بالدية على عاقلتهم في ثلاث سنين، وقال ابن أبي مالك: هذا قوله الآخر، وكان ما ذكر في هذه الرواية قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف الأول، إلى هنا لفظ المحيط.
ثم أقول: بقي هاهنا إشكال وهو أنه قد مر في باب اليمين من كتاب الدعوى أن من ادعى قصاصا على غيره فجحد استحلف بالإجماع، ثم إن نكل عن اليمين فيما دون النفس يلزمه القصاص، وإن نكل في النفس حبس حتى يحلف أو يقر عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لزمه الأرش في النفس وفيما دونها. انتهى.
فمقتضى إطلاق ذلك أن يكون موجب النكول في القسامة أيضا هو القضاء بالدية دون الحبس عند أبي يوسف ومحمد، وإن ادعى ولي القتيل القصاص مع أن المذكور في عامة الكتب أن يكون موجب النكول في القسامة هو الحبس إلى الحلف بلا خلاف فيه من أبي يوسف ومحمد، كما هو ظاهر الرواية، نعم، قد ذكر أيضا في المحيط والذخيرة. أنه روى الحسن بن زياد عن أبي يوسف: أنه يقضى بالدية في القسامة أيضا عند النكول. لكن يبقى إشكال التنافي بين ما ذكر في المقامين على قول أبي يوسف في ظاهر الرواية، وعلى قول محمد مطلقا، فتأمل في الدفع (١) .
وقال أيضا على قوله: (وفي الاستحسان تجب القسامة والدية على أهل المحلة؛ لأنه لا فصل في إطلاق النصوص بين دعوى ودعوى فتوجبه بالنص لا بالقياس) قوله فيه بحث؛ لأنه إن أراد بإطلاق النصوص إطلاقها
стр. 1017
بحسب لفظها فهو مسلم، لكن لا يجدي هنا نفعا، إذ من القواعد المقررة عندهم أن النص الوارد على خلاف القياس يختص بمورده، والنصوص فيما نحن فيه واردة على خلاف القياس كما صرحوا به، فلا بد وأن تكون مخصوصة بموردها، وهو ما إذا وجد القتيل في مكان ينسب إلى المدعى عليهم، والمدعي يدعي القتل عليهم، كما ذكر في وجه القياس، وإن أراد إطلاقها بحسب المورد أيضا فهو ممنوع، إذ لم يسمع في حق القسامة نص ورد فيما إذا ادعى الولي القتل على بعض أهل المحلة بعينه كما لا يخفى على من تتبع النصوص الواردة في هذا الباب. (١) .
المذهب المالكي:
قال الباجي: (فصل) وقوله: فإن لم يجد المدعى عليه القتل من يحلف معه حلف وحده خمسين يمينا وبرئ. . وقوله: وبرئ: يريد: برئ من الدم، وعليه جلد مائة وسجن عام، قاله مالك وابن القاسم.
وإن أبى أن يحلف سجن حتى يحلف، وفي النوادر: وقد ذكر ابن القاسم فيه عن مالك قولا لم يصح عند غيره؛ أن المدعى عليهم إذا ردت عليهم الأيمان فنكلوا - فالعقل عليهم في مال الجارح خاصة، ويقتص منه في الجرح، يريد: فيمن ثبت جرحه واحتيج إلى القسامة أنه من ذلك الجرح مات، وقال القاضي أبو محمد: في المدعى عليه القتل، وأتى المدعون بما يوجب القسامة، ونكلوا عن اليمين حلف المدعى عليه القتل، وتسقط عنه الدعوى نكل ففيها روايتان:
стр. 1018
إحداهما: يحبس إلى أن يحلف. والثانية: تلزمه الدية في ماله وأراه أشار لرواية ابن القاسم (فرع) فإذا قلنا: أنه يحبس إلى أن يحلف، فإن حبس وطال حبسه فقد روى القاضي أبو محمد: يخلى سبيله، وفي [العتبية] ، و [الموازية] : يحبس حتى يحلف، قال ابن المواز: فقد اتفقوا على أن هذا إن نكل سجن أبدا حتى يحلف (١) .
المذهب الشافعي:
قال الشافعي في كلامه على المدعى عليهم في القسامة: (فإذا حلفوا برئوا، وإذا نكلوا عن الأيمان حلف ولاة الدم خمسين يمينا واستحقوا الدية إن كانت عمدا، ففي أموالهم ورقاب العبيد منهم بقدر حصصهم فيها، وإن كانت خطأ فعلى عواقلهم، وإن كان ولي القتيل ادعى على اثنين منهم فحلف أحدهما وامتنع الآخر من اليمين - برئ الذي حلف وحلف ولاة الدم على الذي نكل، ثم لزمه نصف الدية في ماله إن كان عمدا، وعلى عاقلته إن كان خطأ، أنهم إنما ادعوا أنه قاتل مع غيره وسواء في النكول عن اليمين المحجور عليه وغير المحجور عليه إذا نكل منهم واحد حلف المدعى عليه) (٢) .
وقال الشافعي في (باب الإقرار والنكول والدعوى في الدم) : وإذا ادعوا على عشرة فيهم صبي رفعت حصة الصبي عنهم من الدية إن استحقت، وإن نكلوا حلف ولاة الدم وأخذوا منه تسعة أعشار الدية، فإذا بلغ الصبي
стр. 1019
حلف فبرئ أو نكل فحلف الولي وأخذ منه العشر إذا كان القتل عمدا، قال الشافعي: وإذا ادعوا على جماعة فيهم معتوه فهو كالصبي لا يحلف، وذلك أنه لا يؤخذ بإقراره على نفسه، فإن أفاق من العته أحلف وتسعه اليمين بعد مسألته عما ادعوا عليه، وإن نكل حلف ولاة الدم واستحقوا عليه حصته من الدية، وإن ادعوا على قوم فيهم سكران لم يحلف السكران حتى يفيق ثم يحلف، فإن نكل حلف أولياء الدم واستحقوا عليه حصته من الدية.
المذهب الحنبلي:
١ - قال ابن قدامة: وإن امتنع المدعى عليهم من اليمين لم يحبسوا حتى يحلفوا، وعن أحمد رواية أخرى: أنهم يحبسون حتى يحلفوا وهو قول أبي حنيفة، ولنا: أنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الأيمان، إذا ثبت هذا فإنه لا يجب القصاص بالنكول؛ لأنه حجة ضعيفة فلا يشاط بها الدم، كالشاهد واليمين، قال القاضي: ويديه الإمام من بيت المال، نص عليه أحمد، وروى عنه حرب بن إسماعيل: أن الدية تجب عليهم، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه حكم ثبت بالنكول فيثبت في حقهم ها هنا كسائر الدعاوى، ولأن وجوبها في بيت المال يفضي إلى إهدار الدم وإسقاط حق المدعين مع إمكان جبره، فلم يجز كسائر الدعاوى، ولأنها يمين توجهت في دعوى أمكن إيجاب المال
стр. 1020
بها، فلم تخل من وجوب شيء على المدعى عليه، كما في سائر الدعاوى، وها هنا لو لم يجب على المدعى عليه مال بنكوله، ولم يجبر على اليمين؛ لخلا من وجوب شيء عليه بالكلية، وقال أصحاب الشافعي: إذا نكل المدعى عليهم ردت الأيمان على المدعين، إن قلنا: موجبها المال، فإن حلفوا استحقوا، وإن نكلوا فلا شيء لهم.
وإن قلنا: موجبها القصاص فهل ترد على المدعين؟ فيه قولان:
وهذا القول لا يصلح؛ لأن اليمين إنما شرعت في حق المدعى عليه إذا نكل عنها المدعي، فلا ترد عليه كما لا ترد على المدعى عليه إذا نكل المدعي عنها بعد ردها عليه في سائر الدعوى، ولأنها يمين مردودة على أحد المتداعيين، فلا ترد على من ردها كدعوى المال (١) .
٢ - قال ابن مفلح: وإن نكل - أي: المدعى عليه - فعنه كذلك - أي: فداه الإمام من بيت المال - وعنه: أنه يحبس حتى يقر أو يحلف، وعنه يلزمه الدية، وهي أظهر، ولو رد اليمين على المدعي فليس له أن يحلف، وفي [الترغيب] على القول بالرد فيه وجهان وهما في كل نكول عن اليمين مع القود إليها في مقام آخر، هل له ذلك لتعدد المقام؟ أو لا لنكوله مرة (٢) .
قال علي بن سليمان المقدسي: مسألة (٦، ٧) قوله: وإن لم يرض الأولياء يمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال، وإن نكل فعنه كذلك، وعنه يحبسه حتى يقر أو يحلف، وعنه تلزمه الدية، وهي أظهر.
стр. 1021
انتهى، اشتمل كلامه على مسألتين.
المسألة الأولى: إذا طلبوا أيمانهم ونكلوا فهل يحبس حتى يقر أو يحلف أم لا؟ أطلق الخلاف وأطلقه الزركشي:
(أحدهما) : لا يحبس، وهو الصحيح، جزم به في [الهداية] و [المذهب] و [الخلاصة] ، و [المقنع] و [الهادي] و [الوجيز] وغيرهم، وقدمه في [المغني] و [الشرح] و [النظم] و [الرعايتين] و [الحاوي الصغير] ، وغيرهم.
(الرواية الثانية) : يحبس حتى يقر أو يحلف.
تنبيه: ظهر أن في إطلاق المصنف شيئا، وأن الأولى أنه كان يقدم أنه لا يحبس.
المسألة الثانية: إذا قلنا: لا يحبس فهل تلزمه الدية، أو تكون في بيت المال؟ أطلق الخلاف وأطلق في [الهداية] و [المذهب] و [مسبوك الذهب] و [المستوعب] و [الخلاصة] و [الهادي] و [الزركشي] وغيرهم:
(إحداهما) : تلزمه الدية، وهو الصحيح. قال المصنف هنا: وهو أظهر، واختاره أبو بكر، والشريف، وأبو الخطاب، والشيخ الموفق وغيرهم، وصححه الشارح، والناظم، وقدمه في [الرعايتين] .
والرواية الثانية: (يكون في بيت المال قدمه في [المحرر] و [الحاوي الصغير] ) (١)
стр. 1022
الثامن: ذكر خلاف العلماء فيما يثبت بالقسامة من قود أو دية وذكر مستند كل مع المناقشة:
اختلف القائلون بمشروعية القسامة:
فمنهم من ذهب إلى أن القسامة توجب القود، ومنهم: من ذهب إلى أنه لا يجب بها إلا الدية.
أما القائلون بوجوب القود فقالوا: إن دعوى القتل إما أن تكون موجهة على أنه عمد أو خطأ، فإذا كان القتل خطأ فليس فيه إلا الدية اتفاقا، وإذا كان القتل عمدا:
أ- فقال الأبي (ع) : وعلى إثباتها فالمستحق بها في الخطأ الدية، واختلف في العمد، فقال مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه: يجب فيها القصاص (١) .
ب- وقال النووي: نقلا عن القاضي عياض: واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمدا هل يجب القصاص بها؟ فقال معظم الحجازيين: يجب، وهو قول الزهري وربيعة وأبي الزناد ومالك وأصحابه والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود، وهو قول الشافعي في القديم وروي عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، قال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان (٢) .
стр. 1023
ج- وقال ابن مفلح: ويجب القود في قسامة العمد بشرطه، نص عليه كسائر قتل العمد، قال أحمد: الذي يدفع القتل في هذا قد يبيحه بأيسر منه فيبيحه بغلبة الظن، فلو حمل عليه السلاح ليأخذ متاعه أليس دمه هدرا؟ وإنما هو شيء وقع في نفسه لم ينله بشيء، فكذا بما دفع في أنفسهم وعرفوه ويقسمون عليه (١) .
د- وأجاب شيخ الإسلام ﵀ عن سؤال وجه إليه فقال: إذا شهد لأولياء المقتول شاهدان ولم يثبت عدالتهما فهذا لوث إذا حلف معه المدعون خمسين يمينا - أيمان القسامة - على واحد بعينه حكم لهم بالدم، وإن أقسموا على أكثر من واحد ففي القود نزاع، وأما إن ادعوا أن القتل كان خطأ أو شبه عمد، مثل: أن يضربوه بعصا ضربا لا يقتل مثله غالبا، فهنا إذا ادعوا على الجماعة أنهم اشتركوا في ذلك فدعواهم مقبولة، ويستحقون الدية (٢) .
واحتجوا على ذلك بالسنة والأثر:
أما السنة:
فقوله ﷺ : أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم.
قال الباجي: نص على أن المستحق هو الدم، ولا خلاف أنه أظهر في القصاص (٣) .
وقال ابن قدامة: أراد دم القاتل، لأن دم القتيل ثابت لهم قبل
стр. 1024
اليمين (١) .
وأجيب عن الاستدلال بهذا الحديث بما يأتي:
١ - أجاب محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة عنه بقوله: إنما قال لهم رسول الله ﷺ : «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (٢) » يعني: بالدية ليس بالقود، وإنما يدل ذلك على أنه إنما أراد الدية دون القود، قوله في أول الحديث: «إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب (٣) » فهذا يدل على آخر الحديث وهو قوله: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (٤) » لأن الدم قد يستحق بالدية كما يستحق بالقود؛ لأن النبي ﷺ لم يقل لهم: تحلفون وتستحقون دم من ادعيتم، فيكون هذا على القود، وإنما قال لهم: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم فإنما عنى به: تستحقون دم صاحبكم بالدية؛ لأن أول الحديث يدل على ذلك وهو قوله: إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب وقد قال عمر بن الخطاب: القسامة توجب العقل، ولا تشيط الدم في أحاديث كثيرة فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٢ - وأجاب السرخسي بقوله: أما قوله: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (٥) » فلا تكاد تصح هذه الزيادة، وقد قال جماعة من أهل الحديث: أوهم سهل بن أبي حثمة، ما قال رسول الله ﷺ : «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (٦) » (٧) .
стр. 1025
٣ - وأجاب أيضا بقوله: (ولو ثبت فإنما قال ذلك على طريق الإنكار لا على طريق الأمر لهم بذلك، فإنه لو كان على سبيل الأمر لكان يقول: أتحلفون فتستحقون دم صاحبكم) فأما قوله: أتحلفون وتستحقون؟ فعلى سبيل الإنكار، كقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (٢) الآية، وكذلك قوله: تحلفون معناه: أتحلفون، كقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ (٣) معناه: أتريدون، وكان ﵊ رأى منهم الرغبة في حكم الجاهلية حين أبوا أيمان اليهود بقولهم: (لا نرضى بأيمان قوم كفار) فقال ذلك على سبيل الزجر، فلما رأوا كراهة رسول الله ﷺ لذلك رغبوا عنه بقولهم: كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد (٤) . وقد أيد ذلك الطحاوي (٥) .
٤ - وأجاب أيضا بقوله: (ثم يحتمل أن يكون اليهود ادعوا عليهم بنقل القتيل من محلة أخرى إلى محلتهم فصاروا مدعى عليهم فلهذا عرض عليهم اليمين (٦) .
وبقوله ﷺ : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته (٧) » .
قال القاضي عياض: أي: بالحبل الذي ربط به هذا أصله ثم استعمل فيمن دفع للقود (٨) .
стр. 1026
وقال ابن دقيق العيد: يستعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل، ولو أن الواجب الدية لبعد استعمال هذا اللفظ فيها وهو في استعماله في تسليم القاتل أظهر (١) .
وقال ابن قدامة بعد أن ذكره دليلا لوجوب الدم قال: والرمة: الحبل الذي يربط به من عليه القود (٢) .
وأجيب عن الاستدلال بهذا الدليل: بقول النووي: وتأوله القائلون لا قصاص بأن المراد أن يسلم؛ ليستوفي منه الدية؛ لكونه ثبتت عليه (٣) .
ومن ذلك ما رواه أبو داود، عن عمرو بن شعيب، عن رسول الله ﷺ أنه قتل بالقسامة رجلا من بني نصر بن مالك.
ومن هذا الطريق رواه البيهقي (٤) ، وأورده المنذري، وبناء على هذا الطريق: فقد أعله البيهقي بالانقطاع، والمنذري بقوله: (هذا معضل، وعمرو بن شعيب اختلف في الاحتجاج بحديثه) .
ويجاب عن هذا الاعتراض بوجوه:
أحدها: أن هذا الحديث ورد في [سنن أبي داود] هكذا: حدثنا محمود بن خالد وكثير بن عبيد، قالا: نا، ح، ونا محمد بن الصباح بن سفيان أنا الوليد، عن أبي عمرو، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث.
стр. 1027
الثاني: أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجة. قال بذلك ابن العربي (١) والدارقطني وابن عبد البر (٢) ، قال البخاري: رأيت علي بن المديني وأحمد بن حنبل والحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون به (٣) .
ومنها: ما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الزهري عن سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : «أن القسامة كانت في الجاهلية، وأقرها النبي ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر (٤) » .
واعترض عليه بقول ابن حجر: وهذا - أي: الاستدلال بهذا الحديث على القود - يتوقف على ثبوت أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون في القسامة (٥) . ويجاب عن هذا: بقول البيهقي: أخبرنا أبو الحسن بن عبد الله، أنبأنا أحمد بن عبيد، حدثنا ابن ملحان، حدثنا يحيى هو ابن بكير، أنبأنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، عن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : «أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم، فأقرها رسول الله ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله ﷺ بين أناس من الأنصار من بني حارثة ادعوا على اليهود (٦) » .
стр. 1028
وأما الأثر:
فمن ذلك ما ذكره البيهقي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الرفاء البغدادي بخسرو جرد، أنبأ أبو عمرو عثمان بن بشر، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن أبي أويس وعيسى بن مينا قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن أباه قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم، يعني: من أهل المدينة يقولون: يبدأ باليمين في القسامة الذين يجيئون من الشهادة على اللطخ والشبهة الخفية ما لا يجيء خصماؤهم وحيث كان ذلك كانت القسامة لهم. قال أبو الزناد: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أن رجلا من الأنصار قتل وهو سكران رجلا ضربه بشوبق ولم يكن على ذلك بينة قاطعة إلا لطخ أو شبهة ذلك وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله ﷺ ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا، فحلفوا خمسين يمينا وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله ﷺ قضى بالقسامة ويرونها للذي يأتي به من اللطخ والشبهة أقوى مما يأتي به خصمه، ورأوا ذلك في الصهيبي حين قتله الحاطبيون وفي غيره. ثم قال البيهقي: (ورواه ابن وهب عن ابن أبي الزناد وزاد فيه: أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص إن كان ما ذكرنا له حقا أن يحلفنا على القاتل ثم يسلم إلينا. أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن هشام بن عروة أخبره أن رجلا من آل حاطب بن أبي بلتعة كانت بينهم وبين رجل من آل صهيب منازعة فذكر الحديث في قتله قال: فركب يحيى بن عبد الرحمن
стр. 1029
ابن حاطب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك فقضى بالقسامة على ستة نفر من آل حاطب فثنى عليهم الأيمان، فطلب آل حاطب أن يحلفوا على اثنين ويقتلوهما، فأبى عبد الملك إلا أن يحلفوا على واحد ليقتلوه، فحلفوا على الصهيبي فقتلوه. قال هشام: فلم ينكر ذلك عروة، ورأى أن قد أصيب فيه الحق. وروينا فيه عن الزهري وربيعة ويذكر عن ابن أبي مليكة عن عمر بن عبد العزيز وابن الزبير أنهما أقادا بالقسامة) (١) اهـ كلام البيهقي.
وما ذكره عن أبي الزناد من القتل بالقسامة بمحضر عدد كبير من الصحابة ﵃ ذكره القاضي عياض بلفظ: (وقتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان) وقد علق الحافظ ابن حجر على ذلك بقوله: (قلت: إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت، كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة فضلا عن ألف) (٢) .
وأما ما ذكره البيهقي عن معاوية أنه أقاد بالقسامة، فقد نقل الحفاظ عن ابن بطال أنه قال: وصح عن معاوية بن أبي سفيان أنه أقاد بالقسامة، ذكر ذلك عن أبي الزناد في احتجاجه على أهل العراق، ثم قال الحافظ بن حجر العسقلاني: (قلت: هو في صحيفة عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، ومن طريقه أخرجه البيهقي قال: - أي: أبو الزناد - حدثني خارجة بن زيد بن ثابت
стр. 1030
قال: قتل رجل من الأنصار رجلا من بني العجلان ولم يكن على ذلك بينة ولا لطخ - فأجمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه، فركبت إلى معاوية في ذلك، فكتب إلى سعيد بن العاص: إن كان ما ذكره حقا، فافعل ما ذكروه، فدفعت الكتاب إليه فأحلفنا خمسين يمينا ثم أسلمه إلينا) (١) .
وقد جمع الحافظ بين ما رواه حماد بن سلمة في [مصنفه] ومن طريق ابن المنذر قال: عن ابن أبي مليكة: سألني عمر بن عبد العزيز عن القسامة، فأخبرته: أن عبد الله بن الزبير أقاد بها، وأن معاوية - يعني: ابن أبي سفيان - لم يقد بها، وهذا سند صحيح، وجاء في باب القسامة من [صحيح البخاري] بلفظ: (وقال ابن أبي مليكة: لم يقد بها معاوية) جمع الحافظ بين هذا وبين ما تقدم عن معاوية أنه أقاد بها، بقوله: (قلت: يمكن الجمع بأن معاوية لم يقد بها لما وقعت له وكان الحكم في ذلك، ولما وقعت لغيره وكل الأمر في ذلك إليه ونسب إليه أنه أقاد بها لكونه أذن في ذلك) قال: (ويحتمل أن يكون معاوية كان يرى القود بها ثم رجع عن ذلك أو بالعكس) (٢) .
وأما ما ذكره البيهقي عن ابن الزبير أنه أقاد بالقسامة، فقد قال ابن حزم: (صح عنه من أجل إسناد أنه أقاد بالقسامة وأنه رأى القود بها في قتيل وجد، وأنه رأى الحكم للمدعين بالأيمان، وأنه رأى أن يقاد بها من الجماعة للواحد، وروى ذلك عنه أوثق الناس سعيد بن المسيب، وقد شاهد تلك
стр. 1031
القصة كلها عبد الله بن أبي مليكة قاضي ابن الزبير) (١) .
أما ما ذكره البيهقي عن عمر بن عبد العزيز أنه أقاد بالقسامة، فقد قال ابن حزم: (صح عنه - أي: عن عمر بن عبد العزيز - أنه أقاد بالقسامة صحة لا مغمز فيها (٢) .
وقد مضت مناقشة ما نقل عن معاوية وعمر بن عبد العزيز عند الكلام عن حكم القسامة.
وقال النووي نقلا عن القاضي عياض: وقال الكوفيون والشافعي ﵁ في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص، وإنما تجب الدية، وهو مروي عن الحسن البصري والشعبي والنخعي وعثمان الليثي (٣) والحسن بن صالح، وروي أيضا عن أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاوية ﵃ (٤) .
واحتجوا لذلك بالسنة والأثر:
أما السنة: ما رواه مالك في [الموطأ] عن ابن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره رجال من كبراء قومه: «أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر: أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير بئر أو عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة، وهو أكبر منه،
стр. 1032
وعبد الرحمن، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال له رسول الله ﷺ : كبر كبر يريد: السن، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله ﷺ : إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يأذنوا بحرب فكتب إليهم رسول الله ﷺ في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: لا، قال: أفتحلف لكم يهود؟ قالوا: ليسوا مسلمين. فوداه رسول الله ﷺ من عنده، فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار (١) » ، قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء) (٢) .
قال القرطبي: (قالوا: - أي: الذين لا يرون سوى الدية في القسامة - هذا يدل على الدية لا على القود) (٣) .
ومنها: ما رواه البخاري في (باب القسامة) قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، حدثني أبو رجاء من آل أبي قلابة: حدثني أبو قلابة، أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القسامة القود بها حق وقد أقاد بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة ونصبني للناس، فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا
стр. 1033
على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا، قلت: فوالله ما قتل رسول الله ﷺ أحدا قط إلا في ثلاث، فقال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام. إلى آخر الحديث (١) .
ووجه الاستدلال من هذا الحديث الطويل: ما جاء في رواية أبي قلابة من قول النبي ﷺ : أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم.
стр. 1034
وأما قصة الهذليين فليس فيها تصريح بما صنع عمر هل أقاد بالقسامة أو حكم بالدية؟ كذا في [فتح الباري] (١٢\ ٢٠٤) ثم وجدنا في [مصنف عبد الرزاق] (١٠\ ٤٨) ما يدل على أن عمر حكم بالدية في هذه القضية، فقد روى عبد الرزاق في (باب الخلع) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: (خلع قوم هذليون سارقا منهم كان يسرق الحاج، قالوا: قد خلعناه فمن وجده يسرق فدمه هدر، فوجدته رفقة من أهل اليمن يسرقهم، فقتلوه، فجاء قومه عمر بن الخطاب فحلفوا بالله: ما خلعناه، ولقد كذب الناس علينا، فأحلفهم عمر خمسين يمينا، ثم أخذ عمر بيد رجل من الرفقة فقال: أقرنوا هذا إلى أحدكم حتى تؤتوا بدية صاحبكم، ففعلوا، فانطلقوا حتى دنوا من أرضهم. . . أصابهم مطر شديد فاستنزوا بجبل طويل وقد أمرسوا، فلما نزلوا كلهم انقض الجبل عليهم فلم ينج منهم أحد ولا من ركابهم إلا التريك وصاحبه، فكان يحدث بما لقي قومه) اهـ.
стр. 1035
ومما أجيب به عن قوله ﷺ للحارثيين: «إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب (١) » .
وما ذكره الباجي قال: يحتمل أن يريد بقوله: أن تدوا صاحبكم إعطاء الدية؛ لأنه قد جرى في كلام الحارثيين أنهم طلبوا الدية دون القصاص، ويحتمل أنهم لم يكونوا ادعوا حينئذ قتله عمدا، ويحتمل أنهم لما لم يعينوا القاتل، وإنما قالوا: إن بعض يهود قتله، ولا يعرف من هو - لم يلزم في ذلك قصاص، وإنما يلزم فيه الدية، كالقتيل بين الصفين لا يعرف من قتله، ولا يقول: دمي عند فلان، ولا يشهد شاهد بمن قتله، فإن ديته على الفرقة المنازعة له دون قسامة؛ ولذلك لم يذكر أن النبي ﷺ حكم بالقسامة في هذا المقام، ولعل هذا كان يكون الحكم إن لم يقطع يهود بأنها لم تقتل ولم تنف ذلك عن أنفسها وتقول: لا علم لنا، وإنما أظهر في المقام ما يجب من الحق إن لم يقع النفي للقتل الموجب للقسامة أن عليهم أن يؤدوا الدية، فإن امتنعوا من الواجب عليهم في ذلك فلا بد من محاربتهم في ذلك حتى يؤدوا الحق ويلتزموا من ذلك حكم الإسلام (٢) . اهـ.
ومنهم من طعن في هذا الحديث لما جاء فيه: وإما أن تؤذنوا بحرب قال الخطابي: وقد أنكر بعض الناس قوله: وإما أن تؤذنوا بحرب وقال: إن الأمة على خلاف هذا القول، فدل على أن خبر القسامة غير معمول به.
وقد أجاب الخطابي عن هذا بقوله بعد ما ذكرت (قلت: ووجه الكلام بين، وتأويله صحيح، وذلك أنهم إذا امتنعوا من القسامة ولزمتهم الدية
стр. 1036
فأبوا أن يؤدوها إلى أولياء الدم أوذنوا بحرب كما يؤذنون بها إذا منعوا الجزية) .
وأما استدلال أبي قلابة بترك القود بالقسامة، لقوله: «فوالله ما قتل رسول الله ﷺ أحدا قط إلا في ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، ورجل حارب الله ورسوله ﷺ وارتد عن الإسلام (١) » . فقد قال فيه الحافظ ابن حجر: (لم يظهر لي وجه استدلال أبي قلابة بأن القتل لا يشرع إلا في الثلاث لرد القود بالقسامة مع أن القود قتل نفس بنفس وهو أحد الثلاثة، وإنما النزاع في الطريق إلى ثبوت ذلك) (٢) .
وأما قول أبي قلابة: «وقد كان في هذا سنة من رسول الله ﷺ دخل عليه نفر من الأنصار فتحدثوا عنده فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل، فخرجوا بعده فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، صاحبنا كان تحدث معنا فخرج بين أيدينا، فإذا نحن به يتشحط في الدم، فخرج رسول الله ﷺ فقال: من تظنون أو ترون قتله؟ قالوا: نرى أن اليهود قتلته، فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال: أنتم قتلتم هذا قالوا: لا، قال: أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟ فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون، قال: فتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده - قلت: وقد كانت هذيل خلعوا خليعا لهم في الجاهلية فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء
стр. 1037
فانتبه له رجل منهم فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني فرفعوه إلى عمر بالموسم (١) » إلخ.
فقد أجاب البيهقي عن ذلك بقوله: (وحديث - أي: أبي قلابة - عن النبي ﷺ في القتيل مرسل، وكذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ في قصة الهذلي (٢) .
ومما استدلوا به من السنة: ما رواه أبو داود في المراسيل، عن هارون بن زيد عن أبي الزرقاء عن أبيه عن محمد بن راشد بن مكحول: «أن رسول الله ﷺ لم يقض في القسامة بقود» . ومن هذا الطريق أخرجه البيهقي في باب ترك القود بالقسامة، قال: أخبرنا محمد بن محمد، أنبأنا الفسوي، ثنا اللؤلؤي، ثنا أبو داود فذكره (٣) .
والجواب عن هذا الحديث: أنه منقطع، قال ابن القيم: وأما حديث محمد بن راشد المكحول عن مكحول: «أن رسول الله ﷺ لم يقض في القسامة بقود» - فمنقطع (٤) .
وما رواه أحمد وأبو داود الطيالسي وإسحاق بن راهويه والبزار في [مسانيدهم] والبيهقي في [سننه] من طريق أبي إسرائيل الملائي، واسمه: إسماعيل بن إسحاق عن عطية عن أبي سعيد الخدري: «أن قتيلا وجد بين حيين، فأمر النبي ﷺ أن يقاس إلى أقربهما فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر (٥) » ، قال الخدري: كأني أنظر إلى شبر رسول الله ﷺ فألقى ديته عليهم، ورواه
стр. 1038
ابن عدي والعقيلي في كتابيهما بلفظ: فألقى ديته على أقربهما (١) .
والجواب قد أعله ابن عدي والعقيلي في كتابيهما بأبي إسرائيل، فضعفه ابن عدي عن قوم ووثقه عن آخرين، وقال فيه البزار: أبو إسرائيل قال النسائي فيه: ليس بثقة، كان يسب عثمان ﵁ قال: وثقه ابن معين (٢) .
وقال ابن حجر: قال العقيلي: لا أصل له (٣) .
وقال ابن حزم: هالك؛ لأنه انفرد به عطية بن سعيد العوفي، وهو ضعفه هشيم وسفيان الثوري ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وما ندري أحدا وثقه، وذكر عن أحمد بن حنبل: أنه كان يأتي الكلبي الكذاب فيأخذ عنه الأحاديث ثم يكنيه بأبي سعيد، ويحدث بها عن أبي سعيد فيوهم الناس أنه الخدري، وهذا من تلك الأحاديث. والله أعلم، فهو ساقط، ثم أيضا من رواية أبي إسرائيل الملائي هو إسماعيل بن إسحاق فهو بلية عن بلية، والملائي هذا ضعيف جدا، وليس في الذرع بين القريتين خبر غير هذا لا مسندا ولا مرسلا (٤) .
وقال البيهقي تحت عنوان (باب ما روي في القتيل يوجد بين القريتين ولا يصح) : أخبرنا أبو بكر بن فورك، أنبأنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا أبو إسرائيل عن عطية عن أبي سعيد: «أن قتيلا
стр. 1039
وجد بين حيين فأمر النبي ﷺ أن يقاس إلى أيهما أقرب، فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر (١) » ، قال أبو سعيد: كأني أنظر إلى شبر رسول الله ﷺ فألقى ديته عليهم. وأخبرنا أبو سعد الماليني، أنبأ أبو أحمد بن عدي، أنبأ الفضل ابن الحباب، ثنا أبو الوليد الطيالسي عن أبي إسرائيل الملائي بنحوه.
تقول به أبو إسرائيل عن عطية العوفي.
وكلاهما لا يحتج بروايتهما. اهـ نص كلامه في [السنن الكبرى] (٢) . وقال في [المعرفة] : (إنما روى هذا الحديث أبو إسرائيل الملائي عن عطية العوفي، وكلاهما ضعيف) اهـ (٣) .
وقال ابن القيم: (وأما حديث أبي سعيد الخدري: «أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي ﷺ أن يقاس إلى أيهما أقرب فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر فألقى ديته عليهم (٤) » - فرواه أحمد في [مسنده] وهو من رواية أبي إسرائيل الملائي عن عطية العوفي فيه ضعف) . اهـ. .
ولو لم يكن في إسناد هذا الحديث سوى البلية أبي إسرائيل لكفى ذلك في تضعيفه، فقد قال ابن عدي: حدثنا الآجري، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عفان قال: قال لي بهز: قال لي أبو إسرائيل الملائي: عثمان كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، روى ذلك الحافظ الذهبي
стр. 1040
عن ابن عدي بسنده إليه (١) .
هذا وعند ابن عدي هذا الحديث أيضا من رواية الصبي بن أشعث بن سالم السلولي، سمعت عطية العوفي عن الخدري به، ولكن الصبي هنا لينه ابن عدي، وقال: إن في بعض حديثه ما لا يتابع عليه، قال: ولم أر للمتقدمين فيه كلاما، ورواه عن عطية أبو إسرائيل. اهـ (٢) .
وقال ابن القيم: لا تجوز معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من قد أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به، وهو ابن صبيح الذي لم يسفر صباح صدقه (٣) .
وأما الآثار:
فمنها ما ذكره ابن حزم قال:
قال ابن أبي شيبة: نا عبد السلام بن حرب عن عمرو هو ابن عبيد عن الحسن البصري، أن أبا بكر والجماعة الأولى لم يكونوا يقيدون بالقسامة.
وما ذكره البيهقي قال: أخبرنا أبو بكر الأردستاني، أنبأنا أبو نصر العراقي، أنبأنا سفيان بن محمد الجوهري، ثنا علي بن الحسن، ثنا عبد الله بن الوليد، ثنا سفيان عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: القسامة توجب العقل ولا تشيط
стр. 1041
الدم (١) .
وما ذكره ابن حزم: قال أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، نا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: (انطلق رجلان من أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب فوجداه قد صدر عن البيت عامدا إلى منى فطاف بالبيت، ثم أدركاه فقصا عليه قصتهما، فقالا: يا أمير المؤمنين، إن ابن عم لنا قتل، نحن إليه شرع سواء في الدم، وهو ساكت لا يرجع إليهما شيئا حتى ناشداه الله، فحمل عليهما، ثم ذكراه الله فكف عنهما، قال عمر بن الخطاب: ويل لنا إذا لم نذكر بالله، وويل لنا إذا لم نذكر الله. فيكم شاهدان ذوا عدل يجيئان به على من قتله فنقيدكم منه. وإلا حلف من بيدكم بالله: ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا، فإن نكلوا حلف منكم خمسون ثم كانت لكم الدية. إن القسامة قد تستحق بها الدية ولا يقاد بها (٢) .
وما ذكره ابن حجر قال: أخرج الثوري في [جامعه] وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال: وجد قتيل بين حيين من العرب فقال عمر: قيسوا ما بينهما، وأيهما وجدتموه إليه أقرب، فحلفوهم خمسين يمينا وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبي: أن عمر كتب في قتيل بين خيوان ووادعة أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسون رجلا حتى يوافوه مكة فأدخلهم الحجر، فأحلفهم ثم قضى عليهم بالدية فقال: حقنت
стр. 1042
أيمانكم دماءكم ولا يطل دم رجل مسلم (١) .
وروى عبد الرزاق عن معمر عن عمرو وغيره عن الحسن قال: يستحقون بالقسامة الدية، ولا يستحقون بها الدم (٢) .
ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر قال: قلت لعبد الله بن عمر العمري: أعلمت أن رسول الله ﷺ أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر. قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فلم تجترئون عليها؟ فسكت (٣) .
والجواب عنه:
أولا: أنه معارض بما أخرجه أبو عوانة في [صحيحه] وأصله عند الشيخين من طريق حماد بن زيد عن أيوب وحجاج الصواف عن أبي رجاء: أن عمر بن عبد العزيز استشار الناس في القسامة فقال قوم: هي حق قضى بها رسول الله ﷺ وقضى بها الخلفاء.
وثانيا: أن من قال: إنه قضى بها مثبت، ومن قال: لم يقض بها ناف، والمثبت معه زيادة علم فيقدم على النافي.
وثالثا: كونه لا يعلم، لا يلزم منه عدم الوقوع، فعدم علمه ليس بدليل.
ورابعا: هو معلول بالإرسال، قال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه مرسل، إنما هو عن عبيد الله بن عمر بن حفص.
وما أخرجه الدارقطني، ومن طريقه البيهقي، قال الدارقطني: نا محمد بن القاسم بن زكريا، نا هشام بن يونس، نا محمد بن يعلى، عن
стр. 1043
عمر بن صبيح، عن مقاتل بن حيان، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب: أنه قال: لما حج عمر حجته الأخيرة التي لم يحج غيرها، غودر رجل من المسلمين قتيلا في بني وادعة، فبعث إليهم عمر، وذلك بعدما قضى النسك، فقال لهم: هل علمتم لهذا القتيل قاتلا منكم؟ قال القوم: لا، فاستخرج منهم خمسين شيخا، فأدخلهم الحطيم، فاستحلفهم بالله رب هذا البيت الحرام، ورب هذا البلد الحرام، ورب هذا الشهر الحرام أنكم لم تقتلوه، ولا علمتم له قاتلا، فحلفوا بذلك، فلما حلفوا قال: أدوا دية مغلظة في أسنان الإبل أو من الدنانير والدراهم دية وثلثا، فقال رجل منهم، يقال له: سنان: يا أمير المؤمنين، أما تجزيني من مالي؟ قال: لا، إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ فأخذ ديته دنانير دية وثلث دية (١) .
والجواب عن هذا الحديث: بأن فيه عمر بن صبيح، وهو متروك، قال ذلك الدارقطني والبيهقي وابن القيم، فقال الدارقطني: في سنده عمر بن صبيح، متروك (٢) .
وقال البيهقي: رفعه إلى النبي ﷺ يعني: قوله: (إنما قضيت فيكم بقضاء نبيكم) منكر، وهو مع انقطاعه من رواية من أجمعوا على تركه (٣) . ونقل الزيلعي عن البيهقي أنه قال في كتاب [المعرفة] : أجمع أهل الحديث على ترك الاحتجاج بعمر بن صبيح، وقد خالفت روايته هذه
стр. 1044
رواية الثقات الأثبات (١) .
وذكر ابن حزم: أن ذلك صحيح عن الحسن ونصه: وأما الحسن فصح عنه أنه قال: لا يقاد بالقسامة، لكن يحلف المدعى عليهم بالله: ما فعلنا، ويبرءون، فإن نكلوا حلف المدعون وأخذوا الدية، هذا في القتيل يوجد، كما ذكر ابن حزم أنه صح عن قتادة: أن القسامة تستحق بها الدية ولا يقاد بها. اهـ (٢) .
والجواب عن هذه الآثار ما يأتي:
أما ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري: أن أبا بكر والجماعة الأولى لم يكونوا يقيدون بالقسامة فهو مرسل. قال: إنه لا يصح، لأنه عن الحسن وفي طريق الحسن عبد السلام بن حرب (٣) .
وأما ما رواه الثوري عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر بن الخطاب قال: القسامة توجب العقل ولا تشيط الدم - فقد قال البيهقي فيه: (هذا منقطع) (٤) ، وقال ابن القيم: أما ما رواه الثوري في [جامعه] عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: القسامة توجب العقل ولا تشيط الدم - فمنقطع موقوف (٥) . اهـ كلام
стр. 1045
ابن القيم.
وقد رواه ابن أبي شيبة، ومن طريقه ابن حزم قال ابن أبي شيبة: نا وكيع، نا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: انطلق رجلان من أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب، فذكر الحديث المتقدم، وفيه: (أن القسامة تستحق بها الدية ولا يقاد بها) .
ثم ذكر ابن حزم: في رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عمر بن الخطاب منقطعة قال: لم يولد والد القاسم إلا بعد موت عمر) (١) .
وأما الأثر الذي أخرجه الثوري في [جامعه] وابن أبي شيبة عن منصور بسند صحيح إلى الشعبي: أنه وجد قتيل بين حيين من العرب، فقال: عمر: قيسوا ما بينهما، الحديث، وأخرجه الشافعي، وفي روايته: تسمية الحيين: خيوان ووادعة - فقد قال فيه ابن حزم: (إنه مرسل؛ لأنه عن عمر من طريق الشعبي ولم يولد إلا بعد موت عمر بأزيد من عشرة أعوام أو نحوها) (٢) .
وقال البيهقي في الجواب عنه من ناحية ما فيه من مخالفة النصوص الدالة على البدء بولاة الدم في الأيمان - قال: أما الأثر الذي أخبرنا أبو حازم الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن خميرويه، أنبأ أحمد بن نجدة، ثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن عامر - يعني: الشعبي - أن قتيلا وجد
стр. 1046
في خربة وادعة همدان فرفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأحلفهم خمسين يمينا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، ثم غرمهم الدية ثم قال: يا معشر همدان، حقنتم دماءكم بأيمانكم فما يطل دم هذا الرجل المسلم. وأخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، ثنا سفيان عن منصور عن الشعبي: أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب في قتيل وجد بين خيوان ووادعة: أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليهم منهم خمسون رجلا حتى يوافوه مكة فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما وقت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا، قال عمر ﵁، كذلك الأمر. قال الشافعي: وقال غير سفيان عن عاصم الأحول عن الشعبي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حقنتم بأيمانكم دماءكم ولا يطل دم مسلم. فقد ذكر الشافعي ﵀ في الجواب عنه ما يخالفون عمر ﵁ في هذه القصة من الأحكام ثم قيل له: أفثابت هو عندك؟ قال: لا، إنما رواه الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث مجهول، ونحن نروي عن رسول الله ﷺ بالإسناد الثابت أنه بدأ بالمدعين، فلما لم يحلفوا قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا وإذا قال: تبرئكم فلا يكون عليهم غرامة، ولما لم يقبل الأنصاريون أيمانهم وداه النبي ﷺ ، ولم يجعل على يهود والقتيل بين أظهرهم شيئا، قال الربيع: أخبرني بعض أهل العلم عن جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: حارث الأعور كان كذابا، وروي عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عمر ﵁ ومجالد غير محتج به. وروى عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحارث بن الأزمع عن عمر، وأبو
стр. 1047
إسحاق لم يسمع من الحارث بن الأزمع، قال علي بن المديني عن أبي زيد عن شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث حديث الحارث بن الأزمع: أن قتيلا وجد بين وادعة وخيوان فقلت: يا أبا إسحاق، من حدثك؟ قال: حدثني مجالد عن الشعبي عن الحارث بن الأزمع، فعادت رواية أبي إسحاق إلى حديث مجالد، واختلف فيه على مجالد في إسناده، ومجالد غير محتج به والله أعلم. هذا كلام البيهقي في [السنن الكبرى] (١) .
وأخرج في [المعرفة] عن ابن عبد الحكم أنه قال: سمعت الشافعي يقول: سافرت إلى خيوان ووادعة أربع عشرة سفرة وأنا أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب في القتيل وأنا أحكي لهم ما روي فيه، فقالوا: هذا شيء ما كان ببلدتنا قط (٢) . اهـ.
وفي هذا دليل على عناية الشافعي ﵀ بحالة هذا الأثر.
وقد ناقش ابن التركماني ما ذكره البيهقي في [السنن الكبرى] عن الشافعي من ناحية كون الأثر من رواية الحارث الأعور، وادعوا جهالته فقال: قلت: لم يذكر أحد فيما علمنا: أن الشعبي رواه عن الحارث الأعور غير الشافعي، ولم يذكر سنده في ذلك، وقد رواه الطحاوي بسنده عن الشعبي عن الحارث الوادعي، هو ابن الأزمع، وسيأتي: أن مجالدا رواه عنه الشعبي كذلك. ورواية أبي إسحاق لهذا الأثر عن الحارث هذا عن عمر أمارة على أنه الواسطة، لا الحارث الأعور، كما زعم الشافعي، ورواه أيضا عبد الرزاق (٣)
стр. 1048
عن الثوري عن منصور عن الحكم عن الحارث بن الأزمع، والحارث هذا ذكره أبو عمر وغيره في الصحابة وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ثم إن الحارث الأعور وإن تكلموا فيه فليس بمجهول كما زعم الشافعي، بل هو معروف روى عنه الطحاوي والشعبي والسبيعي وغيرهم (١) . اهـ.
стр. 1049
التاسع: خلاف العلماء فيمن يقتل بالقسامة إذا كان المدعى عليه أكثر من واحد:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
فمنهم من ذهب إلى أنه لا يقتل إلا واحد، ومنهم من ذهب إلى أنه يستحق بها قتل جماعة، ومنهم من ذهب إلى العدول إلى الدية.
أما المذهب الأول: فقال مالك ﵀: لا يقتل في القسامة إلا واحد، لا يقتل فيها اثنان، وقال الباجي ﵀ على ذلك: لا خلاف في المذهب: أنه لا يستحق بالقسامة إلا قتل رجل واحد، خلافا للشافعي في أحد قوليه.
والدليل على ما نقوله: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم (١) » .
ومن جهة المعنى: أن القسامة أضعف من الإقرار والبينة وفي قتل الواحد ردع، قاله القاضي أبو محمد (٢) .
وقال ابن قدامة ﵀: لا يختلف المذهب: أنه لا يستحق بالقسامة
стр. 1050
أكثر من قتل واحد، وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي - قال بعد ذكر مذهب آخر سيأتي.
ولنا قول النبي ﷺ : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته (١) » فخص بها الواحد، ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد، فيقتصر عليه ويبقى الأصل فيما عداه، وبيان مخالفة الأصل بها أنها ثبتت باللوث، واللوث شبهة فغلبه على الظن صدق المدعي والقود يسقط بالشبهات فكيف يثبت بها؛ ولأن الأيمان في سائر الدعاوى تثبت ابتداء في جانب المدعى عليه، وهذا بخلافه، وبيان ضعفها: أنها تثبت بقول المدعي ويمينه مع التهمة في حقه والشك في صدقه وقيام العداوة المانعة من صحة الشهادة عليه في إثبات حق لغيره فلأن يمنع منه قبول قوله وحده في إثبات حقه أولى وأحرى (٢) .
أما المذهب الثاني: فقال ابن قدامة ﵀، وقال بعضهم - أي: بعض أصحاب الشافعي -: يستحق بها قتل الجماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة، وهذا نحو قول أبي ثور.
وقد ناقش ابن قدامة ذلك فقال: وفارق البينة فإنها قويت بالعدد وعدالة الشهود وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين وفي كونهم لا يثبتون لأنفسهم حقا ولا نفعا ولا يدفعوا عنها ضرا ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه؛ ولهذا لا يثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنفي الشبهات (٣) .
стр. 1051
وأما المذهب الثالث: فقال النووي: قال الشافعي: إذا ادعوا على جماعة حلفوا عليهم، وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول: إنه يجب القصاص (١) .
وقد مضى أن الشافعي ﵀ لم يوجب الدم في القسامة، ومضت أدلة ذلك ومناقشتها. هذا ما تيسر ذكره.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 1052
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٤١) وتاريخ ١٣\٤\١٣٩٦هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد، وآله وصحبه، وبعد.
ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦ هـ - اطلع المجلس على ما سبق أن أجله من الدورة السابعة إلى الدورة الثامنة من بحث القسامة، هل الورثة هم الذين يحلفون أيمان القسامة أو أن العصبة بالنفس هم الذين يحلفون ولو كانوا غير وارثين إذا كانوا ذكورا بالغين عقلاء؟ .
وبعد استماع المجلس ما سبق أن أعد في ذلك من أقوال أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها وتداول الرأي - قرر المجلس بالأكثرية: أن الذي يحلف من الورثة هم الذكور البالغون العقلاء ولو واحدا، سواء كانوا عصبة أو لا؛ لما ثبت في [الصحيحين] من حديث سهل بن أبي حثمة في قصة قتل اليهود لعبد الله بن سهل: «أن الرسول ﷺ قال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل: تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ، قالوا: لا - وفي رواية -: يقسم منكم خمسون رجلا (١) » ، ولأنها يمين في دعوى حق، فلا تشرع في حق غير المتداعين كسائر الأيمان.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الثامنة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
متوقف
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي لي وجهة نظر
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
متوقف
راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان
عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان
стр. 1053
(٣)
هدي التمتع والقران
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 1054
(٣)
هدي التمتع والقران
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 1055
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هدي التمتع والقران (١)
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد:
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة المنعقدة في مدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام ١٣٩٦ هـ موضوع (هدي التمتع والقران، ووقت الذبح ومكانه، وحكم الاستعاضة عن الهدي بالتصدق بقيمته وعلاج مشكلة اللحوم) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
هدي التمتع والقران
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في