وأما المذهب الثالث: فقال النووي: قال الشافعي: إذا ادعوا على جماعة حلفوا عليهم، وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول: إنه يجب القصاص (١) .
وقد مضى أن الشافعي ﵀ لم يوجب الدم في القسامة، ومضت أدلة ذلك ومناقشتها. هذا ما تيسر ذكره.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 1052
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٤١) وتاريخ ١٣\٤\١٣٩٦هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد، وآله وصحبه، وبعد.
ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦ هـ - اطلع المجلس على ما سبق أن أجله من الدورة السابعة إلى الدورة الثامنة من بحث القسامة، هل الورثة هم الذين يحلفون أيمان القسامة أو أن العصبة بالنفس هم الذين يحلفون ولو كانوا غير وارثين إذا كانوا ذكورا بالغين عقلاء؟ .
وبعد استماع المجلس ما سبق أن أعد في ذلك من أقوال أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها وتداول الرأي - قرر المجلس بالأكثرية: أن الذي يحلف من الورثة هم الذكور البالغون العقلاء ولو واحدا، سواء كانوا عصبة أو لا؛ لما ثبت في [الصحيحين] من حديث سهل بن أبي حثمة في قصة قتل اليهود لعبد الله بن سهل: «أن الرسول ﷺ قال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل: تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ، قالوا: لا - وفي رواية -: يقسم منكم خمسون رجلا (١) » ، ولأنها يمين في دعوى حق، فلا تشرع في حق غير المتداعين كسائر الأيمان.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الثامنة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
متوقف
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي لي وجهة نظر
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
متوقف
راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان
عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان
стр. 1053
(٣)
هدي التمتع والقران
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 1054
(٣)
هدي التمتع والقران
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 1055
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هدي التمتع والقران (١)
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد:
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة المنعقدة في مدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام ١٣٩٦ هـ موضوع (هدي التمتع والقران، ووقت الذبح ومكانه، وحكم الاستعاضة عن الهدي بالتصدق بقيمته وعلاج مشكلة اللحوم) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
هدي التمتع والقران
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في
стр. 1056
الطائف في شعبان عام ١٣٩٥ هـ من الموافقة على إعداد بحث (هدي التمتع والقران) - فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على الأمور الآتية:
أولا: ابتداء وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة.
ثانيا: نهاية وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة.
ثالثا: الذبح ليلا مع الأدلة والمناقشة.
رابعا: مكان الذبح مع الأدلة والمناقشة.
خامسا: حكم الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته مع الأدلة.
سادسا: علاج مشكلة اللحوم في منى.
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
стр. 1057
أولا: ابتداء وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة
اختلف أهل العلم في تحديد ابتداء وقت ذبح هدي التمتع والقران هل يجوز ذبحه قبل يوم النحر أو أنه لا يجوز إلا ابتداء من يوم النحر؟
القول الأول: يبتدئ وقت ذبحه يوم النحر بعد طلوع الشمس وصلاة العيد أو مضي قدرها عند الحنابلة، وبعد رمي جمرة العقبة عند مالك، ويوم النحر عند الحنفية.
قال النسفي والزيلعي: وخص ذبح هدي المتعة والقران بيوم النحر فقط، وفي [بداية المبتدئ] : (ولا يجوز ذبح هدي المتعة والقران إلا في يوم النحر) وجاء معنى ذلك في كثير من كتب الحنفية، تركنا ذكرها اختصارا.
стр. 1058
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: أما مذهب مالك فالتحقيق فيه أن هدي التمتع والقران لا يجب وجوبا تاما إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة.
وقال ابن العربي: ولو ذبحه قبل يوم النحر لم يجزه.
وقال الباجي: ولا يجوز أن ينحره قبل يوم النحر.
وقال المزني: فإن كان معتمرا نحر بعد ما يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يحلق عند المروة وحيث نحر من فجاج مكة أجزأه، وإن كان حاجا نحره بعد ما يرمي جمرة العقبة قبل أن يحلق. انتهى المقصود.
وقال الرملي: (ووقته -أي: وقت ذبح الهدي- كوقت ذبح الأضحية على الصحيح. وصححه أيضا النووي والرافعي ... وقال الفتوحي: ووقت ذبح أضحية وهدي نذر وتطوع ومتعة وقران من بعد أسبق صلاة العيد بالبلد أو قدرها لمن لم يصل. انتهى كلامه.
ونقل ابن قدامة عن أبي الخطاب: أنه يجب إذا طلع الفجر يوم النحر؛ لأنه وقت إخراجه فكان وقت وجوبه.
واستدل للقول بأنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر بالكتاب والسنة والإجماع والأثر والمعنى:
أما الكتاب فمنه دليلان:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١)
стр. 1059
وجه الدلالة: ما ذكره الباجي ﵀ بقوله: لو جاز قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر، ولا سيما على القول بدليل الخطاب، ولا خلاف بينهم في القول به إذا علق بالغاية، وهو قول القاضي أبي بكر وأكثر شيوخنا.
ومما يدل على هذا حديث حفصة وهو قولها: «يا رسول الله، ما بال الناس حلوا من عمرتهم ولم تحل أنت من عمرتك؟! فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر" (١) » .
وهذا يفيد أنه تعذر النحر عليه فوجب لامتناعه من الحلاقة ولو كان النحر مباحا لعلل امتناع الإحلال بغير تأخير النحر ولما صح اعتلاله به.
ويمكن أن يناقش الاستدلال بالآية: بأنها في الإحصار، فإن قبلها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) والكلام في هدي التمتع والقران لا الإحصار.
الثاني: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣)
وجه الدلالة: أن الآية مطلقة من جهة تحديد وقت ذبح الهدي، وقد جاء ما يدل على تحديده وهو قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٤) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٥) الآية.
وجه الدلالة: ما ذكره الجصاص وغيره من أن قضاء التفث وطواف الزيارة لا يكون قبل يوم النحر، ولما رتب هذه الأفعال على ذبح هدي
стр. 1060
البدن دل أنها بدن القران والتمتع؛ لأن جميع الهدايا لا يترتب عليها هذه الأفعال، وأن له أن ينحرها متى شاء فثبت بذلك أن هدي المتعة غير مجز قبل يوم النحر.
وقد نوقش هذا الاستدلال: بقول الجصاص ﵀: (إذا كان الصيام بدلا من الهدي، والهدي لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر فكيف جاز الصوم؟) .
وأجاب عن ذلك بقوله: لا خلاف في جواز الصيام قبل يوم النحر، وقد ثبت بالسنة امتناع ذبح الهدي قبل يوم النحر، وأحدها: ثابت بالاتفاق، وبدليل قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١) والآخر: ثابت بالسنة فالاعتراض عليهما بالنظر ساقط.
وأيضا: فإن الصوم مراعى ومنتظر به شيئان: أحدهما: إتمام العمرة والحج في أشهر الحج، والثاني: ألا يجد حتى يحل فإذا وجد المعنيان صح الصوم عن المتعة وإذا عدم أحدهما بطل أن يكون الصوم متعة وصار تطوعا، وأما الهدي فقد رتب عليه أفعال أخر من حلق وقضاء التفث وطواف الزيارة، فلذلك اختص بيوم النحر.
واعترض على ذلك بما قاله الجصاص من أن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٢) فلا يجوز تقديمه على الحج.
وأجاب عن ذلك بقوله: لا يخلو قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٣) من أحد معان: إما أن يريد به في الأفعال التي هي عمدة الحج وما سماه
стр. 1061
النبي ﷺ حجا وهو الوقوف بعرفة؛ لأنه قال: «الحج عرفة (١) » أو في أشهر الحج؛ لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٢)
وغير جائز أن يكون المراد فعل الحج الذي لا يصح إلا به؛ لأن ذلك إنما هو يوم عرفة بعد الزوال، ويستحيل صوم الثلاثة الأيام منه، ومع ذلك فلا خلاف في جوازه قبل يوم عرفة، فبطل هذا الوجه وبقي من وجوه الاحتمال في إحرام الحج أو في أشهر الحج، وظاهره يقتضي جواز فعله بوجود أيهما كان؛ لمطابقته اللفظ في الآية. وأيضا قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٣) معلوم أن جوازه معلق بوجود سببه لا بوجوبه، فإذا كان هذا المعنى موجودا عند إحرامه للعمرة وجب أن يجزئ ولا يكون ذلك خلاف الآية، كما أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٤) دال على جواز تقديمها على القتل لوجود الجراحة، وكذلك قوله ﷺ : «ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (٥) » لم يمنع جواز تعجيلها لوجود سببها وهو النصاب، فكذلك قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٦) غير مانع جواز تعجيله لأجل وجود سببه الذي جاز فعله في الحج.
ثم نقده ﵀ بقوله: لم نجد بدلا يجوز تقديمه على وقت المبدل عنه ولما كان الصوم بدلا عن الهدي لم يجز تقديمه عليه.
وأجاب عن ذلك بقوله: هذا اعتراض على الآية؛ لأن نص التنزيل قد
стр. 1062
أجاز ذلك في الحج قبل يوم النحر.
وأيضا: فإننا لم نجد ذلك فيما تقدم البدل كله على وقت المبدل عنه، وهاهنا إنما جاز تقديم بعض الصيام على وقت الهدي وهو صوم الثلاثة الأيام والسبعة التي معها غير جائز تقديمها عليها؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) فإنما أجيز له من ذلك مقدار ما يحل به يوم النحر إذا لم يجد الهدي، وهدي العمرة يصح إيجابه بعد العمرة ويتعلق به حكم التمتع في باب المنع من الإحلال إلى أن يذبحه. انتهى كلامه.
ونوقش الاستدلال بالآية على أن (ثم) للتراخي فربما يكون الذبح قبل يوم النحر وقضاء التفث فيه) .
وأجيب عنه: بأن موجب ثم بالتراخي يتحقق بالتأخير ساعة فلو جاز الذبح قبل يوم النحر جاز قضاء التفث بعده بساعة وليس كذلك.
وأما الأدلة من السنة فكثيرة نكتفي منها بما يأتي:
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديا، فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (٢) » الحديث.
стр. 1063
ولهما عن جابر ﵁ قال: «أهللنا بالحج مع رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فقال: "يا أيها الناس أحلوا، فلولا الهدي معي فعلت كما فعلتم" قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا كما يفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر، أهللنا بالحج (١) » .
ولهما عن أبي موسى ﵁ قال: «قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال: "بم أهللت؟ " قال: قلت: أهللت بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ ، قال: "سقت من هدي؟ "، قلت: لا، قال: "فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل" فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي (٢) » .
وروى البخاري «عن عبد الله بن عباس ﵄: أنه سئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، وإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعمرتنا، وعلينا الهدي، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٣) » .
стр. 1064
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخا، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج (١) » .
وروى البزار في [مسنده] عن أنس ﵁: «أن النبي ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة، فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوا، فهابوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ : أحلوا، فلولا أن معي الهدي لأحللت، فحلوا حتى خلوا إلى النساء (٢) » .
وروى أبو داود عن أنس قال: «بات رسول الله ﷺ -يعني: بذي الحليفة - حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء، فحمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما، فلما قدم أمر الناس فحلوا، حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما قضى رسول الله ﷺ الحج نحر سبع بدنات بيده قياما (٣) » . وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن قرط: أن النبي ﷺ قال: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر (٤) » قال ثور: وهو اليوم الثاني، قال: وقرب رسول الله ﷺ بدنات (خمس أو ست) فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، قال. فلما وجبت جنوبها قال: فتكلم بكلمة خفيفة لم أسمعها، فقلت: ما قال؟ قال: من شاء اقتطع.
وروى مسلم في [صحيحه] عن جابر بن عبد الله رضي عنه: «أن رسول الله ﷺ نحر عن نسائه في حجه بقرة (٥) » .
وفي رواية: قال: «نحر رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحر (٦) » .
وروى البخاري ومسلم في [الصحيحين] عن عمرة بنت عبد الرحمن
стр. 1065
قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: «خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل (١) » . قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقال: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه. قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد، فقال: أتتك بالحديث على وجهه. ولهما «عن عائشة ﵂ قالت: فلما دخلنا مكة، قال رسول الله ﷺ : من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي (٢) » قالت: «وذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر يوم النحر (٣) » .
وروى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: "اذبح ولا حرج" ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج " فما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "ولا حرج (٤) » .
وروى مسلم في [صحيحه] عن جابر ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم (٥) » .
وروى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «أهل النبي ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بالحج، فلم يحل النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحل بقيتهم (٦) » .
وله أيضا عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: «خرجنا محرمين مع رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن
стр. 1066
لم يكن معه هدي فليحل فلم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحل (١) » .
وروى مسلم من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁، أنه قال: «أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: يا رسول الله، حل ماذا؟ قال: "الحل كله " فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية (٢) » الحديث.
وله أيضا من طريق أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا وبالمروة، فقال لنا رسول الله ﷺ : من لم يكن معه هدي فليحل. قلنا: يا رسول الله، أي الحل؟ فقال: "الحل كله " قال: فأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج (٣) » الحديث.
وروى الإمام أحمد، عن أنس ﵁ قال: «خرجنا نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي، وقرنت بين الحج والعمرة (٤) » .
وله أيضا، عن ابن عمر ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ مكة وأصحابه مهلين بالحج، فقال: "من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي " قالوا: يا رسول الله، أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا؟ قال: "نعم ". وسطعت المجامر (٥) » .
стр. 1067
وله أيضا وابن ماجه، عن البراء بن عازب قال: «خرج رسول الله ﷺ وأصحابه قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: " اجعلوا حجكم عمرة". قال: فقال الناس: يا رسول الله، قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة؟ قال: "انظروا ما آمركم به فافعلوا" فردوا عليه القول فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك أغضبه الله؟ فقال: "وما لي لا أغضب وأنا آمر الأمر فلا أتبع (١) » .
وروى أبو داود عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بعسفان، قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: "إن الله قد أدخل عليكم في حجكم عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد حل، إلا من كان معه هدي (٢) » .
فهذه الأحاديث منها: ما هو نص في أن بدء وقت النحر للمتمتع والقارن يوم الأضحى، ومنها: ما يدل عليه بمفهوم أو مع أمره ﷺ أن نأخذ عنه المناسك وقد نحر عن نفسه وعن أزواجه يوم الأضحى ونحر أصحابه كذلك، ولم يعرف عن أحد منهم أنه نحر هديه لتمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى، فكان ذلك عمدة في التوقيت بما ذكر من جهات عدة.
وأما الإجماع: فقد قال ابن عابدين على قول صاحبي [تنوير الأبصار] وشرحه [الدر المختار] : ويتعين يوم النحر، أي: وقته، هو والأيام الثلاثة لذبح المتعة والقران فقط، فلم يجز قبله قال: (فلم يجزئ) أي: بالإجماع وهو بضم أوله من الإجزاء.
وأما الأثر: فقد نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال: روي عن غير
стр. 1068
واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عباس.
وأما المعنى: فقد ذكره ابن قدامة بقوله: لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية، فلا يجوز فيه ذبح الهدي للمتمتع كمثل التحلل من العمرة (١) .
القول الثاني: أنه يجوز قبل يوم النحر، وهو منقول عن بعض المالكية، وبه قال الشافعي وبعض أصحابه، وهو رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض أصحابه.
والذين قالوا بهذا القول: منهم من يرى جواز ذبحه إذا قدم به قبل العشر، وهو رواية عن أحمد، ومنهم من يرى جواز ذبحه إذا أحرم بالعمرة، ومنهم من يرى جواز ذبحه إذا حل من العمرة، ومنهم من يرى جواز ذبحه بعد الإحرام بالحج.
وفيما يلي نقول عن القائلين بهذا القول مع مناقشتها ثم نتبع ذلك بأدلتهم ومناقشتها:
أ- نقل الأبي عن القاضي عياض ﵀ في الكلام على قول جابر ﵁ (فأمرنا إذا أحللنا) - أنه قال: في الحديث حجة لمن يجوز نحر الهدي للمتمتع بعد التحلل- من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وهو إحدى الروايات عندنا -أي: المالكية - والأخرى: أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه بذلك يصير متمتعا.
والقول الأول جار على تقديم الكفارة على الحنث، وعلى تقديم الزكاة على الحول.
стр. 1069
وقد يفرق بين هذه الأصول، والأول ظاهر الأحاديث؛ لقوله: (فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي) .
وقد ناقش محمد بن أحمد بن يوسف الرهوني، ما نقله الأبي عن القاضي عياض، فقال: وأما ما نقله، ويعني: أبا عبد الله الأبي عن عياض فليس فيه أن الرواية بالجواز هي المشهورة أو الراجحة أو مساوية للأخرى على أن قوله: وفي الحديث حجة لمن نحر هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وإن كان في الأبي كذلك (نحر بالنون والحاء والراء) مخالفا لما وجدته لعياض في [الإكمال] فإن الذي وجدته فيه تقليد هدي التمتع (بالتاء والقاف واللام والياء والدال) كذا وجدته في نسخة عتيقة مظنون بها الصحة لم أجد في الوقت غيرها، ويؤيد ما وجدته في أنه ذكر المسألة في موضوع آخر فلم يذكر فيها جواز ذلك (أي: النحر بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج) عند أحد لا من أهل المذهب ولا من غيره، ونصه: وقوله للمتمتعين: فمن لم يجد هديا فليصم ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) نص في كتاب الله تعالى مما يلزم المتمتع.
وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الجملة:
فقال جماعة من السلف: ما استيسر من الهدي شاة، وهو قول مالك، وقال جماعة أخرى منهم: بقرة دون بقرة، وبدنة دون بدنة، وقيل: المراد: بدنة أو بقرة أو شاة أو شرك في دم، وهذا عند مالك للحر والعبد، إذ لا يهدي إلا أن يأذن له سيده، وله الصوم وإن كان واجدا الهدي، ولا يجوز عند مالك وأبي حنيفة نحره قبل يوم النحر، وأجاز ذلك الشافعي بعد إحرامه بالحج. اهـ منه بلفظه.
стр. 1070
ونقله الأبي نفسه مختصرا (عن القاضي عياض) وسلم ذكره قبل كلامه الذي نقله محمد البناني بنحو كراسين في كلامه (أي: القاضي عياض) يفيد اتفاق الأئمة الثلاثة ﵃ على أنه لا يجوز نحره قبل الإحرام بالحج، وكذا بعده مالك وأبو حنيفة، خلافا للشافعي، فكيف يذكر بعد ذلك الروايتين عند مالك في جواز نحره قبل الإحرام بالحج؟!
ويؤيد ذلك أيضا: أن اللخمي إنما ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر، ونصه: (ولا يقلد هدي المتعة إلا بعد الإحرام بالحج وكذلك القارن، واختلف: إذا قلد وأشعر قبل إحرام بالحج فقال أشهب وعبد الملك في كتاب ابن حبيب: لا يجزئه، وقال ابن القاسم: يجزئه، فلم يجزئ في القول الأول، لأن المتعة إنما تجب إذا أحرم بالحج وإذا قلد وأشعره قبل ذلك كان تطوعا، والتطوع لا يجزئ عن الواجب، وأجزأ في القول الأخير قياسا على تقديم الكفارة قبل الحنث والزكاة إذا قرب الحول، والذي تقتضيه السنة التوسعة في جميع ذلك) اهـ منه بلفظه.
ولا يخفى على منصف وقف على كلام اللخمي هذا، وعلى كلام عياض: أن الصواب هو ما وجدته في [الإكمال] لا ما نقله عنه الأبي، ونص [الإكمال] قوله: (فأمرنا حين أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدي، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم لوجوب الهدي على المتمتع، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) ؛ لأن هؤلاء صاروا بإحلالهم في أشهر الحج وانتظارهم الحج متمتعين.
стр. 1071
وقد تقدم الكلام عليها في أول الكتاب، ويحتج به من يجيز الاشتراك في الهدي الواجب ومن يجيز تقليد هدي التمتع عند التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وهي إحدى الروايتين عندنا، والأخرى لا يجوز إلا بعد الإحرام؛ لأنه حينئذ صار متمتعا ووجب عليه الدم، والقول الأول على أصل تقديم الكفارة قبل الحنث وتقديم الزكاة قبل الحول على من يقول بها، وقد يفرق بين هذه الأصول إذ ظاهر الحديث يدل على ما قلناه. اهـ محل الحاجة منه بلفظه.
ب- قال خليل: (ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله) :
لقد ناقش الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ هذه الجملة عن خليل فقال: واعلم أن قول من قال من المالكية: إنه يجب بإحرام الحج، وأنه يجزئ قبله، كما هو ظاهر قول خليل في [مختصره] الذي قال في [ترجمته] مبينا لما به الفتوى (ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله) فقد اغتر به بعض من لا تحقيق عنده بالمذهب المالكي.
والتحقيق: أن الوجوب عندهم برمي جمرة العقبة، وبه جزم ابن رشد وابن العربي وصاحب [الطراز] وابن عرفة، قال ابن عرفة: سمع ابن القاسم إن مات- يعني: المتمتع- قبل رمي جمرة العقبة فلا دم عليه) ابن رشد، لأنه إنما يجب في الوقت الذي يتعين فيه نحره وهو بعد رمي جمرة العقبة فإن مات قبله لم يجب عليه، ابن عرفة، قلت: ظاهره لو مات يوم النحر قبل رميه لم يجب، وهو خلاف نقل النوادر عن كتاب محمد بن القاسم وعن سماع عيسى: من مات يوم النحر ولم يرم فقد لزمه دم، ثم قال ابن عرفة: فقول ابن الحاجب: يجب بإحرام الحج يوهم وجوبه على من
стр. 1072
مات قبل وقوفه، ولا أعلم في سقوطه خلافا، ولعبد الحق عن ابن الكاتب عن بعض أصحابنا: من مات بعد وقوفه فعليه الدم. انتهى من الخطاب.
فأصح الأقوال الثلاثة وهو المشهور: أنه لا يجب على من مات إلا إذا كان موته بعد رمي جمرة العقبة، وفيه قول بلزومه إن مات يوم النحر قبل الرمي، وأضعفها أنه يلزمه إن مات بعد الوقوف بعرفة.
أما لو مات قبل الوقوف بعرفة فلم يقل أحد بوجوب الدم عليه من عامة المالكية، وقول من قال منهم: إنه يجب بإحرام الحج لا يتفرع عليه من الأحكام شيء إلا جواز إشعاره وتقليده، وعليه فلو أشعره أو قلده قبل إحرام الحج كان هدي تطوع فلا يجزئ عن هدي التمتع، فلو قلده وأشعره بعد إحرام الحج أجزأه؛ لأنه قلده بعد وجوبه، أي: بعد انعقاد الوجوب في الجملة. اهـ، وعن ابن القاسم أنه لو قلده وأشعره قبل إحرام الحج ثم أخر ذبحه إلى وقته أنه يجزئه عن هدي التمتع وعليه فالمراد بقول خليل: وأجزأ قبله، أي: أجزأ الهدي الذي تقدم تقليده وإشعاره على إحرام الحج، هذا هو المعروف عند عامة علماء المالكية. فمن ظن أن المجزئ هو نحره قبل إحرام الحج أو بعده قبل وقت النحر فقد غلط غلطا فاحشا.
قال الشيخ المواق في [شرحه] : قول خليل: وأجزأ قبله. ما نصه: ابن عرفة يجزئ تقليده وإشعاره بعد إحرام حجه، ويجوز أيضا قبله على قول ابن القاسم. انتهى.
وقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في [مختصره] ، ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله ما نصه: فإن قلت: إذا كان هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف بعرفة أو بمكة بعد ذلك على ما سيأتي فما فائدة
стр. 1073
الوجوب هنا. قلت: يظهر في جواز تقليده وإشعاره بعد الإحرام للحج، وذلك أنه لو لم يجب الهدي حينئذ مع كونه يتعين بالتقليد لكان تقليده إذ ذاك قبل وجوبه فلا يجزئ إلا إذا قلد بعد كمال الأركان.
وقال الشيخ الحطاب أيضا: والحاصل: أن دم التمتع والقران يجوز تقليدها قبل وجوبها على قول ابن القاسم، ورواية عن مالك، وهو الذي مشى عليه المصنف، فإذا علم ذلك فلم يبق للحكم بوجوب دم التمتع بإحرام الحج فائدة، لا سيما على القول بأنه لا يجزئه ما قلده قبل الإحرام بالحج، تظهر ثمرة الوجوب في ذلك ويكون المعنى: أنه يجب بإحرام الحج وجوبا غير متحتم؛ لأنه معرض للسقوط بالموت والفوات فإذا رمى جمرة العقبة تحتم الوجوب فلا يسقط بالموت، كما نقول في كفارة الظهار: أنها تجب بالعود وجوبا غير متحتم، بمعنى: أنها تسقط بموت الزوجة وطلاقها، فإن وطئ تحتم الوجوب ولزمت الكفارة ولو ماتت الزوجة وطلقها. إلى أن قال: بل تقدم في كلام ابن عبد السلام في شرح المسألة الأولى: أن هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك إلى آخره، وهو يدل أنه لا يجزئ نحره قبل ذلك، والله أعلم، ونصوص المذهب شاهدة لذلك.
قال القاضي عبد الوهاب في [المعونة] : ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر، خلافا للشافعي، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) .
وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لم يبلغ
стр. 1074
محله إلا يوم النحر، وله نحو ذلك في شرح الرسالة. وقال في [التلقين] : الواجب بكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى، ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر وله مثله في [مختصر عيون المجالس] ، ثم قال الحطاب ﵀: فلا يجوز الهدي عند مالك حتى يحل، وهو قول أبي حنيفة، وجوزه الشافعي من حيث يحرم بالحج، واختلف قوله فيما بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج.
ودليلنا: أن الهدي متعلق بالتحلل وهو المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) اهـ. منه، وكلام العلماء المالكية بنحو هذا كثير معروف.
والحاصل: أنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران عند مالك وعامة أصحابه قبل يوم النحر، وفيه قول ضعيف بجوازه بعد الوقوف بعرفة، وهو لا يعول عليه، وإن قولهم: إنه يجب بإحرام الحج لا فائدة فيه إلا جواز إشعار الهدي وتقليده بعد إحرام الحج لا شيء آخر فيما نقل عن عياض وغيره من المالكية مما يدل على جواز نحره قبل يوم النحر، كله غلط، إما من تصحيف الإشعار والتقليد وجعل النحر بدل ذلك غلطا، وإما من الغلط في فهم المراد عند علماء المالكية كما لا يخفى على من عنده علم بالمذهب المالكي، فاعرف هذا التحقيق ولا تغتر بغيره.
قال الشافعي: وإذا ساق المتمتع الهدي أو القارن لمتعته أو قرانه فلو تركه حتى ينحره يوم النحر كان أحب إلي، وإن قدم فنحره في الحرم أجزأه من قبل أن على الناس فرضين: فرضا في الأبدان فلا يكون إلا بعد الوقت، وفرضا في الأموال فيكون قبل الوقت إذا كان شيئا مما فيه الفرض، وهكذا
стр. 1075
إن ساقه مفردا متطوعا به، والاختيار إذا ساقه معتمرا أن ينحره بعدما يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يحلق عند المروة، وحيث نحره من فجاج مكة أجزأه، والاختيار في الحج أن ينحره بعد أن يرمي جمرة العقبة وقبل أن يحلق.
وقال الشيرازي: ويجب دم التمتع بالإحرام بالحج، وفي وقت جوازه قولان: أحدهما: لا يجوز قبل أن يحرم بالحج، والثاني: يجوز بعد فسخ الإحرام من العمرة، وقال النووي: ووقت وجوبه عندنا الإحرام بالحج بلا خلاف، وأما وقت جوازه فقال أصحابنا: لا يجوز قبل الشروع بالعمرة بلا خلاف، ويجوز بعد الإحرام بالحج بلا خلاف، ولا يتوقت بوقت كسائر دماء الجبران، لكن الأفضل ذبحه يوم النحر.
وهل تجوز إراقته بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج؟ فيه قولان مشهوران، وحكاهما جماعة وجهين والمشهور قولان وذكرهما المصنف- يريد: الشيرازي في كتابه [المهذب]- بدليليهما أصحهما الجواز.
فعلى هذا هل يجوز قبل التحلل من العمرة؟ فيه طريقان:
أحدهما: لا يجوز قطعا، وهو مقتضى كلام المصنف وكثيرين، ونقله صاحب البيان عن أصحابنا العراقيين، ونقل الماوردي اتفاق الأصحاب عليه.
والثاني: فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز، والثاني: يجوز بوجود بعض السبب حكاه أصحابنا الخراسانيون وصاحب البيان.
فالحاصل في وقت جوازه ثلاثة أوجه: أحدها: بعد الإحرام بالعمرة، وأصحها: بعد فراغها، والثالث: بعد الإحرام بالحج.
قال ابن قدامة: أما وقت وجوبه: فعن أحمد أنه يجب إذا أحرم بالحج،
стр. 1076
وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعنه أنه يجب إذا وقف بعرفة وهو قول مالك واختيار القاضي وقال أبو طالب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي- قال: ينحره بمكة، وإن قدم قبل العشر نحره حتى لا يضيع أو يموت أو يسرق وكذلك قال عطاء: وإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى، ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته وأقام على إحرامه وكان قارنا ... انتهى، وقال أيضا: وقد ذكرنا رواية في جواز تقديم الهدي على إحرام الحج. انتهى.
وذكر صاحب [الفروع] رواية عن الإمام أحمد أنه يجب بإحرام العمرة.
وقال صاحب [الفروع] أيضا: أما وقت ذبحه فجزم جماعة منهم [المستوعب] و [الرعاية] : أنه لا يجوز نحره قبل وقت وجوبه، وقاله القاضي وأصحابه: لا يجوز قبل فجر يوم النحو (و، هـ، م) فظاهره يجوز إذا وجب.
أدلة هذا القول:
نظرا إلى اختلاف القائلين بهذا القول في تحديد بدء وقت جواز ذبحه فإننا نذكر أدلة كل قول على حدة مع المناقشة:
أ- أما رواية أبي طالب عن الإمام أحمد: أنه إن قدم به قبل عشر ذي الحجة جاز ذبحه، وإن قدم به بعد دخول العشر فإنه لا يذبحه إلا يوم النحر، فهذه الرواية مبنية على مصلحة مرسلة، وذلك أنه جاء في رواية أبي
стр. 1077
طالب كما في [المغني] ، أنه قال: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي، قال: ينحره بمكة، وإن قدم قبل العشر ينحره حتى لا يضيع أو يموت أو يسرق. انتهى المقصود.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأمور ثلاثة:
أحدها: أن العمل بالمصلحة المرسلة مشروط بعدم مخالفتها نصا، وقد خالفت النص هنا، وهو: أن النبي ﷺ أخر ذبح الهدي إلى يوم النحر قصدا، وقال ﷺ : «خذوا عني مناسككم (١) » .
الثاني: أنها منتقضة، فإن التعليل بخوف الموت والضياع والسرقة وارد أيضا على الهدي إذا قدم به بعد دخول العشر؛ لأن العشر يحتمل أن يموت فيها الهدي أو يضيع أو يسرق.
الثالث: أن التحديد بالعشر لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
ب- وأما من قال بجواز ذبحه بعد الإحرام بالعمرة، وهو قول عند الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وقول أبي الخطاب من الحنابلة ومن وافقهم من أهل العلم، فاستدل له بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)
وجه الدلالة: ما ذكره الشيرازي وغيره: أن هدي التمتع والقران له سببان: هما العمرة والحج في تلك السنة، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة، فجاز الإتيان بالمسبب كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان؛ لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان
стр. 1078
كفى في وجوب الصوم وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى ولم تنتف الموانع؛ لأن قضاء الصوم فرع من وجوب سابقه في الجملة.
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن هذا مجرد فهم للآية باجتهاد عارضه نص، ومن القواعد المقررة في باب الاجتهاد: أنه لا يجوز الاجتهاد مع النص، والنص هو قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) وقد سبق الاستدلال بهذه الآية مع مناقشتها في القول الأول فلا نطيل الكلام بالإعادة.
ج- وأما من قال بجواز ذبحه بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وهو قول للشافعية ومن وافقهم من أهل العلم، فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) ووجه الاستدلال بها مع المناقشة يقال فيه ما قيل عند الاستدلال بها للقول قبل هذا.
وأما السنة: فما رواه مسلم في [صحيحه] قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: «فأمرنا إذا أحللنا أن
стр. 1079
نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية (١) » وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث.
وجه الدلالة: قال النووي: فيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بثلاثة أمور:
أحدها: أن يقال: لا منافاة بين هذا الحديث وبين ما سبق من أدلة السنة للقول الأول وما جاء في معناها؟ فإن جميعها يدل على أن النبي ﷺ أمر المفرد والقارن اللذين لم يسوقا الهدي بالتحلل، وأمر بالهدي وأمر باشتراك السبعة في البدنة، إلا أنه في هذا الحديث نسق أمرهم بالهدي، وأمرهم بأن يشترك السبعة في البدنة على أمره إياهم بالفسخ بدون فاصل؛ متبعا ذلك قوله: (وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم) وليس في تلك الأحاديث هذه اللفظة ولا ذلك التنسيق؛ فمن هنا نشأ الخطأ في استدلال من استدل بهذا الحديث حيث لم يفرق بين زمن الأمر بالشيء وبين زمن فعل المأمور به فظن أن الإشارة في قوله: (وذلك) إلى زمن الذبح وإنما هي إشارة إلى زمن الأمر، والمراد: أن زمن الأمر بالفسخ وزمن الأمر بالهدي والاشتراك فيها زمن واحد، والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم، وذلك إنما وقع يوم النحر؛ لأنه لا إحلال من حج ألبتة قبل يوم النحر، فيكون الحديث حجة عليهم لا لهم وهذا يسمى عند الأصوليين بالقلب.
الثاني: أنه على تقدير أن قوله: (وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم) هذا الحديث مخالف لما سبق، فيقال فيه: إن هذه الزيادة شاذة، ووجه شذوذها مخالفتها لما سبق من الأدلة الصحيحة الخالية من هذه
стр. 1080
الزيادة، ومدارها على محمد بن بكر البرساني، وقد رواه عن جابر عدول عن طريق أبي الزبير المكي أئمة: مالك بن أنس والليث بن سعد وأبو خيثمة ومطر الوراق وسفيان بن عيينة، وجميع رواياتهم خالية من هذه الزيادة.
الثالث: أن هذا من الأمور التي تتوافر الهمم والداوعي على نقلها، فلو وقع أمره ﷺ للصحابة بأن يذبحوا الهدي بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج- لسارعوا إلى الامتثال، كما سارعوا إلى امتثال أوامره من لبس الثياب والتطيب ومجامعة النساء وغير ذلك، ولو وقع ذلك لنقل، فلما لم ينقل دل على عدم وقوعه ولم يأمرهم بالتحلل من العمرة إلا أنهم ليس معهم هدي.
وأما المعنى: فقال الشيرازي: إنه حق مالي يجب بشيئين، فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب.
ويمكن أن يناقش ذلك: بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص ولا اجتهاد مع النص، وقد مضى ذلك.
د- وأما من قال من الشافعية ومن وافقهم بأنه يجوز بعد الإحرام بالحج فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)
وجه الدلالة: ما ذكره الشيرازي وغيره من أن الله أوجب الهدي على المتمتع، وبمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعا، فوجب حينئذ؛ لأنه يطلق على المتمتع وقد وجد، ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢) فالصيام ينتهي بأول جزء من
стр. 1081
الليل، فكذلك التمتع يحصل بأول جزء من الحج وهو الإحرام.
ويجاب عن الاستدلال بهذه الآية: بما أجيب به عن الاستدلال بها لمن قال بجواز ذبحه إذا أحرم بالعمرة أو بعد تحلله منها وقد سبق.
ويجاب أيضا: بأن المتمتع لا يتحقق بإحرام الحج لاحتمال أن الحج قد يفوته بسبب عائق عن الوقوف بعرفة؛ لأنه لو فاته لا يسمى متمتعا.
أما السنة فقد استدلوا بأدلة:
الأول: ما رواه مسلم في [صحيحه] قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﷺ قال: «فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية (١) » وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث.
وجه الدلالة: قد يقال: إن هذا الحديث يدل على جواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، فيدل بطريق الأولى على جوازه بعد الإحرام بالحج.
وقد مضت مناقشة هذا الدليل عند الاستدلال به لمن قال بجواز ذبحه بعد التحلل من العمرة، وبهذا يتبين أنه لا دلالة فيه، ويجاب ثانيا بما أجيب به من الوجه الثاني عن الاستدلال بالآية.
الدليل الثاني: ما أخرجه الحاكم في [المستدرك] قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء، عن جابر بن عبد الله قال: كثرت القالة من الناس فخرجنا حجاجا حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل
стр. 1082
أمرنا بالإحلال ... الحديث إلى أن قال: قال عطاء: قال ابن عباس ﵄: «إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنما، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف، فقام تحت يدي ناقته، فقال له النبي ﷺ : "اصرخ، أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا؟» الحديث ثم قال الحاكم بعد إخراجه هذا الحديث: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي على تصحيحه.
ومحل الشاهد من هذا الحديث: قوله: (فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة ... ) إلخ.
وجه الدلالة قد يقال: إن عطف الوقوف بالفاء على ذبح سعد تيسه عن نفسه يدل على جواز ذبح الهدي بعد الإحرام بالحج.
والجواب: أن ذبح سعد للتيس كان يوم النحر، بدليل ما رواه الإمام أحمد في [مسنده] قال: (حدثنا حجاج بن محمد عن
ابن جريج قال: أخبرني عكرمة مولى ابن عباس، زعم أن ابن عباس أخبره: «أن النبي ﷺ قسم غنما يوم النحر في أصحابه، وقال: اذبحوها لعمرتكم، فإنها تجزئ فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس (١) » وقد ذكره الهيثمي في [مجمع الزوائد] وقال: أخرجه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح، فرواية الإمام أحمد مفسرة لرواية الحاكم، حينئذ لا دلالة في الحديث.
وأما المعنى فمن وجوه:
أحدها: ما ذكره الشيرازي بقوله: إن شرائط الدم إنما توجد بوجود الإحرام فوجب أن يتعلق الوجوب به، انتهى.
стр. 1083
ويمكن أن يناقش ذلك: بأنه دليل اجتهادي ولا اجتهاد مع النص، وقد سبق ما يدل على خلاف ذلك عند الكلام على أدلة المذهب الأول.
الثاني: ويجاب أيضا: بما أجيب به من الوجه الثاني عن الآية التي استدل بها أهل هذا القول. ما سبق من المناقشة لاستدلال أهل القول الأول بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) والمحل المقصود من المناقشة جواز ذبح الهدي قبل يوم النحر قياسا على جواز الصيام؛ لأنه بدله، والبدل له حكم المبدل منه.
الثالث: ويجاب عنه هنا بما أجيب به عنه هناك، تركنا إعادته هنا اختصارا. ما ذكره النووي بقوله: (ولا يتوقت بوقت كسائر دماء الجبران) .
ويناقش ذلك: بما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابه [زاد المعاد] ، من أنه دم شكران لا دم جبران (٢)
ويمكن أن يناقش ثانيا: بأنه قياس مع النص، فقد وردت أدلة دالة على ذبحه يوم النحر وسبقت من أدلة القول الأول، فيكون هذا القياس فاسد الاعتبار.
стр. 1084
ثانيا: نهاية وقت ذبح الهدي مع الأدلة والمناقشة:
اختلف أهل العلم في تحديد نهاية أيام النحر: هل هي يوم العيد ويومان بعده، أو يوم العيد وثلاثة أيام بعده، أو يوم العيد فقط؟.. إلخ ما ستأتي الإشارة إليه من الأقوال التي لا تعتمد على دليل شرعي.
стр. 1085
وفيما يلي ذكر المذاهب ومن قال بكل مذهب منها ومستنده مع المناقشة في حدود ما يسره الله:
القول الأولى: ينتهي وقت النحر بغروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق، وممن قال بهذا القول: الحنفية وهو مذهب مالك وأحمد.
قال الجصاص: ذهب أصحابنا والثوري إلى أنه يوم العيد ويومان بعده.
وقال القرطبي: قال مالك: ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده.
وقال ابن قدامة: قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول ﷺ .
وقال ابن القيم: هذا مذهب أحمد.
وقال في [الإنصاف] ،: هذا هو الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم.
واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والإجماع والأثر والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١)
وجه الدلالة: ما ذكره القرطبي بقوله: (وهذا جمع قلة لكن المتيقن منه الثلاثة وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به) .
وأما السنة: فنهى النبي ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث.
وجه الدلالة: ما ذكره الباجي بقوله: ومعلوم أنه أباح الأكل منها في أيام الذبح فلو كان اليوم الرابع منها لكان قد حرم على من ذبح في ذلك اليوم أن
стр. 1086
يأكل من أضحيته. انتهى كلام الباجي، وليس هناك فرق بين الأضحية والهدي بالنسبة لانتهاء وقت الذبح.
وأما الإجماع: فقد قرره الجصاص بقوله- بعد ذكره هذا الرأي عن بعض الصحابة قال: قد ثبت عمن ذكرنا من الصحابة أنها ثلاثة، واستفاض ذلك عنهم، وغير جائز لمن بعدهم خلافهم إذ لم يرد عن أحد من نظرائهم خلافه فثبتت حجته.
وأيضا: فإن سبيل تقدير النحر التوقيف أو الاتفاق، إذ لا سبيل إليها من طريق القياس فلما قال: من ذكرنا قوله من الصحابة الثلاثة صار ذلك توقيفا كما قلنا في مقدار مدة الحيض، وتقدير المهر، ومقدار التشهد في إكمال فرض الصلاة وما جرى مجراها من المقادير التي طريق إثباتها التوقيف أو الاتفاق، وإذا قال به قائل من الصحابة ثبتت حجته، وكان ذلك توقيفا.
وأما الأثر: فقد نقله الجصاص وغيره عن علي وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب.
وأما المعنى: فمن وجهين:
أحدها: ما ذكره الجصاص بقوله: قد ثبت الفرق بين أيام النحر وأيام التشريق؛ لأنه لو كانت أيام النحر أيام التشريق لما كان بينهما فرق، وكان ذكر أحد العددين ينوب عن الآخر فلما وجدنا الرمي في يوم النحر وأيام التشريق ووجدنا النحر يوم النحر، وقال قائلون: إلى آخر أيام التشريق، وقلنا نحن: يومان بعده وجب أن نوجد فرقا بينهما لإثبات فائدة كل واحد من اللفظين وهو أن يكون من أيام التشريق ما ليس من أيام النحر وهو آخر أيامها.
الثاني: ما ذكره الباجي بقوله: هو يوم مشروع النفر قبله فلم يكن من أيام
стр. 1087
الذبح كالخامس.
القول الثاني: أن وقت الذبح ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق.
وبهذا قال الشافعي: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم من أهل العلم، قال الشافعي: والأضحية جائزة يوم النحر وأيام منى كلها. وقال المرداوي في [الإنصاف] : قال في [الإيضاح] : آخره آخر يوم من أيام التشريق، واختاره ابن عبدوس في [تذكرته] بأن آخره آخر اليوم الثالث من أيام التشريق واختاره الشيخ تقي الدين قاله في [الاختيارات] وجزم به ابن رزين في [نهايته] . والظاهر أنه مراد صاحب [النهاية] فإن كلامه محتمل.
وقال ابن القيم في [زاد المعاد] : وهو مذهب إمام أهل الهجرة الحسن وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح وإمام أهل الشام الأوزاعي وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي ﵀، واختاره ابن المنذر.
واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١) الآية.
وجه الدلالة: أن المراد بالمعلومات أيام النحر، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، واستدلوا لهذا التوجيه بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢) الآية.
стр. 1088
قال ابن القيم ﵀: هذه الأيام الثلاثة تختص بأنها أيام منى وأيام الرمي وأيام التشريق، ويحرم صيامها فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع؟ !
وأما السنة: فقد استدلوا بأدلة:
الأول: «أن النبي ﷺ نحر هديه يوم النحر ضحى» .
وجه الدلالة: ما ذكره الشافعي بقوله: فلما لم يحظر على الناس أن ينحروا بعد يوم النحر بيوم أو يومين لم نجد اليوم الثالث مفارقا لليومين قبله؛ لأنه ينسك فيه ويرمى كما ينسك ويرمى فيهما.
الثاني: ما رواه سليمان بن أبي موسى، عن ابن أبي حسين عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ قال: «كل عرفات موقف، وارتفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح (١) » .
وهذا نص في الدلالة أن كل أيام النحر بأنها ثلاثة بعد العيد.
وأجيب عن هذا الحديث: بما نقله الرازي عن الإمام أحمد: أنه قال جوابا لمن سأله عن هذا الحديث قال: لم يسمعه ابن أبي حسين من جبير بن مطعم، وأكثر روايته عنه سهو.
قال الرازي: وقد قيل: إن أصله ما رواه مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: سمعت عبد الله بن أبي حسين يخبر عن عطاء بن أبي رباح، وعطاء يسمع قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : «كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (٢) » فهذا أصل الحديث ولم يذكر فيه: " وكل
стр. 1089
أيام التشريق ذبح "، ويشبه أن يكون الحديث الذي ذكر فيه هذا اللفظ إنما هو من كلام جبير بن مطعم أو من دونه؛ لأنه لم يذكره.
وأجاب ابن القيم عن ذلك بقوله: وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي ﷺ أنه قال: «كل منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح (١) » ، وروي من حديث جبير بن مطعم، وفيه انقطاع، ومن حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون. انتهى.
وقد تكلم الزيلعي على هذا الحديث في [نصب الراية] فقال: رواه أحمد في [مسنده] وابن حبان في [صحيحه] في النوع الثالث والأربعين من القسم الثالث من حديث عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: «كل أيام التشريق ذبح، وعرفة كلها موقف (٢) » إلى آخره، وقد ذكرناه بتمامه في الحج، ورواه البزار في [مسنده] وقال: ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم، ورواه البيهقي في [المعرفة] ، ولم يذكر فيه انقطاعا، وأخرجه الدارقطني في [سننه] عن أبي معيد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن دينار عن جبير بن مطعم مرفوعا، وأبو معيد بمثناة فيه لين، وأخرجه هو والبزار عن سويد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه مرفوعا، قال البزار: لا نعلم قال فيه عن نافع بن جبير عن أبيه إلا سويد بن عبد العزيز، وهو ليس بالحافظ، ولا يحتج به إذا انفرد، وحديث ابن أبي حسين هو الصواب، مع أن ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم. انتهى.
وأخرجه أحمد أيضا والبيهقي عن سليمان بن موسى عن جبير بن
стр. 1090
مطعم، عن النبي ﷺ ، قال البيهقي: وسليمان بن موسى لم يدرك جبير بن مطعم، وأخرج ابن عدي في [الكامل] عن معاوية بن يحيى الصدفي عن ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «أيام التشريق كلها ذبح» انتهى.
وضعف معاوية بن يحيى عن النسائي والسعدي وابن معين وعلي بن المديني ووافقهم، وقال ابن أبي حاتم في [كتاب العلل] قال أبي: هذا حديث موضوع بهذا الإسناد. انتهى. وقيل: معاوية محمد بن شعيب.
وأما الأثر: فقد أخرج البيهقي عدة آثار في ذلك عن ابن عباس والحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى، وذكر ابن قدامة أنه مروي عن علي.
وأما المعنى: فإنها أيام تكبير وإفطار فكانت محلا للنحر كالأولين، ذكر ذلك ابن قدامة.
وأما ما عدا هذين القولين من الأقوال فقد تركنا ذكرها؛ لعدم جدوى البحث فيها، فإنها أقوال مبنية على مدارك اجتهادية ولا محل للاجتهاد مع الأدلة، قال ابن عبد البر: ولا يصح عندي في هذا إلا قولان. أحدهما: قول مالك والكوفيين، والثاني: قول الشافعي والشاميين، وهذان القولان مرويان عن الصحابة، فلا معنى للاشتغال بما خالفهما؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة وما خرج عن هذين فمتروك. انتهى المقصود. بواسطة نقل القرطبي عنه في [جامعه] .