← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

في الإمام الأعظم، وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، فكذا القاضي، لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام؛ لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به -وبعد سياقه الحديث: "القضاة ثلاثة" قال: إلا أنه لو قلد جاز عندنا؛ لأنه يقدر على القضاء بالحق بعلم غيره بالاستفتاء من الفقهاء، فكان تقليده جائزا في نفسه، فاسد المعنى في غيره، والفاسد لمعنى في غيره يصلح للحكم عندنا مثل الجائز حتى ينفذ قضاياه التي لم يجاوز فيها حد الشرع، وهو كالبيع الفاسد، إنه مثل الجائز عندنا في حق الحكم كذا هذا. انتهى. ٣ - قال (١) عثمان بن علي الزيلعي على قول صاحب [الكنز] : (والاجتهاد شرط الأولوية- قال: - لأنه أقدر على الحكم بالحق، واختلفوا في حد الاجتهاد. قيل: أن يعلم الكتاب بمعانيه، والسنة بطرقها، والمراد يعلمها على ما يتعلق به الأحكام منه، ومعرفة الإجماع والقياس؛ ليمكنه استخراج الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلتها بطريقها. ولا يشترط معرفة الفروع التي استخرجها المجتهدون بآرائهم، وقال بعضهم: يشترط مع هذا: أن يكون عارفا بالفروع المبنية على اجتهاد السلف؛ كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما من المجتهدين، وقال بعضهم: من حفظ المبسوط ومذهب المتقدمين فهو من أهل الاجتهاد، والأشبه أن يقال: أن يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه يعرف معاني الآثار،

стр. 1717

وصاحب فقه له معرفة بالحديث؛ كيلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه، وقيل: لا بد مع هذا من أن يكون صاحب قريحة يعرف بها عادات الناس؛ لأن كثيرا من الأحكام مبني عليها. انتهى. ب- المذهب المالكي: ١ - يشترط (١) في القاضي أن يكون مجتهدا، فلا تنعقد إلا له إن وجد، وإلا فمقلد، ويجب عليه العمل بالمشهور في مذهب إمامه، واعلم أنه أراد بالمجتهد المطلق، وأما غير المطلق فهو داخل في المقلد، وهو قسمان: مجتهد مذهب، وهو الذي يقدر على إقامة الأدلة، ومجتهد الفتوى، وهو الذي يقدر على الترجيح، وما ذكره من أن تولية المقلد مع وجود المجتهد باطل قول، والقول الآخر: أنها صحيحة، وعليه طائفة أيضا، كالمازري وغيره، وعليه العمل في زمن مالك وغيره ممن قبله وممن بعده من المجتهدين، فكان ينبغي الاقتصار عليه. ٢ - يشترط في صحة تعيين القاضي: أن يكون مجتهدا مطلقا إن وجد، وإلا فمجتهد مذهب أو فتوى، وهو الذي يضبط المسائل المنقولة ويقوى على استخراج ما ليس فيه نص بقياس على المنقول في مذهب إمامه وباعتبار قاعدة كلية، وقيل: الاجتهاد المطلق شرط كمال التولية وتقديم الأمثل، وهو مجتهد المذهب على المقلد المحض ليس بشرط صحة في

стр. 1718

التولية على الأصح، بل قال بعضهم: يصح تولية غير العالم حيث شاور العلماء. ج- المذهب الشافعي: ١ - قال الماوردي: ولا يجوز أن يقلد القضاء من تكاملت فيه شروطه التي يصح معها تقليده، وينفذ بها حكمه وهي سبعة. . . إلى أن قال: والشرط السابع: أن يكون عالما بالأحكام الشرعية، وعلمه يشتمل على أصولها، والارتياض بفروعها. ثم فصل الكلام بما ينطبق على المجتهد المطلق. ثم قال بعد ذلك: فإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة في أحكام الشريعة صار بها من أهل الاجتهاد في الدين، وجاز له أن يفتي ويقضي، وجاز له أن يستفتى ويستقضى، وإن أخل بها أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد فلم يجز أن يفتي ولا أن يقضي، فإن قلد القضاء فحكم بالصواب أو الخطأ كان تقليده باطلا، وحكمه -وإن وافق الصواب- مردود، وتوجه الحرج فيما قضى به عليه وعلى من قلده الحكم والقضاء، وجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد؛ ليستفتى في أحكامه وقضاياه، والذي عليه جمهور الفقهاء: أن ولايته باطلة، وأحكامه مردودة، ولأن التقليد في فروع الشريعة ضرورة فلم يتحقق إلا في ملتزم الحق دون ملزمه. ثم قال: ويجوز لمن اعتقد مذهب الشافعي أن يقلد القضاء من اعتقد مذهب أبي حنيفة؛ لأن للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه، ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه. فإذا كان شافعيا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها، فإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي

стр. 1719

حنيفة عمل عليه وأخذ به، وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره فمنع الشافعي أن يحكم بقول أبي حنيفة، ومنع الحنفي أن يحكم بمذهب الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه لما يتوجه إليه من التهمة والممايلة في القضاء والأحكام، وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كان أنفى للتهمة، وأرضى للخصوم، وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه؛ لأن التقليد فيها محظور، والاجتهاد فيها مستحق. وإذا نفذ قضاؤه بحكم وتجدد مثله من بعد أعاد الاجتهاد فيه، وقضى بما أداه اجتهاده إليه، وإن خالف ما تقدم من حكمه، فإن عمر رضي الله تعالى عنه قضى في المشتركة بالتشريك في عام، وترك التشريك في غيره، فقيل له: ما هكذا حكمت في العام الماضي؟ فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي. ٢ - وبعد (١) أن ذكر الرملي: أن الاجتهاد شرط في تولية القضاء، قال بعد ذلك: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية، ولا مقلد وهو: من حفظ مذهب إمامه لكنه غير عارف بغوامضه وقاصر عن تقرير أدلته؛ لأنه لا يصلح للفتوى، فالقضاء أولى. . . ومضى إلى أن قال: واجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، إما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع، فإنه مع المجتهد، كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه، كما لا يجوز له

стр. 1720

الاجتهاد مع النص (فإن تعذر جمع هذه الشروط) أو لم يتعذر، كما هو ظاهر مما يأتي فذكر التعذر تصوير لا غير (فولى السلطان أو من له شوكة) . . . (فاسقا أو مقلدا) (ولو جاهلا) نفذ قضاؤه الموافق لمذهبه المعتد به، وإن زاد فسقه (للضرورة) لئلا تتعطل مصالح الناس. . . ويجب عليه رعاية الأمثل فالأمثل؛ رعاية لمصلحة المسلمين، وما ذكر في المقلد محله إن كان ثم مجتهد، وإلا نفذت تولية المقلد، ولو من غير ذي الشوكة. . . ومعلوم أنه يشترط في غير الأهل معرفة طرف من الأحكام. . . ويلزم قاضي الضرورة بيان مستنده في سائر أحكامه، كما أفتى بذلك الوالد ﵀، ولا يقبل قوله: حكمت بكذا من غير بيان مستنده فيه، وكأنه لضعف ولايته. انتهى المقصود. د- المذهب الحنبلي: ١ - قال (١) في [المنتهى وشرحه] : فيجب على الإمام أن ينصب بكل إقليم قاضيا. . . إلى أن قال: وعلى الإمام أن يختار لذلك أفضل من يجده علما وورعا؛ لأن الإمام ينظر للمسلمين فوجب عليه تحري الأصلح لهم. ٢ - وقال (٢) أيضا: وله أن يولي قاضيا من غير مذهبه. ٣ - وقال (٣) أيضا بعد ذكره لشروط الاجتهاد: فمن عرف أكثر ذلك فقد صلح للفتيا والقضاء؛ لتمكنه من الاستنباط والترجيح بين الأقوال، قال في

стр. 1721

(آداب المفتي) : ولا يضر جهله بذلك؛ لشبهة أو إشكال، لكن يكفيه معرفة وجوه دلالة الأدلة، وكيفية أخذ الأحكام من لفظها ومعناها، وزاد ابن عقيل في [التذكرة] ، ويعرف وجوه الاستدلال، واستصحاب الحال، والقدرة على إبطال شبه المخالف، وإقامة الدليل على مذهبه. ٤ - وقال (١) أبو يعلى: فأما ولاية القضاء فلا يجوز تقليد القضاء إلا لمن كملت فيه سبع شرائط. . . ومضى إلى أن قال: فإذا عرف ذلك صار من أهل الاجتهاد، ويجوز له أن يفتي ويقضي، ومن لم يعرف ذلك لم يكن من أهل الاجتهاد، ولم يجز له أن يفتي ولا أن يقضي، فإن قلد القضاء كان حكمه باطلا، وإن وافق الصواب؛ لعدم الشرط. ٥ -قال (٢) الخرقي ﵀: ولا يولى قاض حتى يكون بالغا عاقلا مسلما حرا عادلا عالما فقيها ورعا. ٦ - قال (٣) ابن قدامة ﵀: الشرط الثالث: أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه فصل الخصائم، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز، كما يحكم بقول المقومين. ولنا قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤) ولم يقل

стр. 1722

بالتقليد، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١) وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) وروى بريدة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار (٣) » رواه ابن ماجه. والعامي يقضي على جهل. ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فتيا وإلزام، ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحكم أولى. . . ويخالف قول المقومين؛ لأن ذلك لا يمكن الحاكم معرفته بنفسه بخلاف الحكم. وبعد أن شرح الاجتهاد قال: وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه. فإن قيل: هذه شروط لا تجتمع فكيف يجوز اشتراطها؟ قلنا: ليس من شرطه أن يكون محيطا بهذه العلوم إحاطة تجمع أقصاها، وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا، فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب خليفتا رسول الله ﷺ ووزيراه وخير الناس بعده في حال إمامتهما يسألان عن الحكم فلا يعرفان ما فيه من السنة يسألان الناس فيخبران، فسئل أبو بكر عن ميراث الجدة؟ فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم لك في سنة رسول الله ﷺ شيئا، ولكن ارجعي حتى أسأل

стр. 1723

الناس، ثم قام فقال: أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله ﷺ في الجدة؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أعطاها السدس. وسأل عمر عن إملاص المرأة؟ فأخبره المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قضى فيه بغرة، ولا يشترط معرفة المسائل التي فرعها المجتهدون في كتبهم، فإن هذه فروع فرعها الفقهاء بعد حيازة الاجتهاد، فلا تكون شرطا له، وهو سابق عليها. وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهدا في كل المسائل. . . ثم قال: وإنما المعتبر أصول هذه الأمور، وهو مجموع مدون في فروع الفقه وأصوله، فمن عرف ذلك ورزق فهمه كان مجتهدا، له الفتيا وولاية الحكم إذا وليه. انتهى. ٧ - يشترط (١) فيمن يولى القضاء: أن يكون مجتهدا مطلقا إن تيسر وإلا جاز تولية مجتهد مذهب للحاجة، فإن لم يتيسر جاز تولية المقلد للحاجة، وإلا تعطلت أحكام الناس. اهـ. ٨ - جاء في [الكشاف] (٢) في أثناء الكلام على شروط القاضي (مجتهدا) إجماعا ذكره ابن حزم؛ ولأنهم أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت تقليد رجل لا يحكم ولا يفتي إلا بقوله؛ لأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله، ولا المفتي (٣) لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا، فالحاكم أولى (ولو) كان اجتهاده (في مذهب

стр. 1724

إمامه) (إذا لم يوجد غيره) (لضرورة) لكن في [الإفصاح] : أن الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم، ثم ذكر أن الصحيح في هذه المسألة: أن قول من قال: إنه لا يجوز تولية غير مجتهد فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار ما استقرت عليه هذه المذاهب. وقال الموفق في خطبة [المغني] : النسبة إلى إمام في الفروع، كالأئمة الأربعة ليست بمذمومة، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة قاطعة (واختار في [الإفصاح والرعاية] : أو مقلدا) . قال في [الإنصاف] : (وعليه عمل الناس من مدة طويلة، وإلا تعطلت أحكام الناس، وكذا المفتي) . قال ابن يسار: ما أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي بها، وظاهر نقل عبد الله مفت غير مجتهد، ذكره القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة (فيراعي كل منهما ألفاظ إمامه) و (يراعي من أقواله) متأخرا، ويقلد كبار مذهب في ذلك، ويحكم به ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، ولا يخرج عن الظاهر عنه. ٩ - وقال (١) شيخ الإسلام ابن تيمية: وسئل بعض العلماء إذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل دين، فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم.

стр. 1725

وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين، فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلا، أهلا للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدا أو يجوز أن يكون مقلدا، أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما يتيسر؟ على ثلاثة أقوال. . . إلخ. ١٠ - وقال (١) أيضا: وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان. . . كل ذلك واجب مع القدرة، فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وجاء (٢) معنى ذلك عن ابن القيم ﵀.

стр. 1726

ج- أقوال فقهاء الإسلام فيما يحكم به كل منهم إذا تولى القضاء مجتهدا كان أم مقلدا . أ- المذهب الحنفي: ١ - قال (١) ابن عابدين: لو قضى في المجتهد فيه مخالفا لرأيه فيه ناسيا نفذ عنده، وفي العامد روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين، واختلف الترجيح. قال في [الفتح] : والوجه الآن: أن يفتي بقولهما؛ لأن التارك لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كله في القاضي المجتهد، أما القاضي المقلد، فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة، فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم.

стр. 1727

٢ - وقال أيضا تحت مطلب قضاء القاضي بغير مذهبه ما نصه: وحاصل هذه المسألة: أنه يشترط لصحة القضاء: أن يكون موافقا لرأيه -أي: لمذهبه- مجتهدا كان أو مقلدا، فلو قضى بخلافه لا ينفذ، لكن في [البدائع] : إذا كان مجتهدا ينبغي أن يصح، ويحمل على أنه اجتهد فأداه اجتهاده إلى مذهب الغير. انتهى. ٣ - وقال (١) أيضا تحت مطلب الحكم بما خالف الكتاب والسنة والإجماع: قلت: لكن قد علمت: أن عدم النفاذ في متروك التسمية بني على أنه لم يختلف فيه السلف، وأنه لا اعتبار بوجود الخلاف بعدهم، وحينئذ فلا يفيد احتمال الآية أوجها من الإعراب. نعم على ما يأتي من تصحيح اعتبار اختلاف من بعدهم يقوي ما في هذا البحث ويؤيده ما في الخلاصة من أن القضاء بحل متروك التسمية عمدا جائز عندهما، لا عند أبي يوسف، وكذا ما في [الفتح] عند [المنتقى] من أن العبرة في كون المحل مجتهدا فيه اشتباه الدليل لا حقيقة الخلاف. ٤ - (ويأخذ) (٢) القاضي، كالمفتي (بقول أبي حنيفة على الإطلاق، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد، ثم بقول زفر والحسن بن زياد (وهو الأصح) منية وسراجية وعبارة النهر، ثم بقول الحسن فتنبه، وصحح في [الحاوي] اعتبار قوة المدرك، والأول أضبط. نهر (ولا يخير إلا إذا كان مجتهدا، بل المقلد متى خالف معتمد مذهبه لا ينفذ حكمه، وينقض، هو المختار للفتوى، كما بسطه المصنف في فتاويه وغيره. . .

стр. 1728

وفي القهستاني وغيره. اعلم أن كل موضع قالوا: الرأي فيه للقاضي، فالمراد: قاضي له ملكة الاجتهاد. انتهى، وفي الخلاصة: وإنما ينفذ القضاء في المجتهد فيه إذا علم أنه مجتهد فيه وإلا فلا. ٥ - قال ابن عابدين على قول صاحب الدر: (والأول أضبط) قال: لأن ما في [الحاوي] خاص فيمن له اطلاع على الكتاب والسنة، وصار له ملكة النظر في الأدلة، واستنباط الأحكام منها، وذلك هو المجتهد المطلق، أو المقيد، بخلاف الأول، فإنه يمكن لمن هو دون ذلك. وقال أيضا على قول صاحب [تنوير الأبصار] : (ولا يخير إلا إذا كان مجتهدا) أي: لا يجوز له مخالفة الترتيب المذكور، إلا إذا كان له ملكة يقتدر بها على الاطلاع على قوة المدرك، وبهذا رجع القول الأول إلى ما في [الحاوي] من العبرة في المفتي المجتهد؛ لقوة المدرك، نعم فيه زيادة تفصيل سكت عنها [الحاوي] ، فقد اتفق القولان على أن الأصح: هو أن المجتهد في المذهب من المشايخ الذين هم أصحاب الترجيح لا يلزمه الأخذ بقول الإمام على الإطلاق، بل عليه النظر في الدليل وترجيح ما رجح عنده دليله، ونحن نتبع ما رجحوه واعتمدوه، كما لو أفتوا في حياتهم. . إنه إن لم يكن مجتهدا فعليه تقليدهم واتباع رأيهم، فإذا قضى بخلافه لا ينفذ حكمه. ٦ - قال (١) الكاساني: فأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، فإن عرف

стр. 1729

أقاويل أصحابنا وحفظها على الاختلاف والاتفاق- عمل بقول من يعتقد قوله حقا على التقليد، وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا، وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد: فمن أصحابنا من قال: له أن يأخذ بقوله، ونرجو ألا يكون عليه شيء؛ لأنه إذا لم يكن من أهل الاجتهاد بنفسه وليس هناك سواه من أهل الفقه مست الضرورة إلى الأخذ بقوله، قال الله ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) ولو قضى بمذهب خصمه وهو يعلم ذلك لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه قضى بما هو باطل عنده في اعتقاده فلا ينفذ، كما لو كان مجتهدا فترك رأي نفسه وقضى برأي مجتهد يرى رأيه باطلا - فإنه لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه قضى بما هو باطل في اجتهاده، كذا هنا، ولو نسي القاضي مذهبه فقضى بشيء على ظن أنه مذهب نفسه ثم تبين أنه مذهب خصمه ذكر في [شرح الطحاوي] : أن له أن يبطله، ولم يذكر الخلاف؛ لأنه إذا لم يكن مجتهدا تبين أنه قضى بما لا يعتقده حقا فتبين أنه وقع باطلا، كما لو قضى وهو يعلم أن ذلك مذهب خصمه. ٧ - قال (٢) علي بن خليل الطرابلسي في معرض بحثه الركن الثاني من أركان القضاء، والمقضي به، واجتهد القاضي في القضاء- قال ما نصه: ثم لا بد من معرفة فصلين: أحدهما: إذا اتفق أصحابنا في شيء قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏: لا ينبغي للقاضي أن يخالفهم

стр. 1730

برأيه؛ لأن الحق لا يعدوهم، فإن أبا يوسف كان صاحب حديث حتى روي أنه قال: أحفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ، فإذا كان يحفظ من المنسوخ هذا القدر، فما ظنك بالناسخ، وكان صاحب فقه ومعنى أيضا، ومحمد صاحب قريحة يعرف أحوال الناس وعاداتهم، وصاحب فقه ومعنى؛ ولهذا قل رجوعه في المسائل، وكان مقدما في معرفة اللغة، وله معرفة في الأحاديث أيضا. وأبو حنيفة ﵀ كان مقدما في ذلك كله، إلا أنه قلت روايته لمذهب خاص له في باب الحديث، وهو أنه إنما تحل رواية الحديث عنده إذا كان يحفظ الحديث من حين سمع إلى أن يروى. ثم ذكر بعد ذلك طريقة الأخذ فيما إذا اختلف بعضهم عن بعض. ٨ - وقال (١) أيضا في معرض بحثه نقض القاضي أحكام نفسه- قال ما نصه: وذكر القاضي أبو بكر الرازي الخلاف فيما إذا قضى بخلاف مذهبه وقد نسيه، فأما متى حكم بخلاف مذهبه حال ذكر مذهبه لا يجوز حكمه بالإجماع. . أما إذا لم يكن للقاضي رأي وقت القضاء فقضى برأي غيره، ثم ظهر للقاضي رأي بخلاف ما قضى هل ينقض قضاؤه؟ قال محمد: ينقض قضاؤه؛ لأن رأيه في حق وجوب القضاء عليه بمنزلة النص؛ لأنه

стр. 1731

يوجب القضاء عليه، كالنص، ولو قضى برأيه ثم تبين نص بخلافه ينقض قضاؤه، فكذا هذا، وقال أبو يوسف: لا ينقض. ب- المذهب المالكي: ١ - ويجب (١) على كل من الخليفة والقاضي إذا لم يكن مجتهدا مطلقا أن يحكم بالراجح من مذهب إمامه أو أصحاب إمامه لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه، وكذا المفتي، فإن حكم بالضعيف نقض حكمه إلا إذا لم يشتهر ضعفه وكان الحاكم به من أهل الترجيح وترجح عنده ذلك الحكم - فلا ينقض، وإن حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه، لكن القول بأنه يلزمه الحكم بمذهب إمامه ليس متفقا عليه، حتى قيل: ليس مقلده رسولا أرسل إليه، بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه ألا يحكم إلا بمذهب إمامه، فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط للمصلحة. ٢ - وسئل القرافي: هل يجب على الحاكم ألا يحكم إلا بالراجح عنده، كما يجب على المجتهد ألا يفتي إلا بالراجح عنده، أو له أن يحكم بأحد القولين وإن لم يكن راجحا عنده؟ فأجاب قائلا: إن الحاكم إن كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور من مذهبه، وأن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده، مقلدا في رجحان القول المحكوم به

стр. 1732

إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا، وأما اتباع الهوى في الحكم أو الفتيا، فحرام إجماعا. . . إلخ. ٣ - جاء في [الشرح الكبير والدسوقي] ما ملخصه: ونقض القاضي ما تبين له خطؤه من أحكامه أو أحكام غيره وبين السبب، فهذا إما مطلقا أو مجتهد مذهب، وذلك فيما إذا خالف نصا قاطعا أو جليا من كتاب أو سنة أو خالف إجماعا، وله أمثلة كثيرة، منها: ما لو خرج عن رأيه إذا كان مجتهدا وادعى أنه أخطأ؛ فينقضه فقط. وأما لو ثبت ببينة أنه أخطأ أو بقرينة؛ فإنه ينقضه هو وغيره، أو خرج المقلد عن رأي إمامه خطأ وادعى أنه أخطأ وصار ما حكم به قول عالم وقد كان قاصدا الحكم بقول غيره وكان مفوضا في الحكم بأي قول قوي من أقوال علماء مذهبه- فينقضه فقط. وأما إن صادف حكمه قول غير عالم لم يقصد الحكم بقول عالم معين، أو قصد الحكم بقول عالم فحكم بغيره- فينقض حكمه هو وغيره، وإن تجدد المماثل فالاجتهاد فيها مطلوب إن كان الحاكم مجتهدا، وإن كان مقلدا فلا يتعدى حكمه الأول أيضا إلى المماثل، بل يحكم بمثل ما حكم به أولا؛ لحكمه بقول إمامه دائما، إلا أن يكون من أهل الترجيح في المذهب فله مخالفة الأول، إن ترجح عنده مقابله. ج- المذهب الشافعي: ١ - قال (١) النووي وجلال الدين المحلي: (ويحكم باجتهاده إن كان

стр. 1733

مجتهدا أو اجتهاد مقلده) بفتح اللام (إن كان مقلدا) بكسرها حيث ينفذ قضاء المقلد. ٢ - وقال (١) قليوبي على قول النووي: (أو اجتهاد مقلده) أي: المعتمد عند مقلده إن لم يكن هو متبحرا، وإلا فباعتماده، ولا يجوز له الحكم بغير مذهبه. ٣ - وقال (٢) الرملي على قول النووي: (مجتهد) قال: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية ولا مقلد. . . ومضى إلى أن قال بعد بيان صفة المجتهد المطلق: اجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، أما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع، فإنه مع المجتهد، كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه، كما لا يجوز له الاجتهاد مع النص. ٤ - قال (٣) الإمام فخر الدين في كتابه [ملخص البحر] : لا يجوز لمفت على مذهب إمام أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته في ذلك المذهب، وأما المقلد فلا يجوز له الحكم بغير مذهب مقلده، إذا ألزمناه اتباعه، ذكره الغزالي، واقتصر عليه في الروضة وغيرها، وقال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد في هذا الزمان أن يحكم بغير مذهبه، فإن فعل نقض لفقد الاجتهاد، وكذا في أدب القضاء للغزي كلام ابن الصلاح، ومرادهم بالمقلد: من

стр. 1734

حفظ مذهب إمام ونصوصه، لكن عاجز عن تقويم -وفي نسخة تقديم- أدلته غير عارف بغوامضه. اهـ بواسطة المنقور. د- المذهب الحنبلي: سبقت نقول عن ابن قدامة ﵀ وغيره من الحنابلة على هذه المسألة في أثناء الكلام على حكم التولية للمجتهد ومن ذكر معه. وفيما يلي نقول أخرى: ١ - وعلى المقلد (١) أن يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، ومخالفة المقلد في فتواه نص إمامه، كمخالفة المفتي نص الشارع. وقال الشيخ تقي الدين: يحرم الحكم والفتيا بالهوى إجماعا، وبقول أو وجه من غير نظر في الترجيح إجماعا، ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له أو عليه إجماعا. ٢ - فوائد (٢) ملخصها: لو أداه اجتهاده إلى حكم لم يجز له تقليد غيره إجماعا، وإن لم يجتهد لم يجز أن يقلد غيره أيضا مطلقا، على الصحيح من المذهب. قال ابن مفلح في أصوله: قاله أحمد وأكثر أصحابه. وعنه يجوز مع ضيق الوقت، وقيل: يجوز تقليد من هو أعلم منه، وفي هذه المسألة للعلماء عدة أقوال غير ذلك، وليس لمن انتسب إلى مذهب إمام في مسألة ذات قولين أو وجهين أن يتخير فيعمل أو يفتي بأيهما شاء، بل إن علم

стр. 1735

بتاريخ القولين عمل بالمتأخر منهما. إذا وجد من ليس أهلا للتخريج والترجيح بالدليل اختلافا بين أئمة المذهب في الأصح من القولين أو الوجهين- فينبغي أن يرجع في الترجيح إلى صفاتهم الموجبة؛ لزيادة الثقة بآرائهم. قال الشيخ تقي الدين ﵀: الناظر المجرد يكون حاكيا لا مفتيا. وقال في [آداب عيون المسائل] : إن كان الفقيه مجتهدا يعرف صحة الدليل كتب الجواب عن نفسه، وإن كان ممن لا يعرف الدليل، وقال: مذهب الإمام أحمد كذا. مذهب الشافعي كذا، فيكون مخبرا لا مفتيا. قال الشيخ تقي الدين ﵀ في الأخذ برخص المذهب وعزائمه: طاعة غير الرسول ﷺ في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع، وقال أيضا: إن خالفه لقوة الدليل وزيادة علم أو تقوى فقد أحسن ولا يقدح في عدالته بلا نزاع، وقال أيضا: بل يجب في هذه الحال، وأنه نص الإمام أحمد ﵀، وهو ظاهر كلام ابن هبيرة. ٣ - ومن حاشية (١) ابن قندس قوله: (فعلى هذا يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ظاهره وجوب مراعاة ألفاظ إمامه ووجوب الحكم بمذهب إمامه، وعدم الخروج عن الظاهر عنه وهذا كله يدل على أنه لا يصح حكمه بغير ذلك؛ لمخالفته الواجب عليه. . . إلى أن قال: وظاهر ما ذكره المصنف هنا وجوب العمل بقول إمامه، والمنع من تقليد غيره، وظاهره ترجيح القول من منع تقليد غيره وهذا هو اللائق لقضاة

стр. 1736

الزمان؛ ضبطا للأحكام، ومنعا من الحكم بالتشهي، فإن كثيرا من القضاة لا يخرجون من مذهب إمام بدليل شرعي، بل لرغبة في الدنيا وكثرة الطمع، فإذا ألزم بمذهب إمامه كان أضبط وأسلم، وإنما يحصل ذلك إذا نقض حكمه بغير مذهب إمامه، وإلا فمتى أبقيناه حصل مراد قضاة السوء، ولم تنحسم مادة السوء، ويرشح ذلك بأن يقال: هذه مسألة خلافية، فبعضهم ألزم بذلك، وبعضهم لم يلزمه، والإمام إذا ولاه الحكم على مذهب إمامه دون غيره فهو حكم من الإمام بإلزامه بذلك، فيرتفع الخلاف. . . إلى أن قال: وظاهره: أن المقلد يجب عليه العمل بقول من يقلده وهو إمامه، وأن لا يخرج عن قوله. . . إلى أن قال: قال بعض أصحابنا: مخالفة المفتي إمامه الذي قلده كمخالفة المفتي نص الشارع. . . إلى أن قال: قال النووي في [الروضة] : فرع: إذا استقضى مقلدا للضرورة فحكم بغير مذهب مقلده، قال الغزالي: إن قلنا: لا يجوز للمقلد تقليد من شاء، بل عليه اتباع مقلده نقض حكمه، وإن قلنا: له تقليد من شاء لا ينقض، ثم قال: الذي تقرر: أن مذهبنا إن الحاكم لا يجوز له الحكم بغير مذهبه، بخلاف الشافعية فيجوز أن يحكم بغير مذهب إمامه، قاله شيخنا) . ٤ - قال شيخ الإسلام: وأولو الأمر صنفان: الأمراء، والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهم أن يتحرى بما يقوله

стр. 1737

ويفعله طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة- كان هو الواجب، وإن لم يمكن لضيق الوقت وعجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك- فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال، وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد.

стр. 1738

الخلاصة يتلخص من النقول المتقدمة ما يأتي: أولا: إن المجتهد المطلق هو: من لديه قدرة على استنباط الأحكام من أدلتها، بناء على أصول ارتضاها لنفسه، وليس تابعا فيها لغيره، فكان بذلك أهلا للإفتاء والقضاء، وكان رأيه معتدا به في الوفاق والخلاف، وإذا ولاه إمام المسلمين أو نائبه القضاء وجب عليه أن يحكم بما وصل إليه باجتهاده فيما رفع إليه من القضايا، ونفذ فيه حكمه، وارتفع به الخلاف في القضايا الاجتهادية التي حكم فيها. ثانيا: المجتهد المنتسب: هو من انتمى إلى مجتهد مستقل لسلوكه طريقه في الاجتهاد، من غير أن يكون مقلدا له في قوله أو في دليله، وحكمه حكم المجتهد المطلق في أهليته للقضاء والحكم في القضايا باجتهاده. . . إلى آخر ما تقدم في المجتهد المطلق. ثالثا: المقلد المتعلم هو: المتبحر في مذهب إمامه، المتمكن من تقرير أدلته على ما عرف عن إمامه أو عن أصحابه، العارف بمطلق الآراء في المذهب ومقيدها، عامها وخاصها، وغامضها وواضحها، لكنه لم يبلغ

стр. 1739

درجة التخريج أو الترجيح، وهذا يجوز أن يولى القضاء للضرورة، وعليه أن يحكم بالراجح في مذهب إمامه الذي انتسب إليه وعرف تفاصيل مذهبه، فإن فعل ذلك نفذ حكمه، وإن حكم بالضعيف في مذهب إمامه أو حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه؛ لبطلانه، فإنه يعتقد صحة مذهب إمامه، وتقديم الراجح في مذهبه، فإذا حكم بخلاف ذلك كان حاكما بغير ما يعتقد، فكان حكمه باطلا، وعليه أن يبين مستنده في جميع أحكامه، وقيل: لا يجوز توليته القضاء، فإن قلده الإمام القضاء كانت توليته القضاء باطلة، وكان حكمه باطلا، وإن وافق الراجح في مذهب إمامه، وكانت التبعة في ذلك عليه؛ لقبوله ما ليس أهلا له وعلى من ولاه لتوليته إياه، وذهب الماوردي وجماعته إلى جواز حكم المقلد بغير مذهب إمامه، وجمع بينهما الأذرعي بحمل كل من القولين على حال من أحوال المقلد. رابعا: مجتهد المذهب وهو: من له قدرة على استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية بناء على أصول الإمام الذي انتسب إليه، أو استنباطها من قواعد إمامه منصوصة أو مستنبطة من كلامه، أو استنباطها بالقياس على منصوصه لشبه معتبر بينهما، أو لعدم وجود فارق مؤثر، وله قدرة أيضا على الترجيح بين الروايات والأقوال والوجوه. وهذا بأنواعه له شبه بالمجتهد المطلق من ناحية قدرته على استنباط الأحكام في الجملة، وله شبه بالمقلد من ناحية وقوفه عند أصول إمامه، والتزامه لطريقته في التخريج والترجيح؛ ولذا اختلف في حكم توليته القضاء: فمن غلب جهة شبهه بالمجتهد المطلق أجاز توليته القضاء، ولو مع وجود المجتهد

стр. 1740

المطلق، فتصح ولايته، ويقضي ما ترجح لديه من الآراء، وحكمه نافذ ورافع للخلاف فيما حكم فيه من القضايا، ومن غلب فيه جهة شبهه بالمقلد، وسماه: مقلدا، وإن كان تقليده غير محض، لم يصحح ولايته إلا عند عدم وجود مجتهد مطلق، والمعتمد الأول عند كثير من الفقهاء، ولكن ينبغي تولية الأمثل فالأمثل. خامسا: مجتهد الفتوى وهو: من لديه قدرة على الترجيح بين الأقوال أو الروايات والوجوه المروية عن الإمام أو أصحابه، ولا قوة له على التخريج على أقوالهم أو من القواعد والأصول المعتبرة في المذهب إلا ما كان قياسا مع عدم الفارق المؤثر، وما وضح اندراجه في قواعد المذهب وأصوله، وما كان تفصيلا لقول مجمل ذي وجهين وحكم محتمل لأمرين منقول عن إمام المذهب أو أحد أصحابه المجتهدين فإنه يقوى على مثل ذلك. وهذا القسم وإن كان في المرتبة دون من قبله من مجتهدي المذهب، إلا أنه ملحق به في حكم توليته القضاء، وما يحكم به ونفاذ حكمه ورفعه للخلاف في القضية التي حكم فيها.

стр. 1741

الثاني: الدواعي إلى تدوين الراجح من أقوال الفقهاء وإلزام القضاة الحكم به: لما كان علماء الصحابة والتابعين من ذوي البصيرة وكمال الفقه في الشريعة والأمانة في الدين، وكانوا أبعد الناس عن اتباع الهوى ومواطن الريبة، ولم تكن شقة الخلاف بينهم واسعة، ولا التباين في الآراء كثيرا فاشيا- وثق الناس بفتواهم، واطمأنت نفوسهم إلى قضائهم، ورضوا بحكمهم فيما بينهم من نزاع في المعاملات، وبذلك انحلت

стр. 1742

مشاكلهم، ولم تداخلهم الريب والظنون، ولم يفكر أحد من العلماء أو الحكام في تدوين أحكام تختار، ليلزم القضاة بالحكم بها في قضايا النزاع، والفصل على ضوئها في الخصومات. ولما ضعفت القريحة، وقصر النظر، وبعدت شقة الخلاف بين العلماء، وكثرت آراؤهم، وتباينت فتاواهم وأحكامهم في القضايا وجدت الريبة في الأحكام، والشك في العلماء طريقا إلى القلوب وتسلطت الظنون على النفوس؛ ولهذا وغيره فكر بعض من يعنيهم الأمر في تدوين أحكام مختارة من آراء الفقهاء في المعاملات، يرجع إليها القضاة في أحكامهم، ويلزمون الحكم بمقتضاها؛ منعا للاضطراب في الأحكام، وإزالة للأوهام والشكوك من نفوس المتحاكمين إلى المحاكم الشرعية، وقضاء على الظنون الكاذبة في الشريعة الإسلامية وفي علمائها، وتبرئة لها مما وصمت به زورا وبهتانا من أنها غير صالحة للفصل بها في الخصومات وحل مشاكل الناس، وحماية للأمة وحكومتها من العدول عن التحاكم إلى المحاكم الشرعية إلى التحاكم للقوانين الوضعية. وفيما يلي نقل في بيان الدواعي إلى تدوين أحكام فقهية وإلزام القضاة أن يحكموا بها. قال محمد سلام مدكور في بيان منشأ الضرورة إلى ذلك ودواعيه (١) : الذي نراه أن منشأ ذلك إنما كان راجعا في عصورهم لشيء من الاضطراب في التطبيق القضائي لعدم معرفة الحكم الواجب التطبيق مع تعداد الأحكام

стр. 1743

في المسألة الواحدة نتيجة اختلاف آراء المجتهدين، وذلك جدير أن يبلبل أفكار الناس، وألا يسير بهم في جادة مستقيمة ومشرع واضح للجميع، ولقد كان من آثار ذلك الاضطراب في الماضي واختلاف القضاة المجتهدين في أحكام المسألة الواحدة في البلد الواحد- أن يضل الناس في شئون حياتهم رغم تحريهم الهداية والرشاد، ولكن عدم معرفة الحكم الواجب التطبيق بينهم على سبيل التعيين في المسألة الاجتهادية جعلهم قاطبة عرضه للخطأ في نظر القضاء. ولعل هذا هو السر في أن كثيرا من الأصوليين والعلماء أقفلوا باب الاجتهاد؛ سدا لذريعة الفوضى والاضطراب والحكم بالهوى المقنع بالاجتهاد ووجهة النظر، وكانوا محقين إذ ذاك حتى يغلق باب الشرور ويكون القاضي في أحكامه ملزما بأحكام مذهبه فلا يحيد عنه وملزما للناس بها حتى يعرفوها. ويقدر كل إنسان في تصرفاته حكم تصرفه أمام القضاء بحيث يستطيع أن يفهم إن كان في تصرفه حكم القضاء أم لا، وقد ترتب على هذا بحث الفقهاء في تقييد القاضي بمذهب معين، بل بالرأي الراجح من المذهب، كما بحثوا أمر تقييد السلطان لقضائه بالمذهب الذي ينبغي أن يستمد منه القاضي أحكامه، وقد كان هذا الاتجاه نواة وأساسا للتفكير في وضع الأحكام الشرعية في مواد قانونية محدودة واضحة ما أمكن، لا يلتبس الناس غالبا في شيء من أمرها. . . إلى أن قال: أما القضاة فوظيفتهم هي تطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها بسلطان القضاء، ولا شك في أن الأحكام الواجبة التطبيق إذا كانت محدودة مبينة معروفة للقاضي وللمتقاضي- كان ذلك أدعى إلى تحقيق العدالة والتيسير على الناس،

стр. 1744

وأكفل لتحقيق المساواة بينهم، وطمأنة نفوسهم بالنسبة للقضاء، فلم يكن بد من وضع الأحكام الشرعية القضائية في صيغ قانونية تتولاها طائفة من فقهاء الأمة من أهل الرأي والاجتهاد، وقد بينا عند الكلام عن الاجتهاد: أن العصر لا يخلو منهم ثم تصبح قانونا واجب الاتباع والتنفيذ، ولا ضير في ذلك ما دامت هذه الأحكام مستمدة من الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه وآرائه، ومسايرة لمصالح الناس، ولا ضير في أن تعتبر هذه القوانين، كالنصوص القطعية، من ناحية عدم مخالفة القاضي لها وإلزامه باتباعها، فليس هناك مجال إذا لاجتهاد القاضي معها إلا في حدود ضيقة، وهي: عند وجود إبهام في انطباقها على بعض النوازل والأحداث، ومع هذا فإن العدل إذا كان مصدره هو النصوص التشريعية وما أجمع عليه من أحكام- القاضي عند التطبيق فيما يحتاج إلى اجتهاد يعتبر أيضا مصدرا من مصادر العدالة. اهـ. مما تقدم يتبين أن الدواعي إلى تدوين القول الراجح وإلزام القضاة به هي: ١ - وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة، أدت إلى اتهام القضاة باتباع الهوى فيما يقضون، أو برميهم بالقصور في علمهم أو تطبيقهم لما عرفوا من الأحكام الشرعية على ما رفع إليهم من القضايا الجزئية المتنازع فيها. ٢ - عدم وجود كتاب سهل العبارة في المعاملات يتعرف منه الناس أحكام المعاملات؛ ليراعوا تطبيقاتها، ويوافقوا بينها وبين أعمالهم عند الإقدام حتى لا يقعوا فيما يعرضهم للحكم عليهم وإدانتهم إذا حصل النزاع

стр. 1745

ورفعت القضية للقضاء، وإضافة إلى ذلك يكون هذا الكتاب عونا للقضاة على أداء مهمتهم، وأدعى إلى وحدة الأحكام وتناسقها بدلا من تضاربها. ٣ - تهرب بعض الناس من رفع قضاياه للمحاكم الشرعية بالمملكة إلى رفعها لمحاكم في دول أجنبية؛ نتيجة لما تقدم ذكره، والخوف من أن يتزايد ذلك حتى ينتهي- عياذا بالله- إلى استبدال قوانين وضعية بالأحكام الشرعية. لذا فكر بعض المسلمين في إلزام القضاة أن يحكموا بأقوال في المعاملات تختار لهم، وتدون في كتاب مع أدلتها، أو إلزامهم أن يحكموا بالراجح والمعتمد من مذهب معين؛ إعانة للقضاة على التمكن من معرفة ما يحكمون به في القضايا، وتقريبا بين معارفهم في الأحكام، ومنعا للتناقض فيها ولتبلبل أفكار الأمة، وإبعادا للتهمة عنهم، وقضاء على ما يزعم بعض الناس من اتباع بعض القضاة للهوى، وتمكينا للجمهور من أن يوافقوا بين أعمالهم وبين ما دون؛ ليكون مرجعا للقضاة في الأحكام، فيكونوا بذلك على بصيرة فيما يقدمون عليه من أعمل قد يكون فيها خصومة. وستأتي مناقشة الدواعي عند مناقشة الأدلة.

стр. 1746

الثالث: بدء هذه الفكرة ووجودها قديما وحديثا: أ- محاولة (١) ابن المقفع في القرن الهجري الثاني في بدء العهد

стр. 1747

العباسي: كتب ابن المقفع إلى أبي جعفر المنصور رسالة جاء فيها: ومما ينظر فيه أمير المؤمنين من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي- اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال. . . ومضى إلى أن قال: فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة وقياس، ثم نظر في ذلك أمير المؤمنين وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم عليه عزما وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب ذلك كتابا جامعا- لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا، لرجونا أن يكون اجتماع السير قرينة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخر الدهر إن شاء الله. انتهى. قال (١) محمد سلام مدكور تعليقا على ذلك: غير أن هذا الاقتراح لم يجد له رواجا في ذلك الحين؛ لإباء الفقهاء أن يتحملوا تبعة إجبار الناس على تقليدهم، وهم الذين يحذرون تلاميذهم من التعصب لآرائهم، كما أنهم تورعوا وخافوا أن يكون في اجتهادهم خطأ، ليس هذا تقنينا وضعيا، وإنما هم بصدد شريعة سماوية. ب- محاولة الخليفتين: أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد مع الإمام مالك بن أنس. ١ - لما حج أبو جعفر المنصور سنة ١٤٨هـ اجتمع بالإمام مالك ودار

стр. 1748

بينهما بحث هذا الموضوع، ونحن نسوق ذلك: قال (١) عيسى بن مسعود الزواوي في أثناء الكلام الذي دار بين الإمام مالك وبين أبي جعفر المنصور، قال مالك: ثم قال لي: قد أردت أن أجعل هذا العلم علما واحدا، أكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعلمون به، فمن خالف ضربت عنقه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أو غير ذلك إن النبي ﷺ كان في هذه الأمة فكان يبعث السرايا، وكان يخرج فلم يفتح من البلاد كثيرا حتى قبضه الله ثم قام أبو بكر ﵁ فلم يفتح من البلاد كثيرا حتى قبضه الله ، ثم قام عمر ﵁ ففتحت البلاد على يديه، فلم يجد بدا أن يبعث أصحاب محمد ﷺ معلمين، فلم يزل يؤخذ عنهم كابرا عن كابر إلى يومنا هذا، فإن ذهبت تولهم عما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفرا، فأقر أهل كل بلد على ما فيها من العلم، وخذ هذا العلم لنفسك، فقال لي: ما أبعدت هذا القول، اكتب هذا العلم لمحمد. وقال الزواوي أيضا نقلا عن الشافعي (٢) : بعث أبو جعفر المنصور إلى مالك لما قدم المدينة، فقال له: إن الناس قد اختلفوا في العراق فضع للناس كتابا تجمعهم عليه، فوضع [الموطأ] ، وقال الزواوي أيضا: (وقال غيره) أي: الشافعي: إن أبا جعفر لما قال لمالك: ضع كتابا في العلم نجمع الناس عليه، قال له مع ذلك: اجتنب فيه شواذ ابن عباس وشذوذ ابن عمر ورخص ابن مسعود، فقال له مالك: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين أن

стр. 1749

تحمل الناس على قول رجل واحد يخطئ ويصيب، وإنما الحق من رسول الله ﷺ وقد تفرقت أصحابه في البلدان، وقلد أهل كل بلد من صار إليهم، فأقر أهل كل بلد على ما عندهم. وقال الزواوي تعليقا على ذلك: فانظر إنصاف مالك ﵁، وصحة دينه، وحسن نظره للمسلمين، ونصيحته لأمير المؤمنين، ولو كان غيره من الأغبياء المقلدين، والعتاة المتعصبين، والحسدة المتدينين- لظن أن الحق فيما هو عليه، ومقصور على من ينسب إليه، وأجاب أمير المؤمنين إلى ما أراد، وأثار بذلك الفتنة وأدخل الفساد. ٢ - وفي سنة ١٦٣هـ وقد ذهب أبو جعفر المنصور للحج مرة أخرى فأعاد عرض فكرته الأولى على الإمام مالك فاقتنع مالك ﵀، ووافقه أبو جعفر ﵀، يبين ذلك ما نقله جلال الدين السيوطي قال: وقال ابن سعد في [الطبقات] : أخبرنا الواقدي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لما حج أبو جعفر المنصور دعاني، فدخلت عليه فحادثته، فسألني فأجبته، فقال: إني عزمت أن آمر بكتابك هذا الذي وضعته- يعني: [الموطأ]- فينسخ منه نسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدونه إلى غيره، ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث، فإني رأيت أهل العلم رواة أهل المدينة علمهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورددوا روايات، وأخذ كل قوم مما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وأن ردهم عما اعتقدوا شديد فندع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد منهم

стр. 1750

لأنفسهم، فقال: لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به. ٣ - وأخرج أبو نعيم في [الحيلة] عن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت مالك بن أنس يقول: شاورني هارون الرشيد في أن يعلق [الموطأ] في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه. . . إلخ، فقلت: يا أمير المؤمنين، أما تعليق [الموطأ] في الكعبة فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع فافترقوا في البلدان، وكل عند نفسه مصيب. . إلخ فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله. وأخرج الخطيب في رواة مالك عن إسماعيل بن أبي المجالد قال: قال هارون الرشيد لمالك: يا أبا عبد الله، نكتب هذه الكتب ونفرقها في آفاق الإسلام فنحمل هذه الأمة على ما فيها، فقال: يا أمير المؤمنين رضي الله عنك، إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله والدار الآخرة. ج- محاولة (١) محمد عالمكير: قال محمد سلام مدكور: وفي القرن الحادي عشر الهجري ألف السلطان محمد عالمكير أحد ملوك الهند لجنة من مشاهير علماء الهند برياسة الشيخ نظام؛ لتضع كتابا جامعا لظاهر الروايات التي اتفق عليها في المذهب الحنفي، فجمعوا ذلك في كتاب معروف بـ[الفتاوى الهندية] ، ومع هذا فلم يكن هذا الجمع شبه الرسمي ملزما للمفتين والقضاة، كما أن الجمع والتدوين والتبويب لم يكن على نمط التقنين، وإنما هي فروع فقهية واقعية ومفترضة، تذكر فيها الآراء، ثم

стр. 1751

يتبع ذلك بالقول الذي تختاره اللجنة للفتوى. د- بدء تنفيذ الفكرة: ظهور (مجلة الأحكام العدلية) وقانون المعاملات وغير ذلك. ١ - قال (١) . الأستاذ مصطفى الزرقاء: ولما بدئ بتأسيس المحاكم النظامية في الدولة العثمانية، وأصبح يعود إليها اختصاص النظر في أنواع من الدعاوى كانت قبل ذلك ترجع إلى المحاكم الشرعية، ودعت الحاجة إلى تيسير مراجعة الأحكام الفقهية على الحكام غير الشرعيين، وتعريفهم بالأقوال القوية المعمول بها من الضعيفة المتروكة دون أن يغوصوا على ذلك في كتب الفقه الواسعة النطاق _ صدرت إدارة سنية سلطانية بتأليف لجنة لوضع مجموعة من الأحكام الشرعية التي هي أكبر من غيرها دورانا في الحوادث. فوضعت اللجنة في سنة (١٢٨٦ للهجرة) هذه المجموعة منتقاة من قسم المعاملات من فقه المذهب الحنفي الذي عليه عمل الدولة. . . وقد أخذت بعض الأقوال المرجوحة في المذهب للمصلحة الزمنية التي اقتضتها. . . وقد صدرت الإدارة السنية السلطانية في شعبان (١٢٩٣هـ) بلزوم العمل بها وتطبيق أحكامها في محاكم الدولة. ٢ - وقال (٢) . أيضا تحت فقرة (٨٢) بدء تنفيذ الفكرة في تقنين الأحوال الشخصية قال: ثم بدئ رسميا بتنفيذ هذه الفكرة- فكرة الاستفادة من مختلف المذاهب الفقهية عن طريق التقنين في أحكام الأحوال الشخصية

стр. 1752

أواخر العهد العثماني، إذ وضعت الحكومة العثمانية قانون حقوق العائلة في سنة (١٣٣٣ رومية) ، وأخذت فيه من المذهب المالكي حكم التفريق الإجباري القضائي بين الزوجين عن طريق التحكيم المنصوص عليه في القرآن عند اختلافهما، وتوسعت فيه. ٣ - وقال (١) . أيضا: في سنة (١٩٢٩م) خطت الحكومة المصرية خطوة واسعة في الأخذ من مختلف الاجتهادات مما وراء المذاهب الأربعة فأصدرت قانونا تحت رقم (٢٥) ألغت فيه تعليق الطلاق بالشرط في معظم حالاته، كما اعتبرت تطليق الثلاث أو الثنتين بلفظ واحد طلقة واحدة؛ عملا برأي ابن تيمية، ومستنده الشرعي، وذلك بإقرار مشيخة الأزهر. انتهى المقصود. ٤ - وقال (٢) . محمد سلام مدكور تحت عنوان (مصر وتقنين الفقه الإسلامي والنهوض بدراسته) قال: لم تختلف مصر عن غيرها في النهضة الفقهية ومحاولة تقنين الأحكام الفقهية التي تهم الناس في معاملاتهم وأحوالهم الشخصية وإخراجها في مواد حتى يسهل الرجوع إليها، وحتى تنصرف الأذهان عن التطلع إلى الغرب، ورفض الخديوي إسماعيل الأخذ بقانون (مجلة الأحكام العدلية) ؛ حبا في الاستقلال، وتخلصا من التبعية للدولة العثمانية، واتجه إلى قانون نابليون، بحجة أن كتب الفقه الإسلامي بوضعها لا يمكن التقنين منها، فأحدث ذلك ضجة في الرأي العام، وظهر رأي بإمكان التقنين من الفقه الإسلامي، وقام الفقيه القدير قدري باشا

стр. 1753

بعمل مجموعة من القوانين أخذها من المذهب الحنفي مسترشدا في عمله ب (مجلة الأحكام العدلية) . ٥ - وقال (١) . أيضا تحت عنوان (القوانين المصرية المختارة من الفقه الإسلامي) : عملت الحكومة على تأليف لجنة من كبار الفقهاء والمشرعين لوضع قوانين تؤخذ من الفقه الإسلامي من غير تقيد بمعنى معين، مع مراعاة روح العصر. فألفت لجنة من أكبر علماء المذاهب الأربعة برئاسة وزير الحقانية في ذلك العهد لوضع قانون الأحوال الشخصية، فوضعت اللجنة مشروع قانون للزواج والطلاق وما يتعلق بهما طبع سنة (١٩١٦م) ، ثم أعيد طبعه بعد تنقيح فيه سنة (١٩١٧) ، ومع هذا فقد كانت المعارضة في إخراجه قوية من بعض رجل الدين ومن تأثروا بهم؛ لذا لم يخرج هذا المشروع إلى التنفيذ ولم يصدر به القانون، وإنما اكتفي ولاة الأمر بمعالجة بعض الأمور التي وضح عدم مطابقة المذهب الحنفي فيها لمصالح الناس، فصدر القانون رقم (٢٥) سنة (١٩٢٠) ، والقانون رقم (٥٦) سنة (١٩٢٣م) بوضع حد أدنى لسن الزواج، والقانون (٢٥) سنة (١٩٢٩م) ، وكل هذه القوانين نظمت بعض مسائل الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج وبالنفقة والعدة والطلاق والنسب والمهر والحضانة والمفقود وما إلى ذلك، وإن كان القانون الأول (٢٥) سنة (١٩٢٠م) أخذ من المذاهب الأربعة، فإن القانونين الآخرين الصادرين في سنة (١٩٢٣م) وسنة (١٩٢٩م) لم يتقيدا بالمذاهب الأربعة، فقد أخذ القانون (٥٦) لسنة

стр. 1754

(١٩٢٣م) برأي آخر للإمام أبي حنيفة، وبفتوى عبد الله بن شبرمة، وعثمان البتي، وأبي بكر الأصم، وأما القانون (٢٥) سنة (١٩٢٩م) فقد جاء في مذكرته التفسيرية بأنه موافق لآراء بعض المسلمين، ولو من غير أهل المذاهب الأربعة، وأنه ليس هناك مانع شرعي من الأخذ بقول غيرهم خصوصا إذا ترتب عليه نفع عام، وفي سنة (١٩٣١م) صدر القانون (٧٨) بتنظيم المحاكم الشرعية، وقد احتوى على بعض القوانين غير مقيد فيها بمذهب معين، ثم خطت مصر خطوة جديدة نحو التخلص من التقيد المذهبي، ففي ٩ ديسمبر سنة (١٩٣٦م) وافق مجلس الوزراء على مذكرة لوزارة العدل اقترحت فيها تشكيل لجنة بها، تقوم بوضع مشروع قانون لمسائل الأحوال الشخصية، وما يتفرع عنها، والأوقاف، والمواريث والوصية، وغيرهما، ولا تتقيد بمذهب دون آخر، بل تأخذ من آراء الفقهاء ما هو أكثر ملاءمة لمصالح الناس وللتطور الاجتماعي، ولها أن تبدأ بما ترى أن الشكوى منه أعم، والحاجة إليه أمس، وقد بدأت بالنظر في مشروع قانون المواريث؛ لأن التغيير فيه ضئيل، فخرج في سنة (١٩١٣م) برقم (٧٧) شاملا لجميع أحكام الإرث حتى ما كان مأخوذا من أحكام قطعية، كالخاصة بأصحاب الفروض والعصبات، وهذه لم يكن للجنة فيها إلا الصياغة فقط، أما الحكم نفسه فلم تتعرض له، ولم تكن تملك أن تتعرض له، ومن أهم القواعد التي جاء بها القانون مغايرا ما كان عليه العمل توريث الإخوة والأخوات مع الجد الصحيح، بعد أن كان حاجبا لهم، وكذلك الرد على أحد الزوجين بما بقي بعد فرضه إذا لم يوجد للمتوفى أي قريب يرثه، فهو أولى بما بقي من العاصب السببي.

стр. 1755

كما اعتبر القانون التسبب في القتل مانعا من الإرث دون القتل الخطأ وما جرى مجراه، بعكس ما كان عليه العمل، إلى غير ذلك مما يدرس تفصيلا في موضعه. ثم في سنة (١٩٤٦م) صدر القانون رقم (٤٨) معدلا لبعض أحكام الوقف، وقد أخذ هذا القانون في الغالب أحكامه من مختلف أقوال الفقهاء في سائر المذاهب، متوخيا ما يحقق مصلحة الناس، ولا يعرقل نظمهم الاقتصادية، ومن أهم قواعد هذا القانون أنه قرب أحكام الوقف من أحكام الميراث، وعلى كل فقد ألغي الوقف الأهلي كله بالقانون (١٨٠) لسنة (١٩٥٢م) . ثم صدر القانون (٧١) في سنة (١٩٤٦م) أيضا بأحكام الوصية دون تقيد بمذهب معين، ولا حتى بالمذاهب الأربعة، ومن أهم قواعده القول بالوصية الجبرية، وهي: أن يكون للأحفاد الذين حجبوا عن الميراث من جدهم أو جدتهم حق واجب في التركة، هو نصيب أصلهم لو كان حيا، بحيث لا يزيد على ثلث التركة، وألا يكون أوصى لهم جدهم أو جدتهم بشيء، وقد أخذ هذا الحكم من فقهاء التابعين ومن فقه الإباضية، كما أجاز القانون الوصية للوارث في حدود ثلث التركة دون توقف على إجازة باقي الورثة. . انتهى المقصود. ٦ - قال صبحي محمصاني بعد أن بسط الكلام على مراحل التدوين ملخصا ذلك، قال (١) : إن التدوين مر بمراحل خمس: أولا: مرحلة التبني للمذهب الرسمي، وكانت مرحلة صعبة لم ينجح
следующие страницы →