← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

رضي الله عنه عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده: فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا) والذين منعوا المزارعة: منهم من احتج بأن النبي ﷺ «نهى عن المخابرة (١) » ولكن الذي نهى عنه: هو الظلم: فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها. ويشترطون ما على الماذيانات وإقبال الجداول، وشيئا من التبن يختص به صاحب الأرض، ويقتسمان الباقي، وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع، فإن المعاملة مبناها على العدل من الجانبين وهذه المعاملات من جنس المشاركات، لا من باب المعاوضات، والمشاركة العادلة: هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلما. فهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ ، كما قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك: أمر إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه علم أنه لا يجوز، وأما ما فعله هو وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه.

стр. 1402

فصل: وقد ظن طائفة من الناس: أن هذه المشاركات من باب الإجارة بعوض مجهول، فقالوا: القياس يقتضي تحريمها، ثم منهم من حرم المساقاة والمزارعة، وأباح المضاربة استحسانا للحاجة؛ لأن الدراهم لا تؤجر كما يقول أبو حنيفة، ومنهم من أباح المساقاة؛ إما مطلقا، كقول مالك والشافعي في القديم، أو على النخل والعنب خاصة، كالجديد له؛ لأن الشجر لا يمكن إجارته، بخلاف الأرض، وأباح ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة، ثم منهم من قدر ذلك بالثلث، كقول مالك، ومنهم من اعتبر كون الأرض أغلب كقول الشافعي، وأما جمهور السلف

стр. 1403

والفقهاء، فقالوا: ليس ذلك من باب الإجارة في شيء، بل هو من باب المشاركات التي مقصود كل منهما مثل مقصود صاحبه، بخلاف الإجارة، فإن هذا مقصوده العمل، وهذا مقصوده الأجرة؛ ولهذا كان الصحيح أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب فيها نصيب المثل، لا أجرة المثل، فيجب من الربح والنماء في فاسدها نظير ما يجب في صحيحها، لا أجرة مقدرة، فإن لم يكن ربح ولا نماء لم يجب شيء، فإن أجرة المثل قد تستغرق رأس المال وأضعافه وهذا ممتنع، فإن قاعدة الشرع: أنه يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح منها، كما يجب في النكاح الفاسد مهر المثل، وهو نظير ما يجب في الصحيح، وفي البيع الفاسد إذا فات ثمن المثل، وفي الإجارة الفاسدة أجرة المثل، فكذلك يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل وفي المساقاة والمزارعة الفاسدة نصيب المثل، فإن الواجب في صحيحها ليس هو أجرة مسماة، فيجب في فاسدها أجرة المثل، بل هو جزء شائع من الربح، فيجب في الفاسدة نظيره. قال شيخ الإسلام وغيره من الفقهاء: والمزارعة أحل من المؤاجرة، وأقرب إلى العدل، فإنهما يشتركان في المغرم والمغنم، بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة، والمستأجر قد يحصل له زرع، وقد لا يحصل، والعلماء مختلفون في جواز هذا وهذا، والصحيح جوازهما، سواء كانت الأرض إقطاعا أو غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما علمت أحدا من علماء الإسلام- من الأئمة الأربعة ولا غيرهم- قال: إجارة الإقطاع لا تجوز، ومازال المسلمون يؤجرون إقطاعاتهم قرنا بعد قرن، من زمن الصحابة إلى زمننا هذا، حتى حدث بعض أهل زمننا فابتدع القول

стр. 1404

ببطلان إجارة الإقطاع، وشبهته: أن المقطع لا يملك المنفعة، فيصير كالمستعير لا يجوز أن يكري الأرض المعارة. وهذا القياس خطأ من وجهين: أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له، إنما تبرع المستعير بها، وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم بينهم حقوقهم، ليس متبرعا لهم كالمعير، والمقطع مستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق، كما يستوفي الموقف عليه منافع الوقف وأولى، إذا جاز للموقف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على الصحيح - فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أولى. الثاني: أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة، وولي الأمر يأذن للمقطع في الإجارة، فإنه إنما أقطعهم لينتفعوا بها إما بالمزارعة، وإما بالإجارة، ومن منع الانتفاع بها بالإجارة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم، وألزم الجند والأمراء أن يكونوا هم الفلاحين، وفي ذلك من الفساد ما فيه، وأيضا: فإن الإقطاع قد يكون دورا وحوانيت، لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة، فإذا لم تصح إجارة الإقطاع تعطلت منافع ذلك بالكلية، وكون الإقطاع معرضا لرجوع الإمام فيه مثل كون الموهوب للولد معرضا لرجوع الوالد فيه، وكون الصداق قبل الدخول معرضا لرجوع نصفه أو كله إلى الزوج، وذلك لا يمنع صحة الإجارة بالاتفاق، فليس مع المبطل نص ولا قياس، ولا مصلحة، ولا نظير، وإذا أبطلوا المزارعة والإجارة ولم يبق مع الجند إلا أن يستأجروا من أموالهم من يزرع

стр. 1405

الأرض ويقوم عليها، وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس؛ لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء، بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، فهي أقرب إلى العدل، وهذه المسألة ذكرت استطرادا، وإلا فالمقصود: أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات- كالفلاحين وغيرهم- أجبروا على ذلك بأجرة المثل، وهذا من التسعير الواجب، فهذا تسعير في الأعمال. وأما التسعير في الأموال: فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلات، فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل، ولا يمكنوا من حبسه إلا بما يريدونه من الثمن. والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته؟! ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير: فقوله ظاهر التناقض، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو الصواب. فصل: وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي ﷺ بالمدينة؛ لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء، ولا من يبيع طحينا وخبزا، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم. وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد، بل يشتريه الناس من الجلابين. ولهذا جاء في الحديث: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون (١) » . وكذلك لم يكن في المدينة حائك، بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما، فيشترونها ويلبسونها. فصل: وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين:

стр. 1406

إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب، فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك، فإنه يمنع من ذلك عند مالك، وهل يمنع من النقصان؟ على قولين لهم: واحتج مالك ﵀ بما رواه في [موطئه] عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبا له بالسوق، فقال له عمر: (إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا) . قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط من سعر الناس، لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس، وإما رفعت، أما أن يقول للناس كلهم- يعني: لا تبيعوا إلا بسعر كذا- فليس ذلك بالصواب، وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل الأبلة، حين حط سعرهم لمنع البحر، فكتب (خل بينهم وبين ذلك، فإنما السعر بيد الله) . قال ابن رشد في كتاب [البيان] : أما الجالبون فلا خلاف أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه للبيع إنما يقال لمن شذ منهم فباع بأغلى مما يبيع به العامة: إما أن تبيع بما تبيع به العامة، وإما ترفع من السوق، كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له: (إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا) لأنه كان يبيع بالدرهم الواحد أغلى مما كان يبيع به أهل السوق، وأما أهل الحوانيت والأسواق الذين يشترون من الجلابين وغيرهم جملة، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا، مثل اللحم والأدم، والفواكه- فقيل: إنهم كالجلابين لا يسعر لهم شيء من بياعتهم، وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إما أن تبيع كما يبيع الناس، وإما أن ترفع من السوق، وهو قول

стр. 1407

مالك في هذه الرواية. وممن روي عنه ذلك من السلف: عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، قيل: إنهم في هذا بخلاف الجالبين، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس، ولم يقتنعوا من الربح بما يشبهه، وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترونه به، فيجعل لهم من الربح ما يشبهه وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق، وهذا قول مالك في رواية أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب. وقال به ابن المسيب، ويحيى بن سعيد، وربيعة. ولا يجوز عند أحد من العلماء: أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوه إلا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن أو أقل، وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترونه: لم يتركهم أن يغلوا في الشراء، وإن لم يزيدوا في الربح على القدر الذي حد لهم، فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم، وأما الشافعي: فإنه عارض في ذلك بما رواه عن الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر ﵁ (أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما، فقال له: مدين لكل درهم، فقال عمر: قد حدثت بعير جاءت من الطائف تحمل زبيبا وهم يغترون بسعرك. فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه. ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت

стр. 1408

لك ليس عزمة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع) . قال الشافعي، وهذا الحديث مستفيض، وليس بخلاف لما رواه مالك، ولكنه روى بعض الحديث، أو رواه عنه من رواه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه أقول؛ لأن الناس مسلطون على أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم الأخذ فيها، وهذا ليس منها، وعلى قول مالك: فقال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر به من حط عنه أن يلحق به: هو السعر الذي عليه جمهور الناس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر، أمروا باللحاق بسعر الناس أو ترك البيع، فإن زاد في السعر واحد، أو عدد يسير، لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره؛ لأن المراعى حال الجمهور وبه تقوم المبيعات. وهل يقام من زاد في السوق- أي: في قدر المبيع بالدراهم- كما يقام من نقص منه؟ قال ابن القصار المالكي: اختلف أصحابنا في قول مالك: (ولكن من حط سعرا) فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم، والناس يبيعون ثمانية، وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية، والناس يبيعون خمسة، فيفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدى إلى الشغب والخصومة، قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان؛ لأن من باع ثمانية- والناس يبيعون خمسة- أفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدى إلى الشغب والخصومة، فمنع الجميع مصلحة، قال أبو الوليد: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق. وأما الجالب: ففي كتاب محمد: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق

стр. 1409

دون بيع الناس، وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير بسعر الناس، وإلا رفعوا، وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء، إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن أرخص بعضهم تركوا، وإن أرخص أكثرهم، قيل لمن بقي إما أن تبيعوا كبيعهم، وإما أن ترفعوا. قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون، مأكولا كان أو غيره، دون ما يكال ولا يوزن؛ لأنه لا يمكن تسعيره، لعدم التماثل فيه. قال أبو الوليد: هذا إذا كان المكيل والموزون متساويين، أما إذا اختلفا، لم يؤمر صاحب الجيد أن يبيعه بسعر الدون. فصل: وأما المسألة الثانية- التي تنازعوا فيها من التسعير: فهي أن يحد لأهل السوق حدا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب، فهذا منع منه الجمهور، حتى مالك نفسه في المشهور عنه، ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم، والقاسم بن محمد. وروى أشهب عن مالك - في صاحب السوق يسعر على الجزارين لحم الضأن بكذا، ولحم الإبل بكذا، وإلا أخرجوا من السوق، قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم، فلا بأس به، ولكن لا يأمرهم أن يقوموا من السوق، واحتج أصحاب هذا القول بأن في هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم. ولا يجبر الناس على البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر، على حساب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري، وأما الجمهور: فاحتجوا بما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، سعر لنا فقال: بل أدعو الله ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر لنا، فقال: بل الله

стр. 1410

يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة (١) » . قالوا: ولأن إجبار الناس على ذلك ظلم لهم. فصل: وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم، استظهارا على صدقهم، فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا به، ولا يجبرهم على التسعير، ولكن عن رضى. قال أبو الوليد: ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضى، بما لا ربح لهم فيه: أدى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس. قال شيخنا: فهذا الذي تنازعوا فيه، وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه، فهنا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه، وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع. ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النبي ﷺ : «إن الله هو المسعر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال (٢) » قيل له: هذه قضية معينة وليست لفظا عاما، وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه، ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه- كما جرت العادة، ولكن الناس تزايدوا فيه- فهنا لا يسعر عليهم، وقد ثبت في [الصحيحين] أن النبي ﷺ منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك، فقال:

стр. 1411

«من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، لا وكس لا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد (١) » فلم يكن للمالك أن يساوم المعتق بالذي يريد، فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد، قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل، ويعطيه قسطه من القيمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة، لا في قيمة النصف عند الجمهور، وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه، فإنه يباع ويقسم ثمنه، إذا طلب أحد الشركاء ذلك، ويجبر الممتنع على البيع، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا، وصار أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل، لا بما يزيد عن الثمن، وصار أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه، للمصلحة الراجحة، كما في الشفعة، وصار أصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. والمقصود: أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل، لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة، فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم، وهم إليها أضر مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره، وهذا الذي أمر به النبي ﷺ من تقويم الجميع قيمة المثل: هو حقيقة التسعير، وكذلك سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع فيه من يد المشتري بثمنه الذي ابتاعه به لا بزيادة عليه، لأجل مصلحة التكميل لواحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الذي وقع عليه العقد لا بما شاء المشتري من الثمن، لأجل هذه المصلحة

стр. 1412

الجزئية فكيف إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب؟! وكذلك إذا اضطر الحاج إلى ما عند الناس من آلات السفر وغيرها، فعلى ولي الأمر أن يجبرهم على ذلك بثمن المثل، لا بما يريدونه من الثمن، وحديث العتق أصل في ذلك كله. فصل: فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان، لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك- وجب على صاحبه بذله بلا نزاع، لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا؟ فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد، ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل، قال شيخنا: والصحيح: أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا، كما دل عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٣) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٤) قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة: (وهو: إعارة القدر والدلو والفأس ونحوها) وفي [الصحيحين] عن النبي ﷺ وذكر الخيل قال: «هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله..، وأما الذي هي له ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها، ولا في ظهورها (٥) » . وفي [الصحيحين] عنه أيضا: «من حق الإبل إعارة دلوها، وإطراق فحلها (٦) » . وفي [الصحيحين] عنه: «أنه نهى عن عسب الفحل (٧) » أي: عن أخذ

стр. 1413

الأجرة عليه، والناس يحتاجون إليه، فأوجب بذله مجانا ومنع من أخذ الأجرة عليه، وفي [الصحيحين] عنه: أنه قال: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره (١) » . ولو احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره، من غير ضرر لصاحب الأرض فهل يجبر على ذلك؟ روايتان عن أحمد، والإجبار: قول عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة ﵃، وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين (أن زكاة الحلي عاريته، فإذا لم يعره فلا بد من زكاته) ، وهذا وجه في مذهب أحمد، قلت: وهو الراجح، وأنه لا يخلو الحلي من زكاة أو عارية، والمنافع التي يجب بذلها نوعان منها: ما هو حق المال، كما ذكرنا في الخيل، والإبل، والحلي، ومنها: ما يجب لحاجة الناس. وأيضا: فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة، كتعليم العلم، وإفتاء الناس، والحكم بينهم وأداء الشهادة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من منافع الأبدان، وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه، فإن ترك ذلك- مع قدرته عليه- أتم وضمنه، فلا يمتنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى. ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ (٣)

стр. 1414

وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، وهي أربعة أوجه في مذهب أحمد:

стр. 1415

أحدها: أنه لا يجوز مطلقا. والثاني: أنه يجوز عند الحاجة. والثالث: أنه يجوز إلا أن يتعين عليه. والرابع: أنه يجوز. فإن أخذه عند التحمل لم يأخذه عند الأداء، والمقصود: أن ما قدره النبي ﷺ من الثمن في سراية العتق هو لأجل تكميل الحرية، وهو حق الله، وما احتاج الناس إليه حاجة عامة فالحق فيه لله، وذلك في الحقوق والحدود، فأما الحقوق: فمثل: حقوق المساجد، ومال الفيء، والوقف على أهل الحاجات، وأموال الصدقات، والمنافع العامة. وأما الحدود: فمثل، حد المحاربة، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر المسكر، وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس، وغير ذلك- مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، ولو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر، فإنه يطلب ما يشاء، وهنا عموم الناس يشترون الطعام والثياب لأنفسهم وغيرهم، فلو مكن من عنده سلع يحتاج الناس إليها أن يبيع بما شاء، كان ضرر الناس أعظم؛ ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير وجب عليه بذله له بثمن المثل، وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو: الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه: أن يبذله بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز تسعير

стр. 1416

الطعام، إذا كان بالناس إليه حاجة ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس، إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة، فإذا رفع إلى القاضي: أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته وقوت أهله على اعتبار السعر في ذلك، ونهاه عن الاحتكار، فإن أبى حبسه وعزره على مقتضى رأيه؛ زجرا له، ودفعا للضرر عن الناس. قالوا: فإن تعدى أرباب الطعام، وتجاوزوا القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير سعره حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة، وهذا على أصل أبي حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر، ومن باع منهم بما قدره الإمام صح؛ لأنه غير مكره عليه. قالوا: وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ فعلى الخلاف المعروف في بيع مال المدين، وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام، والسعر لما غلا على عهد النبي ﷺ وطلبوا منه التسعير فامتنع، لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، ولكن نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد، أي: أن يكون له سمسارا، وقال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (١) » فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة؛ لأنه إذا توكل له- مع خبرته بحاجة الناس- أغلى الثمن على المشتري فنهاه عن التوكل له، مع أن جنس الوكالة مباح؛ لما في ذلك من زيادة السعر على الناس، ونهى عن تلقي الجلب، وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار؛ ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا، فإذا لم يكن قد

стр. 1417

عرف السعر، وتلقاه المتلقي قبل إتيانه إلى السوق اشتراه المشتري بدون ثمن المثل فغبنه، فأثبت النبي ﷺ لهذا البائع الخيار، ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم: إحداهما: أن الخيار يثبت له مطلقا، سواء غبن أو لم يغبن وهو ظاهر مذهب الشافعي. والثانية: أنه إنما يثبت له عند الغبن، وهي ظاهر المذهب. وقالت طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي، فاشترى متاعه في الجملة، فقد نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء الذي جنسه حلال، حتى يعلم البائع السعر وهو ثمن المثل، ويعلم المشتري بالسلعة. وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء، وقد اشترى من البائع كما يقول: له أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر، ولكن الشارع راعى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل، فيكون المشتري غارا له، وألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل، فإنه بمنزلة الجاهل بالسعر، فتبين أنه يجب على الإنسان أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف- وهو ثمن المثل-، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة، أو غير مماكسين، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى، فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك، وفي [السنن] : «أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فأمره أن يقبل بدلها، أو يتبرع له بها، فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض أن يقلعها،

стр. 1418

وقال لصاحب الشجرة: إنما أنت مضار» . وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب عليه أن يبيع شجرته، ولا يتبرع بها، ولا يجوز لصاحب الأرض أن يقلعها، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإجبار على المعاوضة عليه، وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يقلعها لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرض (بخلاصه من تأذيه) بدخول صاحب الشجرة، ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة، وإن كان عليه في ذلك ضرر يسير، فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه أعظم، فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما، فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة وإن أباه من أباه. والمقصود: أن هذا دليل على وجوب البيع لحاجة المشتري، وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره؟ والحكم في المعاوضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها- كمنافع الدور، والطحن، والخبز، وغير ذلك- حكم المعاوضة على الأعيان. وجماع الأمر: أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير: سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى: الحمد لله وحده، وبعد:

стр. 1419

فقد جرى بيننا وبين بعض إخواننا طلبة العلم بحث في مسألة التسعير وحكمه، ورغب إلي الكتابة فيه، فاستفتيت الله تعالى وأمليت فيها ما يلي: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فغير خاف أن التسعير من المسائل التي اختلف في حكمها العلماء. فذهب جمهورهم إلى منعه مطلقا، مستدلين على ذلك بما روى أبو داود وغيره، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: يا رسول الله، سعر لنا، فقال: بل أدعو الله ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر لنا، فقال. بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة (١) » وبما روى أبو داود والترمذي وصححه، عن أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا. يا رسول الله، لو سعرت فقال: " إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة (٢) » . وهذا قول الشافعي، وهو قول أصحاب الإمام أحمد؛ كأبي حفص العكبري، والقاضي أبي يعلى، والشريف أبي جعفر، وأبي الخطاب، وابن عقيل، وغيرهم، قال في [الشرح الكبير] : وليس للإمام أن يسعر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون، وهذا مذهب الشافعي، وكان مالك يقول: يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس: بع كما يبيع الناس وإلا فاخرج عنا، احتج بما روى الشافعي وسعيد بن منصور عن داود بن صالح عن القاسم بن محمد عن عمر، أنه مر بحاطب في سوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فسعر له

стр. 1420

مدين بكل درهم، فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك فتبيعه كيف شئت؛ لأن في ذلك إضرارا بالناس إذا زاد، وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع. ولنا ما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه، أنه غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فسعر لنا، فقال: «إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال (١) » . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وعن أبي سعيد مثله. فوجه الدلالة من وجهين: أحدهما: أنه لم يسعر، وقد سألوه، ذلك ولو جاز لأجابهم إليه. والثاني: أنه علل بكونه مظلمة والظلم حرام إلى آخر ما ذكره. وأجابوا عن منع عمر ﵁ حاطب بن أبي بلتعة: أن يبيع زبيبه بأقل من سعر السوق، بأن في الأثر: أن عمر لما رجع حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس بمعرفة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع. وقالوا بعد ذلك في توجه المنع: بأن الناس مسلطون على أموالهم فإجبارهم على بيع لا يجب، أو منعهم مما يباح شرعا ظلم لهم، والظلم حرام، فالتسعير بمثابة الحجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري، برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكن الفريقين

стр. 1421

من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وذهب بعضهم: إلى جواز التسعير إذا كان للناس سعر غال فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك أو بأنقص. واحتجوا: بما رواه مالك في [موطئه] عن يونس بن سيف، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له في بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا، قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس، وإما رفعت، وأما أن يقول للناس كلهم، يعني: لا تبيعوا إلا بسعر كذا فليس ذلك بالصواب. كما ذهب بعضهم: إلى أن للإمام أن يحد لأهل السوق حدا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب، روى أشهب عن مالك: في صاحب السوق يسعر على الجزارين لحم الضأن بكذا، ولحم الإبل بكذا، وإلا أخرجوا من السوق، قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به، ولكن لا يأمرهم أن يقوموا من السوق. واحتجوا على جواز ذلك: بأن فيه مصلحة للناس بالمنع من غلاء السعر عليهم، ولا يجبر الناس على البيع، وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري.

стр. 1422

وردوا على المانعين منه مطلقا: أن الاستدلال بقوله ﷺ : «إن الله هو المسعر القابض الباسط (١) » إلى آخره، قضية معينة وليست لفظا عاما، وليس فيها أن أحدا امتنع عن بيع ما الناس يحتاجون إليه، بل جاء في حديث أنس التصريح بداعي طلب التسعير، وهو ارتفاع السعر في ذلك، وقد ثبت في [الصحيحين] : أن النبي ﷺ منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك، فقال: «من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، لا وكس ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد (٢) » . قال ابن القيم ﵀ في كتابه [الطرق الحكمية] : فلم يمكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد، فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد: قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل، ويعطيه قسطه من القيمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة، لا في قيمة النصف عند الجمهور. وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه فإنه يباع ويقسم ثمنه، إذا طلب أحد الشركاء ذلك، ويجبر الممتنع على البيع، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا. وصار ذلك أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل، لا بما يزيد عن الثمن. وصار أصلا، في جواز إخراج الشيء عن ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة، كما في الشفعة. وصار أصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن.

стр. 1423

والمقصود: أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل، لمصلحة تكميل العتق، ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة، فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم، وهم إليها أضر؟ مثل: حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره. وهذا الذي أمر به النبي ﷺ من تقويم الجميع قيمة المثل: هو حقيقة التسعير (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه على التسعير في الجزء الثامن والعشرين من [فتاواه الكبرى] . والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر، إما بثمن المثل، وإما بالثمن الذي اشتراه به - لم يحرم مطلقا تقدير الثمن، ثم إن ما قدر به النبي ﷺ في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية، وذلك حق الله، وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله ... إلى أن قال: وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية.... إلى أن قال: وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة، ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي

стр. 1424

للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة ... فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير- سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة، وإذا تعدى أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي. اهـ. كلامه ﵀ (١) والذي يظهر لنا وتطمئن إليه نفوسنا: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: من التسعير ما هو ظلم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضون أو منعهم مما أباحه الله لهم- فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل: إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب، فما قدره النبي ﷺ من الثمن سراية العتق هو لأجل تكميل الحرية وهو حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق لله، فحاجة المسلمين إلى الطعام والشراب واللباس ونحو هذه الأمور مصلحة عامة ليس فيها الحق لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية. فالتسعير جائز بشرطين: أحدهما: أن يكون التسعير فيما حاجته عامة لجميع الناس. والثاني: ألا يكون سببا لغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب.

стр. 1425

فمتى تحقق فيه الشرطان كان عدلا وضربا من ضروب الرعاية العامة للأمر؛ كتسعير اللحوم والأخباز والأدوية ونحو هذه الأمور مما هي مجال للتلاعب بأسعارها وظلم الناس في بيعها، وإن تخلفا أو أحدهما كان ذلك ظلما وداخلا فيما نص عليه حديثا أنس وأبي هريرة المتقدمان، وهو عين ما نهى عنه عمر بن عبد العزيز عامله على الأبلة حين حط سعرهم لمنع البحر، فكتب إليه: خل بينهم وبين ذلك فإنما السعر بيد الله.

стр. 1426

الخلاصة أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير فعلى ولي الأمر أن يسعر عليهم فيما تحقق فيه الشرطان المتقدمان تسعير عدل، لا وكس ولا شطط، فإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل. بقيت الإشارة إلى حكم التسعير في أجور العقار وهل هو داخل في حكم الممنوع أم الجائز؟ تقدم فيما سبق أن التسعير لا يجوز إلا بتحقق شرطين: أحدهما: أن يكون فيها حاجة عامة لجميع الناس. الثاني: أن لا يكون سببا لغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب. والمساكن المعدة للكراء ليست فيها حاجة عامة لجميع الأمة، بل الغالب من الناس يسكنون في مساكن يملكونها، وإذا كان هناك غلاء في أجرة المساكن المعدة للكراء في مدن المملكة فليست نتيجة اتفاق أصحابها على رفع أجار سكناها ولا الامتناع من تأجيرها، وإنما سببه في الغالب قلة العقار المعد للكراء، أو الكثرة الكاثرة من طالبي الاستئجار، أو

стр. 1427

هما جميعا، فتسعير إجار العقار بهذا ضرب من الظلم والعدوان، فضلا على أنه يحد من نشاط الحركة العمرانية في البلاد، وذلك لا يتفق مع مصلحة البلاد وما تتطلبه عوامل نموها وتطورها، وبالله التوفيق. قال ذلك وأملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف مصليا على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هذا ما تيسر إيراده. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. حرر في ٢١\ ٧\ ١٣٩٦ هـ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 1428

(٩) حكم الذبائح المستوردة هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 1429

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حكم الذبائح المستوردة إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه وبعد (١) : ففي الدورة الاستثنائية الثالثة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض ابتداء من يوم السبت الموافق ١ من شهر صفر إلى السابع منه عام ١٣٩٩ هـ اقترح المجلس إعداد بحث في حكم الذبائح التي تستورد إلى المملكة العربية السعودية من بلاد الكفار، فأعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته ما يأتي: ١ - تمهيد يعتبر مدخلا للموضوع. ٢ - ذكر طريقة الذبح الشرعية وما صدر من فتاوى في تلك الذبائح. ٣ - ذكر ما ورد إلى هذه الرئاسة عن كيفية الذبح في تلك البلاد. ٤ - تطبيق القواعد الشرعية على هذه الذبائح على ضوء ما عرف عنها من المشاهدات ونحوها.

стр. 1430

٥ - حل المشكلة وطريق الخلاص منها. وفيما يلي تفصيل ذلك بحول الله وتوفيقه.

стр. 1431

حكم الذبائح المستوردة أولا: تمهيد يعتبر مدخلا إلى بحث الموضوع إن الحكم على ما يقع في الكون من جزئيات يتوقف على تشخيصها وشرح حالاتها ثم تطبيق القواعد الكلية التي تناسبها عليها ثم إبداء الحكم عليها وصدوره ممن نظر فيها، فالحكم على الذبائح المستوردة من دول كافرة بحل أو حرمة يتوقف: أولا: على معرفة الذبائح. * كيفية الذبح ونوع الآلة التي بها ذبحت. * ذكر اسم الله أو غيره عليها أو عدم ذكر شيء من ذلك. * الغرض الذي من أجله حصل الذبح إلى غير ذلك مما له صلة بحل الذبيحة أو حرمتها. ثانيا: معرفة ضوابط الذبح الشرعي وما يشترط فيه من شروط بتطبيق ذلك على ما عرف من واقع الذبائح يمكن الحكم عليها بحل أو حرمة؛ لذا كان الحديث على هذه الأمور لزاما ليصدر الحكم عليها عن بينة وبصيرة. ثالثا: ذكر طريقة الذبح الشرعية وما صدر من فتاوى في تلك الذبائح من علماء العصر، صدر في ذلك بيان عن طريقة الذبح، وفتاوى من علماء العصر مستقاة من فقه الشريعة الإسلامية فيما يحل وما يحرم من الذبائح المستوردة من بلاد الكفار نثبتها فيما يلي:

стр. 1432

ثانيا: ذكر طريقة الذبح الشرعية، وما صدر من فتاوى في الذبائح المستوردة: الصفة المشروعة في الذبح والنحر بين سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ مفتي المملكة العربية السعودية - سابقا - صفة الذكاة الشرعية - فقال: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الناصح الأمين، وعلى آله وأصحابه الغر المحجلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإنه يرد إلى هذه الدار أسئلة عن الصفة المشروعة في الذبح والنحر، ويذكر من سأل عن ذلك أنه شاهد وعلم ما لا يتفق مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ونظرا إلى أن هذا يشترك فيه الخاص والعام رأينا أن تكون الإجابة خارجة مخرج التبليغ للعموم؛ أداء للأمانة، ونصحا للأمة فنقول: اعلم وفقنا الله وإياك: أن الذكاة المشروعة لها شروط وسنن، ونقدم لذلك حديثا عاما، ثم نذكر بعده الشروط ثم السنن. أما الحديث: فروى مسلم وأصحاب السنن عن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته (١) » .

стр. 1433

وأما الشروط فأربعة: الأول: أهلية المذكي: بأن يكون عاقلا ولو مميزا مسلما أو أبواه كتابيان، والأصل في هذا ما ثبت في [الصحيحين] عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (١) » الحديث، وما ثبت في [مسند الإمام أحمد] و [سنن أبي داود] عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع (٢) » فكل من البالغ والمميز يوصف بالعقل؛ ولهذا يصح من المميز قصد العبادة، وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) وقد ثبت في [صحيح البخاري] عن ابن عباس ﵁: أنه (فسر طعامهم بذبائحهم) . الثاني: الآلة: فتباح بكل ما أنهر الدم بحده، إلا السن والظفر، والأصل في هذا: ما أخرجه البخاري في [صحيحه] عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر (٤) » . الثالث: قطع الحلقوم، وهو: مجرى النفس، والمريء، وهو: مجرى الطعام، والودجين، والأصل في هذا: ما ثبت في [سنن أبي داود] عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى الرسول ﷺ عن شريطة الشيطان (٥) » ، وهي: التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفري الأوداج، ومعلوم أن النهي في الأصل يقتضي التحريم، وفي [سنن سعيد بن منصور] عن ابن عباس

стр. 1434

رضي الله عنهما قال: (إذا أهريق الدم وقطع الودج فكل) إسناده حسن، ومحل قطع ما ذكر الحلق واللبة وهي: الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ولا يجوز في غير ذلك بالإجماع، قال عمر: النحر في اللبة والحلق، وثبت في [سنن الدارقطني] عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث النبي ﷺ بديل بن ورقاء يصيح في فجاج منى ألا إن الذكاة في الحلق واللبة» . الرابع: التسمية، فيقول الذابح عند حركة يده بالذبح: بسم الله، الأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) فالله جل وعلا غاير بين الحالتين، وفرق بين الحكمين، لكن إن ترك التسمية نسيانا حلت ذبيحته؛ لما رواه سعيد بن منصور في [سننه] عن النبي ﷺ قال: «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم إذا لم يتعمد» فإن اختل شرط من هذه الشروط فإن الذبيحة لا تحل.

стр. 1435

وأما السنن فهي ما يلي: ١، ٢ - أن تكون الآلة حادة، وأن يحمل عليها بقوة؛ لقوله ﷺ : «وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته (١) » . ٣، ٤ - حد الآلة والحيوان الذي يراد ذبحه لا يراه، ومواراة الذبيحة عن البهائم وقت الذبح؛ لما ثبت في [مسند الإمام أحمد] عن عبد الله بن عمر ﵁: «أمر رسول الله ﷺ أن تحد الشفار، وأن توارى عن

стр. 1436

البهائم (١) » وما ثبت في [معجمي الطبراني الكبير والأوسط] ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: أفلا قبل هذا أوتريد أن تميتها موتتين» . ٥ - توجيهها إلى القبلة؛ لأن الرسول ﷺ ما ذبح ذبيحة أو نحر هديا إلا وجهه إلى القبلة، وتكون الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، والغنم والبقر على جنبها الأيسر. ٦ - تأخير كسر عنقه وسلخه حتى يبرد - أي: بعد خروج روحه - لحديث أبي هريرة ﵁: «بعث النبي ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى بكلمات منها: لا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق» رواه الدارقطني. هذا ونسأل الله أن يرزق المسلمين التمسك بدينهم على الوجه الذي يرضاه حتى يلقوه. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه. وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره آية ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) بعد ذكر مناسبتها لما قبلها: وفسر الجمهور الطعام هنا بالذبائح أو اللحوم؛ لأن غيرها حلال بقاعدة أصل الحل، ولم تحرم من المشركين، وإلا فالظاهر أنه عام يشملها، ومذهب الشيعة: أن المراد بالطعام الحبوب أو البر؛ لأنه الغالب فيه، وقد سئلت عن هذا في مجلس كان أكثره منهم وذكرت الآية، فقلت: ليس هذا

стр. 1437

هو الغالب في لغة القرآن، فقد قال الله تعالى في هذه السورة أي المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (١) ولا يقول أحد: أن الطعام من صيد البحر هو البر أو الحبوب، وقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ (٢) ولم يقل أحد: إن المراد بالطعام هنا البر أو الحب مطلقا، إذ لم يحرم شيء منه على بني إسرائيل لا قبل التوراة ولا بعدها. فالطعام في الأصل: كل ما يطعم، أي: يذاق أو يؤكل، قال تعالى في ماء النهر حكاية عن طالوت: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٣) وقال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (٤) أي: أكلتم، وليس الحب مظنة التحليل والتحريم، وإنما اللحم هو الذي يعرض له ذلك لوصف حسي: كموت الحيوان حتف أنفه وما في معناه، أو معنوي: كالتقريب إلى غير الله عليه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٥) الآية، وكله يتعلق بالحيوان، وهو نص في حصر التحريم فيما ذكر فتحريم ما عداه يحتاج إلى نص. وقد شدد الله فيما كان عليه مشركو العرب من أكل الميتة بأنواعها المتقدمة والذبح للأصنام؛ لئلا يتساهل به المسلمون الأولون تبعا للعادة،

стр. 1438

وكان أهل الكتاب أبعد منهم عن أكل الميتة والذبح لغير الله، ولأنه كان من سياسة الدين التشديد في معاملة مشركي العرب حتى لا يبقى في الجزيرة منهم أحد إلا ويدخل في الإسلام، وخفف في معاملة أهل الكتاب استمالة لهم، حتى إن ابن جرير روى عن أبي الدرداء وابن زيد أنهما سئلا عما ذبحوه للكنائس؟ فأفتيا بأكله، قال ابن زيد: أحل الله طعامهم، ولم يستثن منه شيئا، وأما أبو الدرداء فقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها: جرجس أهدوه لها، أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء للسائل: اللهم عفوا، إنما هم أهل كتاب طعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم، وأمره بأكله، وروى ابن جرير أيضا وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في [سننه] عن ابن عباس في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) قال: ذبائحهم. وروى مثله عبد بن حميد عن مجاهد وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي، وقد أجمع الصحابة والتابعون على هذا، وأكل النبي ﷺ من الشاة التي أهدتها إليه اليهودية ووضعت له السم في ذراعها، وكان الصحابة يأكلون من طعام النصارى في الشام بغير نكير، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف إلا في بني تغلب وهم بطن من العرب انتسبوا إلى النصارى ولم يعرفوا من دينهم شيئا، فنقل عن علي كرم الله وجهه: أنه لم يجز أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، معللا ذلك بأنهم لم يأخذوا من النصارى إلا شرب الخمر، يعني: أنهم على شركهم لم يصيروا أهل كتاب، واكتفى جمهور الصحابة بانتمائهم إلى النصرانية، روى ابن جرير عن عكرمة قال:

стр. 1439

سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب؟ فقرأ هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١) وفي رواية له عنه: أنه قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم، فإن الله تعالى قال: وقرأ الآية، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم، أي: يكفي في كونهم منهم نصرهم لهم وتوليهم إياهم في الحرب، ولما كان من شأن كثير من الناس التعمق في الأشياء وحب التشديد مع المخالفين، استنبط بعض الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد، وهل هي العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب (كالتوراة والإنجيل) كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم، أم العبرة باتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل وبأهله الأصليين كالإسرائيليين من اليهود، المتبادر من نص القرآن ومن السنة وعمل الصحابة: أنه لا وجه لهذه المسألة ولا محل، فالله تعالى قد أحل أكل طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم على الحال التي كانوا عليها في زمن التنزيل، وكان هذا من آخر ما نزل من القرآن، وكان أهل الكتاب من شعوب شتى، وقد وصفهم بأنهم حرفوا كتبهم، ونسوا حظا مما ذكروا به في هذه السورة نفسها، كما وصفهم بمثل ذلك فيما نزل قبلها، ولم يتغير يوم استنبط الفقهاء تلك المسألة شيء من ذلك. وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٢) أن سبب نزولها: محاولة بعض الأنصار

стр. 1440

إكراه أولاد لهم كانوا تهودوا على الرجوع إلى الإسلام، فلما نزلت أمرهم النبي ﷺ بتخييرهم، ولا شك أنه كان في يهود المدينة وغيرهم كثير من العرب الخلص، ولم يفرق النبي ﷺ ولا الخلفاء الراشدون بينهم في حكم من الأحكام. واستنبط بعضهم علة أخرى لتحريم طعام أهل الكتاب والتزوج منهم، وهي: إسناد الشرك إليهم في سورة التوبة بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) مع قوله في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٢) وهذا هو عمدة الشيعة في هذه المسألة. وأجيب عنه: أولا: بأن الشرك المطلق في القرآن إذا كان وصفا أو عد أهله صنفا من أصناف الناس لا يدخل فيه أهل الكتاب، بل يعدون صنفا آخر مغايرا لهذا الصنف، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٤) الآية. وثانيا: بأننا إذا فرضنا أن المشركين في آية البقرة عام. فلا مندوحة لنا
следующие страницы →