← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ما ليس بفتيا ولا قضاء؛ كجمع الجيوش، وإنشاء الحروب، وحوز الأموال، وصرفها في مصارفها، وتولية الولاة، وقتل الطغاة، وهي أمور كثيرة يختص بها لا يشاركه فيها القاضي ولا المفتي، فكل إمام قاض ومفت، والقاضي والمفتي لا يصدق عليهما وصف الإمامة الكبرى. ١١ - وقال (١) أيضا: وظهر حينئذ أن القضاء يعتمد الحجاج، والفتيا تعتمد الأدلة، وأن تصرف الإمامة الزائد على هذين يعتمد المصلحة الراجحة أو الخالصة في حق الأمة. ١٢ - قال (٢) ابن القيم في مبحث غزوة حنين بعد كلام في حديث: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه (٣) » قال: ومأخذ النزاع أن النبي ﷺ كان هو الإمام والحاكم والمفتي، وهو الرسول ﷺ ، فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة فيكون شرعا عاما إلى يوم القيامة، كقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٤) » ، وقوله: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته (٥) » ، وكحكمه بالشاهد واليمين، وبالشفعة فيما لم يقسم. وقد يقول بمنصب الفتوى، كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وقد شكت إليه شح زوجها، وأنه لا يعطيها ما يكفيها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (٦) » فهذه فتيا لا حكم، إذ لم يدع بأبي سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى، ولا سألها البينة.

стр. 1822

وقد يقوله بمنصب الإمامة فتكون مصلحة الأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي ﷺ زمانا ومكانا وحالا. ومن هاهنا تختلف الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عنه ﷺ ، كقوله ﷺ : «من قتل قتيلا فله سلبه (١) » هل قاله بمنصب الإمامة، فيكون حكمه متعلقا بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعا عاما؛ وكذلك قوله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة فهي له (٢) » هل هو شرع عام لكل أحد أذن فيه الإمام، أو لم يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة فلا يملك بالإحياء إلا بإذن الإمام؟ على قولين: فالأول: للشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما. والثاني: لأبي حنيفة، وفرق مالك بين الفلوات الواسعة وما لا يتشاح فيه الناس، وبين ما يقع فيه التشاح، فاعتبر إذن الإمام في الثاني دون الأول. . انتهى.

стр. 1823

مما تقدم يتبين ما يأتي: ا- تصرفات النبي ﷺ أنواع: أ- تصرفه باعتباره رسولا، وهو قسمان: القسم الأول: أن يحكم حكما شرعيا بوحي من الله تعالى، والأصل في هذا أن يكون حكما كليا وتشريعا عاما في الأعيان والأزمان إلا ما خصه الدليل، وهذا القسم خاص به فلا يشاركه في التشريع أحد من الأمة لا الراعي ولا الرعية، وهو فيه معصوم. القسم الثاني: إبلاغ هذا التشريع وإرشاد الناس به وحثهم عليه، وهذا

стр. 1824

واجب عليه، هو معصوم فيه، وليس مختصا به، بل يرثه عنه العلماء فيجب عليهم البلاغ والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إلا أنهم غير معصومين في بلاغهم وفهمهم له. ب- تصرفه ﷺ باعتباره قاضيا، فبهذا الاعتبار يفصل في الخصومات ويحكم فيها بمقتضى طرق الإثبات من البينات ودلائل الأحوال والأمارات. . إلخ. وهذا المنصب ورثه عنه ولي الأمر العام، ويكون لغيره بإذنه وتنصيبه إياه، فيحكمون بين الناس على ما جاء عن رسول الله ﷺ ، لا بالهوى ومحض الرأي. ج- تصرفه ﷺ باعتباره إماما أعظم للمسلمين، فإليه بهذا الاعتبار إبرام العهود الدولية، وقسمة الغنائم، وإقامة الحدود. . إلى آخر ما ذكر في النقول من هذا الجنس، وهذا المنصب يرثه عنه ولي أمر المسلمين العام، فله ما للرسول ﷺ من التصرف بحكم الإمامة. ٢ - معنى كون هذه التصرفات للإمام بحكم الإمامة الكبرى: أنها مختصة به لا يقوم بها غيره إلا بإذنه ممن يرى فيه الأهلية لها، وليس معنى كونها له أنه يشرع فيها شرعا جديدا، بل يجب عليه أن يقوم بها باعتباره مسئولا عن الأمة، وعليه أن يتبع فيها حكم الشرع ويطبقه فيها تطبيقا يكفل لهم المصلحة الخالصة، أو الراجحة، ويدفع المضرة أو يخففها عنهم. فإنه ﷺ وهو رسول الله كان يقوم بها على مقتضى ما أمره الله وفق المقاصد الشرعية، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) الآية، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢)

стр. 1825

٣ - للإمام العام سلطة البلاغ والإرشاد، وسلطة الحكم والقضاء، وسلطة التنفيذ، بخلاف غيره، فإنه لا يملك سلطة القضاء أو التنفيذ إلا بإذنه وتنصيبه في ذلك، ومن ذلك يعرف: أن من تصرفات الإمام ما يكون بطريق القضاء، وقد ذكر القرافي ثلاثة ضوابط لما يكون فيه ذلك، وأوضحها بالأمثلة، ومنها: ما يكون بغير طريق الحكم والقضاء، وقد ذكر القرافي منها عشرين نوعا مع الإيضاح بالأمثلة. ٤ - قد يكون للناس الخيار بين أمرين أو أمور فيما يأتون وما يذرون من شئون معاشهم ونظام حياتهم، وقد تنشأ مضرة عن تخلية سبيلهم؛ ليختار كل لنفسه ما شاء مما هو مباح له، أو فوضى عامة شاملة، فيجب على ولي الأمر ومن أنابه عنه أن يحملهم على أحد الأمرين أو الأمور، ويلزمهم بالوقوف عنده؛ رعاية للمصلحة العامة، ودفعا للمضرة، ومن خالف ذلك فله تعزيره بما يتناسب مع خطر اعتدائه، ويراه كافيا في تأديبه وردع أمثاله، مثال ذلك: أن للتاجر زيادة السعر ونقصانه وعرض السلع بالأسواق واحتكارها، فلإمام المسلمين إذا رأى من التاجر التواطؤ على الاحتكار ورفع الأسعار وانتهاز الفرص ورأى ما يلحق المستهلكين من المضرة بسبب صنيع هؤلاء - أن يحدد الأسعار ويمنع الاحتكار على وجه يكفل العدالة والرحمة، ويقضي على الأثرة والأزمة والغلاء المصطنع، ومن ذلك التعليم، ودوام

стр. 1826

الموظفين بالنسبة للأوقات، وطرق المواصلات بالنسبة للسيارات والقطارات، فلولي الأمر العام أن يضع نظاما يحدد أوقات العمل، وينظم سير المواصلات. وأخيرا فهذا ما ذكره العلماء فيما لولي الأمر العام أن يتصرف فيه من شئون الأمة بالإمامة والفتيا والقضاء، وليس فيه ذكر لإلزام القضاة أن يحكموا بمذهب أو قول معين، لكن يمكن أن يقال: إن هذه التصرفات لم تذكر على وجه الحصر بدليل ما تقدم في البحث من قول بعض العلماء بإلزام القضاة بذلك، وقد سبقت أدلته مع المناقشة. ويمكن أن يقال أيضا: إنه وإن لم يذكر صريحا لكنه شبيه بما ذكر في البناء على رعاية مصلحة الأمة والمحافظة على الشريعة واستمرار الحكم بها، أو يقال: إنه مندرج تحت تصرف الإمام بالإلزام بأمر من أمرين أو أمور للأمة فيها الخيار؛ رعاية للمصلحة، ومنعا للفوضى، فإن التقليد في المسائل الفقهية غالب على أهل زماننا، والمقلد مخير في من يتبعه من الأئمة المجتهدين، وعليه لا يأتي الإلزام لمن كان مجتهدا ولو في المذهب. هذا ما تيسر جمعه وإعداده مع الاجتزاء ببعض النقول عن بعض لكونه في معناه، والى أصحاب الفضيلة أعضاء هيئة كبار العلماء النظر وترجيح ما يرونه. والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 1827

" مصادر البحث " (أ) كتب المذهب الحنفي: ١ -[بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع] للكاساني، الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية عام ١٣٢٧ هـ. ٢ -[تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق] لعثمان بن علي الزيلعي، الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية عام ١٣١٤ هـ. ٣ -[تنوير الأبصار] ، و [الدر المختار] ، و [رد المحتار] الشهير بـ[حاشية ابن عابدين] ، الطبعة الأولى بالمطبعة الميمنية بمصر عام ١٣١٨ هـ، وكذلك اعتمد على نسخة أخرى. ٤ -[معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام] للطرابلسي، طبعة أولى بالمطبعة الأميرية سنة ١٣٠٠ هـ. ٥ -[رسالة رسم المفتي] ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، طبع بالآستانة بالمطبعة العثمانية عام ١٣٢١ هـ. (ب) كتب المذهب المالكي: ١ -[مختصر خليل] وعليه [مواهب الجليل] للحطاب، الطبعة الأولى، بالمطبعة الأميرية. ٢ -[مختصر خليل] وعليه [الشرح الكبير] للدردير، و [حاشية الدسوقي] طبعة حلبية. ٣ -[فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك] للشيخ عليش.

стр. 1828

٤ -[حاشية علي الصعيدي على شرح أبي الحسن على رسالة ابن أبي زيد] ، طبع مطبعة محمد عاطف. ٥ -[تزيين الممالك بمناقب مالك] للسيوطي. ٦ -[مناقب الإمام مالك] لعيسى بن مسعود الزواوي. كلاهما في أول [المدونة] طبعة أولى بالمطبعة الخيرية عام ١٣٣٥ هـ. ٧ -[تبصرة الحكام] لابن فرحون، طبع بالمطبعة البهية بمصر عام ١٣٠٢ هـ. ٨ -[الإحكام في أصول الأحكام] للآمدي، طبع بمطبعة مؤسسة النور. ٩ -[الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام] للقرافي، الناشر مكتبة المطبوعات الإسلامية، طبع سنة ١٣٨٧ هـ. ١٠ -[مراقي السعود وشرحها] لمحمد الأمين الجكني الشنقيطي، طبع بمطبعة المدني. (ج) كتب المذهب الشافعي: ١ -[المجموع شرح المهذب] للنووي، طبع مطبعة العاصمة بالقاهرة. ٢ -[نهاية المحتاج، شرح المنهاج] للرملي، طبعة حلبية. ٣ -[المحلى على المنهاج] ، طبعة حلبية. ٤ -[قليوبي على شرح المنهاج] ، طبعة حلبية. ٥ -[المهذب] للشيرازي، طبعة حلبية. ٦ -[الفقيه والمتفقه] ، طبع مطابع القصيم. ٧ -[الأحكام السلطانية والولايات الدينية] للماوردي، الطبعة الأولى بالمطبعة الحلبية عام ١٣٨٠ هـ.

стр. 1829

(د) كتب المذهب الحنبلي: ١ -[المغني والشرح الكبير] . ٢ -[الإقناع] وشرحه [الكشاف] . ٣ -[المنتهى وشرحه] . ٤ -[الإنصاف] ٥ -[الفتاوى المصرية] . ٦ -[مجموع فتاوى شيخ الإسلام] . ٧ -[تفضيل مذهب أهل المدينة] ، طبع مطبعة الإمام. ٨ -[المنتقى] للذهبي [مختصر منهاج السنة] طبع المطبعة السلفية ومكتبتها عام ١٣٧٤ هـ. ٩ -[مسودة آل تيمية] . ١٠ -[إعلام الموقعين] . ١١ -[الأحكام السلطانية] لأبي يعلى. ١٢ -[السياسة الشرعية] . ١٣ -[زاد المعاد] . (هـ) كتب أخرى: ١ - مجلة المنار. ٢ -[فتاوى المنار] . ٣ -[المدخل الفقهي العام] للزرقاء. ٤ -[المدخل للفقه الإسلامي] لمدكور.

стр. 1830

٥ -[مقدمة في إحياء علوم الدين] للمحمصاني. ٦ -[رسالة الصحابة] ضمن [المجموعة الكاملة] لابن المقفع.

стр. 1831

قرار هيئة كبار العلماء رقم (٨) تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة العمل به الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان السالكين لمنهجهم القويم. وبعد: فبناء على أمر جلالة الملك - وفقه الله - بالنظر من قبل هيئة كبار العلماء في أمر جواز تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة العمل به. وقبل الدخول في صلب البحث وتقرير ما هو الحق الذي تشهد به قواعد الشريعة وعليه عمل السلف ﵏ نقول: أولا: إنه مما لا شك فيه لدى كل عارف أن إمام المسلمين وفقه الله وثبته على الحق ونصره به - لم يكن له من هدف في هذا الأمر سوى الخير والحرص على جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، ولما بلغه - حفظه الله - أن فيما يصدر من بعض القضاة ما يلفت النظر، ويدعو إلى البحث من صدور أحكام قد يظن بعض الناس أنها متناقضة، مع أن قضاياها متماثلة، وهي في الحقيقة ليست كذلك، كما قد يدعو إلى اتهام القضاة باتباع الهوى، أو رميهم بالقصور في تطبيق أحكام الشريعة على ما

стр. 1832

يرفع لهم من القضايا، وأن ذلك ربما كان من أجل عدم وجود كتاب على قول واحد يحكم به القضاة ويتعرف الناس منه أحكام المعاملات؛ ليوفقوا بينها وبين أعمالهم عند الإقدام على عمل ما حتى لا يقعوا فيما يعرضهم للحكم عليهم عند حدوث ترافع قضائي، وأنه قد يدعو إلى تهرب بعض الناس من رفع قضاياهم للمحاكم الشرعية في المملكة والذهاب بها لمحاكم في دول أجنبية. من أجل هذا، وحرصا من جلالة الملك - وفقه الله - على صيانة الشريعة وبقاء الحكم بها بين الناس أمر - حفظه الله - بعرض موضوع التدوين المشار إليه لإلزام القضاة والحكم به على هيئة كبار العلماء؛ ليبينوا حكم الشريعة في جواز ذلك أو عدمه. ثانيا: يحسن أن نذكر شيئا مما من الله به على هذه البلاد من باب التحدث بنعمة الله التي غمرنا بها - فنقول: إنه غير خاف على أحد من أهل المعرفة ما كانت عليه بلادنا قبل تأسيس هذه الدولة المباركة من الفوضى والاضطراب، واللصوصية المغرقة، والخوف المتفاقم والفرقة المتمكنة، حتى هيأ الله سليل بيت المجد والسؤدد: الملك عبد العزيز ﵀ فقام بلم شعثها، وجمع شملها المتفرق، وبناء كيانها على أساس من منهج السلف الصالح الذي ورثه عن آبائه الكرام حماة الدعوة السلفية، وبناة حصونها في هذه البلاد، وهذه الدعوة وهي الدعوة التي دعا إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فضرب الأمن في ربوع الجزيرة أطنابه بعد أن كان مفقودا، وانتشر العدل بين الناس، وأمنوا على أنفسهم وأموالهم، واتصلوا بالعالم الخارجي اتصالا واسعا، وعرفت حال البلاد عند سائر الدول،

стр. 1833

وتعامل أهلها مع أولئك منذ مدة طويلة والبلاد في تقدم مستمر ولله الحمد، لم يضرها بقاؤها في منهاج القضاء على ما كان عليه السلف الصالح ﵏ وفهم نظامها القضائي لدى سائر أمم الأرض المتحضرة، واشتهر الأمن فيها حتى صار مضرب المثل ومثار العجب عند كل مصنف، رغم اتساع رقعة البلاد وعدم تعلم غالبية أهلها، وما ذاك إلا بفضل الله سبحانه، ثم بفضل تمسك هذه الدولة بشريعة الإسلام وسيرها على محجة سلف الأمة الذين نشروا الإسلام وساسوا العباد بالعدل وحكموا فيهم الشرع، وفوضوا إلى قضاتهم الحكم بما فهموه من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وما استنبطه العلماء منها فصلحت بذلك أحوالهم، واستقامت أمورهم، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وقد اشتهرت نزاهة القضاء في بلادنا ولله الحمد، وعدالته وبساطته، ومسايرته للفطرة، وتمشيه مع مقتضى المصلحة الحقة، حتى صار معلوما عند الموافق والمخالف، ولا يسعنا إزاء هذه النعمة العظيمة التي من الله علينا بالتمسك بها حين تخلى عنها الأكثرون إلا أن نشكره جل وعلا، ونسأله أن يثبتنا على ما نحن عليه من الحق، ويرزقنا الإعانة والتوفيق. ثالثا: نظرت الهيئة في الموضوع، فرأت أن دواعي الإصلاح قائمة، وأنه لا بد من إيجاد حل للمشكلة، وإصلاح لما تخشى عواقبه، غير أن الهيئة بأكثريتها ترى: أنه لا يجوز تدوين الأحكام على الوجه المقترح لإلزام القضاة الحكم به؛ لأنه ليس طريقا للإصلاح، ولا يحل المشكلة، ولا يقضي على الخلاف في الأحكام، أو على ظنون بعض الناس في القضاة ما دام هناك محكوم عليه، لأن اتهام القاضي في حكمه لم يسلم منه

стр. 1834

أحد حتى خير الخلق ﷺ ، فقد قال له بعض الناس: اعدل، فإنك لم تعدل، وفي رواية: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله. ومع ذلك فإن التدوين المراد يفضي إلى ما لا تحمد عاقبته؛ وذلك لأمور: ١ - إن إلزام القضاة أن يحكموا بما اختير لهم مما يسمى بالقول الراجح عند من اختاره يقتضي أن يحكم القاضي بخلاف ما يعتقد، ولو في بعض المسائل، وهذا غير جائز، ومخالف لما جرى عليه العمل في عهد النبي ﷺ ، وخلفائه الراشدين، ومن بعدهم السلف الصالح، ويسبب التحول عن سبيلهم، ولقد سبق أن وجدت هذه الفكرة في خلافة بني العباس، وعرضها أبو جعفر المنصور على الإمام مالك ﵁ فردها وبين فسادها، فهي فكرة مرفوضة لدى السلف، ولا خير في شئ اعتبر في عهد السلف من المحدثات. ٢ - إن إلزام القضاة أن يحكموا بما يدعى أنه القول الراجح فيه حجر عليهم، وفصل لهم في قضائهم عن الكتاب والسنة وعن التراث الفقهي الإسلامي، وتعطيل لهذه الثروة التي هي خير تراث ورثناه عن السلف الصالح، وفي ذلك أيضا مخالفة صريحة لما دل عليه كتاب الله تعالى من وجوب الرجوع فيما اختلف فيه من الأحكام إلى الكتاب والسنة، وإن عدم الرد إليهما عند الاختلاف ينافي الإيمان بالله تعالى، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١)

стр. 1835

٣ - إن الإلزام بما يدون يفضي إلى نفس النتيجة التي وصل إليها من سبقنا إلى هذه التجربة من الدول الإسلامية المتأخرة، فقد جربوا هذا التقنين، وألزموا القضاة العمل به، فلم يأتهم بخير، ولم يرفع اختلاف القضاة في الأحكام، وإنما أدى بهم إلى الحكم بالقوانين الوضعية فيما عدا الأحوال الشخصية، وبعض العقوبات؛ فسدا لذريعة الفساد، ومحافظة على البقاء في التحاكم إلى شريعة الله، وإبقاء على إظهار شعار أمتنا الإسلامية - يجب علينا أن نفكر في طريق آخر للإصلاح سليم من العواقب الوخيمة. ٤ - إن إيجاد كتاب يشتمل على قول واحد هو الراجح في نظر من اختاره يكون موحد الأرقام مسلسل المواد - لا يمكن أن يقضي على الخلاف، ويوجد الاتفاق في الأحكام في كل القضايا؛ لاختلاف القضاة في مداركهم وفي فهم المواد العلمية، ومدى انطباقها على القضايا التي ترفع لهم، ولاختلاف ظروف القضايا وما يحيط بها من أمارات، ويحف بها من أحوال - فقد اختلف الناس في مدلول بعض النصوص الشرعية من الكتاب والسنة مع وضوحها وجلائها، وعلم مصدرها الذي ليس علمه كعلم من يختار القول الراجح المراد. ٥ - المحاكم المدنية في الدول التي تحكم بالقوانين الوضعية دونت قوانينها على هيئة مواد موحدة، مسلسلة الأرقام، ومع ذلك اختلفت أحكام قضاتها، ووقع في بعضها التناقض والخطأ، واستؤنفت بعض الأحكام، فنقض في محاكم الاستئناف، فلم يكن ذلك التنظيم والإلزام به مانعا من الخطأ والتناقض، واتهام القضاة، ونقض الأحكام

стр. 1836

ما دام القضاة متفاوتين في الأفكار والأفهام، وبعد النظر والقدرة على تطبيق الأحكام على القضايا والوقائع. ٦ - لا يصلح للتخلص من الآثار السيئة التي ترتبت على إلزام القضاة بما يدون لهم - إعطاؤهم حق الرفع فيما يخالف فيه اعتقادهم ما دون إلى مرجعهم، فإن ذلك يعود إلى التواكل، وتدافع القضايا والتهرب من المسئولية، وتعويق المعاملات، وتكديسها، وفتح باب الاحتيال للتخلص من بعض القضايا؛ لأمر ما، ولا يعدم من أراد ذلك أن يجد في وجهة نظر المخالفين لما دون ما يسند رأيه؛ لأن الرجحان أمر نسبي مختلف فيه، ولكل قول وجهته. ٧ - الواقع يشهد بأن معرفة الخصوم لما يرجع إليه القاضي تفصيلا ليس بضروري، ولا شرط لقبول حكم القاضي، ولا نفاذه لا من جهة الشرع ولا من جهة القانون، فإن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يحكمون بين الناس في الخصومات، ولم يكن الفقه مدونا وكثير من المتخاصمين لا يحفظ القرآن كله، ولا كثيرا من السنة، وإنما يعرفون إجمالا: أن القاضي سيحكم فيما يرفع إليه من القضايا مما فهمه من الكتاب والسنة، كما أن الدول التي تحكم بقوانين وضعية لا يعرف السواد الأعظم فيها ما يرجع إليه القضاة من القوانين؛ ولذلك يقيمون المحامين ليرافعوا عنهم في قضاياهم، فلم يكن تدوين الأحكام على النهج المقترح ليوافق المتحاكمون أعمالهم معها ضروريا، ومع ذلك فالأحكام الشرعية مدونة، ومن أرادها أمكنه الوصول إليها ومعرفتها، ومع معرفته لها فإنه لا يأمن أن يخالفه القاضي في فهمها وتطبيقها على

стр. 1837

قضيته، سواء في ذلك من يرجع في تحاكمه إلى الشرع ومن يرجع إلى القانون الوضعي؛ لأن الأحكام لو دونت لا يكون فيها ذكر جميع الجزئيات من القضايا، وإنما يجتهد كل قاض في تطبيق النص على القضية التي ترفع إليه. فيما سبق ذكره وغيره مما لم يذكر من الآثار السيئة التي تنشأ عن إلزام القضاة الحكم بما يختار لهم - يجب التماس طريق آخر لعلاج الوضع. وحل المشكلة وهو ما يلي: ١ - إعداد القضاة، والعناية بهم، وتأهيلهم علميا، وتدريبهم عمليا على أعمال القضاء، ولو بدورات دراسية وتدريبية لمن يحتاج لذلك ممن على رأس العمل. ٢ - تقليل المحاكم وتركيزها في المدن وعواصم المناطق، ويكتفى بتعيين متعلمين في القرى؛ ليقوموا بشئون المساجد، وعقود الأنكحة، والوعظ والإرشاد، وكتابة الوثائق، وتلقي استخلافات القضاة ونحو ذلك، ويساعد على هذا سهولة المواصلات اليوم ووجود مرافق في المدن يستريح فيها الغريب، ويرتفق بها، ولو أقام أياما، ويسهل ذلك على القضاة في المدن الاجتماع لدراسة القضايا وهضمها، ويمنع من الترافع في الأمور التافهة البسيطة، ويدعوا إلى الصلح بين الناس، وهو أنفع من التمادي في الخصومات حتى البت في القضايا. ٣ - حسن اختيار القضاة بمراعاة ما تحلوا به من قوة في العلم، ورجاحة في العقل، مع حلم وأناة، وبعد نظر، وصدق وأمانة، وابتعاد عن مظان الريبة. . إلى غير ذلك من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في القاضي،

стр. 1838

وسيساعد على سهولة الاختيار الاقتصار على تركيز المحاكم في المدن، كما أشرنا إليه سابقا. ٤ - تأليف لجنة من العلماء؛ لبحث المسائل القضائية الهامة التي ربما يشتبه الحكم فيها على بعض القضاة، فتبين بالأدلة وجه الحكم فيها، وتوضح تطبيقها بأمثلة، خاصة القضايا التي حدثت في عصرنا، وليس هذا لإلزام القضاة بما انتهى إليه البحث، بل ليكون عونا لهم في القيام بمهمتهم، ونموذجا لهم في دراسة القضايا وحل مشكلها، والدقة في تطبيق الأحكام فيها، فبذلك تضيق شقة الخلاف، وتتحقق المصلحة المرجوة. أما ارتفاع أصل الخلاف فلا سبيل إليه، ولو توحد المرجع العلمي للقضاة باختيار قول واحد وألزم القضاة الحكم به؛ لما تقدم بيانه. ومع ذلك فإن الحكومة - وفقها الله - قد بذلت مجهودا تشكر عليه، فجعلت محاكم تمييز تدرس الأحكام الصادرة من المحاكم، وتوجه القضاة فيما تراهم قد قصروا فيه، وجعلت وراء ذلك هيئة قضائية عليا تدقق الأحكام التي يحصل حولها اختلاف بين القضاة وهيئات التمييز - كل ذلك حرصا من ولي الأمر - وفقه الله - على براءة الذمة، وإراحة الناس، وإيصال الحقوق إلى أصحابها. ٥ - إن الاختلاف في الأحكام قد وجد في عهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح، حتى من القاضي الواحد في قضيتين متماثلتين ظهر له في الثانية ما لم يظهر له في الأولى، فحكم به، ولم ينقض حكمه السابق، ولم يكن ذلك داعيا إلى التفكير في مثل التدوين المقترح، ولا إلزام

стр. 1839

القضاة لحكم بقول واحد، وهم كانوا أحرص منا على حفظ الدين، وعلى سمعته وسمعة المسلمين ما وسعهم، ولا يجوز أن يكون هذا الاختلاف مثار ريبة وتهمة للقاضي، فالأصل فيمن يختار للقضاء: أن يكون عالما أمينا على مستوى المسئولية. ٦ - مما تقدم يعلم أن العلاج للمشكلة في غير التدوين المذكور الذي لا تؤمن عاقبته، ونتيجته غير مضمونة، ويفضي إلى فصل الناس عن مصادر شريعتهم وثروة أسلافهم الفقهية، كما سبق بيانه، فتعين سلوك الطريق السليم العاقبة، المأمون النتيجة، الذي استقامت عليه حياة الأمة الإسلامية وأحوالها في قرونها السالفة. ونسأل الله أن يحفظ لأمتنا دينها، ويتم عليها نعمة الأمن والاستقرار، ويثبت إمام المسلمين، ويسدده ويعينه بالبطانة الصالحة، ويمد في أجله على عمل صالح، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء . ... . ... رئيس الدورة الثالثة . ... . ... محمد الأمين الشنقيطي عبد الله بن حميد ... صالح بن محمد اللحيدان ... عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن صالح ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن باز إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان العبيد ... محمد الحركان عبد الله بن غديان ... عبد الله خياط مخالف وله وجهة نظر ... عبد الله بن منيع له وجهة نظر محمد بن جبير مخالف، وله وجهة نظر ... راشد بن خنين لي وجهة نظر وليس فيها إلزام القاضي بالحكم بخلاف ما يعتقد ... صالح بن غصون

стр. 1840

وجهة نظر أحمد الله، وأصلي وأسلم على رسوله، وأسأل الله أن يهدينا جميعا سواء السبيل. . وبعد: فمما لا شك فيه أن هذا الأمر الذي نبحثه أمر خطير، وله شأن كبير، وآمل أن تنظره هذه الهيئة نظرة فاحصة مبنية على ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما، وتحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، وقد ظهر لي من إثارة هذا البحث ومما سمعته من كلام بعض من حضره - أن هناك اتجاها لتدوين الأحكام الشرعية على شكل مواد، وأخشى أنه إذا رفضت هذه الهيئة الإشراف على هذا الأمر، أو وضع بديل عنه - أن يسند إلى غيرها فتحصل مفسدة أكثر، وفي نظري أنه لو تولى هذا الأمر أهل العلم بالشريعة، وأخذوا بزمامه، واشترطوا إشرافهم عليه، وقيدوه بالقيود الشرعية، أو اقترحوا له بديلا - لكان ذلك أصلح، وأكثر محافظة على تحكيم الشريعة في كل شيء. وبناء على ما تقدم، وعلى ما هو معلوم لدى الجميع من ضعف المستوى العلمي لدى كثير من القضاة، بحيث لا يمكن اعتبارهم من أهل الاجتهاد والترجيح مع وجود قضايا كثيرة جدت في هذا الزمن، وهي غير منصوص عليها في كتب المذهب، بالإضافة إلى وجود اختلاف الأحكام في كثير من المسائل المتساوية، من أجل ترجيح قول على قول، أو رواية في المذهب على أخرى، لا من أجل اختلاف وقائع القضية أو ملابساتها - فإنني أرى أن تبحث من قبل هذه الهيئة في دوراتها القادمة المسائل التي فيها

стр. 1841

الخلاف المشهور، مع المسائل المستجدة، وتقرر فيها ما تراه راجحا بالدليل، ويعمم على المحاكم للعمل به، ويترك ما عدا ذلك على ما هو عليه من الحكم بالراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀، ويؤكد على المحاكم بالتزام ذلك، وأن من ظهر له الحكم في مسألة ما بخلاف ذلك فعليه رفع وجهة نظره، مع بيان مستنده لمجلس القضاء، فإن ظهر للمجلس صحة وجهة نظره وافقه على ذلك، وعممه على المحاكم، وإن لم تظهر له صحة وجهة نظره نبهه على ذلك، فإن اقتنع اعتبر الموضوع منتهيا، وإن لم يقتنع أحيلت المسألة إلى غيره، فإن لم تر هذه الهيئة دراسة المسائل الخلافية والمستجدة ووضع حد لاختلاف الأحكام، والحالة ما ذكر - فإنني أرى أنه لا مانع من تدوين الأحكام الشرعية على القول الراجح بدليله، ويعمم على المحاكم للعمل به، وإذا ظهر لأحد منهم الحكم في مسألة ما بخلاف ما هو مدون فيرفع عن ذلك لمجلس القضاء على ما هو موضح في الرأي الأول. وأسأل الله أن يوفق الجميع لمعرفة الحق واتباعه، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. حرر في ٥\ ٤\ ١٣٩٣ هـ مقدمه عضو الهيئة راشد بن صالح بن خنين

стр. 1842

خلاصة رأيي الحمد لله وحده. . . أرى أن يستغنى عن تدوين الأحكام بإلزام القضاة بأن يكون الحكم بالراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀، حسبما هو مدون في [الإقناع] و [المنتهى] مع وضع حد لمسائل الخلاف في المذهب، وتوحيد الحكم فيها، وهذا في نظري أفضل إجراء يقلل من اختلاف القضاة في أحكامهم، أما إذا بقي وضع القضاة كما هو الآن - فإنني لا أرى مانعا من تدوين الأحكام الشرعية مستمدة من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة؛ وذلك تفاديا لما يعرفه الجميع من وقوع تفاوت في الأحكام في قضايا متماثلة، بالإضافة إلى ضعف المستوى العلمي لدى الكثيرين من القضاة، وما لذلك من آثار على القضاء والمشرفين عليه والبلاد عامة. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. وحرر في ٦\ ٤\ ١٣٩٣ هـ. صالح بن علي بن غصون عضو هيئة كبار العلماء

стр. 1843

وجهة نظر الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فلقد كانت مسألة تدوين الأحكام الشرعية الراجحة في كتاب يعمم على المحاكم وإلزام القضاة التمشي بموجبه - موضع دراسة من قبل هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة؛ بناء على رغبة المقام السامي. وبعد الاطلاع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث حول تلك المسألة وتبادل الرأي بشأنها - أسفرت الدراسة عن انقسام الرأي في المسألة بين مانع ومجيز. وحيث أننا نحن الموقعين أدناه نرى جواز ذلك؛ تحقيقا للمصلحة العامة - وقد أدلى كل منا في المسألة برأيه مقتضبا حينما جرى استطلاع الآراء - دون ذكر للاستنادات والمبررات والاعتبارات التي بنينا فيها آرائنا - فإننا نوضح ذلك فيما يلي: أولا: هناك مجموعة اعتبارات يحسن بنا قبل البدء في توجيه ما نراه إيرادها. أ- ما أجمع عليه المعنيون بالدراسات الاجتماعية من أن القضاء يعتبر عنوانا لما عليه البلاد من حال، فإن كان قويا مهيبا دقيقا في تحقيق العدل والإنصاف - كان ذلك دليلا على قوة البلاد وحسن إدارتها، وإن كان غير ذلك دل على ضعفها واضطرابها، وفوضويتها، كما أجمعوا على أن أول ما تفقده البلاد عند اضطرابها وتزعزعها النزاهة في المرافق القضائية.

стр. 1844

ب- ما عليه بلادنا من اتصالات مختلفة بالبلدان الأجنبية الأخرى، سواء ما كانت بلادنا متصلة بها أو كانت هي متصلة ببلادنا، مما كان لذلك أثره في قيام علاقات مختلفة معها، وما تبع هذا من قيام اتفاقيات وتبادل معلومات وخدمات. ج- إدراك الظروف والعوامل التي برزت للجهات المسئولة عندنا إيجاد وحدات قضائية لها استقلالها الكامل من الناحية الإدارية عن الجهة الإدارية للقضاء؛ كمحاكم العمل والعمال، ومكافحة الرشوة، وفض المنازعات التجارية، ومحاكم التأديب وغيرها. مما كان لذلك أثره في تفتت الوحدة الإدارية للقضاء في بلادنا، وبالتالي تقلص الاختصاص القضائي من المحاكم الشرعية. د- الوضع القائم الآن، ومنذ استتباب الأمن لحكومتنا الرشيدة مبني على الالتزام بالحكم الراجح من مذهب الإمام أحمد ﵀، وكان ذلك امتدادا لما كانت عليه الحكومة التركية من التزام محاكمها بالحكم الراجح من مذهب الإمام أبي حنيفة، هذا بالنسبة إلى الحجاز وغيره من المناطق التي كانت خاضعة للحكم التركي سابقا. أما بالنسبة لنجد وتوابعها فقد كان الحكم في محاكمها طبقا للراجح من مذهب الإمام أحمد، وذلك قبل قيام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ حتى وقتنا هذا. هـ- ما عليه قضاة زماننا بالنسبة للمراتب العلمية التي ذكرها أهل العلم مما جاء في بحث اللجنة الدائمة من أن من يمكن إسناد القضاء إليه لا يخلو من أربع حالات: إما أن يكون مجتهدا مطلقا، كالأئمة

стр. 1845

الأربعة، أو مجتهدا منتسبا، كشيخ الإسلام ابن تيمية، أو مجتهدا في المذهب ممن له قدرة على التخريج والترجيح واستنباط الأحكام من الأدلة الشرعية بناء على أصول الإمام الذي أنتسب إليه، كمتقدمي أصحاب الأئمة، أو مقلدا متعلما، كأصحاب الأئمة المتأخرين ممن تبحروا في مذاهب أئمتهم وتمكنوا من تقرير أدلتهم، إلا أنهم لم يبلغوا درجة الترجيح والتخريج. وانتشار الوعي الحقوقي في البلاد وتطلع تلك الفئات الواعية إلى التعرف على المسالك القضائية وعجزها عن حصر تلك المسالك في إطار واضح المعالم وما نتج عن ذلك من تساؤلات وتعريضات بنزاهة القضاء وخضوعه لتأثيرات خارجية واعتبارات شخصية. ثانيا: أن أمر إثبات الراجح من أقوال أهل العلم وتدوين ذلك في كتاب وتعميمه على المحاكم الشرعية للعمل بمقتضاه - ليس أمرا محدثا، وإنما كانت الفكرة موضع إثارة وبحث الجهات المعنية بالمرافق القضائية، وذلك منذ أكثر من عشرة قرون. وقد أوردت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في بحثها الموضوع فصلا تاريخيا للفكرة، وكيف أنها برزت من حيز التفكير إلى نطاق العمل، بعد أن تكاثرت الأسباب الملحة في الأخذ بها فنجتزئ بذلك ونكتفي بإيراد حلقة تاريخية للفكرة لم تشر إليها اللجنة في بحثها. ذلك أن جلالة الملك عبد العزيز ﵀ وغفر له، أراد أن يحمل القضاة على الأخذ بأحكام مختارة يجري تدوينها ثم تعميمها على المحاكم، فقد جاء في افتتاحية (أم القرى) في عددها الصادر بتاريخ ٢٨\ ٢\ ٤٦ هـ ما نصه:

стр. 1846

إن جلالة الملك حفظه الله يفكر في وضع مجلة للأحكام الشرعية، يعهد إلى لجنة من خيار علماء المسلمين الاختصاصيين استنباطها من كتب المذاهب الأربعة المعتبرة. وهذه المجلة ستكون مشابهة لمجلة الأحكام التي كانت الحكومة العثمانية وضعتها عام ١٢٩٣ هـ، ولكنها تختلف عنها بأمور: أهمها عدم التقيد حين الاستنباط بمذهب دون آخر، بل تأخذ ما تراه في صالح المسلمين من أقوى المذاهب حجة ودليلا من الكتاب والسنة. وجاء فيها ما نصه: فأصدر أمره إلى هيئة المراقبة القضائية بالشروع في عملها على الطريقة التالية: إذا اتفقت المذاهب الأربعة على حكم من الأحكام فيكون هذا الحكم معتبرا وملزما لجميع المحاكم والقضاة. والمذاهب الأربعة هي متفقة في الأحكام الأساسية وفي كثير من الأحكام الفرعية. أما المسائل الخلافية فيشرع في تدوينها منذ اليوم، وفي وكل أسبوع تجتمع هيئة مراقبة القضاء مع جملة من فطاحل العلماء، وينظرون فيما يكون اجتمع لدى الهيئة من المسائل الخلافية وأوجه حكم كل مذهب من المذاهب فيها، وينظر في أقوى المذاهب حجة ودليلا من كتاب الله وسنة رسوله - فيصدر قرار الهيئة على إقراره والسير على مقتضاه، وبهذه الوسيلة تجتمع لدى الهيئة معظم المسائل الخلافية التي هي منشأ الصعوبة في التأليف بين أحكام المذاهب، ويصدر القرار بشأنها، ويكون هذا القرار ملزما لسائر المحاكم الشرعية والقضاة، وأساسا قويا لتوحيد الأحكام وتأليفها. اهـ. المقصود، ثم تحولت الفكرة إلى أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقا على

стр. 1847

المفتى به من مذهب الإمام أحمد، فقد صدر قرار الهيئة القضائية رقم (٣) في ١٧\١\١٣٤٧هـ المقترن بالتصديق العالي بتاريخ ٢٤\٣\١٣٤٧هـ بما يأتي: أ- أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقا على المفتى به من مذهب الإمام أحمد ابن حنبل؛ نظرا لسهولة مراجعة كتبه، والتزام المؤلفين على مذهبه ذكر الأدلة إثر مسائله. ب- إذا صار جريان المحاكم الشرعية على التطبيق على المفتى به من المذهب المذكور، ووجد القضاة في تطبيقها على مسألة من مسائله مشقة ومخالفة لمصلحة العموم- يجري النظر والبحث فيها من باقي المذاهب بما تقتضيه المصلحة، ويقرر السير فيها على ذلك المذهب؛ مراعاة لما ذكر. ج- يكون اعتماد المحاكم في سيرها على مذهب الإمام أحمد على الكتب الآتية: ١ -[شرح المنتهى] . ٢ -[شرح الإقناع] . فما اتفقا عليه أو انفرد به أحدهما فهو المتبع، وما اختلف فيه فالعمل على ما في [المنتهى] ، وإذا لم يوجد بالمحكمة الشرحان المذكوران يكون الحكم بما في شرحي [الزاد] ، أو [الدليل] إلى أن يحصل بها الشرحان، وإذا لم يجد القاضي نص القضية في الشروح المذكورة طلب نصها في كتب المذهب المذكور التي هي أبسط منها، وقضى بالراجح. اهـ. ولم يكن الإلزام بالعمل الراجح من المذهب ابتداء من ولي الأمر،

стр. 1848

وإنما كان بمشورة هيئة علمية هي الهيئة القضائية، فالتزم القضاة التابعون لرئاسة القضاة بذلك، واستمر الالتزام به حتى وقتنا هذا، ويندر من أحدهم الخروج عن المذهب، فإن خرج نقض حكمه، كما كان الحال بالنسبة للحكم الصادر من رئيس وقضاة محكمة الرياض بعدد (٥٧\١) وتاريخ ٢\٨\١٣٨٦هـ في قضية قسامة، فقد جرى نقضه من هيئة التمييز بالرياض بعدد (٦\٣) وتاريخ ٦\ ١٠ \ ١٣٨٧هـ؛ لعدة أسباب منها: الخروج بذلك عن المذهب، وتأيد النقض من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ موجب خطابه رقم (٣٧٩٨\٢\١) في ١٧\١١\٨٧هـ، وكذا بالنسبة للحكم الصادر من محكمة الرياض بعدد (٨٦\١) وتاريخ ٩\٦\١٣٨٨هـ في قضية قسامة، فقد جرى نقضه من هيئة التمييز بعدد (٧\٣) وتاريخ ٢٦\٣\١٣٩٠هـ كما صدر من سماحة رئيس القضاة ومفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ خطابه رقم (١٤٩٢) وتاريخ ٢١\٩\١٣٨٠هـ، ويتضمن الاعتراض على الفتوى باعتبار الثلاث في الطلاق واحدة. وقد جاء فيه ما نصه: نفيدكم: أن الذي عليه الفتوى وقوع مثل هذا الطلاق ثلاثا، هو الذي عليه الجماهير من أهل الفتوى.. . إلى أن قال: فلا ينبغي لأحد أن يفتي بخلاف ما عليه الفتوى في عموم المحاكم في سائر أنحاء المملكة؛ لما في ذلك من الاختلاف الذي هو شر. إلى آخره. وأخيرا: فإن هيئة التمييز بالمنطقة الوسطى قد أصدرت قرارا برقم (٨٨\٢) باريخ ٢٠\٣\١٣٩١هـ بصدد قضية رجل قتل غيلة، وحكم

стр. 1849

على قاتله بالقتل دون التفات إلى عفو الورثة، جاء فيه نصه: أولا: أن هذا الحكم مخالف للمفتى به في مذهب أحمد، أو مخالف لمذهبه بالكلية، وقد صرح العلماء: أن المقلد إذا خالف مذهب إمامه ينقض حكمه. . إلى أن قالت: ثانيا: أن إمام المسلمين أصدر التعليمات المقيدة لأحكام القضاة بأن تكون على المفتى به من مذهب أحمد، وفي بعض الأوامر قيد الحكم في ذلك في كتب معينة، ولا يخفى أن هذا تعيين مشترط، والمسلمون عند شروطهم، والقاضي إذا أقدم على الحكم بشيء لم يعينه إمامه فيه، ولم يسمح له يكون قد حكم بغير ما ولي فيه، ومعروف حكم ذلك، وقد وقع القرار المشار إليه رئيس الهيئة الشيخ عبد العزيز بن رشيد، وأعضاؤها المشايخ: محمد البواردي ومحمد بن سليم ومحمد بن عودة وصالح بن غصون،: كما أن هيئة التمييز بالمنطقة الغربية قد أصدرت قرارها رقم (٥٠٥) وتاريخ ١٥\٤\٩٠هـ حول قضية وقف انتهت فيه إلى أن المادة (١٢١) والمادة (١٢٢) من مجموعة النظم قد جاء فيه: أنه إذا لم يكن للوقف أو الوصية شرط ثابت أو عمل يستأنس به يجري النظر في دعوى المستحقين على بعض على المفتى به من مذهب الواقف أو الموصي إن علم، وإلا فيجري النظر على المذهب الذي كان الحكم بمقتضاه في زمن الواقف. وقالت الهيئة: إن القاضي يتخصص فيما يخوله ولي الأمر له. ومن هذا الاستعراض التاريخي القريب لهذه الفكرة، وما ذكر من الوقائع ـ يتضح بأنها من حيث العموم موضع التنفيذ، وأن العمل جار على اعتبارها في مجالات القضاء والإفتاء والتدريس. وأن ما يرغب ولي الأمر

стр. 1850

حفظه الله إعطاء الرأي نحوه لا يخرج عن كونه تنظيما لهذا الوضع القائم، مع الخروج عن التقيد المذهبي، وذلك بتعيين الأقوال الراجحة من قبل هيئة علمية على مستوى يسمح لها بذلك، وتدوينها في كتاب يجري تعميمه على المحاكم للعمل به، بدلا من أن يكون الراجح من المذهب موضع ادعاء يجد كل مدع في كتب المذهب ما يؤيده ويسند دعواه، مما كان لذلك أثره الواضح في اختلاف الأحكام في القضايا المتشابهة، مما في أحكامها الخلاف القوي؛ كمسائل الشفعة والرهن والقسامة وإجبار الأب ابنته البكر البالغ على الزواج، والإقطاع من حيث اعتباره اختصاصا أو تمليكا ومسألة الجد مع الإخوة واشتراط مطالبة المسروق منه في القطع وتكرار الإقرار فيه مرتين: إلى غير ذلك من مسائل الخلاف، بل قد يقع اختلاف الأحكام من القاضي نفسه، كما كان الحال من أحدهم حيث حكم في قضيتي رهن لم يقبض بلزومه في إحداهما وعدم لزومه في الأخرى، وقد لا يتجه الإيراد على ذلك بما قاله عمر ﵁: (ذلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي) ، إذ أن قضاة زماننا لا يمكن لأحد منهم مهما كانت حصيلته العلمية أن يكون في درجة عمر ﵁ وأضرابه ﵃، ممن هم في مستوى يمكنهم من الاجتهاد المطلق، بل قد يكون التردد في إلحاق أغلبهم بمرتبة علمية يجوز لأصحابها تقلد القضاء والفتوى، وقد كان للضرورة حكمها في قبول ذلك. ثالثا: مما سبق يتضح أن المسألة ليست وليدة التفكير، وأن إلزام القضاة بالحكم بمذهب إمام بعينه كان موضع التنفيذ في أماكن من البلاد الإسلامية مختلفة، وفي أعصار متفاوتة، ولا يزال العمل بذلك حتى وقتنا هذا، بل

стр. 1851

وفي بلادنا بالذات.

стр. 1852

وأقوال أهل العلم في اعتبار ذلك وإجازته كثيرة، نذكر منها ما يلي: المذهب الحنفي: قال (١) ابن عابدين: لو قضى في المجتهد فيه مخالفا لرأيه فيه ناسيا - نفذ عنده، وفي العامد، روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين، واختلف الترجيح، وقال في [الفتح] : والوجه الآن أن يفتي بقولهما؛ لأن التارك لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كله في القاضي المجتهد، وأما القاضي المقلد فإنما ولاه؛ ليحكم بمذهب أبي حنيفة، فلا يملك المخالفة، فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم. وقال أيضا تحت مطلب قضاء القاضي بغير مذهب ما نصه: وحاصل هذه المسألة: أنه يشترط لصحة القضاء أن يكون موافقا لرأيه ـ أي: لمذهبه ـ مجتهدا كان أو مقلدا، فلو قضي بخلافه لا ينفذ، لكن في [البدائع] : إذا كان مجتهدا ينبغي أن يصح، ويحمل على أنه اجتهد فأداه اجتهاده إلى مذهب الغير. ويأخذ (٢) القاضي كالمفتي بقول أبي حنيفة على الإطلاق ثم بقول أبي يوسف ثم بقول محمد ثم بقول زفر والحسن بن زياد، وهو الأصح وصحح في [الحاوي] اعتبار قوة المدرك، والأول أضبط [نهر] ولا يخير إلا إذا كان مجتهدا، بل المقلد متى خالف معتمد مذهبه لا ينفذ حكمه،

стр. 1853

وينقض، هو المختار للفتوى، كما بسطه المصنف في فتاويه وغيره. . وفي القسهتاني وغيره. وقال (١) ابن عابدين: ولو قيد السلطان القاضي بصحيح مذهبه كما في زمننا ـ تقيد بلا خلاف، ولو قيده بضعيف المذهب فلا خلاف بعدم صحة حكمه. وقال (٢) أيضا نقلا عن معروضات أبي السعود: إن العبد الآبق إذا كان من عبيد العسكرية فقد صدر الأمر السلطاني بمنع القضاة من بيعه كيلا يتخذ العبيد الإباق وسيلة للتخلف من خدمة الجيش، ثم قال: وحينئذ لا يصح بيع هؤلاء العبيد، بل يؤخذون من مشتريهم، ويرجع المشتري بالثمن، وكذلك بيع العبيد الآبقين من الرعايا إذا بيعوا بغبن فاحش، وبذلك ورد الأمر السلطاني فليحفظ فإنه مهم. وقال في [حاشية ابن عابدين] صفحة (٤٠٨) ج (٥) : فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة، فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم. انتهى. . قال في (الشر نبلاليه) : عن [البرهان] : وهذا صريح الحق الذي يعض عليه بالنواجذ. أهـ. وقال في [النهر] : وادعى في البحر أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره أو برواية ضعيفة أو بقول ضعيف ـ نفذ. وأقوى ما تمسك به ما في البزازية إذا لم يكن القاضي مجتهدا أو قضى بالفتوى على خلاف مذهبه نفذ وليس لغيره نقضه، وله نقضه كذا عن محمد، وقال الثاني: ليس له نقضه. . انتهى.

стр. 1854

وما في [الفتح] يجب أن يعول عليه في المذهب، وما في البزازية محمول على روايتين عنهما إذ قصارى الأمر أن هذا منزل منزلة الناسي لمذهبه وقد مر عنهما في المجتهد أنه لا ينفذ، فالمقلد أولى. المذهب المالكي: ويجب (١) على كل من الخليفة والقاضي إذا لم يكن مجتهدا مطلقا أن يحكم بالراجح من مذهب إمامه أو أصحاب إمامه، لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه، وكذا المفتي فإن حكم بالضعيف نقض حكمه إلا إذا لم يشتهر ضعفه وكان الحاكم به من أهل الترجيح وترجح عنده ذلك الحكم فلا ينقض، وإن حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه، لكن القول بأنه يلزمه الحكم بمذهب إمامه ليس متفقا عليه حتى قيل: ليس مقلده رسولا أرسل إليه، بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه ألا يحكم إلا بمذهب إمامه، فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط للمصلحة [الشرح الكبير والدسوقي على مختصر خليل] . وسئل (٢) القرافي: هل يجب على الحاكم أن لا يحكم إلا بالراجح عنده كما يجب على المجتهد ألا يفتي إلا بالراجح عنده أو له أن يحكم بأحد القولين وإن لم يكن راجحا عنده؟ . فأجاب قائلا: إن الحاكم إن كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه، وأن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به

стр. 1855

إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا، وأما اتباع الهوى في الحكم أو الفتيا فحرام إجماعا. . إلخ. قال (١) محمد بن عبد الرحمن الحطاب: قال ابن الحاجب: وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه في الاجتهاد أو التقليد، ولو شرط الحكم بما يراه كان الشرط باطلا والتولية صحيحة، قال الباجي: كان في سجلات قرطبة، ولا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده، قال في [التوضيح] : للإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه، كالمالكي يولي شافعيا أو حنيفا ولو شرط ـ أي: الإمام ـ على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له ـ كان الشرط باطلا وصح العقد، وهكذا في [الجواهر] عن الطرطوشي، وقال غيره: العقد غير جائز، وينبغي فسخه ورده، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدا، وهكذا المازري فيه قال: وإن كان الإمام مقلدا وكان متبعا لمذهب مالك أو اضطر إلى ولاية قاض مقلد ـ لم يحرم على الإمام أن يأمره أن يقضي بين الناس بمذهب مالك، ويأمره أن لا يتعدى في قضائه مذهب مالك؛ لما يراه من المصلحة في أن يقضي بين الناس بما عليه أهل الإقليم والبلد الذي فيه هذا القاضي، وقد ولى سحنون رجلا سمع بعض كلام أهل العراق، وأمره أن لا يتعدى الحكم بمذهب أهل المدينة. . انتهى المقصود. قال (٢) ابن فرحون: قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي: أخبرنا القاضي أبو الوليد الباجي: أن الولاة بقرطبة إذا ولوا رجلا القضاء شرطوا عليه في

стр. 1856

سجله أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده، قال الشيخ أبو بكر: وهذا جهل عظيم منهم، يريد أن الحق ليس في شيء معين، وإنما قال الشيخ أبو بكر هذا لوجود المجتهدين وأهل النظر في قضاة ذلك الزمان، فتكلم على أهل زمانه وكان معاصرا للإمام أبي عمر بن عبد البر، والقاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي أبي الوليد بن رشد، والقاضي أبي بكر بن العربي، والقاضي أبي الفضل، والقاضي أبي محمد بن عطية صاحب التفسير، وغير هؤلاء من نظرائهم، وقد عدم هذا النمط في زماننا من المشرق والمغرب. وهذا الذي ذكره الباجي عن ولاة قرطبة ورد نحوه عن سحنون، وذلك أنه ولى رجلا القضاء، وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق، فشرط عليه سحنون أن لا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك. . . قال (١) ابن رشد: وهذا يؤيد الباجي، ويؤيد ما قاله الشيخ أبو بكر، فكيف يقول ذلك، والمالكية إذا تحاكموا إليه فإنما يأتونه؛ ليحكم بينهم بمذهب مالك؟! انتهى المقصود. قال (٢) الدسوقي: بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه أن لا يحكم إلا بمذهب إمامه: فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط للمصلحة. المذهب الشافعي: قال: (٣) النووي وجلال الدين المحلي: (ويحكم باجتهاده إن كان

стр. 1857

مجتهدا، أو اجتهاد مقلده ـ بفتح اللام ـ أن كان مقلدا ـ بكسرها ـ حيث ينفذ قضاء المقلد) . وقال (١) قليوبي على قول النووي: (واجتهاد مقلده) أي: المعتمد عند مقلده إن لم يكن هو متبحرا، وإلا فباعتماده لا يجوز له الحكم بغير مذهبه. وقال (٢) الرملي على قول النووي: (مجتهد) قال: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية ولا مقلد. . . ومضى إلى أن قال بعد بيان صفة المجتهد المطلق: واجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه. أما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع، فإنه مع المجتهد كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه، كما لا يجوز له الاجتهاد مع النص. قال (٣) الإمام فخر الدين في كتابه: [ملخص البحر] : لا يجوز لمفت على مذهب إمام أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته في ذلك المذهب، وأما المقلد فلا يجوز له الحكم بغير مذهب مقلده، إذا ألزمناه اتباعه، ذكره الغزالي واقتصر عليه في [الروضة] وغيرها، وقال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد في هذا الزمان أن يحكم بغير مذهبه، فإن فعل نقض؛ لفقد الاجتهاد، وكذا في [أدب القضاء] للغزي ـ كلام ابن الصلاح، ومرادهم بالمقلد: من حفظ مذهب إمام ونصوصه لكن عاجز عن تقويم ـ وفي

стр. 1858

نسخة: تقديم ـ أدلته غير عارف بغوامضه أهـ. بواسطة ـ المنقور. المذهب الحنبلي: وعلى المقلد (١) أن يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، ومخالفة المقلد في فتواه نص إمامه كمخالفة المفتي نص الشارع [الإنصاف] ، ومن حاشية ابن قندس قوله: (فعلى هذا يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها) ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ظاهره وجوب مراعاة ألفاظ إمامه، ووجوب الحكم بمذهب إمامه، وعدم الخروج عن الظاهر عنه، وهذا كله يدل على أنه لا يصح حكمه بغير ذلك؛ لمخالفته الواجب عليه. . إلى أن قال: وظاهر ما ذكره المصنف هنا وجوب العمل بقول إمامه، والمنع من تقليده غيره، وظاهره ترجيح القول من منع تقليده غيره، وهذا هو اللائق لقضاة الزمان؛ ضبطا للأحكام، ومنعا من الحكم بالتشهي. فإن كثيرا من القضاة لا يخرجون من مذهب إمام بدليل شرعي، بل لرغبة في الدنيا، وكثرة الطمع، فإذا ألزم بمذهب إمامه كان أضبط وأسلم، وإنما يحصل ذلك إذا نقض حكم بغير مذهب إمامه، وإلا فمتى أبقيناه حصل مراد قضاة السوء، ولم تنحسم مادة السوء، ويرشح ذلك بأن يقال: هذه مسألة خلافية فبعضهم ألزم بذلك، وبعضهم لم يلزمه، والإمام إذا ولاه الحكم على مذهب إمامه دون غيره فهو حكم من الإمام بإلزامه بذلك فيرتفع الخلاف. . . إلى أن قال: قال بعض أصحابنا: مخالفة المفتي إمامه الذي قلده كمخالفة المفتي نص

стр. 1859

الشارع. . . إلى أن قال: قال النووي في [الروضة] : (فرع) : إذا استقضى مقلدا للضرورة فحكم بغير مذهب مقلده، قال الغزالي: إن قلنا: لا يجوز للمقلد تقليد من شاء، بل عليه اتباع مقلده نقض حكمه، وإن قلنا: له تقليد من شاء لا ينقض. . ثم قال: الذي تقرر: أن مذهبنا: أن الحاكم لا يجوز له الحكم بغير مذهبه، بخلاف الشافعية فيجوز أن يحكم بغير مذهب إمامه، قال شيخنا. . قال (١) شيخ الإسلام ابن تيمية: وأولو الأمر صنفان: الأمراء، والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهم أن يتحرى بما يقوله ويفعله؛ طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان الواجب، وإن لم يمكن لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده، أو غير ذلك - فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال. وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد. وقال: ثم قد يكون الحاكم وقت الوقف له مذهب، وبعد ذلك يكون للحاكم مذهب آخر. . كما يكون في العراق وغيرها من بلاد الإسلام فإنهم كانوا يولون القضاء تارة لحنفي، وتارة لمالكي، وتارة لشافعي، وتارة لحنبلي. وهذا القاضي يولي في الأطراف من يوافقه على مذهبه تارة، أو يخالفه أخرى، ولو شرط الإمام على الحاكم أو شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين بطل الشرط، وفي فساد العقد وجهان.

стр. 1860

ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاة أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا الشرط (فعلوا) ، فأما إذا قدر أن في الخروج عن ذلك من الفساد جهلا وظلما أعظم مما في التقدير - كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولكن هذا لا يسوغ لواقف أن يجعل النظر في الوقف إلا لذي مذهب معين دائما، مع إمكان إلا أن يتولى في ذلك المذهب، فكيف إذا لم يشرط ذلك؛ ولهذا كان في بعض بلاد الإسلام يشرط على الحاكم أن لا يحكم إلا بمذهب معين، كما صار أيضا في بعضها بولاية قضاة مستقلين، ثم عموم النظر في عموم العمل، وإن كان في كل من هذا نزاع معروف، وفيمن يعين إذا تنازع الخصمان: هل يعين الأقرب أو بالقرعة؟ فيه نزاع معروف، وهذه الأمور التي فيها اجتهاد إذا فعلها ولي الأمر نفذت.
следующие страницы →