وترك الإنكار، أخرجه أبو حاتم البستي في [صحيح مسنده] عن أبي العجفاء السلمي، قال: خطب عمر الناس فذكره إلى قوله: اثنتي عشرة أوقية، ولم يذكر: فقامت امرأة إلى آخره، وأخرجه ابن ماجه في [سننه] عن أبي العجفاء، وزاد بعد قوله: أوقية: وإن الرجل ليغلي صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، ويقول: وقد كلفت إليك علق القربة أو عرق القربة وكنت رجلا عربيا مولدا ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة (١) .
وقال ابن كثير في [تفسيره] : وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة، ثم رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق، عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء، واسمه هرم بن سيب البصري، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
طريق أخرى عن عمر، قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن خالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: ركب
стр. 1297
عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن، قال: وأي ذلك. قالت: أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) الآية فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيد قوي، طريق أخرى قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢) - من ذهب - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود، فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا، فقال عمر: «إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» .
(طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء، وإن كانت بنت ذي القصة. يعني: يزيد بن الحصين الحارثي
стр. 1298
فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة من صفة النساء طويلة في أنفها فطس: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت: إن الله قال: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) الآية، فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ (٢) .
стр. 1299
خامسا: ما الفرق بين تحديد أسعار الأعيان والمنافع وتحديد المهور:
تحديد الأسعار بالنسبة للأعيان والمنافع محل خلاف بين أهل العلم:
وقد سبق أن أعد في ذلك بحث، ووزع على أصحاب السماحة والفضيلة أعضاء المجلس في الدورة الثامنة، وبإمكانهم الرجوع إليه.
ولكن الفرق بين تحديد الأسعار في الأعيان والمنافع عند من يقول به، وتحديد المهور يمكن أن يقال: بأن تحديد أسعار الأعيان والمنافع يمكن ضبطه، أما تحديد المهور فلا يمكن ضبطه؛ لأن العادات في إظهار الاهتمام مختلفة، والرغبات لها مراتب متفاوتة، وظروف الناس وإمكاناتهم وقدراتهم تختلف، فيعطي كل بحسب حاله، ومع ذلك فقد ورد التنبيه في السنة إلى اليسر في ذلك، وعدم التغالي فيه، ومنه حديث: «إن من خير النساء أيسرهن صداقا» رواه ابن حبان في [صحيحه] من حديث ابن عباس، وحديث: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير إصداقها» رواه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث عائشة.
ويمكن أن يقال: إن الفرق بينهما: أن المعاوضة في السلع والمنافع يغلب عليها المغالبة، أما بذل المال في النكاح فيغلب عليه قصد التكرم
стр. 1300
دون المغالبة.
ويمكن أن يقال: أيضا أن هناك فرق آخر، وهو: أن المقصود في المعاملات المالية - سواء أكانت أعيانا أو منافع - هو المال، أما في النكاح فالمقصود ذات المرأة والاستمتاع بها، وذات الزوج لا المال.
стр. 1301
سادسا: مبررات التحديد ومضار عدمه:
أ- مبررات التحديد: قد يقال: إن للتحديد مبررات كثيرة منها:
١ - تيسير الزواج.
٢ - بقاء النسل وتكثيره بطريق شرعي.
٣ - خلو المجتمع من العناصر الفاسدة ومن الفساد.
٤ - عمار الأرض بآلات صالحة.
٥ - حفظ كيان الأسرة والعمران بنسل شرعي.
٦ - تحصين الفروج وغض البصر.
٧ - استفراغ الشهوة، واستنزاف المواد المضرة، وإصلاح الجسد بالطريق الشرعي.
ب- مضار عدمه: قد يقال: إن لعدم التحديد مضارا كثيرة: منها:
١ - قلة الزواج؛ لأن الغلو في المهور يكلف الرجال ما لا طاقة لهم به.
٢ - قلة الزواج تؤدي إلى انتشار الفساد بين الرجال والنساء، وبين الرجال أنفسهم، وبين النساء أنفسهن، فتكثر الفواحش بسبب ذلك.
٣ - وجود شيء من هذه المفاسد في شخص ما تجعله عضوا أشل، لا ينتفع به في مجال البناء السليم، دينيا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، واقتصاديا، وعسكريا، وصناعيا، وغير ذلك من الأمور التي تنفع دنيا وأخرى.
стр. 1302
٤ - المجتمع الذي تنتشر به هذه المفاسد مجتمع غير مترابط.
٥ - يضاف إلى ما سبق: أن الشخص إذا تعذر عليه الزواج من بلده نتيجة غلاء المهور اضطر إلى أن يتزوج من الخارج، والزواج بالأجنبية في هذا الوقت له آثاره السيئة على الفرد والأسرة والمجتمع والدولة.
٦ - قد يؤدي عدم التحديد إلى أن المرأة هي التي تخطب الرجل مستقبلا، وتدفع له المهر، كما هي عادة غير المسلمين.
٧ - من النتائج السيئة لعدم التحديد أن الآباء قد يمنعون الأكفاء؛ لأنهم لا يستطيعون دفع مهر كثير ويزوجون غير الأكفاء، لأنهم يدفعون ما يرضي الآباء من المهر.
إذا علم ما سبق من المصالح المترتبة على التحديد والمفاسد الناشئة عن عدم التحديد، فإن من القواعد المقررة في الشريعة أن المصالح إذا تعارضت قدم أرجحها، وأن المفاسد إذا لم يمكن تركها كلها وجب ترك أعظمها ضررا، ولو بارتكاب أقلها ضررا. وإذا تعارضت المصالح والمفاسد قدم الراجح منها، وإذا تساوت في نظر المجتهد فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
стр. 1303
سابعا: هل تحديد المهور علاج واقعي ناجح وإن لم يكن فما العلاج:
قد يقال: إن تحديد المهور ليس بعلاج عملي ناجح في دفع مغالاة الناس فيها؛ لأمور:
أحدها: أن الناس جبلوا على التقليد، فينظر الضعيف منهم للقوي
стр. 1304
والفقير للغني، فإذا وجدوا الوجهاء والأغنياء غلوا في مهور بناتهم أو من يتزوجونهن مجاملة أو إكراما أو فخرا قلدوهم في ذلك.
الثاني: أن النقود اليوم قد هبطت قيمتها نتيجة لعدة عوامل فالشيء الذي يساوي مائة ريال سابقا - مثلا - يساوي اليوم عشرين ألفا تقريبا، فإذا قيست على المهور سابقا فقد لا تعتبر مغالى فيها، وربما تعلل أولياء البنات بهذا وادعوا أن ما تعطاه البنت من المهر لا يقوم بما تحتاجه لتستعد بما يلزم لزواجها من الأثاث والملابس وغيرها.
الثالث: الإبقاء على النكاح والتخلص منه بيد الزوج، فإذا حددت المهور بمبلغ قليل فربما يسهل على الزوج أمر الطلاق ويكثر منه، وهذا مما لا يتفق مع مقاصد الشريعة في النكاح من الاستقرار وطمأنينة النفس وبناء الأسرة.
وقد يقال: إن العلاج ممكن بدون تحديد، وذلك بما يأتي:
أ- توعية الناس بطرق الإعلام والخطابة في الجوامع والمجامع المناسبة، ويركز على تحذير الأولياء من العضل ويرغب الناس في الاصطلاح بينهم على مهر معين، وذلك بأن يتفق أهل كل بلد أو كل قبيلة على مقدار معين.
ب- منع الناس من الإسراف في مراسم الزواج.
ج- التطبيق العملي من الطبقة الواعية من الناس بأن يزوجوا مولياتهم من الأكفاء ويقتنعوا بما تيسر، هذا ما تيسر ذكره.
стр. 1305
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 1306
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٥٢) وتاريخ ٤\٤\١٣٩٧هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء قد اطلع في دورته العاشرة المعقودة في مدينة الرياض فيما بين يوم ٢١\٣\١٣٩٧ هـ و٤\٤\ ١٣٩٧ هـ على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة لهيئة كبار العلماء في موضوع (تحديد مهور النساء) بناء على ما قضى به أمر سمو نائب رئيس مجلس الوزراء من عرض هذا الموضوع على هيئة كبار العلماء لإفادة سموه بما يتقرر.
وجرى استعراض بعض ما رفع للجهات المسئولة عن تمادي الناس في المغالاة في المهور والتسابق في إظهار البذخ والإسراف في حفلات الزواج وبتجاوز الحد في الولائم، وما يصحبها من إضاءات عظيمة خارجة عن حد الاعتدال ولهو وغناء بآلات طرب محرمة بأصوات عالية قد تستمر طول الليل، حتى تعلو في بعض الأحيان على أصوات المؤذنين في صلاة الصبح وما يسبق ذلك من ولائم الخطوبة وولائم عقد القران.
كما استعرض بعض ما ورد في الحث على تخفيف المهور والاعتدال في النفقات، والبعد عن الإسراف والتبذير.
فمن ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (١) ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٢)
стр. 1307
وقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم وأبو داود والنسائي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «سألت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم (١) » . وقال عمر ﵁: «ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية (٢) » ، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقد ثبت في [الصحيحين] وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ زوج امرأة رجلا بما معه من القرآن (٣) » .
وروى الترمذي وصححه: أن عمر ﵁ قال: لا تغلوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون عداوة في نفسه، وحتى يقول: كلفت لك علق القربة. والأحاديث والآثار في الحض على الاعتدال في النفقات والنهي عن تجاوز الحاجة كثيرة معلومة.
وبناء على ذلك ولما يسببه هذا التمادي في المغالاة في المهور والمسابقة في التوسع في الولائم بتجاوز الحدود المعقولة وتعدادها قبل الزواج وبعده، وما صاحب ذلك من أمور محرمة تدعو إلى تفسخ الأخلاق،
стр. 1308
من غناء واختلاط الرجال بالنساء في بعض الأحيان، ومباشرة الرجال لخدمة النساء في الفنادق إذا أقيمت الحفلات فيها، مما يعد من أفحش المنكرات، ولما يسببه الانزلاق في هذا الميدان من عجز الكثير من الناس عن نفقات الزواج فيجرهم ذلك إلى الزواج من مجتمع لا يتفق في أخلاقه وتقاليده مع مجتمعنا، فيكثر الانحراف في العقيدة والأخلاق، بل قد يجر هذا التوسع الفاحش إلى انحراف الشباب من بنين وبنات.
ولذلك كله فإن مجلس هيئة كبار العلماء يرى: ضرورة معالجة هذا الوضع معالجة جادة وحازمة بما يلي:
١ - يرى المجلس: منع الغناء الذي أحدث في حفلات الزواج بما يصحبه من آلات اللهو وما يستأجر له من مغنيين ومغنيات وبآلات تكبير الصوت؛ لأن ذلك منكر محرم يجب منعه، ومعاقبة فاعله.
٢ - منع اختلاط الرجال بالنساء في حفلات الزواج وغيرها، ومنع دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات، ومعاقبة من يحصل عندهم ذلك من زوج وأولياء الزوجة معاقبة تزجر عن مثل هذا من منكر.
٣ - منع الإسراف، وتجاوز الحد في ولائم الزواج، وتحذير الناس من ذلك بواسطة مأذوني عقود الأنكحة وفي وسائل الإعلام، وأن يرغب الناس في تخفيف المهور، ويذم لهم الإسراف في ذلك على منابر المساجد، وفي مجالس العلم، وفي برامج التوعية التي تبث في أجهزة الإعلام.
٤ - يرى المجلس بالأكثرية: معاقبة من أسرف في ولائم الأعراس إسرافا بينا، وأن يحال بواسطة أهل الحسبة إلى المحاكم لتعزر من يثبت مجاوزته الحد بما يراه الحاكم الشرعي من عقوبة رادعة زاجرة تكبح جماح
стр. 1309
الناس عن هذا الميدان المخيف؛ لأن من الناس من لا يمتنع إلا بعقوبة، وولي الأمر وفقه الله عليه أن يعالج مشاكل الأمة بما يصلحها ويقضي على أسباب انحرافها، وأن يوقع على كل مخالف من العقوبة ما يكفي لكفه.
٥ - يرى المجلس: الحث على تقليل المهور، والترغيب في ذلك على منابر المساجد وفي وسائل الإعلام، وذكر الأمثلة التي تكون قدوة في تسهيل الزواج إذا وجد من الناس من يرد بعض ما يدفع إليه من مهر أو اقتصر على حفلة متواضعة؛ لما في القدوة من التأثير.
٦ - يرى المجلس: أن من أنجح الوسائل في القضاء على السرف والإسراف أن يبدأ بذلك قادة الناس من الأمراء والعلماء وغيرهم من وجهاء الناس وأعيانهم، وما لم يمتنع هؤلاء من الإسراف وإظهار البذخ والتبذير، فإن عامة الناس لا يمتنعون من ذلك؛ لأنهم تبع لرؤسائهم وأعيان مجتمعهم.
فعلى ولاة الأمر أن يبدءوا في ذلك بأنفسهم ويأمروا به ذوي خاصتهم قبل غيرهم، ويؤكدوا على ذلك؟ اقتداء برسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، واحتياطا لمجتمعهم؛ لئلا تتفشى فيه العزوبة التي ينتج عنها انحراف الأخلاق وشيوع الفساد.
وولاة الأمر مسئولون أمام الله عن هذه الأمة، وواجب عليهم كفهم عن السوء ومنع أسبابه عنهم، وعليهم تقصي الأسباب التي تثبط الشباب عن الزواج؛ ليعالجوها بما يقضي على هذه الظاهرة، والحكومة أعانها الله ووفقها قادرة بما أعطاها الله من إمكانات متوفرة ورغبة أكيدة في الإصلاح أن تقضي على كل ما يضر بهذا المجتمع، أو يوجد فيه أي انحراف.
وفقها الله لنصرة دينه، وإعلاء كلمته، وإصلاح عباده، وأثابها أجزل
стр. 1310
الثواب في الدنيا والآخرة.
وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
... رئيس الدورة العاشرة
... عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن محمد بن حميد لنا وجهة نظر مرفقة بهذا فيما يتعلق بالمادة الرابعة ... عبد الله خياط
محمد الحركان أوافق على وجهة نظر فضيلة الشيخ عبد الله بن حميد ... عبد المجيد حسن أوافق على وجهة نظر فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد العزيز بن صالح موافق على القرار باستثناء المادة الرابعة فمتوقف
صالح بن غصون أوافق على وجهة نظر الشيخ عبد الله بن حميد ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
عبد الله بن قعود ... صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع
стр. 1311
وجهة نظر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
بالنسبة لما جاء في المادة الرابعة من هذا القرار من إيقاع العقوبات على المسرفين في ولائم العرس التي قال بها الأكثرية عندي فيها نظر لما يلي:
أولا: أن حد الإسراف في تلك الولائم غير منضبط لاختلافه باختلاف الناس والبلدان، فقد يكون سبع الذبائح مثلا أو الثمان أو التسع وما يلحق بها من الكلف -إسراف في حق بعض الناس، لأنها أكثر من مستواهم. وهي في حق آخرين ليست بإسراف؛ لكثرة أسرهم وأصدقائهم وجيرانهم.
وقد يكون مثل هذا المقدار إسرافا في بلدة، وليس بإسراف في أخرى، فحيث كان الإسراف غير منضبط لا أرى داعيا لإيقاع العقوبات في هذا وأمثاله.
ثانيا: أن العقوبات تختلف وليس لها حد تنتهي إليه فإطلاقها للأمراء وأمثالهم غير مناسب؛ لعدم معرفتهم من يستحق العقوبة، ومن لا يستحق فربما يعاقبون من لا يسرف في ولائم العرس، بناء على ما يقتضيه نظرهم أنه إسراف، ولا يعاقبون آخرين بناء على ما في نظرهم أنهم غير مسرفين، وإن تماثلوا في الولائم.
ثالثا: أرى أنه يكتفى بمن عرف منه الإسراف في الولائم بنصيحته من قبل الأمير والقاضي والأعيان، والتغليظ عليه بالكلام بدون إيصال إلى
стр. 1312
سجن أو جلد أو تغريم.
هذا ما نراه، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
محمد بن جبير ... عبد المجيد حسن أوافق على ما قرره سماحته بالنسبة للعقوبة ... محمد بن علي الحركان أوافق على ما قيده فصيلته
... عبد الله بن محمد بن حميد
стр. 1313
(٧)
تحديد النسل
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 1314
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تحديد النسل (١)
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في النصف الأول من شهر شعبان سنة ١٣٩٥هـ من إدراج موضوع (تحديد النسل) في جدول أعمال الدورة الثامنة للهيئة المزمع عقدها في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦ هـ -أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته ما يلي:
١ - ترغيب الشريعة الإسلامية في التناسل.
٢ - الفرق بين منع الحمل وتحديد النسل وتنظيمه.
٣ - البواعث التي تدعو إلى الأخذ بها مع مناقشتها.
٤ - الوسائل التي تتخذ لمنع الحمل أو تحديد النسل أو تنظيمه مع بيان آثارها.
стр. 1315
٥ - بيان الحكمة مع الأدلة.
والله الموفق.
стр. 1316
١ - الترغيب في النكاح وبيان مقاصده:
شرع الله - جلت حكمته - الزواج لحكم كثيرة:
منها: أنه أحصن للفرج وأغض للبصر، قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (١) » رواه أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن.
ومنها: الإبقاء على الجنس البشري في الأرض لعمارتها وإصلاحها؛ تحقيقا لما أراده الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٥)
ومنها: كثرة الأولاد الذين يتم بهم بناء الأسرة، وتقوى بهم الأمة، ويتحقق التعاون بينهم لعمارة الأرض.
стр. 1317
ولذا عد الله سبحانه الذرية نعمة منه على الناس تستوجب منهم أن يشكروه ولا يكفروه، وأن يتقوه رجاء رحمته وخوف عذابه، وأن يصلوا أرحامهم؛ أداء لحق القرابة، وتقوية لأواصرها، حتى يكونوا عباد الله إخوانا متحابين.
قال الله تعالى في بيان كمال قدرته، وعظيم منته على عباده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١)
ونهى النبي ﷺ عن التبتل، وأمر بالزواج، وحبب إلى الرجال التزوج بالودود الولود خاصة؛ تحقيقا لرغبته في المباهاة بأمته يوم القيامة. فعن أنس: أن النبي ﷺ كان يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدا، ويقول: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة (٢) » رواه الإمام أحمد، وأخرجه ابن حبان وصححه. وعن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: «انكحوا أمهات الأولاد، فإني أباهي بهم يوم القيامة (٣) » رواه الإمام أحمد، وأشار إليه الترمذي في [جامعه] ، وقال في [مجمع الزوائد] : فيه جرير بن عبد الله العامري، وقد وثق وهو ضعيف. وعن معقل بن يسار قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، فأتزوجها؟ قال: " لا " ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم (٤) » رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم. وفي الباب أحاديث كثيرة، وفي بعضها ضعف، لكن مجموعها
стр. 1318
يدل على المقصود من الترغيب في النكاح. وخاصة نكاح الولود.
وقد بين الغزالي مقاصد النكاح وفوائده: فقال: إن النكاح معين على الدين، ومهين للشياطين، وحصن دون عدو الله حصين، وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين، فما أحراه بأن تتحرى أسبابه، وتشرح مقاصده وآدابه (١) .
ثم قال: في الزواج فوائد خمسة: الولد، وكسر الشهوة، وتدبير المنزل، وكثرة العشيرة، ومجاهدة النفس بالقيام بهن.
ثم ذكر أنه إذا قصد بالزواج - التناسل كان قربة يؤجر عليها من حسنت نيته. وبين ذلك بوجوه:
أولا: موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.
ثانيا: طلب محبة الرسول ﷺ في تكثير من به مباهاة.
ثالثا: طلب البركة، وكثرة الأجر، ومغفرة الذنب بدعاء الولد الصالح له بعده.
وأكد الغزالي: أن الوجه الأول أقواها وأظهرها لذوي الألباب، وضرب لذلك مثلا خلاصته: سيد أعطى عبده بذورا وآلات حراثة وأرضا صالحة للزراعة، ووكل به رقيبا يستحثه، فإن تراخى العبد في الحراثة والزرع ونحى ذلك الوكيل الذي يستحثه فقد استوجب غضب سيده وطرده، والله تعالى خالق الزوجين الذكر والأنثى، وزود كلا منهما بخواصه. وجعل الشهوة فيهما قوة دافعة إلى إظهار حكمته تعالى في
стр. 1319
التناسل والإنجاب، فمن انحرف عن ذلك أو عارضه فهو متحد لسنن الله في الكون مستوجب لغضبه وسخطه (١) .
ومن المعلوم: أن الأولاد منذ القديم كانوا أمنية الناس حتى الأنبياء المرسلين وسائر عباد الله الصالحين، وسيظلون كذلك ما سلمت فطرة الإنسان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢)
ولما دعا إبراهيم قومه إلى توحيد الله وعبادته دون سواه، وصبر على أذاهم وثابر على دعوتهم - ألقوه في النار، وأنجاه الله منها، واعتزلهم وما يعبدون من دون الله - وهب له إسماعيل ثم إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب استجابة لقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) بشره بإسماعيل أولا، ولما بلغ معه السعي ابتلاه فيه، وأمره بذبحه، وآثر امتثال أمر ربه على حبه لولده، وصدق في تنفيذ أمره، فبشره ثانيا بإسحاق نبيا من الصالحين، وجعل النبوة في ذرية خليله من بعده؛ جزاء كريما لصبره على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله، ونجاحه أتم نجاح فيما ابتلاه الله به من كلمات.
فالأولاد نعمة تتعلق بها قلوب البشر وترجوها، لتأنس بها من الوحشة، وتقوى بها عند الوحدة، وتكون قرة عين لها في الدنيا والآخرة؛ ولذا طلبها إبراهيم الخليل ﵇ فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤)
стр. 1320
وطلب زكريا ﵇ من ربه ذرية طيبة، قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (١) وقال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (٢) ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٣) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٤) ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٥) ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (٦) ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (٧)
وأثنى سبحانه على عباده الصالحين بمحامد كثيرة: منها: قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٨)
وأخبر تعالى: أن شعيبا ﵇ أمر قومه أن يذكروا نعمة الله عليهم إذ جعلهم كثرة بعد قلة،
قال
: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ (٩) وذلك لتشكروه ولا تكفروه، وليعرفوا لله حقه وللعباد حقوقهم، فاعتبر تكثيرهم بعد القلة نعمة عظمى توجب عليهم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
стр. 1321
٢ - الفرق بين منع الحمل وتنظيمه وتحديد النسل
أ- منع الحمل: هو استعمال الوسائل التي يظن أنها تحول بين المرأة وبين الحمل؛ كالعزل، وتناول العقاقير، ووضع اللبوس ونحوه في الفرج، وترك الوطء في وقت الإخصاب، ونحو ذلك.
ب- تحديد النسل: هو الوقوف بالإنسال عند الوصول إلى عدد معين من الذرية باستعمال وسائل يظن أنها تمنع من الحمل.
ج- تنظيم الحمل: هو استعمال وسائل معروفة لا يراد من استعمالها إحداث العقم أو القضاء على وظيفة جهاز التناسل، بل يراد بذلك الوقوف عن الحمل فترة من الزمن لمصلحة ما يراها الزوجان أو من يثقان به من أهل الخبرة.
فالقصد من الأول: عدم التناسل أصلا، سواء أصيب جهاز التناسل بعقم أم لا.
والقصد الثاني: تقليل عدد النسل بالوقوف به عند غاية، سواء أصيب جهاز التناسل بعد هذه الغاية بعقم أم لا.
والقصد من الثالث: مراعاة حال الأسرة وشئونها من صحة أو قدرة على الخدمة مع مراعاة الإبقاء على استعداد جهاز التناسل للقيام بوظيفته.
стр. 1322
٣ - بواعث منع الحمل وتحديد النسل مع المناقشة:
إن الدعاة إلى تحديد النسل ومنع الحمل قد اعتمدوا على عدة دوافع وأسباب في دعايتهم لرأيهم وترويجهم له - نذكرها فيما يلي مع مناقشتها:
الأول: أن مساحة الأرض محدودة والصالح منها لسكنى الناس وللزراعة وإنتاج ما يحتاجه الناس محدود، وأن وسائل المعاش الأخرى من الصناعة والصيد، وتربية المواشي، والتجارة، ونحوها محدودة أيضا.
أما تناسل الناس: فهو في نمو مستمر وزيادة غير محدودة، فإذا استمر الحال على ذلك ضاقت الأرض بسكانها، ولم تسعهم وسائل المعاش، ولم تكف لقوتهم وكسوتهم، وهبط مستواهم في جميع النواحي صحة وعلما وثقافة، وانتهى بهم الأمر إلى أن يعيشوا عيشة بؤس وشقاء أو أن يهلكوا نتيجة للعري والجوع والنزاع والتناحر على لقمة العيش، وما يدفع عنهم غائلة الحر والبرد، فوجب أن يتخذ ما يلزم من الوسائل لتحديد النسل والوقوف به عند غايته، إنقاذا للناس من خطر داهم قد ظهرت بوادره وأنذرتهم سوء المصير.
المناقشة:
أ- الحكم في أن زيادة التناسل وتضاعف عدد الناس في المستقبل يفضي إلى ضيق الأرض عن سكناهم وضيق وسائل المعاش العديدة عن أن تسعهم وتكفي لسد حاجتهم - حكم مبناه الخرص والتخمين والنظر
стр. 1323
الاقتصادي الخاطئ الذي كذبه الواقع أن الأرض لم تضق بسكانها مع كثرة نموهم وتزايدهم، ولم تزل وسائل المعاش تتسع لهم منذ خلقوا إلى يومنا الحاضر، وقد قرر ذلك كثير من علماء الاقتصاد وخطئوا النظرية الاقتصادية التي يبني عليها دعاة تحديد النسل رأيهم.
ب- إن دعوى أن مساحة الأرض التي تصلح للسكنى والزراعة والإنتاج محدودة - دعوى غير صحيحة؛ فإن ما سكن من الأرض وما استثمر منها في الزراعة والإنتاج وإخراج دفائنه وخاماته قدر ضئيل بالنسبة لما لم يسكن وما لم يستغل غير أنه يحتاج إلى تهيئة للسكنى والاستثمار وسعة للعلم بالكونيات، وما أودعه الله في الأرض، ومعرفة بطرق استخراجها وتخليصها وخبرة بخواصها وكيفية استغلالها والانتفاع بها، فعلى تقدير وجود مشكلة فهي لم تنشأ عن كثرة تناسل وتكاثف السكان، وإنما نشأت من الجهل بما أودعه الله في الأرض من خيرات، وقلة العلم بطرق الاستغلال وإهمال الناس أو إعراضهم عن العمل والسعي لكسب ما فيه سعة ورخاء ونهوض بهم وارتقاء.
ج- إن ضرورة الناس وشدة حاجاتهم ألجأتهم إلى تهيئة ما يستطيعون من الأرض وإصلاحه للسكنى والزراعة، واضطرتهم أن يتعلموا من العلوم الكونية ما يساعدهم على التوسع في ذلك، ويفتح لهم أبوابا كثيرة لمعرفة الوسائل العديدة التي تقوم عليها حياة الناس، وتجعلهم مترفين منعمين، ولا يزالون يجدون في العمل ويدأبون فيه بدافع فطرتهم وغرائزهم حتى تكشفت لهم وسائل عمرانية لم يعهدوها من قبل، وعرفوا كثيرا من طرق الكسب والمعاش والنهوض والرخاء لم تكن تخطر لهم ببال، وليس ببعيد
стр. 1324
لو عرضت عليهم من قبل أن يقول قائلهم: إنها سحر أو ضرب من ضروب الخيال، وما ندري ما يسفر عنه المستقبل من شئون الحياة التي قدرها الله لعباده، وأودع لهم أصولها في أبواب السماء وخزائن الأرض، وجعل لهم من الأفكار والعلوم ما به يتمكنون من تسخيرها لمصالحهم وسعادتهم.
قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (١) ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٣)
ومن نظر في زيادة المساحة المعمورة من الأرض وتحويلها إلى قصور شاهقة وزروع مثمرة وجنات فيحاء ممتعة، ونظر إلى زيادة وسائل العيش وكثرتها وتنوعها - وجدها تتضاعف مضاعفة مطردة مع نمو السكان وزيادة عددهم، ولا عجب في ذلك، فإنهم الأيدي العاملة التي خلقها الله لعمارة الأرض وإنها لسنة الله سبحانه في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولولا ذلك لكانت الأرض خرابا يبابا، أو وقف بها العمران عند غاية تتفق مع عدد السكان وقدراتهم ومحارفهم حسبما تقضي به سنة الله سبحانه في الأسباب العادية ونتائجها، وإن الواقع لأقوى وأعدل شاهد لما تقدم، وإنه لدليل واضح على خطأ النظرية الاقتصادية التي بنى عليها دعاة تحديد النسل مقالتهم، وقد اضطر هذا الواقع كثيرا من علماء الاقتصاد أن يردوا على إخوانهم دعاة تحديد النسل مذهبهم، وأن يبينوا لهم مخالفته لواقع الحال وحقيقة الأمر؛ ولذلك أيضا رجع عن هذا الرأي كثير ممن كانوا يدعون إليه حينما أحسوا بعواقبه السيئة من ضعف في قوى حماية البلاد
стр. 1325
والدفاع عنها، وفي قوى الإنتاج لقلة الأيدي العاملة. إلخ، ودعوا إلى التناسل، ورغبوا في كثرته بإعطاء المكافآت؛ إنقاذا لأنفسهم من الخطر الذي أصابهم من جراء الدعوة المشئومة إلى تحديد النسل، وبهذا يعرف فساد ما زعمه بعضهم من أن عدم تحديد النسل يخرج للأمة أولادا لا حاجة إليهم، ولا يفيدونها في ميدان الحياة، وربما ولدوا مرضى فيكونون كلا على أولياء أمورهم أو على حكومتهم، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند الكلام على مضار وسائل تحديد النسل أو منعه أو تنظيمه.
د- إن الدعاة إلى تحديد النسل خشية أن تضيق الأرض بالسكان، وخشية أن تضيق بهم وسائل العيش من كثرتهم مع خطئهم في تقديرهم وقصور عقولهم يظنون بالله الظنون، ويتدخلون في تقديره لشئون عباده، وهذا هو الضلال البعيد، فإن الله هو الذي خلق عباده، وهو الذي يدبر معايشهم، وهو الرزاق ذو القوة المتين، وقد قدر أرزاقهم وما يجري عليهم في جميع أحوالهم قبل أن يكونوا، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١) وقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣)
وقد أنكر على المشركين قتلهم أولادهم خشية الفقر؛ لاحتماله على جرائم: جريمة قتل النفس، وجريمة ظن السوء بالله، ودخول الإنسان فيما
стр. 1326
لا يعنيه مما هو شأن من شئون الله، وكل من قتل النفس، وظن السوء بالله، والدخول فيما هو من شئون الله وحده جريمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (١) وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٣)
فمن حدد النسل بإجهاض قد يكون مرتكبا لهذه الجرائم الثلاث أو لبعضها، ومن حدده بمنع الحمل بوسيلة غير الإجهاض فهو مرتكب لجريمة ظن السوء بالله، وجريمة الدخول فيما هو من شئونه وحده، وكفى بذلك عدوانا وضلالا مبينا.
الثاني: ذكر دعاة تحديد النسل: أن الفطرة وضعت حدا مناسبا لتنظيم النسل والمنع من تضخمه في جميع أنواع الأحياء حتى الإنسان، وذلك بالقضاء على كثير من أسباب التوالد والتناسل ابتداء، وبالموت والفناء بعد الوجود في أطوار وأزمان مختلفة، فليس بعجيب أن يقال بتحديد النسل أو تنظيمه بالوسائل الحديثة المتبعة اليوم، بل في ذلك مجاراة للفطرة، وسير معها إلى الهدف المنشود من التوازن بين عدد السكان ووسائل العيش والنهوض بالإنسان إلى مستوى يكفل له الراحة وطمأنينة النفس والشعور بمتعة الحياة ولذاتها.
стр. 1327
المناقشة:
أ- إن كان المراد بالفطرة في نظر دعاة تحديد النسل: طبيعة الأحياء وخواصهم وغرائزهم التي أودعت فيهم لتقوم الحياة ويعمر الكون - فما ذكروه مبررا لتحديد النسل أو تنظيمه مناقض للفطرة، وحرب على ما أودعه الله في الإنسان من طبائع وخواص، فإن الإنسان مجبول على الرغبة الملحة في التزاوج، مجبول على حب التناسل، تواقة نفسه إلى الذرية مسلما كان أو كافرا، حتى إن من حرم الذرية أو أصيب فيما رزق منها بآفات قضت عليها ليكاد يتقطع أسى وحسرة على ما فاته من نعمة الذرية، واعتبر ذلك بلاء نزل به، وقضى على سعادته، إلا من عصمه الله بالإيمان ورضي بقضاء الله وقدره فيه، ومن آتاه الله الذرية عد نفسه سعيدا، وتجلت فيه عاطفة الأبوة أو الأمومة وحنانها، وبذل جهده فيما يلزم لسعادة أولاده مع ارتياح ورحابة صدر، وسهر الليالي لسهرهم؛ عملا على راحتهم، وتحقيقا لمصلحتهم.
وبهذا اتضح أي الأمرين جرى على سنن الفطرة، ومقتضى الطبيعة البرية، الإبقاء على النسل وعدم الوقوف في طريق ازدياده، أم العمل على منعه والقضاء عليه بعد الحمل بإجهاض ونحوه. أضف إلى ذلك ما في كلامهم من الزيغ، حيثما نسبوا إلى فطرة الأحياء وطبائعهم تحديد النسل أو تنظيمه بالعقم أو بالموت والقضاء على كثير من أسباب التناسل، وذلك لا يصدر إلا عن جاهل فاسد العقيدة، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (١) ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٢)
стр. 1328
وقال: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١)
ب- وإن زعموا أن المراد بالفطرة: ما يسمى في شريعة الإسلام بالله رب العالمين: ففيه أولا: سوء أدب في التعبير، وثانيا: التدخل في شأن من شئون الله وحده، وليس مما يعود إليهم تدبيره، وثالثا: قياس في تقديرهم لتحديد النسل على الله في تدبيره وتعريفه لشئون عباده، وشتان ما بين عبد مملوك خطاء قاصر الفكر والتقدير والتدبير. إلخ، ورب حكيم، له كمال القدرة وإحكام التدبير، وله الخلق والأمر، وكمال الاختيار، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد. إلخ.
لقد فشلت نظرية تحديد النسل أول الأمر اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا؛ لمناقضتها مقتضى الفطرة وطبيعة البشر، وبنائها على الخرص والتخمين الذي كذبه الواقع، ولإفضائها إلى نتائج خبيثة، وعواقب وخيمة، ومضار فادحة، كما سيجيء بيانه في مضار الوسائل التي تتخذ لذلك، ولم يكتب لها الانتشار إلا بكثرة الدعاية والتلبيس على الناس ومصادفة هوى عند عباد الشهوات ومن يفرون من تحمل المسئوليات، ويحرصون على نزواتهم دون المصالح العامة مع عوامل أخرى؛ كالتقدم الصناعي، وإقبال الناس على الصناعة، وانتقالهم إلى المدن لذلك، وزهدهم في الزراعة وانغماس الناس في الترف والنعيم، وكثرة الكماليات، والأثرة المادية، فارتفعت الأسعار، وكثرت التكاليف، وعمل كل لنفسه بدافع غريزة حب التملك، وخرجت المرأة إلى ميدان العمل، وكرهوا تحمل أعباء نفقة الأولاد ورعايتهم، ولم يلبث الأمر أن انكشف الستار وظهرت الحقيقة للمفكرين
стр. 1329
منهم فرجعوا عن ذلك، وردوا على هذه النظرية ردودا حاسمة.
الثالث: أن طبقات الناس متفاوتة غنى وفقرا، والطبقة الفقيرة منهم لا تتسع ثروتها لتربية الأولاد تربية تكفل لهم السعادة والهناء، وليس في أموالهم ما ينهض بتعليمهم تعليما عاليا يسمون به وتسمو به أمتهم، فإذا تركوا وشأنهم في التناسل زاد عدد الأولاد وتكاثر، واشتدت الكارثة، وعجز أولياء أمورهم عن القيام بشئونهم تغذية وكسوة وتعليما على ما يرام، وعندئذ يعيشون عيشة لا يغبطون عليها، أما الطبقة الغنية والمتوسطة فإن أولادهم إذا زاد عددهم تفتت ثروتهم، وهبط مستواهم، وضعفت إمكانياتهم، وبذلك تسوء حالهم وحال الأمة، ويضعف شأنها، وتتأخر علما وإنتاجا، وتعيش عيشة بؤس وشقاء؛ فلهذا وجب الحد من التناسل؛ صيانة للأسرة مما يتهددها من خطر كثرة الأولاد، وإنقاذا للأمة مما يتوقع لها من البلاء وشدة الأزمات (١)
المناقشة:
هذه الشبهة وليدة للشبهة الأولى وصنو لها، فيجاب عنها بما تقدم من المناقشة فيها، ثم هي لا تزيد على أن تكون دعاية لتحديد النسل بتزيين الباطل، والتلبيس على الناس؛ ليخدعوهم عن مقتضى فطرتهم السليمة التي فطرهم الله عليها، ويصدوهم عما هو مصدر سعادتهم، وما تتحقق به مصالحهم. ويحصل لهم به عوامل القوة والنماء والرخاء؛ فإن الأولاد هم الأيدي العاملة وهم مصدر الثروة والنماء وزيادة الرخاء، فبكثرتهم تكثر الخيرات، ويزداد العمران في الأرض، وتنهض الأمم في جيشها وقوتها،
стр. 1330
وفي علمها واختراعها، وفي إنتاجها ورعايتها لجميع مرافق حياتها، وكثيرا ما وجدنا بيوتا قد فتحت على أيدي الأولاد، وعمها الخير والرخاء، وكثيرا ما شاهدنا العلماء من أبناء الفقراء والطبقات المتوسطة، وأنهم نهضوا بأممهم، وقاموا بمصالحهم، وكانوا ملاك سعادتها، وزهرة حياتها، وعنوان مجدها، فإن تخلف شيء من ذلك فهو من الفوضى والإهمال والتفريط لا من زيادة التناسل، ومن المعروف أن النهوض وليد الطموح ويقظة النفس وشعورها بالحاجة، وأن الفساد والهبوط وليد الدعة، وتبلد النفس، وعدم الإحساس بالحاجة، وقد يكون ذلك مع الغني كما يكون مع الفقير، وإذا فليست المشكلة من كثرة التناسل وزيادة الأولاد حتى يسعى في حلها بتحديد النسل أو منع الحمل.
الرابع: زعموا: أن تحديد النسل أو منع الحمل يحفظ للمرأة صحتها وجمالها، وأن تتابع الحمل والولادة وما يتبع ذلك من رعايتها لأولادها وقيامها بشئونهم ورعايتها لهم وسهرها على مصالحهم يهدم كيانها ويذهب قواها وجمالها، ويهدد حياتها الزوجية، فقد يزهد فيها زوجها، فيطلقها أو ينصرف عنها إلى غيرها؛ لسوء حالها واشتغالها عنه بأولادها.
المناقشة:
أ- إن هذه الشبهة إنما يتشدق بها ويروج لها من طغت عليه شهوته الحيوانية، وانحرفت فطرته الإنسانية فلا هم له إلا الاستمتاع بزوجته، وقضاء وطره منها، ويفر من تكاليف الذرية وتحمل أعبائها، استجابة لدواعي الشهوة البهيمية، وإيثارا لجانب اللذائذ الحيوانية التي لا تعدل في نفس من سلمت فطرته من الناس، أو تقارب إرواء عاطفة الأبوة والأمومة
стр. 1331
الكامنة في أعماق النفوس وحياة القلوب.
ب- إن عزل المرأة عن وظيفة الحمل والولادة التي هي من أجل ما خلقها الله لها يحدث فيها كبتا، ويولد فيها عقدا نفسية، ويورثها بؤسا وكآبة تذهب بجمالها وحسن رونقها، وإذا استعملت لمنع الحمل أو إسقاطه العقاقير وأمثالها زادها ذلك هما، وضاعف آفاتها ومضارها.
ولا شك أن هذا الخطر يزيد على ما يذكره دعاة تحديد النسل في شبهتهم من المضار الناشئة عن كثرة الحمل والولادة، مع ما في زيادة التناسل من النماء في الإنتاج وزيادة وسائل المعيشة والنفع الخاص بالأسرة والعام للأمة، فأي الأمرين أحق بالحرص عليه والدعوة إليه؟!
قال الدكتور (الكسيس كارل) في كتابه [الإنسان ذلك المجهول] :
إنه حتى هذه الأيام لم ينضج فكر الإنسان ولم يشعر على الوجه التام بما لوظيفة التوليد من الأهمية في حياة المرأة، إن قيام المرأة بهذه الوظيفة مما لا مندوحة عنه لكمالها القياسي، فما تحريف النساء عن التوليد ورعاية الطفل إلا حماقة شنيعة لا يقدم عليها عاقل. وقال الدكتور (أزوالد شوارز) أحد علماء النفس في كتابه [نفسية الجنس] : أي شيء يا ترى يدل عليه وجود الغريزة الجنسية في الإنسان؟ ولأي غرض قد وضعت فيه؟ ومن الحقيقة التي لا غبار عليها: أن هذه الغريزة إنما هي لإنجاب الذرية وتخليد النسل؛ إذ من القوانين الثابتة في علم الأحياء أن كل عضو في جسد الإنسان يجب أن يؤدي وظيفته الخاصة المستقلة حتى يحقق بذلك المهمة التي قد أسندت إليه، وعلى هذا إذا منع هذا العضو من أداء وظيفته الخاصة فلا بد أن تتعرض حياة الإنسان لمشاكل مرهقة متعدة، ومما يتعلق بهذا البحث أن
стр. 1332
جسد المرأة لم يخلق في معظمه إلا لوظيفة الحمل والتوليد، فهي إذا منعت أن تعمل لتحقيق هذه الوظيفة الأساسية لنظامها الجسدي والعقلي فلا بد أن تذهب ضحية الاضمحلال والتذمر والعقد النفسية المتعددة، وعلى خلاف هذا فإنها عندما تصبح أما تجد جمالا جديدا وبهاء روحيا يتغلب على ما قد يعتريها من الضعف والاضمحلال بسبب وضع الطفل وإرضاعه.
وقال أيضا: إن كل عضو في جسدنا يجب أن يقوم بوظيفته، وعلى هذا فإنه إذا حيل بينه وبين أن يقوم بوظيفته فلا بد أن يختل به التوازن في نظامنا الجسدي، إن المرأة ليست بحاجة إلى إنجاب ذرية لمجرد أن ذلك تقتضيه عاطفة الأمومة التي قد فطرت عليها، أو لمجرد أنها ترى القيام بهذه الخدمة واجبا عليها، بناء على ضابط خلقي مفروض عليها، وإنما هي بحاجة إليها؛ لأن نظامها الجسدي ما بني كله إلا للقيام بها، فهي إذا منعت أن تقوم بها فلا بد أن تتأثر شخصيتها كلها بالانقباض والحرمان والهزيمة واليأس المميت. أهـ.
إن الذين بدؤوا بالدعوة إلى منع الحمل أو تحديد النسل، وروجوا دعوتهم بما تقدم من الشبه وأمثالها- جماعة لا يؤمنون بأن للعالم ربا عليما خبيرا بشئون عباده، حكيما في تدبير أمورهم وتصريف أحوالهم ولا يرضون بشريعة الإسلام دينا ولا بمحمد رسولا، فلا عجب أن يظنوا بالله الظنون الكاذبة، وأن يدخلوا تفكيرهم القاصر المحدود فيما هو من شأنه وحده، وأن يناقضوا شريعة الإسلام ويكونوا حربا على مقاصدها، ولا عجب أيضا أن يسير في ركابهم، ويدعو بدعوتهم بعض جهلة المسلمين وأرباب الهوى منهم، فإن الجهل قتال يقذف بصاحبه في لجج الضلال
стр. 1333
والهلاك وأن الهوى يعمي ويصم، وإنما العجب أن يناقضوا ما يدعون أنهم قتلوه بحثا، وأحاطوا به علما من نظريات الاقتصاد وأصول علم النفس وعلم الأحياء وتاريخ الأمم وما جرى عليها من أحداث.
ونختم الكلام على ما ذكروا من البواعث والدواعي لمنع الحمل أو تحديد النسل بذكر بعض دواع أخرى تقع قليلا أو نادرا فيحكم فيها بما يناسبها من الأحكام، فإنها تختلف عما تقدم في أهدافها ومقاصدها وربما كان لمن ألمت به العذر في منع الحمل أو تنظيمه.
ا- قد يكون بالمرأة ما تتعذر معه الولادة العادية، فيخرج الولد بإجراء عملية جراحية، وربما كان في ذلك خطورة، كما أن تكرر ذلك خطر على المرأة، وقضاء على حياتها، ففي هذا يمكن أن يقال بوجوب منع الحمل أو المنع من تكراره، محافظة على حياة المرأة، وذلك راجع إلى مقصد من المقاصد الضرورية الخمسة، وهو المحافظة على النفس، ولكن من الواضح أن هذا وأمثاله ليس من تحديد النسل ولا من تنظيمه ولا يتفق معه في الدواعي أو الغرض الذي ألجأ إليه، فلا يصح أن يخلط بينهما تلبيسا على الناس، ولا أن يحتج بمثل هذا على تحديد النسل أو منعه للدواعي الأخرى.
٢ - وقد يضر المرأة تتابع الحمل لضعف بها أو مرض، ويقرر أهل الخبرة: إن كان عليها من تتابعه خطورة، فلها أن تتخذ وسائل غير ضارة لتنظيم الحمل وتأخيره فترة من الزمن تستجم فيها، وتسترد نشاطها وقوتها، ويرجع فيما تستخدمه من الوسائل لأهل الخبرة، مخافة أن تصاب بعقم أو مرض آخر من جراء استخدام الوسائل لتنظيم الحمل، وليس هذا
стр. 1334
من باب تحديد النسل، ولا في معنى ما تقدم من منع الحمل للبواعث الأخرى التي اعتمد عليها دعاة تحديد النسل فلا مستند فيه لهم.
٣ - وقد يظن الرجل أن وطأه امرأته أو أمته وهي ترضع يضر بالولد، فيمتنع من ذلك محافظة على صحة الرضيع وحرصا على سلامته، سواء قلنا: تغير لبن المرأة وتضرر الرضيع بنفس الجماع أو بالحمل المتوقع منه، فعلى تقدير أن ذلك يعتبر عذرا للرجل في ترك الجماع أو للزوجة في الامتناع منه- فإنه ليس من باب تحديد النسل أصلا ولا من جنس منع الحمل للدواعي المنكرة التي اعتمد عليها دعاة تحديد النسل أو منعه، على أن النبي ﷺ هم أن ينهى عن الغيلة محافظة على الرضيع، ثم رجع عن ذلك وبين السبب، روى أحمد ومسلم عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس وهو يقول «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت إلى الروم فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم شيئا (١) » . . . الحديث.
стр. 1335
٤ - ربما يحتاج الرجل إلى العزل عن أمته أو زوجته حرة أو أمة.
وقد اختلف العلماء في حكم ذلك اختلافا كثيرا:
فمنهم من حرم ذلك مطلقا عن أمته وزوجته حرة أو أمة.
ومنهم من أجازه مطلقا، وفرق جماعة بين الأمة والحرة.
وفرق آخرون بين حالة الإذن وعدمه، فأباحه في الأولى دون الثانية. وتفصيل الخلاف في ذلك معروف في كتب الفقه، ومنشؤه: اختلاف العلماء في فهم ما ورد في ذلك من الأحاديث واختلافهم فيمن له الحق في الوطء والولد ومن لا حق له في ذلك.