← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

القول الثالث: أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس ، وهو قول النخعي والثوري (١) ، واختيار ابن القيم (٢) . واستدل لهذا القول بأدلة: الدليل الأول: عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابرا يقول: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (٣) » رواه مسلم. وجه الدلالة: قال النووي (٤) : وأما قوله ﷺ : «لتأخذوا مناسككم (٥) » فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال، والهيئات هي أمور الحج وصفته، وهي. مناسككم، فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس، وهذا الحديث

стр. 1157

أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي (١) » انتهى. الدليل الثاني: عن عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفة أهله بغلس، ويأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٢) » . رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي (٣) والنووي (٤) وابن القيم (٥) . ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، وقد مضى إيراد ابن القيم على هذا الحديث ودفعه ومناقشته لحديث أم سلمة وأسماء. الدليل الثالث: حديث أسماء المتفق عليه، وقد سبق، قال فيه: قالت: (يا بني هل غاب القمر؟) قلت: نعم، قالت: (فارتحلوا) فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا قالت: «يا بني، إن رسول الله ﷺ أذن للظعن (٦) » اهـ. وجه الدلالة: هذا الحديث المتفق عليه صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس وهو بقية الظلام. وصرحت بأنه ﷺ أذن في ذلك للظعن، ومفهومه: أنه لم يأذن للذكور الأقوياء (٧) انتهى. وقد مضت مناقشة هذا الدليل عند الاستدلال به للمذهب الأول.

стр. 1158

الدليل الرابع: حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه، وفيه: أنه كان يقدم ضعفة أهله وأن منهم من يقدم لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر ﵄ يقول: (رخص في أولئك رسول الله ﷺ . وجه الدلالة (١) : حديث ابن عمر هذا المتفق عليه يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في رمي جمرة العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس، كما ترى ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك. وقد جمع ابن القيم بين أدلة هذا الباب فقال (٢) : لا تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم، وهذا الذي دلت عليه السنة جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر يشق معه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك. انتهى. وبعد سرده للمذاهب في هذه المسألة قال (٣) : والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر؛ لا نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٤) : الذي يقتضي الدليل رجحانه

стр. 1159

في هذه المسألة: أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس؛ لحديث أسماء وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك، وأما رميهم - أعني: الضعفة والنساء قبل طلوع الفجر- فهو محل نظر فحديث عائشة عند أبي داود يقتضي جوازه وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن يقتضي منعه. والقاعدة المقررة في علم الأصول هي: أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع وإلا فالترجيح بينهما، وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين وقت فضيلة ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس على وقت الفضيلة وحديث عائشة على وقت الجواز، وله وجه من النظر. أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة، وليس شيء منها في الأقوياء الذكور. انتهى المقصود.

стр. 1160

المسألة الثانية: حكم رمي جمرة العقبة ليلة النفر في هذه المسألة مذهبان: المذهب الأول: إن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة فإنه يرميها . قال الطحاوي: وقال أبو حنيفة: إن ترك رجل رمي جمرة العقبة في يوم

стр. 1161

النحر ثم رماها في الليلة التي بعدها فلا شيء عليه وإن لم يرمها حتى أصبح من غده رماها وعليه دم لتأخيره إياها إلى خروج وقتها وهو طلوع الفجر من يومئذ (١) . انتهى. وقال الكاساني: فإن لم يرم حتى غربت الشمس فيرمي قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني أجزأ، ولا شيء عليه في قول أصحابنا (٢) . انتهى. هذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وأما مذهب مالك فقد جاء في [المدونة] ، (٣) هذا النص: ما قول مالك فيمن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر حتى الليل؟ قال مالك: من أصابه مثل ما أصاب صفية حين احتبست على ابنة أخيها، فأتت بعد ما غابت الشمس فرمت، ولم يبلغنا أن ابن عمر أمرهما في ذلك بشيء. . . قال مالك: وأما أنا فأرى على من كان في مثل حال صفية ولم يرم حتى غابت الشمس أن عليه الدم. . . قال مالك: من ترك رمي جمرة العقبة حتى تغيب الشمس فعليه دم. قلت: أرأيت إن ترك بعض رمي جمرة العقبة من يوم النحر ترك حصاة أو حصاتين حتى غابت الشمس؟ قال: قال مالك: يرمي ما ترك من رميه ولا يستأنف جميع الرمي ولكن يرمي ما نسي من عدد الحصا، قلت: فهل عليه دم؟ قال ابن القاسم: قد اختلف قوله في هذا وأحب إلي أن يكون عليه دم.

стр. 1162

قلت: فيرمي ليلا في قول مالك هذا الذي ترك من رمي جمرة العقبة شيئا أو ترك الجمرة كلها؟ قال: نعم، يرميها في قول مالك ليلا، قلت فيكون عليه الدم؟ قال: كان مالك مرة يرى ذلك عليه ومرة لا يرى ذلك عليه. انتهى. وأما المذهب الشافعي: فقد نص الشافعي (١) على أنه يرمي ليلا ولا شيء عليه، وقال النووي (٢) : لو ترك رمي جمرة العقبة فالأصح أنه يتداركه في الليل وفي أيام التشريق ويشترط فيه الترتيب فيقدمه على أيام التشريق، ويكون أداء على الأصح، وإذا قلنا بالأصح: إن المتدارك أداء لا قضاء كان تعجيل كل يوم للمقدار المأمور به وقت اختيار وفضيلة كأوقات الاختيار للصلاة. انتهى. هذا ما تيسر تفصيله للمذاهب الثلاثة، فهم متفقون على رميها، لكن هل هو قضاء أو أداء، وهل فيه دم أو لا شيء فيه؟ بينهم خلاف كما سبق. واستدل لقولهم بجواز رميها بعد غروب الشمس بأدلة: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يسأل يوم النحر بمنى، فيقول: "لا حرج"، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح ولا حرج " فقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: " لا حرج (٣) » رواه البخاري. وقد بسط الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٤) الكلام على هذا الدليل

стр. 1163

فنسوق المقصود من كلامه: فقالوا: قد صرح النبي ﷺ بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل. ورد هذا الاستدلال بأن مراد السائل بقوله: (بعدما أمسيت) يعني به: بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل. قالوا: والدليل الواضح على ذلك أن حديث ابن عباس المذكور (كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى) الحديث. فتصريحه بقوله (يوم النحر) يدل على أن السؤال وقع في النهار والرمي بعد الإمساء وقع في النهار؛ لأن الإمساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل. قال ابن حجر في [فتح الباري] في شرح الحديث المذكور، قال: (رميت بعدما أمسيت) أي: بعد دخول المساء، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام فلم يتعين؛ لكون الرمي المذكور كان بالليل. انتهى. وقال ابن منظور في [لسان العرب] : المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم: إلى نصف الليل. قالوا: فالحديث صريح في أن المراد بالمساء فيه آخر النهار بعد الزوال لا الليل، وإذا فلا حجة فيه للرمي ليلا. وأجاب القائلون بجواز الرمي ليلا عن هذا بأجوبة: الأول: منها قول النبي ﷺ : «"لا حرج (١) » بعد قول السائل: (رميت بعدما أمسيت) ، يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب،

стр. 1164

ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل، وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار. الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس ﵄ المذكور ما هو أعم من يوم النحر وهو صادق قطعا بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق، ومعلوم أن الرمي فيه لا يكون إلا بعد الزوال فقول السائل في بعض أيام التشريق: (رميت بعدما أمسيت) لا ينصرف إلا إلى الليل؛ لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم فلا يسأل عنه صحابي. قال أبو عبد الرحمن النسائي في [سننه] : أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال: حدثنا يزيد- هو: ابن زريق- قال: حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يسأل أيام منى فيقول: "لا حرج "، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: "لا حرج "، فقال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ قال: "لا حرج (١) » وهذا الحديث صحيح الإسناد كما ترى؛ لأن طبقته الأولى محمد بن عبد الله بن بزيع، وهو ثقة معروف، وهو من رجال مسلم في [صحيحه] ، وبقية إسناده هي بعينها إسناد البخاري الذي ذكرناه آنفا، وقوله في هذا الحديث الصحيح: (أيام منى) بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد فهو صادق بحسب وضع اللغة ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل. . . فإن قيل: صيغة الجمع في رواية النسائي تخصص بيوم النحر الوارد في رواية البخاري، فيحمل ذلك الجمع على المفرد نظرا لتخصيصه به، ويؤيد ذلك أن في رواية أبي داود وابن ماجه؛ لحديث ابن عباس المذكور يوم منى بالإفراد.

стр. 1165

فالجواب: أن المقرر في الأصول: أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه على مذهب الجمهور خلافا لأبي ثور (١) ، سواء كان العام وبعض أفراده المذكور بحكمه في نص واحد أو نصين. وللمخالفين القائلين: لا يجوز الرمي ليلا أن يردوا هذا الاستدلال فيقولوا: رواية النسائي العامة في أيام منى فيها أنه كان يسأل فيها فيقول: «"لا حرج (٢) » وأنه «سأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: "لا حرج (٣) » ولم يعين اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت؟ وعموم أيام منى صادق بيوم النحر، وقد بينت رواية البخاري: أن ذلك السؤال وقع في خصوص يوم النحر أيام منى، ولا ينافي ذلك أنه قال: «"لا حرج (٤) » في أشياء أخر في بقية أيام منى، وغاية ذلك أن أيام منى عام، ورواية البخاري عينت اليوم الذي قال فيه: (رميت بعدما أمسيت) . الثالث: هو ما قدمناه في [الموطأ] عن ابن عمر من أنه أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي ﷺ أن الرمي ليلا جائز. انتهى. وقد يقال: إن صفية وابنة أخيها كان لهما عذر؛ لأن ابنة أخيها عذرها النفاس ليلة المزدلفة وهي عذرها معاونة ابنة أخيها (٥) . انتهى المقصود. الدليل الثاني: عن أبي بكر بن نافع عن أبيه أن ابنة أخ لصفية بنت أبي

стр. 1166

عبيد نفست بالمزدلفة فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر فأمرها عبد الله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئا. رواه مالك في [الموطأ] ، وابن أبي شيبة في [المصنف] وقد سبق بيان وجه الاستدلال منه. الدليل الثالث: عن ابن جريج عن عمرو قال: أخبرني من رأى بعض أزواج النبي ﷺ ترمي غربت أو لم تغرب، رواه أبو بكر بن أبي شيبة في [المصنف] . الدليل الرابع: ما رواه الثوري عن رجل عن نافع، قال: قال ابن عمر: (إذا نسيت رمي الجمرة يوم النحر إلى الليل فارمها بالليل، وإذا كان من الغد فنسيت الجمار حتى الليل فلا ترمي حتى يكون من الغد عند زوال الشمس ارم الأول فالأول) ، ورواه عبيد الله عن نافع عن عمر مختصرا بلفظ: «من نسي أيام الجمار وقال: رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد» رواه البيهقي في [السنن الكبرى] . الدليل الخامس: عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله ﷺ : «الراعي يرمي بالليل ويرمى بالنهار» رواه البيهقي في [السنن] والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (١) ، وأورد على هذا الاستدلال بأنه رخص لهم للعذر. وأجيب (٢) : بأنه ما كان لهم عذر؛ لأنه كان يمكن أن يستنيب بعضهم

стр. 1167

بعضا فيأتي بالنهار فيرمي، فثبت أن الإباحة كانت لغير عذر فيدل على الجواز مطلقا.

стр. 1168

المذهب الثاني: إذا غربت الشمس من يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة فلا يرميها إلا من الغد بعد الزوال ، وهذا مذهب أحمد والرواية الثانية عن الشافعي. واستدل لهذا: بأن ابن عمر ﵄ قال: (من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد) وقد سبق أنه رواه البيهقي، وهذا الأثر معارض بما تقدم ذكره عن ابن عمر، ففيه فرق بين رمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمي غيرها، وهو الدليل الرابع من أدلة القائلين بجواز رميها في ليلة القدر.

стр. 1169

المسألة الثالثة: حكم تقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق الثلاثة: وفيه مذاهب: المذهب الأولى: لا يجوز تقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق الثلاثة ، ومن رمى قبل الزوال أعاده، وممن ذهب إلى هذا مالك (١) ، والشافعي (٢) ، وهو الصحيح من مذهب أحمد (٣) . ويستدل لهذا المذهب بما يأتي: الدليل الأول: ما جاء في خطبته ﷺ بمنى يوم النحر من حديث جابر

стр. 1170

رضي الله عنه «لتأخذوا عني مناسككم (١) » . وقد مضى بيان معنى هذه الجملة وهو وجه الاستدلال من الحديث بصفة عامة، وأن هذه اللام لام الأمر، وقد (٢) جاء في بعض الروايات التصريح بالأمر، وكونه ﷺ يؤخر الرمي حتى تزول الشمس في هذه الأيام الثلاثة. هذا بيان لوقت بدء الرمي، وهذا داخل في عموم قوله ﷺ «لتأخذوا عني مناسككم (٣) » وقد تقرر في علم الأصول: أن البيان تابع للمبين في الحكم، والحكم هنا هو الأمر، والأمر في الأصل يقتضي الوجوب إلا بقرينة تصرفه عنه، فيكون الرمي بعد الزوال واجبا، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فلا يجوز الرمي قبل الزوال. ومن الأدلة الدالة على أنه ﷺ لم يرم في هذه الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال: ما رواه جابر ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد الزوال (٤) » رواه مسلم في الصحيح، ورواه الترمذي والنسائي وأبو داود، وقال الترمذي بعد إخراجه: حديث حسن صحيح، وأخرجه البخاري تعليقا بصيغة الجزم. قال ابن حجر (٥) : وقد وصله مسلم وابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن جابر. اهـ. وفي حديث عائشة ﵂ «ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات (٦) » الحديث رواه أحمد في [المسند] ، وأبو داود والبيهقي في [السنن الكبرى]

стр. 1171

والحاكم في [المستدرك] ، وابن حبان في [صحيحه] . الدليل الثاني: عن وبرة بن عبد الرحمن السلمي قال: سألت ابن عمر ﵄: متى أرمي الجمار؟ قال: (إذا رمى إمامك) فأعدت عليه المسألة قال: (كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا) أخرجه البخاري في [الصحيح] . ورواية مالك في [الموطأ] عن ابن عمر ﵄: لا ترمى الجمار حتى تزول الشمس. وجه الاستدلال قال ابن الأثير (١) : (نتحين) تحينت الوقت، أي: طلبت الحين وهو الوقت. وقال ابن حجر (٢) : فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ﷺ .

стр. 1172

المذهب الثاني: يجوز رمي الجمار في هذه الأيام الثلاثة قبل الزوال مطلقا: ونسب ابن حجر (١) والعيني (٢) هذا المذهب إلى عطاء وطاوس، ولكن بالنسبة لعطاء قد ورد عنه ما يدل على خلاف هذا المذهب المنسوب إليه، فقد روى الحاكم في [المستدرك] بسنده عن ابن جريج عن عطاء: أنه قال: (لا أرمي حتى تزيغ الشمس: إن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يرمي يوم النحر قبل الزوال، فأما بعد ذلك فعند الزوال (٣) » قال الحاكم بعد سياق سنده ومتنه: هذا صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي في تلخيصه.

стр. 1173

المذهب الثالث: مذهب أبي حنيفة، وفيه تفصيل ، هذا بيانه مع المستند، وجوابه عن أدلة الجمهور. قال الكاساني (١) : وأما وقت الرمي من اليوم الأول والثاني من أيام التشريق، وهو اليوم الثاني والثالث من أيام الرمي- فبعد الزوال حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة، وروي عن أبي حنيفة: أن الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، فإن رمى قبله جاز. ووجه هذه الرواية: أن قبل الزوال وقت الرمي في يوم النحر، فكذا في اليوم الثاني والثالث " لأن الكل أيام النحر. وجه الرواية المشهورة: ما روي عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ «رمى الجمرة يوم النحر ضحى ورمى في بقية الأيام بعد الزوال، (٢) » وهذا باب لا يعرف بالقياس، بل بالتوقيف. وأما وقت الرمي في اليوم الثالث من أيام التشريق- وهو اليوم الرابع من أيام الرمي- فالوقت المستحب له بعد الزوال، ولو رمى قبل الزوال يجوز في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجوز، واحتجا بما روي عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ «رمى الجمرة يوم النحر ضحى، ورمى في بقية الأيام بعد الزوال، (٣) » وأوقات المناسك لا تعرف قياسا، فدل أن وقته بعد الزوال، ولأن هذا يوم من أيام الرمي فكان وقت الرمي فيه بعد الزوال كاليوم الثاني والثالث من أيام التشريق.

стр. 1174

ولأبي حنيفة ما روي عن ابن عباس ﵁: أنه قال (إذا انتفخ النهار من آخر أيام التشريق جاز الرمي) ، والظاهر أنه قاله سماعا من النبي ﷺ ، إذ هو باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد فصار اليوم الأخير من أيام التشريق مخصوصا من حديث جابر ﵁ بهذا الحديث، أو يحمل فعله في اليوم الأخير على الاستحباب، ولأن له أن ينفر قبل الرمي، ويترك الرمي في هذا اليوم رأسا، فإذا جاز له ترك الرمي أصلا فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى. انتهى. قال الزيلعي (١) : ورواية البيهقي عن ابن عباس (إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدر) انتهى في [مسند طلحة بن عمر] وضعفه البيهقي، قال: والانتفاخ: الارتفاع. انتهى. وقال ابن منظور (٢) : وانتفخ النهار علا قبل الانتصاف بساعة. وقال البابرتي (٣) : قوله في المشهور من الرواية احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن كان من قصده أن يتعجل في النفر الأول- فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل، وإن لم يكن ذلك من قصده فلا يجوز أن يرمي إلا بعد الزوال، وذلك لدفع الحرج؛ لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلا بالليل فيحرج في تحصيل موضع المنزل.

стр. 1175

وقال ابن الهمام (١) : وقوله في المشهور من الرواية احتراز عما روي عن أبي حنيفة ﵀: قال: أحب إلي ألا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس، فإن رمى قبل ذلك أجزأه. وحمل المروي من قوله ﵇ على اختيار الأفضل، وجه الظاهر: ما قدمناه من وجوب اتباع المنقول؛ لعدم المعقولية، ولم يظهر أثر تخفيف فيها بتجويز الترك لينفتح باب التخفيف بالتقديم وهذه الزيادة يحتاج إليها أبو حنيفة وحده. انتهى. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطى (٢) : بعد سياقه للأدلة الدالة على أنه لا يجوز الرمي إلا بعد الزوال في أيام التشريق، قال: وبهذه النصوص الثابتة عن النبي ﷺ تعلم أن قول عطاء وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه - كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النبي ﷺ ؛ ولذلك خالف في الترخيص أبا حنيفة صاحباه محمد وأبو يوسف، ولم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ شيء يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال في أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنة الثابتة عنه ﷺ ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله.

стр. 1176

المسألة الرابعة: حكم رمي الجمار في ليلتي اليوم الثاني عشر والثالث عشر عن اليوم الذي قبلها: في هذه المسألة مذهبان: المذهب الأول: الجواز. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية. أما الحنفية: فقال السندي (١) : (ولو لم يرم يوم النحر) أي: اليوم الأول أو (الثاني أو الثالث رماه في الليلة المقبلة) أي: الآتية لكل من الأيام الماضية (ولا شيء عليه سوى الإساءة) أي: لتركه السنة (إن لم يكن عذر) أي: ضرورة (ولو رمى ليلة الحادي عشر أو غيرها من غدها) أي: من أيامها المقبلة لم يصح؛ لأن الليالي (في الحج) أي: في حقه (في حكم الأيام الماضية لا المستقبلة) أي: فيجوز رمي اليوم الثاني من أيام النحر ليلة الثالث، ولا يجوز فيها رمي اليوم الثالث، كما أن الوقوف جائز في ليلة العاشر، ولا يجوز فيها من أفعال ذلك اليوم من الوقوف بمزدلفة والرمي ونحوهما (ولو لم يرم في الليل) أي: من ليالي أيامها الماضية أداء (رماه في النهار) أي: في نهار الأيام التالية على التأليف (قضاء) أي: اتفاقا (وعليه الكفارة) الدم عند الإمام ولا شيء عليه عندهما. انتهى. وأما المالكية: ففي [المدونة] (٢) قلت: فإن ترك رمي جمرة من الجمار في اليوم الذي بعد يوم النحر ما عليه في قول مالك؟ قال: قد اختلف قول مالك: مرة يقول: من نسي رمي الجمار حتى تغيب الشمس فليرم ولا شيء

стр. 1177

عليه، ومرة قال: ليرم وعليه دم، قال: وأحب إلي أن يكون عليه الدم، قلت: وكذلك اليوم الذي بعده؟ قال: نعم. انتهى. وفي [الموطأ] (١) : قال يحيى: سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي؟ قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار، كما يصلي الصلاة إذا نسيها ثم ذكرها ليلا أو نهارا. انتهى المقصود. وفي [مختصر خليل وشرحه] للدردير (٢) : (والليل) عقب كل يوم (قضاء) لذلك اليوم الذي يجب فيه الدم. وقال الباجي (٣) بعد سياقه للدليل الدال على مشروعية الرمي بعد الزوال وكلامه عليه- قال: إذا ثبت ذلك فإن أول أداء الرمي لكل يوم من أيام التشريق زوال الشمس منه وآخره غروب الشمس، ووقت القضاء: من غروب الشمس إلى بقية أيام التشريق، الليل والنهار سواء في القضاء، يبين ذلك ما روي عن مالك في رمي رعاء الإبل الجمار أنهم لا يرمون اليوم الذي يلي يوم النحر إلا في اليوم الذي بعده " لأنه لا يقضي شيء حتى يجب، فإذا وجب ومضى كان القضاء بعد ذلك. وأما الشافعية: فقال النووي (٤) : إذا ترك شيئا من الرمي نهارا فالأصح أنه يتدراكه ليلا أو فيما بقي من أيام التشريق سواء تركه عمدا أو سهوا، وإذا تداركه فيها فالأصح أنه أداء لا قضاء. انتهى المقصود.

стр. 1178

وقال الرملي (١) : وإذا ترك رمي يوم أو يومين من أيام التشريق عمدا أو سهوا أو جهلا تداركه في باقي الأيام منها في الأظهر بالنص في الرعاء وأهل السقايا وبالقياس في غيرهم، إذ لو كانت بقية الأيام غير صالحة للرمي لم يفترق الحال فيها بين المعذور وغيره، كما في الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، والمتدارك أداء كما مر، ولو تدارك قبل الزوال أو ليلا أجزأه، كما جزم به في الأول في أصل [الروضة] و [المجموع] و [المناسك] واقتضاه نص الشافعي ﵀، وبالثاني لابن الصباغ في [شامله] وابن الصلاح والمصنف في [مناسكهما] ، وإن جزم ابن المقري تبعا لجمع بخلافه فيهما إذ جملة أيام الرمي كوقت واحد وكل يوم لرميه وقت اختيار، لكن لا يجوز تقديم رمي كل يوم عن زوال شمسه كما مر. انتهى. الأدلة: قد بنى الحنفية مذهبهم على الرخصة للرعاة أن يرموا ليلا، وعندهم أنه ليس خاصا بهم، بل هو عام، كما سيأتي في الكلام على أدلة الرخصة للرعاة، وهي المسألة الخامسة. وبنوه أيضا على أن الليلة في حكم اليوم الذي قبلها في الحج كما سبق عن السندي. وأما المالكية: فأما مالك فإنه يقوله في الناسي فقط، حسبما اطلعنا عليه. وقد بناه قياسا على من نسي صلاة أخذا من حديث: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها (٢) » الحديث.

стр. 1179

وأما الباجي ومن وافقه: فقد استدل بحديث الرعاء، وسيأتي في كلام الباجي مع بيان وجه الاستدلال به عند الكلام على أدلة الرخصة للرعاة أن يرموا ليلا. وأما الشافعية: فإنهم يقولون به بالنص للرعاء وأهل السقاية، وبالقياس في غيرهم، وسيأتي الكلام على أحاديث الرخصة للرعاء ومناقشتها. وأما أهل السقاية: فإن الرخصة التي وردت في حقهم هي الرخصة في المبيت لا الرخصة في الرمي هذا حسبما وقفنا عليه، وفي حالة عدم ثبوت دليل يدل على الرخصة لهم في الرمي فلا يصح القياس عليهم، وقد مضت مناقشة الاستدلال بالقياس في العبادات، ويمكن أن يستدل للقول بجواز الرمي ليلا عن اليوم الذي قبله- برواية النسائي التي سبقت، وقد جاء فيها: كان يسأل أيام منى، فسأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت؟ قال: «ارم ولا حرج (١) » ، وقد مضى الكلام على هذا الدليل. المذهب الثاني: ومن غربت عليه الشمس في اليوم الحادي عشر والثاني عشر من أيام التشريق وهو لم يرم الجمار لذلك اليوم فإنه يرميها من الغد بعد الزوال. وهذا مذهب أحمد ومن وافقه، واستدل به (٢) ابن قدامة في [المغني] بقول ابن عمر ﵄: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد. وقد مضى هذا الأثر.

стр. 1180

قال المرداوي (١) : وقال ابن عقيل: نصه للرعاة خاصة الرمي ليلا، نقله ابن منصور. انتهى.

стр. 1181

المسألة الخامسة: أدلة الترخيص للرعاة في الرمي: عن عاصم بن عدي عن أبيه أن رسول الله ﷺ «رخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر (١) » ، هذا لفظ [الموطأ] . قال مالك: (تفسير ذلك فيما نرى- والله أعلم- أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، ويرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك " لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم في النفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا) وأخرجه في [الموطأ] . قال الباجي (٢) : قوله: إن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى يقتضي أن هناك منعا خاصا هذا منه؛ لأن لفظة: رخصة لا تستعمل إلا فيما يخص من المحظور للعذر، وذلك أن للرعاء عذرا في الكون مع الظهر الذي لا بد من مراعاته والرعي به للحاجة إلى الظهر في الانصراف إلى بعيد البلاد، وقد قال تعالى:

стр. 1182

﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (١) فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى. انتهى. قال الكاساني (٢) : ولا يقال: إنه رخص لهم ذلك لعذر، لأنا نقول ما كان لهم عذر؛ لأنه كان يمكنهم أن يستنيب بعضهم بعضا فيأتي بالنهار فيرمي، فثبت أن الإباحة كانت لغير عذر، فيدل على الجواز مطلقا، فلا يجب الدم. انتهى المقصود. وقال الباجي (٣) : وقوله: يرمون يوم النحر: أخبر أن رميهم يوم النحر لا يتعلق به رخصة ولا يغير عن وقته ولا إضافة إلى غيره، ثم يرمون الغد يريد أنه يرمي لليومين، فقال: يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، فذكر الأيام التي يرمي لها وهي الغد من يوم النحر وبعد الغد، وهما أول أيام التشريق وثانيهما، ولم يذكر وقت الرمي، وإنما يرمي لهما في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال؛ ولذلك جمع بينهما في اللفظ، فقال: ليومين، وقد فسر ذلك مالك على ما تقدم ذكره، وفي رواية الترمذي قال: أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر، ثم يجمعون رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما. قال: قال مالك: ظننت أنه قال في الأول منهما ثم يرمون يوم النفر، وفي أخرى له ولأبي داود والنسائي: أن رسول الله ﷺ «رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما (٤) » .

стр. 1183

وفي أخرى للنسائي: أن رسول الله ﷺ «رخص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعده يجمعونه في أحدهما (١) » . قال ابن الأثير (٢) : إسناد هذا الحديث في [الموطأ] عن أبي البداح عاصم بن عدي عن أبيه، وفي نسخة أخرى عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه. وفي الترمذي عن أبي البداح بن عدي عن أبيه، وقال: وقد روى مالك بن أنس عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه، قال الترمذي: ورواية مالك أصح. وأخرجه أبو داود عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه، وأخرجه هو أيضا، والترمذي عن أبي البداح بن عدي عن أبيه الرواية الثانية. وأخرج النسائي مرة عن أبي البداح بن عدي عن أبيه، ومرة عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه. قال صاحب [التحفة] (٣) عند الكلام على رواية الترمذي (رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما) قال: يعني: يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبوا إلى إبلهم فيبيتوا عندها، ويدعوا يوم النفر الأول، ثم يأتوا في اليوم الثالث فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني مع رميهم لليوم الثالث، وفيه تفسير ثان: وهو أنهم يرمون جمرة العقبة ويدعون رمي ذلك اليوم ويذهبون، ثم يأتون في اليوم الثاني من التشريق فيرمون ما

стр. 1184

فاتهم، ثم يرمون عن ذلك اليوم، كما تقدم، وكلاهما جائز. كذا في النيل. وقال صاحب [عون المعبود] (١) عند الكلام على رواية أبي داود أن رسول الله ﷺ «رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد بيومين ويرمون يوم النفر (٢) » قال: فظاهر الحديث أنهم يرمون بعد يوم النحر، وهو اليوم الحادي عشر لذلك اليوم، ولليوم الآتي وهو الثاني عشر ويجمعون بين رمي يومين بتقديم الرمي على يومه، وفي الترمذي والنسائي وغيرهما من هذا الوجه بلفظ: «رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرموه في أحدهما، (٣) » وهذا الظاهر خلاف ما فسره مالك لهذا الحديث. ويدل لفهم الإمام مالك رواية سفيان الآتية بلفظ: «رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما (٤) » . قال الخطابي: أراد يوم النفر هاهنا النفر الكبير. انتهى المقصود. قال أيضا (٥) : وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمى فيه: فقال مالك: يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول يرمون لليوم الذي مضى، ويرمون ليومهم ذلك " وذلك لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه.

стр. 1185

وقال الشافعي نحوا من قول مالك، وقال بعضهم: هم بالخيار؛ إن شاءوا قدموا، وإن شاءوا أخروا. انتهى. وقد وردت أدلة تدل على أن الرعاء يرمون ليلا في ليالي أيام التشريق، فروى مالك في [الموطأ] عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح: أنه سمعه يذكر أنه رخص للرعاء أن يرموا بالليل يقول: في الزمان الأول. قال الباجي (١) : إنما أبيح لهم؛ ذلك؛ لأنه أرفق بهم، وأحوط فيما يحاولونه من رعي الإبل؛ لأن الليل وقت لا ترعى فيه الإبل ولا تنتشر، فيرمون في ذلك الوقت. وقال ابن المواز: إن رعوا بالنهار ورموا بالليل فلا بأس به، ويحتمل أيضا: أن يرموا على هذا في كل ليلة لاستغنائهم في ذلك الوقت عن حفظ الإبل على وجه الرعي، ويحتمل إن كان ذلك عليهم مشقة أن يكون رميهم بالليل على حكم رميهم بالنهار من الجمع. وقال الباجي أيضا (٢) : وقوله: في الزمان الأول يقتضي إطلاقه زمن النبي ﷺ ؛ لأنه أول زمان هذه الشريعة، فعلى هذا هو مرسل. ويحتمل أن يريد به أول زمن أدركه عطاء، فيكون موقوفا متصلا. وقال الزرقاني (٣) على قوله: (يقول: في الزمان الأول) أي: زمن الصحابة وبهم القدوة، وبهذا قال محمد بن المواز، وهو كما قال بعضهم: وفاقا للمذهب؛ لأنه إذا أرخص لهم في تأخير اليوم الثاني فرميهم

стр. 1186

بالليل أولى. وقال القرطبي (١) بعد سياقه لرواية مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء المتقدمة وكلام الباجي قال: (قلت: هو مسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، خرجه الدارقطني وغيره، وقد ذكرناه في [المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس] ) . انتهى المقصود. والحديث الذي أشار إليه القرطبي رواه الدارقطني (٢) بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ «رخص للرعاء أن يرموا بالليل وأي ساعة من النهار شاءوا (٣) » . وقد أعل هذا الحديث بما نقله الزيلعي بقوله (٤) : قال ابن القطان في كتابه: وإبراهيم بن يزيد هذا إن كان هو الخوزي فهو ضعيف، وإن كان غيره فلا يدرى من هو؟ وبكر بن بكار قال فيه ابن معين: ليس بالقوي، ودون بكر بن بكار جعفر بن محمد الشيرازي، لا خالد، قال: وروى البزار هذا الحديث عن ابن عمر بإسناد أحسن من هذا. والحديث الذي أشار إليه ابن القطان: أن البزار رواه قد أخرجه الزيلعي (٥) فقال: وأما حديث ابن عمر فرواه البزار في [مسنده] . . . (عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ «رخص لرعاء الإبل أن يرموا بالليل (٦) » . وقد أعل هذا الحديث بما نقله الزيلعي بقوله (٧) : قال ابن القطان: ومسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي ضعفه قوم، ووثقه آخرون. قال

стр. 1187

البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حجر (١) : رواه البزار بإسناد حسن والحاكم والبيهقي. انتهى. وذكر الزيلعي (٢) : أن الطبراني رواه، وذكر الحديث بسند الطبراني. وقال الهيثمي (٣) : رواه الطبراني في [الكبير] وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك. انتهى. وقال الزيلعي (٤) : ورواه ابن أبي شيبة في [مسنده] حدثنا محمد بن الصباح عن خالد بن عبد الله عن عبد الرحمن بن إسحاق عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي ﷺ . . . إلى آخره، وفيه أن يرموا الجمار، رواه في [مصنفه] : حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء: أن رسول الله ﷺ مرسلا. انتهى. قال ابن حجر (٥) : وروى ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء مرسلا مثله ووصله في [مسنده] بذكر ابن عباس، لكنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن عطاء، ولم يسمع عبد الرحمن من عطاء، وإنما رواه عن إسحاق بن أبي فروة أحد المتروكين، رواه مسدد والطبراني عن طريقه. انتهى. وإلى هنا انتهى ما يسره الله جل وعلا من الكلام على هذا البحث.

стр. 1188

وترى اللجنة أن يضاف إلى هذا البحث ما كتبه سماحة المفتي ﵀ في رسالته التي سماها [تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك] وحيث إن الرخصة للرعاة فرع من فروع قاعدة (المشقة تجلب التيسير) وأنه قد يتمسك بالمشقة في مناسك الحج ويجري فيها التغيير عما تقتضيه الأدلة الشرعية- فقد رأت اللجنة أن تلحق بهذا البحث خاتمة تشتمل على أصل هذه القاعدة، وأسباب تخفيف المشقة، وأقسام المشقة، وضابط المشقة المؤثرة، وموضع اعتبار الحرج والمشقة، وأنواع تخفيفات الشرع، وموارد هذه القاعدة من الشريعة.

стр. 1189

المشقة تجلب التيسير أصل هذه القاعدة الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) وأما السنة: فعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا (٣) » رواه البخاري ومسلم. قال ابن حجر: وقال النووي: لو اقتصر على "يسروا" لصدق على من يسر مرة وعسر كثيرا، فقال: "ولا تعسروا" لنفي التعسير في جميع الأحوال. وأخرجه أحمد في [المسند] من حديث جابر وأبي أمامة رضي الله

стр. 1190

عنهما: أن النبي ﷺ قال: «بعثت بالحنيفية السمحة (١) » . وأخرج أحمد في [مسنده] والطبراني والبزار وغيرهما عن ابن عباس قال: «قيل: يا رسول الله، أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة (٢) » ، وروى أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «إن دين الله يسر (٣) » ثلاثا، وروى أحمد أيضا من حديث الأعرابي بسند صحيح: «خير دينكم أيسره (٤) » . أسباب التخفيف: ذكر ابن نجيم (٥) أنها سبعة: وهي: السفر، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، والنقص، وأمثلتها ظاهرة. أقسام المشقة: قال القرافي (٦) : المشاق قسمان: أحدهما: لا تنفك عنه العبادة؟ كالوضوء والغسل في البرد، والصوم في النهار الطويل، والمخاطرة بالنفس في الجهاد، ونحو ذلك، فهذا القسم لا يوجب تخفيفا في العبادة؛ لأنه قرر معها. وثانيهما: المشاق التي تنفك عنها العبادة، وهي ثلاثة أنواع: في الرتبة العليا؛ كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع فيوجب التخفيف؛ لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة، فلو حصلنا هذه العبادة لثوابها لذهب أمثال هذه العبادة.

стр. 1191

ونوع في المرتبة الدنيا: كأدنى وجع في إصبع، فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة؛ لشرف العبادة وخفة هذه المشقة. النوع الثالث: مشقة بين هذين النوعين: فما قرب من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا لم يوجبه، وما توسط يختلف فيه؟ لتجاذب الطرفين، فعلى تحرير هاتين القاعدتين تتخرج الفتاوى في مشاق العبادات. انتهى. ثم قال: فائدة (١) : قال بعض العلماء: المشاق تختلف باختلاف رتب العبادات، فما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها، فإن العموم بكثرته يقوم مقام العظم، كما يسقط التطهر من الخبث في الصلاة التي هي أهم العبادات بسبب التكرار؛ كثوب المرضع، ودم البراغيث، وكما سقط الوضوء فيها بالتيمم " لكثرة عدم الماء والحاجة إليه، أو العجز عن استعماله، وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة، وتحرير هاتين القاعدتين يطرد في الصلاة وغيرها من العبادات وأبواب الفقه، وكما جدت المشاق في الوضوء ثلاثة أقسام: متفق على عدم اعتباره، ومتفق على اعتباره، ومختلف فيه، فكذلك تجده في الصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة، والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء والمشي في الوحل، وغضب الحكام وجورهم المانعين من استيفاء الفكر وغير ذلك، وكذلك الغرر والجهالة في البيع ثلاثة أقسام، واعتبر ذلك في

стр. 1192

جميع أبواب الفقه. انتهى. وقد بسط العز بن عبد السلام (١) الكلام على أقسام المشاق الموجبة للتخفيف في الشريعة. ضابط المشقة المؤثرة: قال القرافي (٢) : يجب على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة، فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال، ثم ما رود عليه بعد ذلك من المشاق، مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطا، وإن كان أدنى منها لم يجعله مسقطا، مثاله: التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بالحديث الوارد عن كعب بن عجرة، فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح، وإلا فلا، والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق. موضوع اعتبار الحرج والمشقة قال ابن نجيم (٣) : المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما مع النص بخلافه فلا، ولذا قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - بحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلا الإذخر، وجوز أبو حنيفة رعيه للحرج، ورد عليه بما ذكرنا. انتهى. أنواع تخفيفات الشرع: ذكر العز بن عبد السلام (٤) ستة أنواع:

стр. 1193

١ - تخفيف الإسقاط؛ كإسقاط الجمعات والصوم والحج والعمرة بأعذار معروفة. ٢ - تخفيف التنقيص؛ كقصر الصلاة، وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلوات؛ كتنقيص الركوع والسجود وغيرهما إلى القدر الميسور من ذلك. ٣ - تخفيف الأبدال؛ كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء، وإبدال العتق بالصوم، وكإبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار. ٤ - تخفيف التقديم؛ كتقديم العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر، وكتقديم الزكاة على حولها، والكفارة على حنثها. ٥ - تخفيف التأخير؛ كتأخير الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء، ورمضان إلى ما بعده. ٦ - تخفيف الترخيص؛ كصلاة التيمم مع الحدث، وصلاة المستجمر مع فضلة النجو، وكأكل النجاسات للمداواة، وشرب الخمر للغصة، والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، ويعبر عن هذا بالإطلاق مع قيام المانع أو بالإجابة مع قيام الحاظر. مورد هذه القاعدة من الشريعة: قال الشاطبي (١) : وهي جارية في العبادات والعادات والمعاملات

стр. 1194

والجنايات، ففي العبادات؛ كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر، وفي العادات؛ كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا، وما أشبه ذلك، وفي المعاملات، كالقراض والمساقاة والسلم وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات؛ كثمرة الشجرة ومال العبد، وفي الجنايات، كالحكم باللوث والتدمية والقسامة وضرب الدية على العاقلة وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 1195

قرار هيئة كبار العلماء رقم (٣) وتاريغ ١٣\ ٨\ ١٣٩٣ هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه. وبعد: بناء على خطاب المقام السامي رقم (٢٢٣١٠) تاريخ ٤\ ١١\ ١٣٩١ هـ المتضمن الموافقة على اقتراح سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بحث موضوع (حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد ورميها في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق، وكذا حكم تقديم الرمي أيام التشريق قبل الزوال، وحكم الرمي ليالي أيام التشريق) من قبل هيئة كبار العلماء- عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان عام ١٣٩٢ هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع الرمي المشتمل على المسائل الآتية: أ- حكم رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس يوم العيد. ب- حكم رمي جمرة العقبة ليلة القر. ح- حكم رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال. د- حكم رمي الجمار ليلتي اليوم الثاني والثالث من أيام التشريق. وبعد دراسة المجلس للمسائل المذكورة واطلاعه على أقوال أهل العلم وتداوله الرأي فيها قرر- ما يلي: ١ - جواز رمي جمرة العقبة بعد نصف ليلة يوم النحر للضعفة من النساء وكبار السن والعاجزين ومن يلازمهم للقيام بشؤونهم؛ لما ورد من
следующие страницы →