← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ونوع في المرتبة الدنيا: كأدنى وجع في إصبع، فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة؛ لشرف العبادة وخفة هذه المشقة. النوع الثالث: مشقة بين هذين النوعين: فما قرب من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا لم يوجبه، وما توسط يختلف فيه؟ لتجاذب الطرفين، فعلى تحرير هاتين القاعدتين تتخرج الفتاوى في مشاق العبادات. انتهى. ثم قال: فائدة (١) : قال بعض العلماء: المشاق تختلف باختلاف رتب العبادات، فما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها، فإن العموم بكثرته يقوم مقام العظم، كما يسقط التطهر من الخبث في الصلاة التي هي أهم العبادات بسبب التكرار؛ كثوب المرضع، ودم البراغيث، وكما سقط الوضوء فيها بالتيمم " لكثرة عدم الماء والحاجة إليه، أو العجز عن استعماله، وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة، وتحرير هاتين القاعدتين يطرد في الصلاة وغيرها من العبادات وأبواب الفقه، وكما جدت المشاق في الوضوء ثلاثة أقسام: متفق على عدم اعتباره، ومتفق على اعتباره، ومختلف فيه، فكذلك تجده في الصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة، والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء والمشي في الوحل، وغضب الحكام وجورهم المانعين من استيفاء الفكر وغير ذلك، وكذلك الغرر والجهالة في البيع ثلاثة أقسام، واعتبر ذلك في

стр. 1192

جميع أبواب الفقه. انتهى. وقد بسط العز بن عبد السلام (١) الكلام على أقسام المشاق الموجبة للتخفيف في الشريعة. ضابط المشقة المؤثرة: قال القرافي (٢) : يجب على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة، فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال، ثم ما رود عليه بعد ذلك من المشاق، مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطا، وإن كان أدنى منها لم يجعله مسقطا، مثاله: التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بالحديث الوارد عن كعب بن عجرة، فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح، وإلا فلا، والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق. موضوع اعتبار الحرج والمشقة قال ابن نجيم (٣) : المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما مع النص بخلافه فلا، ولذا قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - بحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلا الإذخر، وجوز أبو حنيفة رعيه للحرج، ورد عليه بما ذكرنا. انتهى. أنواع تخفيفات الشرع: ذكر العز بن عبد السلام (٤) ستة أنواع:

стр. 1193

١ - تخفيف الإسقاط؛ كإسقاط الجمعات والصوم والحج والعمرة بأعذار معروفة. ٢ - تخفيف التنقيص؛ كقصر الصلاة، وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلوات؛ كتنقيص الركوع والسجود وغيرهما إلى القدر الميسور من ذلك. ٣ - تخفيف الأبدال؛ كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء، وإبدال العتق بالصوم، وكإبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار. ٤ - تخفيف التقديم؛ كتقديم العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر، وكتقديم الزكاة على حولها، والكفارة على حنثها. ٥ - تخفيف التأخير؛ كتأخير الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء، ورمضان إلى ما بعده. ٦ - تخفيف الترخيص؛ كصلاة التيمم مع الحدث، وصلاة المستجمر مع فضلة النجو، وكأكل النجاسات للمداواة، وشرب الخمر للغصة، والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، ويعبر عن هذا بالإطلاق مع قيام المانع أو بالإجابة مع قيام الحاظر. مورد هذه القاعدة من الشريعة: قال الشاطبي (١) : وهي جارية في العبادات والعادات والمعاملات

стр. 1194

والجنايات، ففي العبادات؛ كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر، وفي العادات؛ كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا، وما أشبه ذلك، وفي المعاملات، كالقراض والمساقاة والسلم وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات؛ كثمرة الشجرة ومال العبد، وفي الجنايات، كالحكم باللوث والتدمية والقسامة وضرب الدية على العاقلة وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 1195

قرار هيئة كبار العلماء رقم (٣) وتاريغ ١٣\ ٨\ ١٣٩٣ هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه. وبعد: بناء على خطاب المقام السامي رقم (٢٢٣١٠) تاريخ ٤\ ١١\ ١٣٩١ هـ المتضمن الموافقة على اقتراح سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بحث موضوع (حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق، وكذا حكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال، وحكم الرمي ليالي أيام التشريق) من قبل هيئة كبار العلماء- عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان عام ١٣٩٢ هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع الرمي المشتمل على المسائل الآتية: أ- حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد. ب- حكم رمي جمرة العقبة ليلة القر. ح- حكم رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال. د- حكم رمي الجمار ليلتي اليوم الثاني والثالث من أيام التشريق. وبعد دراسة المجلس للمسائل المذكورة واطلاعه على أقوال أهل العلم وتداوله الرأي فيها قرر- ما يلي: ١ - جواز رمي جمرة العقبة بعد نصف ليلة يوم النحر للضعفة من النساء وكبار السن والعاجزين ومن يلازمهم للقيام بشؤونهم؛ لما ورد من

стр. 1196

الأحاديث والآثار الدالة على جواز ذلك. ٢ - عدم جواز رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال؛ لفعله ﷺ وقوله: «خذوا عني مناسككم (١) » ، ولقول ابن عمر أيام التشريق: كنا نتحين الرمي فإذا زالت الشمس رمينا. ومعلوم أن النبي ﷺ أعلم الناس وأنصح الناس وأرحمهم، فلو كان ذلك جائز قبل الزوال لبينه ﷺ . ٣ - أما ما عدا ذلك من المسائل الخلافية من أعمال المناسك المشار إليها أعلاه، فإن الخلاف فيها معروف بين العلماء، ومدون في كتب المناسك وغيرها، وما زال عمل الناس جاريا على ذلك، وينبغي للحاج أن يحرص على التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ لقوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم (٢) » . ويرى المجلس في هذه المسائل الخلافية أن يستفتي العامي من يثق بدينه وأمانته وعلمه في تلك المسائل، ومذهب العامي مذهب من يفتيه. وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة عبد الرزاق عفيفي محمد الأمين الشنقيطي ... عبد الله بن حميد ... محضار عقيل عبد العزيز بن باز ... عبد المجيد حسن ... عبد الله خياط محمد الحركان ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد العزيز بن صالح صالح بن غصون ... عبد الله بن غديان ... سليمان بن عبيد محمد بن جبير ... عبد الله بن منيع ... راشد بن خنين صالح بن لحيدان

стр. 1197

مصادر البحث وملحقاته ١ -[الجامع لأحكام القرآن] للإمام القرطبي: طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٣٦ م. ٢ -[أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن] للإمام الشنقيطي. ٣ -[صحيح البخاري مع فتح الباري] لابن حجر العسقلاني، طبعة المطبعة السلفية ومكتبتها. ٤ -[صحيح البخاري مع فتح الباري] عمدة القاري للبدر العيني طبعة منيرية. ٥ -[صحيح مسلم] وعليه [شرح النووي] الطبعة الأولى بالمطبعة المصرية بالأزهر سنة ١٣٤٧ هـ. ٦ -[موطأ مالك] وعليه [شرح الزرقاني] طبع مطبعة الاستقامة بمصر والأزهر، الأولى عام ١٣٣٢ هـ. ٧ -[المنتقى على موطأ مالك] للإمام الباجي، طبع مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الأولى عام ١٣٣٢ هـ. ٨ -[تهذيب السنن على المختصر] لابن القيم، طبعة مطبعة السنة المحمدية، سنة ١٣٦٧ هـ. ٩ -[معالم السنن] للخطابي على [مختصر السنن] طبعة مطبعة أنصار السنة المحمدية سنة ١٣٦٧ هـ. ١٠ -[عون المعبود على سنن أبي داود] لمحمد شمس الحق آبادي نشر صاحب دار الكتاب العامة، ببيروت لبنان (مصور) .

стр. 1198

١١ -[جامع الأصول] لابن الأثير، نشر وتوزيع مكتبة الحلواني ومطبعة الملاح ومكتبة دار البيان، سنة ١٣٩٠ هـ. ١٢ -[جامع الترمذي] مع [التحفة] لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوي طبعة حيدر آباد، سنة ١٣٤٦ هـ. ١٣ -[سنن البيهقي] وعليها [الجوهر النقي] لابن التركماني، طبعة حيدر آباد. ١٤ -[سنن الدارقطني] طبعة دار المحاسن للطباعة بالقاهرة، سنة ١٣٨٦ هـ. ١٥ -[شرح معاني الآثار] لأحمد بن محمد الأزدي الطحاوي طبع مطبعة الأنوار المحمدية بالقاهرة. ١٦ -[شرح المواهب اللدنية] للقسطلاني طبع المطبعة الأزهرية المصرية، عام ١٣٢٨ هـ. ١٧ -[نصب الراية لأحاديث الهداية] للزيعلي، الطبعة الأولى المجلس العلمي، سنة ١٣٥٧ هـ. طبع مطبعة دار المأمون. ١٨ -[التلخيص الحبير] لابن حجر العسقلاني طبع شركة الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة. ١٩ -[الدراية في تخريج أحاديث الهداية] طبع مطبعة الفجالة الجديدة، سنة ١٣٨٤ هـ. ٢٠ -[البداية والنهاية] لابن كثير طبع مطبعة السعادة، الطبعة الأولى، سنة ١٣٥١ هـ. ٢١ -[الكفاية في علم الرواية] للخطيب البغدادي، طبع دائرة

стр. 1199

المعارف العثمانية، سنة ١٣٥٧ هـ. ٢٢ -[شرح ألفية العراقي] له- طبع بالمطبعة الجديدة بطالعة فاس عدد ٦٤ سنة ١٣٥٤ هـ. ٢٣ -[شروط الأئمة الخمسة] لأبي حازم، ومعه [شروط الأئمة الستة] نشر مكتبة القدسي بالقاهرة، سنة ١٣٥٧ هـ. ٢٤-[تهذيب التهذيب] لابن حجر، طبع بمطبعة دائرة المعارف النظامية بالهند، عام ١٣٢٦ هـ. ٢٥ -[بدائع الصنائع] للكاساني طبع في مطبعة شركة المطبوعات العلمية بمصر، الطبعة الأولى عام ١٣٢٧ هـ. ٢٦ -[فتح القدير على الهداية] لابن الهمام، الطبعة الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر، سنة ١٣١٥ هـ. ٢٧ -[العناية على الهداية] مع [فتح القدير] للبابرتي. ٢٨ -[المسلك المتقسط في المنسك المتوسط] لباب المناسك، الأصل للسندي، والشرح لملا علي قاري، وعليه حاشية تسمى [إرشاد الساري إلى مناسك الملا علي قاري] . ٢٩ -[المدونة] للإمام مالك الطبعة الأولى. ٣٠ -[مختصر خليل وشرحه] للدردير، طبعة الحلبي. ٣١ -[الأم] للإمام الشافعي، الطبعة الأولى طبعة أميرية، سنة ١٣٣١ هـ. ٣٢ -[الإيضاح] للنووي، الطبعة الثانية، مطبعة دار التأليف. ٣٣ -[المجموع شرح المهذب] مطبعة التضامن الأخوي بمصر.

стр. 1200

٣٤ -[نهاية المحتاج] للرملي، الطبعة الحلبية، سنة ١٣٨٦ هـ. ٣٥ -[المغني والشرح الكبير] لابن قدامة الطبعة الأولى بمطبعة المنار سنة ١٣٤٦ هـ. ٣٦ -[الإنصاف] للمرداوي الطبعة الأولى، عام ١٣٧٥ هـ. ٣٧ -[زاد المعاد] لابن قيم الجوزية مطبعة السنة المحمدية. ٣٨ -[الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير] للسباعي الطبعة الأولى مطبعة السعادة، سنة ١٣٤٨ هـ. ٣٩ -[روضة الناظر] وعليها [حاشية بدران] . ٤٠ -[الأشباه والنظائر] لابن نجيم، الناشر مؤسسة الحلبي، عام ١٣٨٧ هـ. ٤١ -[الفروق] للقرافي، طبعة أولى بمطبعة دار إحياء الكتب العربية عام ١٣٤٤ هـ. ٤٢ -[الموافقات] للشاطبي، طبع مطبعة الشرق الأدنى. ٤٣ -[قواعد الأحكام في مصالح الأنام] للعز بن عبد السلام، طبعت بمطبعة دار الشرق للطباعة، عام ١٣٨٨ هـ. ٤٤-[لسان العرب] لابن منظور، الطبعة الأميرية، عام ١٣٠٠ هـ. ٤٥ -[القاموس المحيط] للفيروز آبادي طبع بالمطبعة الأميرية، عام ١٣٠١ هـ.

стр. 1201

(٥) الطلاق المعلق هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 1202

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطلاق المعلق (١) إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، وبعد ... فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الرابعة المنعقدة في مدينة الرياض في الفترة من ٢٩ / ١٠ / ١٣٩٣ هـ إلى ١٢ / ١١ / ١٣٩٣ هـ. موضوع (حكم الطلاق المعلق) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الطلاق المعلق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه، وبعد: فبناء على اقتراح اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن يصدر قرار من مجلس هيئة كبار العلماء في حكم الطلاق المعلق- أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الطلاق المعلق، هل يعتبر ويقع عند وقوع المعلق عليه طلاقا أو يمينا تلزم فيها الكفارة، أو يكون لغوا؟

стр. 1203

وقد تضمن البحث ما تيسر مما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار في ذلك وأقوال فقهاء المذاهب الأربعة، وفيما يلي ذكر ذلك على الترتيب:

стр. 1204

أولا: ما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار: أ- قال نافع (١) : طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس (بشيء) رواه البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر معلقا بصيغة الجزم، استدل بهذا الأثر من قال باعتبار تعليق الرجل طلاق زوجته على شيء وبوقوعه عند حصول المعلق عليه، وحمله ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهما على ما إذا قصد الزوج الطلاق لا الحلف؛ جمعا بين الآثار الواردة في ذلك. ب- وروى البيهقي من طريق سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود ﵁ في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق، فتفعله، قال: هي واحدة، وهو أحق بها. نوقش هذا الأثر: بأنه منقطع؛ لأن إبراهيم الراوي عن ابن مسعود هو ابن يزيد النخعي، وقد ولد بعد وفاة ابن مسعود بسبع عشرة سنة تقريبا، وبأنه على تقدير قبوله وهو مرسل يمكن حمله على قصد الرجل الطلاق بتعليقه دون الحلف. ج- وقال البيهقي: أخبرنا أبو الحسن الرفا، أخبرنا عثمان بن بشر، أخبرنا إسماعيل القاضي، أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، أخبرنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الستة من أهل المدينة كانوا يقولون: أيما رجل

стр. 1205

قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلى الليل فخرجت، أو قال ذلك في غلامه فخرج قبل الليل بغير علمه- طلقت امرأته، وعتق غلامه؛ لأنه ترك أن يستثني، لو شاء قال: إلا بإذني لكنه فرط في الاستثناء فإنما يجعل تفريطه عليه. ونوقش: بأن في سنده إسماعيل بن أويس، وقد ضعفه غير واحد من أئمة الحديث، بل رماه بعضهم بوضع الحديث، وبأنه اعترف بأنه كان يضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، وعابوا على الشيخين إخراجهما حديثه في [صحيحيهما] ، قال ابن حجر: لعل ذلك كان منه في شبيبته ثم انصلح، قال: وأما الشيخان فما أظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات.. انظر بقية الكلام عليه في [تهذيب التهذيب] وفي مقدمة [فتح الباري] لابن حجر؛ لاستيفاء ما قيل فيه من توثيق وتجريح، وفي سنده أيضا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وقد ضعفه ابن معين وابن المديني وابن مهدي وغيرهم، وقال فيه أحمد: إنه مضطرب الحديث، وتكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة يعني الفقهاء وقال: أين كنا عن هذا.. انظر ترجمته في [تهذيب التهذيب] . د- وقال البيهقي (١) : أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الحسن بن علي بن عفان، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم في رجل قال لامرأته:

стр. 1206

هي طالق إلى سنة، قال: هي امرأته يستمتع منها إلى سنة، ويروى مثل ذلك عن ابن عباس ﵄، وبه قال عطاء وجابر بن زيد. اهـ. ونوقش بأن الإمام أحمد قال: حماد بن سلمة عنده عن حماد بن أبي سليمان تخليط كثير. وقال شعبة في حماد بن أبي سليمان: كان لا يحفظ. وقال حبيب بن أبي ثابت: كان حماد يقول: قال إبراهيم، فقلت: والله إنك لتكذب على إبراهيم، أو أن إبراهيم ليخطئ، وقال الذهبي فيه: كثير الخطأ والوهم، وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، واختلط في آخر أمره.. انظر بقية ترجمته في [تهذيب التهذيب] ، وقد وثقه بعض أئمة الحديث، إلا أن الجرح إذا بين كما هنا مقدم على التعديل، ومع ذلك فهذا مما قصد به الطلاق من غير شك دون الحلف فلو صح لم يكن معارضا لما قيل من أن تعليق الطلاق يعتبر طلاقا عند القصد إلى الطلاق.. أما إن قصد الحث أو المنع فيعتبر يمينا تلزم فيها الكفارة. وجملة القول: أن هذه الآثار استدل بها من قال باعتبار تعليق الطلاق على شيء وبوقوعه طلاقا عند حصول المعلق عليه، وقد عرف ما تأولها به من فصل بين قصد الطلاق وقصد الحلف وما قيل في أسانيدها، وسيأتي.. هـ وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (١) عن ابن التيمي عن أبيه عن بكر بن عبد الله المزني قال: أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية

стр. 1207

إن لم تطلق زوجتك أو تفرق بينك وبين امرأتك، قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة، وكانت إذا ذكرت امرأة بفقه ذكرت زينب، قال: فجاءت معي إليها، فقالت: أفي البيت هاروت وماروت؟ فقالت: يا زينب - جعلني الله فداك- إنها قالت: كل مملوك لها حر، وهي يهودية ونصرانية، فقالت: يهودية ونصرانية؟ خلي بين الرجل وامرأته، قال: فكأنها لم تقبل ذلك، قال: فأتيت حفصة، فأرسلت معي إليها، فقالت أم المؤمنين- جعلني الله فداك- إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية، قال: فقالت حفصة: يهودية ونصرانية؟ خلي بين الرجل وامرأته، فكأنها أبت، فأتيت عبد الله بن عمر فانطلق معي إليها، فلما سلم عرفت صوته، فقالت: بأبي أنت وبآبائي أبوك، فقال: أمن حجارة أنت أم من حديد أم من أي شيء أنت؟ أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي منهما، قالت: يا أبا عبد الرحمن، جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية، قال: يهودية ونصرانية؟ كفري عن يمينك، وخلي بين الرجل وامرأته. اهـ. وقد ذكر ابن القيم: أن له طرقا أخرى تدل على أن التيمي لم ينفرد برواية هذا الأثر، وسيأتي تمام البحث في هذا الأثر في التعليق على مذهب الحنابلة. وجه الدلالة: أن هذا الأمر وإن لم يكن فيه ذكر للطلاق إلا أن من تمسك به في اعتبار الطلاق المعلق لغوا أو يمينا مكفرة قاس الطلاق على ما ذكر فيه من المال والعتق في أنه لم يلزمه المعلق عند تحقق ما علق عليه، بل كان لغوا إن اعتبرنا سكوت حفصة وزينب ﵄ عن الإلزام به،

стр. 1208

أو بكفارة دليلا على الإلغاء، أو تلزم فيه الكفارة إن نظرنا إلى ما أفتى به ابن عمر ﵄. وفيما يأتي من أقوال الفقهاء استدلال بآيات وأحاديث وآثار أخرى مع مناقشتها إن شاء الله ... والله الموفق.

стр. 1209

ثانيا: أقوال فقهاء المذاهب الأربعة: أ- مذهب الحنفية: ١ - قال البرهان علي بن أبي بكر المرغيناني في [الهداية] : وإذا أضافه- أي: الطلاق- إلى شرط وقع عقيب الشرط مثل أن يقول لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، قال الشارح (١) : وهذا بالاتفاق؛ لأن الملك قائم في الحال، والظاهر بقاؤه إلى وقت وجود الشرط، فيصبح يمينا أو إيقاعا. قال ابن الهمام في [فتح القدير] : فيصبح يمينا أو إيقاعا، أي: فيصح التعليق المذكور يمينا عندنا؛ لأنه لا يعمل عندنا في الحال، أو إيقاعا عند الشافعي؛ لأنه عنده سبب في الحال) . اهـ. ٢ - وفي [مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر] ما نصه: (إنما يصح التعليق حال كونه في الملك- أي: القدرة على التصرف في الزوجية بوصف الاختصاص وذلك عند وجود النكاح أو العدة مع حل العقد، فإنه لو وجد أحدهما والمرأة مدخولة محرمة بالمصاهرة- لم يصح التعليق فيه، فمن بعض الظن تأويل الملك بوجود النكاح والمتبادر أن الملك لم يشترط لصحة التنجيز وليس كذلك، وبقاء الملك في عدة الرجعي مما لا خلاف

стр. 1210

فيه، وأما في عدة البائن ففيه خلاف، كما في القهستاني - كقوله لمنكوحته أو لمعتدته: إن زرت فأنت طالق- فيقع بعد وجود الشرط وهو الزيارة ولو كان المعلق عاقلا عند التعليق ثم جن عند الشرط؛ لأنه إيقاع حكما، ألا يرى أنه لو كان عنينا أو مجنونا يفرق بينهما، ويجعل طلاقا (أو مضافا إلى الملك) بأن يعلق على نفس الملك، نحو: إن ملكت طلاقك فأنت طالق، أو على سبب، كقوله لأجنبية: إن نكحتك- أي: تزوجتك- فأنت طالق، فإن النكاح سبب للملك؛ فاستعير السبب للمسبب- أي: ملكتك بالنكاح- فيقع إن نكحها، لوجود الشرط، وفي الزاهدي: قد ظفرت بروايتين عن محمد أنه لو أضاف إلى سبب الملك لم يصح التعليق، كما قال بشر المريسي؛ لأن الملك يثبت عقيب سببه، والجزاء يقع عقيب شرطه، فلو صح تعليقه به لكان الطلاق مقارنا لثبوت الملك، والطلاق المقارن لثبوت الملك أو زواله لم يقع، كما لو قال: أنت طالق مع نكاحك أو في نكاحك أو مع موتي أو مع موتك، (وتمامه في التبيين فليطالع) ، ولا فرق بين ما إذا خصص أو عمم كقوله كل امرأة خلافا لمالك فإنه قال إذا لم يسم امرأة بعينها أو قبيلة أو أرضا أو نحو هذا فلا يلزمه ذلك. وقال الشافعي: (لا يصح التعليق المضاف إلى الملك) . مما تقدم يتبين: ١ - أن تعليق الطلاق صحيح عند وجود النكاح أو العدة مع حل العقد، وأنه يقع المعلق عند وجود المعلق عليه باتفاق عند الحنفية، وأنه يصح تعليق الطلاق على ملك الطلاق، مثل: إن ملكت طلاقك فأنت طالق، وتعليقه على سبب الملك، كقوله: إن تزوجتك فأنت طالق، ويقع الطلاق

стр. 1211

إن نكحها أو ملك طلاقها، وخالف محمد بن الحسن في اعتبار التعليق على ملك الطلاق أو النكاح- فلم يوقع الطلاق عند حصول المعلق عليه، لما ذكر من التعليل بمقارنة الطلاق، لوجود الملك والطلاق المقارن غير معتبر. ٢ - أنه لا فرق في التعليق على الملك بين ما إذا عمم في النساء أو خصص خلافا للمالكية في التعميم، أما إذا خصص امرأة أو قبيلة مثلا فمعتبر ويقع الطلاق عند وقوع المعلق عليه عندهم كالحنفية..

стр. 1212

ب- مذهب المالكية: قال ابن رشد (١) : فصل: فأما ما يلزمه باتفاق فاليمين بالطلاق لا اختلاف بين أحد من العلماء: أن الرجل حلف بطلاق امرأته على نفسه أو على غيره أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله: أن اليمين لازمة له، وأن الطلاق واقع عليه في زوجته إذا حنث في يمينه؛ لأن الحالف بالطلاق أن لا يفعل فعلا أو أن يفعله إنما هو مطلق على صفة ما، فإذا وجدت الصفة التي علق بها طلاق امرأته لزمه ذلك، إلا ما روي عن أشهب في الحالف على امرأته بطلاقها أن لا تفعل فعلا فتفعله قاصدة لتحنيثه أن لا شيء عليه، وهو شذوذ، وإنما الاختلاف المعلوم فيمن قال لعبده: (أنت حر إن فعلت كذا وكذا) ففعله، وبالله سبحانه التوفيق. ثم قال ابن رشد (٢) في الفصل الذي عقده لما لا يلزمه باتفاق: وأما ما لا يلزمه باتفاق فما يوجب على نفسه بشرط أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله مما

стр. 1213

ليس لله بطاعة ولا يتقرب به إليه كان مباحا أو معصية كقوله في المعصية: علي ضرب فلان أو إني أفعل كذا وكذا، أو في المباح: علي المشي إلى السوق إن لم أفعل كذا وكذا، أو ما أشبه ذلك ما عدا الطلاق، فإن اليمين به تلزمه، وإن كان من المباح الذي ليس لله فيه طاعة ولا معصية للمعنى الذي قدمت ذكره، وهو: أن الحالف به مطلق على صفة ما. ثم عقد ابن رشد فصلا خاصا فيما ينقسم إليه الطلاق من الوجوه (١) ، وقسم فيه الطلاق إلى مطلق وإلى مقيد بالصفة قال فيه: وأما الطلاق المقيد بصفة فإنه ينقسم إلى وجهين: أحدهما: أن يقيد ذلك فيها بلفظ الشرط. والثاني: أن يقيده فيها بلفظ الوجوب. فأما إذا قيده بلفظ الشرط مثل أن يقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا أو أن لا أفعله، فإن الفقهاء يسمون ذلك يمينا بالطلاق على المجاز؛ لما فيه من معنى اليمين بالله تعالى، وهو: أن الطلاق يجب عليه بالشرط كما تجب الكفارة على الحالف بالله تعالى بالحنث، فاستويا جميعا في القصد إلى الامتناع مما يجب به الطلاق أو الكفارة دون القصد إلى الطلاق أو الكفارة، ومن ذلك أيضا: أنه ينعقد في المستقبل من الأزمان كما تنعقد الأيمان بالله تعالى، ويكون في الماضي إما واقع كذا وإما ساقط، كاليمين بالله الذي يكون في الماضي إما لغو، أو حالف على صدق لا تجب فيه كفارة، وإما غموس أعظم من أن يكون فيه كفارة، يأثم إذا حلف على الغيب، أو على الكذب،

стр. 1214

أو على الشك، كما يأثم في اليمين بالله إذا حلف على شيء من ذلك وليس بحقيقة، وإنما بحقيقة اليمين بالطلاق قول الرجل: وحق الطلاق لأفعلن كذا وكذا، وبالله سبحانه التوفيق. ثم قال ابن رشد (١) : فصل فيما تقسم إليه اليمين بالطلاق من الوجوه، وهو - أعني اليمين بالطلاق - على ما ذكرته من المجاز تنقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يحلف بالطلاق على نفسه. والثاني: أن يحلف على غيره. والثالث: أن يحلف على مغيب من الأمور. فالأول: وهو حلفه بالطلاق على نفسه، فهو ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا، فيقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا. والثاني: أن يحلف به أن يفعل فعلا، فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا. فأما الوجه الأول: وهو أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون الفعل مما يمكنه فعله وتركه. والثاني: أن يكون مما لا يمكنه تركه. والثالث: أن يكون مما لا يمكنه فعله.

стр. 1215

فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه فلا خلاف في أنه لا طلاق عليه إلا أن يفعل ذلك الفعل، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن ضربت عبدي، أو دخلت الدار، أو ركبت الدابة، أو ما أشبه ذلك، إلا في مسألة واحدة، وهي أن يقول: امرأتي طالق إن وطئتك فإن لها تفصيلا، وفيها اختلاف، وهو مذكور في الأمهات، وسيأتي تحصيل القول عليه في كتاب الإيلاء (١) وأما إذا كان مما لا يمكنه تركه فقيل: إنه يجعل عليه الطلاق، وهو قول سحنون، وقيل: إنه لا طلاق عليه حتى يفعل ذلك الفعل كالوجه الأول، وهو ظاهر قول ابن القاسم في [المدونة] مثال ذلك: أن يقول: امرأتي طالق إن أكلت أو شربت أو صمت أو صليت وما أشبه ذلك. وأما إذا كان مما لا يمكنه فعله فقيل: إنه لا شيء عليه، وهو قول ابن القاسم في [المدونة] ، وقيل: إن الطلاق يعجل عليه؛ لأنه يعد نادما وهو قول سحنون، وروي مثله عن ابن القاسم، مثال ذلك: أن يقول: امرأتي طالق إن مسست السماء أو ولجت في سم الخياط وما أشبه ذلك. وأما الوجه الثاني: وهو أن يحلف بالطلاق أن يفعل فعلا، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك الفعل مما يمكنه فعله وتركه. والثاني: أن يكون مما لا يمكنه فعله في الحال. والثالث: أن يكون مما لا يمكنه فعله على حال ... وقال أيضا: فصل: فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه، مثل قوله: أنت طالق إن لم

стр. 1216

أدخل الدار وإن لم أضرب عبدي وما أشبه ذلك فإنه يمنع من الوطء؛ لأنه على حنث ولا يبر إلا بفعل ذلك الشيء، فإن رفعت امرأته أمرها ضرب له أجل المولي وطلق عليه عند انقضائه إلا أن يبر بفعل ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه أو تحب البقاء معه بغير وطء، فإن اجترأ ووطئ سقط أجل الإيلاء واستؤنف لها ضربه إن رفعت ذلك، ولا يقع عليه طلاق بترك ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه؛ لأنه طلاق لا يكشفه إلا الموت، وإن أراد أن يحنث نفسه بالطلاق دون أن يطلق عليه الإمام بالإيلاء كان ذلك له إلا أن يضرب أجلا فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا إلى وقت كذا وكذا، ولا يكون له أن يحنث نفسه بالطلاق ويطأ إلى الأجل على اختلاف من قول ابن القاسم، ويضرب له أجل الإيلاء على القول الذي يقول: لا يطأ إذا كان الأجل أكثر من أربعة أشهر، فهذا حكم هذا القسم إلا في مسألتين: إحداهما: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها. والثانية: يقول: امرأتي طالق إن لم أحبلها. فأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أطلقها ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن الطلاق يعجل عليه ساعة حلف. ووجه ذلك: أنه حمله على التعجيل والفور، فكأنه قال: أنت طالق إن لم أطلقك الساعة. والثاني: أن الطلاق يعجل عليه إلا أن ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه على الوجه. والثالث: أنه لا يطلق عليه إن رفعته امرأته ويضرب له أجل الإيلاء، فإن طلقها وإلا طلق عليه بالإيلاء عند انقضاء أجله ولم يمكن من الوطء؛ لأنه

стр. 1217

لا يجوز له من أجل أنه على حنث وإن اجترأ فوطيء سقط عنه الإيلاء واستؤنف ضربه له ثانية إن رفعت امرأته أمرها إلى السلطان، وفائدة ضرب أجل الإيلاء على هذا القول- وإن لم يمكن من الفيء بالوطء- رجاء أن ترضى في خلال الأجل بالبقاء معه على العصمة دون وطء. وأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أحبلها، فإنه يطأ أبدا حتى يحبلها؛ لأن بره في إحبالها، وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك، له أن يطأها؛ لأن بره في وطئها، فإن وقف عن وطئها كان موليا عند مالك والليث فيما روي عنهما، وقال ابن القاسم: لا إيلاء عليه، وهو الصواب، وبالله التوفيق. فصل: وأما إذا كان ذلك الفعل مما لا يمكنه فعله في الحال، مثل: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحج وهو في أول العام، ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه يمنع من الوطء الآن، وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء من [المدونة] ورواية عيسى عنه في الأيمان بالطلاق من [العتبية] . والثاني: أنه لا يمنع من الوطء حتى يمكنه فعل ذلك الفعل. والثالث: أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى فوات ذلك الفعل. والرابع: أنه لا يمنع منه حتى يفوت فعل ذلك الفعل. وقال أيضا: فصل: فإذا قلنا: إنه يطأ حتى يمكنه فعل ذلك الفعل فأمسك عن الوطء بإمكان الفعل له ثم فات الوقت- ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يرجع إلى الوطء أبدا. والثاني: أنها تطلق عليه. والثالث: أنه يرجع إلى الوطء حتى يمكنه الفعل مرة أخرى وقد زدنا

стр. 1218

هذه الأوجه بيانا في كتاب الإيلاء (١) وأما إذا كان الفعل مما لا يمكنه فعله على حال لعدم القدرة عليه مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أمس السماء وإن لم ألج في سم الخياط وما أشبه ذلك أو لمنع الشرع منه، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أقتل فلانا أو إن لم أشرب الخمر وما أشبه ذلك فإنه يعجل عليه الطلاق إلا أن يجترئ على الفعل الذي يمنعه منه الشرع فيفعله قبل أن يعجل عليه الطلاق فإنه يبر في يمينه ويأثم في فعله، ولا اختلاف في هذا الوجه، وبالله التوفيق. فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يحلف بالطلاق على غيره فإنه ينقسم أيضا على وجهين: أحدهما: أن يحلف عليه أن لا يفعل فعلا. والثاني: أن يحلف عليه ليفعلنه، فأما إذا حلف عليه أن لا يفعل فعلا، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن فعل فلان كذا وكذا، فهو كالحالف على فعل نفسه، سواء في جميع الوجوه، وقد تقدم تفسير ذلك، وأما إذا حلف أن يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم يفعل فلان كذا وكذا، ففي ذلك لابن القاسم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كالحالف على فعل نفسه أن يفعل فعلا يمنع من الوطء، ويدخل عليه الإيلاء جملة من غير تفصيل. والثاني: أنه يتلوم له على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، واختلف: هل يطأ

стр. 1219

في هذا التلوم أم لا؟ على قولين جاريين على الاختلاف إذا ضرب له أجل؛ لأن التلوم كضرب الأجل، فإن بلغ التلوم على مذهب من يمنعه من الوطء أكثر من أربعة أشهر دخل عليه الإيلاء. والثالث: الفرق بين أن يحلف على حاضر أو غائب، وهو الذي يأتي على ما في سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله التوفيق. فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يحلف بالطلاق على مغيب من الأمور فإن كان مما له طريق إلى معرفته لم يعجل عليه بالطلاق حتى يعلم صدقه من كذبه كالقائل امرأتي طالق إن لم يجئ فلان غدا، فإن مضى الأجل ولم يعلم صدقه من كذبه حمل من ذلك ما تحمل، وإن كان مما لا طريق له إلى معرفته عجل عليه الطلاق ولم يستأذن به، واختلف إن غفل عن الطلاق عليه حتى جاء الأمر على ما حلف عليه، فيتخرج ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن يطلق عليه. والثاني: أنه لا يطلق عليه. والثالث: أنه إن كان حلف على غالب ظنه لأمر توسمه مما يجوز له في الشرع لم تطلق عليه، وإن كان حلف على ما ظهر عليه بكهانة أو تنجيم أو على الشك أو على تعمد الكذب طلق عليه. وأما الوجه الثاني: وهو أن يقيد طلاقه بالصفة بلفظ الوجوب، وهو أن يقول: امرأتي طالق إن كان كذا وكذا، فإنه ينقسم على أربعة أقسام: أحدها: أن تكون الصفة آتية على كل حال.

стр. 1220

والثاني: أن تكون الصفة غير آتية على كل حال. والثالث: أن تكون مترددة بين أن تأتي وأن لا تأتي من غير أن يغلب أحد الوجهين على الآخر أو يكون الأغلب منهما أنها لا تأتي. والرابع: أن تكون مترددة بين أن تأتي أو لا تأتي، والأغلب منهما أنها تأتي. فالأول: يعجل عليه فيها الطلاق باتفاق. والثاني: يتخرج على قولين. والثالث: لا يعجل عليه الطلاق باتفاق. والرابع: يختلف فيه على قولين منصوصين، وبالله التوفيق. اهـ نص [مقدمات ابن رشد] . مما تقدم: يتبين أنه لا خلاف بين المالكية في اعتبار تعليق الزوج الطلاق على أمر ما فعل أو ترك، مباح أو معصية، ماض أو مستقبل، ولا خلاف بينهم أيضا في وقوع الطلاق عند حصول ما علق عليه، سواء أكان المعلق عليه من فعله أو فعل غيره إلا فيما نقل عن أشهب بن عبد العزيز في الحالف على امرأته بالطلاق ألا تفعل فعلا ففعلته قاصدة لتحنيثه أنه لا شيء عليه، بناء منه على قاعدة المعاملة بنقيض القصد، وقد اعتبر المالكية ذلك منه شذوذا، وما ذكر من الخلاف في فروع هذه المسألة وتفاصيل وجوهها فإنما هو في تعجيل حنثه أو كونه على بر حتى يحنث وفي اعتباره موليا أو غير مول من زوجته، ونحو ذلك مما لا تعلق له بأصل البحث الذي نحن بصدد إعداده، وكذا يعتبر تعليق الرجل طلاق امرأة أجنبية منه على زواجه بها، كما لو قال: إن تزوجت فلانة أو من قبيلة كذا أو من بلد كذا فهي

стр. 1221

طالق، فيقع الطلاق عند عقد النكاح عليها، ولو عمم في التعليق لم يعتد به، لا لأن التعليق من حيث هو غير معتبر؛ بل لأن الأمر كلما ضاق اتسع، فإلغاء التعليق خاص بصورة التعميم لما ذكر.

стр. 1222

ج- مذهب الشافعية: ١ - قال النووي (١) بعد ذكره لأدوات التعليق: ولا يقتضين فورا إن علق بإثبات في غير خلع، إلا (أنت طالق إن شئت) ، ولا تكرارا، ولو قال: إذا طلقتك فأنت طالق ثم طلق أو علق بصفة فوجدت فطلقتان، أو كلما وقع طلاقي فطلق فثلاث في ممسوسة، وفي غيرها طلقة ... ولو علق بنفي فعل فالمذهب: أنه إن علق ب (إن) كإن لم تدخلي، وقع عند اليأس من الدخول، أو بغيرها فعند مضي زمن يمكن فيه ذلك الفعل ولو قال: أنت طالق إن دخلت أو أن لم تدخل بفتح (أن) وقع في الحال. قلت: إلا في غير نحوي فتعليقة في الأصح. ٢ - وقال (٢) أيضا: خطاب الأجنبية بطلاق وتعليقه بنكاح وغيره لغو، والأصح صحة تعليق العبد ثالثة، كقوله إن عتقت، أو إن دخلت فأنت طالق ثلاثا فيقع إذا عتق أو دخلت بعد عتقه، ويلحق رجعية لا مختلعة. انتهى المقصود. ٣ - قال الشيرازاي (٣) : إذا علق الطلاق بشرط لا يستحيل كدخول الدار ومجيء الشهر تعلق به فإذا وجد الشرط وقع، وإذا لم يوجد لم يقع: لما

стр. 1223

روي أن النبي ﷺ قال: «المؤمنون عند شروطهم» ولأن الطلاق كالعتق؛ لأن لكل واحد منهما قوة وسراية، ثم العتق إذا علق بشرط وقع بوجوده ولم يقع وجوده فكذلك الطلاق. ٤ - قال تقي الدين السبكي (١) : مسألة: إذا علق الرجل طلاق زوجته على شرط قاصدا اليمين، إما لحث أو منع، أو تصديق، ثم وجد ذلك الشرط- وقع الطلاق وبيان ذلك: أن مقتضى القضية الشرطية الحكم بالمشروط على تقدير الشرط خبرية كانت أو إنشائية، والمعلق فيها هو نسبة أحد الجزءين إلى الآخر لا الحكم بتلك النسبة الذي هو منقسم إلى الخبر والإنشاء؛ لأن كلا منهما يستحيل تعليقه، فالمعلق في مسألتنا هو الطلاق، وأما التطليق فهو فعل الزوج، يوقعه منجزا أو معلقا، ويوصف التعليق بكونه تطليقا عند وجود الشرط حقيقة، فإن لم يجز التعليق يخرج الذي حصل مقتضاه عن الشرط، ويشهد لذلك أحكام الشريعة كلها المعلقة بالشروط. ومن منع تعليق الطلاق بالصفات مطلقا فقد التبس عليه التعليق بتعليق الإنشاء فظن أن تعليق الطلاق من الثاني وإنما هو من الأول.. وقد علق الله إحلال المرأة لنبيه ﷺ على هبتها نفسها له وإرادته استنكاحها، وإن خرج مخرج اليمين فالأمر كذلك لوجوه: أحدها: أنه تعليق خاص فيجب ثبوت حكم التعليق العام له. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢)

стр. 1224

ووجه الاستدلال: أن الملاعن يقصد بهذا الشرط التصديق فهو خارج مخرج اليمين، ومع ذلك فهو موجب اللعنة والغضب على تقدير الكذب بدليل قوله: أنها موجبة، وبأنه لو كان المترتب على ذلك الكفارة لكان الإتيان بالقسم أولى. الثالث: أن في القرآن والسنة وأشعار العرب الفصحاء من التعليقات التي فيها الحث أو المنع أو التصديق ما لا يحصى مع القطع بحصول الشروط فيها. الرابع: أن تسمية التعليق يمينا لا يعرفه العرب، ولم يتفق عليه الفقهاء، ولم يرد به الشرع، وإنما سمي بذلك على وجه المجاز، فلا يدخل تحت النصوص الواردة في الأيمان، وأنها قابلة للتكفير. الخامس: أن هذا التعليق وإن قصد به المنع فالطلاق مقصود به على ذلك التقدير، ولذلك نصبه الزوج مانعا له من ذلك الفعل، ولولا ذلك لما امتنع، ولا استحالة في كون الطلاق غير مقصود للزوج في نفس الأمر، ومقصودا له على تقدير، وإذا كان مقصودا ووجد الشرط وقع الطلاق على مقتضى تعليقه وقصده. السادس: أنه عند الشرط يصح اسم التطليق؛ لما تقدم، فيندرج تحت قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١)

стр. 1225

السابع: أن التطليق مفوض إلى العبد بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) وهو أعم من المنجز والمعلق فيندرج المعلق تحت الآية. ٥ - وقال (٢) أيضا: وقد نقل إجماع الأمة على ذلك، أي: إيقاع الطلاق المعلق، سواء كان على وجه اليمين أو لا- أئمة لا يرتاب في قولهم، ولا يتوقف في صحة نقلهم، فمن ذلك الإمام الشافعي ﵁، وناهيك به قال: وممن نقل الإجماع على هذه المسألة الإمام المجتهد أبو عبيد، وهو من أئمة الاجتهاد كالشافعي وأحمد وغيرهما، وكذلك نقله أبو ثور وهو من الأئمة أيضا، وكذلك نقل الإجماع على وقوع الطلاق الإمام محمد بن جرير الطبري وهو من أئمة الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة، وكذلك نقل الإجماع أبو بكر بن المنذر، ونقله أيضا الإمام الرباني المشهور بالولاية والعلم محمد بن نصر المروزي، ونقله الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابيه [التمهيد] و [الاستذكار] وبسط القول فيه على وجه لم يبق لقائل مقالا، ونقل الإجماع الإمام ابن رشد في كتاب [المقدمات] له، ونقله الإمام الباجي في [المنتقى] وغير هؤلاء من الأئمة. وأما الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلم يختلفوا في هذه المسألة، بل كلهم نصوا على وقوع الطلاق، وهذا مستقر بين الأمة، والإمام أحمد أكثرهم نصا عليها، فإنه نص على وقوع الطلاق، ونص على أن يمين الطلاق والعتاق ليست من الأيمان التي تكفر ولا تدخلها الكفارة، وذكر

стр. 1226

العتق وذكر الأثر الذي استدل به ابن تيمية فيه، وهو خبر ليلى بنت العجماء الذي يبني ابن تيمية حجته عليه، ورده بأثر آخر صح عنده، وهو أثر عثمان بن حاضر، وفيه فتوى ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وجابر ﵃: بإيقاع العتق على الحانث في يمينه، ولم يعمل بأثر ليلى بنت العجماء ولم يبق في المسألة إلباسا، ﵁. ٦ - وقال السبكي أيضا (١) : فإن قلت: يرد عليك أمران: أحدهما: طلب الفرق بين هذا وبين نذر اللجاج عند من جعله يتخلص منه بكفارة يمين. والثاني: في دعوى الإجماع، وقد نقل بعض الناس قولين آخرين: أنه لا يلزمه به شيء، والثاني: أنه يلزمه به كفارة. قلت: أما الأول: فالجواب عنه: أن الطلاق إسقاط حق لا يشترط فيه قصد القربة وفي اللجاج لم يوجد هذا الشرط، ولم يأذن الشرع فيه، وليس للعبد إيجاب ولا تحريم إلا بإذن الله، وأيضا فإن الدليل قد قام على ما قلناه وهو على وفق الأصل، فإن دل دليل على خروج اللجاج عنه بقي ما عداه على الأصل، وأما أن يجعل اللجاج المختلف فيه الخارج عن الأصل أصلا، ويلحق به الجاري على وفق الأصل فغير سديد. وأما الثاني: فإن القول بعدم الوقوع ما قاله أحد من الصحابة ولا من التابعين، إلا أن طاوسا نقل عنه لفظ محتمل؛ لذلك أولناه، ولا ممن بعدهم إلا الشيعة ومن وافقهم ممن لا يعتد بخلافه، وأما القول بالكفارة في

стр. 1227

ذلك فلم يثبت عن أحد من المسلمين قبل ابن تيمية، وإن كان مقتضى كلام ابن حزم في مراتب الإجماع نقل ذلك، إلا أن ذلك مع إبهامه وعدم تعيين قائله ليس فيه أنه في مسألة التعليق، فيجوز أن يحمل على غيرها من صور الحلف. . . انتهى. وقول السبكي بشأن رأي طاوس (أولناه) يريد: تأويله في [الدرة المضيئة] بالإكراه (١) ، يقول: ذكره عبد الرزاق في طلاق المكره، وذكر أنه قد أجاب عنه أجوبة كثيرة غير هذا في بعض مصنفاته، كما ذكر أن طاوسا قد صح النقل عنه بخلاف ذلك، قال: قد أفتى بوقوع الطلاق في هذه المسألة، ونقل ذلك عنه بالسند الصحيح في عدة مصنفات جليلة منها [كتاب السنن] لسعيد بن منصور، ومنها [مصنف عبد الرزاق] . وقال (٢) أيضا: بعد ذكر الوارد عن الصحابة في الوقوع قال: (فهذا عصر الصحابة لم ينقل فيه إلا الوقوع، وأما التابعون ﵃ فأئمة العلم منهم معدودون معروفون، وهم الذين تنقل مذاهبهم وفتاويهم) قال: (وقد نقلنا من الكتب المعروفة الصحيحة كـ[جامع عبد الرزاق] و [مصنف ابن أبي شيبة] و [سنن سعيد بن منصور] و [السنن الكبرى] للبيهقي، وغيرها- فتاوى التابعين أئمة الاجتهاد، وكلهم بالأسانيد الصحيحة أنهم أوقعوا الطلاق بالحنث في اليمين، ولم يقضوا بالكفارة وهم: سعيد بن المسيب أفضل التابعين، والحسن البصري، وعطاء، والشعبي، وشريح، وسعيد

стр. 1228

ابن جبير، وطاوس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وأبو مخلد، والفقهاء السبعة- فقهاء المدينة - وهم. عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسليمان بن يسار، وهؤلاء إذا أجمعوا على مسألة كان قولهم مقدما على غيرهم، وأصحاب ابن مسعود السادات، وهم: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة السلماني، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وطارق بن شهاب، وزر بن حبيش وغير هؤلاء من التابعين، مثل: ابن شبرمة، وأبي عمرو الشيباني، وأبي الأحوص، وزيد بن وهب، والحكم، وعمر بن عبد العزيز، وخلاس بن عمرو، وكل هؤلاء نقلت فتاويهم بإيقاع الطلاق لم يختلفوا في ذلك، ومنهم علماء التابعين غير هؤلاء، فهذا عصر الصحابة وعصر التابعين كلهم قائلون بالإيقاع، ولم يقل أحد: أن هذا مما يجري به الكفارة، وأما من بعد هذين العصرين فمذاهبهم معروفة مشهورة، كلها تشهد بصحة هذا القول؛ كأبي حنيفة، وسفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن جرير الطبري، وهذه مذاهبهم منقولة بين يدينا ولم يختلفوا في هذه المسألة. يتبين مما تقدم أمران: الأول: أن الرجل إذا علق طلاق زوجته على شيء فتعليقه معتبر ويقع طلاقه عند وجود ما علق به، سواء قصد بذلك إيقاع الطلاق أم قصد اليمين حثا أو منعا أو تصديقا لخبر أو تكذيبا له.

стр. 1229

واستدلوا على ذلك بأدلة: منها: حديث: «المؤمنون عند شروطهم» . ومنها: قياس الطلاق على العتق بجامع ما لكل منهما من قوة وسراية. ومنها: اعتبار الكتاب والسنة للتعليقات مطلقا من القطع بحصول المشروع فيها عند وجود شرطه. ومنها: ما نقله الأئمة من إجماع الأمة على إيقاع الطلاق المعلق عند وجود المعلق محليه سواء كان التعليق على وجه اليمين أم لا. . . إلى آخر الوجوه التي ذكرها تقي الدين السبكي في الاستدلال على ما تقدم، ويناقش ذلك بما يأتي نقله عن ابن تيمية وابن القيم. الأمر الثاني: أن الرجل إذا علق طلاق أجنبية منه على نكاحها فتعليقه لغو، ولا يقع طلاقه عند زواجه بها بناء على أنها أجنبية منه وقت التعليق، وأن التعليق إيقاع لا يمين، كما تقدم بيانه نقلا عن ابن الهمام عند ذكر مذهب الحنفية. وما وراء هذا من اقتضاء صيغ التعليق للفور أو التكرار وعدم اقتضائها لذلك، ومن وقوع المعلق على نفي الفعل عند اليأس منه أو عند مضي زمن يمكن فيه الفعل فلا تعلق له بأصل البحث المطلوب إعداده.

стр. 1230

د- المذهب الحنبلي: ١ - قال شيخ الإسلام (١) : قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يقول لابنه: (إن كلمتك فامرأتي طالق، وعبدي حر) قال: لا يقوم هذا مقام اليمين، ويلزمه ذلك في الغضب والرضا.
следующие страницы →