← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

لأنهما يحملان شهادات أئمة الحديث في زمانهما بالإمامة في الحديث، وأما أبو الوليد الأزرقي مؤرخ مكة فلم نر شهادة أي معاصر له، ولم يرها قبلنا الفاسي على سعة اطلاعه؛ ولذلك يقول في [العقد الثمين] ،: (لم أر من ترجمه، وإني لأعجب من ذلك) ، وأما الذين لم يعاصروه فأقدم من رأيناه تعرض له منهم ابن النديم صاحب [الفهرست] ، قال فيه بعد ذكر نسبه: (أحد الأخباريين وأصحاب السير، وله من الكتب [كتاب مكة وأخبارها وجبالها وأوديتها، كتاب كبير) . ا. هـ. وهذا لا يغني شيئا؛ لأمرين: أحدهما: أن الغالب على الأخباريين والسيريين عدم الاعتناء بالروايات، وفي ذلك يقول الحافظ العراقي في [ألفية السيرة] . وليعلم الطالب أن السيرا ... تجمع ما صح وما قد أنكرا الثاني: أن ابن النديم قال الحافظ ابن حجر في [لسان الميزان] ،: (هو غير موثوق به ومصنفه المذكور- يعني [الفهرست]- ينادي على مصنفه بالاعتزال والزيغ، نسأل الله السلامة) ثم قال الحافظ: (لما طالعت كتابه ظهر لي أنه رافضي معتزلي، فإنه يسمي أهل السنة: الحشوية، ويسمي الأشاعرة: المجبرة، ويسمي كل من لم يكن شيعيا: عاميا، وذكر في ترجمة الشافعي شيئا مختلقا ظاهر الافتراء) ا. هـ. ومراد الحافظ بذلك الشيء المختلق الظاهر الافتراء: قول ابن النديم في [الفهرست] ، ص (٢٩٤، ٢٩٥) : (بخطه- يعني: أبا القاسم الحجازي - أيضا قرأت: قال: ظهر رجل من بني أبي لهب بناحية المغرب، فحمل إلى هارون الرشيد ومعه الشافعي، فقال الرشيد للهبي: سمت بك نفسك إلى هذا، قال: وأي الرجلين كان أعلى ذكرا وأعظم قدرا جدي أم جدك أنت؟

стр. 1997

ليس تعرف قصة جدك وما كان من أمره، وأسمعه كل ما كره؛ لأنه استقبل، قال: فأمر بحبسه، ثم قال للشافعي: ما حملك على الخروج معه؟ قال أنا رجل أملقت، وخرجت أضرب في البلاد طلبا للفضل، فصحبته لذلك، فاستوهبه الفضل بن الربيع فوهبه، فأقام بمدينة السلام مدة فحدثنا محمد بن شجاع الثلجي قال: كان يمر بنا في زي المغنين على حمار وعليه رداء محشا وشعره مجعد) ثم وصف ابن النديم الشافعي وذكر حكاية عن أخريين من نوع الافتراء الذي ذكر أولا. ثم بعد ابن النديم الحافظ عبد الكريم بن محمد السمعاني صاحب كتاب [الأنساب] ، قال في [الأنساب] ،: (الأزرقي هو: أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي صاحب كتاب [أخبار مكة] ، وأحسن في تصنيف ذلك الكتاب غاية الإحسان، روى عن جده، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وغيرهما، روى عنه أبو محمد إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعي. ا. هـ. وليس في هذا كبير فائدة من ناحية ترجمة أبي الوليد الأزرقي؛ لأن في إمكان كل من نظر في كتابه [أخبار مكة] أن يتحصل على مشايخه وعلى من روى ذلك الكتاب عنه؛ لأن جميع ذلك موجود في [أخبار مكة] ، ومجرد كلمة روى فلان عن فلان، وروى عنه فلان، وأخرج له فلان- لا يروي الغلة، ولا يشفي العلة، كما بينه الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة كتابه [تهذيب التهذيب] ، وأما ثناء السمعاني على كتاب [أخبار مكة] ، فلا يوصله إلى درجة تقديم ما فيه على ما في مصنفات الإمامين الشهيرين: عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، ثم بعد ابن السمعاني الإمام النووي قال في الكلام على حجر إسماعيل ﵇:

стр. 1998

(قد وصفه الإمام أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة، فأحسن وأجاد) ، وقد بحثنا عن قول النووي هذا فوجدناه يعتقد في مؤرخ مكة: أنه هو جده الإمام أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، بدليل قوله في [المجموع] ج (٧) ص (٤٦٤) بعد ذكر حدود الحرم، (هكذا ذكر هذه الحدود أبو الوليد الأزرقي في [كتاب مكة] وأبو الوليد هذا أحد أصحاب الشافعي الآخذين عنه، الذين رووا عنه الحديث والفقه) ، وقد نبه العلامة الفاسي في [العقد الثمين] ، على وهم الإمام النووي في هذا قال: (وهم النووي في قوله في [شرح المهذب] بعد أن ذكر في حدود الحرم نقلا عن أبي الوليد الأزرقي هذا: أنه أخذ عن الشافعي وصحبه، وروى عنه، وإنما كان ذلك وهما لأمرين: أحدهما: أن الذين صنفوا في طبقات الفقهاء الشافعية لم يذكروا في أصحاب الشافعي إلا أحمد بن محمد بن الوليد، جد أبي الوليد هذا. والأمر الثاني: لو أن أبا الوليد هذا روى عن الإمام الشافعي لأخرج عنه في تاريخه؛ لما له من الجلالة والعظمة، كما أخرج عن جده، وابن عمر العدني وإبراهيم بن محمد الشافعي ابن عم الإمام الشافعي، ثم قال الفاسي: (والسبب الذي أوقع النووي في هذا الوهم: أن أحمد الأزرقي جد أبي الوليد هذا يكنى بأبي الوليد، فظنه النووي هو والله أعلم. وإنما

стр. 1999

نبهت على ذلك لئلا يغتر بكلام النووي، فإنه ممن يعتمد عليه، وهذا مما لا ريب فيه) . اهـ المراد من كلام الفاسي؟ وأما تاريخ وفاة مؤرخ مكة الأزرقي فقد بيض السمعاني في الأنساب لما بعد المائتين منها، وتعرض لتاريخ وفاته بعده محمد بن عمر بن عزم التونسي، وصاحب [كشف الظنون] ، وصاحب [هداية العارفين] ، لكن أخطأوا فيها، وبيان ذلك فيما يلي. أما محمد بن عمر بن عزم فيقول في [دستور الإعلام بمعارف الأعلام] ،: (الأزرقي إلى جده الأزرق صاحب [تاريخ مكة] محمد بن عبد الله بن أحمد سنة مائتين وأربع، وجده أحمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق بن عمر بن الحارث بن أبي شمر الغساني المكي، روى عن سفيان بن عيينة، وداود بن عبد الرحمن العطار، روى عنه حفيده سنة مائتين واثني عشر. ا. هـ. وهذا غير صحيح لا من ناحية الجد ولا من ناحية الحفيد، أما الجد؛ فلأنه حدث بواقعة بعد تاريخ مائتين واثني عشر، ففي الجزء الأول من [تاريخ الحفيد] ، ص (١٩٤) ما نصه: (قال أبو الوليد: قال جدي: أول من أثقب النفاطات بين الصفا والمروة في ليالي الحج وبين المأزمين- مأزمي عرفة - أمير المؤمنين إسحاق المعتصم بالله طاهر بن عبد الله بن طاهر، سنة تسع عشرة ومائتين، فجرى ذلك إلى اليوم. ا. هـ. وأما الحفيد مؤرخ مكة فقد وجدناه حدث بحادث سنة ثلاث وأربعين ومائتين، ففي الجزء الأول من تاريخه ص (١٧١) ما نصه: قال أبو الوليد:

стр. 2000

(أمر أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله بإذالة (١) القميص القباطي حتى بلغ الشاذروان الذي تحت الكعبة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين) . ا. هـ. وأما صاحب [كشف الظنون] فقد قال في الكلام على تواريخ مكة، منها: تاريخ الإمام أبي الوليد محمد بن عبد الكريم المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين) . ا. هـ. وهذا غلط في اسم والد مؤرخ مكة، فإن اسمه عبد الله لا عبد الكريم، وغلط في تاريخ وفاته، لما تقدم في الرد على التونسي، وقد تبع صاحب [كشف الظنون] في الغلط التاريخي إسماعيل باشا في [هداية العارفين] ، وتنبه الكتاني لغلط صاحب [كشف الظنون] في تاريخ وفاة أبي الوليد الأزرقي، ذكر عنه في [الرسالة المستطرفة] ، أنه أرخ وفاته بسنة ثلاث وعشرين ومائتين، ثم قال: (لكن جده - أي: جد أبي الوليد - أحمد المذكور ذكر في [التقريب] ،: أنه توفي سنة سبع عشرة، وقيل: اثنتين وعشرين ومائتين، فيبعد عليه أن يكون حفيده مؤرخ مكة توفي في السنة المذكورة أولا يصح ذلك بالكلية) ، ولم يذكر الكتاني من ناحية الأزرقي شيئا يجدي.

стр. 2001

لماذا أخر عمر بن الخطاب المقام؟ علل تأخير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ المقام بأربعة أشياء، نذكرها مع الكلام عليها: ١ - خشية عمر لما كثر الناس أن يطأوه بأقدامهم؛ لما رواه الفاكهي كما في [شفاء الغرام] ج (١) ص (٣٠٧) قال: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال:

стр. 2002

حدثنا يحيى بن محمد بن ثوبان، عن سليم، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنه قال: كان المقام في وجه الكعبة، وإنما قام إبراهيم عليه حين ارتفع البيت، فأراد أن يشرف على البناء، قال: فلما كثر الناس خشي عمر بن الخطاب أن يطأوه بأقدامهم، فأخره إلى موضعه الذي هو به اليوم حذاء موضعه الذي كان قدام الكعبة. ا. هـ. وهذا في سنده سليم بن مسلم الراوي عن ابن جريج، وقد تقدم أنه جهمي خبيث متروك الحديث. ٢ - مما علل به تأخير عمر بن الخطاب ﵁ مقام إبراهيم ﵇ عن موضعه الأول: رده إلى الموضع الذي كان فيه في عهد النبوة، وقد بينا فيما تقدم: أن صريح ما يستند إليه هذا التعليل غير صحيح، وغير الصريح يفسره ما تقدم عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان المقام في سقع البيت على عهد النبي ﷺ ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ وبعد قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه) فإن هذا يدل على أن عمر إنما رده إلى الموضع الذي وضعه فيه أول مرة. ٣ - مما علل به تأخير عمر بن الخطاب ﵁ المقام: رده إلى موضعه في عهد إبراهيم الخليل ﵇؛ لما في رواية [المدونة] ، المتقدمة بلفظ: (فلما ولي عمر أخرج أخيوطة كانت في خزانة الكعبة قد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت إذ قدموه مخافة السيل، فقاسه عمر، فأخرجه إلى موضعه اليوم، فهذا موضعه الذي كان فيه في الجاهلية وعلى عهد إبراهيم. ا. هـ. وهذا تعارضه رواية الفاكهي عن عثمان بن أبي

стр. 2003

سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في سياق قصة بناء البيت بلفظ: (فلما بلغ- أي: إبراهيم ﵇ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقا بالبيت) ، كما يعارضه ما ذكره الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] ج (٨) ص (١٣٧) في باب ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) من (كتاب التفسير) قال: (كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت، إلى أن أخره عمر ﵁ إلى المكان الذي هو فيه الآن. أخرجه عبد الرزاق في [مصنفه] ، بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن مجاهد أيضا،. ا. هـ. فهاتان الروايتان هما المانعتان من قبول ما في رواية [المدونة] ، ولا يقال: إن رواية [المدونة] تتأيد برواية ابن الجوزي في [تاريخ عمر بن الخطاب] ، في باب ذكر ما خص به في ولايته مما لم يسبق إليه: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان مقام إبراهيم لاصقا بالكعبة، حتى كان زمن عمر بن الخطاب، فقال عمر: إني لأعلم ما كان موضعه هنا، ولكن قريش خافت عليه من السيل فوضعته هذا الموضع، فلو أني أعلم موضعه الأول لأعدته فيه، فقال رجل من آل عايذ بن عبد الله بن عمر

стр. 2004

بن مخزوم: أنا والله يا أمير المؤمنين أعلم موضعه الأول، كنت لما حولته قريش أخذت قدر موضعه الأول بحبل، وضعت طرفه عند ركن البيت الأول أو الركن أو الباب، ثم عقدت في وسطه عند موضع المقام فعندي ذلك الحبل، فدعا عمر بالحبل فقدروا به، فلما عرفوا موضعه الأول أعاده عمر فيه، قال عمر: إن الله يقول: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) فإن هذه الرواية يمنع من اعتبارها: أن ابن الجوزي لم يذكر سندها إلى عبد الرحمن بن أبي الزناد - وما في عبد الرحمن بن أبي الزناد من المقال- ففي [الجرح والتعديل] حدثنا عبد الرحمن حدثنا محمد بن إبراهيم قال: سمعت عمرو بن علي قال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن عبد الرحمن بن أبي الزناد. حدثنا عبد الرحمن، حدثنا صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل قال: قلت لأبي: عبد الرحمن بن أبي الزناد؟ قال: مضطرب الحديث. حدثنا عبد الرحمن، قرئ على العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين أنه قال: عبد الرحمن بن أبي الزناد دون الدراوردي، لا يحتج بحديثه، حدثنا عبد الرحمن، سئل أبي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد؟ فقال: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلي من عبد الرحمن بن أبي الرجال، ومن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. حدثنا عبد الرحمن قال: سألت أبا زرعة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وورقاء، والمغيرة بن عبد الرحمن، وشعيب بن أبي حمزة، من أحب إليك ممن يروي عن أبي الزناد؟ قال: كلهم أحب إلي من عبد الرحمن بن أبي الزناد) . ا. هـ. ما في [الجرح والتعديل] . وقال النسائي في [الضعفاء

стр. 2005

والمتروكين] ،: عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف. ا. هـ. وفي كتاب [المجروحين] ، لابن حبان في ترجمة عبد الرحمن بن أبي الزناد: أنه كان ممن ينفرد بالمقلوبات عن الأثبات، قال: وكان ذلك من سوء حفظه، وكثرة خطئه، فلا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد) ، وفي [الميزان] : أن من مناكيره حديث: «من كان له شعر فليكرمه (١) » ، وحديث: «الهرة من متاع البيت (٢) » ، ومما يمنع اعتبار رواية ابن أبي الزناد المذكورة ما روى عبد الرزاق، عن معمر عن حميد، عن مجاهد قال: كان المقام إلى جنب البيت، وكانوا يخافون عليه عافية السيول، وكانوا يطوفون خلفه، فقال عمر للمطلب بن أبي وداعة السهمي: هل تدري أين موضعه الأول؟ قال: نعم، قدرت ما بينه وبين الحجر الأسود، وما بينه وبين الباب، وما بينه وبين زمزم، وما بينه وبين الركن عند الحجر، قال: تأتي بمقدار، فجاء بمقداره، فوضعه موضعه الأول) . ا. هـ. فإن في هذه الرواية: أن الذي دل عمر بن الخطاب على موضعه الأول: سهمي، لا مخزومي، وهذا أشهر من رواية ابن الجوزي عن ابن أبي الزناد. ٤ - مما علل به تأخير عمر المقام مخافة التشويش على الطائفين، قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة- أي: سنة ثماني عشرة- في ذي الحجة منها حول عمر منها المقام، وكان ملصقا بجدار الكعبة، فأخره إلى حيث هو الآن؛ لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين، نقله عن الواقدي وغيره الحافظ ابن كثير في الجزء السابع من تاريخه [البداية والنهاية] ص (٩٣) ثم قال الحافظ ابن كثير: (قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر، ولله الحمد والمنة) . ا. هـ. إلى هذه العلة مال الحافظان ابن

стр. 2006

كثير في [التاريخ] ، وابن حجر في [فتح الباري] في (كتاب التفسير) . قال ابن كثير في التاريخ المذكور ج (١) ص (١٦٤) : (قد كان هذا الحجر- أي: مقام إبراهيم ﵇ ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁، فأخره عن البيت قليلا؛ لئلا يشغل المصلون عنده الطائفين بالبيت) . وقال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] ، ج (٨) ص (١٣٧) : كان عمر رأى أن إبقاءه- أي: مقام إبراهيم ﵇ يلزم منه التضييق على الطائفين، أو على المصلين فوضع في مكان يرتفع به الحرج. ا. هـ.

стр. 2007

حكم تأخير المقام اليوم نظرا للحرج أثبتنا فيما تقدم أن مقام إبراهيم ﵇ كان في عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر الصديق وبعض خلافة عمر بن الخطاب ﵄ في سقع البيت، ثم أخره عمر أول مرة مخافة التشويش على الطائفين، ورده المرة الثانية حين حمله السيل إلى ذلك الموضع الذي وضعه فيه أول مرة، ومادام الأمر كذلك فلا مانع من تأخير المقام اليوم عن ذلك الموضع إلى موضع آخر في المسجد الحرام يحاذيه ويقرب منه، نظرا إلى ما ترتب اليوم على استمراره في ذلك الموضع من حرج أشد على الطائفين من مجرد التشويش عليهم الذي حمل ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ على أن يؤخره عن الموضع الذي كان فيه في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بتأخيره؛ نظرا لما ذكرنا نكون مقتدين بعمر بن الخطاب المأمور بالاقتداء به، ونرفع الحرج من ناحية أخرى عن الأمة المحمدية التي دلت النصوص القطعية على رفع الحرج عنها، قال الشاطبي

стр. 2008

في [الموافقات] : إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وسائر ما يدل على هذا المعنى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٥) ' قال الشاطبي: (وقد سمي هذا الدين: الحنيفية السمحة؛ لما فيه من التسهيل والتيسير) ، وأطال الشاطبي في ذلك، وذكر أن قصد الشارع من مشروعية الرخص رفع الحرج عن الأمة، وقال السيوطي في [الإكليل] ،: (قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦) هو أصل القاعدة: (المشقة تجلب التيسير) ، وقال أبو بكر بن العربي في [أحكام القرآن] ، في تفسير الآية الكريمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٧) قال: (كانت الشدائد والعزائم في الأمم، فأعطى الله هذه الأمة من المسامحة واللين ما لم يعط أحدا قبلها) ، وقال عبد الرزاق في تفسيره: (أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٨) قال: من ضيق، وقال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي: كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٩)

стр. 2009

يقال للنبي: أنت شهيد على قومك، وقال الله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١) ويقال للنبي: سل تعط، وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) ا. هـ. وفي كلام الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] ما يدل على أن تأخير عمر بن الخطاب المقام عن موضعه الأول إلى موضعه اليوم من قبيل رفع الحرج عن الأمة، ونصه ج (٨) ص (١٣٧) : (كان عمر رأى أن إبقاءه- أي: مقام إبراهيم ﵇ في الموضع الأول، يلزم منه التضييق على الطائفين، أو على المصلين فوضع في مكان يرتفع به الحرج) . ا. هـ. ومثل نظر عمر بن الخطاب ﵁ في شأن المقام إلى رفع الحرج نظره إليه أيضا في شأن المطاف حينما كثر الناس فوسعه، وتبعه في ذلك عثمان، ففي [الأحكام السلطانية] ، للماوردي ما نصه: (كان- أي: المسجد الحرام - فناء حول الكعبة للطائفين، ولم يكن له على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر الصديق ﵁ جدار يحيط به، فلما استخلف عمر ﵁ وكثر الناس، وسع المسجد، واشترى دورا هدمها، وزادها فيه، وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا، ووضع لهم الأثمان، حتى أخذوها بعد ذلك، واتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه، وكان عمر ﵁ أول من اتخذ جدارا للمسجد، فلما استخلف عثمان ﵁ ابتاع منازل فوسع بها المسجد، وأخذ منازل قوم ووضع لهم أثمانها فضجوا منه عند البيت، فقال: إنما جرأكم علي حلمي عنكم، فقد فعل بكم عمر ﵁ هذا، فأقررتم ورضيتم، ثم أمر بهم إلى الحبس، حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسد، فخلى سبيلهم، وبنى للمسجد

стр. 2010

الأروقة، فكان عثمان ﵁ أول من اتخذ للمسجد الأروقة) . ا. هـ. المراد من كلام الماوردي في [الأحكام السلطانية] وهو آخر البحث. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. محمد بن إبراهيم آل الشيخ

стр. 2011

قرار رقم (٣٥) وتاريخ ١٤\ ٢\ ١٣٩٥هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد: فبناء على خطاب المقام السامي رقم (٣٠٥٦٠) وتاريخ ٩\ ١٠\ ١٣٩٤ هـ الموجه من جلالة الملك حفظه الله إلى فضيلة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بخصوص عرض الرسالة التي هي من تأليف الشيخ\ علي الصالحي، الخاصة بنقل مقام إبراهيم ﵇، والبناء بمنى، وبعض المقترحات في المسجد الحرام - على هيئة كبار العلماء لدراسة المقترحات التي تضمنتها الرسالة، وبيان الرأي فيها. وفي الدورة السادسة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر صفر عام ١٣٩٥ هـ جرى من مجلس الهيئة استعراض الرسالة المذكورة، فوجدت تتلخص فيما يأتي: أ- اقتراح بنقل المقام من مكانه الحالي إلى مكان آخر؛ ليتسع المطاف للطائفين أيام الحج. ب- اقتراح بالبناء في منى بصفة جاء وصفها وتحديدها في الاقتراح. ج- اقتراح ببناء طرق معلقة في المسعى فوق الساعين تنفذ إلى الحرم دون أن يتأذوا أو يتأذى الساعون. د- اقتراح باستغلال هواء المطاف بتسقيفه بطريقة جاء وصفها وتحديدها في الاقتراح، واقتراحات بربط مبنى الحرم القديم بالجديد، وتبليط

стр. 2012

حصوات الحرم. ثم جرى من المجلس مناقشة هذه المقترحات، ومداولة الرأي فيها، وتقرر ما يلي: أولا: بالنسبة لموضوع نقل المقام، فمما لا شك فيه أن وضعه الحالي يعتبر من أقوى الأسباب فيما يلاقيه الطائفون في موسم الحج من المشقة العظيمة والكلفة البالغة التي قد تحصل بالبعض إلى الهلاك أو تقارب، وذلك بسبب الزحام والصلاة عنده، وقد سبق أن بحث موضوع نقله، وصدر من سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ وأسكنه فسيح جناته- فتوى بجواز نقله شرعا، إلا أنه رؤي الاكتفاء بتجربة تتلخص في إزالة الزوائد المحيطة بالمقام، ويبقى في مكانه، فإن كان ذلك كافيا ومزيلا للمحذور استمر بقاؤه في مكانه، وإلا تعين النظر في أمر نقله. وحيث مضى على هذه التجربة عدة سنوات، واتضح أن بقاءه في مكانه الحالي لا يزال سببا في حصول الزحام والمشقة العظيمة به، ونظرا إلى أن من قواعد الشريعة الإسلامية: أن المشقة تجلب التيسير، وأن النصوص الشرعية قد تضافرت في رفع الحرج عن هذه الأمة، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣) وقد تتبعت الهيئة الآثار الواردة في تعيين مكان مقام إبراهيم ﵇ في عهد رسول الله ﷺ وما ذكره بعض أهل التفسير والحديث والتاريخ أمثال: الحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والشوكاني وغيرهم-

стр. 2013

فترجح لديها أن مكانه في عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر وبعض من خلافة عمر بن الخطاب ﵄ في سقع البيت، ثم أخره عمر أول مرة؛ مخافة التشويش على الطائفين، ورده المرة الثانية حين حمله السيل إلى ذلك الموضع الذي وضعه فيه أول مرة. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) بعد ذكره الأحاديث الواردة في الصلاة عنده- قال: قلت: وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا- والله أعلم- أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر (٢) » ، وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة ﵃ أجمعين -. قال عبد الرزاق: عن ابن جريج، حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قال: أول من نقله عمر بن الخطاب ﵁، وقال عبد الرزاق أيضا: عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وقال الحافظ أبو بكر أحمد

стр. 2014

بن الحسين بن علي البيهقي، أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا أبو ثابت، حدثنا الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: «أن المقام كان زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ﵁ ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁،» وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان- يعني: ابن عيينة - وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام في سقع البيت على عهد رسول الله ﷺ ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ وبعد قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه، وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله، وقال سفيان: لا أدري أكان لاصقا بها أم لا. فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا ابن عمر، وهو: أحمد بن محمد بن حكيم، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام، أخبرنا آدم، هو: ابن أبي إياس في [تفسيره] ، أخبرنا شريك عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد قال: «قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله ﷺ إلى موضعه هذا، (٣) » قال مجاهد: وكان عمر يرى الرأي، فينزل به القرآن، هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد: أن أول من

стр. 2015

أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم. اهـ. وقال ﵀ في معرض تفسيره قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) قد كان- أي المقام - ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في الجزء الثامن من [الفتح] ،: كان عمر رأى أن إبقاءه- أي: مقام إبراهيم ﵇ يلزم منه التضييق على الطائفين، أو على المصلين فوضع في مكان يرتفع به الحرج. اهـ. وقال الشوكاني في تفسيره [فتح القدير] ، على قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣) وهو- أي: المقام - الذي كان ملتصقا بجدار الكعبة، وأول من نقله عمر بن الخطاب ﵁، كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي بأسانيد صحيحة، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. اهـ. وبناء على ذلك كله: فإن الهيئة تقرر بالإجماع جواز نقله شرعا إلى موضع مسامت لمكانه من الناحية الشرقية؛ نظرا للضيق والازدحام الحاصل في المطاف، والضرورة إلى ذلك، ما لم ير ولي الأمر تأجيل ذلك لأمر مصلحي.

стр. 2016

ثانيا: بالنسبة إلى البناء في منى فلا يخفى أن منى مشعر من المشاعر المقدسة، وأنها مناخ من سبق، وأن أهل العلم ﵏ قد منعوا البناء فيها؛ لكون ذلك يفضي إلى التضييق على عباد الله حجاج بيته الشريف. ونظرا إلى أن سفوح جبالها غير صالحة في الغالب لسكنى الحجاج فيها أيام منى، وأنه يمكن أن تستغل هذه السفوح بطريقة تحقق المصلحة العامة، ولا تتعارض مع العلة في منع البناء في منى - فإن المجلس يقرر بالأكثرية: جواز البناء على أعمدة في سفوح الجبال المطلة على منى على وجه يضمن المصلحة للحجاج، ولا يعود عليهم بالضرر، ويكون هذا البناء مرفقا عاما، وما تحته لمن سبق إليه من الحجاج كبقية أراضي منى، على أن يكون الإشراف على هذا البناء للدولة. وقد توقف في ذلك صاحبا الفضيلة الشيخان: صالح اللحيدان، وعبد الله بن غديان.. ثالثا: بالنسبة لما يتعلق بتسقيف المطاف فيرى المجلس أنه لا حاجة إلى ذلك، ولما فيه من المضرة والمضايقات. رابعا: بالنسبة لبقية المقترحات؟ كبناء الجسور في المسعى، وتبليط حصوات الحرم، وتخطيط منى، وربط مبنى الحرم القديم بالبناء الجديد - فما كان منها محققا للنفع فإن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح ودفع المضار، فتحال إلى الجهة المختصة لدراستها، وتقرير ما يحقق المصلحة

стр. 2017

في ذلك منها. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة السادسة. . عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ومتوقف في البناء في سفوح الجبال بمنى ... راشد بن خنين صالح بن لحيدان متوقف في أمر البناء في السفوح ... عبد الله بن منيع ...

стр. 2018

(٩) قتل الغيلة هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 2019

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قتل الغيلة إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة السادسة المنعقدة في شهر صفر عام ١٣٩٥ هـ من إعداد بحث في قتل الغيلة، ليدرج في جدول أعماله بالدورة السابعة- أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته بيان معنى قتل الغيلة في اللغة، وخلاف الفقهاء في ضابطه شرعا، وخلافهم فيما يوجبه من القتل حدا أو قودا، وبيان ما يترتب على هذا الخلاف من قبول العفو عن القاتل وعدم قبوله، مع ذكر أدلة القولين ومناقشتها. وختمت البحث بخلاصة عن ذلك. والله الموفق.

стр. 2020

ا- معنى قتل الغيلة في اللغة وضابطه عند الفقهاء: أ- قتل الغيلة: لغة: قال الإمام اللغوي إسماعيل بن حمد الجوهري: (غاله الشيء واغتاله: إذا أخذه من حيث لم يدر) (١) ، قال: (واغتاله: قتله غيلة، والأصل

стр. 2021

الواو) (١) هكذا ذكر الجوهري في مادة (غول) المعتلة العين بالواو، وقال في مادة: (غيل) المعتلة العين بالياء (والغيلة: بالكسر الاغتيال، يقال: قتله غيلة، وهو: أن يخدعه فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه قتله) (٢) . وقال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في مادة (غول) : الغين والواو واللام أصل صحيح يدل على ختل وأخذ من حيث لا يدري، يقال: غاله يغوله: أخذه من حيث لم يدر. قالوا: والغول بعد المفازة؛ لأنه يغتال من مر به، قال: به تمطت غول كل ميل. والغول من السعالي: سميت؛ لأنها تغتال، والغيلة: الاغتيال، والياء واو في الأصل، والمغول: سيف دقيق له قفا، وأظنه سمي مغولا؛ لأنه يستر بقراب حتى لا يدرى ما فيه (٣) . وقال الزمخشري في (الغيلة) : (هي: فعلة من الاغتيال، وياؤها عن واو؛ لأن الاغتيال من (غالته الغول) وتغوله غولا، وأورد هناك أثرا (أن صبيا قتل بصنعاء غيلة فقتل به عمر سبعة، وقال: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم) (٤) . وقال المجد الفيروزآبادي: (والغول: الهلاك والإهلاك خفية، غاله واغتاله بمعنى) (٥) .

стр. 2022

وقال المجد الفيروزآبادي في معاني الغيلة بكسر الغين: والخديعة والاغتيال، وقتله غيلة: خدعه فذهب به إلى موضع فقتله. وعلق الزبيدي على هذه العبارة بقوله: (نقله الجوهري وقد اغتيل. وقال أبو بكر: الغيلة في كلام العرب: إيصال الشر أو القتل إليه من حيث لا يعلم ولا يشعر، وقال أبو العباس: قتله غيلة إذا قتله من حيث لا يعلم. وفتك به: إذا قتله من حيث تراه وهو غار غافل غير مستعد) (١) .

стр. 2023

ب- قتل الغيلة شرعا: اختلف العلماء في ضابط قتل الغيلة: هل يخص القتل عمدا عدوانا على مال ونحوه، أو يعم كل قتل عمد عدوان على غرة، أو مع خداع بحيث يتعذر معه الخلاص؟ وفيما يلي أقوال الفقهاء في ذلك: قال العلامة علي بن سلطان القاري في قتل الغيلة: (هو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، والغيلة: فعلة من الاغتيال، وفي المغرب: الغيلة: القتل خفية، وفي القاموس: الغيلة بالكسر: الذريعة والاغتيال، وقتله غيلة، أي: خدعه فذهب به إلى موضع فقتله) (١) . وقال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي: (أصحابنا- أي: المالكية- يوردونه- أي: قتل الغيلة- على وجهين: أحدهما: القتل على وجه المحيل والخديعة.

стр. 2024

والثاني: على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ) (١) . وقال العلامة قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القروي: (قال الفاكهاني عن أهل اللغة: قتل الغيلة: هو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع خفي، فإذا صار فيه قتله) ومر إلى أن قال: (ونقل عن بعض أصحابنا- وأظنه البوني رحمه الله تعالى- أنه اشترط في ذلك أن يكون القتل على مال- وأما الثائرة، وهي: العداوة بينهما، فيجوز العفو فيه. قلت: ما ظنه عن البوني مثله نقل الباجي عن العتبية والموازية قال: قتل الغيلة حرابة، وهو: قتل الرجل خفية لأخذ ماله، قال: (ومن أصحابنا من يقول: هو القتل على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ، وقبله ابن زرقون) (٢) . وقال الشيخ أحمد بن أحمد بن عيسى البرنسي الفاسي المعروف بزروق: (قال أهل اللغة: قتل الغيلة: أن يخدعه بالقول حتى يأمن فيمشي به إلى موضع فيقتله، يريد لأخذ ماله لا لثائرة بينهما، وإلا فليس بغيلة، وفي النوادر عن الموازية: قتل الغيلة من الحرابة، أن يغتال رجلا أو صبيا فيخدعه حتى يدخل موضعا فيقتله ويأخذ ما معه. وقال اللخمي: من أخذ مال رجل بالقهر ثم قتله خوفا من أن يطلبه بما أخذ لم يكن محاربا، وإنما هو مغتال، ثم هذا إذا فعل ذلك خفية وإلا فليس بغيلة. اهـ (٣) وقال الحطاب: (قال: - أي: خليل - في التواضيح في باب الحرابة: الغيلة: أن يخدع غيره؛ ليدخله موضعا ويأخذ ماله. وقال أيضا: قال ابن

стр. 2025

رشد في رجل مرض وله أم ولد من سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين: إن قتل الغيلة: هو القتل على مال. وقال القاضي علي بن عبد السلام التسولي: (فأما الغيلة فهي من أنواع الحرابة، وهي: أن يقتله؛ لأخذ ماله أو زوجته أو ابنته، وكذا لو خدع كبيرا أو صغيرا فيدخله موضعا خاليا؛ ليقتله ويأخذ ماله، أو يخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه) (١) . وقال الشيخ محمد عرفة الدسوقي في شرح قول خليل في باب الحرابة من مختصره: (ومخادع أو غيره ليأخذ ما معه) ، قال الدسوقي بعد أن ذكر أن هذا القتل قتل غيلة: (وقتل الغيلة من الحرابة، ونص الجواهر: قتل الغيلة من الحرابة، وهي: أن يغتال رجلا أو صبيا فيخدعه حتى يدخله موضعا فيأخذ ما معه، فهو كالحرابة) اهـ. قال طغى: تفسيرها- الغيلة- بما ذكر يدل على أن القتل ليس شرطا فيها، وأن قتل الغيلة من الحرابة. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (قوله: (قتل غيلة) بكسر أوله، أي: خديعة، والاغتيال: الأخذ على غفلة) (٢) .

стр. 2026

وقال الفقيه مصطفى السيوطي الرحيباني: (وقتل الغيلة، بكسر الغين المعجمة، وهو: القتل على غرة، كالذي يخدع إنسانا فيدخله بيتا أو نحوه أو غيره) (١) . وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: (أما إذا كان يقتل النفوس سرا؛ لأخذ المال، مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم، أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة أو طب، أو نحو ذلك فيقتله ويأخذ ماله- فهذا يسمى: القتل غيلة) (٢) .

стр. 2027

٢ - خلاف الفقهاء فيما يوجبه من القتل حدا أو قودا وبيان ما يترتب على الخلاف من قبول العفو عن القاتل وعدمه: اختلف أهل العلم فيما يوجبه قتل الغيلة، ولمن الأمر فيه على قولين: أحدهما: القصاص أو الدية، على حسب اختيار أولياء المقتول. والثاني: القتل، ويرجع فيه إلى السلطان، وفيما يلي ذكر نقول عن بعض من قال بكل واحد منهما، وأثر الخلاف، مع الأدلة والمناقشة. المذهب الأول: أن من قتل رجلا عمدا غيلة أو غير غيلة، فذلك إلى أولياء القتيل، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا، وبهذا قال أبو حنيفة (١) ،

стр. 2028

والشافعي (١) ، وابن قدامة (٢) ، وابن حزم، ومن وافقهم من أهل العلم. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤) قال محمد بن الحسن الشيباني في توجيه الاستدلال بالآيتين قال: فلم يسم في ذلك قتل الغيلة ولا غيرها. وقال ابن حزم بعد ذكره للآيتين وحديث: «من قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين (٥) » . . . قال: (إن الله تعالى لو أراد أن يختص من ذلك قتل الغيلة أو الحرابة لما أغفله ولا أهمله، ولبينه ﷺ (٦) . أما السنة: فما أخرجه الترمذي بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: «لما فتح الله على رسوله مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعفو، وإما أن يقتل (٧) » . قال الترمذي: وفي الباب عن وائل بن حجر وأنس وأبي شريح خويلد بن

стр. 2029

عمرة، ثم ساق بسنده إلى أبي شريح الكعبي: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكن فيها دما (١) » ... إلى أن قال: «ثم إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل (٢) » ، قال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وقال السهيلي في حديث أبي شريح: حديث صحيح، وإن اختلفت الرواة (٣) . وممن استدل بحديث أبي شريح ابن حزم وابن قدامة. قال ابن حزم في توجيه الاستدلال: فذكر الدية أو القود أو المفاداة، والدية لا تكون إلا بالعفو عن القود بلا شك، فعمم ﵊ ولم يخص، وذكر أيضا: أن قتل الغيلة لو كان مخصوصا من ذلك لبينه ﷺ (٤) . وما أخرجه البخاري وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم، عن ابن عباس ﵄ قال: (كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٥) إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٦) فالعفو: أن تقبل الدية في العمد ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٧) مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ (٨) قتل بعد قبول الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٩)

стр. 2030

وجه الدلالة: قال ابن حجر العسقلاني في كلامه على رواية البخاري لهذا الحديث: استدل به الجمهور على جواز أخذ الدية في قتل العمد ولو كان غيلة (١) ويمكن أن الجمهور استدلوا بالحديث لما ذكره ابن حجر أخذا من عمومه في قتل الغيلة وغيره، وأنهم لم يطلعوا على مخصص يخرج قتل الغيلة من هذا العموم، فبقي العموم على أصله. وأما الأثر: فما رواه الإمام الشافعي عن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو حنيفة ﵀، عن حماد، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب ﵁ أتي برجل قد قتل عمدا، فأمر بقتله، فعفا بعض الأولياء، فأمر بقتله، فقال ابن مسعود ﵁: كانت لهم النفس، فلما عفا هذا أحيا النفس، فلا يستطيع أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه في ماله، وترفع حصة الذي عفا، فقال عمر: وأنا أرى ذلك (٢) . أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن النخعي قال: من عفا من ذي سهم فعفوه عفو. وجه الدلالة: ما قاله الشافعي عن محمد بن الحسن: فقد أجاز عمر وابن مسعود العفو من أحد الأولياء، ولم يسألوا: أقتل غيلة كان ذلك أو غيره؟ (٣)

стр. 2031

وقال الشافعي بعد سياقه لهذين الأثرين ولكلام محمد بن الحسن: كل من قتل في حرابة أو صحراء أو مصر أو مكابرة أو قتل غيلة على مال أو غيره أو قتل ثائرة - فالقصاص والعفو إلى الأولياء، وليس إلى السلطان من ذلك شيء، إلا الأدب إذا عفا الولي (١) . وأما المعنى: فقال ابن قدامة: إنه قتيل في غير المحاربة، فكان أمره إلى وليه كسائر القتل (٢) . المذهب الثاني: أنه لا يجوز العفو في قتل الغيلة، وإذا عفا الأولياء قتله السلطان، وممن قال بهذا القول: مالك ومن وافقه على ذلك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أخذ سماحة مفتي الديار السعودية ﵀ بهذا القول. وفيما يلي ذكر طائفة من النقول في ذلك عن بعض أهل العلم نذكر بعدها الأدلة: قال الشافعي: وقال أهل المدينة: إذا قتله قتل غيلة من غير ثائرة ولا عداوة فإنه يقتل، وليس لولاة المقتول أن يعفوا عنه، وذلك إلى السلطان يقتل فيه القاتل (٣) وقال ابن حجر: وألحقه مالك بالمحارب فإن الأمر فيه إلى السلطان، وليس للأولياء العفو عنه، وهذا على أصله في أن حد المحارب القتل إذا

стр. 2032

رآه الإمام (١) وقال ابن القاسم: (قتل الغيلة أيضا من الحرابة، مثل: أن يغتال رجل صبيا فيخدعه حتى يدخله موضعا فيأخذ ما معه، فهو كالحرابة) وقال سحنون: (قلت- أي: لابن القاسم -: أرأيت إن قتل رجل وليا لي قتل غيلة، فصالحته على الدية، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا، إنما ذلك إلى السلطان، ليس لك ها هنا شيء، وترد ما أخذت منه، ويحكم عليه السلطان بحكم المحارب، فيقتله السلطان بضرب عنقه، أو يصلبه إن أحب حيا فيقتله مصلوبا. قلت: وهذا قول مالك. قال: أما في القتل فكذلك قال لي مالك وفي الصلب، وأما في الصلح فإنه لا يجوز، وهو رأي؛ لأن مالكا قال: ليس لولاة الدم فيه قيام بالدم مثل العمد، وإنما ذلك إلى الإمام يرى فيه رأيه، يقتله على ما يرى من أشنع ذلك) . وقال أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النغراوي المالكي على قول ابن أبي زيد: (لا عفو فيه) - قال: لا للأولياء، ولا للسلطان، ولا للمقتول أيضا، ولو بعد إنفاذ مقاتله، ولو كان المقتول كافرا والقاتل حرا مسلما (٢) . وقال الشيخ علي الصعيدي العدوي في [شرح الرسالة] على قوله:

стр. 2033

(وقتل الغيلة لا عفو فيه) - قال: لا للمقتول، ولا للأولياء، ولا للسلطان، ظاهر كلامه: ولو كان المقتول كافرا، وهو كذلك في [المدونة] (١) . وقال به أحمد بن جزي (٢) وأحمد الدردير (٣) ، وأحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي المعروف بزروق (٤) ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا يصح العفو في قتل الغيلة؛ لتعذر الاحتراز كالقتل (٥)

стр. 2034

وقال ابن القيم: قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، قال أيضا: وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا وأفتى به (١) وأما سماحة مفتي الديار السعودية ﵀ فقد كتب في قضية امرأة قتلت زوجها غيلة خطابا إلى إمارة منطقة الرياض بعدد (٣٦٥) وتاريخ ٢١\٦\١٣٧٩هـ جاء فيه ما نصه: إنه بناء على اعترافها، وكون قتلها للرجل غيلة فإنه يتحتم قتلها، وحيث الحال ما ذكره فإنه لا يلتفت إلى ما أبداه الأولياء ووكيل الأم، بل لا بد من قتلها شرعا؛ لأجل حق الله، ثم ساق كلام شيخ الإسلام وابن القيم السابق. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى:

стр. 2035

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) قال ابن القاسم: وقتل الغيلة من الحرابة (٢) وهو قول مالك. وقد أجاب ابن حزم عن ذلك فقال: وجدنا أن الله تعالى قد حد الحرابة: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣) فلا تخلو هذه الآية أن تكون على الترتيب أو التخيير، فإن كانت على الترتيب فالمالكيون لا يقولون بهذا، وإن كانت على التخيير- وهو قولهم- فليس في الآية ما يدعونه من أن قاتل الحرابة والغيلة لا خيار فيه لولي القتيل، فخرج قولهم: أن يكون له متعلق أو سبب يصح فبطل ما قالوه (٤) . وأما السنة: فمن ذلك ما يلي: أ- ما أخرجه البخاري ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «لما قدم رهط من عرينة وعكل على النبي ﷺ اجتووا المدينة، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها ففعلوا، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم، فأخذوا، فقطع
следующие страницы →