← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الأمية على رؤية واحدة - فإن أعضاء الهيئة يرون بقاء الأمر على ما كان عليه، وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة، إذ لكل منهما أدلته ومستنداته. ثالثا: أما ما يتعلق بإثبات الأهلة بالحساب: فبعد دراسة ما أعدته اللجنة الدائمة في ذلك، وبعد الرجوع إلى ما ذكره أهل العلم- فقد أجمع أعضاء الهيئة على عدم اعتباره؛ لقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته (١) » الحديث، ولقوله ﷺ : «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه (٢) » الحديث. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء . ... رئيس الدورة ... . محمد الأمين الشنقيطي ... عبد الرزاق عفيفي ... محضار عقيل عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... .

стр. 1612

قرار رقم (٣٤) وتاريخ ١٤\٢\١٣٩٥هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه، وبعد: فبناء على خطاب معالي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء رقم (٤٦٨٠) وتاريخ ٢٣\٢\١٣٩٤هـ المتضمن: أمر جلالة الملك بإحالة خطاب أمين عام هيئة الدعوة والإرشاد في (سورابايا) بشأن توحيد مواقيت الصلاة والصوم والحج إلى هيئة كبار العلماء، وإشارة لخطاب سعادة وكيل وزارة الخارجية رقم (٣٠٠\٥\٦ \٨٥٥\٣) في ١٥\١\١٣٩٤هـ ومشفوعاته: ما تبلغته سفارة جلالة الملك في الجزائر من وزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية من وثائق حول الاعتماد على الحساب الفلكي لتحديد مواقيت العبادات. وبناء على المحضر رقم (٧) من محاضر الدورة الخامسة لمجلس هيئة كبار العلماء المشتمل على إعداد قرار مدعم بالأدلة يعرض على الهيئة في دورتها السادسة لإقراره. وبعد دراسة المجلس للقرارات والتوصيات والفتاوى والآراء المتعلقة بهذا الموضوع وإعادة النظر في البحث الذي سبق أن أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع توحيد أوائل الشهور القمرية، والاطلاع على القرار الصادر من الهيئة في دورتها الثانية برقم (٢) وتاريخ ١٣\٢\١٣٩٣هـ ومداولة الرأي في ذلك كله- قرر ما يلي:

стр. 1613

أولا: أن المراد بالحساب والتنجيم هنا معرفة البروج والمنازل ، وتقدير سير كل من الشمس والقمر وتحديد الأوقات بذلك؛ كوقت طلوع

стр. 1614

الشمس ودلوكها وغروبها، واجتماع الشمس والقمر وافتراقهما، وكسوف كل منهما، وهذا هو ما يعرف بـ (حساب التسيير، وليس المراد بالتنجيم هنا الاستدلال بالأحوال الفلكية على وقوع الحوادث الأرضية؛ من ولادة عظيم أو موته، ومن شدة وبلاء، أو سعادة ورخاء، وأمثال ذلك مما فيه ربط الأحداث بأحوال الأفلاك علما بميقاتها، أو تأثيرا في وقوعها من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله، وبهذا يتحرر موضوع البحث.

стр. 1615

ثانيا: أنه لا عبرة شرعا بمجرد ولادة القمر في إثبات الشهر القمري بدءا وانتهاء بإجماع ما لم تثبت رؤيته شرعا، وهذا بالنسبة لتوقيت العبادات، ومن خالف في ذلك من المعاصرين فمسبوق بإجماع من قبله.

стр. 1616

ثالثا: أن رؤية الهلال هي المعتبرة وحدها في حالة الصحو ليلة الثلاثين في إثبات بدء الشهور القمرية وانتهائها بالنسبة للعبادات فإن لم ير أكملت العدة ثلاثين بإجماع. أما إذا كان بالسماء غيم ليلة الثلاثين: فجمهور الفقهاء يرون إكمال العدة ثلاثين؛ عملا بحديث: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (١) » ، وبهذا تفسر الرواية الأخرى الواردة بلفظ: «فاقدروا له (٢) » . وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى عنه، وبعض أهل العلم إلى اعتبار شعبان في حالة الغيم تسعة وعشرين يوما احتياطا لرمضان، وفسروا رواية: «فاقدروا له (٣) » : بضيقوا، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٤) أي: ضيق عليه رزقه.

стр. 1617

وهذا التفسير مردود بما صرحت به رواية الحديث الأخرى الواردة بلفظ: «فاقدروا له ثلاثين (١) » ، وفي رواية أخرى: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (٢) » . وحكى النووي في شرحه على صحيح مسلم لحديث: «فإن غم عليكم فاقدروا له (٣) » عن ابن سريج وجماعة، ومنهم مطرف بن عبد الله - أي: ابن الشخير - وابن قتيبة وآخرون- اعتبار قول علماء النجوم في إثبات الشهر القمري ابتداء وانتهاء، أي: إذا كان في السماء غيم. وقال ابن عبد البر: روي عن مطرف بن الشخير، وليس بصحيح عنه، ولو صح ما وجب اتباعه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجة له ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في مثل هذا الباب. ثم حكى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعي، ثم قال ابن عبد البر: والصحيح عنه في كتبه وعند أصحابه وجمهور العلماء خلافه. انتهى. وبهذا يتضح: أن محل الخلاف بين الفقهاء إنما هو في حال الغيم وما في معناه. وهذا كله بالنسبة للعبادات، أما بالنسبة للمعاملات فللناس أن يصطلحوا على ما شاءوا من التوقيت.

стр. 1618

رابعا: أن المعتبر شرعا في إثبات الشهر القمري هو رؤية الهلال فقط دون حساب سير الشمس والقمر لما يأتي: أ - أن النبي ﷺ أمر بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لها في قوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته (١) » ، وحصر ذلك فيها بقوله: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه (٢) » ، وأمر المسلمين إذا كان غيم ليلة

стр. 1619

الثلاثين أن يكملوا العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى علماء النجوم، ولو كان قولهم أصلا وحده أو أصلا آخر في إثبات الشهر- لأمر بالرجوع إليهم، فدل ذلك على أنه لا اعتبار شرعا لما سوى الرؤية، أو إكمال العدة ثلاثين في إثبات الشهر، وأن هذا شرع مستمر إلى يوم القيامة، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١) ودعوى أن الرؤية في الحديث يراد بها العلم أو غلبة الظن بوجود الهلال أو إمكان رؤيته لا التعبد بنفس الرؤية - مردودة؛ لأن الرؤية في الحديث متعدية إلى مفعول واحد، فكانت بصرية لا علمية، ولأن الصحابة فهموا أنها رؤية بالعين، وهم أعلم باللغة ومقاصد الشريعة، وجرى العمل في عهد النبي ﷺ وعهدهم على ذلك، ولم يرجعوا إلى علماء النجوم في التوقيت، ولا يصح أيضا أن يقال: إن النبي ﷺ حين قال: «فإن غم عليكم فاقدروا له (٢) » أراد أمرنا بتقدير منازل القمر لنعلم بالحساب بدء الشهر ونهايته؛ لأن هذه الرواية فسرتها رواية: «فاقدروا له ثلاثين (٣) » وما في معناه، ومع ذلك فالذين يدعون إلى توحيد أوائل الشهور يقولون بالاعتماد على حساب المنازل في الصحو والغيم، والحديث قيد القدر له بحالة الغيم. ب - أن تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة؛ لأن رؤية الهلال أمرها عام يتيسر لأكثر الناس، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب فإنه يحصل به الحرج ويتنافى مع مقاصد الشريعة، ودعوى زوال وصف الأمية في علم النجوم عن الأمة لو سلمت لا يغير حكم الشرع في ذلك. ج - أن علماء الأمة في صدر الإسلام قد أجمعوا على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور القمرية دون الحساب، فلم يعرف أن أحدا منهم رجع إليه في

стр. 1620

ذلك عند الغيم ونحوه، أما عند الصحو فلم يعرف عن أحد من أهل العلم أنه عول على الحساب في إثبات الأهلة أو علق الحكم العام به.

стр. 1621

خامسا: تقدير المدة التي يمكن معها رؤية الهلال بعد غروب الشمس لولا المانع من الأمور الاعتبارية الاجتهادية التي تختلف فيها أنظار أهل الحساب، وكذا تقدير المانع، فالاعتماد على ذلك في توقيت العبادات لا يحقق الوحدة المنشودة؛ ولهذا جاء الشرع باعتبار الرؤية فقط دون الحساب.

стр. 1622

سادسا: لا يصح تعيين مطلع دولة أو بلد - كمكة مثلا - لتعتبر رؤية الهلال منه وحده ، فإنه يلزم من ذلك أن لا يجب الصوم على من ثبتت رؤية الهلال عندهم من سكان جهة أخرى، إذ لم ير الهلال في المطلع المعين.

стр. 1623

سابعا: ضعف أدلة من اعتبر قول علماء النجوم في إثبات الشهر القمري . ويتبين ذلك بذكر أدلتهم ومناقشتها: أ- قالوا: إن الله أخبر بأنه أجرى الشمس والقمر بحساب لا يضطرب، وجعلهما آيتين وقدرهما منازل؛ لنعتبر، ولنعلم عدد السنين والحساب، فإذا علم جماعة بالحساب وجود الهلال يقينا وإن لم تمكن رؤيته بعد غروب شمس التاسع والعشرين أو وجوده مع إمكان الرؤية لولا المانع، وأخبرنا بذلك عدد منهم يبلغ مبلغ التواتر - وجب قبول خبرهم؛ لبنائه على يقين، واستحالة الكذب على المخبرين؛ لبلوغهم حد التواتر، وعلى تقدير أنهم لم يبلغوا حد التواتر وكانوا عدولا فخبرهم يفيد غلبة الظن، وهي كافية في بناء أحكام العبادات عليها.

стр. 1624

والجواب: أن يقال: إن كونها آيات للاعتبار بها والتفكير في أحوالها للاستدلال على خالقها ومجريها بنظام دقيق لا خلل فيه ولا اضطراب، وإثبات ما لله من صفات الجلال والكمال - أمر لا ريب فيه. أما الاستدلال بحساب سير الشمس والقمر على تقدير أوقات العبادات فغير مسلم؛ لأن الرسول ﷺ وهو أعلم الخلق بتفسير كتاب الله - لم يعلق دخول الشهر وخروجه بعلم الحساب، وإنما علق ذلك برؤية الهلال أو إكمال العدة في حال الغيم، فوجب الاقتصار على ذلك، وهذا هو الذي يتفق وسماحة الشريعة وسهولتها مع ما فيه من الدقة والضبط، بخلاف تقدير سير الكواكب فإن أمره خفي عقلي لا يدركه إلا النزر اليسير من الناس، ومثل هذا لا تبنى عليه أحكام العبادات. ب - وقالوا: إن الفقهاء يرجعون في كثير من شئونهم إلى أهل الخبرة فيرجعون إلى الأطباء في فطر المريض في رمضان، وتقدير مدة التأجيل في العنين والمعترض، وإلى أهل اللغة في تفسير نصوص الكتاب والسنة، إلى غير ذلك من الشئون، فليرجعوا في معرفة بدء الشهور القمرية ونهايتها إلى علماء النجوم. والجواب: أن يقال: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الشرع إنما جاء بالرجوع إلى أهل الخبرة في اختصاصهم في المسائل التي لا نص فيها. أما إثبات الأهلة فقد ورد فيه النص باعتبار الرؤية فقط، أو إكمال العدة دون الرجوع فيه إلى غير ذلك. ج- وقالوا: إن توقيت بدء الشهر القمري ونهايته لا يختلف عن توقيت الصلوات الخمس وبدء صوم كل يوم ونهايته، وقد اعتبر الناس حساب

стр. 1625

المنازل علميا في الصلوات والصيام اليومي فليعتبروه في بدء الشهر ونهايته. وأجيب: بأن الشرع أناط الحكم في الأوقات بوجودها، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (١) وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢) وفصلت السنة ذلك، وأناطت وجوب صوم رمضان برؤية الهلال ولم تعلق الحكم في شيء من ذلك على حساب المنازل، وإنما العبرة بدليل الحكم. د- وقالوا: إن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) إذ المعنى: فمن علم منكم الشهر فليصمه، سواء كان علم ذلك عن طريق رؤية الهلال مطلقا أو عن طريق علم حساب المنازل. والجواب: أن يقال: إن معنى الآية: فمن حضر منكم الشهر فليصمه، بدليل قوله تعالى بعده: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) وعلى تقدير تفسير الشهود بالعلم، فالمراد: العلم عن طريق رؤية الهلال، بدليل حديث: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه (٥) » . هـ- وقالوا: إن علم الحساب مبني على مقدمات يقينية، فكان

стр. 1626

الاعتماد عليه في إثبات الشهور القمرية أقرب إلى الصواب وتحقيق الوحدة بين المسلمين في نسكهم وأعيادهم. وأجيب: بأن ذلك غير مسلم؛ لأن الحس واليقين في مشاهدة الكواكب لا في حساب سيرها، فإنه أمر عقلي خفي لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس، كما تقدم؛ لحاجته إلى دراسة وعناية، ولوقوع الغلط والاختلاف فيه، كما هو الواقع في اختلاف التقاويم التي تصدر في كثير من البلاد الإسلامية، فلا يعتمد عليه ولا تتحقق به الوحدة بين المسلمين في مواقيت عباداتهم. ووقالوا: إن تعليق الحكم بثبوت الشهر على الأهلة معلل بوصف الأمة بأنها أمية، وقد زال عنها هذا الوصف، فقد كثر علماء النجوم، وبذلك يزول تعليق الحكم بالرؤية أو بخصوص الرؤية، ويعتبر الحساب وحده أصلا، أو يعتبر أصلا آخر إلى جانب الرؤية. والجواب: أن يقال: إن وصف الأمة بأنها أمية لا يزال قائما بالنسبة لعلم سير الشمس والقمر وسائر الكواكب، فالعلماء به نزر يسير، والذي كثر إنما هو آلات الرصد وأجهزته، وهي مما يساعد على رؤية الهلال في وقته، ولا مانع من الاستعانة بها علة الرؤية وإثبات الشهر بها، كما يستعان بالآلات على سماع الأصوات، وعلى رؤية المبصرات، ولو فرض زوال وصف الأمية عن الأمة في علم الحساب - لم يجز الاعتماد عليه في إثبات الأهلة؛ لأن الرسول ﷺ علق الحكم بالرؤية، أو إكمال العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب واستمر عمل المسلمين على ذلك بعده. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

стр. 1627

حرر في ١٤\٢\١٣٩٥هـ. هيئة كبار العلماء . ... . ... رئيس الدورة السادسة عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن حميد ... عبد الرزاق عفيفي محمد بن جبير ... عبد المجيد حسن ... عبد الله بن منيع له وجهة نظر مرفقة ... لي وجهة نظر مكتوبة ... له وجهة نظر مرفقة صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد العزيز بن صالح محمد الحركان ... عبد الله بن غديان ... سليمان بن عبيد صالح بن لحيدان ... عبد الله خياط ... راشد بن خنين

стр. 1628

وجهة نظر الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. وبعد: فقد استعرضنا البحوث المقدمة للمجلس في موضوع (حكم العمل بالحساب في ثبوت دخول الشهر أو خروجه) وقرارات المؤتمرات المنعقدة؛ لبحث ذلك الموضوع، وأعدنا النظر في البحث المعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في ذلك، ولم نجد فيما اطلعنا عليه من البحوث المذكورة بحثا في الموضوع من أهل الاختصاص في علم الفلك. وقد رأينا في تلك البحوث من يدعي: أن نتائج الحساب الفلكي قطعية الدلالة وينكر أن تكون مبنية على ظن أو تخمين، كما وجدنا فيهم من يدعي: أن نتائج الحساب الفلكي مبنية على الحدس والظن والتخمين وينكر قطعية نتائجها. وليس في الفريقين من يعتبر أهلا لقبول قوله في قطعية النتائج أو ظنيتها؛ لكونه ليس من علماء الفلك. وحيث إن الحكم في رأينا يختلف بالنسبة للأمرين: قطعية النتائج أو ظنيتها، حيث إن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي يقضي برد الشهادة برؤية الهلال دخولا أو خروجا إذا تعارضت معها؛ لأن من شروط اعتبار الشهادة بالإجماع: أن تكون منفكة عما يكذبها حسا وعقلا، فإذا قرر الحساب الفلكي عدم ولادة الهلال، وجاء من يشهد برؤيته - كانت شهادته ملازمة لما يكذبها عقلا، وهو القول باستحالة الرؤية للقطع بعدم

стр. 1629

ولادة الهلال، كما أن القول بظنية النتائج يقضي بردها - أي: النتائج - واعتبار الشهادة بالرؤية؛ لإمكانها، وظنية النتائج الفلكية، وذلك في حال تعارض الشهادة بالرؤية مع نتائج الحساب. ونظرا إلى أن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها من قبيل الدعوى من الطرفين، وأن القول في الأمور الشرعية يقتضي التحقق والتثبت والاستقصاء - فقد طلبنا من المجلس استقدام أصحاب اختصاص في علم الفلك؛ لمناقشتهم في ذلك والتحقق منهم فيما يدعيه الطرفان، كما تقضي بذلك المادة () من لائحة أعمال المجلس، فرأى المجلس بالأكثرية عدم الحاجة إلى استقدامهم. وعليه فإننا نؤكد ضرورة استقدام خبراء في علم الفلك لتحقق دعوى قطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها، وعلى ضوء ذلك نقرر ما نراه. وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. حرر في ١٤\٢\١٣٩٥هـ. عضو الهيئة ... عضو الهيئة ... عضو الهيئة عبد الله بن سليمان بن منيع ... محمد بن جبير ... عبد المجيد حسن

стр. 1630

قرار رقم (١٠٨) وتاريخ ٢\١١\١٤٠٣هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وبعد: ففي الدورة الثانية والعشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف، ابتداء من العشرين من شهر شوال حتى الثاني من شهر ذي القعدة عام ١٤٠٣هـ بحث المجلس موضوع إنشاء مراصد فلكية يستعان بها عند تحري رؤية الهلال، بناء على الأمر السامي الموجه إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم (٤\ص\١٩٥٢٤) وتاريخ ١٨\٨\١٤٠٣هـ، والمحال من سماحته إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٢٦٥٢\١\د) ، وتاريخ ١\٩\١٤٠٣هـ واطلع على قرار اللجنة المشكلة بناء على الأمر السامي رقم (٦\٢) وتاريخ ٢\١\١٤٠٣هـ، والمكونة من أصحاب الفضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء وأعضاء الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى، والشيخ محمد بن عبد الرحيم الخالد، ومندوب جامعة الملك سعود الدكتور فضل أحمد نور محمد، والتي درست موضوع الاستعانة بالمراصد على تحري رؤية الهلال، وأصدرت في ذلك قرارها المؤرخ في ١٦\٥\١٤٠٣هـ المتضمن: أنه اتفق رأي الجميع على النقاط الست التالية: ١ - إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعا.

стр. 1631

٢ - إذا رئي الهلال بالعين المجردة، فالعمل بهذه الرؤية، وإن لم ير بالمرصد. ٣ - إذا رئي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعين العمل بهذه الرؤية، ولو لم ير بالعين المجردة؛ وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) ولعموم قول رسول الله ﷺ : «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (٢) » ، ولقوله ﵊: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم (٣) » . . . الحديث يصدق أنه رئي الهلال، سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بها عن طريق المنظار، ولأن المثبت مقدم على النافي. ٤ - يطلب من المراصد من قبل الجهة المختصة عن إثبات الهلال تحري رؤية الهلال في ليلة مظنته، بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه. ٥ - يحسن إنشاء مراصد متكاملة الأجهزة للاستفادة منها في جهات المملكة الأربع، تعين مواقعها وتكاليفها بواسطة المختصين في هذا المجال. ٦ - تعميم مراصد متنقلة؛ لتحري رؤية الهلال في الأماكن التي تكون مظنة رؤية الهلال، مع الاستعانة بالأشخاص المشهورين بحدة البصر، وخاصة الذين سبق لهم رؤية الهلال. اهـ.

стр. 1632

وبعد أن قام المجلس بدراسة الموضوع ومناقشته ورجع إلى قراره رقم (٢) الذي أصدره في دورته الثانية المنعقدة في شهر شعبان من عام ١٣٩٤هـ في موضوع الأهلة قرر بالإجماع: الموافقة على النقاط الست التي توصلت إليها اللجنة المذكورة أعلاه، بشرط أن تكون الرؤية بالمرصد أو غيره ممن تثبت عدالته شرعا لدى القضاء كالمتبع، وأن لا يعتمد على الحساب في إثبات دخول الشهر أو خروجه. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء . ... . ... رئيس الدورة عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن صالح عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد المجيد حسن ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ سليمان بن عبيد ... صالح بن غصون ... راشد بن خنين عبد الله بن منيع ... صالح اللحيدان ... عبد الله بن غديان محمد بن جبير ... عبد الله بن قعود ... . أوافق على النقاط الخمس من قرار ... . ... . اللجنة أما النقطة الثانية فلا أوافق عليها ... . ... .

стр. 1633

(٢) بيان حكم إحياء ديار ثمود هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 1634

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بحث في بيان حكم إحياء ديار ثمود إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: هذا بحث في بيان حكم إحياء ديار ثمود: فمن العلماء من منعه، ومنهم من أجازه، ولكل منهما مستند. وفيما يلي بيان لبعض القائلين بكل قول، وبيان أدلتهم، ووجه الدلالة منها، والمقارنة بين الأدلة، وذكر بعض النظائر، ويختم البحث بذكر حكمة نهي النبي ﷺ عن دخول ديار ثمود، ثم بعد ذلك قائمة بأسماء المصادر التي أعد هذا البحث منها، والله ولي التوفيق. أما القائلون بالمنع: فمنهم أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، وأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ومحمود بن أحمد العيني، ومحمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية، والإمام أحمد، والحارثي وغيرهم، واستدلوا بما أخرجه البخاري في [صحيحه] بسنده، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «لما مر النبي ﷺ بالحجر

стр. 1635

قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رأسه، وأسرع السير حتى أجاز الوادي (١) » وأخرج أيضا بسنده، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثلما أصابهم (٢) » . وأخرج البخاري أيضا بسنده، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم (٣) » . وأخرج البخاري في [صحيحه] بسنده عن عبد الله بن عمر ﵄، «أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها، واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء (٤) » . وقال البخاري: ويروى عن سبرة بن معبد، وأبي الشموس، «أن النبي ﷺ أمر بإلقاء الطعام (٥) » ، وقال أبو ذر عن النبي ﷺ : «من اعتجن بمائه (٦) » . ثم ساق البخاري بسنده، عن عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر ﵄ أخبره: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود الحجر،

стр. 1636

واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة، تابعه أسامة عن نافع. ثم ساق البخاري بسنده، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵁، «أن النبي ﷺ لما مر بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنع بردائه وهو على الرحل (١) » . ثم ساق البخاري بسنده عن سالم، أن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم (٢) » . هذه الأدلة التي سبقت؛ منها ما أخرجه البخاري مسندا، ومنها ما رواه معلقا بصيغة التمريض، ومنها ما رواه بصيغة الجزم، ومنها ما ذكره على سبيل المتابعة. أما ما ذكره مسندا فقد أشير إليه فيما سبق، وأما ما رواه معلقا بصيغة التمريض فإنه ذكر حديثين بين ابن حجر ﵀ اتصال سند كل منهما فقال: أما حديث سبرة بن معبد فوصله أحمد والطبراني من طريق عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد عن أبيه عن جده سبرة - وهو بفتح المهملة وسكون الموحدة - الجهني قال: «قال رسول الله ﷺ لأصحابه حين

стр. 1637

راح من الحجر: من كان عجن منكم من هذا الماء عجينة، أو حاس به حيسا فليلقه» . وأما حديث أبي الشموس - وهو بمعجمة، ثم مهملة، وهو بكري لا يعرف اسمه، فوصل حديثه البخاري في [الأدب المفرد] والطبراني وابن منده من طريق سليم بن مطير عن أبيه عنه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك» - فذكر الحديث - وفيه «فألقى ذو العجين عجينه، وذو الحيس حيسه» ، ورواه ابن أبي عاصم، من هذا الوجه، وزاد «فقلت: يا رسول الله قد حسيت حيسة، أفألقمها راحتلي؟ قال: نعم» . وأما المعلق بصيغة الجزم فهو حديث واحد، قال ابن حجر، وصله البزار من طريق عبد الله بن قدامة عنه، «أنهم كانوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فأتوا على واد، فقال لهم النبي ﷺ إنكم بواد ملعون، فأسرعوا وقال: من اعتجن عجينة أو طبخ قدرا فليكبها» الحديث، وقال: لا أعلمه إلا بهذا الإسناد. وأما ما أخرجه البخاري على سبيل المتابعة فقد قال ابن حجر (١) . قوله: (تابعه أسامة) يعني: ابن زيد الليثي، (عن نافع) أي: عن ابن عمر روينا هذه الطريق موصولة في حديث حرملة عن ابن وهب قال: أخبرنا أسامة بن زيد - فذكر حديث عبيد الله، وهو ابن عمر العمري، وفي آخره: «وأمرهم أن ينزلوا على بئر ناقة صالح ويستقوا منها» . هذه أدلة القائلين بالمنع، أما وجه استدلالهم بها فقد قال

стр. 1638

الخطابي (١) : وفيه دلالة على أن مساكن هؤلاء لا تسكن بعدهم، ولا تتخذ وطنا؛ لأن المقيم المستوطن لا يمكنه دهره باكيا أبدا، وقد نهي أن تدخل دورهم إلا بهذه الصفة، وفيه المنع من المقام بها والاستيطان. انتهى بواسطة نقل الكرماني عنه. وقال ابن حجر (٢) : وفي الحديث الحث على المراقبة، والزجر عن السكنى في ديار المعذبين، والإسراع عند المرور بها. وذكر العيني (٣) وجه الدلالة، كما ذكره الخطابي، إلا أنه أبدل لفظة (مساكن) التي ذكرها الخطابي - أبدلها بقوله: (ديار) ، كما ذكر الجملة الأخيرة من كلام ابن حجر. وقال ابن القيم (٤) : ومنها: أن من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها، ولا يقيم بها، بل يسرع السير، ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا باكيا معتبرا. وقال محمد بن مفلح (٥) : وسأله مهنا عمن نزل الحجر أيشرب من مائها أو يعجن به؟ قال: لا، إلا من ضرورة، لا يقيم بها. انتهى. وقال مرعي بن يوسف (٦) ، ومصطفى السيوطي: (قال الحارثي: مساكن) ديار (ثمود) لا تملك؛ لعدم دوام البكاء مع السكنى، (ومع

стр. 1639

الانتفاع) على رواية الأظهر خلافها. انتهى. وكما استدل بتلك الأدلة التي سبقت على منع إحياء ديار ثمود أخذا من نهيه ﷺ عن الدخول إلا في حالة البكاء دائما ما دام فيها، وأن هذا متعذر، ومن كونه ﷺ قنع رأسه وأسرع السير حتى اجتاز الوادي فقد أخذ منها أيضا منع الأحياء من وجه آخر، وهو منع الصلاة فيها، والطهارة من مائها، والتيمم بترابها، واستعمال مائها للشرب والطبخ، وهذه الطائفة من كلام أهل العلم في ذلك: قال البخاري (١) في [صحيحه] ، باب الصلاة في مواضع الخسف، العذاب، وذكر على أثر علي الدال على منع الصلاة في مواضع الخسف، ثم ذكر حديث النهي عن دخول ديار ثمود إلا في حالة البكاء. فهذا يدل على أن البخاري يرى منع الصلاة فيها. ونقله العيني (٢) عن أبي بكر بن العربي المالكي. وقال القرطبي (٣) : منع بعض العلماء الصلاة بهذا الموضع، وقال: لا تجوز الصلاة فيها؛ لأنها دار سخط، وبقعة غضب. وقد سبق قول الإمام أحمد ﵀ (لا يقيم فيها) ، وهذا يدل على أن يرى منع الصلاة فيها. هذا بالنسبة لمنع الصلاة فيها. وأما عدم جواز استعمال مائها للطهارة والشرب والطبخ، وكذلك

стр. 1640

استعمال التراب للتيمم - فقد قال القرطبي (١) : أمر النبي ﷺ بهرق ما استقوا من بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به؛ لأنه ماء سخط، فلم يجز الانتفاع به؛ فرارا من سخط الله، وقال: اعلفوه الإبل. قال مالك: إن ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن تعلفه الإبل والبهائم، إذا لا تكليف عليها. وقال النووي (٢) بعد سياق الأدلة: قلت: فاستعمال ماء هذه الآبار المذكورة في طهارة وغيرها مكروه أو حرام إلا لضرورة؛ لأن هذه سنة صحيحة لا معارض لها، وقد قال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فيمنع استعمال آبار ثمود إلا بئر الناقة، ولا يحكم بنجاستها؛ لأن الحديث لم يتعرض للنجاسة، والماء طهور بالأصالة. وقال موسى بن أحمد بن سالم المقدسي، ومنصور بن يونس البهوتي (٣) : (ولا يباح ماء آبار) ديار (ثمود غير بئر الناقة) . (فظاهره) أي: ظاهرة القول بتحريم ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود (لا تصح الطهارة) أي: الوضوء والغسل (به) ؛ لتحريم استعماله كماء مغصوب أو) ماء (ثمنه المعين حرام) في البيع فلا يصح الوضوء بذلك ولا الغسل به؛ لحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤) » . (فيتيمم معه) أي: مع ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود، ومع المغصوب وما ثمنه المعين الحرام (لعدم غيره) من المباح، ولا يستعمله؛ لأنه ممنوع

стр. 1641

منه شرعا، فهو كالمعدوم حسا، انتهى. وتقدم جواب الإمام أحمد ﵀ لما سأله مهنا عمن نزل الحجر أيشرب من مائها أو يعجن به؟ قال: لا إلا من الضرورة، لا يقيم بها. وحاصل ما سبق: أن من ذكر من العلماء استدل بالأدلة التي سبقت على عدم جوازها إحياء ديار ثمود، وأنه لا يجوز استعمال مائها للطهارة أو شرب أو طبخ، ولا يجوز التيمم بترابها، وأن الأدلة دلت على ذلك، وأن توجيه الاستدلال منها كما يأتي: ١ - نهى ﷺ عن دخول ديار ثمود، إلا في حال البكاء، وأنه لا بد من ملازمة البكاء ما دام باقيا فيها، ولو أنه بقي في أي جزء منها بدون هذه الصفة صدق عليه أنه دخل ذلك الجزء وهو غير باك فيكون منهيا عن الدخول فيه، فكما أنه منهي عن الدخول ابتداء إلا وهو متصف بالبكاء فنهيه عن الاستمرار بدون البكاء من باب أولى، فهذا نهي النبي ﷺ ، والنهي يقتضي التحريم والفساد، هذه هي القاعدة العامة في ذلك، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل يدل على ذلك، وكما صدر القول منه ﷺ في النهي عن دخول ديارهم إلا في حالة الاتصاف بالبكاء، فقد قنع رأسه، وأسرع السير وهو على الرحل حتى اجتاز الوادي، والإحياء يترتب عليه البقاء فيها وبناء المساكن، ولا يمكن دوام البقاء مع ملازمة البكاء، ودوام البقاء مع ملازمة البكاء ممتنع، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم، فيمتنع الإحياء لامتناع البقاء مع ملازمة البكاء. ٢ - أمره ﷺ بعدم الشرب من مائها، وعدم الطبخ، وأمره ﷺ بطرح العجين الذي عجنوا به من مائها، وبإهراق الماء الذي استقوا من الآبار،

стр. 1642

وأمرهم بأن يستقوا من بئر الناقة. والأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل، ولا نعلم دليلا يصرفه عن أصله واستعماله للطهارة أولى من استعماله للشرب والطبخ فيمنع، وقيس التيمم بترابه على الطهارة من مائه فيمتنع التيمم بترابه. والإحياء لهذه البقعة بالزرع وبغرس النخل والأشجار يترتب عليه استعمال البقعة، والبقاء فيها، واستعمال الماء لما ذكره، وهو مثل استعمال الماء الذي عجن به العجين، وقد أمر ﷺ بإلقاء العجين، فدل على أن فعلهم حرام، فيحرم استعمال الماء للإحياء، وأما البقاء فيها فقد سبق منعه إلا في حالة الاتصاف بالبكاء ما دام فيها، وأن استدامة البكاء متعذرة، وإذا كان الأمر على ما وصف فكيف الإحياء والبقاء؟ !

стр. 1643

المذهب الثاني: جواز الإحياء ، وهذا المذهب مأخوذ من عموم كلام الحنفية والمالكية، والشافعي، والثوري، والرملي، ونص عليه الماوردي، وهو أظهر الروايتين في مذهب أحمد. أما المذهب الحنفي: فقد قال محمد أمين الشهير بابن عابدين قال في [الملتقي] : الموات: أرض لا ينتفع بها عادية، أو مملوكة في الإسلام ليس لها مالك معين مسلم أو ذمي، وعند محمد: إن ملكت في الإسلام لا تكون مواتا (١) . اهـ. ومثله في [الدرر] ، و [الإصلاح] ، و [القدوري] ، و [الجوهرة] ،

стр. 1644

وقوله: عادية أي تقدم خرابها، كأنها ضربت في عهد عاد. انتهى المقصود. وأما المذهب المالكي: فقال خليل: موات الأرض: ما سلم عن الاختصاص بعمارة ولو اندرست إلا الإحياء، وبحريمها كمحتطب ومرعي. . (١) إلخ. وقال محمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالحطاب: والموات: بفتح الميم، ويقال: موتان بفتح الميم والواو: الأرض التي ليس لها مالك، ولا بها ماء ولا عمارة، ولا ينتفع بها إلا أن يجري إليها ماء، أو تستنبط فيها، أو يحفر فيها بئر. (٢) . والتعريف المذكور تبع المصنف فيه ابن الحاجب، وهو تبع ابن شاس، وهو تبع الغزالي، وهو قريب مما قال أهل اللغة في معناه، وقال ابن عرفة إحياء الموات لقب لتعمير داثر الأرض بما يقتضي عدم انصراف المعمر عن انتفاعه بها، وموات الأرض، قال ابن رشد في رسم الدور من سماع يحيى بن القاسم، من كتاب [السداد والأنهار] : روى ابن غانم: موات الأرض هي التي لا نبات فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٣) فلا يصح الإحياء إلا في البوار، انتهى المقصود. ووجه دلالة هذا الكلام، وكلام الحنفية قبله على جواز إحياء ديار ثمود أنه لم يرد عنهم استثناء، فدل على أنها باقية على الأصل.

стр. 1645

وأما المذهب الشافعي: فقد قال الشافعي: والموات الثاني: ما لم يملكه أحد في الإسلام بعرف ولا عمارة، ملك في الجاهلية، أو لم يملك، فذلك الموات الذي قال فيه الرسول ﷺ : «من أحيا مواتا فهو له» (١) . وقال النووي: وإن كانت عمارة جاهلية فقولان: ويقال وجهان: أحدهما: لا تملك بالإحياء؛ لأنها ليست بموات، وأظهرهما تملك كالركاز. وقال ابن سريج وغيره: إن بقي أثر العمارة أو كان معمورا في الجاهلية قريبة لم تملك بالإحياء، وإن اندرست بالكلية وتقادم عهدها ملكت (٢) . وقال الرملي: وإن كانت العمارة جاهلية جهل دخولها في أيدينا فالأظهر أنه - أي: المعمور - يملك بالإحياء، إذ لا حرمة لملك الجاهلية، والثاني: المنع؛ لأنها ليست بموات (٣) . وقال الماوردي: والضرب الثاني من الموات: ما كان عامرا فخرب فصار مواتا عاطلا، وذلك ضربان: أحدهما: ما كان جاهليا كأرض عاد وثمود، فهي كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة ويجوز إقطاعه، قال رسول الله ﷺ : «عادي الأرض لله ولرسوله، وثم هي لكم مني» ، يعني: أرض عاد (٤) .

стр. 1646

وأما المذهب الحنبلي: فقد قال عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة (١) : النوع الثاني: ما يوجد فيه آثار ملك قديم جاهلي؛ كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوهم - فهذا يملك بالإحياء في أظهر الروايتين؛ لما ذكرنا من الأحاديث. إلخ. إلى أن قال: والرواية الثانية: لا تملك؛ لأنها إما لمسلم، أو ذمي أو بيت المال، أشبه ما لو تبين مالكه. انتهى المقصود. وقال محمد بن الحسن الفراء الحنبلي (٢) : الضرب الثاني من الموات: ما كان عامرا فضرب وصار مواتا عاطلا، فذلك ضربان: أحدهما: ما كان جاهليا؛ كأرض عاد وثمود، فهو كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة، ويجوز إقطاعه، وقد قال رسول الله ﷺ : «عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني» ، يعني: أرض عاد. انتهى. وقال مصطفى السيوطي: (٣) بعد ذكره جواز ملك ديار ثمود، وقول الحارثي: إنها لا تملك، وشيء من أدلة المذهب، وقال بعد ذلك: ولم يذكر القاضي في [الأحكام السلطانية] ، والموفق في [المغني] خلافا في جواز إحيائه، قال في [الإنصاف] : وهو طريقة صاحب المحرر والوجيز وغيرهما، قال الحارثي: وهو الحق والصحيح من المذهب، فإن أحمد وأصحابه لا يختلف قولهم في البئر العادية، وهو نص منه في خصوص النوع، وصحح الملك فيه بالإحياء صاحب [التلخيص والفائق والفروع

стр. 1647

والتصحيح] وغيرهم. انتهى. واستدل أهل هذا المذهب: بما ثبت في [صحيح البخاري] بسنده في المزارعة عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق (١) » . وهذا الحديث ورد من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة، ولكن معناها هو المعنى الذي دل عليه هذا الحديث، وكذلك ورد آثار بهذا المعنى، ترك ذكر الأحاديث والآثار اكتفاء بما أخرجه البخاري. وجه الدلالة: أن هذا الحديث دل بعمومه على أن الأصل في الأرض كلها اتصافها بعدم المانع من تملكها، فمن أعمر أرضا، أي: أحياها فهو أحق بها من غيره، ويدخل في هذا العموم أرض الحجر فيجوز إحياؤها. واعترض على الاستدلال بهذا الحديث: بأن الأحاديث التي دلت على المنع من دخول ديار ثمود إلا في حالة الاتصاف بالبكاء ما دام فيها، وعلى منع استعمال الماء، وقد سبق تقرير ذلك - جاءت تلك الأدلة خاصة، وهذا الدليل عام، والقاعدة المقررة: أنه إذا تعارض عام وخاص يخالف العام في الحكم فإنه يخرج الخاص من العام كذا هنا. وأما من أجاز الصلاة فيها، والتوضؤ من مائها والتيمم بترابها فقد استدل بالعموم؛ كحديث: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل (٢) » ، وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٣) الآية.

стр. 1648

قال القرطبي (١) : الصحيح - إن شاء الله - الذي يدل عليه النظر والخبر: أن الصلاة بكل موضع طاهر جائزة صحيحة، وما روي من قوله ﷺ : «إن هذا واد به شيطان (٢) » ، وقد رواه معمر عن الزهري فقال: واخرجوا عن الموضع الذي أصابتكم فيه الغفلة، وقول علي: «نهاني رسول الله ﷺ أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة (٣) » وقوله ﵊ حين مر بالحجر من ثمود: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين (٤) » ، ونهيه عن معاطن الإبل. . إلى غير ذلك مما في هذا الباب، فإنه مردود إلى الأصول المجتمع عليها، والدلائل الصحيح مجيئها. قال الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: المختار عندنا في هذا الباب: أن ذلك الوادي وغيره من بقاع الأرض جائز أن يصلى فيها كلها ما لم تكن فيه نجاسة متيقنة تمنع من ذلك، ولا معنى لاعتلال من اعتل بأن موضع النوم عن الصلاة موضع شيطان، وموضع ملعون لا يجب أن تقام فيه الصلاة، وكل ما روي في هذا الباب من النهي عن الصلاة في المقبرة وبأرض بابل وأعطان الإبل، وغير ذلك مما في هذا المعنى - كل ذلك عندنا منسوخ ومرفوع؛ لعموم قوله ﷺ : «جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا (٥) » ، وقوله ﷺ مخبرا أن ذلك من فضائله ومما خص به، وفضائله عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص - قال ﷺ «أوتيت خمسا (٦) » وقد روي: «ستا» وقد روي «ثلاثا» و «أربعا (٧) » وهي تنتهي إلى أزيد من تسع. قال فيهن: «لم يؤتهن أحد قبلي: بعثت إلى

стр. 1649

الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب، وجعلت أمتي خير الأمم، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (١) » اهـ. ويورد على دعوى النسخ: أن النسخ لا يثبت إلا بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع. ونقل القرطبي (٢) عن ابن العربي أنه قال: فصارت هذه البقعة مستثناة من قوله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (٣) » ، فلا يجوز التيمم بترابها، ولا الوضوء من مائها، ولا الصلاة فيها. انتهى المقصود. ذكر القرطبي هذا الكلام عن ابن العربي بعد قوله: منع بعض العلماء الصلاة بهذا الموضع، وقال: لا تجوز الصلاة فيها؛ لأنها دار سخط وبقعة غضب. وأما النظائر فمن ذلك: ١ - إسراعه ﷺ حينما مر بوادي محسر في حجة الوداع بعد دفعه من مزدلفة، فقد روى جابر بن عبد الله ﵄، «أن النبي ﷺ أوضع في وادي محسر (٤) » ، رواه داود والنسائي والترمذي، قال ابن الأثير: أوضع: إذا أسرع السير. قال ابن القيم (٥) : فلما أتى بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه. وكذلك فعل في سلوكه الحجر (ديار ثمود) فإنه تقنع بثوبه، وأسرع

стр. 1650

السير. ٢ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ (١) إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ (٢) قال ابن القيم ﵀ (٣) : ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار، وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه - لما كان بناؤه إضرارا وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا، ومأوى للمنافقين المحاربين لله ورسوله، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطليه؛ إما بهدمه وتحريقه، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له. انتهى. ٣ - ثبت في [صحيح مسلم] عن عمران بن حصين ﵁ قال: «بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت، فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: خذوا ما عليها، ودعوها، فإنها ملعونة (٤) » قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. وأما الحكمة، فقد قال ابن حجر (٥) : قول: (لا يصيبكم) بالرفع على أن لا نافية، والمعنى: لئلا يصبكم، ويجوز الجزم على أنها ناهية، وهو أوجه، وهو نهي بمعنى الخبر، وللمصنف في أحاديث الأنبياء (أن يصيبكم) أي: خشية أن يصيبكم
следующие страницы →