الكافرون فيزدادون كفراً؛ لأنهم أصلاً غير مصدقين، فإذا كذبوا بشيء جديد من أقوال الوحي فإنهم يزدادون بعداً من الله ويزدادون في الكفر والعياذ بالله! قال ﵎: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢]. وقال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: باب في استكمال الإيمان والزيادة والنقصان، وساق حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وألطفهم بأهله). فانظر إلى كلمة: (أكمل)، فهذا دليل أيضاً على أن الإيمان يزيد ويكتمل، وقال ﷺ : (يا معشر النساء! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار). والشاهد: قوله في آخر الحديث: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرأي منكن). كما يقول بعض الشعراء: إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا لأن كيدهن عظيم إذا لم يتقين الله، فلذلك تجد المرأة مع ضعفها قد تغلب الرجل وتقهره وتتسلط عليه، ولذلك يقول ﵊: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين)، مع نقصان عقلهن ودينهن إلا أنهن يقدرن على أن يغلبن ذوي الألباب، (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرأي منكن)، الشاهد هنا قوله: ناقصات العقل والدين، ناقصات العقل المقصود به: شهادة المرأة، فهي بنصف شهادة الرجل، أما في الدين: فإنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، في حين أن الرجل يصوم ويصلي. المقصود: أن كل مرأة لا تؤدي هذه الفرائض بسبب الحيض، فإن ذلك يعد نقصاناً في دينها، فهذا أيضاً يثبت هذه القاعدة. وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها قول لا إله إلا الله)، وفي بعض الروايات: (بضع وستون)، وفي بعضها: (بضع وسبعون شعبة)، أيضاً الإمام النسائي حينما ترجم للحديث قال: باب زيادة الإيمان. وذكر في باب زيادة الإيمان حديث الشفاعة؛ لأن حديث الشفاعة في حد ذاته بمنطوقه يدل على تفاضل أهل الإيمان فيه، فمنهم من يدخل الجنة مع السابقين، ومنهم من يكون أقل، ومنهم من يدخل النار، ثم يخرج من بقي في قلبه مثقال حبة من إيمان من أهل التوحيد؛ فهذا كله يدل على أن أهل الإيمان يتفاضلون فيه، أما الزيادة والنقص فدلالته عليها مفهوماً لا منطوقاً، يعني: الزيادة ثابتة بهذه الأدلة، أما النقص فيأتي إن شاء الله تفصيل الكلام فيها. بعض العلماء يرى أن النقص مأخوذ من هذه الأدلة عن طريق المفهوم لا عن طريق المنطوق، والمنطوق: هو اللفظ الوارد في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير). أما المفهوم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكره لأخيه ما يكره لنفسه). فهذه الأدلة فيها أن الإيمان يزيد، وكل ما كان قابلاً للزيادة فهو قابل للنقصان، فبعض الناس كان يحتج بالأحاديث الواردة في عقوبة من اقتنى كلباً لغير صيد أو ماشية، فيقول النبي ﵊: (من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراطان)، فكل يوم ينقص من أجره قيراطان. فتباً لهؤلاء الذين يقلدون الكفار! تجدهم يعتنون بالكلاب أشد عناية، حتى المجلات تحاول أن تزرع هذه المفاهيم الكفرية في الأطفال الصغار، فتجد مثلاً في بعض المجلات صورة فأر، فيعودون الطفل على استحسان الفأر ومحبته واستظرافه، أو خنازير، أو كلاب إلخ. وهكذا إلى أن يرسخ حبه في قلبه بعد موته، فيحتفظ بجسم هذا الصنم في البيت وفاءً لذكراه، غير النعي الذي يكتب في الجرائد لموت الكلب، وسيما القداس في الكنيسة لأجل موته إلى آخر هذه الأشياء التي نحمد الله أن عصمنا منها، فيريد بعض الإمعات أن يعيدوا لنا مظهراً من مظاهر التقدم إلى الوراء، الشاهد: فهذا كلب يعامل هذه المعاملة، في حين أن الرسول ﵊ يخوفنا أن من اقتنى كلباً لغير هذين الهدفين كلب صيد أو ماشية أو حراسة أرض؛ فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم، يعاقب أن ينقص أجره من الأعمال الصالحة التي يعملها قيراطان كل يوم. يقول النبي ﵊ في بعض الأحاديث: (رأيت الناس وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي) إلى آخره، فهذا يفهم منه تفاوت الناس في الإيمان، حتى قال: (وعرض علي عمر بن الخطاب ﵁ وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين)، يعني: قوته وشدته في دينه، رضي الله ﵎ عنه. ويقول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، روى طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلاً من اليهود قالوا له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ﴾ [المائدة:٣]. قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة، وعلى ذلك ترجم أبو داود وغيره من أئمة السنة. أيضاً استدل بها الإمام مسلم بن الحجاج وذكر بسنده عن حنظلة الأسيدي وكان من كتاب رسول الله ﷺ ، قال: لقيني أبو بكر ﵁، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ وكان الصحابة ﵃ إذا لقي بعضهم بعضاً يطمئنون على أحوالهم الإيمانية، كيف حالك مع الله؟ أنت في ازدياد أم في نقصان؟ فهذا هو الذي ينبغي أن يشغل المسلمين، لا أ

стр. 80

آثار السلف وأقوالهم في زيادة الإيمان ونقصانه تكلم الإمام الآجري رحمه الله تعالى في بحث الإيمان يزيد وينقص، فروى رحمه الله تعالى بسنده عن محمد بن عبد الملك المصرفي أبي عبد الله، قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومائة، فسأله رجل عن الإيمان، فقال: قول وعمل، قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار سفيان بيده، قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تقرر أحكام الإيمان وحدوده، إن الله بعث نبينا محمداً ﷺ إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، فلما قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله . فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم. فلما علم الله جل وعلا صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم. فلما علم الله ﵎ صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا صلاتهم، ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا حتى أتى أحدهم برأس أبيه، فقال: يا رسول الله! هذا رأس شيخ الكافرين، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم ولا هجرتهم، ولا قتالهم. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً، وأن يحلقوا رءوسهم تذللاً ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها، فأمرهم ففعلوا حتى أتوا بها قليلها وكثيرها، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم ولا صلاتهم. فلما علم الله ﵎ الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده، قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. فمن ترك خلة -أي: صفة- من خلال الإيمان كان بها عندنا كافراً -واضح من السياق أنه يقصد الجحود-ومن تركها كسلاً أو تهاوناً بها أدبناه، وكان بها عندنا ناقصاً، هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس. فعلق الحافظ الإمام محمد بن الحسين الآجري ﵀ فقال: هذا بيان لمن عقل: اعلم أنه لا يصح الدين إلا بالتصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد وما أشبه ذلك. قال الأوزاعي ﵀: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فمن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع. قد يتشدق بعض الناس ويقولون: لا دليل صريح على أن الإيمان ينقص، لكن عندنا أدلة على أنه يزيد، فإجماع السلف على أنه كما أنه يزيد ينقص، والدليل هو مفهوم هذه النصوص التي ذكرناها. ثم ذكر الإمام الآجري ﵀: باب: ذكر ما دل على زيادة الإيمان ونقصانه، يقول: في القرآن أدلة كثيرة على زيادة الإيمان، وقال: قيل لـ سفيان بن عيينة: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرءون القرآن، ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران:١٧٣]؟ فقيل له: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد -أي: سيئاته- زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله : ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]). وعن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وخشيناه فذلك زيادته، فإذا غفلنا وضيعنا فذلك نقصانه. وعن زر بن حبيش قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: هلموا نزداد إيماناً، فيجلسون ويذكرون الله ﵎ حتى يزداد إيمانهم. وعن عبد الله بن عكيم قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول في دعائه: اللهم زدني إيماناً ويقيناً وفقهاً ثم ذكر قوله ﵊: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لألباب ذوي الرأي منكن). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، يعني: ساعة السرقة يخرج منه الإيمان كما جاء في الحديث: (يرتفع الإيمان من قلبه ويصبح مثل الظلة فوق رأسه، ثم يعود إليه إذا نزع عن هذا الفعل، أو تاب منه). ذلك لأنه لا يوجد عنده استحضار الشعور بتحريم هذا الشيء، ومثله الزاني والعياذ بالله ساعة هذا الفعل يخرج من الدائرة الصغرى دائرة الإيمان، ولكن ما زال في دائرة الإسلام، فإذا استحل فإنه يخرج من الإسلام تماماً. فالتوبة تدخل المشرك في دائرة الإسلام العامة، كذلك أيضاً التوبة من المعصية تدخله ثانية إلى دائرة الإيمان، وما الدليل على ذلك؟ لأن الخوارج المكفرين للمسلمين العصاة يقولون: الرسول ﵊ ينفي عنه الإيمان وأنت تصفه بأنه مسلم كيف هذا؟ ما الدليل على أنه ما زال في دائرة الإسلام؟ نقول: إذا كان خرج بالفعل من الإيمان بالكلية فهذا يستحق أن يقتل ردة، لحديث: (من بدل دينه فاقتلوه)، فإقامة الحد هو تطهير، مثل حديث المرأة الغامدية وغير ذلك من الأحاديث التي فيها الحكم عليهم بعد الاستغفار لهم، فلو خرج غير المحصن بالزنا من الإسلام لكان ردة، لكنه يجلد ولا يقتل، كذلك الشارب يجلد، والسارق يقطع، فدل على إسلامه، ثم الحد كفارة لذنبه، وهذا لا يكون إلا لمسلم، وفي حديث أبي ذر: (وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر)، يعني: إذا مات على التوحيد؛ لأنه ما زال في دائرة الإسلام. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد). عن فضيل بن يسار قال: قيل لـ أبي جعفر ﵁ في قول النبي ﷺ : (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). قال: فدور دائرة وقال: هذا الإسلام، ثم دور حولها دائرة فقال: وهذا الإيمان محصور في الإسلام، فإذا سرق أو زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك. وعن الفضل بن يسار قال: قال محمد بن علي ﵁: هذا الإسلام دائرة كبيرة، ودور دائرة في وسطها أخرى، وهذا الإيمان الذي في وسطها محصور في الإسلام، وقال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) ثم قال: يخرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام، فإذا تاب تاب الله عليه، ورجع إلى الإيمان. يقول الإمام محمد بن الحسين الآجري ﵀: ما أحسن ما قال محمد بن علي ﵄! وذلك أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والإسلام لا يجوز أن يقال: يزيد وينقص. انظر إلى هذا التعبير الدقيق! يقول: لا تقل في الإسلام: إنه يزيد وينقص، لكن الذي يزيد وينقص هو الإيمان، لأن الإنسان بالطاعة يزيد إيمانه، وبالمعصية يضعف إيمانه، وهذه الأحاديث في الزاني والسارق وشارب الخمر تدل على أنه يخرج من الإيمان ساعة الفعل، ويبقى في الإسلام، فلا يقال في الإسلام: يزيد وينقص، وإنما يقال: الزيادة والنقصان في الإيمان؛ لأنه حتى لو كان متلبساً بالمعصية فما زال في دائرة الإسلام. نعيد عبارة الإمام الآجري ﵀ معلقاً على قول محمد بن علي ﵄ قال: وما أحسن ما قال محمد بن علي ﵄! وذلك أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والإسلام لا يجوز أن يقال: يزيد وينقص، ولذلك قال ﷺ في الإسلام: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر). وقال ابن عباس ﵄ لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوجناه، فإنه لا يزني زان إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده رده، وإن شاء أن يمنعه منعه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: الإيمان نزه يعني: موصوف بالنزاهة، والنزيه لا يقبل أن يجتمع معه الخبيث، فالإيمان الموجود في قلب المؤمن لا يمكن أبداً أن يجتمع ويبقى في قلب يفعل مثل هذه الفواحش أو هذه المحرمات، الإيمان يتنزه عن أن يتواجد في مثل هذا القلب، فسرعان ما يخرج منه والعياذ بالله! يقول أبو هريرة: الإيمان نزه، فمن زنى فارق الإيمان، فإن لام نفسه وراجع رجع إليه الإيمان. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً). وقال ابن عيينة: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة وكان أصغر منه: يا أبا محمد! لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي، بل حتى لا يبقى منه شيء. لأن المعاصي

стр. 81

الإيمان والكفر [٧] الاستثناء في الإيمان هو أحد المسائل التي أخذ فيها المبتدعة بجانب واحد من الأدلة وأغفلوا الجانب الآخر فضلوا، ووفق الله تعالى أهل السنة والجماعة إلى الأخذ بجميع أطراف النصوص فاهتدوا، فقد ذهبوا إلى جواز إلى جواز الاستثناء في الإيمان باعتبار وعدم جوازه باعتبار آخر. ثم إن أهل الإيمان متفاوتون فيه، وبحسب هذا التفاوت يكون نعيم الجنة، وعلو الدرجات فيها.

стр. 82

كلام الآجري في الاستثناء في الإيمان هناك قضية أقحمت إقحاماً في قضايا الكفر والإيمان، وهي: الاستثناء في الإيمان، يعني: إذا قيل لك: هل أنت مؤمن، فبماذا تجيب؟ هل تقول: نعم أنا مؤمن، أو تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو ماذا تقول؟ فهذه القضية وإن كانت ليست من صلب قضايا الإيمان لكن لها تعلق بما سبق أن ذكرناه في قضية الإيمان ومركبات الإيمان. ونعرض أولاً لقول الإمام أبي بكر الآجري رحمه الله تعالى في كتاب الشريعة حيث قال: باب ذكر الاستثناء في الإيمان من غير شك فيه. يعني: أنه يجوز أن تستثني في الإيمان دون أن تقصد بهذا الاستثناء الشك، فإذا قيل لك: هل أنت مؤمن؟ فلك أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ولا تقصد بكلمة: (إن شاء الله) الشك والريب؛ لأن الريب ينافي الإيمان كما ذكرنا من قبل في شروط لا إله إلا الله، فمن شروطها: اليقين المنافي للشك، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، فلا يجوز الشك في الإيمان، فالذي يعتمده الإمام الآجري ﵀: أنه يجوز أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، بدون أن تقصد من كلمة: (إن شاء الله) الشك في الإيمان، فمن صفة أهل الحق كما يقول الآجري: الاستثناء في الإيمان لا على جهة الشك، ولكن من أجل خوف التزكية للنفس بالاستكمال للإيمان، فالإنسان لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا، فيقول: نعم أنا مؤمن، أو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله دون أن يقصد بذلك تزكية نفسه. وقد ذكرنا من قبل: أن الإيمان يتركب من تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح بما فيها اللسان، فأنت حينما تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فهذا الاستثناء لا يمكن أبداً أن يدخل في تصديق القلب ولا في قول اللسان، وإنما يكون الاستثناء فيما يتعلق بعمل الجوارح الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، فلا يمكن أبداً أن يصح الإيمان من رجل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ويقصد التصديق بالقلب، فهذا لا يدخله استثناء، بل لابد فيه من اليقين الراسخ المنافي تماماً للريب وللشك. وكذلك لا يمكن أن تكون قاصداً بقولك: (إن شاء الله) النطق باللسان، لكن قولك أنا مؤمن إن شاء الله، يكون فيما يتعلق بالجزء الثالث وهو عمل الجوارح. هذا هو الذي يصح أن تستثني فيه. والناس عند السلف على الظاهر مؤمنون يتوارثون ويتناكحون؛ لأن ظاهر الناس في حياتهم في المجتمع الإسلامي أنهم مؤمنون مسلمون، وبهذا الإيمان يتوارثون، وإلا لو لم يكونوا مؤمنين لما ترتب على ذلك حصول الميراث بين المسلم وقريبه المسلم. وبه يتناكحون أيضاً وهكذا يتم التناكح على أساس الحكم بالإيمان، وبه تجري أحكام ملة الإسلام، ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه وحسب ما بينه العلماء من قبل، إنما ينصرف إلى الأعمال التي توجب حقيقة الإيمان، وليس المقصود بالاستثناء ما في القلب، ولا الذي هو قول باللسان، إنما الاستثناء يكون في أعمال الجوارح، وهو عبارة عن مخافة واحتياط فقط، ولا يمكن أبداً أن يكون على الشك؛ نعوذ بالله من الشك في الإيمان. أما الأدلة على أن الاستثناء يكون بغير شك فمنها: قوله ﵎: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، فهل يمكن أن نقول: إن كلمة ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧]، هنا على الشك؟ الجواب هذا لا يمكن؛ لأن هذه بشارة من الله لنبيه ﵌ وأصحابه، فالله علم أنهم داخلون الحرم الشريف آمنين، فهذا دليل على أن الاستثناء يكون بغير شك، وليس شرطاً أن تنصرف كلمة: (إن شاء الله) إلى الشك كما في هذه الآية. كذلك لما دخل النبي ﵌ المقبرة ودعا للمؤمنين ختم دعاءه بقوله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، فهل هذا على الشك؟ الجواب: كلا، بل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. وكذلك قول النبي ﵌: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ، وهذا أيضاً ليس على سبيل الشك، ولكنه عبر عنه بقوله: (إني لأرجو). وروي أن رجلاً قال عند ابن مسعود ﵁: أنا مؤمن، فقال ابن مسعود ﵁: أفأنت من أهل الجنة؟! فقال: أرجو، فلما سمعه ابن مسعود يقول: أنا مؤمن، قال: أفأنت من أهل الجنة؟ قال الرجل: أرجو، فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟ أي: كما أنك لم تجزم في الأخيرة بأنك من أهل الجنة، ووكلت ذلك إلى علم الله، كذلك في الدنيا أيضاً لا تزكي نفسك، ولا تجزم بأنك مستحق للجنة. أيضاً: في سؤال الملكين في القبر جاء في الحديث أنهما يقولان للمؤمن: (على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى)؛ فإن كان هذا المؤمن مات على اليقين وعلى الإيمان، فلا يمكن أن يكون المقصود من قول الملكين: (إن شاء الله) الشك؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فهذا نص على أنه مات على اليقين، ويقال للكافر: (على شك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله)، فقالا: إن شاء الله، لا على سبيل الشك. وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله - يعني: الإمام أحمد ﵀ يعجبه الاستثناء في الإيمان. أي: يعجبه أن الرجل إذا سئل: أنت مؤمن؟ أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فقال له رجل: إنما الناس رجلان: مؤمن وكافر؟ فقال أبو عبد الله: فأين قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٦]؟ يعني: ماذا تقول في هذا؟ وهذه الآية في سورة التوبة في بعض المؤمنين كما هو معلوم. وقال الفضل: سمعت أبا عبد الله يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحداً إلا على الاستثناء. يعني: ما أدركت أحداً من الأئمة السابقين من أئمة السلف إلا على الاستثناء في الإيمان، وكأن أحدهم كان إذا سئل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. قال الأوزاعي في الرجل سئل: أمؤمن أنت؟ فقال: إن المسألة عما تسأل بدعة، والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل، والمنازعة فيه حدث، ولعمري ما شهادتك لنفسك بالتي توجب لك تلك الحقيقة إن لم يكن كذلك، ولا تركك الشهادة لنفسك بالتي تخرجك من الإيمان إن كنت كذلك، وإن الذي سألك عن إيمانك ليس يشك في ذلك منك، ولكنه يريد أن ينازع الله علمه في ذلك، حين يزعم أن علمه وعلم الله في ذلك سواء، فاصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعد ما رد عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم، فأشربتها قلوب طوائف منهم، واستحْلتها ألسنتهم، وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف، ولست بيائس أن يدفع الله شر هذه البدعة إلى أن يصيروا إخواناً دون أسلافكم؛ فإنه لم يدخر عنهم خيراً خبئ لكم دونهم لفضل عندكم، وهم أصحاب نبينا ﷺ الذين اختارهم الله وبعثه فيهم، فوصفه بهم فقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩]. هذا كلام الأوزاعي ﵀، وهو يدل على أن هذا السؤال من الأشياء المحدثة، ونحن نقر بذلك، وأنه لم يكن من أدب الصحابة ولا سلوكهم أن يسألوا مثل هذه الأسئلة، وإنما أراد من اخترع هذا السؤال أن ينازع في علم الله ﵎، وأن يثبت بأن علمه فيك مثل علم الله فيك، فينكر عليك إذا قلت: إن شاء الله؛ لأنه يريد أن تقول له: أنا مؤمن؛ حتى توافقه على ذلك، ويقول: أنا أعلم منك أنك مؤمن، وأنت حينما تقول: إن شاء الله، هي إحالة إلى علم الله ﵎، وهو يريد أن يساوي بين علمه هو وعلم الله فيك. وقيل لـ سفيان بن عيينة: الرجل يقول: مؤمن أنت؟ فقال: قل: ما أشك في إيماني، وسؤالك إياي بدعة. يعني: لا أشك لا في تصديقي بالقلب، ولا في نطقي باللسان. فهذا أيضاً نوع من محاصرة السائل بحيث يفوت عليه مقصده، ثم قال: وتقول: ما أدري أنا عند الله شقي أم سعيد أي: يمكن أن تجيب هذا السائل الذي يسألك: أأنت مؤمن؟ -فتقول له: ما أدري أنا عند الله شقي أم سعيد، أمقبول عملي أم لا. وعن ابن خليفة قال: قال لي إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. فجمعت هنا بين التصديق بالقلب، وبين النطق باللسان، وفوّتَّ عليه الكلام في الجزء الثالث؛ ولذلك لم تحتج هنا إلى الاستثناء. وعن محمد بن سيرين قال: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:١٣٦] إلى آخر الآية. الشاهد: أنك تتلو عليه هذه الآية؛ لأن الله أمرك بأن تقولها: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦] فحينما تقول: آمنت بالله، وبما جاء من عند الله، أفضل من أن تقول: أنا مؤمن. وتسكت، أو تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وتعني أنك إن شاء الله لست شاكاً في إيمانك. وعن

стр. 83

كلام ابن أبي العز في الاستثناء في الإيمان هذه المسألة أيضاً تعرض لها شارح الطحاوية رحمه الله تعالى بشيء من التفصيل، وهذه المسألة أحياناً يترتب عليها خلافات عديدة ومذمومة في نفس الوقت، فعند بعض المذاهب -كالأحناف- من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، يقولون: هذا شاك في إيمانه، ومن ثم قال بعضهم: إن الحنفي لا يصح أن يتزوج شافعية؛ لأن الشافعية تشك في إيمانها؛ لأنهم يجيزون أن تقول: أنا مؤمنة إن شاء الله، فخرج عالم من المتأخرين لعله أبو السعود العمادي صاحب تفسير: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، خرج الشيخ أبو السعود ﵀ بقول أعجب من ذلك فقال: بل يجوز للحنفي نكاح الشافعية قياساً على الكتابية! ولا حول ولا قوة إلا بالله! يقول شارح الطحاوية ﵀: ومن ثمرات هذا الاختلاف: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه. أي: من الناس من يوجب أن تجيب وتقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ويوجب الاستثناء، ومنهم من يقول: يحرم عليك أن تقول: إن شاء الله، بل تقول: أنا مؤمن. ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار. وهذا أصح الأقوال. يعني: أنه يقول: المسألة فيها تفصيل، ولكن هذا أصح الأقوال. قال: أما من يوجبه -أي: الاستثناء- فلهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمناً أو كافراً باعتبار الموافاة -باعتبار حالة التوفي؛ فإنما الأعمال بالخواتيم- وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به. فالإيمان الحقيقي والنافع هو ما ختم لصاحبه به، فالعبرة بعلم الله بخاتمتك ونهايتك أن تكون على الإيمان أم على غير ذلك، والعياذ بالله! فهذا هو علم الله بخاتمتك، أما ما قبل الخاتمة فلا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافراً ليس بإيمان؛ كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب. وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم، وعند هؤلاء: أن الله يحب في الأزل من كان كافراً إذا علم منه أنه يموت مؤمناً، فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم، وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد. يعني: باعتبار النظر إلى المآل والخاتمة. وليس هذا -كلام للكلابية- موافقاً لأقوال السلف، ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه. يعني: أن السلف لما كان يقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، قصدوا معنى معيناً. أما الكلابية ومن وافقهم إنما قالوا: إن الاستثناء واجب، فإنما نظروا إلى هذا التعليل، وهذا التعليل ليس موافقاً لكلام السلف، وهو أن الله إنما ينظر للخاتمة ولا عبرة بقبل ذلك، وأن الكافر الذي كتب أنه سيختم له بالإسلام محبوب عند الله حتى قبل أن يكون كافراً، وكذلك -مثلاً- الصحابة قبل أن يسلموا كانوا محبوبين عند الله باعتبار مآلهم وخاتمة أعمالهم بالإسلام والإيمان، وكذلك في حق إبليس وفي حق من ارتد بعد إسلامه، فالله يبغضه قبل أن يفعل ما فعل من الكفر بالنظر إلى الخاتمة وإلى المآل، فيقول: ليس هذا قول السلف ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه، وهو فاسد؛ فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فأخبر أنه يحبهم إن اتبعوا الرسول ﷺ ، فاتباع الرسول شرط للمحبة، والمشروط يتأخر عن الشرط، وغير ذلك من الأدلة، هذا رد على ما عللوا به. ثم صار إلى هذا القول -القول بوجوب الاستثناء- طائفة غلوا فيه غلواً جداً وتطرفوا في الأخذ بالاستثناء حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة، وأوجبوه في قولك: أنا مؤمن، ثم عمموا إيجاب الاستثناء في كثير من الأعمال حتى ما لا يليق أن ينسب فيه الاستثناء، فيقول أحدهم: صليت إن شاء الله. وللأسف أن بعض الإخوة يفعلون هذا فتقول لأحدهم، ما اسمك؟ يقول: أنا أخواك كذا كذا إن شاء الله وهذا شيء لا يحتمل الاستثناء، وليس في مثل هذا استثناء، وإن قلت له: أين كنت بالأمس؟ يقول: كنت بالمكان الفلاني إن شاء الله، وهذا غير صحيح، فإنما تستثني بما يكون في المستقبل، أو في مثل هذه المواضع. يقول: حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة، ويقول: صليت إن شاء الله. ثم صار كثير منهم -أشد غلواً- يستثنون في كل شيء، فيقول أحدهم: هذا ثوب إن شاء الله! هذا حبل إن شاء الله! فإذا قيل لهم: هذا لا شك فيه، يقولون: نعم، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره. فعلقوا الأمر وعللوه بتعلقه بإرادة الله وعلمه ﵎، فهذا هو المأخذ الأول الذي علل به من أوجب الاستثناء في الإيمان مذهبه. أما المأخذ الثاني: فهو أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، فبهذا الاعتبار شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين. فما زلنا نناقش مذهب من يوجب الاستثناء، وقلنا: إن لهم مأخذين: المأخذ الأول: النظر إلى سابق علم الله بما تكون عليه خاتمتهم؛ ولذلك أوجبوا أن تقول: إن شاء الله، ثم حصل غلو بصورتين ذكرناهما. المأخذ الثاني: أن من قال: أنا مؤمن ولم يقل: إن شاء الله، شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين -لأن المؤمن هو من قام بكل ما أمر به، وانتهى عن كل ما نهاه الله عنه؛ فهو يشهد لنفسه ويزكيها- القائمين بجميع ما أمروا به، وتركوا كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله المقربين، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال. وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون. فإذاً: لم نوافقهم في التعليل الأول، ولكن يوافقهم السلف في التعليل الثاني، وأنك إذا سئلت: أنت مؤمن؟ تقول: نعم أنا مؤمن، قالوا: إن (أنا مؤمن) هذه فيها تزكية للنفس؛ لأن المؤمن هو الموصوف بما في مقدمة سورة الأنفال، قال الله عنهم بعدما ذكر مجموعة من خصال المؤمنين، قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، فإذا أنت وصفت نفسك بالإيمان ولم تستثن، فمعنى ذلك: أنك زكيت نفسك. قال: وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا صرف الاستثناء بمعنى آخر. فالسلف الذين اعتبروا هذا المأخذ دليلاً على جواز الاستثناء في الإيمان يجوزون عدم الاستثناء، لكن يقصد بكلمة الإيمان معنى آخر، ويحتجون أيضاً بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه، يعني ليس معنى أنك تقول: أنا مؤمن إن شاء الله: أنك شاك في إيمانك، لكن يقولون: يجوز أن تقول: إن شاء الله فيما لا شك فيه، من حيث القلب واللسان، لكن من حيث عمل الجوارح هذا الذي أشرنا إليه في المأخذ الثاني. كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، وقال ﷺ حين وقف على المقابر: (وإنا إن شاء الله بكم لا حقون)، وقال أيضاً: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله). ونظائر هذا. وأما من يحرمه -الفريق الذي يحرم أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله- فكل من جعل الإيمان شيئاً واحداً، فيقول: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، فقولي: أنا مؤمن، كقولي: أنا مسلم، فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموا الذين يستثنون في إيمانهم بالشكاكة. يعني: متشككين في إيمانهم. وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، بأنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه. يعني: أن قوله: ((لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)). الاستثناء فيه متعلق بأنكم ممكن أن تكونوا آمنين وممكن ألا تكونوا آمنين، لكن الدخول واقع واقع، فأعادوا الاستثناء إلى الأمن من عدم الأمن، وهذا تكلف لا شك فيه، فقالوا: إن الاستثناء يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه، حتى إن بعضهم اخترع تفسيراً آخر فقال: قوله: ((لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ))، يعني: لتدخلن جميعكم أو بعضكم، فهذا هو مأخذ الاستثناء؛ لأنه علم أن بعضهم يموت قبل هذا الحادث أو هذا الوقت. وفي كلا الجوابين نظر: فإنهم وقعوا فيما فروا منه، فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين؛ لأن الله قال: ((لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ))، وهذه حال، يعني: تدخلون حال كونكم آمنين. مع علمه ﵎ بذلك؛ فلا شك في الدخول، ولا شك في الأمن، ولا شك في دخول الجميع أو البعض؛ لأن الله قد علم من يدخل، فكان قوله: ((إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) تحقيقاً للدخول، كما يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله لا محالة: والله! لأفعلن كذا إن شاء الله. وهذا الشيء ليس بسبب شك في عزمه وإرادته؛ لأنه لو شك ما عرف، لكن يترتب عليها فقط حكم شرعي وهو: أنه إذا حلف واستثنى فحنث لا تجب عليه الكفارة. فقوله: والله! لأفعلن كذا إن شاء الله، لا يقولها لشك في إرادته وعزمه، ولكن إنما يقولها حتى لا يحنث في مثل هذه اليمين؛ لأنه لا يجزم بحصول مراده. وأجيب بجواب آخر لا بأس به، وهو: أنه قال ذلك تعليماً لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن المستقبل، فقوله: ((لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ))، هذا تأديب للمؤمنين: أنه إذا أخبرت عن شيء تفعله في المستقبل أن تستثني، وفي كون هذا المعنى مراداً من النص نظر؛ فإنه لم يسبق الكلام له، إلا أن يكون مستنبطاً من إشارة النص. وأجاب الزمخشري بجوابين وكلاهما عجيب، حتى إن بعض العلماء وصفه بالمسكين، حيث قال: فأجاب الزمخشري بجوابين باطلين، وهما: أن يكون الملك قد قاله، فأثبت قرآناً، أو أن الرسول قاله. يعني: كأن كلام الملك أو كلام الرسول ﵊ يدخل في القرآن؛ فيصبح قرآناً بمجرد ذلك. ولا حول ولا قو

стр. 84

تفاضل أهل الإيمان يقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀: وأهله فيه على تفاضل هل أنت كالأملاك أو كالرسل يعني: أن أهل الإيمان في هذا الإيمان على تفاضل، فهل أنت كالأملاك أو كالرسل؟! الآن في الحقيقة المرجئة يقولون: إيماننا مثل إيمان الملائكة والرسل؛ لأن الإيمان عندهم مجرد المعرفة بلا عمل. فالناس ليسوا سواءً في الإيمان، بل بعضهم يكون أفضل من بعض في الإيمان، كما ذكر الله ﵎ أقسامهم التي قد قسمهم عليها بمقتضى حكمته، فقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣].

стр. 85

آيات وأحاديث في الرجاء يقول : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] إلى آخر الآيات، فهنا انظر إلى قوله: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا))، يعني: أن أمة محمد ﵊ هم: ((الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا))، ثم ذكر أقسام هؤلاء المصطفين الأخيار فقال: ((فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ)) بالمعاصي، فدل على أن العاصي لا يخرج من الإسلام، ولا يخرج من الإيمان بمجرد المعصية، بدليل أنه ذكرهم ضمن من سيرحمهم الله ﵎: ((وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ))، أي: اقتصروا على التزام الواجبات واجتناب المحرمات، فلم يزيدوا على ذلك، ولم ينقصوا منه ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٣]، فبعض العلماء قال: إن هذه أرجى آية في القرآن لأهل المعاصي، والإنسان إذا أشرف على اليأس أو القنوط أو خروج روحه؛ فإنه يتذكر نصوص الرجاء أو يُذكر بها حتى يلقى الله وهو حسن الظن به، أو إذا كان في حالة غير حالة الاحتضار، وغلب عليه الخوف بحيث خشي أن يئول أمره إلى القنوط من رحمة الله ، فعليه أن يذكر نفسه بنصوص الرجاء هذه، فبعض العلماء يقولون: حق لهذه الواو التي في قوله: ((يَدْخُلُونَهَا))، والتي تعود على الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات حق لها أن تكتب بماء العين؛ ولذلك عد بعض العلماء هذه الآية أرجى آية في القرآن لأهل المعاصي. كذلك من الآيات التي يقال عنها: إنها أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. وكذا قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فبين أنك إما أن تؤاخذ بالذنوب في الدنيا، وإما أن الله يعفو عنك، وما تبقى من ذلك سيعفو الله ﵎ عنه. وكذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، لكن لما قيل لبعض الناس: إن هذه أرجى آية في القرآن، قالوا: لكن هذه فيها المشيئة في قوله: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ))، لكن أيضاً هي من آيات الرجاء العظيمة؛ لأن الإنسان إذا كان على التوحيد ومات عليه، فهو داخل في مشيئة الله، والله أرحم الراحمين، ويرجى له ذلك. وكذا أطول آية في القرآن، وهي آية الدين؛ لأن الله من تعظيمه لحق المؤمن حتى في الدراهم أو الدنانير المعدودة أنزل أطول آية في القرآن لأجل حفظ حق المسلم ورعاية مصلحته، وكما تعلمون فيها الكثير من الأحكام الشرعية لحفظ حق المسلم ومصلحته في أشياء يسيرة، فيرجى من الله في الآخرة أن تكون رحمته للمؤمن، وتقديره الخير والسعادة له أعظم وأعظم من ذلك، فإذا كان هذا في مجرد دراهم قليلة في الدنيا أنزل أطول آية حتى يضمن لك هذه المصلحة، فكيف تكون رحمته في الآخرة؟ فنؤمل خيراً من ذلك. ومثل هذا أيضاً: بعض الآثار التي فيها أن النبي ﵊ لم يرض أن أحداً من أمته يبقى في النار، وقد ساقوا في ذلك أشعاراً منها: ولقد قرأنا في الضحى ولسوف يعطى فسر قلوبنا ذاك العطاء وحاشا يا رسول الله! ترضى وفينا من يعذب أو يساء المقصود: أن النبي ﵊ يرضيه ما يرضي ربه، فكما أن الله في جانب الرحمة يعفو عمن يستحق ذلك، ويعلمه الله أهلاً لذلك، فكذلك من كماله أن يكون عادلاً في من عصى أمره، وعاند شريعته، وخرج عن طاعته، فمن عصى الله والرسول يحب أن يعاقب، لكن على كل حال قد يرشح هذا الأمر حديث قدسي في صحيح مسلم: أن النبي ﵊ تلا دعاء إبراهيم لقومه، ودعاء عيسى، ثم قال ﵊: (يا رب! أمتي أمتي، وبكى)، أي: أنه لما وجد إبرهيم دعا لقومه وعيسى دعا، قال: (يا رب! أمتي أمتي)، فأرسل الله إليه ملكاً فقال: (قل له: يا محمد! ما يبكيك؟ فقال: يا رب أمتي أمتي)، أشفق ﵊ على أمته، فأوحى الله إليه على لسان جبريل ﵊: (قل له: إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوءك)، وهذا أيضاً مما يدخل ضمناً في معنى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، يعني: يرضيك بما يشرح صدرك بالنسبة لمصير أمتك في الآخرة. وآيات الرجاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، فالشاهد: أن هؤلاء المجرمين الذين عادوا أولياء الله وأحرقوهم وعذبوهم هذا التعذيب، واستحقوا بذلك أن يكونوا أشد الناس عذاباً في الآخرة؛ لأن من عذب الناس في الدنيا يعذبه الله عذاباً أشد من ذلك في الآخرة، ومع ذلك اشترط عدم التوبة في حصول العقوبة لهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، فأي رحمة أعظم من ذلك؟! كذلك في سورة الفرقان بعد أن ذكر الله جملة من كبائر الذنوب قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٧٠] إلى آخر الآية. كذلك قال الله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]، الشاهد في نفس هذه الآية، وهو قوله: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢]، على أن هذه الآية من آيات الرجاء في القرآن، وقد نزلت في مسطح لما قذف أم المؤمنين عائشة ﵂، فقد وصفه بأنه من المهاجرين في سبيل الله رغم أنه فعل هذه الكبيرة وهي قذف أم المؤمنين، هذا هو الشاهد؛ لأنه دل على أن هذه المعصية الكبيرة التي أنزل الله فيها ما أنزل في سورة النور تنزيهاً لأم المؤمنين، وتبرئة لها ﵂، فمثل هذا الذنب العظيم الذي فعله مسطح لو كان يحبط ما سبق من أعماله الصالحة لما استقر له وثبت وصف الهجرة في سبيل الله، لكن ثبوت هذا الوصف لـ مسطح مع ارتكاب هذه الكبيرة دل على أن معصيته لا تحبط ما سبق من أعماله الصالحة، ففي هذا بشرى للمؤمن أن المعصية وإن كانت تنقص إيمانه لكنها لا تذهبه بالكلية، ولا تحبط أعماله السابقة.

стр. 86

تفاوت أهل الطاعات على أي الأحوال هذا استطراد ربما نكون خرجنا به عن الموضوع، ففي هذه الآية وهي قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]، هل هؤلاء المؤمنون المصطفون يستوون في إيمانهم؟ الجواب كلا؛ فهذا التقسيم يدل على تفاوت إيمانهم، فقسم الناجين منهم إلى مقتصدين، وهم الأبرار أصحاب اليمين الذين اقتصروا على التزام الواجبات واجتناب المحرمات، فلم يزيدوا على ذلك، ولم ينقصوا منه، وإلى سابق بالخيرات: وهم المقربون الذين تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، وتركوا ما لا بأس به خوفاً مما به بأس، وما زالوا يتقربون إلى الله تعالى بذلك حتى كان سمعهم الذي يسمعون به، وبصرهم الذي يبصرون به، إلى آخر معنى الحديث السابق، فبه يسمعون، وبه يبصرون، وبه يبطشون، وبه يمشون، وبه ينطقون، وبه يعدلون. وأما الظالم لنفسه ففي المراد به عن السلف الصالح قولان: القول الأول: أن المراد به الكافر، فيكون كقول الله في تقسيم الناس في سورة الواقعة: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:٧ - ١١]، وقسمهم عند الاحتضار أيضاً كذلك، فقال : ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٩٤] فإن تفاضل أهل الإيمان في تقسيم هذه السورة إنما هو على درجتين: سابقين مقربين وأبرار، وهؤلاء هم أصحاب اليمين، وأما أصحاب الشمال الذين هم المكذبون الضالون فليسوا من أهل الإسلام باتفاق، وإنما الخلاف في الظالم نفسه في آية فاطر، هل هو الكافر، أم غير ذلك؟ فالقول الأول: أن الظالم نفسه كالكافر، فيكون التقسيم على هذا التفسير موافقاً لما في الآيات التي ذكرناها. القول الثاني: أن المراد به عصاة الموحدين؛ فإنهم ظالمون لأنفسهم، ولكن ظلم دون ظلم، لا يخرجهم من الدين، ولا يخلدهم في النار، فعلى هذا يكون هناك قسم ثالث لتفاضل أهل الإيمان، ورجح هذا القول ابن القيم رحمه الله تعالى، فإذا كان أتباع الرسل بينهم تفاوت على حسب درجات إيمانهم: ظالم لنفسه، مقتصد، سابق بالخيرات، فكيف بتفاوت ما بينهم وبين رسلهم؟ لا شك أن التفاوت بعيد جداً، بل الرسل أنفسهم فيما بينهم متفاضلون، يقول الله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣].

стр. 87

تفاوت المؤمنين في درجات الجنة ونعيمها أخبر الله عن المؤمنين أنهم متفاوتون في الإيمان في باب التكليف، وكذلك جعل الجنة التي هي دار الثواب متفاوتة الدرجات مع كون كل منهم فيها، فالجميع في الجنة، ولكن بتفاوت مراتب إيمانهم يتفاضلون، وما كان هذا التفاضل في الجزاء في الجنة إلا بسبب تفاضلهم في إيمانهم في الدنيا، قال في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]، ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب، فلك الحمد، كما قال الجن حينما سمعوها من النبي ﵊، كما جاء عنه ﵊ أنه قال: (لقد قرأتها -يعني: سورة الرحمن- على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما قرأت قوله تعالى: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، قالوا: ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد). قال تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٩ - ٥٥]، إلى أن قال ﵎: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢]، فدل على التفاوت في الجزاء في الآخرة. وكذا في سورة الواقعة أخبر بصفة الجنة التي يدخلها السابقون، وأنها أعظم وأعلى من صفات الجنة التي يدخلها أصحاب اليمين، وكذلك في سورة المطففين قال ﵎: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٨]، وغير ذلك من الآيات. وقال ﷺ : (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن). وقال الله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣]، وأهل الجنة متفاوتون في الدرجات حتى إنهم ليتراءون أهل عليين، يعني: ويرون غرفهم من فوقهم كما يرى الكوكب في الأفق الشرقي أو الغربي. هذه حقيقة سوف يدركها كل من امتن الله عليه بدخول الجنة، نسأل الله أن يجعلنا منهم. فأهل الجنة الذين هم أقل من أهل عليين يرون أهل عليين كما ترى أنت الكوكب الدري، وذلك أنك حينما تخرج من صلاة الفجر ترى كوكباً في السماء ذاك الكوكب هو الدري الغابر الذي يظهر في السماء، فانظر إلى مسافته إنه بعيد جداً عنا، ومع ذلك فإن أهل الجنة سيرون أهل عليين كما ترون أنتم في الدنيا هذا الكوكب الدري الغابر في الأفق الشرقي أو الغربي. أيضاً هم متفاوتون في الأزواج، والفواكه والمطعوم والمشروب، ومتفاوتون في الفرش والملبوسات، ويا سبحان الله! شتان بين من يعيش ليدرك هذا النعيم، وبين من يعيش ويشقى ويركبه الهم والغم والحزن. فمثلاً: إذا أغري رجل بشقة صفتها كذا وكذا كأفخم ما تكون، أو قصر في هذه الدنيا، كيف تكون علو همته في تحصيل هذا الأمر، فالناس ليس عندهم يقين أن هذا واقع فعلاً، وأن هذه دار إقامة لا موت فيها ولا انقطاع، فما من شك أن الإنسان إذا كان عالي الهمة لا يطمح فقط في دخول الجنة، ولكنه يطمع في رحمة الله، ويسأل الله الفردوس كما أوصانا بذلك النبي ﵌، فانظر إلى التفاوت حتى في المراتب، فعالي الهمة يطلب المراتب العليا. والناس يتفاوتون في الفرش والملبوسات وفي الملك والجمال والنور، ويتفاوتون في قربهم من الله ، وزيارتهم إياه، ومقاعدهم يوم المزيد -الذي هو يوم الجمعة- في الجنة. وأيضاً حديث الشفاعة فيه: أن بعض الموحدين تمسهم النار بقدر ذنوبهم، بل معروف أيضاً في مشاهد يوم القيامة أن العرق يبلغ من الإنسان بقدر ذنوبه، فمن الناس من يكون العرق عند قدميه، ومنهم من يكون عند ركبته، حسب المعاصي في الدنيا، ومنهم من يبلغ العرق إلى حقويه، ومنهم من يصل إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق، والعياذ بالله! فبماذا يكون هذا؟ يكون بقدر الذنوب، وتفاوت الناس في قوة الإيمان. أيضاً: عصاة الموحدين في النار تمسهم النار بقدر ذنوبهم، والسير على الصراط أيضاً يكون بقدر قوة الإيمان، وهذا فيه تفاوت، فهناك من يمشي بسرعة البرق، ومن هو بسرعة الريح، ومن يحبو، ومن يقع وهكذا، فهذا كله بمقدار الذنوب.

стр. 88

تفاوت أهل النار في الدركات والعذاب وبيان فساد مذهب المرجئة ثم يوجد تفاوت في النار؛ فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذه كله إلا مواضع السجود؛ لذلك جاء في حديث الشفاعة أن الملائكة حينما يدخلون النار من أجل أن يخرجوا من مات على التوحيد إنما يعرفونهم ويميزونهم بمواضع السجود، يقول النبي ﵊: (حرم الله على النار أن تأكل مواضع السجود)، فيا خيبة ويا حسرة تاركي الصلاة الذين تخلو وجوههم من علامات السجود! ولا نعني بذلك العلامة المعروفة التي -كما يقول بعض السلف-: قد تكون بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون، فإنه يسهل أن يطرح هذه العلامة بطرق شتى، لكن العبرة بما ذكره الله في قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩]، فالعبرة بالخشوع والتواضع والسكينة، وهذا دليل استدل به من كفر تارك الصلاة كفراً أكبر، وقال: لا حظ لمن لا يصلي في هذا الأمر؛ لأن الملائكة إنما تخرج من كان يصلي، فاستدلوا بذلك على كفر تارك الصلاة، وسيأتي إن شاء الله الكلام في ذلك بالتفصيل. كذلك الناس يتفاوتون في مقدار لبثهم فيها، وسرعة خروجهم منها؛ لأنهم متفاوتون في الإيمان والتوحيد الذي بسببه يخرجون منها، ولولاه لكانوا مع الكافرين خالدين مخلدين أبداً، فيقال للشفعاء: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه وزن برة من إيمان، ثم من كان في قلبه ذرة من إيمان، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان)، فأين هذا ممن الإيمان في قلبه مثل الجبل العظيم؟ وأين من نوره على الصراط كالشمس ممن نوره على إبهام قدمه يضيء تارة وينطفئ أخرى؟ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]؟ في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين)، فهذا أيضاً دليل على التفاوت. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ذكره البخاري تعليقاً مجزوماً به. وقال النبي ﷺ يمدح عمار بن ياسر ﵁: (ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه). وقال ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فكلمة: (أضعف)، تدل على أن الدرجة الوسطى أوسط، والدرجة الأولى هي أقوى الإيمان، فدل على ضعف وقوة في الإيمان، وكذا زيادته ونقصانه وتفاوت وتفاضل أهله فيه، بخلاف قول المرجئة ومن وافقهم في أن الإيمان لا يتفاضل أهله فيه، بناءً على أن الإيمان هو مجرد المعرفة فقط، فبالتالي يترتب على كلامهم: أن إيمان جبرائيل وإسرافيل وميكائيل والملائكة وحملة العرش مثل إيمان أدنى واحد من المؤمنين، فإيمان هؤلاء الذين يعاينون الغيب مثل إيمان أقل واحد من المسلمين، فأين قائل هذا من هذه النصوص الواضحة التي تبطل هذا المذهب الفاسد؟! قال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر ﵁ بإيمان أهل الأرض لرجح.

стр. 89

اتصال العمل بالإيمان في نصوص الشرع وقرأ الفضيل بن عياض ﵀ أول الأنفال حتى بلغ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، ثم قال حين فرغ: إن هذه الآية تخبرك أن الإيمان قول وعمل. يعني: كلمة: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، فهل مدحهم الله بالقول فقط، أم بالأعمال أيضاً؟ قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢ - ٤]، فقوله: (حقاً): يعني: أن حق الإيمان هو ما اقترن فيه القول بالعمل، فقال الفضيل: إن هذه الآية ستخبرك أن الإيمان قول وعمل. ثم يقول: وإن المؤمن إذا كان مؤمناً حقاً فهو من أهل الجنة، ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، فمن لم يشهد أن المؤمن حقاً من أهل الجنة فهو شاك في كتاب الله؛ مكذب أو جاهل لا يعلم، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن حقاً مستكمل الإيمان، ولا يستكمل الإيمان إلا بالعمل، ولا يستكمل عبد الإيمان ولا يكون مؤمناً حقاً حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه، فيا سفيه ما أجهلك! لا ترضى أن تقول: أنا مؤمن حتى تقول: أنا مؤمن حقاً مستكمل الإيمان، والله! لا تكون مؤمناً حقاً مستكمل الإيمان حتى تؤدي ما افترض الله عليك، وتجتنب ما حرم الله عليك، وترضى بما قسم الله لك، ثم تخاف مع هذا ألا يقبل الله منك، كما يقول بعض السلف: الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم. فرحمة الله تسع كل شيء، لكن لا تأمن مكر الله ﵎، وخف سوء الخاتمة، وسوء السابقة. يقول: والله! لا تكون مؤمناً حقاً مستكمل الإيمان حتى تؤدي ما افترض الله عليك، وتجتنب ما حرم الله عليك، وترضى بما قسم الله لك، ثم تخاف مع هذا ألا يقبل الله منك. ووصف فضيل الإيمان بأنه: قول وعمل، وقرأ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فسماه: دين القيمة بعد أن وصفه بالقول والعمل، فالقول: الإقرار بالتوحيد، والشهادة للنبي ﷺ ، والعمل أداء الفرائض واجتناب المحارم، وقرأ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥]، وقال : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فالدين التصديق بالعمل كما وصفه الله تعالى، وكما أمر أنبياءه ورسله بإقامته. والتفرق فيه ترك العمل، والتفريق بين القول والعمل، هذا هو تفسير: ((وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ))، يعني: لا تفصلوا القول عن العمل، بل صلوا ما أمر الله به أن يوصل من القول مع العمل، قال الله تعالى: ((فَإِنْ تَابُوا)) أي: المشركين: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، فالتوبة من الشرك جعلها الله تعالى قولاً وعملاً بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، بجانب كلمة التوحيد. وقال أصحاب الرأي: ليس الصلاة ولا الزكاة ولا شيء من الفرائض من الإيمان؛ افتراءً على الله وخلافاً لكتابه وسنة نبيه ﷺ . وللدفاع عن الأحناف وأصحاب الرأي في هذه القضية نقول: إنهم حينما يقولون: الإيمان بمعنى التصديق؛ فإنهم يقصدون التصديق المستلزم للانقياد والعمل، وهناك بحث وافٍ طويل في شرح الطحاوية حول هذه القضية. يقول: ولو كان القول كما يقولون لم يقاتل أبو بكر أهل الردة. وقال الفضيل: يقول أهل البدعة: الإيمان الإقرار بلا عمل، والإيمان واحد، إنما يتفاضل الناس بالأعمال ولا يتفاضلون بالإيمان، قال: فمن قال ذلك فقد خالف الأثر. يعني: أن الإيمان نفسه لو كان هو التصديق فقط، فإن التصديق يتفاوت، كما قال : ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] فمن قال ذلك: يعني: من قال: إن الإيمان واحد، والناس كلهم متساوون في الإيمان، لكن يتفاضلون بالأعمال فقط، وأما في الإيمان فلا يتفاضلون. قال: فمن قال ذلك فقد خالف الأثر، ورد على رسول الله ﷺ قوله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) فكلمة: (أفضلها)، يدل على وقوع التفاضل بين شعب الإيمان، ومن يقول: إن الإيمان لا يتفاضل، يقول: إن فرائض الله ليست من الإيمان، فميز أهل البدع العمل من الإيمان، وقالوا: إن فرائض الله ليست من الإيمان، فمن قال ذلك فقد أعظم الفرية، أخاف أن يكون جاحداً للفرائض راداً على الله أمره، ويقول أهل السنة: إن الله تعالى قد قرن العمل بالإيمان، وإن فرائض الله من الإيمان، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٨٢]، فوصل العمل بالإيمان. ويقول أهل الإرجاء: لا، ولكنه منقطع غير موصول، فيقولون: (الذين آمنوا)، ويفصلونها عن: ((وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) يعني: هذه جملة فيها مبتدأ جديد، وليست موصولة بما قبلها. وقال أهل السنة: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:١٢٤]، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع، فقال أهل السنة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:١٩] ربط السعي والعمل بالإيمان، فهذا موصول، وكل شيء في القرآن من أشباه هذا، فأهل السنة يقولون: هو موصول مجتمع، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع متفرق، ولو كان الأمر كما يقولون كان من عصى وارتكب المعاصي أو المحارم لم يكن عليه سبيل، فكان إقراره يكفيه من العمل، فما أسوأ هذا من قول وأقبحه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 90

أدلة تفاضل أهل الإيمان فيه قد ذكرنا الأدلة على مسألة: أن أهل الإيمان متفاضلون فيه، ومنها قوله ﵎: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢]، وقوله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فإذا كان التفضيل يحصل بين الرسل أنفسهم، فأولى أن يقع التفضيل بين الرسل وأتباعهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، كذلك قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]، إلى أن قال ﵎: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢]، فدل على تفاوت الثواب، مما يدل على تفاوت الإيمان، وكذا قوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣] وكذلك أيضاً في سورة الواقعة قسَّم الله ﵎ الناس إلى طوائف متفاوتين في إيمانهم، وفي سورة المطففين ميز بين الأبرار وبين المقربين، وقد ذكرنا جملة من الأحاديث التي تدل على أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما يتراءى الناس في الدنيا الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي، وهناك تفاوت في الأزواج، والمطاعم، والمشارب، والفرش والملبوسات، والملك، والحسن والجمال والنور، والقرب من الله ، وكثرة زيارة الله إياهم في الجنة، والمقاعد يوم المزيد، وفي أمور لا يعلمها إلا الله ﵎. وذكرنا أيضاً حديث الشفاعة، وكيف أن الذنوب تجعل أهل العصاة الموحدين يبقون في النار بقدر ذنوبهم، وهم في ذلك متفاوتون تفاوتاً عظيماً في مقدار ما تأخذ منهم النار، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم إلى ركبتيه، أو حقويه، أو كله، إلا مواضع السجود فقد حرم الله على النار أن تأكل مواضع السجود. وكذلك هم متفاوتون في مقدار لبثهم في النار، ومتفاوتون في سرعة خروجهم منها؛ لأنهم متفاوتون في الإيمان والتوحيد، فهذا كله يدل على تفاضل أهل الإيمان فيه، وأنهم ليسوا كلهم على مرتبة واحدة من الإيمان كما يزعم بعض المبتدعة. أيضاً ذكرنا أنهم لولا ما كان في قلوبهم من الإيمان والتوحيد لما خرجوا من النار، وإنما يتفاوتون في مدة أخذ النار منهم في مدة لبثهم فيها، أو سرعة خروجهم منها؛ والسبب هو تفاوتهم في الإيمان، وتفاوتهم في التوحيد الذي بسببه يخرجون منها، ولولاه لكانوا من الكفار الخالدين المخلدين فيها أبداً والعياذ بالله! فيقال للشفعاء: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان)، يعني: أن أصل التوحيد موجود في جميع أوساط أهل التوحيد، وأصل التوحيد قاسم مشترك بينهم جميعاً، لكن هذا التوحيد وهذا الإيمان متفاوت بدليل أمره لهم في الحديث: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه وزن شعيرة من إيمان، ثم من كان في قلبه ذرة من إيمان، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان) وهذا نص صريح على تفاوت أهل الإيمان فيه، وأيضاً قدمنا من قبل قول النبي ﵊: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أفضلها: لا إله إلا الله)، وهذا يدل على وجود التفاضل بين شعب الإيمان، فأين مثل هذا الشخص الذي في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان ممن الإيمان في قلبه مثل الجبل العظيم؟ وأين من نوره على الصراط كالشمس ممن نوره على إبهام قدمه؟ يقول ﵎: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]. أيضاً: أوردنا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الصحيحين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين)، يعني: قوته وشدته في دينه وزيادة إيمانه ﵁. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﵌ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحداً يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ذكره البخاري تعليقاً مجزوماً به. وقال النبي ﵌: (ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه) والمشاش هو: رأس العظام التي يمكن أن تمضغ، وهي الغضاريف، والمقصود: قوة وزيادة إيمان عمار بن ياسر ﵁. وقال ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) فهذا دليل على تفاضل أهل الإيمان فيه، قول النبي ﵊: (وذلك أضعف الإيمان)، يدل على أن الإيمان يتفاضل أهله فيه، فأقوى الإيمان لمن كان مستطيعاً أن ينكر المنكر بيده بشروطه، (فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). وكما قدمنا: إنكار المنكر بالقلب فرض عين على كل مسلم؛ لأنه لا يوجد مسلم عاجز عن الإنكار بالقلب حتى في حالة الإكراه، قال : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فلم يقل: فمن لم يستطع؛ لأنه ليس وراء ذلك إيمان، بل أضعف الإيمان إنكاره بقلبه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح). يعني: لرجح إيمان أبي بكر الصديق ﵁ على سائر أهل الأرض. وقرأ الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أول الأنفال حتى بلغ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، ثم قال حين فرغ: إن هذه الآية تخبرك أن الإيمان قول وعمل، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، فهذه الصفات التي جاءت في أول سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، إلى أن قال: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا))، قال الفضيل بن عياض: إنها تخبرك أن الإيمان قول وعمل، وإن المؤمن إذا كان مؤمناً حقاً فهو من أهل الجنة، فمن لم يشهد أن المؤمن حقاً من أهل الجنة فهو شاك في كتاب الله مكذب به، أو جاهل لا يعلم، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن حقاً مستكمل الإيمان، ولا يستكمل الإيمان إلا بالعمل، ولا يستكمل عبد الإيمان، ولا يكون مؤمناً حقاً حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه، يا سفيه! ما أجهلك! لا ترضى أن تقول: أنا مؤمن حتى تقول: أنا مؤمن حقاً مستكمل الإيمان، والله! لا تكون مؤمناً حقاً مستكمل الإيمان حتى تؤدي ما افترض الله عليك، وتجتنب ما حرم الله عليك، وترضى بما قسم الله لك، ثم تخاف مع هذا ألا يقبل الله منك. ووصف فضيل الإيمان بأنه: قول وعمل وقرأ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فقد سمى دين القيمة بالقول والعمل، فالقول: الإقرار بالتوحيد، والشهادة للنبي ﷺ ، والعمل أداء الفرائض واجتناب المحارم، وقرأ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥]، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فالدين هو التصديق بالعمل كما وصفه الله تعالى، وكما أمر أنبياءه ورسله بإقامته: ((وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) فالتفرق: ترك العمل، والتفريق بين القول والعمل، قال الله ﵎: ((فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ))، تابوا بالتوحيد، والآية هذه في حق المشركين ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، فلم يسمهم إخواناً في الدين حتى ضم العمل إلى القول. وقال فضيل: يقول أهل البدع الإيمان الإقرار بلا عمل، والإيمان واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال، ولا يتفاضلون بالإيمان، قال: فمن قال ذلك فقد خالف الأثر، ورد على رسول الله ﷺ قوله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، ومن يقول: الإيمان لا يتفاضل، يقول: إن فرائض الله ليست هي الإيمان، أي: أن الإيمان لا يتفاضل أهله فيه بناءً على أن الفرائض ليست داخلة في حد الإيمان، فميز أهل البدعة العمل من الإيمان، وفصلوا وعزلوا العمل من مسمى الإيمان؛ ولذلك قالوا: إن الناس يتفاوتون بالعمل ولا يتفاوتون في الإيمان. ومن قال ذلك فقد أعظم على الله الفرية، أخاف أن يكون جاحداً للفرائض راداً على الله أمره. ويقول أهل ال

стр. 91

الإيمان والكفر [٨] إن أهل الإيمان يتفاضلون فيه بحسب تفاوت الأعمال القلبية وأعمال الجوارح، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمن تضره المعصية، وتنقص من إيمانه، فإذا استحق دخول النار ببعض هذه الذنوب وقد مات على التوحيد فإنه لا يخلد فيها، وهذا بخلاف قول الخوارج والمعتزلة الذين يحكمون عليه بالخلود فيها.

стр. 92

تفاضل أهل الإيمان في الأعمال القلبية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آله محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. بعد أن تكلمنا في بحث مسمى الإيمان، وحقيقة الإيمان، شرعنا في دراسة ست مسائل تتعلق بمباحث في أصول الدين: الأولى: كون الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. والثانية: تفاضل أهله فيه، أي: أن أهل الإيمان متفاضلون وليسوا على مرتبة واحدة في الإيمان. الثالثة: أن فاسق أهل الملة الإسلامية لا يكفر بذنب دون الشرك ولوازمه إلا إذا استحله. والرابعة: أن المسلم الفاسق لا يخلد في النار. والخامسة: أن المسلم في العقاب وعدمه تحت المشيئة. السادسة: أن التوبة في حق كل فرد مقبولة ما لم يغرغر، سواء من كفر أو من أي ذنب كان. وقد فرغنا من الكلام على القضية الأولى: وهي أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وشرعنا في دراسة القضية الثانية وهي: أن أهل الإيمان متفاضلون فيه، كما قال حافظ حكمي: وأهله فيه على تفاضل هل أنت كالأملاك أو كالرسل والآيات والأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين في باب إثبات تفاضل أهل الإيمان أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تنكر. والمقصود بيانه أن الناس متفاوتون في الدين بتفاوت الإيمان في قلوبهم، ومتفاضلون فيه بحسب ذلك، فأفضلهم وأعلاهم في قوة الإيمان أولو العزم من الرسل. ومعروف أن أعلى أولو العزم من الرسل إيماناً هو النبي ﵌، فأعلى وأفضل الناس إيماناً هم أولو العزم من الرسل، وأدناهم وأقلهم إيماناً المخلصون من أهل التوحيد، وبين ذلك مراتب ودرجات لا يحيط بها إلا الله الذي خلقهم ورزقهم.

стр. 93

تفاوت أهل الإيمان في الأعمال الظاهرة كما يتفاوتون في مبلغ الإيمان من قلوبهم، يتفاوتون في أعمال الإيمان الظاهرة، يعني: حالات القلوب وإيمان القلوب يتفاوت من حيث قوة اليقين، وفي أعمال الإيمان أيضاً يتفاوتون، بل يتفاضلون في عمل واحد يعمله كلهم في آن واحد وفي مكان واحد، فهناك الآلاف الذين يقفون على عرفات وهم يمارسون نفس العبادة في نفس الأرض وفي نفس الوقت يوم عرفة، كلهم موجودون في مكان واحد وفي عبادة واحدة وفي وقت واحد، ومع ذلك بين الواحد منهم والآخر تفاوت عظيم الله أعلم به. أيضاً يقف الناس في الصلاة صفاً واحداً في الظاهر كلهم يصلون نفس العبادة والمكان والوقت، وهم يستوون في العمل الظاهر، لكنهم يتفاوتون في عمل القلب والخضوع والخشوع. وكما يتفاوتون في مبلغ الإيمان من قلوبهم، يتفاوتون في أعمال الإيمان الظاهرة، بل والله يتفاوتون في عمل واحد يعمله كلهم في آن واحد، وفي مكان واحد. فإن الجماعة في الصلاة صافون كلهم في رأي العين مستوون في القيام والركوع والسجود، والخفض والرفع، والتكبير والتحميد، والتسبيح والتهليل والتلاوة وسائر الأذكار، والحركات والسكنات، في مسجد واحد ووقت واحد وخلف إمام واحد، وبينهم من التفاوت والتفاضل ما لا يحصى، فهذا واحد منهم تجد قرة عينه في الصلاة وأثقل شيء عليه أن يقترب وقت التسليم حين يخرج من هذه الصلاة؛ فيود إطالتها مادام عمره، وآخر يرى نفسه في أضيق سجن، يود انقضاءها في أسرع من طرفة عين، أو يود الخروج منها، بل يتندم على الدخول فيها، وهذا يعبد الله على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يشاهد الله، وآخر قلبه في الفلوات، قد تتعدد به الضيعات، وتتفرق به الطرقات، حتى لا يدري ما يقول، ولا ما يفعل، ولا كم صلى. هذه حقيقة، فبعض الناس يتسلط عليهم الشيطان في الصلاة، فتجده متى ما دخل في الصلاة، ذكره الشيطان بكل شيء نسيه من أمور الدنيا، وكل مكان يجد فيه لذته، وأشياء كثيرة يكون نسيها في الأحوال العادية؛ فيأتي الشيطان ليذكره بها، ويظل يتشعب قلبه في كل أودية الدنيا، وتحضر كل المشاكل في أثناء الصلاة، ولا تنتهي هذه المشاكل إلا بانتهاء الصلاة، وعندما يسلم تضيع هذه المشاكل. انظر لشهر رمضان كل الناس يصومون، ثم انظر إلى التفاوت بينهم في فرحهم بهذا الشهر وابتهاجهم بدخوله واستعدادهم له، قارن مثلاً بين الذي يفرح بقدوم رمضان؛ لأنه سيرى الفوازير والتمثيليات والمسابقات ويأكل ويشرب ويتلهى ويتسلى مع أصدقائه ومعارفه، وبين من كلما مرت ساعة أو لحظة من رمضان تندم عليها؛ لأنه لم يستثمرها أكثر مما استثمرها، حتى إذا حضر آخر رمضان كأنه في مأتم، وأن أحب شيء إليه قد فارقه وهو أحوج ما كان إليه، كيف تتقطع قلوب المؤمنين بفوات رمضان وسرعة ذهابه. انظر إلى ذلك العاصي الفاسق الذي يفرح فرحاً شديداً لذهاب رمضان وانصرافه، حتى إن بعض الشعراء قال: رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق ما كان أطوله على ألافها وأقله في طاعة الخلاق قوله: (رمضان ولى هاتها يا ساقي) أي: أنه امتنع عن شرب الخمر والعياذ بالله في أثناء رمضان، فيقول فرحاً: رمضان ولى فهات هذا الخمر التي حرمنا منها في رمضان. قوله: (ما كان أطوله على ألافها) ما كان أطول شهر رمضان على عبيد الخمر والعياذ بالله الذين تعودوا عليه. فهذا يصور نفس هذا المعنى الذي نشير إليه، ولذلك كان من الكبائر أن يتمنى الإنسان بقلبه أن يتأخر رمضان، ومن علامات الإيمان عند المؤمن الصادق أنه يفرح ويتمنى أن يكون غداً رمضان، ولا يتمنى أن يكون يوم غدٍ هو الثلاثين من شعبان. هذه من الآداب القلبية التي تدل وتعكس تفاوت الإيمان في عبادة واحدة. وإذا ذهبنا نستقصي أبواب الخير في عبادة مثل الصيام يتبين لدينا بصورة واضحة تفاوت الناس في العمل الواحد، وإن اشتركوا فيه في الظاهر. وهذا ترفع صلاته تتوهج من نوره حتى تخترق السماوات إلى عرش الرحمن ، وهذا تخرج صلاته مظلمة لظلمة قلبه، فتغلق أبواب السماء دونها؛ فتلف كما تلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجه صاحبها، كما جاء في بعض الآثار أنها تقول له: (ضيعك الله كما ضيعتني). وهذا يكتب له أضعافها وأضعاف مضاعفة، وهذا يخرج منها وما كتب له إلا نصفها، إلا ربعها، إلا ثمنها، إلا عشرها، وهذا يحضرها صورة ولم يكتب له منها شيء، وهذا منافق يأتيها رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، هذا والناظر إليهم يراهم مستوين في فعلها، ولو كشف له الحجاب لرأى من الفرقان ما لا يقدر قدره إلا الله الرقيب على كل نفس بما كسبت، الذي أحاط بكل شيء علماً فلا تخفى عليه خافية. وكذلك الجهاد ترى الأمة من الناس يخرجون مع إمام واحد، ويقاتلون عدواً واحداً على دين واحد متساوين ظاهراً في القوى والعدد، فهذا يقاتل حمية وعصبية، وهذا يقاتل رياء وسمعة؛ لتعلم شجاعته ويرى مكانه، وهذا يقاتل للمغنم ليس له هم غيره، وهذا يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا هو المجاهد في سبيل الله لا غير. وهذا هو الذي يكتب له بكل حركة أو سكون أو نصب أو مخمصة عمل صالح. وهكذا الزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجميع أعمال الإيمان، الناس فيها على هذا التفاوت والتفاضل بحسب ما وقر في قلوبهم من العلم واليقين، وعلى ذلك يموتون وعليه يبعثون، وعلى قدره يقفون في عرق الموقف، وعلى ذلك يكون الوزن والصحف، وعلى ذلك تقسم الأنوار على الصراط بحسب أعمال القلوب وغيرها، وبحسب ذلك يمرون عليه، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، وبذلك يتسابقون في دخول الجنة، وعلى حسبه ترفع درجاتهم أيضاً في الجنة، وبقدره تكون مقاعدهم من ربهم ﵎ في يوم المزيد، وبمقدار ذلك ممالكهم فيها ونعيمهم، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وقضية تفاضل أهل الإيمان فيه مما يخالف فيها المرجئة وغيرهم من الفرق.

стр. 94

بيان حقيقة أن الإيمان قول وعمل الإيمان مركب من القول ومن العمل، وله معنيان: الأول: تصديق خبر الله ﵎ وإخبار رسوله ﷺ . والثاني: الالتزام بالأوامر التي أمر الله بها هؤلاء المصدقين. هل يجوز أن نحكم بالإيمان لمن صدق بقلبه فقط ولم يلتزم بالعمل؟ بمعنى آخر: هل يكون مؤمناً من شهد أن لا إله إلا الله بقلبه ولكنه لم يعمل ما أمره الله به، ولم ينته عما نهاه الله تعالى عنه؟ الجواب عن ذلك يذكره فضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه (الحد الفاصل بين الإيمان والكفر) يقول في الصفحة الخامسة عشرة: إن الفصل بين عقيدة القلب، أي: تصديقه، وبين الإذعان أي: الانقياد العملي، والتسليم لأمر الله، وفعل ما يطلبه سبحانه من المؤمنين، فصل لتقريب هذه الدراسة من الفهم، وليس له في الواقع حدوث ولا ظل. يعني: مسألة تقسيم الإيمان إلى قول وعمل، هذا في حد ذاته ليس هو أمر حقيقي، لكنه مجرد تسهيل وتبسيط لهذه الدراسة حتى نعرف مركبات الإيمان، لكن لا يعني ذلك أن الإيمان ينفصل وينفك عن العمل. فإنه لا يتصور عقلاً وجود إنسان ما يسمع كلام الله، يقول الله له: أي عبدي! إن هناك يوم قيامة، فيه سأحاسبك على أعمالك، فإن أحسنت أدخلتك الجنة، وإن أسأت أدخلتك النار، ثم يقول رداً على ذلك: أي رب! إني أصدق كلامك، وأؤمن بما تقول، ولكني أعتذر عن العمل بأوامرك؛ لأنني كسول، هل هذا يليق؟ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يعقل إيمان رجل يعلم وجوب الصلاة، ويسمع نداء الله ﵎ كل يوم وليلة من حياته يناديه: حي على الصلاة، وهو لا يستجيب لهذا النداء مرة واحدة في حياته. ويقول الشيخ: ولقد كنت أضرب مثلاً لإخواني على هذه الحقيقة فأقول لهم: أرأيتم لو أن قائلاً قال لنا ونحن جلوس الآن: إن هذا المكان تحيط به النار، وإن لم تفروا الآن لحقت بكم وأهلكتكم، أيبقى منا أحد يصدق هذا الخبر إلا بادر بالخروج والهرب، أو يعقل أن ترى بيننا إنساناً يقول لذلك النذير: لقد سمعنا مقالتك وفهمنا تحذيرك، ولكنني أعتذر عن القيام من مكاني لأني كسلان. إذا وجد شخص بهذا الطراز، فإنما هو مجنون أو مكذب بالخبر، ويستحيل أن يوجد عاقل يصدق هذا الخبر ويرد هذا الرد. فإيمان القلب وامتثال الجوارح بالإذعان والمسارعة إلى فعل المأمور به، هما في الحقيقة قضية واحدة لا انفصال بينها، فإذا وجد الإيمان في القلب فإن صاحب هذا الإيمان سوف يبادر فوراً إلى العمل والامتثال. هذا الدليل دليل عقلي، لا يماري فيه إلا مقلد أعماه التقليد، أو جاحد جاهل. أما من حيث النقل فالأدلة من أحاديث الرسول ﵌ يفهم من بعضها للنظر البادئ أن إيمان القلب وتصديقه يؤهل لدخول الجنة بعد عذاب في النار لا يعلم أمده إلا الله ، وأنه لا يخلد في النار خلوداً أبدياً كخلود الكفار المكذبين. المقصود إثبات أن تارك العمل مستحق للدخول في النار، وهو من جملة المعاقبين قطعاً؛ وهذه المسألة تمهيد لدراسة المسألة الثالثة من المسائل الستة، وهي: أن فاسق أهل القبلة مؤمن ناقص الإيمان، فربما تهاون بعض الناس في المعاصي، وظنوا أنهم بالتوحيد سوف ينجون، ويزين له الشيطان أنه سوف يدخل النار قليلاً ثم بعد ذلك يخرج مادام على التوحيد، ولا يدري المسكين أن المعاصي هي البريد الذي يقود إلى الكفر؛ فمن تساهل في الصغائر يترقى حتى يقع في الكبائر، ثم ربما هان الأمر على قلبه حتى مات، ثم ربما يستدرجه الشيطان إلى أن يوقعه في الكفر والعياذ بالله. فالمعاصي وسيلة المواصلات التي توصل صاحبها إذا أصر عليها إلى الكفر. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أنه لا يوجد إنسان عاقل أبداً يقدم على معصية الله ﵎ ويتعرض لعقابه بهذه الحجج الواهية. فالمقصود هنا في هذا البحث: أن الشخص الذي يترك العمل يستحق دخول النار، وهو من جملة المعاقبين، أما قضية الخلود في النار، وأن الخلود أساساً هو للكافرين الذين لم يوحدوا الله ﵎، فهذه قضية أخرى.

стр. 95

تارك العمل يستحق دخول النار هناك أصل لابد أن نقرره، وهو: أن فاسق أهل القبلة مؤمن ناقص الإيمان، لكن لابد أن نعرف أن تارك العمل يستحق دخول النار والمعاقبة على ذلك كما سنفصل إن شاء الله فيما بعد. وكما أن الكفر في القرآن والسنة قد يراد به الكفر الأكبر الذي يخرج الإنسان من الملة تماماً، وقد يراد به الكفر الأصغر الذي لا ينقل صاحبه عن الملة. فمسألة الخلود في النار هي الحد الفاصل بين نوعي الكفر؛ إذ الكفر الذي يخرج من الملة هو الذي يستوجب صاحبه الخلود في النار، أما الكفر الذي هو دون كفر فهو الذي لا يخرج من الملة، لكنه ينقص الإيمان وإن كان يوجب دخول النار. فالنوع الأول: يوجب لصاحبه الخلود في النار. والنوع الثاني: يوجب لصاحبه الوعيد دون الخلود في النار. وليس هذا تهويناً من شأن الكفر الأصغر، فإنك إذا تخيلت قول النبي ﵌: (يؤتى بأنعم أهل النار من أهل الدنيا، فيصبغ في جهنم صبغة، أو يغمس فيها غمسة واحدة، ثم يخرج منها ويقال له: يا ابن آدم! هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ما رأيت نعيماً قط، ثم يؤتى بأبأس وأشد أهل الجنة من أهل الدنيا، فيغمس في الجنة غمسة، ويخرج منها، فيقال له: يا ابن آدم! هل مر بك بؤس قط؟ هل رأيت شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب)، يحلف وهو صادق؛ لأن هذا الذي رآه أنساه كل ما رآه في الدنيا من بلاء، مع أنه كان أشد الناس بلاءً في الدنيا، لكنه كان مؤمناً. فإذا كان أنعم الناس في الدنيا إذا غمس في النار غمسة سوف تنسيه هذه الأهوال كل النعيم، وإذا كان أهون الناس عذاباً في النار من تكون قدماه على جمر من النار تغلي منها دماغه، فكيف يتعرض الإنسان لمثل هذه النار التي قال الله ﵎ فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]؟ هذا الإنسان الذي ينتحر ويقتل نفسه، ويضيع هذه الأمانة التي وهبها الله إياه، ويعجل الموت لنفسه، وفي الغالب يكون السبب ضائقة مالية، أو مرضاً أو بلاءً لا يصبر له، فهو لقصور عقله يريد الراحة، ولو فقه لعلم أنه يجلب لها تعباً لا يقدر قدره إلا الله ، وسيظل يتعذب بهذا العذاب إلى ما شاء الله ؛ لأنه عاجل الله بنفسه، وضيع هذه الأمانة وهذه النعمة نعمة الحياة، جاء في الحديث: (فمن تحسى سماً فسمه في يده يتحساه إلى يوم القيامة، ومن ألقى نفسه من أعلى جبل يعذب في القبر بنفس هذا العذاب إلى يوم القيامة، ويظل يلقي بنفسه من شاهق) إلى غير ذلك من الأحاديث. فالشاهد أن الشيطان قد يهون على الإنسان الأمر، ويقول: أنت على التوحيد فلا تبالي، لكن المعاصي بريد الكفر، والعاقل لا يتعرض لغضب الله ، كما يقول بعض السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت. ويقول أنس ﵁: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات. قال ﵊: (إياكم ومحقرات الأعمال؛ فإن لها من الله طالباً، وإنهن يجتمعن على رجل حتى يهلكنه، وضرب لها رسول الله ﷺ مثلاً بقوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم -أي: وقت الطعام- فجعل الرجل يجيء ببعرة، والرجل يجيء بعود، حتى جمعوا منها قدراً عظيماً وأججوا ناراً عظيمة) ومعظم النار من مستصغر الشرر. فعندما تتهاون في شيء وتضم بجانبه شيئاً آخر، حتى يضيع تعظيم حرمات الله من قلبك، فتجتمع عليك محقرات الأعمال فتهلكك بذلك. وما من شك أن النبي ﵊ لو أراد من قريش أو غيرهم ممن دعاهم إلى الإسلام الإيمان بمجرد قول كلمة لا إله إلا الله، ولا امتثال وراءها ولا أعمال ولا تكاليف؛ لسارع الناس في الدخول في الإسلام، لكنه أراد الكلمة وما بعدها من امتثال وإذعان لحكم الله ، ولذلك أخذ العهود من الأنصار على النصرة، وأخذ العهود من المهاجرين على بذل المال والهجرة، وأخذ من المهاجرين والأنصار العهود على الموت في سبيل الله ﵎، وما وعد كل أولئك إلا الجنة بعد العمل والجهاد، فهل يظن بعض ضعاف النفوس أن تكون لهم الجنة بمجرد كلمة يقولها أحدهم بلسانه لا يكلف نفسه بعدها عناء؟ لا ركوع ولا سجود ولا صيام ولا يخرج حتى قليلاً في سبيل الله، ولا يقول لله كلمة حق، ويزعم بعد ذلك أن الجنة نصيبه! هيهات هيهات، فإن الإيمان عقيدة والتزام، تصديق وعمل، وليس هناك إيمان بغير هذا.

стр. 96

أثر المعاصي على الإيمان نذكر كلاماً للأستاذ محمد سرور بن نايف زين العابدين في كتابه: (الحكم بغير ما أنزل الله وآفة الغلو) وهو أحد المراجع التي تناقش فكر ما يسمى بجماعة التكفير والهجرة. وهذا مصطلح سياسي؛ لأنهم سموا أنفسهم: جماعة المسلمين، وهذا مسمى خطير بلا شك؛ لأنه يعني أن من ليس في جماعتهم فليس مسلماً، وهذه من المجازفات التي سوف نتعرض لها إن شاء الله. وقبل أن نناقش كلامه في قضية التكفير نتقدمه بهذا التنبيه الذي فيه التحذير من المعاصي، وأن الإنسان لا يتهاون بها، وإذا كنا سنناقش فعلاً أن العاصي لا يخلد في النار، وأن الفاسق الموحد الفاسق لا يخرج من الإيمان بالكلية، وإنما ينقص إيمانه، فليس معنى هذا أن يتهاون الناس في المعاصي. يقول: حبب الله تعالى إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وأمرنا بطاعته وتقواه في السر والعلن، وحذرنا من الذنوب والمعاصي؛ لأنها تميت القلوب، وتورث الذل والندامة. يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧]. كفى المذنبين العصاة ما توعدهم به ربهم على لسان خاتم أنبيائه ﷺ ومن ذلك قوله: (لا يدخل الجنة قتات، أي: نمام). وقوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال أبو ذر: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقلت: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟! قال: المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)، يعني: التاجر حين يبيع فيحلف أنه لا يكسب منها إلا كذا وكذا، فينفق السلعة، وكما جاء في الحديث: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة). صحيح أنه يروج السلعة على المشتري، لكن في نفس الوقت هذا الحلف يذهب بركة هذا البيع، ويقول النبي ﷺ : (قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره، فويل لمن كان الله خصمه يوم القيامة)، ويل له إذا لم يسارع إلى التوبة والاستغفار، وقد خاب وخسر من لا يكلمه الله تعالى ولا ينظر إليه ولا يزكيه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. أيضاً كيف لا يقلع المسلم عن الذنوب والمعاصي وهو يقرأ تهديد الله ووعيده؟! وكيف يقع في المعصية ويغلق الباب على نفسه ويتوارى عن أعين الناس، ويخجل أشد الخجل إذا كشف أمره، أو رآه أحد من الناس؟! كيف يفعل هذا من يعلم أن الله يراه ويسمعه ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟! كيف يفعل هذا من يعلم أن ملائكة الله ترافقه في حله وترحاله، تكتب كل عمل يعمله حسناً كان أو سيئاً؟ يقول تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. ويقول الشاعر: لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى ويقول آخر: ومعظم النار من مستصغر الشرر والإصرار على المعصية مهما كانت صغيرة ظلم للنفس، واستسلام للهوى، وانقياد لأوامر الشيطان، قال النبي ﵌: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء) المقصود بقوله: (تعرض الفتن)، أي: تلصق الفتن بالقلوب كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه، فمن نام على الحصير وقد كشف عن جنبه فتجد أن الحصير ينطبع أثره بجسده، ويؤثر في جنبه ويترك الخطوط الطويلة للحصير. فهذا هو أثر الفتن والمعاصي على القلب، لا بد أن تنطبع عليه وتؤثر فيه. قوله: (فأي قلب أشربها)، أي: تمكنت منه وحلت محل الشراب، مثل قوله ﵎: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]، المقصود: أشربوا في قلوبهم حب العجل، وإن كان بعض المفسرين يفسرون تفسيراً بظاهره: أنهم لما ألقي العجل الذي كان يعبده بنو إسرائيل في اليم، شربوا هذا الماء، فيفسرونه تفسيراً حسياً، ولكن المقصود: ((وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ))، يعني: اشربوا في قلوبهم حب العجل، ومنه قولهم: بياض مشرب بحمرة، أي: خالطته مخالطة لا انفكاك لها. (فأي قلب أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها -أنكر الفتن وتبرأ منها- نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً -شدة البياض في سواد، وقيل: أي لونه بين السواد والغبرة- كالكوز مجخياً -يعني: مائلاً أو منكوساً- لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه). وقال ﷺ : (إن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وفي رواية: حتى تغلق قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى فيه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]). فالآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً، وهذا يبين فساد قول المرجئة ومن نحا نحوهم، ممن يعتقدون بأنه لا يضر مع الإيمان معصية؛ لأن نفس معنى كلمة الإيمان يدخل في مركباتها بجانب التصديق العمل. الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فعملية فصل الإيمان إلى قول وعمل هي مجرد مسألة لتسهيل دراسة القضية فقط، ولمعرفة مركبات الإيمان، وليس معناها أن يفصل الإيمان عن العمل بحيث يقال: إن عدم العمل لا يؤثر في صحة الإيمان وقوته. فانظر إلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين رضي الله ﵎ عنهم ورضوا عنه، كيف كانوا يرجون رحمة الله ويخشونه أشد الخشية، ويخافون من ناره ويطمعون في جنته، يقول الله : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٥ - ٥٦]. لا بد من الإحسان بالقول وبالعمل. ويقول ﵎: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] ويقول سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقال تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، فأطلق الرجاء على العمل. لأن من طلب شيئاً استلزم رجاؤه ثلاثة أمور: أولاً: محبة ما يرجوه. ثانياً: خوفه من فواته. ثالثاً: سعيه في تحصيله حسب الإمكان. لو أن إنساناً أراد أن ينجح في الثانوية العامة، فهذا أمل بالنسبة إليه، فأول شيء أنه يحب هذا الشيء الذي يرجوه، حتى يكون راجياً له يحبه، ثم يخاف من فواته، يخاف أن يرسب أو لا يأتي بالمجموع الذي يريده، ثم يسعى في تحصيله حسب الإمكان. فبدون هذه الأركان يعد رجاؤه غروراً واغتراراً، بل لا يعد ولا يسمى رجاءً، بل يسمى حماقة، فمن يقول: نم وارتاح وسيأتيك النجاح، يضحك الناس منه. بل لابد من أخذ الأسباب ومن السعي في تحصيلها بحسب الإمكان، ويفرح إذا حصل ويحزن إذا فاته هذا الأمر، وهذا في كل أمور الدنيا، الإنسان إذا رجا أن يزرع ويحصد لابد أن يبذر، ويعالج الأرض ويسقي الزرع ويرعاه، حتى يحصل هذه الثمرة وهذه النتيجة، لكن من يقول: أنا موحد والله معي، ثم يقصر في الأسباب، فهذا لا يكون رجاء، فإنما يكون الرجاء الحقيقي إذا انضمت إليه هذه الأركان الثلاثة. يقول الله ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] قوله: ((يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)) أي: بالأعمال الصالحة. فمن الاغترار بالله أن يزين الإنسان لنفسه ويتعلق بنصوص الرجاء، ويظن أن يحصل له النجاة والسلامة دون أن يسعى في تحصيلها بما أمكنه من الأسباب.

стр. 97

فاسق أهل القبلة مؤمن ناقص الإيمان المسألة الثالثة: فاسق أهل القبلة مؤمن ناقص الإيمان، لا نقول: مؤمن مطلقاً، ولا نقول: غير مؤمن مطلقاً. يعني: لا هو يكفر ولا يبقى إيمانه سليماً، بل فاسق أهل القبلة الذي خرج عن طاعة ربه بفعل المعاصي يترتب على ذلك أنه لا يوصف بالإيمان التام، كالمؤمن الذي اتقى هذه المعاصي، ولا يسلب عنه مطلق الإيمان، وإنما يقال: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه وتصديقه فاسق بمعصيته. يقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀: والفاسق الملي ذو العصيان لم ينف عنه مطلق الإيمان لكن بقدر الفسق والمعاصي إيمانه ما زال في انتقاص يعني: أن فاسق أهل القبلة لا ينفى عنه مطلق الإيمان بفسوقه، المؤمن الموحد إذا ارتكب معصية لا ينفى عنه مطلق الإيمان، ولا يقال: هو غير مؤمن تماماً، ولا يوصف أيضاً في نفس الوقت بالإيمان التام، لكنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. والمراد بالفسق هنا هو الأصغر، وهو عمل الذنوب والكبائر التي سماها الله ورسوله فسقاً وكفراً وظلماً، مع إجراء أحكام المؤمنين على عاملها، فإن الله تعالى سمى الكاذب فاسقاً، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، ومع هذا لم يخرج ذلك الرجل الذي نزلت فيه هذه الآية من الدين بالكلية، ولم ينف عنه الإيمان مطلقاً، ولم يمنع من جريان أحكام المؤمنين عليه. كذلك أيضاً في الآية: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١]، وكذلك قال النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، وقال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقد استبَّ بعض الصحابة على عهده وفي حضرته ﷺ ، وأصلح بينهم ولم يكفرهم، بل بقوا أنصاره ووزراءه في الدين. وقال ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، وصفهم بالإيمان مع وقوع الاقتتال، ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، وسمى وأمر بالإصلاح بينهما ولو بقتال الباغية، ثم قال: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، ثم لم ينف عنهم أخوة الإيمان، بل أثبت أخوة الإيمان مطلقاً، فقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]. أيضاً قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فأثبت أيضاً الإيمان بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، ثم قال: ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ))، فأثبت أخوة الإيمان، لكن نذكر أنفسنا هنا بأنه ليس الإيمان المطلق، صحيح وصفهم بالإيمان، لكن القاتل يعتبر مؤمناً بإيمانه فاسقاً بكبيرته أو معصيته، أو هو مؤمن ناقص الإيمان بسبب هذه المعصية، كذلك هؤلاء الذين قال لهم النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، سماهم أيضاً مسلمين بعد أن رجعوا كذلك، فقال في صفة الخوارج: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق)، تنبأ ﵊ بحصول فرقة بين المسلمين، وهو ما كان بين معاوية ﵁ وجيشه، وما كان من علي ﵁ وجيشه، فهذه فرقة من المسلمين، فأثبت لهم صفة الإسلام، ثم قال: (تمرق مارقة) في هذه الفترة وهي فرقة الخوارج. وقال ﵊ في الحسن بن علي ﵄: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله تعالى به بين فرقتين عظيمتين من المسلمين)، فأصلح الله تعالى بالفعل بـ الحسن ﵁ بين هاتين الفرقتين بعد موت أبيه ﵄ في عام الجماعة. لا فرق بين تسمية العمل فسقاً وتسمية عامل هذا العمل فاسقاً، وبين تسميته مسلماً وجريان أحكام المسلمين عليه؛ لأنه ليس كل فسق يكون كفراً، ولا كل ما سمي كفراً وظلماً يكون مخرجاً من الملة، حتى ينظر إلى لوازمه وملزماته؛ وذلك لأن الكفر والظلم والفسوق والنفاق جاءت في النصوص على قسمين: أكبر يخرج من الملة لمنافاته أصل الدين بالكلية، والضابط الذي يميز بين الكفر الأكبر والأصغر هو الخلود في جهنم والعياذ بالله. أما ما دون ذلك فهو الأصغر. أما الأصغر فهو الذي ينقص الإيمان ولا يخرج صاحبه من الملة بالكلية، فهناك كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، ونفاق دون نفاق، يقول ﵎ في بيان الكفر الأكبر: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٧ - ١٦٩] هذا في الكفر الأكبر. وقال ﷺ في الكفر الأصغر: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر). وقال تعالى في الظلم الأكبر: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، وقال في الظلم الأصغر: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١]، فقوله: ((وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ))، هذا ظلم دون ظلم، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. فهذا ظلم، لكن دون ظلم الشرك. وقال في الفسق الأكبر: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، وقال أيضاً: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:٢٦]. وقال في النفاق الأكبر: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقال ﷺ في النفاق الأصغر: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر). فهذه الخصال كلها نفاق عملي لا يخرج من الدين إلا إذا صاحبه النفاق الاعتقادي المتقدم. إن ما تمسك به الخوارج والمعتزلة وأضرابهم من التشبث بنصوص الكفر والفسوق الأكبر، واستدلالهم به على الأصغر، فذلك مما جنته أفهامهم الفاسدة وأذهانهم البعيدة وقلوبهم الغلف. فضربوا نصوص الوحي بعضها ببعض، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فقالت الخوارج: المصر على كبيرة من زنا، أو شرب خمر، أو ربا كافر مرتد خارج من الدين بالكلية، لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولو أقر لله تعالى بالتوحيد وللرسول ﷺ بالبلاغ، وصلى وصام وزكى وحج وجاهد، وهو مخلد في النار أبداً مع إبليس وجنوده، ومع فرعون وهامان وقارون. وقالت المعتزلة: العصاة ليسوا مؤمنين ولا كافرين، ولكن نسميهم فاسقين، فإذا سألناهم ما معنى الفسق عندكم؟ قالوا: الفسق منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر، وهذا هو أصل بدعة التوقف، يقول: أتوقف حتى يتبين لي، ولا نحكم له بإسلام ولا بكفر، وهذا إن شاء الله سنناقشه بالتفصيل. لكن المعتزلة قضوا بتخليده في النار أبداً، فوافقوا الخوارج مآلاً، وخالفوهم مقالاً، وكان الكل مخطئين ضلالاً. وقابل ذلك المرجئة، وكانوا على الطرف الأقصى، يعني: هؤلاء غلو، وأما المرجئة ففرطوا، وقالوا: لا تضر المعاصي مع الإيمان، يعني: المعاصي لا تحدث النقص في الإيمان ولا تنافيه؛ لأن الإيمان عندهم هو مجرد القول فقط أو المعرفة، وقالوا: ولا يدخل النار أحد بذنب دون الكفر بالكلية، ولا تفاضل عندهم بين إيمان الفاسق الموحد، وبين إيمان أبي بكر وعمر، فالفاسق الذي وحد الله وأتى بالمعرفة والقول فقط إيمانه تماماً مثل إيمان أبي بكر ومثل إيمان عمر، بل إيمانه مثل إيمان جبريل، بل إيمانه مثل إيمان النبي محمد ﵌. بل لا تفاضل بينهم وبين الملائكة، ولا فرق عندهم بين المؤمنين والمنافقين، يلزم من هذا على قول المرجئة: أنه لا يوجد شيء اسمه نفاق؛ لأن المؤمن والمنافق أتوا بنفس القول؛ والكل مستوف النطق بالشهادتين كما قدمنا اعتقادهم في بحث الإيمان، نسأل الله تعالى العافية.

стр. 98

عقيدة الخوارج والمعتزلة والمرجئة في الفاسق من أهل القبلة إن ما تمسك به الخوارج والمعتزلة وأضرابهم من التشبث بنصوص الكفر والفسوق الأكبر، واستدلالهم به على الأصغر، فذلك مما جنته أفهامهم الفاسدة وأذهانهم البعيدة وقلوبهم الغلف. فضربوا نصوص الوحي بعضها ببعض، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فقالت الخوارج: المصر على كبيرة من زنا، أو شرب خمر، أو ربا كافر مرتد خارج من الدين بالكلية، لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولو أقر لله تعالى بالتوحيد وللرسول ﷺ بالبلاغ، وصلى وصام وزكى وحج وجاهد، وهو مخلد في النار أبداً مع إبليس وجنوده، ومع فرعون وهامان وقارون. وقالت المعتزلة: العصاة ليسوا مؤمنين ولا كافرين، ولكن نسميهم فاسقين، فإذا سألناهم ما معنى الفسق عندكم؟ قالوا: الفسق منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر، وهذا هو أصل بدعة التوقف، يقول: أتوقف حتى يتبين لي، ولا نحكم له بإسلام ولا بكفر، وهذا إن شاء الله سنناقشه بالتفصيل. لكن المعتزلة قضوا بتخليده في النار أبداً، فوافقوا الخوارج مآلاً، وخالفوهم مقالاً، وكان الكل مخطئين ضلالاً. وقابل ذلك المرجئة، وكانوا على الطرف الأقصى، يعني: هؤلاء غلو، وأما المرجئة ففرطوا، وقالوا: لا تضر المعاصي مع الإيمان، يعني: المعاصي لا تحدث النقص في الإيمان ولا تنافيه؛ لأن الإيمان عندهم هو مجرد القول فقط أو المعرفة، وقالوا: ولا يدخل النار أحد بذنب دون الكفر بالكلية، ولا تفاضل عندهم بين إيمان الفاسق الموحد، وبين إيمان أبي بكر وعمر، فالفاسق الذي وحد الله وأتى بالمعرفة والقول فقط إيمانه تماماً مثل إيمان أبي بكر ومثل إيمان عمر، بل إيمانه مثل إيمان جبريل، بل إيمانه مثل إيمان النبي محمد ﵌. بل لا تفاضل بينهم وبين الملائكة، ولا فرق عندهم بين المؤمنين والمنافقين، يلزم من هذا على قول المرجئة: أنه لا يوجد شيء اسمه نفاق؛ لأن المؤمن والمنافق أتوا بنفس القول؛ والكل مستوف النطق بالشهادتين كما قدمنا اعتقادهم في بحث الإيمان، نسأل الله تعالى العافية.

стр. 99

عقيدة أهل السنة في الفاسق من أهل القبلة عقيدة أهل السنة على أن الفاسق من أهل القبلة مؤمن ناقص الإيمان، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم فينفى عنه الإيمان بالكلية، وإنما يقال: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه وما معه من التصديق، فاسق بكبيرته ومعصيته. والكفر والفسوق والعصيان والظلم والنفاق والشرك والجهل منه ما يخرج من الملة، ومنه ما هو دون ذلك، فهناك كفران: كفر أكبر يخرج من الملة، وكفر دون كفر، وكذلك النفاق والشرك وغير ذلك. والحد الفاصل بين النوعين هو ما يترتب على الفعل من الخلود في النار، فإن ترتب الخلود في النار فهو كفر أكبر، وإن كان لا يترتب عليه الخلود في النار فهو كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك. فهناك مجموعة من الأدلة تثبت أن المؤمن تضره المعصية وتنقص من إيمانه، وإن استحق دخول النار، لكنه إن مات على التوحيد لا يمكن أن يخلد في النار، فأهل النار نوعان: منهم من يخلدون في النار كسائر المشركين والكفرة الذين كفروا بالله ﵎، وأشركوا معه غيره. أما الطائفة الأخرى، فهم الذين لا يخلدون في النار، وهم أهل التوحيد الذين لم يشركوا بالله ﵎ شيئاً، ولكن لهم ذنوب كثيرة فاقت سيئاتهم، وغلبت على حسناتهم، وخفت موازينهم، فأولئك يدخلون النار ويبقون فيها أمداً يعلمه الله ﵎، ثم يخرجون منها إما بشفاعة الشافعين، أو برحمة الله ﵎، حتى إن الله بمحض رحمته ومشيئته يخرج أقواماً لم يعملوا خيراً قط، لكن هم من أهل التوحيد، ولا يخرج من النار إلا من مات على التوحيد: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢]، ولذلك كانت كثير من النصوص تثبت أن من فعل هذه الذنوب، فإنه يتوعد بدخول النار.

стр. 100

الإيمان والكفر [٩] كثيرة هي النصوص التي أتت بإثبات العذاب لعصاة الموحدين الذين ماتوا قبل أن يتوبوا من ذنوبهم تلك، وكثير هي أيضاً تلك النصوص التي أتت بإثبات خروجهم من النار كأحاديث الشفاعة، ولا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، لكن ينبغي للمسلم أن يحذر الذنوب والمعاصي؛ لأنها بريد الكفر، وطريق النار.

стр. 101

شرح حديث: (ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة) ما زلنا في استعراض المباحث الستة المتعلقة بمسائل الإيمان والكفر، وأنهينا الكلام فيما سبق على فاسق أهل القبلة، وأن الفاسق من أهل القبلة مؤمن ناقص الإيمان، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم فينفى عنه الإيمان بالكلية، وإنما يقال: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه وما معه من التصديق، فاسق بكبيرته ومعصيته، وذكرنا أمثلة كثيرة على أن الكفر والفسوق والعصيان والظلم والنفاق والشرك منه ما يخرج من الملة ومنه ما هو دون ذلك، فهناك كفران: كفر أكبر يخرج من الملة، وكفر دون كفر، وكذلك النفاق والشرك وغير ذلك. والاعتقاد بعقائد الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة شذوذ، وهذا من أكبر الضلال الذي يستوجب فساد العقيدة، وبالتالي دخول النار. فقد روى أبو داود والدارمي والإمام أحمد والحاكم وغيرهم عن أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵄ أنه قال: (ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) قال الحاكم بعد أن ساق أسانيده: هذه الأسانيد تقام بها الحجة. وصحح بها الحديث، ووافقه الذهبي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو حديث صحيح مشهور، وصححه الشاطبي في الاعتصام وغيره من العلماء. إلا أن الشيخ صديق حسن خان في كتابه: (يقظة أولي الاعتبار) ذهب إلى أن هذه الزيادة في آخر الحديث: (كلها في النار إلا واحدة)، قال: هذه زيادة ضعيفة، ونقل تضعيف هذه الزيادة عن شيخ شيوخه الشوكاني، ومن قبله ابن الوزير، ومن قبله أيضاً ابن حزم، واستحسن قول من قال: إن هذا الزيادة من دسيس الملاحدة؛ فإن فيها التنفير عن الإسلام والتخويف من الدخول فيه، وهذا غير صحيح من الناحية الحديثية، فالنقد العلمي الحديثي كما قال بذلك الجهابذة المحققون دل على صحة هذه الزياد: (كلها في النار إلا واحدة) فلا عبرة بقول من ضعفها إذا كان ليس من أهل العلم الراسخين في علم الحديث، كما قال الإمام الحافظ العراقي ﵀ في ألفيته: فاعن به ولا تخضن بالظن ولا تقلد غير أهل الفن قوله: (فاعن به) أي: علم الحديث. فينبغي للحكم بالتصحيح والتضعيف أن يتحرى اتباع أهل فن وعلم الحديث الخبراء فيه، وإلا يكون غير ممتثل تلك البيعة التي بايع عليها الصحابة ﵃ النبي ﵊: (وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله)، فيترك الأمر لأهله أهل الحديث؛ إذ هم الذين يتكلمون، فعلماء الحديث صححوا هذا الحديث، والتقليد الذي أشار إليه الحافظ العراقي ليس هو التقليد المذموم في الفقه الذي هو أخذ قول غيره بغير دليل في المسائل الفقهية، لكن التقليد هنا من باب قبول شهادة هذا العالم أو الإمام الذي حكم بالتصحيح؛ لأن قول الإمام العراقي أو غيره من الأئمة: هذا الحديث صحيح، يعني: أنه تحرى وتتبع طرق الحديث ورجاله إلى أن حكم عليه بهذه الصحة. المقصود أن من صحح هذه الزيادة أكثر وأعلم من ابن حزم، خاصة أنه معروف عند أهل العلم بالتشدد في نقل الأحاديث، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة، فكيف وقد خالفه هؤلاء الأئمة. أيضاً ابن الوزير يرد هذه الجهة من جهة المعنى لا من جهة الإسناد، قال: إن فيها تنفيراً عن دخول الإسلام. وهذا يقتضي أن الذي يدخل الجنة من هذه الأمة قليل، بينما النصوص الثابتة الصحيحة تدل على أن الداخلين من هذه الأمة الجنة كثير، وأنهم سيبلغون نصف أهل الجنة. كيف يكون الجواب؟ يجاب عليهم أولاً: بأن الثلاث والسبعين فرقة كلهم من أهل القبلة، ولكن الفرقة الواحدة التي هي أهل الجماعة يدخلون الجنة، ولكن الفرق الاثنتين والسبعين لها نصيب من النار، وسوف يدخلون الجنة. ثانياً: أنهم لا يخلدون في النار. ثالثاً: ليس معنى أن الأمة ستنقسم إلى ثلاثة وسبعين فرقة أن يكون أكثر هذه الأمة في النار؛ لأن أكثر هذه الأمة عوام لم يدخلوا في تلك الفرق، وعدد الفرق الضالة بالنظر إلى مؤسسيها والذين يضعون قواعدها وأصولها قليل؛ فهؤلاء هم الذين يشذون ويستحقون ذلك الوعيد، أما العوام فهم من أهل السنة، وما من شك أنهم الأغلبية في كل عصر وفي كل مصر. رابعاً: ليس كل من خالف أهل السنة في مسألة من المسائل يعد من الفرق المخالفة للسنة، بل المراد بهؤلاء الذين يتبنون أصولاً تصيرهم فرقة مستقلة بنفسها تركوا من أجلها نصوصاً كثيرة من الكتاب والسنة؛ كالخوارج والمعتزلة والرافضة. أما الذين يتبنون الكتاب والسنة ولا يحيدون عنهما، فكونهم يختلفون في مسألة من المسائل أو مسألتين فليسوا بذلك يعدون فرقة من الفرق. خامساً: هذه الزيادة، وهي: قوله صلى الله عليه وسل (كلها في النار إلا واحدة)، دلت على أن الفرق المخالفة في النار لكنها لم توجب لها الخلود في النار، مع أن بعض هذه الفرق لديها بعض البدع التي تكفر وتخرج من الملة وتخلد أهلها في النار، كغلاة الشيعة الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر كالإسماعيلية والنصيرية والبهائية ونحو ذلك، حتى إنه وجد في مصر من طالبوا بأن يوضع في خانة الديانة في البطاقات الشخصية بدل مسلم يكتب: بهائي، وهذا مما طالب به بعض البهائية منذ زمن. المقصود أن أهل هذه الفرق الذين شذوا عن أهل السنة والجماعة لا يستوجبون بذلك في كل الأحوال الخلود في النار، بل منهم فرق قليلة تخرج من الإسلام بالكلية وتستوجب الخلود في النار كهذه الفرق، ومنهم من خالف أهل السنة في مسائل عظيمة كبيرة من مسائل أصول الدين، لكنها لا تصل إلى حد الكفر. فهؤلاء وإن لم يكن لهم وعد مطلق بدخول الجنة، لكنهم تحت مشيئة الله ﵎ إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، وقد تكون لبعضهم أعمال عظيمة صالحة تنجيهم من النار، وقد يخرجون من النار بشفاعة الشافعين، وقد يدخلون النار ويمكثون فيها ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين ﵎. يوجد قسم من الفرق التي تستوجب دخول النار بسبب الذنوب ولا يخلد أصحابها في النار وإن دخلوها بسبب هذه الذنوب.

стр. 102

ذنوب توعد الشرع أهلها بالنار

стр. 103

الامتناع عن الهجرة أما عن الممتنعين من الهجرة من ديار الكفار مع القدرة؛ فلا يجوز للمسلم أن يقيم في دار الكفر إذا وجدت دار الإسلام، خصوصاً إذا كان مكثه في دار الكفر يعرضه للفتنة في دينه، فالله ﵎ لم يقبل عذر الذين تخلفوا عن الهجرة، وأخبرنا في القرآن الكريم كيف أن الملائكة تبكت وتوبخ هذا الصنف من الناس، وذلك حينما تأتيهم عند الاحتضار وعند خرج أرواحهم؛ وكذلك الملائكة لا تعذرهم حينما يدعون أنهم كانوا مستضعفين في الأرض، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٧ - ٩٨]، فلم يعذر الله من هؤلاء الذين أقاموا وسط الكفار بمحض إرادتهم، إلا المستضعفين الذين لا يجدون حيلة للخروج، ولا يهتدون إلى الطريق الذي يوصلهم إلى دار الإسلام، أما اليوم فللأسف الشديد صارت كلمة الهجرة يراد بها الهجرة إلى أستراليا أو أمريكا أو أوروبا، بدلاً من أن تكون الهجرة من دار الكفر إلى بلاد المسلمين انعكس الحال وصارت الهجرة عندهم إلى بلاد الكفرة، غير مبالين بذلك الوعيد الشديد، وغير مبالين بقول النبي صلى الله عليه وآله سلم: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين)، وقال ﷺ : (برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في ديارهم)، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة. وفي الحقيقة كان كثير من الإخوة يثير هذه القضية لسبب أو لآخر، فكان مما قلت في بعض المناسبات لأحد الإخوة: إن هذه السفارات التي تشتكي من الزحام على أبوابها بالذات سفارة أمريكا وغيرها لو أنهم فقهوا لعلقوا جزءاً من آية في سورة البقرة على باب القنصلية الأمريكية والسفارة الأمريكية، فلعل بعضاً أو كثيراً من المسلمين يرعوي إذا رأى هذه الآية، هذا الجزء من الآية هو قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، لو أنهم علقوها على أبواب القنصليات والسفارات لأبى الشباب أن يخرج من بلاد المسلمين إلى حيث لا أذان إلا ما شاء الله، وحيث الفتن العظيمة والدنيا التي تفتن الناس، فتنة الأهل والأولاد والمعاصي، وحيث الكفر عال وظاهر، وحيث المنكر معروفاً والمعروف منكراً، حيث ضعف الدين فلا تكاد تجد إنساناً يذهب إلى هذه الأماكن ويرجع أحسن مما كان، فمن ذهب إليها وعاد بإيمانه سليماً فهذه بطولة، أما أن يزيد فليس هناك مظنة الزيادة في الدين، لكن مظنة الدين أن تنتقل إلى المكان الذي يكون فيه دينك أقوى، حتى لو كان في غير البلاد الإسلامية، في بعض البلاد قد يعاني المسلم إما من ضيق الرزق أو غير ذلك من الأذى؛ فيبحث عن المكان الذي يعينه على دينه أكثر، فيكون المقياس ما هو الأسلم لدينك؟ ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر:١٠]. كما قال تعالى، وهي ما زالت واسعة وسوف تبقى واسعة لكن العبرة بالصدق، فمن تحرى وأخذ بالأسباب؛ فإن الله ﵎ وعد من يتقيه بأن يجعل له مخرجاً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، فإذا أنت حاولت وعانيت ثم لم تجد مخرجاً؛ فهذا يدل على أن في تقواك نقصاً ولم تحقق التقوى، حقق فعل الشرط وعلى الله جوابه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢] فمن لم يتق الله لا يجعل الله له مخرجاً، فمن أراد أن يعالج أزمة ضيق الرزق بالخروج إلى بلاد الكفار وربما هناك يشتغل في المحرمات والشبهات كالخمر والخنزير، وربما بأفعال غير مناسبة للمسلم وتتصادم مع عقيدته ودينه فهذا لم يتق الله، فكيف يظن أن الله سيجعل له مخرجاً؟! على أي حال هذه من الذنوب التي يتهاون فيها كثير من الناس؛ لضعف تعظيم الدين في قلوبهم إلا من رحم الله، هناك حالات استثنائية بلا شك لكن ليس كل من يذهبون يخضعون لهذا الاستثناء، فالناس هناك إما معذورون وإما آثمون ببقائهم في وسط ديار الكفار، حتى تصل الفتنة والعياذ بالله ببعض الناس من شدة حاجتهم إلى المال أن ينضم إلى الجيش الأمريكي؛ لما يعطى من المميزات والأموال.

стр. 104

الجور في الحكم من هؤلاء الذين توعدهم الله ﵎ بالنار وهم من أهل التوحيد: الجائرون في الحكم، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، وفرض على الحكام والقضاة الحكم بالعدل وعدم الجور: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨]. يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه عنه بريدة بن الحصيب ﵁: (القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)، هذا الثالث قضى للناس على جهل حتى لو صادف حكمه الحق فإنه يكون في النار؛ لأنه قضى بجهل.

стр. 105

الكذب على رسول الله ﷺ من هذه الذنوب الخطيرة: الكذب على رسول الله ﵌، وقد تواتر عنه ﵌ قوله: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، هذه من كبائر الذنوب والعياذ بالله، وقال ﵊: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد)؛ لأن الكذب على النبي صلى الله عليه وآله سلم يستوجب أن يضاف إلى الشريعة ما ليس منها؛ لأن سنته حجة، فأهل السنة يعتبرون هذا من الكبائر المهلكة المستوجبة دخول النار، وإن لم يكفروا صاحبها ويخلدوه في النار خلافاً للخوارج.

стр. 106

الكبر من هذه الذنوب: الكبر، يقول ﷺ : (يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار)، وفي رواية: (أذقته النار). وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً. فقال ﷺ : إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق، وغمط الناس)، رواه مسلم.

стр. 107

قتل النفس التي حرم الله من هذه الذنوب: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وهذا الذنب بالذات من الأشياء المختلف في خلود صاحبها في النار، لكن عموم أهل السنة والراجح: أن قاتل النفس ليس مخلداً في النار، بل هو تحت مشيئة الله ﵎، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، فلا يجوز أبداً قتل النفس التي حرم الله إلا بإحدى ثلاثة أفعال كما جاء في الحديث المتفق عليه من قول النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس -قصاص-، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، يعني: المرتد المفارق لجماعة المسلمين، ومما يؤسف له تلاعب بعض الجماعات الجاهلة والمبتدعة بمثل هذه النصوص، فيستدلون بهذه النصوص التي وردت بشأن جماعة أهل الإسلام وجماعة المسلمين في حق جماعتهم، فإن من يخرج عن جماعتهم يستحلون قتله، بسبب سوء فهمهم لمثل هذا النص، كما حصل من جماعة التكفير والهجرة، أو بتعبير أدق كما كانت تسمي نفسها: جماعة المسلمين، بمعنى أنهم هم جماعة المسلمين ومن لم يدخل في جماعتهم ويبايع أميرهم فليس من المسلمين، وهو خارج عن الإسلام وكافر، ويجب الانتماء لهذه الجماعة حتى تكون مسلماً، فهذا أيضاً من التلاعب بنصوص الوحي من السنة الشريفة، إنما المقصود بقوله: (التارك لدينه المفارق للجماعة)، ما جاء في الرواية الأخرى: (قتل النفس التي حرم الله، أو زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان)، وقال ﵊: (لم يزل المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وقال ابن عمر ﵄: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله). وحذر النبي ﷺ المسلمون أن يقاتل المسلمين بعضهم بعضاً، وأخبر أن القاتل والمقتول في النار، فعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقيل: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)، ولذلك فإن ذلك العبد الصالح ابن آدم أبى أن يقاتل أخاه خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٧ - ٢٩].

стр. 108

أكل الربا من هذه الذنوب التي تستوجب دخول النار: أكل الربا، يقول الله ﵎ في حق الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله إياه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣١] مع أن الخطاب للمؤمنين لكن يذكر بعض العلماء أنها أخوف آية في القرآن؛ لأن الله يخوفهم هذه النار إذا أكلوا الربا، فهو يخوفهم النار التي خلقت أصلاً للكافرين، ((وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ))، ومعروف أن النبي ﵊ عد أكل الربا من السبع الموبقات، فقال في الحديث: (اجتنوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).

стр. 109

أكل أموال الناس بالباطل أيضاً من هؤلاء الذين يستوجبون عذاب النار: الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، فهذا من الظلم العظيم الذي يستوجب العقوبة بالنار، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠]، وما أكثر صور أكل أموال الناس بالباطل في هذا الزمان، كأكل أموال اليتامى ظلماً، وخص الله ﵎ هذه المعصية بالذكر لضعف اليتامى عن متابعة أموالهم، وسهولة أكل أموالهم ممن لا خلاق له، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠].

стр. 110

التصوير أيضاً من أشد الناس عذاباً حتى لو كان من الموحدين: المصورون الذين يضاهئون ويتشبهون بخلق الله ﵎، ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أشد الناس عذاباً عند الله المصورون)، وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فيعذبه الله في جهنم)، متفق عليه، وقال ﵊ لـ عائشة في النمرقة التي كان فيها التصاوير (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم) يعني: أنتم تتشبهون بفعل الله فهيا أحيوا ما خلقتم. ووصل افتتان بعض هؤلاء المصورين أنه بعدما صنع بعض التماثيل، ومن شدة فتنته وخذلان الله إياه أنه صرخ في التمثال بعدما صنعه قائلاً: هيا انطق، إمعاناً في مضاهاة خلق الله ﵎، فتصوير ذوات الأرواح هذا من خصائص الله ، فلا يجوز للإنسان أبداً أن يرسم بيده صورة شيء له روح أو تماثيل، والتصوير نقطة، واتخاذ التصاوير نقطة أخرى، فحتى من يبيح بعض أنواع التصوير فعليه أيضاً ألا يبيح اتخاذها وتعلقيها في مواطن التعظيم على هيئة التوقير، كما يفعل بصور المشايخ والأقارب والأجداد؛ فهذا من أقبح الذنوب، واتخاذ الصور معصية إضافية بجانب ذنب التصوير في حد ذاته، فينبغي ألا تتخذ وألا تصور، وقال ﵊: (أشد الناس عذاباً الذين يضاهون بخلق الله)، يعني: يتشبهون بخلق الله ﵎، فالذي يصور وينازع الله ﵎ في هذه الخصيصة، من تصوير ذوات الأرواح، فهو يضاهي ويتشبه بفعل الله، فكما يحرم تشبيه الله بخلقه، يحرم تشبه المخلوق بفعل الخالق الذي اختص به الله ﵎. ويقول النبي ﵊: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة) متفق عليه. ومعروف أن هناك فرقاً من اليهود والنصارى يحرمون التصوير، فلسنا وحدنا المتطرفين في هذا الباب مع التجوز في هذا التعبير، ففي فترة من الفترات أعلن عن أحداث معينة حصلت في المسجد الأقصى عن طائفة من اليهود لعنهم الله، كانوا يتظاهرون ويستنكرون التصوير، ويقولون: الدين اليهودي لا يبيح التصوير، فلذلك هم يستنكرون ذلك، ووصفوهم آنذاك بالتطرف، وأيضاً توجد طوائف من النصارى تحرم التصوير، وتحرم اتخاذ الصور والتماثيل.
следующие страницы →