سجله أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده، قال الشيخ أبو بكر: وهذا جهل عظيم منهم، يريد أن الحق ليس في شيء معين، وإنما قال الشيخ أبو بكر هذا لوجود المجتهدين وأهل النظر في قضاة ذلك الزمان، فتكلم على أهل زمانه وكان معاصرا للإمام أبي عمر بن عبد البر، والقاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي أبي الوليد بن رشد، والقاضي أبي بكر بن العربي، والقاضي أبي الفضل، والقاضي أبي محمد بن عطية صاحب التفسير، وغير هؤلاء من نظرائهم، وقد عدم هذا النمط في زماننا من المشرق والمغرب.
وهذا الذي ذكره الباجي عن ولاة قرطبة ورد نحوه عن سحنون، وذلك أنه ولى رجلا القضاء، وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق، فشرط عليه سحنون أن لا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك. . . قال (١) ابن رشد: وهذا يؤيد الباجي، ويؤيد ما قاله الشيخ أبو بكر، فكيف يقول ذلك، والمالكية إذا تحاكموا إليه فإنما يأتونه؛ ليحكم بينهم بمذهب مالك؟! انتهى المقصود.
قال (٢) الدسوقي: بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه أن لا يحكم إلا بمذهب إمامه: فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط للمصلحة.
المذهب الشافعي:
قال: (٣) النووي وجلال الدين المحلي: (ويحكم باجتهاده إن كان
стр. 1857
مجتهدا، أو اجتهاد مقلده ـ بفتح اللام ـ أن كان مقلدا ـ بكسرها ـ حيث ينفذ قضاء المقلد) .
وقال (١) قليوبي على قول النووي: (واجتهاد مقلده) أي: المعتمد عند مقلده إن لم يكن هو متبحرا، وإلا فباعتماده لا يجوز له الحكم بغير مذهبه.
وقال (٢) الرملي على قول النووي: (مجتهد) قال: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية ولا مقلد. . . ومضى إلى أن قال بعد بيان صفة المجتهد المطلق: واجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه. أما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع، فإنه مع المجتهد كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه، كما لا يجوز له الاجتهاد مع النص.
قال (٣) الإمام فخر الدين في كتابه: [ملخص البحر] : لا يجوز لمفت على مذهب إمام أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته في ذلك المذهب، وأما المقلد فلا يجوز له الحكم بغير مذهب مقلده، إذا ألزمناه اتباعه، ذكره الغزالي واقتصر عليه في [الروضة] وغيرها، وقال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد في هذا الزمان أن يحكم بغير مذهبه، فإن فعل نقض؛ لفقد الاجتهاد، وكذا في [أدب القضاء] للغزي ـ كلام ابن الصلاح، ومرادهم بالمقلد: من حفظ مذهب إمام ونصوصه لكن عاجز عن تقويم ـ وفي
стр. 1858
نسخة: تقديم ـ أدلته غير عارف بغوامضه أهـ. بواسطة ـ المنقور.
المذهب الحنبلي:
وعلى المقلد (١) أن يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مقلد، ومخالفة المقلد في فتواه نص إمامه كمخالفة المفتي نص الشارع [الإنصاف] ، ومن حاشية ابن قندس قوله: (فعلى هذا يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها) ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ظاهره وجوب مراعاة ألفاظ إمامه، ووجوب الحكم بمذهب إمامه، وعدم الخروج عن الظاهر عنه، وهذا كله يدل على أنه لا يصح حكمه بغير ذلك؛ لمخالفته الواجب عليه. . إلى أن قال: وظاهر ما ذكره المصنف هنا وجوب العمل بقول إمامه، والمنع من تقليده غيره، وظاهره ترجيح القول من منع تقليده غيره، وهذا هو اللائق لقضاة الزمان؛ ضبطا للأحكام، ومنعا من الحكم بالتشهي. فإن كثيرا من القضاة لا يخرجون من مذهب إمام بدليل شرعي، بل لرغبة في الدنيا، وكثرة الطمع، فإذا ألزم بمذهب إمامه كان أضبط وأسلم، وإنما يحصل ذلك إذا نقض حكم بغير مذهب إمامه، وإلا فمتى أبقيناه حصل مراد قضاة السوء، ولم تنحسم مادة السوء، ويرشح ذلك بأن يقال: هذه مسألة خلافية فبعضهم ألزم بذلك، وبعضهم لم يلزمه، والإمام إذا ولاه الحكم على مذهب إمامه دون غيره فهو حكم من الإمام بإلزامه بذلك فيرتفع الخلاف. . . إلى أن قال: قال بعض أصحابنا: مخالفة المفتي إمامه الذي قلده كمخالفة المفتي نص
стр. 1859
الشارع. . . إلى أن قال: قال النووي في [الروضة] : (فرع) : إذا استقضى مقلدا للضرورة فحكم بغير مذهب مقلده، قال الغزالي: إن قلنا: لا يجوز للمقلد تقليد من شاء، بل عليه اتباع مقلده نقض حكمه، وإن قلنا: له تقليد من شاء لا ينقض. . ثم قال: الذي تقرر: أن مذهبنا: أن الحاكم لا يجوز له الحكم بغير مذهبه، بخلاف الشافعية فيجوز أن يحكم بغير مذهب إمامه، قال شيخنا. .
قال (١) شيخ الإسلام ابن تيمية: وأولو الأمر صنفان: الأمراء، والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهم أن يتحرى بما يقوله ويفعله؛ طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان الواجب، وإن لم يمكن لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده، أو غير ذلك - فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال. وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد.
وقال: ثم قد يكون الحاكم وقت الوقف له مذهب، وبعد ذلك يكون للحاكم مذهب آخر. . كما يكون في العراق وغيرها من بلاد الإسلام فإنهم كانوا يولون القضاء تارة لحنفي، وتارة لمالكي، وتارة لشافعي، وتارة لحنبلي. وهذا القاضي يولي في الأطراف من يوافقه على مذهبه تارة، أو يخالفه أخرى، ولو شرط الإمام على الحاكم أو شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين بطل الشرط، وفي فساد العقد وجهان.
стр. 1860
ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاة أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا الشرط (فعلوا) ، فأما إذا قدر أن في الخروج عن ذلك من الفساد جهلا وظلما أعظم مما في التقدير - كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولكن هذا لا يسوغ لواقف أن يجعل النظر في الوقف إلا لذي مذهب معين دائما، مع إمكان إلا أن يتولى في ذلك المذهب، فكيف إذا لم يشرط ذلك؛ ولهذا كان في بعض بلاد الإسلام يشرط على الحاكم أن لا يحكم إلا بمذهب معين، كما صار أيضا في بعضها بولاية قضاة مستقلين، ثم عموم النظر في عموم العمل، وإن كان في كل من هذا نزاع معروف، وفيمن يعين إذا تنازع الخصمان: هل يعين الأقرب أو بالقرعة؟ فيه نزاع معروف، وهذه الأمور التي فيها اجتهاد إذا فعلها ولي الأمر نفذت.
стр. 1861
أما العلماء المعاصرون الذين يرون التدوين والإلزام فإننا نورد أقوالهم كما يلي:
قال (١) الأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء: والاجتهاد الإسلامي قد أقر لولي الأمر العام من خليفة أو سواه أن يحد من شمول بعض الأحكام الشرعية وتطبيقها، ويأمر بالعدل بقول ضعيف مرجوح إذا اقتضت المصلحة الزمنية ذلك، فيصبح هو الراجح الذي يجب العمل به، وبذلك صرح فقهاؤنا وفقا لقاعدة: (المصالح المرسلة) ، وقاعدة: (تبدل الأحكام بتبدل الزمان) ، ونصوص الفقهاء في مختلف الأبواب تفيد أن السلطان إذا أمر بأمر في موضوع اجتهادي - أي: قابل للاجتهاد، غير مصادم للنصوص القطعية في
стр. 1862
الشريعة - كان أمره واجب الاحترام والتنفيذ شرعا.
وقال (١) أيضا تعليقا على ذلك: جاء في كتاب الوقف من [الدر المختار] ، وحاشيته [رد المحتار] نقلا عن معروضات المولى أبي السعود - وهو مفتي المملكة العثمانية، ثم قاضي القسطنطينية في عهد السلطانين: سليمان، وسليم، ومن كبار رجال المذهب الحنفي المتأخرين، المعول على فتاويهم وترجيحاتهم - أنه إذا صدر الأمر السلطاني بعدم نفاذ وقف المدين في القدر الذي يتوقف تسديد الدين من أمواله عليه قطعا؛ لما يلجأ إليه بعض الناس من وقف أموالهم؛ لتهريبها من وجه الدائنين.
وبناء على الأمر صرح الفقهاء من بعده بعدم نفاذ مثل هذا الموقف شرعا، وقد كانت النصوص في أصل المذهب صريحة في نفاذ وقف المدين، ولو كان دينا محيطا بجميع أمواله؛ لأن الدين إنما يتعلق بذمته لا بعينه. . . ومضى إلى أن قال: والمهم جدا في هذه النصوص ليس هو الموضوعات التي وردت فيها، بل المبدأ الفقهي الذي تتضمنه؛ لما له من تأثير ذي بال في شتى الأحكام.
وقال الدكتور أحمد موافي في كتابه [الفقه الجنائي المقارن] : ومن القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية: أن لولي الأمر ولاية حمل الناس على ما يختاره لهم من الأحكام، وصياغتها في نصوص مكتوبة يلتزم بها القضاة. وينهي الدكتور أحمد موافي بحثه بقوله: وهكذا نخلص مما تقدم إلى: ١ - أن تدوين الأحكام في الشرع عمل سائغ.
стр. 1863
٢ - أن الأحكام موجودة من قبل التدوين على عكس القوانين الوضعية، فإنها لا تعتبر قائمة إلا من بعد تدوينها.
٣ - وأن غير المدون في القوانين لا يعتبر حكما، ولكنه في الشرع يستدل عليه بالاجتهاد، ويستنبط بالطرق المرسومة لذلك في علم الأصول.
٤ - وأنه يمكن مسايرة التطور بالبحث عن حكم الله وصياغته في مواد كلما دعت حاجة المجتمع ومصلحته إلى ذلك؛ لأنه حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله.
٥ - وأن لولي الأمر ولاية حمل الناس على إلزامهم باتباع حكم بذاته غير مقيد في ذلك المجتمع ومصلحته، مادام يرى المصلحة في ذلك.
هذا وقد أسلفنا أن الشرع الإسلامي من وضع الله فكل حكم في الشريعة الإسلامية منه جلت قدرته، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١) فقد أنزل الله الشريعة على رسوله بالقرآن الكريم، وبما أوحاه إليه من أحكام، وبما أقره عليه من اجتهاد، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)
وقال الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر المتوفى عام ١٣٦٥ هـ، وكان رئيسا لمحكمة مصر الشرعية العليا: القاضي لا ينفذ قضاؤه، بخلاف مذهب متبوعه عامدا أو ناسيا؛ لأنه إنما ولي ليحكم بمذهب متبوعه - كأبي حنيفة مثلا - فهو معزول عن الحكم بغير هذا
стр. 1864
المذهب، وللسلطان أن يحكم ويقضي بين الخصوم على المفتى به، ومتى صادف مجتهدا فيه نفذ أمره، ولا شبهة في أن علة عدم نفاذ حكم القاضي بخلاف مذهبه، سواء كان مجتهدا أم مقلدا - انحصرت في أمرين:
الأول: اتباع الهوى.
الثاني: عزله عن خلاف مذهبه.
ونحن لا نخالف في هذا، ونصرح بأن الحكم بالهوى باطل. ونصرح بأن الحكم بخلاف ما أذن به القاضي من الحاكم الذي ولاه باطل، ولكن الذي نتحدث عنه شيء وراء هذا كله، ذلك أننا نتحدث عن شيء سيضعه الحاكم ويلزم فيه القضاة باتباع مذاهب معينة غير مذاهبهم لمصلحة رآها، ورآها المسلمون، ونحن نصرح بأن هذا جائز شرعا، وأن القاضي يجب عليه شرعا أن يقضي في مثل هذا بما يقيده به الحاكم، ولا يجوز له أن يقضي بغير ما قيده به الحاكم، وإلا كان قضاؤه باطلا؛ وذلك لأن القاضي نائب عن الحاكم في الحكم، وقد كان يجوز للحاكم أن يقضي بالأقوال التي يريد تقييد قضائه بها، فيجب عليهم اتباع شروط التوكيل عنه. . . إلى أن قال: والمجتهد يحرم عليه شرعا أن يعمل بغير رأيه، سواء كان مجتهدا مطلقا، أو مجتهدا في مسألة، أو مسائل خاصة، والمقلد الذي يستطيع النظر في الأدلة وترجيح بعضها على بعض - يجب عليه أن يعمل بما يترجح عنده بالدليل، ولا يجوز له أن يتخير، ومن يستطيع الترجيح يتخير أو يعمل بما يطمئن إليه قلبه.
والقاضي والمفتي لا يحيدان عن هذا، غير أن القاضي يمتاز عمن يريد العمل لنفسه ذلك أنه عندما يقلد القضاء من الحاكم يجب عليه اتباع شروط
стр. 1865
الحاكم الذي ولاه، فإن ولاه على أن يحكم بمذهب إمام معين - كأبي حنيفة مثلا - وجب عليه امتثاله، وإن حتم عليه العمل بالراجح وجب عليه امتثاله، وإن نص في منشوره على العمل بأقوال قيل إنها مرجوحة في مسائل معينة - وجب عليه امتثاله، وإن نص في منشوره على العمل بغير مذهب أبي حنيفة في مسائل معينة وجب عليه امتثاله، ومتى حكم القاضي بما يقيده له الحاكم الذي ولاه لا يمكن أن يقال: إن حكمه للهوى والغرض، ولا أنه حكم بأخذ المال.
أما الشيخ أبو الأعلى المودودي فقد دعا في كتابه [القانون الإسلامي] إلى تدوين الأحكام الفقهية على شكل مواد وفق الأسلوب الحديث؛ لتنفذها المحاكم، وتدرسها كليات الحقوق.
ومن هذه الأقوال التي نقلناها عن عدد من علماء المذاهب الأربعة وما اطلعنا عليه ضمن بحث اللجنة الدائمة نستطيع أن نقول: إن الإجماع يكاد يكون منعقدا على أن من توفرت فيه من القضاة شروط الاجتهاد التي ذكرها العلماء في كتبهم فإنه لا يجوز إلزامهم بالحكم بمذهب معين، أما إذا كان القاضي مقلدا ولا يتصف بأي شروط من شروط الاجتهاد - كما هو حال قضاتنا - فإن الأقوال طافحة وصريحة بأن إلزام أمثال هؤلاء بالحكم بمذهب معين - أمر سائغ. والذين لا يجيزون الإلزام بالحكم بمذهب معين فإنهم لا يقولون بأن غير المجتهد من القضاة لا يصح إلزامه؛ لأنهم يرون أن تولية القضاء غير المجتهد غير صحيحة، وهو رأي فيه من الحرج والضيق الشيء الكثير، وما أحسن قول شهاب الدين بن عطوة في هذا المقام حيث يقول: فإن ولاية الحكام في وقتنا ولايات صحيحة؛ لأنهم سدوا من ثغور
стр. 1866
الإسلام ثغرا سده فرض كفاية، ولو أهملنا هذا القول ومشينا على طريقة التفاؤل التي يمشي عليها من مشى من الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتابه شروطا في القاضي إذا قلنا به - لم يصح أن يكون أحد قاضيا حتى يكون من أهل الاجتهاد، ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام - فهذه إحالة، أو كالتناقض وكانت تعطيلا للأحكام وسدا للباب وألا ينفذ حق ولا يكاتب فيه، ولا تقام بينة إلى غير ذلك من القواعد الشرعية - فكان هذا غير صحيح. اهـ.
رابعا: لئن كان للإلزام بالحكم بقول معين بعض المآخذ التي قد يكون من أهمها: تبلد الفكر، والجمود بالبحث، فإن في ذلك من المصالح العامة التي تعود على الضروريات الخمس بالعناية والرعاية والحفاظ ما يدعو إلى التغاضي عن هذه المآخذ؛ تطبيقا لقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما، فالدواعي إلى الأخذ بذلك كثيرة، نذكر منها ما يلي:
أ - ما عليه غالب القضاة من مستوى علمي ضعيف لا يستطيعون به الاجتهاد لأنفسهم، ولا إدراك الراجح من مذهب من هم منتسبون إليه من بين الأقوال المبثوثة في كتب المذهب، لا سيما وفي الكتب المؤلفة في المذهب أقوال مختلفة يذكر كل مؤلف في الغالب: أن ما ذكره في هذه المسألة مثلا هو المذهب، كما هو الأمر بالنسبة لـ[المنتهى] و [الإنصاف] وغيرهما من كتب الحنابلة.
ب - ما نتج عن إطلاق الأمر للقاضي في تعيينه الراجح من المذهب أو إطلاق الأمر إليه في الاجتهاد في الحكم بما يراه من الاختلاف في
стр. 1867
الأحكام الصادرة من المحاكم، ومن الاختلاف في اتجاهاتها - فهذه تحكم بصرف النظر عن دعوى القسامة مثلا؛ لعجز المدعي عن إحضار خمسين رجلا يحلفون خمسين يمينا على قتل المدعى عليه صاحبهم، والأخرى تحكم بقتل المدعى عليه؛ لحلف ورثة القتيل خمسين يمينا، فيترك الأول ويقتل الثاني، كما أن إحدى المحاكم تحكم بقطع يد السارق بغض النظر عن مطالبة المسروق منه ذلك، بينما تشترط المحكمة الأخرى للحكم بقطع يده مطالبة المسروق منه بذلك، فتقطع يد الأول وتترك يد الثاني، وهذه تحكم بالشفعة، وهذه تمنعها، وهذه تحكم بملكية المقطع، والأخرى تحكم بالاختصاص دون التملك؛ مما كان لذلك أثره السيئ في نفوس كثير من الناس قد يكون منه اتهام القضاة في أحكامهم بالهوى والتشفي والاستهانة بالحقوق ومجريا.
ج - كثرة الشكاوى من فئات مختلفة داخل البلاد وخارجها من أن القضاء في البلاد غير واضح المعالم حتى لطلبة العلم أنفسهم، إذ أن أحدهم يمكن أن يكون طرفا في خصومة عند أحد القضاة، وقد يكون مستواه العلمي أعلى من مستوى القاضي نفسه، ومع ذلك لا يدري بما يحكم القاضي به، وقد كان لذلك أثره السيئ في تبرم البعض من حال القضاء لدينا، وفي الطعن فيه من بعضهم بأنه - بحكم أنه غير واضح المعالم في تحقيق العدل وفض النزاع - ليس موضع ثقة.
د - القضاء على التعللات التي كانت تبريرا لإيجاد محاكم مستقلة عن الجهة الإدارية للقضاء لدينا؛ كمحاكم الرشوة والتزوير، ومكافحة
стр. 1868
المخدرات، وفض المنازعات التجارية وغيرها مما هو موجود أو في طريقه إلى الوجود، مما كان له أثره في تفتت الوحدة القضائية، وتقلص اختصاص المحاكم الشرعية.
هـ - منع الجائز لدى بعض أهل العلم قد يترتب عليه حصول مفسدة ويخشى أن في الإبقاء على الوضع القائم ما يدعو إلى ما لا تحمد عقباه. وفي التاريخ من ذلك عبر.
واستحالة تنفيذ الرأي الذي أشار إليه بعض الزملاء في إعطاء بعض القضاة الحرية فيما يحكمون به؛ للثقة بقدراتهم العلمية، وتقييد الآخرين بالراجح من مذهب الإمام أحمد؛ لاستحالة تصنيف القضاة إلى هذين القسمين.
ز - اختلاف وجهات النظر حتى لدى محكمتي التمييز في الرياض ومكة، ونذكر لذلك مثالا، فقد سبق أن قامت محكمة التمييز بالرياض بنقض حكم بالقسامة صادر من محكمة الرياض، لأنه كان مبنيا على قول مرجوح في المذهب بينما كانت محكمة التمييز في مكة المكرمة تشير إلى المحكمة الكبرى بمكة في قضية قتل بأن تحكم فيها بالقسامة بالقول المرجوح الذي قامت محكمة التمييز في الرياض بنقض الحكم المبني عليه.
ح - أن اختلاف الأحكام القضائية في صدر الإسلام لم يبعث على تدوين أحكام موحدة، وعلى الإلزام برأي معين؛ لقوة العلماء في ذلك العهد، وكفايتهم، فتوفرت الثقة في نفوس الأمة، وأمنت الفتنة، فلم يكن ثم حاجة إلى التدوين والإلزام به. أما في زمننا هذا وما قبله من
стр. 1869
أزمان بعد أن طرأ الضعف على الكيان الإسلامي - فالحاجة ملحة إلى التدوين بالطريقة المقترحة، والإلزام بالحكم بمقتضى ما دون - أمر لا بد منه؛ رعاية للمصلحة، وحفظا للحقوق، وإبقاء على العمل بأحكام الشريعة في المحاكم الشرعية.
ط - حدوث مسائل جديدة ليس في الكتب الفقهية المعتمدة لدى القضاة لها ذكر، كالمعاملات المصرفية، ومسائل المقاولات والمناقصات، وشروط الجزاء، ومشاكل الاستيراد والتصدير والتأمين بمختلف جوانبه، ونحو ذلك مما لا قدرة لغالب القضاة على معرفة الحكم الذي يحكمون به في الخلاف حولها، مما كان سببا في إيجاد محاكم أخرى لها جهة إدارية مستقلة عن الجهة الإدارية للمحاكم الشرعية، وفي اشتمال هذه المحاكم على قضاة قانونيين يشتركون مع القضاة الشرعيين، وذلك؛ كمحاكم الرشوة، وفض المنازعات التجارية وغيرها.
ي - هناك مجموعة من الحكومات الإسلامية ممن أبعدها الاستعمار عن روح الشريعة، فبعد أن استقلت وتنفست الصعداء من ثقل وطأة المستعمر عليها - راحت تخطط لعودتها إلى الحكم بالشريعة الإسلامية إلا أنها تقرر العجز في اختيار ما تراه، وليس أمامها شيء ميسور يمكن أن تسير عليه، ونمثل لذلك بباكستان. وأن الغيورين على الشريعة الإسلامية أخذوا في الآونة الأخيرة يطالبون بوضع قانون إسلامي مستمد من الشريعة الإسلامية، وعقدت لأجل ذلك المؤتمرات؛ ولذلك فإن على بلادنا أن تأخذ بزمام المبادرة، وتقدم
стр. 1870
للعالم الإسلامي أحكاما إسلامية مدونة، وبلادنا أقدر البلاد الإسلامية على مثل تلك المبادرة؛ لعدم وجود أي سيادة أو فكر للقانون الوضعي. والحمد لله.
خامسا: أن الإلزام بقول معين كان موضع الاعتبار والتنفيذ من الصدر الأول في الإسلام. ففي عهد عثمان ﵁ جمع القرآن على حرف واحد، ومنع القراءة بالحروف الأخرى، وأحرق المصاحف المخالفة؛ وذلك تحقيقا لمصلحة المسلمين، وحفاظا على وحدة القرآن أن يكون موضع اختلاف، وكان الخير فيما فعل، ولا يرد ما قيل بأن الرسم العثماني كان مشتملا على جميع القراءات السبع حسب العرضة الأخيرة، فإن العرضة الأخيرة لم يشهدها مع رسول الله ﷺ إلا زيد بن ثابت، وليس في أمر عثمان للأربعة الأفاضل الذين عهد إليهم بالمهمة أن يكون الجمع طبقا للعرضة الأخيرة. ثم إن تنقيط المصحف كان في القرن الأول من قرون الإسلام قام به الحجاج بن يوسف، وقد تلقاه الناس بالقبول والارتياح، واعتبرت هذه مزية كريمة للحجاج، مع أن التنقيط يستلزم إلغاء القراءات الأخرى في الرسم العثماني، على افتراض أن يشملها بدون تنقيط. وفي عهد معاوية ألزم بتوريث المسلم من الكافر دون العكس، فكان شريح يقضي بذلك ويقول: هذا قضاء أمير المؤمنين، وفي زمننا صدرت عن الجهة المسئولة في القضاء لدينا مجموعة تعاميم لاعتبارها في المحاكم والتمشي بموجبها، ومن ذلك الاستشمام ومقادير الديات ونظام المساييل وغيرها.
سادسا: ما يقال بأن التدوين خطوة إلى إلغاء الشريعة الإسلامية،
стр. 1871
والاستدلال على ذلك بأن حكومة ما دونت الراجح من مذهب من هي منتسبة إليه في مواد، وألزمت العمل بذلك في محاكمها ثم ألغت الشريعة مطلقا - فهذا مردود؛ لأن تلك الحكومة لم يقتصر تنكرها للدين على المسلك القضائي في المحاكم، وإنما نفضت يدها من الدين مطلقا، وانتقلت إلى دولة علمانية، ثم إن هناك مجموعة من الحكومات الإسلامية ليست دولة أو دولتين لم يكن لها مواد مدونة من الشريعة الإسلامية، وإنما كانت محاكمها تحكم بالراجح من مذهب إمام ما من أئمة المسلمين فكان منها - والعياذ بالله - أن ألغت العمل بالشريعة الإسلامية، وأخذت بقوانين أوروبا وغيرها، وتركت التعاليم الإسلامية عن القضاء خاصة بالأحوال الشخصية. نقصد بذلك أن التدوين ليس وسيلة إلى تحقق ما بدت المخاوف منه.
وأما القول بأن في التدوين تبليدا للفكر، وجمودا به عن البحث والاستقصاء - فيجاب عن ذلك بأمرين:
الأمر الأول: أن الإلزام بمذهب معين كان موضع التنفيذ لدى كثير من ولاة أمر المسلمين على مختلف الأمصار والأعصار، ولم يكن هذا مانعا من الاتساع الفقهي، بل إن مطولات الكتب في الفقه لم توجد إلا في هذه الفترات.
الأمر الثاني: أن الإلزام ليس شاملا للجهات العلمية المختلفة، وإنما هو خاص بالقضاة فيما يحكمون به، مع أن القاضي إذا كان لديه الأهلية في البحث والاستقصاء والاجتهاد فإن الجهة المختصة به إداريا ستعير اجتهاده ما يستحقه، كما أن تدوين الأحكام لا يمكن أن يكون شاملا لجميع القضايا
стр. 1872
فإن الأمر كما قيل: (القضايا ممدودة، والأحكام محدودة) فللقضاة مجال البحث والتحقيق في قياس ما لم ينص عليه على ما نص عليه، وذلك بالرجوع إلى المصادر الشرعية المستقى منها هذا التدوين. ثم إن طبيعة العمل القضائي لا سيما في العصور المتأخرة تقتضي تبلد الفكر، وركود الحصيلة، والقضاة يقررون ذلك، ويكثرون من الشكوى منه، وقد روي عن الإمام أبي حنيفة أنه لا يرى أن يتولى القاضي القضاء أكثر من سنتين خشية ضياع علمه.
سابعا: أن النهوض بالمرفق القضائي يتطلب مجموعة عوامل يعتبر التدوين في نظرنا أحدها، لا أنه العامل الوحيد للنهوض بمستواه. بمعنى: أن الاقتصار عليه لا يعطي نتيجة مرضية في ذلك.
لذلك كله وبحكم ممارسة أكثرنا للأعمال القضائية مدة طويلة - حكما وتدقيقا - وما نتج عن ذلك من إدراك لأحوال القضاة، واطلاع على جوانب النقص في أحكام غالبيتهم، وتحسبا لما نخشى وقوعه في حال رفض هذه الفكرة - فإننا نرى جواز تدوين الأحكام الشرعية المختارة من أرجح أقوال العلماء دليلا في كتاب يجري تعميمه على المحاكم وإلزام القضاة الحكم بموجبه، وإلى أن يتم التدوين نرى أن يؤكد ما سبق صدوره في عهد الملك عبد العزيز ﵀ من أن الحكم يكون بالراجح من مذهب الإمام أحمد، ما عدا المسائل التي يصدر فيها قرار من هيئة كبار العلماء، أو مجلس القضاء الأعلى بأن الراجح فيها من حيث الدليل خلاف الراجح في المذهب. وإذا ظهر لأحد القضاة وجه للحكم في قضية بخلاف ذلك فعليه الرفع عن وجهة نظره مع ذكر مستنده إلى مرجعه؛ لدراسة ذلك في مجلس
стр. 1873
القضاء الأعلى.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
عضو هيئة كبار العلماء
صالح بن غصون
احتفاظي بالتفصيل الذي
جاء في رأيي المدون بالمحضر
والتقيد بما ورد فيه
...
عضو هيئة كبار العلماء
عبد المجيد حسن
عضو هيئة كبار العلماء
محمد بن جبير
عضو هيئة كبار العلماء
عبد الله بن منيع
...
عضو هيئة كبار العلماء
عبد الله خياط
عضو هيئة كبار العلماء
راشد بن خنين
مع احتفاظي بالتفصيل الذي جاء
في رأيي المدون بالمحضر والمرفقة صورته
стр. 1874
(٥)
إقامة طابق على شارع الجمرات
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 1875
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إقامة طابق على شارع الجمرات
إعداد
اللجنة الدائمة للبعوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على كتاب صاحب الفضيلة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد رقم (١٢٧\١) وتاريخ ١٢\١\١٣٩٣ هـ، المحال إلى الأمين العام لهيئة كبار العلماء نحو عرض الاستفتاء المرفق على مجلس الهيئة؛ لأن هذا الموضوع من المواضيع الهامة، فأحاله فضيلة الأمين إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وبرفقه خطاب صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة رقم (٥٩\٥\٧\ أم) وتاريخ ٤\١\١٣٩٣ هـ الموجه إلى معالي وزير العدل، والذي يطلب فيه ما ذكره بقوله: نظرا لتزايد أعداد الحجاج في كل عام، وخاصة في القفزة الكبيرة التي قفزها العدد في موسم حج هذا العام ١٣٩٢ هـ وما يصادفه الحجاج من ازدحام شديد عند الرجم، وبدراسة الوضع من قبل لجنة الحج العليا - اقترح إحداث طابق ثان على شارع الجمرات، ورفع الشاخص وحوض كل جمرة إلى منسوب يمكن الرجم من الطابق الثاني؛ وذلك لإتاحة المجال للرجم من أسفل ومن أعلى؛ تخفيفا للضغط، وحفاظا
стр. 1876
على الأرواح التي قد تزهق نتيجة لهذا الضغط، وأن يتم التنفيذ إذا كان ذلك يتفق والوجهة الشرعية، وقد أوصت اللجنة بالكتابة لمعاليكم لإبداء الوجهة الشرعية في ذلك، وطلب الجواب على ذلك، بناء على ذلك، وعلى البرقية عدد (أم \١٤١) وتاريخ ٧\١\١٣٩٣ هـ، والتي فيها اقتراح اللجنة العليا للحج بناء حوض خارجي عن الحوض الحالي للجمار مع بقاء الحوض الأول؛ ليجتمع فيه للحصى الذي لا يستوعبه الحوض الأول. . أعدت اللجنة ما يأتي:
أن هذه الاقتراحات تشتمل على أربعة أمور: على بناء طابق على شارع الجمرات، وعلى رفع شاخص الجمرات وجدار الحوض، وعلى رمي الجمرات من أعلى الطابق، وتوسعة حوض المرمى بوضع حوض خارجي مع بقاء الأول.
١ - أما رمي الجمرات من فوق الطابق، فإن عمر بن الخطاب ﵁ رمى جمرة العقبة من فوقها خشية الزحام، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵃.
وأما ما روى عبد الرحمن بن يزيد من أنه مشى مع عبد الله بن عمر وهو يرمي الجمرة، فلما كان في بطن الوادي أعرضها فرماها، فقيل له: إن ناسا يرمونها من فوقها، فقال: «من ها هنا والذي لا إله إلا هو رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة رماها (١) » متفق عليه - فإنه حث على الفضيلة في الرمي من جهة بطن الوادي عند السعة، فإذا رماها الحاج في الحوض من فوق طابق أقيم على بطن الوادي - ولو في السعة - فقد أتى بالفضيلة، فإنه رمى من الجهة التي رمى منها النبي ﷺ وهو راكب
стр. 1877
راحلته، والذي استنكر إنما هو رمي جمرة العقبة في الحوض من الخلف والناس في سعة، وأما عند الضيق وشدة الزحام فللحاج أن يرمي في الحوض ولو من غير جهة بطن الوادي، سواء كان في مكان مساو لبطن الوادي أو أعلى منه، ثم إن القاعدة المقررة عند الفقهاء: أن من ملك أرضا ملك تخومها وما فوقها من الفضاء، فما فوق بطن الوادي تبع له، فمن رمى من أعلى الطابق الذي بني على الوادي فهو في حكم من رمى من بطن الوادي، وبهذا يكون قد أتى بفضيلة الرمي من الجهة التي رمى منها ﷺ .
٢، ٣ - وأما بناء طابق على شارع الجمرات ورفع الشاخص وجدار الجمرة. . فيمكن أن يقال: ليس فيه مخالفة للشريعة، بل سماحة الشريعة توجبه وتقتضيه في هذه السنوات التي تزايد فيها عدد الحجاج إلى حد يوقع في الحرج، بل تزهق فيه الأرواح، ففي إقامة مثل هذا الطابق دفع للحرج، وحفظ للنفوس، وتيسير لأداء النسك على حجاج بيت الله الحرام.
وليس هذا البناء من جنس البناء بمنى للتملك أو الارتفاق الخاص، بل هو من المرافق العامة التي تسهل أداء نسك الرمي مع الراحة وسلامة النفوس، وفي رفع الشاخص وجدار حوض الجمرة إلى حد يمكن معه الرمي من أعلى الطابق ومن أسفله إعانة لمن فوق الطابق على معرفة مكان رمي الحصيات، وسهولة رميها من غير أن يخل ذلك بسهولة الرمي على من كان أسفل الطابق.
٤ - وأما توسعة دائرة المرمى بحيث تتسع لوقوف أكثر عدد ممكن من
стр. 1878
الحجاج، وأن تبقى دائرة المرمى الحالية كما هي عليه من السابق، أي: أن المقصود هو عمل حوض خارجي أوسع من الحالي تتجمع فيه الجمرات التي لا يستوعبها الحوض الحالي - فإن حكم ذلك يتبين من الكلام على سبب مشروعية الرمي وبيان موضع الرمي، والأصل في مشاعر الحج، وبيان المستند لبقاء الوضع الحالي للجمار باعتبار مساحة الأرض - لهو الأساس لامتناع بناء حوض خارجي أوسع من الحالي تتجمع فيه الجمرات التي لا يستوعبها الحوض الحالي.
وفيما يلي بيان ذلك:
стр. 1879
١ - سبب المشروع:
من المعلوم أن الله جل وعلا ما شرع شيئا إلا لحكمة، وليس هذا هو الغرض الذي يراد بيانه، وإنما الذي يراد بيانه ما رواه الإمام أحمد في [المسند] قائلا: حدثنا سريج ويونس قالا: حدثنا حماد - يعني: ابن سلمة - عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس - وساق الحديث إلى أن قال -: «ويزعم قومك: أن رسول الله ﷺ سعى بين الصفا والمروة، وأن ذلك سنة، قال: صدقوا، إن إبراهيم ﵊ لما أمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له شيطان - قال يونس: الشيطان - فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات - ثم ساق بقية الحديث إلى أن قال: قال: ثم ذهب به جبريل إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان، فرماه
стр. 1880
بسبع حصيات حتى ذهب (١) » - الحديث (٢) .
درجة هذا الحديث وبيان طبقات رجاله، وذكر من أخرجه غير الإمام أحمد:
قال أحمد شاكر في بيان درجته: إسناده صحيح، أبو عاصم الغنوي ثقة، وثقه ابن معين، وترجمه البخاري في [الكنى] كعادته رقم (٥٢٧) ، وأشار إلى هذا الحديث كعادته في إشاراته الدقيقة، قال: (أبو عاصم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال: الذبيح، قال حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة) ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وصححه الهيتمي (٣) .
بيان طبقات سنده:
الأولى: سريج بن النعمان بن مروان الجوهري اللؤلؤي، قال (٤) ابن حجر: قال المفضل الغلابي عن ابن معين: ثقة، وسريج بن يونس أفضل منه، وقال العجلي: ثقة، وقال أبو داود: ثقة حدثنا عنه أحمد بن حنبل، غلط في أحاديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن مسعد: كان ثقة. . . قال ابن حجر: قلت: وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة مأمون، وقال ابن حبان في [الثقات] : يكنى أبا الحارث، ورمز له ابن حجر بأنه روى له البخاري والأربعة.
стр. 1881
الثانية: حماد بن سلمة، قال (١) ابن حجر: حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره من كبار الثامنة.
الثالثة: أبو عاصم الغنوي، قال (٢) ابن حجر: أبو عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس في الرمل وغيره، وعنه حماد بن سلمة، قال أبو حاتم: لا أعرف اسمه ولا أعرفه، ولا حدث عنه سوى حماد، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة (د) .
وقال (٣) ابن حجر أيضا: أبو عاصم الغنوي: بالمعجمة والنون مقبول من الخامسة، وقال (٤) الخزرجي: أبو عاصم الغنوي: بفتح المعجمة والنون عن أبي الطفيل، وعنه حماد بن سلمة فقط، وثقه ابن معين (د) .
الرابعة: أبو الطفيل، وهو أحد الصحابة كما ذكره ابن حجر (٥) ، واسمه عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي، أبو الطفيل، ذكر من أخرجه غير الإمام أحمد: أخرجه (٦) الحاكم بسنده مختصرا عن ابن عباس رفعه، وقال بعد إخراجه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورمز له الذهبي في [تلخيصه لمستدرك الحاكم] بأنه على شرط
стр. 1882
مسلم، وأخرجه (١) البيهقي من طرق بعضها موقوف وبعضها مرفوع، وذكره الهيتمي في [مجمع الزوائد] في موضعين: الأول: في (٣\٢٥٩) ، وقال بعده: رواه أحمد والطبراني في [الكبير] ورجاله ثقات، والثاني: في (٨\٢٠٠، ٢٠١) ، وقال بعده: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عاصم الغنوي وهو ثقة، وساقه ابن كثير (٢) في تفسيره عن الإمام أحمد من طريقين عن ابن عباس، ولم يتعرض للإسنادين بشيء.
ونسبه (٣) السيوطي إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في [شعب الإيمان] ، عن ابن عباس، وذكر الساعاتي (٤) : أنه أخرجه الإمام أحمد في [المسند] أيضا عن ابن عباس، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط.
стр. 1883
٢ - موضع الرمي: وبتأمل ما سبق ذكره على هذا الحديث يظهر أنه يدل على أنه حجة، وهو حجة أيضا على بدء مشروعية الرمي، وعلى بيان مواضع الرمي، وأن الرسول ﷺ رمى الجمار في هذه المواضع في حجة الوداع، وهو ﷺ قال: «خذوا عني مناسككم (١) » ، فصار رميه الجمار في هذه المواضع شرعا دائما إلى يوم القيامة، وقد تلقاه الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا.
وفيما يلي بيان كلام ابن منظور في موضع الجمار، ونبذة من كلام بعض
стр. 1884
فقهاء المذاهب الأربعة مرتبة حسب الترتيب الزمني لنشأة المذاهب.
قال (١) ابن منظور: والجمرة: اجتماع القبيلة الواحدة على من ناوأها من سائر القبائل، ومن هذا قيل لمواضع الجمار التي ترمى بمنى: جمرات؛ لأن كل مجمع حصى منها جمرة، وهي ثلاث جمرات.
قال (٢) القاري: ولو وقف الحصى على الشاخص أي: أطراف الميل الذي هو علامة للجمرة - أجزأه، ولو وقف على قبة الشاخص ولم ينزل عنه؛ فالظاهر أنه لا يجزيه للبعد، كما في [النخبة] بناء على ما ذكره من أن محل الرمي الموضع الذي عليه الشاخص وما حوله، لا الشاخص.
وقال (٣) الحطاب: قال الباجي: الجمرة: اسم لموضع الرمي، قال ابن فرحون في [شرحه على ابن الحاجب] : وليس المراد بالجمرة البناء القائم، وذلك البناء قائم وسط الجمرة علامة على موضعها، والجمرة اسم للجميع.
وقال (٤) النووي: قال الشافعي رحمه الله تعالى: الجمرة: مجتمع الحصى، لا ما سال من الحصى، فمن أصاب مجتمع الحصى بالرمي أجزأه، ومن أصاب مسايل الحصى الذي ليس هو بمجتمعه لم يجزه، والمراد: مجتمع الحصى في موضعه المعروف، وهو الذي كان في زمن النبي ﷺ ، فلو حول ورمى الناس في غيره واجتمع فيه الحصى لم يجزه.
стр. 1885
قال الهيتمي على قول النووي: الجمرة: مجتمع الحصى، حده الجمال الطبري بأنه ما كان بينه وبين أصل الجمرة ثلاثة أذرع فقط، وهذا التحديد من تفهمه، وكأنه قرر به مجتمع الحصى غير السائل، والمشاهدة تؤيده، فإنه مجتمعه غالبا، لا ينقص عن ذلك.
وقال أيضا على قول النووي: والمراد: مجتمع الحصى. . . إلخ يدل على أن مجتمع الحصى المعهود الآن بسائر جوانب الجمرتين الأوليين، وتحت شاخص جمرة العقبة - هو الذي كان في عهده ﷺ ، وليس ببعيد، إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يعرف خلافه. . . . . إلخ.
وقال (١) البهوتي: قد علمت مما سبق أن المرمى: مجتمع الحصى - كما قال الشافعي - لا نفس الشاخص ولا مسيله.
وقال (٢) صاحب [شفاء الغرام] نقلا عن الأزرقي بشأن جمرة العقبة تحت هذه الترجمة (ذكر ما غير من فرش أرض الكعبة) : وكانت الجمرة زائلة عن موضعها أزالها جهال الناس برميهم الحصى، وغفل عنها حتى أزيحت من موضعها شيئا يسيرا منها، ومن فوقها، فردها إلى موضعها الذي لم يزل عليه، وبنى من ورائها جدارا أعلاه عليها ومسجدا متصلا بذلك الجدار؛ لئلا يصل إليها من يريد الرمي من أعلاها. . . ومضى إلى أن قال: والذي أشار إليه الأزرقي بقوله: (فردها) وبقوله: (وبنى) هو: إسحاق بن سلمة الصائغ الذي أنفذه المتوكل العباسي لعمل أمور تتعلق
стр. 1886
بالكعبة وغير ذلك.
стр. 1887
٣ - الأصل في تحديد المشاعر التوقيف: فلا دخل للعقل فيها بزيادة أو نقص أو تغيير عن مواضعها، إذ أن تعيين هذه المواضع وتحديدها من قبل الشرع، ومواضع رمي الجمار من ذلك، فلا يزاد فيها عما كان عليه الأمر منذ أن جعلها الله مواضع لأداء العبادات التي شرع أداؤها فيها، وهذا كتحديد أوقات الصلوات الخمس، وتعيين ما لكل صلاة من الوقت، وكذلك أعداد الصلوات وكلمات الأذان.
стр. 1888
٤ - المستند لبقاء الوضع الحالي للجمار باعتبار مساحة الأرض هو استصحاب العكس أو الاستصحاب المقلوب (١) .
وحقيقته: ثبوت أمر في الزمن الماضي بناء على ثبوته في الزمن الحاضر، وهو حجة، وهذه المسألة مدار البحث من المسائل المندرجة تحت هذا النوع، إذ إن هذه المواضع المشاهدة هي متحددة الآن، والأصل أنها لم يطرأ عليها تغيير، فثبت لها ذلك في الزمن الماضي، بناء على ثبوته في الوقت الحاضر.
стр. 1889
٥ - قد يقال: لا يجوز بناء حوض خارجي أوسع من الحالي: ومستند المنع هو: قاعدة سد الذرائع، إذ أن بناء هذا الحوض يؤدي إلى التباس المرمى على الناس، فيرمون فيه، والرمي فيه ممتنع؛ لأن هذه القطعة ليست من المرمى، وقاعدة سد الذرائع معلومة من القرآن والسنة، وقد عمل بها أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن احتذى
стр. 1890
حذوهم، ويذكرها الأصوليون في باب الاستدلال، وقد (١) قررها ابن القيم في [إعلام الموقعين] وبين منها ما يمتنع وما لا يمتنع، وساق لتأييد ما ذكره تسعة وتسعين وجها.
ومما يشهد لتوقع التباس المرمى الصحيح على الناس بالحوض الذي سيزاد - ما حصل من الالتباس على الناس حينما أزيل الجبل الواقع شرق العقبة، والذي كان متصلا بها، حيث صار بعض الناس يرمون هذه الجمرة من الجهة الشرقية في غير المرمى.
ويمكن أن يستخلص مما تقدم ما يلي:
١ - يجوز بناء طابق على شارع الجمرات ورفع الشاخص وجدار الجمرة بناء على قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) .
٢ - يجوز رمي الجمرة من فوق الطابق؛ لفعل عمر ﵁، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وقول عبد الله بن عمر ﵁ محمول على الأفضلية، ولأن من ملك أرضا ملك تخومها وهواءها، هذا هو المقرر شرعا.
٣ - بدء مشروعية الرمي، وبه تحدد موضع الرمي، ورمى رسول الله ﷺ الجمار الثلاث في حجة الوداع والصحابة معه، وقال ﷺ : «خذوا عني مناسككم (٢) » ، وتلقى الصحابة رضوان الله عليهم ذلك عنه ﷺ ، وتلقى ذلك عن الصحابة التابعون ومن بعدهم إلى يومنا هذا.
٤ - ما سبق من النقول يدل على أن المرمى هو مجتمع الحصى.
стр. 1891
٥ - ما قرره الطبري من تحديد مجتمع الحصى بأنه ما كان بينه وبين أصل الجمرة ثلاثة أذرع.
٦ - أن الأصل في تحديد المشاعر التوقيف: ومن نظائر ذلك أوقات الصلوات الخمس.
٧ - مما يدل على بقاء الوضع الحالي للجمار باعتبار المساحة استصحاب العكس.
٨ - لا يجوز بناء حوض خارجي أوسع من الحالي بناء على قاعدة سد الذرائع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 1892
قرار رقم (١١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد:
فبناء على خطاب صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة، ورئيس لجنة الحج العليا رقم (٥٩\٥\٧\ أم) ، وتاريخ ٤\١\١٣٩٣ هـ، الوارد إلى رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عن طريق وزارة العدل، والذي يطلب فيه إبداء الوجهة الشرعية، وبيان الحكم فيما اقترحته لجنة الحج العليا من بناء طابق على شارع الجمرات، ورفع شاخص الجمرات، ورفع جدار حوض كل جمرة إلى منسوب يمكن معه رمي حصى الجمار من أعلى الطابق ومن أسفله بسهولة.
بناء على ذلك درست هيئة كبار العلماء هذا الموضوع، وما أعدته اللجنة الدائمة من البحث عليه، ورأت بالاتفاق أن يؤجل النظر فيه والبت في حكمه إلى دورة أخرى حتى يصل الرسم الهندسي لهذا العمل، والذي سبق أن طلبته الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء؛ لتعرف الهيئة منه تفاصيل الأمر المطلوب وهل يحقق هذا الاقتراح مصلحة من غير استلزام مفسدة
стр. 1893
أم لا؟ .
وصلى الله وسلم على محمد، وآله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
. ... . ... رئيس الدورة الثالثة
. ... . ... محمد الأمين الشنقيطي
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن صالح ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن باز
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان العبيد ... محمد الحركان
عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... صالح بن غصون
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع ... محمد بن جبير
стр. 1894
(٦)
حكم تمثيل الصحابة
﵃
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 1895
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حكم تمثيل الصحابة
﵃
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أحيل إلى هيئة كبار العلماء في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية - في دورتها الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٣هـ موضوع تصوير حياة (بلال) مؤذن رسول الله ﷺ في فيلم سينمائي.
وفي تلك الدورة قدمت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع هذا نصه:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه، وبعد:
فهذا بحث يتعلق بمسألة حكم تمثيل الصحابة في شكل رواية مسرحية أو فيلم سينمائي قامت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بإعداده تمهيدا لعرض المسألة على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها القادمة إنفاذا لأمر المقام السامي رقم ٢٤\٩٣ وتاريخ ١\١\١٣٩٣هـ. والله الموفق.