البهائم (١) » وما ثبت في [معجمي الطبراني الكبير والأوسط] ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: أفلا قبل هذا أوتريد أن تميتها موتتين» .
٥ - توجيهها إلى القبلة؛ لأن الرسول ﷺ ما ذبح ذبيحة أو نحر هديا إلا وجهه إلى القبلة، وتكون الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، والغنم والبقر على جنبها الأيسر.
٦ - تأخير كسر عنقه وسلخه حتى يبرد - أي: بعد خروج روحه - لحديث أبي هريرة ﵁: «بعث النبي ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى بكلمات منها: لا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق» رواه الدارقطني.
هذا ونسأل الله أن يرزق المسلمين التمسك بدينهم على الوجه الذي يرضاه حتى يلقوه. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره آية ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) بعد ذكر مناسبتها لما قبلها: وفسر الجمهور الطعام هنا بالذبائح أو اللحوم؛ لأن غيرها حلال بقاعدة أصل الحل، ولم تحرم من المشركين، وإلا فالظاهر أنه عام يشملها، ومذهب الشيعة: أن المراد بالطعام الحبوب أو البر؛ لأنه الغالب فيه، وقد سئلت عن هذا في مجلس كان أكثره منهم وذكرت الآية، فقلت: ليس هذا
стр. 1437
هو الغالب في لغة القرآن، فقد قال الله تعالى في هذه السورة أي المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (١) ولا يقول أحد: أن الطعام من صيد البحر هو البر أو الحبوب، وقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ (٢) ولم يقل أحد: إن المراد بالطعام هنا البر أو الحب مطلقا، إذ لم يحرم شيء منه على بني إسرائيل لا قبل التوراة ولا بعدها. فالطعام في الأصل: كل ما يطعم، أي: يذاق أو يؤكل، قال تعالى في ماء النهر حكاية عن طالوت: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٣) وقال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (٤) أي: أكلتم، وليس الحب مظنة التحليل والتحريم، وإنما اللحم هو الذي يعرض له ذلك لوصف حسي: كموت الحيوان حتف أنفه وما في معناه، أو معنوي: كالتقريب إلى غير الله عليه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٥) الآية، وكله يتعلق بالحيوان، وهو نص في حصر التحريم فيما ذكر فتحريم ما عداه يحتاج إلى نص.
وقد شدد الله فيما كان عليه مشركو العرب من أكل الميتة بأنواعها المتقدمة والذبح للأصنام؛ لئلا يتساهل به المسلمون الأولون تبعا للعادة،
стр. 1438
وكان أهل الكتاب أبعد منهم عن أكل الميتة والذبح لغير الله، ولأنه كان من سياسة الدين التشديد في معاملة مشركي العرب حتى لا يبقى في الجزيرة منهم أحد إلا ويدخل في الإسلام، وخفف في معاملة أهل الكتاب استمالة لهم، حتى إن ابن جرير روى عن أبي الدرداء وابن زيد أنهما سئلا عما ذبحوه للكنائس؟ فأفتيا بأكله، قال ابن زيد: أحل الله طعامهم، ولم يستثن منه شيئا، وأما أبو الدرداء فقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها: جرجس أهدوه لها، أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء للسائل: اللهم عفوا، إنما هم أهل كتاب طعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم، وأمره بأكله، وروى ابن جرير أيضا وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في [سننه] عن ابن عباس في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) قال: ذبائحهم.
وروى مثله عبد بن حميد عن مجاهد وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي، وقد أجمع الصحابة والتابعون على هذا، وأكل النبي ﷺ من الشاة التي أهدتها إليه اليهودية ووضعت له السم في ذراعها، وكان الصحابة يأكلون من طعام النصارى في الشام بغير نكير، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف إلا في بني تغلب وهم بطن من العرب انتسبوا إلى النصارى ولم يعرفوا من دينهم شيئا، فنقل عن علي كرم الله وجهه: أنه لم يجز أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، معللا ذلك بأنهم لم يأخذوا من النصارى إلا شرب الخمر، يعني: أنهم على شركهم لم يصيروا أهل كتاب، واكتفى جمهور الصحابة بانتمائهم إلى النصرانية، روى ابن جرير عن عكرمة قال:
стр. 1439
سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب؟ فقرأ هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١) وفي رواية له عنه: أنه قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم، فإن الله تعالى قال: وقرأ الآية، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم، أي: يكفي في كونهم منهم نصرهم لهم وتوليهم إياهم في الحرب، ولما كان من شأن كثير من الناس التعمق في الأشياء وحب التشديد مع المخالفين، استنبط بعض الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد، وهل هي العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب (كالتوراة والإنجيل) كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم، أم العبرة باتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل وبأهله الأصليين كالإسرائيليين من اليهود، المتبادر من نص القرآن ومن السنة وعمل الصحابة: أنه لا وجه لهذه المسألة ولا محل، فالله تعالى قد أحل أكل طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم على الحال التي كانوا عليها في زمن التنزيل، وكان هذا من آخر ما نزل من القرآن، وكان أهل الكتاب من شعوب شتى، وقد وصفهم بأنهم حرفوا كتبهم، ونسوا حظا مما ذكروا به في هذه السورة نفسها، كما وصفهم بمثل ذلك فيما نزل قبلها، ولم يتغير يوم استنبط الفقهاء تلك المسألة شيء من ذلك. وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٢) أن سبب نزولها: محاولة بعض الأنصار
стр. 1440
إكراه أولاد لهم كانوا تهودوا على الرجوع إلى الإسلام، فلما نزلت أمرهم النبي ﷺ بتخييرهم، ولا شك أنه كان في يهود المدينة وغيرهم كثير من العرب الخلص، ولم يفرق النبي ﷺ ولا الخلفاء الراشدون بينهم في حكم من الأحكام.
واستنبط بعضهم علة أخرى لتحريم طعام أهل الكتاب والتزوج منهم، وهي: إسناد الشرك إليهم في سورة التوبة بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) مع قوله في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٢) وهذا هو عمدة الشيعة في هذه المسألة.
وأجيب عنه:
أولا: بأن الشرك المطلق في القرآن إذا كان وصفا أو عد أهله صنفا من أصناف الناس لا يدخل فيه أهل الكتاب، بل يعدون صنفا آخر مغايرا لهذا الصنف، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٤) الآية.
وثانيا: بأننا إذا فرضنا أن المشركين في آية البقرة عام. فلا مندوحة لنا
стр. 1441
عن القول بأن هذه الآية قد خصصته أو نسخته لتأخرها بالاتفاق ولجريان العمل عليها، ومنه: أن حذيفة بن اليمان من أكبر علماء الصحابة قد تزوج بيهودية ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، ثم قال: مجمل معنى الآية: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (١) من الطعام، فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم بمقتضى الأصل لم يحرم الله عليكم قط، وطعامكم حل لهم كذلك أيضا، فلكم أن تأكلوا من اللحوم التي ذكوا حيوانها أو صادوه كيفما كانت تذكيته وصيده عندهم، وأن تطعموهم مما تذكون وتصطادون، ويدخل في ذلك لحم الأضحية خلافا لمن منعه، ولا يخرج منه إلا ما كان خاصا بقوم لا يشملهم وصفهم كالمنذور على أناس معينين بالذوات أو بالوصف، والمحصنات من المؤمنات ومن الذين أوتوا الكتاب من قبلكم حل لكم كذلك، بمقتضى الأصل، وما قرره في آية النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢) لم يحرمهن الله عليكم إذا أعطيتموهن مهورهن التي تفرضونها لهن عند العقد - وإلا وجب لهن مهر المثل - بشرط أن تكونوا قاصدين بالزواج إحصان أنفسكم وأنفسهن، لا الفجور المراد به: سفح الماء جهرا ولا سرا، وسيأتي بيان ما هو الاحتياط وبحث اختلاف الزمان في المسألة، والتعبير بقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣) إنشاء لحلها العام الدائم، كما تقدم، ولكنه لم يقل مثل ذلك فيما بعده، بل قال: ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤) وهو خبر مقرر للأصل في المسألتين: مسألة مواكلة أهل الكتاب، ومسألة نكاح نسائهم، فلم يكن شيء منها
стр. 1442
محرما من قبل وأحل في ذلك اليوم لا بتحريم من الله ولا بتحريم من الناس على أنفسهم كما حرموا بعض الطيبات فهذا ما ظهر لنا من نكتة اختلاف التعبير، وسكت عنه الباحثون في نكت البلاغة الذين اطلعنا على كلامهم.
وحكمة النص على هذا الحل: قطع الطريق على الغلاة أن يحرموه باجتهادهم أو أهوائهم، على أن منهم من حرمه مع النص الصريح، ونص على أن طعامنا حل لهم دون نسائنا، فليس لنا أن نزوجهم منا؛ لأن كمال الإسلام وسماحته لا يظهران من المرأة لسلطان الرجل عليها، هذا هو المتبادر لمن يفهم العبارة مجردا من تقاليد المذاهب، فمن فهم مثل فهمنا ففهمه حاكم عليه ولا نجيز أحدا أن يقلدنا فيه تقليدا.
стр. 1443
فصل في طعام الوثنيين ونكاح نسائهم:
أخذ الجماهير من مفهوم أهل الكتاب: أن طعام الوثنيين لا يحل للمسلمين، وكذا نكاح نسائهم، سواء منهم من يحتج بمفهوم المخالفة في اللقب كالدقاق وبعض الشافعية، ومن لا يحتج به وهم الجمهور، والقرآن لم يحرم طعام الوثنيين ولا طعام مشركي العرب مطلقا، كما حرم نكاح نسائهم، بل حرم ما أهل به لغير الله من ذبائحهم، كما حرم ما كان يأكله بعضهم من الميتة والدم المسفوح، وحرم لحم الخنزير.
واختلف الفقهاء في المجوس والصابئين: فالصابئون عند أبي حنيفة كأهل الكتاب والمجوس، كذلك عند أبي ثور، خلافا للجمهور الذين يقولون: إنهم يعاملون معاملة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط، ويروون
стр. 1444
في ذلك حديثا: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير آكلي ذبائحهم، ولا ناكحي نسائهم (١) » ، ولا يصح هذا الاستثناء كما صرح به المحدثون، ولكنه اشتهر عند الفقهاء، ويقال: إن الفريقين كانا أهل كتاب فقدوه بطول الأمد، وهذا ما كنت أعتقده قبل أن أرى فيه نقلا عن أحد من سلفنا وعلماء الملل والتاريخ منا، وذكرته في المنار غير مرة، ثم رأيت في كتاب [الفرق بين الفرق] لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي (المتوفى سنة ٤٢٩) في سياق الكلام على الباطنية (أن المجوس يدعون نبوة (زرادشت) ونزول الوحي عليه من عند الله تعالى، والصابئين يدعون نبوة (هرمس) و (أليس) و (دوريتوس) و (أفلاطون) وجماعة من الفلاسفة، وسائر أصحاب الشرائع كل صنف منهم مقرون بنزول الوحي من السماء على الذين أقروا بنبوتهم، ويقولون: (إن ذلك الوحي شامل للأمر والنهي والخبر عن عاقبة الموت وعن ثواب وعقاب وجنة ونار يكون فيهما الجزاء عن الأعمال السالفة، ثم ذكر أن الباطنية ينكرون ذلك) . ثم قال: ومن المعلوم أن القرآن صرح بقبول الجزية من أهل الكتاب، ولم يذكر أنها تؤخذ من غيرهم، فكان النبي ﷺ والخلفاء ﵃ لا يقبلونها من مشركي العرب، وقبلوها من المجوس في البحرين وهجر وبلاد فارس، كما في [الصحيحين] وغيرهما من كتب الحديث، وقد روى أخذ النبي الجزية من مجوس هجر: أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم - من حديث عبد الرحمن بن عوف: أنه شهد لعمر بذلك عندما استشار الصحابة فيه، وروى مالك والشافعي عنه أنه قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ
стр. 1445
يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب (١) » وفي سنده انقطاع، واستدل به صاحب [المنتقى] وغيره على أنهم لا يعدون أهل كتاب، وليس بقوي، فإن إطلاق كلمة أهل الكتاب على الطائفتين من الناس لتحقق أصل كتبهما وزيادة خصائصهما - لا يقتضي أنه ليس في العالم أهل كتاب غيرهم، مع العلم بأن الله بعث في كل أمة رسلا مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، كما أن إطلاق لقب (العلماء) على طائفة معينة من الناس لها مزايا مخصوصة لا يقتضي انحصار العلم فيهم وسلبه عن غيرهم.
وقد ورد في روايات أخرى التصريح بأنهم كانوا أهل كتاب قال في [نيل الأوطار] عند قول صاحب [المنتقى] واستدل بقوله: سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا أهل كتاب ما نصه: لكن روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي (كان المجوس أهل كتاب يدرسونه وعلم يقرءونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم، وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته، فأطاعوه وقتل من خالفه، فأسري على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه، فلم يبق عندهم من شيء) وروى عبد بن حميد في تفسير سورة (البروج) بإسناد صحيح عن ابن أبزى لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر: اجتمعوا (أي: قال للصحابة: اجتمعوا للمشاورة كما هي السنة المتبعة والفريضة اللازمة) فقال: إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم الجزية، ولا من عبدة الأوثان فنجري عليهم أحكامهم، فقال علي: بل هم أهل كتاب فذكر نحوه، لكن قال: فوقع على ابنته، وقال في آخره: فوضع الأخدود لمن خالفه فهذه حجة من قال: كان لهم كتاب، وأما قول ابن بطال: لو كان لهم
стр. 1446
كتاب ورفع لرفع حكمه، ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم فالجواب: أن الاستثناء وقع تبعا للأمر الوارد؛ لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم بخلاف النكاح فإنه يحتاط له.
وقال ابن المنذر: ليس تحريم نكاحهم وذبائحهم متفقا عليه، ولكن الأكثر من أهل العلم عليه. اهـ.
إذا علمت هذا تبين لك: أن العلماء لم يجمعوا على أن لفظ المشركين والذين أشركوا يتناول جميع الذين كفروا بنبينا، ولم يدخلوا في ديننا، ولا جميع من عدا اليهود والنصارى منهم، فهذا نقل صحيح في المجوس، ومنه تعلم أن للاجتهاد مجالا لجعل لفظ المشركات والمشركين في القرآن خاص بوثني العرب، وأن يقاس عليهم من ليس لهم كتاب ولا شبهه كتاب يقربهم من الإسلام، كما أن أهل الكتاب فيه خاصة باليهود والنصارى، ويقاس عليهم من عندهم كتب لا يعرف أصلها، ولكنها تقربهم من الإسلام بما فيها من الآداب والشرائع كالمجوس وغيرهم ممن على شاكلتهم، وقد صرح قتادة من مفسري السلف بأن المراد بالمشركين والمشركات في الآية العرب، كما سيأتي.
стр. 1447
مذهب الحنفية في ذبائح أهل الكتاب:
ثم ذكر آراء الفقهاء في الموضوع، فقال: جاء في (ص ٩٧ من الجزء الثاني من [العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية] لابن عابدين الشهير صاحب الحاشية الشهيرة على [الدر المختار] ما نصه:
وسئل في ذبيحة العربي الكتابي، هل تحل مطلقا أو لا؟
الجواب: تحل ذبيحة الكتابي؛ لأن من شرطها كون الذابح صاحب ملة
стр. 1448
التوحيد حقيقة كالمسلم أو دعوة كالكتابي؛ ولأنه مؤمن بكتاب من كتب الله تعالى، وتحل مناكحته، فصار كالمسلم في ذلك، ولا فرق في الكتابي بين أن يكون ذميا يهوديا حربيا أو عربيا أو تغلبيا؛ لإطلاق قوله تعالى:
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١) والمراد بطعامهم: مذكاهم.
قال البخاري رحمه الله تعالى في [صحيحه] : قال: ابن عباس ﵄: وطعام ذبائحهم، ولأن مطلق الطعام غير المذكى يحل من أي كافر كان بالإجماع، فوجب تخصيصه بالمذكى، وهذا لم يسمع من الكتابي أنه سمى غير الله كالمسيح والعزيز، وأما لو سمع فلا تحل ذبيحته؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) وهو كالمسلم في ذلك.
وهل يشترط في اليهودي أن يكون إسرائيليا، وفي النصراني أنه لا يعتقد أن المسيح إله له؟
مقتضى إطلاق (الهداية) وغيرها، وعدم الاشتراط به أفتى به الجد في الإسرائيلي، وشرط في [المستصفى] لحل مناكحهم عدم اعتقاد النصراني ذلك، وكذلك في [المبسوط] فإنه قال: ويجب أن لا يأكلوا ذبائح أهل الكتاب إن اعتقدوا أن المسيح إله، وأن عزيزا إله، ولا يتزوجوا نساءهم، لكن في [مبسوط شمس الأئمة] : وتحل ذبيحة النصراني مطلقا، سواء قال: ثالث ثلاثة أو لا، ومقتضى إطلاق الآية الجواز كما ذكره التمرتاشي في [فتاواه] والأولى أن لا تؤكل ذبيحتهم، ولا يتزوج منهم إلا لضرورة كما حققه الكمال بن الهمام.
стр. 1449
والله ولي الإنعام، والحمد لله على دين الإسلام، والصلاة والسلام، على محمد سيد الأنام.
وقال العلامة قاسم في [رسائله] : قال الإمام: ومن دان دين اليهود والنصارى من الصابئة والسامرة أكل ذبيحته، وحل نساؤه، وحكي عن عمر ﵁: أنه كتب إليهم فيهم أو في أحدهم، فكتب مثل ما قلنا، فإذا كانوا يعترفون باليهودية والنصرانية فقد علمنا أن النصارى فرق، فلا يجوز إذا اجتمعت النصرانية بينهم أن تزعم أن بعضهم تحل ذبيحته ونساؤه، وبعضهم يحرم - إلا بخبر ملزم، ولا نعلم في هذا خبرا، فمن جمعته اليهودية والنصرانية فحكمه واحد، اهـ بحروفه، اهـ ما في [تنقيح الفتاوى الحامدية] بحروفه، وبهذه الفتوى أيد بعض علماء الأزهر الفتوى الترنسفالية للأستاذ الإمام.
стр. 1450
حكم ما خنقه أهل الكتاب عند الحنفية:
ذكر الشيخ محمد بيرم الخامس الفقيه الحنفي في كتابه [صفوة الاعتبار] مبحثا طويلا في ذبائح أهل أوربة، ونقل عن علماء مذهبه: أن ذبائح أهل الكتاب حلال مطلقا، وجاء بتفصيل أنواع المأكول في أوربة، ثم قال ما نصه: (وأما مسألة الخنق فإن كان لمجرد شك فلا تأثير له كما تقدم، وإن كان لتحقق فلم أر حكم المسألة مصرحا به عندنا، وقياسها على تحقيق تسمية غير الله أنها محرمة عند الحنفية، وأما عند من يرى الحل في مسألة التسمية كما هو مذهب جمع عظيم من الصحابة والتابعين والأئمة والمجتهدين، فالقياس عليها يفيد الحلية حيث خصصوا بآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) الآية.
стр. 1451
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) وكذلك تكون مخصصة لآية المنخنقة، ويكون حكم الآيتين خاصا بفعل المسلمين والإباحة في طعام أهل الكتاب إذ لا فرق بين ما أهل لغير الله وما خنق، فإذا أبيح الأول فيما يفعله أهل الكتاب كذلك الثاني، وقد كنت رأيت رسالة لأحد أفاضل المالكية نص فيها على الحل وجلب النصوص من مذاهبه بما يثلج به الصدر السليم إذا كان عمل الخنق عندهم من قبيل الذكاة كما أخبر كثير من علمائهم، وأن المقصود التوصيل إلى قتل الحيوان بأسهل قتلة للتوصل إلى أكله بدون فرق بين طاهر ونجس، مستندين في ذلك لقول الإنجيل، على زعمهم، فلا مرية في الحلية على هاته المذاهب، فإن قلت: كيف يسوغ تقليد الحنفي لغير مذهبه؟
قلت: أما إن كان المقلد من أهل النظر وقلد الحنفي عن ترجيح برهان، فهذا ربما يقال: إنه لا يسوغ له ذلك - أي: إلا أن يظهر له ترجيح دليل الحل ثانيا - وأما إن كان من أهل التقليد البحت - كما هو في أهل زماننا - فقد نصوا على أن جميع الأئمة بالنسبة إليه سواء، والعامي لا مذهب له، إنما مذهبه مذهب مفتيه، وقوله: أنا حنفي أو مالكي، كقول الجاهل: أنا نحوي، لا يحصل منه سوى مجرد الاسم، فبأي العلماء اقتدى فهو ناج على أن الكلام وراء ذلك، فقد نصوا على الجواز والوقوع بالفعل في تقليد المجتهد لغيره، والكلام مبسوط في ذلك في كثير من كتب الفقه، وقد حرر البحث أبو السعود في [شرح الأربعين حديثا النووية] وألف في ذلك رسالة عبد الرحيم المكي، فليراجعهما من أراد الوقوف على التفصيل.
فإن قيل: قد ذكرت أن الخنزير محرم وهو من طعامهم، فلماذا لا يجعل مخصصا بالحلية بهذه الآية - أي: آية طعامهم - وإذا جعلت آية تحريمه
стр. 1452
محكمة غير منسوخة، فكذلك تكون المخنقة، ولماذا تقيسها على مسألة التسمية ولا تقيسها على مسألة الخنزير وأي مرجح لذلك؟
فالجواب: أن المأكولات منها ما حرم لعينه ومنها ما حرم لغيره، فالخنزير وما شاكله من الحيوانات محرمة لعينها ولهذا تبقى على تحريمها في جميع أطوارها وحالاتها، وأما متروك التسمية أو ما أهل به لغير الله والمنخنقة فإن التحريم أتى فيه لعارض وهو ذلك الفعل، ثم أتى نص آخر عام في طعام أهل الكتاب وأنه حلال فأخرج منه محرم العين ضرورة وبالإجماع أيضا وبقي المحرم لغيره.
وهو مسألتان:
إحداهما: مسألة التسمية.
والثانية: مسألة المنخنقة.
فبقينا في محل الشك لتجاذب كل من نص التحريم والإباحة لهما، فوجدنا إحداهما وهي مسألة التسمية وقع الخلاف فيها بين المجتهدين من الصحابة وغيرهم، وذهب جمع عظيم منهم إلى الإباحة، وبقيت مسألة المنخنقة التي يتخذها أهل الكتاب طعاما لهم مسكوتا عنها فكان قياسها على مسألة التسمية هو المتعين لاتحاد العلة، وأما قياسها على مسألة الخنزير فهو قياس مع الفارق فلا يصح إذا؛ لأن شرط القياس المساواة، وإنما أطلنا الكلام في هذا المجال؛ لأنه مهم في هذا الزمان وكلام الناس فيه كثير، والله يؤيد الحق وهو يهدي السبيل. اهـ.
مذهب المالكية في طعام أهل الكتاب:
جاء في كتاب الذبائح من [المدونة] ما نصه:
стр. 1453
قلت: أفتحل لنا ذبائح نساء أهل الكتاب وصبيانهم؟
قال: ما سمعت من مالك فيه شيئا، ولكن إذا حل ذبائح رجالهم فلا بأس بذبائح نسائهم وصبيانهم إذا أطاقوا الذبح.
قلت: أرأيت ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم أيؤكل؟
قال: قال مالك: أكرهه ولا أحرمه. وتأول مالك فيه ﴿رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (١) وكان يكرهه من غير أن يحرمه.
قلت: أرأيت ما ذبحت اليهود من الغنم فأصابوه فاسدا عندهم لا يستحلونه لأجل الرئة وما أشبهها التي يحرمونها في دينهم أيحل أكله للمسلمين؟ .
قال: كان مالك يجيزه فيما بلغني. اهـ.
[والمدونة] عند المالكية أصل المذهب فهي كالأم عند الشافعية.
وجاء في كتاب [أحكام القرآن] للإمام عبد المنعم بن الفرس الخرزجي الأندلسي (المتوفى سنة ٥٩٩ هـ) ما نصه ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) فلا خلاف في أنها حلال لنا.
وأما سائر أطعمتهم مما يمكن استعمال النجاسات فيه كالخمر والخنزير فاختلف فيه:
فذهب الأكثرون إلى أن ذلك من أطعمتهم.
وذهب ابن عباس إلى أن الطعام الذي أحل لنا ذبائحهم، فأما ما خيف منهم استعمال النجاسة فيه فيجب اجتنابه.
وإذا قلنا: إن الطعام يتناول ذبائحهم باتفاق فهل يحمل لفظه على
стр. 1454
عمومه أم لا؟
فالأكثر إلى أن حمل لفظ الطعام على عمومه في كل ما ذبحوه مما أحل الله لهم أو حرم الله عليهم أو حرموه على أنفسهم، وإلى نحو هذا ذهب ابن وهب وابن عبد الحكم، وذهب قوم إلى أن المراد من ذبائحهم: ما أحل الله خاصة، وأما ما حرم الله عليهم بأي وجه كان فلا يجوز لنا، وهذا هو المشهور من مذهب ابن القاسم، وذهب قوم إلى أن المراد بلفظ الطعام: ذبائحهم جميعا إلا ما حرم الله عليهم خاصة لا ما حرموه على أنفسهم، وإلى نحو هذا ذهب أشهب.
والذين قالوا: إن الله يجوز لنا أكل ما لا يجوز لهم أكله، اختلفوا هل ذلك على جهة المنع أو الكراهة؟
وهذا الخلاف كله موجود في المذهب.
واختلف أيضا فيما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم وسموا عليه اسم المسيح هل هو داخل تحت الإباحة أم لا؟
فذهب أشهب إلى أن الآية متضمنة تحليلا وأن أكله جائز، وكره مالك ﵀، وتأول قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) على ذلك، والذين أوتوا الكتاب اختلف العلماء في الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى من هم؟ وقد اختلف في المجوس والصابئة والسامرة هل هم ممن أوتي كتابا أم لا؟ وعلى هذا يختلف في ذبائحهم ومناكحتهم. اهـ ملخصا.
стр. 1455
وفي كتاب [أحكام القرآن] للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي في تفسير هذه الآية أيضا ما نصه: هذا دليل قاطع على أن الصيد: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١) من الطيبات التي أباحها الله وهو الحلال المطلق، وإنما كرره الله تعالى ليرفع به الشكوك ويزيل الاعتراضات عن الخواطر الفاسدة التي توجب الاعتراضات وتخرج إلى تطويل القول، ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاما - وهي المسألة الثامنة - فقلت: تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله أباح لنا طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه، لقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا نسائهم أزواجا فيحل لنا وطؤهن، فكيف لا تؤكل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في الحل والحرمة. اهـ.
وفيما قاله القاضي نوع من التقييد والتشديد إذا اعتبر في طعامهم ما يأكله أحبارهم ورهبانهم، وهذا ما اعتمده الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، مفتي مصر في فتواه الترنسيفالية.
وقد أفتى المهدي الوزاني من علماء فاس بما أفتى به مفتي مصر، ولما علم بمشاغبة أهل الأهواء في فتوى مفتي مصر، كتب رسالة تأييد الفتوى بنصوص كتب المالكية المعتبرة نشرناها في آخر جزء من مجلد [المنار] السادس، ومنها قوله: ج: والدليل على صحة ما قاله الإمام ابن العربي ما ذكره العلماء فيما ذبحه أهل الكتاب للصنم فإنه حرام مع المنخنقة وما عطف عليها، وقيدوه بما لم يأكلوه وإلا كان حلالا لنا، قال الشيخ بناني على قول [المختصر] : (وذبح لصنم) ما نصه: الظاهر أن المراد
стр. 1456
بالصنم كل ما عبدوه من دون الله ، بحيث يشمل الصنم والصليب وغيرهما، وأن هذا شرط في أكل ذبيحة الكتابي، كما في التتائي والزرقاني، وهو الذي ذكره أبو الحسن ﵀ في [شرح المدونة] وصرح به ابن رشد في سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح، ونصه: كره مالك ﵀ ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم وأعيادهم؛ لأنه رآه مضاهيا لقوله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) ولم يحرمه إذ لم ير الآية متناولة، وإنما رآها مضاهية له؛ لأن الآية عنده إنما معناها فيما ذبحوا لآلهتهم مما لا يأكلون. وقال: وقد مضى هذا المعنى في سماع عبد الملك. اهـ.
وقال في سماع عبد الملك عن أشهب: وسأله عما ذبح للكنائس قال: لا بأس بأكله. قال ابن رشد: كره مالك في [المدونة] أكل ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم، ووجه قول أشهب: ما ذبحوا لكنائسهم لما يأكلونه وجب أن تكون حلالا لنا؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) وإنما تأول قول الله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣) فيما ذبحوه لآلهتهم مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه، فهذا حرام علينا بدليل الآيتين جميعا. اهـ.
فتبين أن ذبح أهل الكتاب إذا قصدوا به التقرب لآلهتهم فلا يؤكل؛ لأنهم لا يأكلونه فهو ليس طعامهم ولم يقصدوا بالذكاة إباحته، وهذا هو المراد هنا، وأما ما يأتي من الكراهة في ذبح الصليب فالمراد به: ما ذبحوه
стр. 1457
لأنفسهم لكن سموا عليه آلهتهم فهذا يؤكل بكره؛ لأنه من طعامهم: هذا الغرض من كلام بناني وسلمة الرهوني بسكوته عنه فهذا شاهد لابن العربي قطعا؛ لأنه علق جواز الأكل على كونه من طعامهم والمنع منه على ضد ذلك، وأيضا ليس كل ما يحرم في ذكاتنا يحرم أكله في ذكاتهم، كمتروك التذكية عمدا، فإنها لا تؤكل بذبيحتنا، وتؤكل بذبيحتهم حسبما تقدم، فإذا المدار على كونها من طعامهم لا غير، والله أعلم. اهـ. المراد ما كتبه المفتي الوازني.
وقد أطال علماء الأزهر في [إرشاد الأمة الإسلامية إلى أقوال الأئمة في الفتوى الترنسفالية] القول في مذهب المالكية في طعام أهل الكتاب، وفصلوه في بضعة فصول، الفصل السابع منها في بيان أن ما أفتى به ابن العربي (أي: من حل ما خنقه أهل الكتاب بقصد التذكية لأكله) هو مذهب المالكية قاطبة، والفصل الثامن في رد الرهوني برأيه عليه، والتاسع في تفنيد كلام الرهوني وبيان بطلانه، قالوا في أول الفصل السابع ما نصه: (اعلم أنه أقر ابن العربي على ما أفتى به الوزاني وصاحب المعيار وأحمد بابا وابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهم من محققي المالكية كالزياتي، وقال: وكفى بهم حجة وإن رده الرهوني بالأقيسة وما توهمه ابن عبد السلام من التناقض بين كلامي ابن العربي في [أحكام القرآن] من قوله: ما أكلوه على غيره وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس ميتة حرام، وقوله: أفتيت بأن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه وإن لم تكن ذكاة عندنا؛ لأن الله أباح طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فهو حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه، دفعه ابن عرفة بما حاصله: أن
стр. 1458
ما يرونه مذكى عندهم حل لنا أكله، وإن لم تكن ذكاته عندنا ذكاة، وما لا يرونه مذكى لا يحل، ويرجع إلى قصد تذكيته لتحليله وعدمه، كما يعلم ذلك من التتائي على المختصر عند قول المصنف، أو مجوسيا تنصر وذبح لنفسه إلخ، ولم يفهم من عبارة أحد من هؤلاء المحققين أن ما أفتى به ابن العربي مذهب له وحده، بل كل واحد وافقه على أنه مذهب المالكية.
وبيان ذلك: أن مذهب المالكية جميعا العمل بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) فكل ما كان من طعامهم فهو حل لنا، سواء كان يحل لنا باعتبار شريعتنا أو لا، فالمعتبر في حل طعامهم ما هو حلال لهم في شريعتهم، ولا يعتبر ذلك بشريعتنا، ويدل لذلك النصوص والتعاليل الآتية وهو: ما جرى عليه مالك وأصحابه فيما ذبحوه للصليب أو لعيسى أو لكنائسهم، قال الزياتي في شرح القصيدة: الرابع: لما ذبح للصليب أو لعيسى أو كنائسهم يكره أكله، بهرام عن ابن القاسم: وما ذبحوه وما سموا عليه باسم المسيح فهو بمنزلة ما ذبحوه لكنائسهم، وكذلك ما ذبحوه للصليب، وقال سحنون وابن لبابة: هو حرام؛ لأنه مما أهل لغير الله به، وذهب ابن وهب للجواز من غير كراهة. اهـ. وفي القلشاني: أن أشهب يرى أيضا الكراهة فيما ذبح للمسيح كابن القاسم، وقال: يباح أكله، وقد أباح الله ذبائحهم لنا وقد علم ما يفعلونه. وذكر القلشاني أيضا فيما ذبحوه لكنائسهم ثلاثة أقوال: التحريم، والكراهة، والإباحة، وأن مذهب [المدونة] الكراهة، ونقل المواق عن مالك كراهة ما ذبح لجبريل ﵇. اهـ.
وفي [منح الجليل] عن الرماصي: أجاز مالك ﵁ [المدونة]
стр. 1459
أكل ما ذكر عليه اسم المسيح مع الكراهة، والإباحة لابن حارث عن رواية ابن القاسم، مع رواية أشهب، وعنه: أباح الله لنا ذبائحهم وعلم ما يفعلون. اهـ.
وسيقول المصنف فيما يكره: وذبح لصليب أو عيسى وليس تحريم المذبوح للصنم؛ قال التونسي: وقال ابن عطية في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١) ذبائح أهل الكتاب عند جمهور العلماء في حكم ما ذكر اسم الله عليه من حيث لهم دين وشرع، وقال قوم - نسخ من هذه الآية حل ذبائح أهل الكتاب، قاله عكرمة والحسن بن أبي الحسن، وقال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) قال ابن عباس وغيره ﵃: المراد: ما ذبح للأصنام والأوثان أهل معناه: صيح، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة وغلب في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم، ثم قال: والحاصل: أن ذكر اسم غير الله لا يوجب عن مالك، وفيه عن البناني، وصرح ابن رشد في سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح، ونصه: كره مالك ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم وأعيادهم؛ لأنه رآه مضاهيا لقول الله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣) ولم يحرمه إذ لم ير الآية متناولة له، وإنما رآها مضاهية؛ لأنها عنده إنما معناها فيما ذبحوه لآلهتهم مما لا يأكلونه، قال: وقد مضى هذا المعنى في سماع عبد الملك من كتاب [الضحايا] ، وقال في سماع عبد الملك من أشهب وسألته عما ذبح للكنائس قال: لا بأس بأكله، قال ابن رشد: كره مالك في [المدونة] أكل ما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم، ووجه قول أشهب: أن ما ذبحوه لكنائسهم لما كانوا يأكلونه
стр. 1460
وجب أن يكون حلالا؛ لأن الله قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) فيما ذبحوه لآلهتهم مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه - فهذا حرام علينا بدليل الآيتين جميعا. اهـ. فتبين أن ذبح أهل الكتاب إن قصدوا به التقرب لآلهتهم فلا يؤكل؛ لأنهم لا يأكلونه فهو ليس من طعامهم ولم يقصدوا بذكاته إباحة، وهذا هو المراد هنا، وأما ما يأتي من المكروه في ذبح الصليب إلخ، فالمراد به: ما ذبحوه لأنفسهم، وسموا عليه باسم آلهتهم فهذا يؤكل بكره؛ لأنه من طعامهم. اهـ. (٢)
وذكر العلامة التتائي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وأبي أمامة: جواز أكل ما ذبح للصنم. اهـ. وأنت لا يذهب عليك أن (ما) ذبح للصنم مما أهل به لغير الله، وإنما جوزه هؤلاء الصحابة الأجلاء لكونه من طعام أهل الكتاب، تأمله، وقال العلامة التتائي عند قول المصنف: (وذبح لصليب أو لعيسى) أي: يكره أكل مذبوح لأجله، قال محمد وابن حبيب: هو مما أهل به لغير الله، وما ترك مالك العزيمة بتحريمه فيما ظننا إلا للآية الأخرى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) فأحل الله تعالى لنا طعامهم وهو يعلم ما يفعلونه وترك ذلك أفضل، وقال محمد أيضا: كره مالك ما ذبحوه للكنائس أو لعيسى أو للصليب أو ما مضى من أحبارهم أو لجبريل أو لأعيادهم من غير تحريم. اهـ. ووجه الكراهة قصدهم به تعظيم شركهم مع قصد الذكاة. اهـ. منه بلفظ، وفي بهرام: وذهب ابن وهب إلى جواز
стр. 1461
أكل ما ذبح للصليب أو غيره من غير كراهة نظرا إلى أنه من طعامهم. اهـ.
وقال في [منح الجليل] عند كراهة شحم اليهودي عن البناني ثلاثة أقوال: في شحم اليهود: الإجازة، والكراهة، والمنع، وأنها ترجع إلى قولين: المنع، والإجازة؛ لأن الكراهة من قبيل الإجازة، قال: والأصل في هذا: اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) هل المراد بذلك: ذبائحهم أو ما يأكلون؟ فمن ذهب إلى أن المراد به ذبائحهم أجاز أكل شحومهم؛ لأنها من ذبائحهم، ومحال أن تقع الذكاة على بعض الشاة مثلا دون بعض، ومن قال: المراد: ما يأكلون، لم يجز أكل شحومهم؛ لأن الله تعالى حرمها عليهم في التوراة على ما أخبر به في القرآن، فليست مما يأكلون. (٢) .
وفي [منح الجليل] أيضا بعد الكلام على التسمية ما نصه:
وقال في [البيان] : ليست التسمية شرط في صحة الذكاة؛ لأن قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣) معناه: لا تأكلوا الميتة التي لم يقصد إلى ذكاتها؛ لأنها فسق، ومعنى قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤) كلوا مما قصدتم إلى ذكاته، فكنى عن التذكية بالتسمية، كما كنى عن رمي الجمار بذكره تعالى حيث يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٥) اهـ. المقصود منه (٦) .
وقال في [كبير الخرشي] : ودخل في قول المؤلف (يناكح) أي: يحل
стр. 1462
لنا وطء نسائه في الجملة: المسلم والكتابي، معاهدا أو حربيا، حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، ولا فرق بين الكتابي الآن ومن تقدم، خلافا للطرطوشي في اختصاصه بمن تقدم فإن هؤلاء قد بدلوا فلا نأمن أن تكون الذكاة مما بدلوا، ورد بأن ذلك لا يعلم إلا منهم فهم مصدقون فيه. اهـ. ومثله في التتائي بلا فرق.
وقال في [شرح اللمع] عند قول المصنف: وأما من يذكي فمن اجتمعت فيه أربعة شروط: أن يكون مسلما أو كتابيا إلخ: واعلم أن المؤلف قد أطلق الكلام على صحة ذكاة الكتابي، ولا بد من التفصيل في ذلك ليصير كلامه موافقا للمشهور من المذهب، وتلخيص القول في ذلك أن الكافر إن كان غير كتابي لم تصح ذكاته، وإن كان كتابيا كاليهودي والنصراني، سواء كان بالغا أو مميزا، ذكر أو أنثى، ذميا كان أو حربيا، فإن كان ما ذكاه مما يستحل أكله فذكاته له صحيحة، ويجوز لنا الأكل منها، وإن كان مالك قد كره الشراء من ذبائحهم، والأصل في ذلك: أن الله تعالى قد أباح لنا أكل طعامهم، ومن جملة طعامهم ما يذكونه، وإن كان ما ذكاه مما لا يستحله، بل مما يقول: إنه حرام عليه، فإن ثبت تحريمه عليه بنص شريعتنا كذي الظفر في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ (١) فالمشهور: عدم جواز أكله، وقيل: يجوز، وقيل: يكره، وإن لم يثبت تحريمه عليهم بشرعنا، بل لم يعرف ذلك إلا من قولهم كالتي يسمونها بالطريلة (بالطاء المهملة) ففي جواز أكلنا منه وكراهته
стр. 1463
قولان وهما لمالك في [المدونة] ، وقال اللخمي: ثبت على الكراهة ولم يحرمه، واقتصر الشيخ خليل في [مختصره] على القول بالكراهة، وجهه ابن بشير باحتمال صدق قولهم، وهذا كله إذا كان الكتابي لا يستبيح أكل الميتة، وأما إن كان ممن يستحل أكلها، فقال ابن بشير: فإن غاب الكتابي على ذبيحته، فإن علمنا أنهم يستحلون الميتة كبعض النصارى أو شككنا في ذلك - لن نأكل ما غابوا عليه، وإن علمنا أنهم يذكون أكلناه. اهـ.
وأما ما يذبحه الكتابي لعيده أو للصليب أو لعيسى أو للكنيسة أو لجبريل أو نحو ذلك - فقد كرهه مالك؛ مخافة أن يكون داخلا تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) ولم يحرمه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) وهذا من طعامهم، قال ابن يونس واستخفه غير واحد من الصحابة والتابعين، وقالوا: قد أحل لنا ذلك وهو عالم بما يفعلونه. اهـ.
وأما ما ذبحوه للأصنام فلا يجوز أكله، قال ابن عبد السلام: باتفاق؛ لأنه مما أهل لغير الله به. قال اللخمي في [تبصرته] فيما ذبحه أهل الكتاب لعيدهم وكنائسهم وصلبانهم والأصنام، وما أشبه ذلك: الصحيح: أنه حلال، والمراد بما أهل لغير الله به: ما ذبح على النصب والأصنام، وهي ذبائح المشركين، قال أصبغ في ثمانية أبي زيد: وما ذبح على النصب هي الأصنام التي كانوا يعبدون في الجاهلية، قال: وأهل الكتاب ليسوا أصحاب أصنام، وفي البخاري: قال زيد بن عمرو بن نفيل: إنا لا نأكل مما تذبحون لأنصابكم يعني: الأصنام. وأما ما ذبحه أهل الكتاب فلا يراعى ذلك فيهم، وقد جعل الله سبحانه لهم حرمة، فأجاز مناكحتهم وذبائحهم؛ لتعلقهم بشيء من الحق وهو الكتاب الذي أنزل عليهم وإن كانوا كافرين، ولو كان يحرم ما
стр. 1464
ذبح باسم المسيح لم يجز أن يؤكل شيء من ذبائحهم إلا أن يسأل: هل سمى عليه المسيح أو ذبح للكنيسة، بل لا يجوز، إن أخبر أنه لا يسمى المسيح؛ لأنه غير صادق، وإذا لم يجب ذلك حلت ذبائحهم كيف كانت. اهـ.
فانظر كيف تضافرت كل هذه النصوص كباقي نصوص جميع المالكية على إناطة الحل والحرمة بكونه حلالا عندهم، أي: يأكلونه وعدمه، وهذا بعينه ما قصد إليه ابن العربي والحفار، وقال أهل المذهب: كلهم يقولون ويفتون بحل طعام أهل الكتاب، ومن جهة أخرى تعلم أن الذبح للصليب لم يكن من الشريعة المسيحية الحقة؛ لأنه حادث بعده، إذ منشؤه حادثة الصلب المشهورة، فكل هذا يفيد أن المعتبر عند المالكية هو حلال عند أهل الكتاب في شريعتهم التي هم عليها، ومنه يعلم أيضا ما هو المراد من الميتة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١) وأنها التي لم يقصد ذكاتها، كما يعلم أنه يجب تقييد المنخنقة وما معها بما لم تقصد ذكاته ويكون هذا في المنخنقة وما معها بدليل ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢) كما سبق، ومنه يتضح: أن المراد بالميتة في قولهم: (إن كان الكتابي يأكل الميتة فلا تأكل ما غاب إلخ) إنها ما لم تقصد ذكاتها؛ لأن القصد إلى الذكاة لا بد منه من مسلم أو كتابي حتى لو قطع رقبة الحيوان بقصد تجريب السيف أو اللعب - لا يحل كما تقدم، ومنه يعلم أن الميتة المذكورة بالنسبة للكتابي هي الميتة عنده، وهي التي لم يقصد ذكاتها، لا الميتة عندنا، ويتبين منه أيضا: أن الشروط المذكورة للفقهاء في الذبائح والذكاة إنما هي بيان ما يلزم في الإسلام بالنسبة للمسلم لا لغيره. اهـ.
стр. 1465
مذهب الشافعي في طعام أهل الكتاب:
قال الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب الصيد والذبائح من [الأم] ما نصه:
١ - أحل الله طعام أهل الكتاب، وكان طعامهم عند بعض من حفظت عنه من أهل التفسير ذبائحهم وكانت الآثار تدل على إحلال ذبائحهم، فإن كانت ذبائحهم يسمونها لله تعالى فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر يسمون عليه غير اسم الله، مثل اسم المسيح، أو يذبحونه باسم دون الله تعالى - لم يحل هذا من ذبائحهم، ولا أثبت أن ذبائحهم هكذا، فإن قال قائل: وكيف زعمت أن ذبائحهم صنفان وقد أبيحت مطلقة؟ !
قيل: قد يباح الشيء مطلقا، وإنما يراد بعضه دون بعض فإذا زعم زاعم أن المسلم إن نسي اسم الله تعالى أكلت ذبيحته، وإن تركه استخفافا لم تؤكل ذبيحته، وهو لا يدعه للشرك، كان من يدعه على الشرك أولى أن تترك ذبيحته - وقد أحل الله لحوم البدن (الإبل) مطلقة، فقال: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾ (١) أي: سقطت ﴿جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٢) ووجدنا بعض المسلمين يذهب إلى أن لا يؤكل من البدنة التي هي نذر ولا جزاء صيد ولا فدية، فلما احتملت هذه الآية ذهبنا إليه وتركنا الجملة، لا أنها خلاف للقرآن، ولكنها محتملة، ومعقول أن من وجب عليه شيء في ماله لم يكن له أن يأخذ منه شيئا؛ لأنا إذا جعلنا أن يأخذ منه شيئا فلم نجعل عليه الكل إنما جعلنا عليه البعض الذي أعطى، فهكذا ذبائح أهل الكتاب بالدلالة على شبيه، ما قلنا، اهـ بحروفه (٣) .
стр. 1466
أقول: إنه رحمه الله تعالى حرم ما ذكروا اسم غير الله عليه بأقيسة على مسائل خلافية جعلها نظيرا للمسألة، وقيد بها إطلاق القرآن، ومخالفوه في ذلك - كمالك وغيره - لا يجيزون تخصيص الآية بمثل هذه الأقيسة التي غاية ما تدل عليه أن تخصيص القرآن جائز بالدليل، ولهم أن يقولوا لنا: لا نسلم أن المسلم الذي يترك التسمية تهاونا واستخفافا لا تحل ذبيحته، وإذا سلمناه جدلا نمنع قياس الكتابي عليه فيما ذكره، ولا محل هنا لبيان المنع بالتفصيل في هذا القياس وفيما بعده وهو أبعد منه، والظاهر ما تقدم من نصوص المالكية من أن ما ذبحوه لغير الله إن كانوا لا يأكلونه فهو غير حل للمسلم، وإن كانوا يأكلونه فهو من طعامهم الذي أطلق الله تعالى حله وهو يعلم ما يقولون وما يفعلون، وهذا القول يظهر لنا نكتة التعبير بالطعام دون المذبوح أو المذكى؛ لأن من المذكى ما هو عبادة محضة لا يذكونه لأجل أكله.
٢ - ذهب الشافعي: إلى أن ذبائح نصارى العرب لا تؤكل، واحتج بأثر رواه عن عمر ﵁ قال: (ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما تحل لنا ذبائحهم، وما أنا بتاركهم حتى يسلموا أو أضرب أعناقهم) وبقول علي المشهور في بني تغلب (١) .
فأما أثر علي كرم الله وجهه - وقد تقدم - فهو حجة على الشافعي لا له؛ لأنه خاص ببعض العرب مصرح فيه بأنهم ليسوا نصارى، وأما أثر عمر ﵁ فرواه في [الأم] عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد ضعفه الجمهور، وصرح بعضهم بكذبه، وممن طعن فيه مالك وأحمد،
стр. 1467
ومما قيل فيه: أنه جمع أصول البدع، فكان قدريا جهميا معتزليا رافضيا،
وقد سئل الربيع حين نقل عن الشافعي أنه كان قدريا: ما حمل الشافعي على أنه روى عنه؟
فأجاب: بأنه كان يبرئه من الكذب، ويرى أنه ثقة في الحديث، أي: والعبرة في الحديث بالصدق لا بالمذهب، وقال ابن حبان بعد أن وصفه بالبدعة وبالكذب في الحديث: وأما الشافعي فإنه كان يجالس إبراهيم في حداثته ويحفظ عنه، فلما دخل مصر في آخر عمره وأخذ يصنف الكتب احتاج إلى الأخبار ولم تكن كتبه معه فأكثر ما أودع الكتب من حفظه وربما كنى عن اسمه، وقال إسحاق بن راهويه: ما رأيت أحد يحتج بإبراهيم بن أبي يحيى مثل الشافعي، قلت للشافعي: وفي الدنيا أحد يحتج بإبراهيم بن أبي يحيى؟ اهـ. ملخصا من [تهذيب التهذيب] (١) .
ومما يدل على عدم صحة الأثر عدم العمل به، على أنه رأي صحابي خالفه فيه الجمهور فلا يحتج به وإن صح.
٣ - قال الشافعي في (باب الذبيحة وفيه من يجوز ذبحه) من [الأم] : وذبح كل من أطاق الذبح من امرأة حائض وصبي من المسلمين أحب إلي من ذبح اليهودي والنصراني، وكل حلال الذبيحة، غير أني أحب للمرء أن يتولى ذبح نسكه - أي: كالأضحية والهدي - فإنه يروى: أن النبي ﷺ «قال لامرأة من أهله فاطمة أو غيرها: احضري ذبح نسيكتك، فإنه يغفر لك عند أول قطرة منها» .
стр. 1468
قال الشافعي: وإن ذبح النسيكة غير مالكها أجزأت؛ لأن النبي ﷺ نحر بعض هديه ونحر بعضه غيره، وأهدى هديا، فإنما نحره من أهداه معه، غير أني أكره أن يذبح شيئا من النسائك مشرك؛ لأن يكون ما تقرب به إلى الله على أيدي المسلمين، فإن ذبحها مشرك تحل ذبيحته أجزأت مع كراهتي لما وصفت ونساء أهل الكتاب إذا أطقن الذبح كرجالهم، وما ذبح اليهود والنصارى لأنفسهم مما يحل للمسلمين أكله من الصيد أو بهيمة الأنعام، وكانوا يحرمون منه شحما أو حوايا ـ أي: ما يحوي الطعام كالأمعاء ـ أو ما اختلط بعظم أو غيره إن كانوا يحرمونه فلا بأس على المسلمين في أكله؛ لأن الله إذا أحل طعامهم فكان ذلك عند أهل التفسير: ذبائحهم، فكل ما ذبحوا لنا ففيه شيء مما يحرمون، فلو كان يحرم علينا إذا ذبحوه لأنفسهم من أصل دينهم بتحريمهم لحرم علينا إذا ذبحوه لنا، ولو كان يحرم علينا بأنه ليس من طعامهم، وإنما أحل لنا طعامهم، وكان ذلك على ما يستحلون كانوا قد يستحلون محرما علينا يعدونه لهم طعاما، فكان يلزمنا لو ذهبنا هذا المذهب أن نأكله؛ لأنه من طعامهم الحلال لهم عندهم، ولكن ليس هذا معنى الآية، معناها ما وصفنا، والله أعلم (١)
هذا نص الشافعي، فمذهبه: أن المراد بطعامهم في الآية: ذبائحهم خاصة لا عموم الطعام، فما ذبحوه مما هو حلال لنا، كذبائحنا لا فرق بين ما حرم عليهم منه وما حل لهم، وما حرم علينا لا يحل إذا كان من طعامهم، وهو مخالف في هذا للمذاهب الأخرى التي أخذت بعموم لفظ
стр. 1469
الآية وعدتها كالاستثناء مما حرم علينا، إلا الميتة ولحم الخنزير فإنهما محرمان لذاتهما لا لمعنى يتعلق بالتذكية أو بما يذكر عليها، وقد تقدم ذلك، وقد شرح كون ما أحل لنا مما حرم عليهم، لا يحرم من ذبائحهم في موضع آخر (١) وبين هنا أنه يجب على كل عاقل بلغته دعوة محمد ﷺ أن يتبعه في أصول شرعه وفروعه وحلاله وحرامه، فما كان حراما عليهم صار حلا لهم بشرعه، وحلا لنا بالأولى.
стр. 1470
مذهب أحمد وأصحابه في طعام أهل الكتاب والتسمية على الذبيحة:
قال الشيخ الموفق عبد الله بن قدامة في [المقنع] (١) ما نصه:
(ويشترط للذكاة شروط أربعة:
أحدها: أهلية الذابح، وهو أن يكون عاقلا مسلما أو كتابيا، فتباح ذبيحته ذكرا كان أو أنثى، وعنه لا تباح ذبيحة نصارى بني تغلب، ولا من أحد أبويه غير كتابي) وذكر في حاشيته: أن الصحيح من المذاهب ذبائح بني تغلب، قال: (وأما من أحد أبويه غير كتابي فقدم المصنف أنها تباح، وبه قال مالك وأبو ثور، واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم) . والثانية: لا تباح، وهو المذهب، وبه قال الشافعي؛ لأنه وجد ما يقتضي الإباحة والتحريم فغلب التحريم كما لو جرحه (أي: الصيد) مسلم ومجوسي. ا. هـ.
أقول: وللشافعي قول آخر: هو أن العبرة بالأب، وكان اللائق بقول الشافعية: أن الوليد يتبع أشرف الأبوين في الدين أن يجعلوا ذبح الصغير
стр. 1471
كذبح أشرف والديه، وأما البالغ فلا وجه للبحث عن أبويه فإذا كان كتابيا كان داخلا في عموم الآية.
ثم قال (١) : ثالثا: (وإذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه كذي الظفر ـ أي: عند اليهود ـ لم يحرم علينا ـ وإذا ذبح حيوانا غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم، وهو شحوم الثرب (أي: الكرش) والكليتين في ظاهر كلام أحمد ﵀، واختاره ابن حامد، وحكاه عن الخرقي في كلام مفرد، واختار أبو الحسن التميمي والقاضي تحريمه، وإن ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لم يحرم، نص عليه) ا. هـ. أي نص عليه الإمام أحمد، وهو المذهب، وإن روي عنه التحريم، وهو موافق فيه لمذهب مالك رحمهم الله تعالى.
وقال (٢) : الرابع (أي: من شروط التذكية: أن يذكر اسم الله عند الذبح، وهو أن يقول: باسم الله، لا يقوم غيرها مقامها إلا الأخرس، فإنه يومئ إلى السماء، فإن ترك التسمية عمدا لم تبح، وإن تركها ساهيا أبيحت، وعنه تباح في الحالين وعنه: لا تباح فيهما) قال في حاشيته: (قوله: فإن ترك التسمية عمدا لم تبح وإن تركها ساهيا أبيحت، وعنه تباح في الحالين، وعنه لا تباح فيهما) قال في [حاشيته] : (قوله: فإن ترك التسمية عمدا إلخ، هذا هو المذهب فيهما، وذكره ابن جرير إجماعا في سقوطها سهوا، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال مالك والثوري وأبو
стр. 1472
حنيفة وإسحاق، وممن أباح ما نسيت التسمية عليه: عطاء، وطاوس، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وعن أحمد تباح في الحالين، وبه قال الشافعي. واختاره أبو بكر؛ لحديث البراء مرفوعا: «المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم» وحديث أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله؟ فقال: اسم الله في قلب كل مسلم» رواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي وضعفه.
ولنا ما روى الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد مرفوعا: «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم ما لم يتعمد» رواه سعيد وعبد بن حميد، لكن الأحوص ضعيف، وعن أحمد: لا تباح، وإن لم يتعمد؛ لقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١) وجوابه: إنها محمولة على ما إذا ترك اسم التسمية عمدا، بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٢) والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق؛ لقوله ﵇: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان (٣) » ا. هـ.
أقول: من عجائب انتصار الإنسان لما يختاره جعل الفسق هنا بمعنى ترك التسمية عمدا، والظاهر فيه ما قاله الشافعي من أنه ما أهل لغير الله به أخذا من قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٤) وقد تقدم، وفي الباب من كتاب [بلوغ المرام] للحافظ ابن حجر ما نصه: وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «والمسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي الله حين يذبح فليسم ثم ليأكل» أخرجه الدارقطني، وفيه راو في حفظه ضعف، وفي إسناده محمد بن يزيد بن سنان، وهو صدوق ضعيف الحفظ، وأخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح إلى ابن عباس، موقوفا عليه، وله شاهد عند
стр. 1473
أبي داود في [مراسيله] بلفظ «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليها أم لم يذكر» ورجاله موثوقون. اهـ. وتقدم حديث عائشة عند البخاري قالت: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: ﷺ «سموا الله عليه أنتم وكلوه (١) » اهـ.
وجعل علماء الأزهر الفصل الأول من كتاب [إرشاد الأمة الإسلامية] الذي تقدم ذكره في بيان مذهب الحنابلة في الذبيحة التي أفتى به مفتي مصر قالوا: ذهب الحنابلة إلى أن المعتبر في حل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع: أن تذكى وفيه حياة، وإن قلت كالمريض، وهو قول علي وابن عباس والحسن وقتادة، والسيدين: الباقر والصادق، وإبراهيم وطاوس والضحاك وابن زيد، والتسمية عندهم ليست بشرط فيحل متروك التسمية عمدا أو سهوا من مسلم أو من كتابي على رواية، وفي رواية عن أحمد تشترط من مسلم لا من كتابي وعنه عكسها، ثم أيدوا هذه الخلاصة بنقل من كتاب [دقائق أولي النهى على متن المنتهى] ومن غيره.
стр. 1474
صفوة الخلاف بين الفقهاء والمختار منه في طعام أهل الكتاب .
من تأمل ما نقلناه من كتب المذاهب الأربعة المشهورة، وما تخلله وسبقه من كلام غيرهم من أئمة السلف ـ يظهر لك أن المتفق عليه أنه يحرم علينا من طعام أهل الكتاب ما حرم علينا في ديننا لذاته، وهو الميتة ولحم الخنزير، وكذا الدم المسفوح قطعا، وإن لم يذكر فيما تقدم من النقل، ولا نعلم أن أحدا منهم يأكله أو يشربه، وكذلك الميتة كلها يحرمونها، ولحم الخنزير محرم بنص التوراة إلى اليوم، وقد استباحه النصارى بإباحة مقدسهم بولس.
стр. 1475
وقد اختلف الفقهاء فيما عدا ذلك، كما علمت، فكل ما أكلناه مما عدا ذلك من طعامهم نكون موافقين فيه لقول بعض فقهائنا الذين شدد بعضهم فخفف بعض في هذه المسائل، وأشد الفقهاء تشديدا في ذلك وفي أكثر الأحكام: الشافعية، ومن تأمل أدلة الجميع رأى أن أظهرها قول الذين أخذوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) ولم يخصصوه بذبائحهم فضلا عن تخصيصه بحبوبهم كالشيعة، ولا يشترط في حل طعامهم أن يأكل منه أحبارهم ورهبانهم كما قال ابن العربي، واختاره شيخنا الأستاذ مفتي مصر في الفتوى الترنسفالية فهو تشديد لا مستند له ـ وفي غير ما أهل به لغير الله ـ إلا الثقة بأن ما يأكلونه غير محرم عليهم في كتبهم، وقد نسخت شريعتنا كتبهم، كما قال الشافعي وغيره فلا عبرة بما حرم عليهم فيها، وقد قال الله تعالى في صفات خاتم النبيين: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) ولا يشترط أيضا أن يكون طعامهم موافقا لشريعتنا سواء كانوا مخاطبين بفروعها قبل الإيمان كما يقول الشافعي أو غير مخاطبين بها إلا بعد الإيمان كما يقول الجمهور، إذ لو كان هذا شرطا لما كان لإباحة طعامهم فائدة.
وقال ابن رشد في [بداية المجتهد] ما نصه: ومن فرق بين ما حرم عليهم من ذلك في أصل شرعهم وبين ما حرموا على أنفسهم، قال: ما حرم عليهم هو أمر حق فلا تعمل فيه الذكاة، وما حرموا على أنفسهم أمر باطل