← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

يتبع ذلك بالقول الذي تختاره اللجنة للفتوى. د- بدء تنفيذ الفكرة: ظهور (مجلة الأحكام العدلية) وقانون المعاملات وغير ذلك. ١ - قال (١) . الأستاذ مصطفى الزرقاء: ولما بدئ بتأسيس المحاكم النظامية في الدولة العثمانية، وأصبح يعود إليها اختصاص النظر في أنواع من الدعاوى كانت قبل ذلك ترجع إلى المحاكم الشرعية، ودعت الحاجة إلى تيسير مراجعة الأحكام الفقهية على الحكام غير الشرعيين، وتعريفهم بالأقوال القوية المعمول بها من الضعيفة المتروكة دون أن يغوصوا على ذلك في كتب الفقه الواسعة النطاق _ صدرت إدارة سنية سلطانية بتأليف لجنة لوضع مجموعة من الأحكام الشرعية التي هي أكبر من غيرها دورانا في الحوادث. فوضعت اللجنة في سنة (١٢٨٦ للهجرة) هذه المجموعة منتقاة من قسم المعاملات من فقه المذهب الحنفي الذي عليه عمل الدولة. . . وقد أخذت بعض الأقوال المرجوحة في المذهب للمصلحة الزمنية التي اقتضتها. . . وقد صدرت الإدارة السنية السلطانية في شعبان (١٢٩٣هـ) بلزوم العمل بها وتطبيق أحكامها في محاكم الدولة. ٢ - وقال (٢) . أيضا تحت فقرة (٨٢) بدء تنفيذ الفكرة في تقنين الأحوال الشخصية قال: ثم بدئ رسميا بتنفيذ هذه الفكرة- فكرة الاستفادة من مختلف المذاهب الفقهية عن طريق التقنين في أحكام الأحوال الشخصية

стр. 1752

أواخر العهد العثماني، إذ وضعت الحكومة العثمانية قانون حقوق العائلة في سنة (١٣٣٣ رومية) ، وأخذت فيه من المذهب المالكي حكم التفريق الإجباري القضائي بين الزوجين عن طريق التحكيم المنصوص عليه في القرآن عند اختلافهما، وتوسعت فيه. ٣ - وقال (١) . أيضا: في سنة (١٩٢٩م) خطت الحكومة المصرية خطوة واسعة في الأخذ من مختلف الاجتهادات مما وراء المذاهب الأربعة فأصدرت قانونا تحت رقم (٢٥) ألغت فيه تعليق الطلاق بالشرط في معظم حالاته، كما اعتبرت تطليق الثلاث أو الثنتين بلفظ واحد طلقة واحدة؛ عملا برأي ابن تيمية، ومستنده الشرعي، وذلك بإقرار مشيخة الأزهر. انتهى المقصود. ٤ - وقال (٢) . محمد سلام مدكور تحت عنوان (مصر وتقنين الفقه الإسلامي والنهوض بدراسته) قال: لم تختلف مصر عن غيرها في النهضة الفقهية ومحاولة تقنين الأحكام الفقهية التي تهم الناس في معاملاتهم وأحوالهم الشخصية وإخراجها في مواد حتى يسهل الرجوع إليها، وحتى تنصرف الأذهان عن التطلع إلى الغرب، ورفض الخديوي إسماعيل الأخذ بقانون (مجلة الأحكام العدلية) ؛ حبا في الاستقلال، وتخلصا من التبعية للدولة العثمانية، واتجه إلى قانون نابليون، بحجة أن كتب الفقه الإسلامي بوضعها لا يمكن التقنين منها، فأحدث ذلك ضجة في الرأي العام، وظهر رأي بإمكان التقنين من الفقه الإسلامي، وقام الفقيه القدير قدري باشا

стр. 1753

بعمل مجموعة من القوانين أخذها من المذهب الحنفي مسترشدا في عمله ب (مجلة الأحكام العدلية) . ٥ - وقال (١) . أيضا تحت عنوان (القوانين المصرية المختارة من الفقه الإسلامي) : عملت الحكومة على تأليف لجنة من كبار الفقهاء والمشرعين لوضع قوانين تؤخذ من الفقه الإسلامي من غير تقيد بمعنى معين، مع مراعاة روح العصر. فألفت لجنة من أكبر علماء المذاهب الأربعة برئاسة وزير الحقانية في ذلك العهد لوضع قانون الأحوال الشخصية، فوضعت اللجنة مشروع قانون للزواج والطلاق وما يتعلق بهما طبع سنة (١٩١٦م) ، ثم أعيد طبعه بعد تنقيح فيه سنة (١٩١٧) ، ومع هذا فقد كانت المعارضة في إخراجه قوية من بعض رجل الدين ومن تأثروا بهم؛ لذا لم يخرج هذا المشروع إلى التنفيذ ولم يصدر به القانون، وإنما اكتفي ولاة الأمر بمعالجة بعض الأمور التي وضح عدم مطابقة المذهب الحنفي فيها لمصالح الناس، فصدر القانون رقم (٢٥) سنة (١٩٢٠) ، والقانون رقم (٥٦) سنة (١٩٢٣م) بوضع حد أدنى لسن الزواج، والقانون (٢٥) سنة (١٩٢٩م) ، وكل هذه القوانين نظمت بعض مسائل الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج وبالنفقة والعدة والطلاق والنسب والمهر والحضانة والمفقود وما إلى ذلك، وإن كان القانون الأول (٢٥) سنة (١٩٢٠م) أخذ من المذاهب الأربعة، فإن القانونين الآخرين الصادرين في سنة (١٩٢٣م) وسنة (١٩٢٩م) لم يتقيدا بالمذاهب الأربعة، فقد أخذ القانون (٥٦) لسنة

стр. 1754

(١٩٢٣م) برأي آخر للإمام أبي حنيفة، وبفتوى عبد الله بن شبرمة، وعثمان البتي، وأبي بكر الأصم، وأما القانون (٢٥) سنة (١٩٢٩م) فقد جاء في مذكرته التفسيرية بأنه موافق لآراء بعض المسلمين، ولو من غير أهل المذاهب الأربعة، وأنه ليس هناك مانع شرعي من الأخذ بقول غيرهم خصوصا إذا ترتب عليه نفع عام، وفي سنة (١٩٣١م) صدر القانون (٧٨) بتنظيم المحاكم الشرعية، وقد احتوى على بعض القوانين غير مقيد فيها بمذهب معين، ثم خطت مصر خطوة جديدة نحو التخلص من التقيد المذهبي، ففي ٩ ديسمبر سنة (١٩٣٦م) وافق مجلس الوزراء على مذكرة لوزارة العدل اقترحت فيها تشكيل لجنة بها، تقوم بوضع مشروع قانون لمسائل الأحوال الشخصية، وما يتفرع عنها، والأوقاف، والمواريث والوصية، وغيرهما، ولا تتقيد بمذهب دون آخر، بل تأخذ من آراء الفقهاء ما هو أكثر ملاءمة لمصالح الناس وللتطور الاجتماعي، ولها أن تبدأ بما ترى أن الشكوى منه أعم، والحاجة إليه أمس، وقد بدأت بالنظر في مشروع قانون المواريث؛ لأن التغيير فيه ضئيل، فخرج في سنة (١٩١٣م) برقم (٧٧) شاملا لجميع أحكام الإرث حتى ما كان مأخوذا من أحكام قطعية، كالخاصة بأصحاب الفروض والعصبات، وهذه لم يكن للجنة فيها إلا الصياغة فقط، أما الحكم نفسه فلم تتعرض له، ولم تكن تملك أن تتعرض له، ومن أهم القواعد التي جاء بها القانون مغايرا ما كان عليه العمل توريث الإخوة والأخوات مع الجد الصحيح، بعد أن كان حاجبا لهم، وكذلك الرد على أحد الزوجين بما بقي بعد فرضه إذا لم يوجد للمتوفى أي قريب يرثه، فهو أولى بما بقي من العاصب السببي.

стр. 1755

كما اعتبر القانون التسبب في القتل مانعا من الإرث دون القتل الخطأ وما جرى مجراه، بعكس ما كان عليه العمل، إلى غير ذلك مما يدرس تفصيلا في موضعه. ثم في سنة (١٩٤٦م) صدر القانون رقم (٤٨) معدلا لبعض أحكام الوقف، وقد أخذ هذا القانون في الغالب أحكامه من مختلف أقوال الفقهاء في سائر المذاهب، متوخيا ما يحقق مصلحة الناس، ولا يعرقل نظمهم الاقتصادية، ومن أهم قواعد هذا القانون أنه قرب أحكام الوقف من أحكام الميراث، وعلى كل فقد ألغي الوقف الأهلي كله بالقانون (١٨٠) لسنة (١٩٥٢م) . ثم صدر القانون (٧١) في سنة (١٩٤٦م) أيضا بأحكام الوصية دون تقيد بمذهب معين، ولا حتى بالمذاهب الأربعة، ومن أهم قواعده القول بالوصية الجبرية، وهي: أن يكون للأحفاد الذين حجبوا عن الميراث من جدهم أو جدتهم حق واجب في التركة، هو نصيب أصلهم لو كان حيا، بحيث لا يزيد على ثلث التركة، وألا يكون أوصى لهم جدهم أو جدتهم بشيء، وقد أخذ هذا الحكم من فقهاء التابعين ومن فقه الإباضية، كما أجاز القانون الوصية للوارث في حدود ثلث التركة دون توقف على إجازة باقي الورثة. . انتهى المقصود. ٦ - قال صبحي محمصاني بعد أن بسط الكلام على مراحل التدوين ملخصا ذلك، قال (١) : إن التدوين مر بمراحل خمس: أولا: مرحلة التبني للمذهب الرسمي، وكانت مرحلة صعبة لم ينجح

стр. 1756

فيها ابن المقفع ولا أبو جعفر المنصور، ولكن نجحت فيها الدولة العثمانية وغيرها من الدول العربية على غرارها. المرحلة الثانية: كانت مرحلة جمعت المؤلفات، لا على شكل قانون رسمي، بل في شكل كتاب شبه رسمي يسهل المطالعة وفهم الأمور على الطالبين من قضاة وعلماء وتلامذة، وهذا قد ذكرت له أمثلة، وهي: ملتقى الأبحر، والفتاوى الهندية، وسيدي خليل، ومدونات قدري باشا. ثم المرحلة الثالثة: دون المذهب الرسمي في مدونات رسمية إلزامية، كـ[مجلة الأحكام العدلية العثمانية] التي أخذت عن المذهب الحنفي وحده. ثم مرحلة رابعة اتبعت طريقة أخرى، وهي: أن يؤخذ مذهب واحد كأصل الاقتباس من المذاهب الأخرى في بعض المسائل: مثاله ما جرى في قانون حقوق العائلة العثمانية، ومجلة الجنايات والأحكام العرفية التونسية القديمة، ومجلة الالتزامات والعقود التونسية، وما جرى في مدونات الأحوال الشخصية في البلاد العربية التي أشرنا إليها، وقد ذكرنا أن بعضها أيضا قد ابتعد عما جرى في الشريعة، كما فعلت العراق في مسائل المواريث التي نوهنا بها- أي: في هذا المحاضرة. وأخيرا في المرحلة الخامسة اقتبست بعض القوانين عن المدونات الغربية، فكان هذا الاقتباس أحيانا موفقا بحيث لم يخالف روح التشريع الإسلامي، وأحيانا كان مخالفا لما جاء في هذا التشريع. انتهى. وسيأتي ما في هذه النقول من المناقشة عند المناقشة لأدلة الأقوال في إلزام القضاة الحكم بالراجح.

стр. 1757

الرابع - أقوال فقهاء الإسلام قديما وحديثا في إلزام ولاة الأمور القضاء أن يحكموا بمذهب معين أو رأي معين. تمهيد: تقدم ذكر الدواعي إلى تدوين أحكام يلزم القضاة أن يحكموا بها فيما يرفع إليهم من القضايا، وأن التفكير في ذلك بدأ في القرن الثاني من الهجرة في خلافة أبي جعفر المنصور حين عرض عليه عبد الله بن المقفع ذلك، وتكلم أبو جعفر مع الإمام مالك فيها، وقد وضع كل منهما الأمر في نصابه، حيث رفعه الأول إلى المسئولين عن الأمة من ولاة الأمور وأهل السلطة فيها، ورده الخليفة إلى أهل العلم والفقه في الدين، ولم يكن تأثير الدواعي على النفوس قاصرا في ذلك العهد على ابن المقفع، بل تجاوز إلى غيره، فقد نقل فقهاء المالكية أن سحنون بن سعيد التنوخي ولى رجلا سمع بعض كلام أهل العراق، وأمره ألا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة، فهذا قد تمكنت منه الفكرة أكثر ممن سبقه، واستمر تأثيرها في العلماء وغيرهم جيلا بعد جيل، حتى وقتنا الحاضر، مع تفاوت في مدى تأثره بها، فمنهم من لم يستجب لها، ومنهم من استسلم لها فقال بها، ودافع عنها، وعمل بمقتضاها عندما أتيحت له الفرصة، ولكل وجهته. وفيما يأتي ذكر أقوال الفقهاء، وما استندوا إليه من المناقشة، وبالله التوفيق. أ- المذهب الحنفي: ب- قال (١) ابن عابدين: ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه، كما

стр. 1758

في زماننا تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه. ٢ - وقال (١) أيضا نقلا عن معروضات أبي السعود: إن العبد الآبق إذا كان من عبيد العسكرية فقد صدر الأمر السلطاني بمنع القضاة من بيعه؛ كيلا يتخذ العبيد الإباق وسيلة للتخلص من خدمة الجيش، ثم قال: وحينئذ لا يصح بيع هؤلاء العبيد، بل يؤخذون من مشتريهم ويرجع المشتري بالثمن، وكذلك بيع العبيد الآبقين من الرعايا إذا بيعوا بغبن فاحش، وبذلك ورد الأمر السلطاني، فليحفظ فإنه مهم. ٣ - وقال (٢) أيضا على قول صاحب [الدر] : (ولو قضى بجواز بيعها لم ينفذ، بل يتوقف على قضاء قاض آخر إمضاء وإبطالا) . قال: أي: قضى به حنفي مثلا على إحدى الروايتين عن الإمام من أن القاضي لو قضى بخلاف رأيه ينفذ قضاؤه ما لم يقيده السلطان بمذهب خاص. ٤ - وقال (٣) أيضا على قول صاحب [تنوير الأبصار] في صلاة العيدين: (ويصلي بهم الإمام ركعتين مثنيا قبل الزوائد، وهي ثلاث تكبيرات في كل ركعة) قال: هذا مذهب ابن مسعود وكثير من الصحابة ورواية عن ابن عباس، وبه أخذ أئمتنا الثلاثة، وروي عن ابن عباس أنه يكبر في الأولى سبعا، وفي الثانية ستا، وفي رواية خمسا، منها ثلاثة

стр. 1759

أصلية، وهي: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، والباقي زوائد: في الأولى خمس، وفي الثانية خمس أو أربع، ويبدأ بالتكبير في كل ركعة. قال في [الهداية] : وعليه عمل العامة اليوم؛ لأمر الخلفاء من بني العباس به، والمذهب الأول. قال في [الظهيرية] : وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف ومحمد أنهما فعلا ذلك؛ لأن هارون أمرهما أن يكبرا بتكبير جده، ففعلا ذلك؛ امتثالا له لا مذهبا واعتقادا. قال في [المعراج] : لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة.

стр. 1760

ب- المذهب المالكي: قال (١) محمد بن عبد الرحمن الحطاب: قال ابن الحاجب: وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه في الاجتهاد أو التقليد، ولو شرط الحكم بما يراه، كان الشرط باطلا والتولية صحيحة، قال الباجي: كان في سجلات قرطبة، ولا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده قال في [التوضيح] : للإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه، كالمالكي يولي شافعيا أو حنفيا ولو شرط الإمام على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلا وصح العقد، وهكذا في [الجواهر] عن الطرطوشي، قال غيره: العقد غير جائز وينبغي فسخه ورده، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدا، وهكذا المازري فيه قال: وإن كان الإمام مقلدا وكان متبعا لمذهب مالك أو اضطر إلى ولاية قاض مقلد- لم يحرم على الإمام أن يأمره أن يقضي بين الناس بمذهب مالك، ويأمره ألا يتعدى في قضائه مذهب

стр. 1761

مالك؛ لما يراه من المصلحة في أن يقضي بين الناس بما عليه أهل الإقليم والبلد الذي هذا القاضي منه ولي عليهم، وقد ولى سحنون رجلا سمع بعض كلام أهل العراق، وأمره ألا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة. انتهى المقصود. ٢ - قال (١) ابن فرحون: قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي: أخبرنا القاضي أبو الوليد الباجي: أن الولاة كانوا بقرطبة إذا ولوا رجلا القضاء شرطوا عليه في سجله ألا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده. قال الشيخ أبو بكر: وهذا جهل عظيم منهم، يريد أن الحق ليس في شيء معين، وإنما قال الشيخ أبو بكر هذا لوجود المجتهدين وأهل النظر في قضاة ذلك الزمان فتكلم على أهل زمانه وكان معاصرا للإمام أبي عمر بن عبد البر، والقاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي أبي الوليد بن رشد، والقاضي أبي بكر بن العربي، والقاضي أبي الفضل عياض، والقاضي أبي محمد بن عطية صاحب التفسير، وغير هؤلاء من نظرائهم، وقد عدم هذا النمط في زماننا من المشرق والمغرب. . وهذا الذي ذكره الباجي عن ولاة قرطبة ورد نحوه عن سحنون، وذلك أنه ولى رجلا القضاء وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق فشرط عليه سحنون ألا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك. . قال (٢) ابن رشد: وهذا يؤيد ما ذكره الباجي، ويؤيد ما قاله الشيخ أبو بكر فكيف يقول ذلك والمالكية إذا تحاكموا إليه فإنما يأتونه؛

стр. 1762

ليحكم بينهم بمذهب مالك؟ ! انتهى المقصود. ٣ - قال الدسوقي: بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه ألا يحكم إلا بمذهب إمامه فيقبل لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط لمصلحة. انظر (ح\٣) (١) . ٤ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) : لما انتشر مذهب مالك بالأندلس وكان يحيى بن يحيى بالأندلس والولاة يستشيرونه فكانوا يأمرون القضاة ألا يقضوا إلا بروايته عن مالك، ثم رواية غيره، فانتشرت رواية ابن القاسم عن مالك؛ لأجل من عمل بها، وقد تكون مرجوحة في المذهب، وعمل أهل المدينة والسنة، حتى صاروا يتركون رواية [الموطأ] الذي هو متواتر عن مالك، وما زال يحدث به إلى أن مات؛ لرواية ابن القاسم، وإن كان طائفة من المالكية أنكروا ذلك، فمثل هذا إن كان فيه عيب فإنما هو على من نقل ذلك، لا على مالك. انتهى المقصود منه. ٥ - قال محمد عليش (٣) وفي آخر أحكام ابن سهل وأول [المدارك] للقاضي عياض، واللفظ للمدارك، وفي كتاب الحاكم المستنصر إلى الفقيه أبي إبراهيم، وكان الحاكم ممن طالع الكتاب ونقر عن أخبار الرجال تنقيرا لم يبلغ فيه شيئا كثيرا من أهل العلم، فقال في كتابه: (وكل من زاغ عن مذهب مالك فإنه من رين على قلبه وزين له سوء عمله وقد نظرت طويلا في أخبار الفقهاء، وقرأت ما صنف من أخبارهم إلى يومنا هذا فلم أر

стр. 1763

مذهبا من المذاهب غيره أسلم منه، وإن فيهم الجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة والشيعة وإلا مذهب مالك ما سمعت أن أحدا ممن يتقلد مذهبه قال بشيء من هذه البدع، فالاستمساك به نجاة إن شاء الله، ولغيره عن الخليفة الحاكم المستنصر بالله تعالى: من خالف مذهب مالك بالفتوى، وبلغنا خبره- أنزلنا به من النكال ما يستحقه، وجعلناه عبرة لغيره، فقد اختبرت فوجدت مذهب مالك وأصحابه أفضل المذاهب، ولم أر في أصحابه ولا فيمن تقلد بمذهبه غير معتقد للسنة والجماعة، فليستمسك الناس بهذا، ولينهوا أشد النهي عن تمسكهم في العمل بمذهب جميع المخالفين له) (١) .

стр. 1764

ج- المذهب الشافعي: ١ - قال الماوردي (١) : فلو شرط المولي وهو حنفي المذهب على من ولاه القضاء - ألا يحكم إلا بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يشترط ذلك عموما في جميع الأحكام فهذا شرط باطل، سواء كان موافقا لمذهب المولي أو مخالفا له، وأما صحة الولاية فإن لم يجعله شرطا فيها وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي، وقال: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب الشافعي ﵀ على وجه الأمر أو لا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي- كانت الولاية صحيحة والشرط

стр. 1765

فاسدا، سواء تضمن أمرا أو نهيا، ويجوز أن يحكم بما أداه اجتهاده إليه، سواء وافق شرطه أو خالفه، ويكون اشتراط المولي لذلك قدحا فيه إن علم أنه اشترط ما لا يجوز، ولا يكون قدحا إن جهل، لكن لا يصح مع الجهل به أن يكون موليا ولا واليا، فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية فقال: قد قلدتك القضاء على ألا تحكم فيه إلا بمذهب الشافعي أو بقول أبي حنيفة - كانت الولاية باطلة؛ لأنه عقدها على شرط فاسد، وقال أهل العراق: تصح الولاية ويبطل الشرط. والضرب الثاني: أن يكون الشطر خاصا في حكم بعينه، فلا يخلو الشرط من أن يكون أمرا أو نهيا، فإن كان أمرا فقال له: أقد من العبد (١) بالحر. . . كان أمره بهذا الشرط فاسدا، ثم إن جعله شرطا في عقد الولاية فسدت، وإن لم يجعله شرطا فيها صحت، وحكم في ذلك بما يؤديه اجتهاده إليه. وإن كان نهيا فهو على ضربين: أحدهما: أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، ولا يقضي فيه بوجوب قود ولا بإسقاطه- فهذا جائز؛ لأنه اقتصر بولايته على ما عداه فصار ذلك خارجا عن نظره. والضرب الثاني: ألا ينهاه عن الحكم وينهاه عن القضاء في القصاص. فقد اختلف أصحابنا في هذا النهي هل يوجب صرفه عن النظر فيه؟ على وجهين:

стр. 1766

أحدهما: أن يكون صرفا عن الحكم فيه وخارجا عن ولايته فلا يحكم فيه بإثبات قود ولا بإسقاطه. والثاني: أنه لا يقتضي الصرف عنه، ويجري عليه حكم الأمر به، ويثبت صحة النظر إن لم يجعله شرطا في التقليد، ويحكم فيه بما يؤديه اجتهاده إليه. ٢ - قال (١) . جلال الدين المحلي على قول النووي في [المنهاج] : (ولا يجوز أن يشترط عليه خلافه) - قال: أي خلاف الحكم باجتهاد أو اجتهاد مقلده، وقضية ذلك: أنه لو شرطه لم يصح الاستخلاف، كذا لو شرطه الإمام في تولية القاضي لم تصح توليته. ٣ - قال (٢) قليوبي على قوله: (أن يشترط) : خرج بالشرط الأمر والنهي، نحو احكم بمذهب كذا، أو لا تحكم، فيلغو ولا تبطل التولية، ويعتبران في التفويض. ٤ - وقال (٣) إبراهيم بن على الشيرازي: ولا يجوز أن يعقد تقلد القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه؛ لقوله : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٤) والحق ما دل عليه الدليل، وذلك لا يتعين في مذهب بعينه، فإن قلد على هذا الشرط بطلت التولية؛ لأنه علقها على شرط، وقد بطل الشرط، فبطلت التولية.

стр. 1767

د- المذهب الحنبلي: ١ - قال (١) ابن قدامة: ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه، وهذا مذهب الشافعي، ولم أعلم فيه خلافا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٢) والحق لا يتعين في مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب. فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط، وفي فساد التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع. ٢ - قال (٣) أبو يعلى: (فإن كان المولي على مذهب فشرط على من ولاه القضاء ألا يحكم إلا بمذهبه- فهذا شرط باطل، وهل تبطل الولاية؟ نظرت: فإن لم يجعله شرطا فيه، لكن أخرجه مخرج الأمر والنهي، بأن قال له: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب أحمد على وجه الأمر، ولا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي فالولاية صحيحة والشرط فاسد. وإن أخرجه مخرج الشرط في عقد الولاية، فقال: قد قلدتك القضاء على ألا تحكم فيه إلا بمذهب أحمد. فهذا عقد شرط فيه شرطا فاسدا فهل يبطل العقد؟ على روايتين: بناء على البيع إذا قارنه شرط فاسد، فإن كان الشرط خاصا في حكم بعينه نظرت أيضا، فإن لم يخرجه مخرج الشرط لكن أخرجه مخرج الأمر، فقال: أقد من العبد بالحر (٤) ، ومن المسلم بالكافر-

стр. 1768

فالشر باطل والعقد صحيح، وإن جعله شرطا فهل يبطل العقد؟ على الروايتين: وإن كان نهيا، فإن نهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، وألا يقضي فيه بوجوب القود، ولا بإسقاطه- جاز؛ لأنه اقتصر بولايته على ما عداه، وإن لم ينهه عن الحكم فيه ونهاه عن القضاء بالقصاص احتمل أن يكون صرفا عن الحكم، فلا يحكم فيه بإثبات قود ولا بإسقاطه. ويحتمل ألا يقتضي الصرف، ويجري عليه حكم الأمر به. فيبطل حكم الأمر، ويثبت صحة النظر إذا لم يجعله شرطا في التقليد، ويحكم بما يؤديه اجتهاده إليه. ٣ - قال شيخ الإسلام (١) : ولو شرط الإمام على الحاكم أو شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين- بطل الشرط، وفي فساد العقد وجهان، ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاة أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا الشرط فعلوا. فأما إذا قدر أن في الخروج عن ذلك من الفساد جهلا وظلما أعظم مما في التقدير- كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما. ٤ - وقال (٢) أيضا جوابا عن سؤال وجه إليه عمن ولي أمرا من أمور المسلمين، ومذهبه لا يجوز شركة الأبدان فهل يجوز له منع الناس؟ فأجاب: ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ما هو

стр. 1769

في معنى ذلك، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو ما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار، وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل، ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذا المسائل منعه من ذلك وقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم، وصنف رجل كتابا في الاختلاف فقال أحمد: لا تسمه (كتاب الاختلاف) ولكن سمه (كتاب السعة) ؛ ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة، وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه؛ ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه. ونظائر هذه المسائل كثيرة. . . وبعد أن ذكر أمثلة كثيرة لهذا من المعاملات قال: ولو منع الناس مثل هذه المعاملات لتعطل كثير من مصالحهم التي لا يتم دينهم ولا دنياهم إلا بها؛ ولهذا كان أبو حنيفة يفتي بأن المزارعة لا تجوز، ثم يفرع على القول بجوازها، ويقول: إن الناس لا

стр. 1770

يأخذون بقولي في المنع؛ ولهذا صار صاحباه إلى القول بجوازها، كما اختار ذلك من اختاره من أصحاب الشافعي وغيره. ٥ - وقال عنه البعلي أيضا (١) : ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: ينبغي، كان جاهلا ضالا، ومن كان متبعا الإمام فخالفه في بعض المسائل؛ لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى- فقد أحسن، (وقال أبو العباس) في موضوع آخر: بل يجب عليه، وإن أحمد نص عليه، ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع. ٦ - وقال أيضا في جواب ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان سنة ست وسبعمائة في الفصل الذي عقده لإحالة الحكم في قضيته إلى الحاكم، قال (٢) : أنا لم يدع علي دعوى يختص بها الحاكم من الحدود والحقوق، مثل: قتل أو قذف أو مال أو نحوه، بل في مسائل العلم الكلية مثل: التفسير، والحديث، والفقه وغير ذلك، وهذا فيه ما اتفقت عليه الأمة، وفيه ما تنازعت فيه، والأمة إذا تنازعت في معنى آية أو حديث أو حكم خبري أو طلبي- لم يكن صحة أحد القولين وفساد الآخر ثابتا بمجرد حكم حاكم، فإنه إنما ينفذ حكمه في الأمور المعينة دون العامة، ولو جاز هذا لجاز أن يحكم حاكم بأن قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣) هو: الحيض، أو الأطهار، ويكون هذا حكما يلزم جميع الناس قوله، أو يحكم بأن اللمس في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤)

стр. 1771

هو الوطء، أو المباشرة فيما دونه، أو بأن الذي بيده عقدة النكاح هو: الزوج، أو الأب والسيد، وهذا لا يقوله أحد. . .، ومضى إلى أن قال: وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع قول بلا حجة يجب الرجوع إليها، فيكون كلامه قبل الولاية وبعدها سواء، وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم. نعم، الولاية قد تمكنه من قول حق ونشر علم قد كان يعجز عنه بدونها، وباب القدرة والعجز غير باب الاستحقاق وعدمه. نعم، للحاكم إثبات ما قال زيد أو عمرو، ثم بعد ذلك إن كان القول مختصا به كان مما يحكم به الحاكم، وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس، فأما كون هذا القول ثابتا عند زيد ببينة أو إقرار أو خط فهذا يتعلق بالحكام. ٧ - وقال (١) أيضا: الأحكام كلها تلقتها الأمة عن نبيها لا تحتاج فيها إلى الإمام، وإنما الإمام منفذ لما شرعه رسول الله ﷺ .

стр. 1772

هـ ـ نقول عن بعض الفقهاء المعاصرين الذين يدعون إلى هذه الفكرة: ١ - قال (١) محمد رشيد رضا: وأما الاجتهاد في المعاملات والقضاء فهو الاجتهاد الحقيقي الذي يعجز عنه أكثر الناس، ولا يقوم به إلا طائفة تتفرغ للاستعداد للقضاء والفتوى والتعليم، ويلزم الإمام أو السلطان سائر الناس بالعمل باجتهادهم على ما بينته تبيينا، فإن أصاب هؤلاء الحق والعدل فلهم

стр. 1773

أجران، وإن أخطئوا بعد التحري وبذل الجهد في المعرفة فلهم أجر واحد، ويعذرون هم ومقلدوهم العاملون بمقتضى اجتهادهم. ٢ - قال (١) أيضا: فما أجمعوا عليه من أمر الدين فهو الذي لا يسع مسلما تركه، وما اختلفوا فيه يرد إلى الكتاب والسنة، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) أي: مآلا وعاقبة، والرد في الأمور العامة منوط بأولي الأمر، وفي الوقائع الخاصة يعمل كل فرد بما ظهر له الدليل على صحته. . إلخ. ٣ - وسئل (٣) : ما قولكم دام فضلكم في أحكام السياسة والقوانين التي أنشأها سلطان البلد أو نائبه، وأمر وألزم حكام بلده وقضائه بإجرائها وتنفيذها، هل يجوز لهم إطاعته وامتثاله لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٤) الآية، أم كيف الحكم؟ أفتونا مأجورين؛ لأن هذا شيء قد عم البلدان والأقطار؟ فأجاب: إذا كانت تلك الأحكام والقوانين عادلة غير مخالفة لكتاب الله وما صح من سنة رسوله ﷺ وجب علينا أن نعمل بها إذا وضعها أولو الأمر منا، وهم أهل الحل والعقد، مع مراعاة قواعد المعادلة والترجيح والضرورات، وإن كانت جائزة مخالفة لنصوص الكتاب والسنة التي لا

стр. 1774

خلاف فيها- لم تجب الطاعة فيها؛ للإجماع على أنه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (١) » وهذا نص حديث رواه بهذا اللفظ أحمد والحاكم، عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري، وصححوه بلفظ: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف (٢) » ، ولا يشترط أن تكون هذه القوانين موافقة لاجتهاد الفقهاء فيما أصلوه أو فرعوه برأيهم؛ لأنهم صرحوا بأن الاجتهاد من الظن، ولا يقوم دليل من الكتاب والسنة ولا من العقل والحكمة على أنه يجب على الناس أن يتبعوا ظن عالم غير معصوم، فلا يخرجوا عنه ولو لمصلحة تطلب، أو مفسدة تجتنب، ولا بغير هذا القيد. وكذلك يطاع السلطان فيما يضعه- هو أو من يعهد إليه ممن يثق بهم - من القوانين التي ليس فيها معصية للخالق، وإن لم يكونوا من أولي الأمر الذين هم أهل الحل والعقد لأجل المصلحة، لا عملا بالآية، ولكن إذا اجتمع أهل الحل والعقد ووضعوا غير ما وضعه السلطان وجب على السلطان أن ينفذ ما وضعوه دون ما وضعه هو؛ لأنهم هم نواب الأمة، وهم الذين لهم حق انتخاب الخليفة ولا يكون إماما للمسلمين إلا بمبايعتهم، فإن خالفهم وجب على الأمة تأييدهم عليه لا تأييده عليهم. وبناء على هذه القاعدة التي لا خلاف فيها عند سلف الأمة؛ لأنها مأخوذة من نصوص القرآن الحكيم. قال الخليفة الأول في خطبته الأولى: (وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني) ، وقال الخليفة الثاني على المنبر أيضا: (من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه) ، وله كلام آخر في تأييد هذه القاعدة، وقال الخليفة الثالث على المنبر أيضا: (أمري لأمركم تبع) ، وقال الخليفة الرابع في أول

стр. 1775

خطبة له وكانت بعدما علمنا من الأحداث والفتن: (ولئن رد إليكم أمركم إنكم لسعداء، وأخشى أن تكونوا في فترة) ، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١) قال (٢) . الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا: والاجتهاد الإسلامي قد أقر لولي الأمر العام من خليفة أو سواه أن يحد من شمول بعض الأحكام الشرعية وتطبيقها، أو يأمر بالعمل بقول ضعيف مرجوح إذا اقتضت المصلحة الزمنية ذلك، فيصبح هو الراجح الذي يجب العمل به، وبذلك صرح فقهاؤنا، وفقا لقاعدة (المصالح المرسلة) ، وقاعدة (تبدل الأحكام بتبدل الزمان) . ونصوص الفقهاء في مختلف الأبواب تفيد أن السلطان إذا أمر بأمر في موضوع اجتهادي- أي: قابل للاجتهاد، غير مصادم للنصوص القطعية في الشريعة- كان أمره واجب الاحترام والتنفيذ شرعا، فلو منع بعض العقود لمصلحة طارئة واجبة الرعاية، وقد كانت تلك العقود جائزة نافذة شرعا- فإنها تصبح بمقتضى منعه باطلة، وموقوفة على حسب الأمر. ٥ - وقال (٣) أيضا تعليقا على ذلك: جاء في كتاب الوقف من [الدر المختار] وحاشيته [رد المحتار] نقلا عن معروضات المولى أبي السعود - وهو مفتي المملكة العثمانية، ثم قاضي القسطنطينية في عهد السلطانين: سليمان وسليم، ومن كبار رجال المذهب الحنفي المتأخرين، المعول على فتاويهم وترجيحاتهم- أنه: صدر الأمر السلطاني بعدم نفاذ وقف

стр. 1776

المدين في القدر الذي يتوقف تسديد الدين من أمواله، قطعا لما يلجأ إليه بعض الناس من وقف أموالهم؛ لتهريبها من وجه الدائنين. وبناء على الأمر صرح الفقهاء من بعده بعدم نفاذ مثل هذا الوقف المدين، ولو كان دينا محيطا بجميع أمواله؛ لأن الدين إنما يتعلق بذمته لا بعينه. . . ومضى إلى أن قال: والمهم جدا في هذه النصوص ليس هو الموضوعات التي وردت فيها، بل المبدأ الفقهي الذي تتضمنه؛ لما له من تأثير ذي بال في شتى الأحكام. . . ومضى إلى أن قال تحت عنوان (مشكلة إعطاء هذه الصلاحية لولاة الأمور والحل الصحيح لها) قال: بقي أن يقال: إن إعطاء هذه الصلاحية لولي الأمر العام يؤدي إلى إمكان أن يتصرف هذا الحاكم بحسب هواه في تغيير الأحكام الاجتهادية وتقييدها بأوامر أو قوانين زمنية يصدرها. . إلى أن قال: والجواب: أن هذا النصوص الفقهية مفروضة في إحدى حالتين: إما أن يكون الحاكم نفسه من أهل العلم والتقوى والاجتهاد في الشريعة، كما كان في الصدر الأول من العهد العباسي. . وإما ألا يكون عالما مجتهدا، وعندئذ لا يكون لأوامره هذه الحرمة الشرعية، إلا إذا صدرت بعد مشورة أهل العلم في الشريعة وموافقتهم. ٦ - قال (١) محمد سلام مدكور تحت عنوان: (تقييد القاضي على أن يحكم بمذهب أو رأي معين) قال: إذا قيد الحاكم القاضي أن يقضي بخلاف مذهبه وبالضعيف من مذهبه - فهذا التقييد باطل، ولم نقف على

стр. 1777

خلاف في هذا بين المتقدمين من فقهاء المذاهب، والدليل على ذلك: أن القاضي مأمور أن يحكم بالحق، والحق ما يعتقده صحيحا، سواء كان الاعتقاد عن طريق بذل الجهد والنظر، أم عن طريق الاقتناع برأي إمامه والعلم بمذهبه. وهذا يتفق مع قولهم: إن من شرط صحة القضاء أن يحكم القاضي برأيه من غير تفرقة بين ما إذا قيده السلطان أو لم يقيده، ولا بين ما إذا كان القاضي مجتهدا أو مقلدا؛ لأن المقلد رأيه هو رأي إمامه الذي هو مذهبه. وفي (١) [رسائل ابن عابدين] عن أنفع الوسائل: أن القاضي المقلد لا يجوز له أن يحكم إلا بما هو ظاهر في المذهب، إلا أن ينص الفقهاء على أن الفتوى على غير ذلك، وفي (٢) [حاشية ابن عابدين على الدر] : (ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه، كما في زماننا تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعيف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه) ، وهذان النقلان يشعران بأنه إذا قيده بغير مذهبه لا يتقيد بعد بطريق الأولى، كما يشعران بأن هذا التقييد لا يتجه إلى المجتهد أيضا بطريق الأولى. كما (٣) أن ابن قدامة الحنبلي يقول: إنه لا يجوز أن يقلد القضاء الواحد على أن يحكم بمذهب بعينه عند أحمد والشافعي ولا أعلم فيه خلافا؛ لأن الحق لا يتعين في مذهب، وهذا يشعر أيضا بالإطلاق بالنسبة للقاضي مجتهدا أو مقلدا هذا الإطلاق المستفاد من كلمة (أن يقلد القضاء الواحد) ، وقد

стр. 1778

فصل (١) الماوردي الكلام في هذا التقييد وقال: إنه إما أن يكون بالنسبة لجميع الأحكام أو لبعضها، وقد نقل (٢) مثله ابن فرحون عن بعض فقهاء المالكية، وهذا التفصيل لا نرى فيه فرقا أكثر من أن ذلك الشرط إذا كان يقصد به عدم سماع القاضي بعض الدعاوى- فإنه يتقيد به، وهذا غير ما نتكلم عنه من تقييد ولي الأمر للقاضي أن يقضي بمذهب أو رأي، ومما يؤيد وجهتنا في عدم أثر هذه التفرقة ما علق به (٣) ابن فرحون على ما نقله إذ يقول: (إن جميع تلك التقييدات لا يجوز للإمام اشتراطها؛ لأنه اشتراط ما لا يجوز، ومن كان لا يقتضي إلا بما أمره به من ولاه فليس بقاض على الحقيقة) ، ولما قيد القانون في مصر من زمن بعيد القضاء في المحاكم الشرعية بالمذهب الحنفي فيما لم يرد به قانون خاص فقد استلزم ذلك أن يكون القضاء فيها مقصورا على من كان حنفي المذهب، حتى لا يحكم القاضي بخلاف مذهبه بأمر من سلطان، وبعد أن اتفق الفقهاء (٤) على بطلان تقييد السلطان للقاضي على أن يقضي بمذهب معين فقد تناولوا عقد التولية نفسه على هذا القيد بما خلاصته: أنه إذا كان تم العقد على اشتراطه، سواء أكان في صيغة العقد أو متقدما عليه- فإن عقد التولية باطل عند غير الأحناف، صحيح عندهم، وإذا كان غير مشروط في صيغة العقد فعقد التولية صحيح إجماعا.

стр. 1779

مما تقدم يتبين: أولا: الفرق بين الولاة والعلماء والرعية في القرون الأولى، والولاة والعلماء والرعية في القرون الأخيرة لهذه الأمة الإسلامية؟ لاختلاف أحوالهم علما وأمانة وعدلا، وفي قوة الثقة وضعفها، وكثرة المشاكل وقلتها، يترتب على هذا الأمر الثاني. ثانيا: الفرق بين القاضي المجتهد والمقلد. فالقاضي المجتهد يجب عليه أن يحكم فيما يرفع إليه من القضايا بما وصل إليه باجتهاده، ولا يجوز للحاكم العام إلزامه حين التولية أو بعدها أن يحكم بمذهب معين أو قول معين، فإن ألزمه بطل الشرط وصحت التولية، وقيل: يبطل الشرط والتولية جميعا، وإن كان الإلزام بعد التولية بطل الإلزام، وقضى بموجب اجتهاده. . أما القاضي المقلد فقيل فيه بما ذكر من الخلاف في حكم المجتهد، ويلزمه العمل بما قيد به ولو خالف اعتقاده. ثالثا: الفرق بين المسائل العلمية الكلية، والقضايا الجزئية، فحكم القاضي أو ولي الأمر لا يرفع الخلاف في الأولى، فيبقى لغيره حق النظر والحكم فيها بما يراه عن اجتهاد، ويرفع الخلاف في الثانية، فليس لأحد أن ينقض حكم ولي الأمر أو القاضي فيها بعينها، إلا إذا خالف نص الكتاب أو السنة الصحيحة أو الإجماع. رابعا: عموم التشريع وشموله، فلا يحتاج إلى أحد سوى الله ورسوله في التشريع، وإلى ولاة الأمور من العلماء والأمراء وأئمة المسلمين الفهم والتنفيذ لا غير، وإذا عرفت الأقوال فنشرع في الأدلة ومناقشتها:

стр. 1780

أولا: أدلة من قال بالمنع: استدل من قال بمنع الإلزام بأدلة الكتاب والسنة والإجماع: أ- أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١) فأوجب سبحانه على رسوله ﷺ أن يحكم فيما شجر بين الناس بما أعلمه الله في كتابه، وما فهمه من الوحي المنزل عليه. ومن المعلوم أنه يجب على ولاة الأمر بعده أن يحكموا بما حكم به، وإلزام القاضي ونحوه أن يحكم بما دون من القول الراجح، أو بمذهب معين، وإن كان على خلاف ما اقتنع به يتنافى مع ذلك فوجب رده؟ عملا بمقتضى الآية، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) والأقوال الراجحة في مسائل الخلاف إنما هي راجحة في نظر مرجحيها دون مخالفيهم، فلا يتعين أن تكون هي الحق الذي أنزله الله، وأمر بالحكم به بين الناس فلا يلزم القاضي ونحوه الحكم بها إذا كانت أو كان بعضها على خلاف ما يعتقده حقا في نظره بناء على اجتهاده، أو ثقته بمن قلده، ولا يصح أن يشترط عليه ذلك حين التولية، أو يلزم به بعدها. وقال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٣) فأمر تعالى من تولى الفصل في الخصومات أن يحكم فيها بين الناس بالحق، والحق لا يتعين في مذهب أو رأي بعينه، ولا في قول رجحه بعض الفقهاء، فلا يلزم القاضي

стр. 1781

ونحوه الحكم أو الفتوى به، ولا يصح أن يشترط عليه ذلك في التولية أو بعدها لجواز أن يفهم غير هذا الراجح ويقتنع به، أو يقتنع به ثقة بمن رجحه من المجتهدين، فيكون حكمه بما ألزم به حكما بغير ما اعتقده حقا، وهو حرام ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) فأوجب سبحانه الرجوع إلى حكمه الذي أوحاه إلى رسوله في الكتاب أو السنة الثابتة دون الرجوع إلى الراجح عند بعض المجتهدين في مسائل الخلاف. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) فأوجب سبحانه طاعته وطاعة رسوله في كل الأمور، وأوجب طاعة أولي الأمر من الحكام والعلماء فيما وضح أمره وظهر حكمه دون اشتباه والتباس، بدليل المقابلة بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) ٣٠ الآية، ولقوله ﵊: «إنما الطاعة في المعروف (٤) » رواه البخاري ومسلم، فعند الاختلاف في حكم من الأحكام العلمية الكلية في أصول الدين أو فروعه يجب الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله فقط؛ ليتبين الحق في محل الخلاف، وأكد سبحانه ذلك بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥) ولم يشرع لنا سبحانه الرجوع فيما اختلفنا فيه إلى القول الراجح في نظر بعض

стр. 1782

العلماء المجتهدين دون بعض؛ لأنه لم يتعين أن يكون هو الحق حتى يتفق عليه من يعتد بهم في الإجماع فيمكن أن يرجع إليه، لكونه إجماعا في نظر بعض الأصوليين، هذا وآيات القرآن في هذا المعنى كثيرة، اجتزأنا عنها بما ذكر. ب- وأما السنة: فقد قال النبي ﷺ : «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار (١) » رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، ومن عرف الحق حسب اجتهاده واقتنع به، أو اقتنع به واعتقده؛ ثقة لمقلده، وتحسينا للظن به، ثم حكم بغير ما ظهر له أنه الحق- فقد جار وأثم، وكان من أهل النار، فلا يصح أن يشترط عليه في التولية، أو يؤمر بعدها أن يحكم بغير ما ظهر له أنه الحق، وفي معنى هذا كثير من الأحاديث الصحيحة. ج- وأما الإجماع: فقد جرى العمل على ما تقدم في تولية رسول الله ﷺ القضاة وإمضائه ما اختلف فيه من الأعمال، بناء على اختلاف فهم المجتهدين في المسائل النظرية التي يعذر في مثلها من أخطأ، ثم جرى العمل على هذا في عهد الخلفاء الراشدين ومن تبعهم من ولاة وعلماء القرون المشهود لها بالخير إلى ما شاء الله، فكان هذا إجماعا عمليا يلزم الوقوف معه والعمل بمقتضاه، فلا يصح أن يلزم من تولى الفصل في الخصومات أن يحكم فيها بغير ما رجح عنده عن اجتهاد أو عن ثقة بمن قلده من المجتهدين، وإن كان ما ألزم به راجحا عند غيره.

стр. 1783

المناقشة: نوقش أولا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة من وجوب الحكم بما أنزل الله، وما جاءنا به النبي ﷺ من الحق، ولكن لا نسلم أن ما ألزم الحكم به ليس شرعا يجوز العمل به، إذ هو إلزام بما يسمى شرعا مؤولا، فهمه الفقهاء مما يسمى شرعا منزلا، وكلاهما يصح العمل بموجبه والحكم بمقتضاه، وقد يجاب: بأن مناط الاستدلال إلزام من تولى القضاء أو الإفتاء أن يحكم أو يفتي بخلاف ما يعتقده حقا لا مطلق جواز العمل أو الحكم بما يسمى: شرعا مؤولا، ولا يلزم من جواز الثاني جواز الأول. ونوقش ثانيا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة في القاضي أو المفتي المجتهد، أما المقلد فلا رأي له، بل هو مخير فيمن يتبعه من أئمة الاجتهاد، فلولي الأمر أن يلزمه بقول من أقوال من في اتباعهم خير؛ رعاية للمصلحة، وقد يجاب: بأنه وإن كان مخيرا فيمن يتبعه من الفقهاء إلا أنه قد يثق بمجتهد بناء على معرفته بسيرته وأحواله ويعتقد رجحان رأيه، فلا يجوز إلزامه القضاء أو الإفتاء بغير ما يعتقده. ونوقش ثالثا: بأن مضرة عدم إلزام القاضي أو المفتي أن يقضي أو يفتي بقول معين قد تكون أشد من مضرة إلزامه بذلك، فلولي الأمر أن يلزمه بقول معين، ولو خالف عقيدته في المسائل الاجتهادية؛ رعاية للمصلحة بارتكاب أخف المفسدتين؛ تفاديا لأشدهما، وقد يقال: إن معرفة ذلك تتوقف على معرفة الآثار المترتبة على كل منهما، وسيأتي بحث ذلك. ثانيا: أدلة من قال بجواز الإلزام أو وجوبه: استدل من قال بجواز إلزام القاضي أو المفتي بمذهب أو قول معين-

стр. 1784

بالدواعي والأسباب الطارئة التي اقتضت ضرورة تدوين أحكام المعاملات وإلزام القضاة والمفتين أن يعملوا بموجبها. . كما استدلوا بآثار عن السلف ووقائع قضوا فيها، ومن لم يثبت عنه قول في ذلك ولا عمل به سكت ولم ينكر، فكان سكوته تقريرا، وصار ذلك إجماعا على مشروعية الإلزام.

стр. 1785

وفيما يلي تفصيل ذلك مع المناقشة. أولا: الدواعي والأسباب التي تبرر التدوين والإلزام: أ- وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة أدت إلى اتهام القضاة باتباع الهوى فيما يقضون. . إلخ، ويمكن أن يناقش ذلك بأن أحكام القضاة التي قيل فيها: إنها متناقضة قد يكون اختلاف الحكم فيها ناشئا عن اختلاف الظروف والأحوال في القضيتين، وتابعا للملابسات والدلائل والأمارات المختلفة فيهما، فيظن من نظر إلى أصل القضيتين دون ما أحاط بهما تماثل القضيتين، ويحكم بتناقض الحكم فيهما حسب نظره، والواقع أنه لا تناقض، بل هذا من اختلاف الحكم لاختلاف الملابسات، وقد يكون تقابل الحكمين واختلافهما ناشئا عن اختلاف اجتهاد القاضيين، أو عن تغير اجتهاد القاضي، وهذا سائغ شرعا، بل الواجب على القاضي أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده حين الفصل في القضية الحاضرة، ولو خالف اجتهاده فيها اجتهاده في قضية سابقة مماثلة، وإن قدر أنه لم يفعل ذلك كان آثما، ولهذا نظير في أحكام الخلفاء الراشدين، بل اختلف الحكم في قضاء الصحابي الواحد، مثاله: ما حكم به عمر بن الخطاب في قضية ميراث، ومثيلتها من حرمان الإخوة الأشقاء أولا من الميراث في قضية وتشريكهم مع الإخوة للأم في الثلث بعد ذلك في مثيلة

стр. 1786

الأولى، ولم يبعث ذلك ريبة في القاضي للثقة بعلمه وعدله وأمانته، ولم يحملهم ذلك على التفكير في اختيار رأي واحد يلتزمون القضاء به، وقد يكون الاختلاف ناشئا من قصور القاضي في علمه أو في تطبيقه أو غير ذلك، فيكون طريق الخلاص من ذلك النهوض بالقضاة علميا، وتدريبهم على التطبيق، إلى غير هذا مما سيأتي بيانه. ب- عدم وجود كتاب في المعاملات سهل العبارة يتعرف منه الناس أحكام المعاملات التي يفصل بها في الخصومات؟ ليراعوها، ويوفقوا بينها وبين أعمالهم. . إلخ ما تقدم في الدواعي. ونوقش ذلك بما يأتي: ١ - الخلاف بين الفقهاء في الأحكام الفقهية قديم، وكان القاضي يعين منهم، وليس له فقه مدون فيقضي باجتهاده، وأحيانا يعين حنفيا أو مالكيا أو شافعيا أو حنبليا فيقضي بالفقه المدون، في مذهب الإمام الذي انتسب إليه، وقد يؤديه اجتهاده إلى القضاء بقول في غير مذهب إمامه، ولم يتوقف وجوب رجوع المتخاصمين في الحقوق إلى التقاضي أمام المحاكم الشرعية على معرفة الرعية بشيء من الأحكام قبل بدئهم في العمل أو قبل التقاضي أكثر من أن القاضي سيحكم بينهم بما أداه إليه اجتهاده أو اجتهاد إمامه في الكتاب والسنة وما تفرع عنهما، فكان ذلك منهم إلغاء لاعتبار هذا السبب في تدوين الراجح عند بعض الفقهاء وإلزام القضاة العمل به. ٢ - إن هذا الداعي أو السبب مجرد فرض ومحض تقدير. وبيانه: أن القوانين الوضعية مدونة، ولها لوائح تفسيرية، ومع ذلك يجهلها السواد الأعظم من الأمة قبل العمل وقبل التقاضي عند الخلاف،

стр. 1787

وإنما يعرفها القليل من المتعلمين؛ ولهذا يوكلهم السواد الأعظم في التقاضي، لجهلهم بمراجع القضاء في الحكم وقصورهم عن الدفاع، فكان ما ذكر مجرد تقدير لا يتفق مع واقع الأمم. ٣ - إنه على تقدير معرفة الناس بأحكام كلية حددت لهم فهي مما تختلف فيه الأفهام في التطبيق على جزئيات القضايا والوقائع، وخاصة إذا اختلفت الظروف والملابسات التي تحيط بالقضايا، فلا يزول ما تصور من الإشكال بالتدوين الخاص والإلزام بما فيه. ٤ - إذا رضي السواد الأعظم في كل أمة تتحاكم إلى القوانين الوضعية بالتقاضي إلى محاكمهم مع جهلهم بهذه القوانين- وجب أن يرضوا بالتحاكم إلى المحاكم الشرعية مع جهلهم بتفاصيل مراجعهم في المعاملات، بل الرضا بهذه المحاكم أولى؛ لأن مراجعها أعدل وأحكم، إذ هي مستقاة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقضاة المحاكم الشرعية أقرب إلى الخير والعدالة، وأحرص على الحق، وأكثر تحريا له، وأبعد عن الهوى وبواعث الجور. ج- تهرب بعض الناس من رفع قضاياه للمحاكم الشرعية بالمملكة إلى رفعها لمحاكم في دول أجنبية. . إلى آخر ما تقدم في الدواعي. . ويمكن أن يناقش بأن التهرب من المحاكم الشرعية ليس ناشئا من عدم تدوين الأحكام، فإنها مدونة ميسور الاطلاع عليها وفهمها وتحقيق الحق منها لمن راض نفسه على البحث فيها، وليس من ترك الاقتصار على الراجح وإلزام القضاة به خاصة. فإن القوانين الوضعية قد دونت وجعلت أحكاما موحدة منظمة معها أرقامها، وألزم قضاتها بالعمل بها، فمع ذلك اختلفوا

стр. 1788

في فهمها أحيانا وفي تطبيقها أكثر، ووقع في الحكم بها اختلاف وأخطاء ونقض بعضها في محاكم الاستئناف، فلم يكن الاقتصار على أحكام موحدة في دولة ما، ولا الإلزام بها مانعا من الاختلاف ولا من الخطأ في فهمها أو تطبيقها، ولا من الخطأ عن إهمال أو هوى، وإذن فما وقع من الخطأ في الأحكام القضائية ليس مرده عدم الإلزام بقول واحد، وإنما مرده إلى عدم النهوض بالقضاة علميا، وقلة تدريبهم على تطبيق الأحكام على الوقائع. . إلى غير هذا من عدم توفر الوسائل والنظم التي لا بد منها؛ لتفادي الأخطاء أو تقليلها، فبذلك ضعفت الثقة عند بعض الناس، وتمكنت الريبة فيهم، فكان ما قيل من التهرب من التقاضي أمام المحاكم الشرعية واللجوء إلى غيرها. أما الأجانب فيلزمون بما ذكر في عقودهم من الشروط الخاصة بعقدهم، وهم أدرى بمقتضاه فنيا، ويطبق عليهم ذلك كما يطبق عليهم ما ذكر في العقد الموحد من الخضوع للأحكام المعمول بها في المملكة، وقد دخلوا على ذلك عند التعاقد باختيارهم مع عقل ورشد، فيلزم كل بما التزم به، وليس لدولته التدخل في ذلك مع معرفته إجمالا بما دخل عليه، فيجب حل الإشكال بما أشير إليه من قبل إجمالا، وسيأتي شرحه دون اللجوء إلى التدوين والإلزام بما دون من القول الراجح. وقد يقال: إن اختلاف الأحكام القضائية في صدر الإسلام لم يبعث على تدوين أحكام موحدة ولا على الإلزام برأي معين؛ لقوة العلماء في ذلك العهد وكفايتهم وقلة الاختلاف في الأحكام، وندرة المشاكل، فتوفرت الثقة في نفوس الأمة وأمنت الفتنة؛ فلهذا وأمثاله لم تلجئهم حاجة

стр. 1789

إلى ما ذكر من التدوين ولا إلى إلزام القضاة بقول معين، أما اليوم وقد صار أمر الناس إلى خلاف ذلك، فالحاجة ملحة، والضرورة إلى التدوين على الطريقة المقترحة والإلزام بالحكم بمقتضى ما دون- أمر لا بد منه؛ رعاية للمصلحة، وحفظا لحقوق الأمة، وإبقاء على العمل بأحكام الشريعة في المحاكم الشرعية. ويقال أيضا: إن الخطأ في الفصل في الخصومات وإن كان لا يزال متوقعا بعد الاقتصار على القول الراجح إلا أنه أقل وأخف خطرا؛ لأنه بالتزام العمل بالقول الراجح تنحصر الأخطاء في تطبيقه على الوقائع بعد تحقيقها وتشخيصها، ومن المعلوم شرعا: أن المفاسد إذا لم يمكن القضاء عليها وجب بذل الجهد لتقليلها. ثانيا: استدل من قال بجواز الإلزام بأدلة من الكتاب والسنة والآثار: أ- أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) فأمر سبحانه بطاعة أولي الأمر، وهم: الأمراء والعلماء، وقرن حق طاعتهم بحق طاعته وطاعة رسوله ﷺ إلا أن حق طاعة الله وطاعة رسوله عام في كل شيء وفي كل حال، وحق طاعة أولي الأمر خاص بالمعروف، فتجب طاعتهم فيما وافق الكتاب والسنة، وفيما لم يكن فيهما لكنه لم يتعارض معهما إذا أمروا به؛ رعاية للمصلحة. ونوقش ذلك: بما تقدم بيانه من أن طاعتهم فيما وضح حكمه، واتفقت عليه الأمة، أما ما اشتبه أمره واختلف فيه العلماء فالمرجع في فصل النزاع

стр. 1790

فيه الكتاب والسنة بدليل قوله تعالى في نفس الآية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) الآية، ولذا استدل علماء الأصول بهذه الآية على حجية الإجماع، وبذلك تكون الآية دليلا على المنع لا على الجواز، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٣) فأمر تعالى رسوله ﷺ أن يستشير أصحابه في الأمر ينزل به أو بالمسلمين، وأثنى على خيار المؤمنين بأن من شأنهم أن يتشاوروا بينهم، وقرن ذلك بثنائه عليهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وبالتناصر عند البغي عليهم؛ ردا للعدوان، ونصرة للحق، وغير هذا من الأفعال الواجبة، والصفات الحميدة، ولا شك أن القضاء والفصل في الخصومات من أهم شئون المسلمين فينبغي تعاون القضاة مع كبار العلماء في حل مشاكل القضاء والعمل بمشورتهم، ليكون القاضي على بصيرة فيما يحكم به بدلا من أن يستقل في ذلك بنفسه، فيكون عرضة لكثرة الخطأ والتناقض في أحكامه، ويكفيه أن يتحمل مشقة البحث في تشخيص القضايا وعناء تطبيق ما اختاره كبار العلماء من الأقوال على الوقائع والقضايا الجزئية بعد تحقيقها. ب- وأما السنة: فقد كان النبي ﷺ يستشير أصحابه في شئونه وشئون الأمة، من ذلك أنه استشار الصحابة في أمر أم المؤمنين عائشة ﵂، كما هو معروف في قصة الإفك، ومنها استشارته إياهم في غزواته:
следующие страницы →