← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وقال الشافعي بعد سياقه لهذين الأثرين ولكلام محمد بن الحسن: كل من قتل في حرابة أو صحراء أو مصر أو مكابرة أو قتل غيلة على مال أو غيره أو قتل ثائرة - فالقصاص والعفو إلى الأولياء، وليس إلى السلطان من ذلك شيء، إلا الأدب إذا عفا الولي (١) . وأما المعنى: فقال ابن قدامة: إنه قتيل في غير المحاربة، فكان أمره إلى وليه كسائر القتل (٢) . المذهب الثاني: أنه لا يجوز العفو في قتل الغيلة، وإذا عفا الأولياء قتله السلطان، وممن قال بهذا القول: مالك ومن وافقه على ذلك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أخذ سماحة مفتي الديار السعودية ﵀ بهذا القول. وفيما يلي ذكر طائفة من النقول في ذلك عن بعض أهل العلم نذكر بعدها الأدلة: قال الشافعي: وقال أهل المدينة: إذا قتله قتل غيلة من غير ثائرة ولا عداوة فإنه يقتل، وليس لولاة المقتول أن يعفوا عنه، وذلك إلى السلطان يقتل فيه القاتل (٣) وقال ابن حجر: وألحقه مالك بالمحارب فإن الأمر فيه إلى السلطان، وليس للأولياء العفو عنه، وهذا على أصله في أن حد المحارب القتل إذا

стр. 2032

رآه الإمام (١) وقال ابن القاسم: (قتل الغيلة أيضا من الحرابة، مثل: أن يغتال رجل صبيا فيخدعه حتى يدخله موضعا فيأخذ ما معه، فهو كالحرابة) وقال سحنون: (قلت- أي: لابن القاسم -: أرأيت إن قتل رجل وليا لي قتل غيلة، فصالحته على الدية، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا، إنما ذلك إلى السلطان، ليس لك ها هنا شيء، وترد ما أخذت منه، ويحكم عليه السلطان بحكم المحارب، فيقتله السلطان بضرب عنقه، أو يصلبه إن أحب حيا فيقتله مصلوبا. قلت: وهذا قول مالك. قال: أما في القتل فكذلك قال لي مالك وفي الصلب، وأما في الصلح فإنه لا يجوز، وهو رأي؛ لأن مالكا قال: ليس لولاة الدم فيه قيام بالدم مثل العمد، وإنما ذلك إلى الإمام يرى فيه رأيه، يقتله على ما يرى من أشنع ذلك) . وقال أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النغراوي المالكي على قول ابن أبي زيد: (لا عفو فيه) - قال: لا للأولياء، ولا للسلطان، ولا للمقتول أيضا، ولو بعد إنفاذ مقاتله، ولو كان المقتول كافرا والقاتل حرا مسلما (٢) . وقال الشيخ علي الصعيدي العدوي في [شرح الرسالة] على قوله:

стр. 2033

(وقتل الغيلة لا عفو فيه) - قال: لا للمقتول، ولا للأولياء، ولا للسلطان، ظاهر كلامه: ولو كان المقتول كافرا، وهو كذلك في [المدونة] (١) . وقال به أحمد بن جزي (٢) وأحمد الدردير (٣) ، وأحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي المعروف بزروق (٤) ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا يصح العفو في قتل الغيلة؛ لتعذر الاحتراز كالقتل (٥)

стр. 2034

وقال ابن القيم: قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، قال أيضا: وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا وأفتى به (١) وأما سماحة مفتي الديار السعودية ﵀ فقد كتب في قضية امرأة قتلت زوجها غيلة خطابا إلى إمارة منطقة الرياض بعدد (٣٦٥) وتاريخ ٢١\٦\١٣٧٩هـ جاء فيه ما نصه: إنه بناء على اعترافها، وكون قتلها للرجل غيلة فإنه يتحتم قتلها، وحيث الحال ما ذكره فإنه لا يلتفت إلى ما أبداه الأولياء ووكيل الأم، بل لا بد من قتلها شرعا؛ لأجل حق الله، ثم ساق كلام شيخ الإسلام وابن القيم السابق. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى:

стр. 2035

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) قال ابن القاسم: وقتل الغيلة من الحرابة (٢) وهو قول مالك. وقد أجاب ابن حزم عن ذلك فقال: وجدنا أن الله تعالى قد حد الحرابة: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣) فلا تخلو هذه الآية أن تكون على الترتيب أو التخيير، فإن كانت على الترتيب فالمالكيون لا يقولون بهذا، وإن كانت على التخيير- وهو قولهم- فليس في الآية ما يدعونه من أن قاتل الحرابة والغيلة لا خيار فيه لولي القتيل، فخرج قولهم: أن يكون له متعلق أو سبب يصح فبطل ما قالوه (٤) . وأما السنة: فمن ذلك ما يلي: أ- ما أخرجه البخاري ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «لما قدم رهط من عرينة وعكل على النبي ﷺ اجتووا المدينة، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها ففعلوا، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم، فأخذوا، فقطع

стр. 2036

أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا (١) » . قال ابن القيم: وهذا الحديث- أيضا- يدل على أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة (٢) . وقد أجاب ابن حزم عن الاستدلال بهذا الحديث بعد جوابه عن حديث اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين- فقال: وأما حديث العرنيين فلا حجة لهم فيه أيضا لما ذكرنا في هذا الخبر، سواء بسواء، من أنه ليس فيه أنه ﵊ لم يشاور أولياء الرعاة إن كان لهم أولياء، ولا أنه قال لا خيار في هذا لولي المقتول، فإذا ليس فيه شيء من هذا، فلا حجة لهم ولا لنا بهذا الخبر في هذه المسألة خاصة، فوجب علينا طلب حكمها بموضع آخر. ثم هذا الخبر حجة عليهم؛ لما روينا من طريق مسلم، نا يحيى بن يحيى التميمي، نا هشيم عن عبد العزيز بن صهيب وحميد، عن أنس: أن أناسا من عرينة قدموا، وذكر الحديث، وفيه: أنهم قتلوا الرعاة وارتدوا عن الإسلام- وساقوا ذود رسول الله ﷺ ، فبعث في آثارهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا. قال أبو محمد: فهؤلاء ارتدوا عن الإسلام، والمالكيون هم على خلاف هذا الحكم من وجوه ثلاثة: أحدها: أنه لا يقتل المرتد عنده، ولا عندنا هذه القتلة أصلا. والثاني: لا يقتص عندهم من المرتد، وإنما هو عندهم القتل أو الترك إن تاب.

стр. 2037

والثالث: أنهم يقولون باستتابة المرتد، وليس في هذا الحديث ذكر استتابته البتة، فعاد حجة عليهم، ومخالفا لقولهم في هذه المسألة وغيرها (١) . وذكر جوابا آخر بقوله: قد يمكن أن يكونوا غرباء لا ولي لهم (٢) ب- ما ثبت في الصحيحين، عن أنس بن مالك: «أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أو حلي فأخذ واعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين (٣) » . قال ابن القيم في أثناء الكلام على فقه هذا الحديث- قال: وإن قتل الغيلة لا يشترط فيه إذن الولي؛ فإن رسول الله ﷺ لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتما. وأورد ﵀ اعتراضا، وأجاب عنه، فقال: ومن قال: إنه فعل ذلك لنقض العهد لم يصح، فإن ناقض العهد لا يرض رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف (٤) وقد يقال: إن هذا الحديث يدل على قتل الرجل بالمرأة قصاصا. وأجاب عن ذلك الأبي فقال: في الاحتجاج به على ذلك ضعف؛ لأن قتله لها إنما كان غيلة، وقتل الغيلة حرابة (٥) . وقد أجاب ابن حزم أيضا عن الاحتجاج بهذا الحديث فقال: أما حديث اليهودي الذي رضخ رأس الجارية على أوضاحها فليس فيه أن رسول الله

стр. 2038

صلى الله عليه وسلم لم يشاور وليها، ولا أنه شاوره، ولا أنه قال: أختار لولي المقتول في الغيلة أو الحرابة، فإذا لم يقل ذلك ﵊ فلا يحل لمسلم أن ينسب ذلك إلى رسول الله ﷺ فيكذب عليه، ويقول عليه ما لم يقل، فكيف وهذا الخبر حجة عليهم، فإنهم لا يختلفون في أن قاتل الغيلة أو الحرابة لا يجوز البتة أن يقتل رضخا في الرأس بالحجارة وحدها، وهذا لا يقوله أحد من الناس، فصح يقينا إذ قتله رسول الله ﷺ رضخا بالحجارة أنه إنما قتله قودا بالحجارة، وإذا قتله قودا بها فحكم قتل القود: أن يكون بالخيار في ذلك، أو العفو للولي. وإذ ذلك كذلك بلا شك، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين (١) » . . . إلى آخره، فنحن على يقين من أن فرضا على كل أحد أن يضم هذا الحكم إلى هذا الخبر، وليس سكوت الرواة عن أن رسول الله ﷺ خير وليها يسقط ما أوجبه رسول الله ﷺ في القتل من تخيير وليه، بل بلا شك في أنه ﵊ لم يخالف ما أمر به. ولا يخلو هذا مما ذكرنا من قبول الزيادة المروية في سائر النصوص أصلا. ولو كان هذا الفعل تخصيصا أو نسخا؛ لبينه ﵊، فبطل تعلقهم به (٢) . وذكر جوابا آخر بقوله: قد يكون للأنصارية ولي صغير لا خيار له فاختار النبي ﷺ القود. لو صح أنه ﵊ لم يخير الولي فكيف وهو لا يصح أبدا؟! (٣)

стр. 2039

ج- ما رواه البيهقي بسنده إلى الواقدي، وسنده عند الواقدي: حدثني اليمان بن معن، عن أبي وجزة في ذكر من قتل بأحد من المسلمين، قال: «مجذر بن زياد قتله الحارث بن سويد غيلة، وكان من قصة مجذر بن زياد أنه قتل سويد بن الصامت في الجاهلية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت، فشهدا بدرا، فجعل الحارث يطلب مجذرا؛ ليقتله بأبيه، فلم يقدر عليه يومئذ، فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم خرج إلى حمراء الأسد، فلما رجع أتاه جبريل ﵇ فأخبره: أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد غيلة، وأمره بقتله، فركب رسول الله ﷺ إلى قباء، فلما رآه دعا عويم بن ساعدة فقال: قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بالمجذر بن زياد، فإنه قتله يوم أحد غيلة، فأخذه عويم، فقال الحارث: دعني أكلم رسول الله ﷺ ، فأبى عليه عويم، فجابذه يريد كلام رسول الله ﷺ ، ونهض رسول الله ﷺ يريد أن يركب- إلى أن قال: - حتى إذا استوعب كلامه قال: قدمه يا عويم، فاضرب عنقه، فضرب عنقه (١) » . وقد اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بقول الشافعي: ولو كان حديثه- أي: حديث مجذر هذا- مما يثبت قلنا به، فإن ثبت فهو كما قالوا، ولا أعرفه إلى يومي هذا (٢) .

стр. 2040

وقول البيهقي: إنما بلغنا قصة مجذر بن زياد من حديث الواقدي منقطعا وهو ضعيف (١) . وأما الآثار: فمن ذلك ما يلي: أ- ما روى مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا (٢) وقد ذكره البخاري من طريق آخر، فقال: قال لي ابن بشار: حدثنا يحيى بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن غلاما قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به ب- ما رواه ابن حزم قال: وذكروا ما حدثناه أحمد بن عمر، نا الحسين بن يعقوب، نا سعيد بن فلحون، نا يوسف بن يحيى المعافري، نا عبد الملك بن حبيب، عن مطرف، عن ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب الهذلي: أن عبد الله بن عامر كتب إلى عثمان بن عفان: أن رجلا من المسلمين عدا على دهقان فقتله على ماله، فكتب إليه عثمان أن اقتله به، فإن هذا قتل غيلة على الحرابة. ج- وبه- أي: بالسند السابق- إلى عبد الملك بن حبيب، عن مطرف، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن: أن رجلا مسلما في زمان أبان بن عثمان

стр. 2041

بن عفان قتل نبطيا بذي حميت على مال معه، فرأيت أبان بن عثمان أمر بالمسلم فقتل بالنبطي؛ لقتله إياه غيلة، فرأيته حتى ضرب عنقه. د- وعن عبد الملك بن حبيب، عن مطرف بن أبي الزناد، عن أبيه أنه شهد أبان بن عثمان إذ قتل مسلما بنصراني قتله غيلة. وقد أجاب ابن حزم عن أثر عثمان بقوله: وأما الرواية عن عثمان فضعيفة جدا؛ لأنها عن عبد الملك بن حبيب، وهو ساقط الرواية جدا، ثم عن مسلم بن جندب، ولم يدرك عثمان، وأيضا فلا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ ، فكم قصة خالفوا فيها عثمان ﵁ بأصح من هذا السند؛ كقضائه في ثلث الدية فيمن ضرب آخر حتى سلح، ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة ﵃، ومن المحال أن يكون ما لم يصح عنه حجة في إباحة الدماء، ولا يكون ما صح عنه حجة في غير ذلك (١) وأما المعنى: فإن قتل الغيلة حق لله. وكل حق تعلق به حق الله تعالى فلا عفو فيه، كالزكاة وغيرها (٢) ؛ لأنه يتعذر الاحتراز منه، كالقتل مكابرة (٣) . وقد تبين مما تقدم أن أثر الخلاف بين الفريقين: قبول العفو من أولياء الدم بناء على القول بأنه يقتل قصاصا، وعدم قبول العفو بناء على القول بأنه يقتل حدا.

стр. 2042

الخلاصة قتل الغيلة: تطلق الغيلة لغة: على أخذ الشيء من حيث لا يدري، فهي متضمنة معنى الختل والغرة والخداع والخفاء، وهي اسم هيئة من الغول بمعنى: الاغتيال والإهلاك، يقال: غاله يغوله، إذا أخذه من حيث لم يدر، ومن ذلك سمي السيف الدقيق مغولا، لأنه يستتر بقراب حتى لا يدرى ما فيه، وسميت المفازة المتباعدة الأطراف غولا، لأنها تغتال من مر بها، وتطلق لغة أيضا على رضاع الولد المرأة الحامل أو التي جامعها زوجها مثلا. والقتل غيلة: في اللغة: هو القتل على غرة، أو مع ختل وخداع، يقال: قتله غيلة إذا ختله وخدعه فقتله من حيث لا يعلم. أما عند الفقهاء: فقد اختلف رأيهم فيه: فمنهم من خصه بالقتل خفية لأخذ المال، ومنهم من قال: هو قتل شخص لأخذ ما معه من مال أو زوجة أو أخت ونحو ذلك، ومنهم من توسع فيه، فقال: إنه القتل على وجه التحيل والخديعة، أو على وجه القصد الذي لا يحتمل معه الخطأ، ويمكن أن يقال: إن هذا الأخير هو مذهب مالك وأصحابه، وما نقل عنهم من التعبير بالقتل على مال محمول على التمثيل لا الحصر، بدليل تعميمهم في كثير من عباراتهم، وتصريح ابن القاسم بجعل القتل على مال مثالا للقتل غيلة (١) ، وإدخالهم القتل على وجه القصد الذي لا يحتمل معه الخطأ في

стр. 2043

قتل الغيلة، كقتل المدلجي ولده؛ ولذا أوجب فيه مالك قتل الوالدين لولدهما؛ لكونه قتل غيلة عندهم وإن لم يكن على مال. وأما من اشترط من المالكية في قتل الغيلة: أن يكون على مال فهو بعض المتأخرين (١) ، ومقتضى استدلال ابن تيمية التعميم، حيث علل ذلك بقوله: لتعذر الاحتراز كالقتل مكابرة، فيمكن أن يحمل ما نقل عنه من ذكر المال ونحوه على التمثيل. وكذا تسمية العلماء ما جاء في أثر عمر من قتل الجماعة للغلام خشية أن يفضحهم قتل غيلة. ولم يكن ذلك على مال ولا لأخذ شيء من الغلام، وقد استدل المالكية بهذا الأثر على مطلوبهم من أن من قتل غيره غيلة يقتل حدا، ولم ينكر من خالفهم أنه غيلة، وإنما تأولوا الأثر بما يتفق مع ما ذهبوا إليه من أن قتلهم كان قصاصا. هذا ومهما يكن من الاختلاف في ضابط قتل الغيلة فلا أثر له بالنسبة لمن لم يفرق بين أنواع القتل العمد العدوان في إيجابها القصاص دون الحد، وقبول عفو أولياء الدم في ذلك، إنما يظهر أثر الاختلاف في ضابط قتل الغيلة بالنسبة لمن فرق بين جزاء من قتل غيلة ومن قتل عمدا غير غيلة، فقد يكون قتل غيلة تترتب عليه آثاره عند بعضهم ما لا يكون غيلة عند آخرين فلا تترتب عليه آثاره.

стр. 2044

الخلاف بين الفقهاء فيما يوجبه قتل الغيلة: اختلف الفقهاء فيما يوجبه قتل الغيلة: فقال الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية: إنه يوجب القتل قصاصا كسائر أنواع القتل عمدا عدوانا،

стр. 2045

وعليه يكون الحق في قتل الجاني لأولياء الدم من ورثة القتيل أو عصبته، فيجب تنفيذه إن اتفقوا على ذلك، ويسقط بعفوهم أو عفو بعضهم، وقال أبو الزناد ومالك وابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم: إنه يوجب قتل الجاني حدا لا قودا، فيتولى تنفيذه السلطان أو نائبه، ولا يسقط بعفو أحد، لا السلطان ولا غيره. استدل من قال: إنه يقتل قصاصا بالكتاب والسنة والإجماع والقياس: أما الكتاب: فعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (١) قالوا: جعل الله سبحانه الحق في الدم لأولياء القتيل من ورثة أو عصبة دون غيرهم، وعمم في ذلك فلم يخص قتلا دون قتل، والأصل بقاء النص على عمومه حتى يرد ما يصلح لتخصيصه. وأيضا عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) فحكم تعالى في عموم القتلى بوجوب القصاص إلا ما خصه الدليل، فأوجب فيه الدية أو لم يوجب فيه شيئا، كما عمم تعالى في العفو بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) فلم يخص به قتلا دون قتل، فوجب تعميمه في كل قتل عمد عدوان، غيلة كان

стр. 2046

أم غير غيلة. ونوقش الاستدلال بالآيتين: بأنهما وإن كان ظاهرهما العموم إلا أنه قد ورد ما يصلح لتخصيص عمومهما، وسيأتي مناقشة المخصص عند الاستدلال به للقول الثاني. ونوقش الاستدلال بالآية الثانية: بأنها نزلت في مقاصة بين قتلى بالفعل في حرب فتنة بين المسلمين، فمن بقي له قتلى بعد المقاصة أخذ ديتهم، وليست في القصاص من جان معين لقتيله، ممن اختار تفسيرها بذلك ابن تيمية ﵀. وأما السنة: فعموم قوله ﷺ : «من قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين: إما أن يأخذوا العقل، أو أن يقتلوا (١) » ، فجعل ﵊ الخيرة لأهل القتيل بين العقل والقصاص في كل قتل، غيلة كان أم غير غيلة. وأما الإجماع: فما رواه أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب ﵁ أتي برجل قد قتل عمدا فأمر بقتله بعد عفو بعض الأولياء، فقال ابن مسعود ﵁: كانت لهم النفس فلما عفا هذا أحيا النفس، فلا يستطيع أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه في ماله، وترفع حصة الذي عفا، فقال عمر: وأنا أرى ذلك، فأجاز عمر وابن مسعود العفو من أحد الأولياء، ولم يسألا: أقتل غيلة كان ذلك أم غيره، ولم يعرف لهما في ذلك مخالف، فكان إجماعا. ونوقش: بأنه منقطع، لأن إبراهيم- هو ابن يزيد النخعي ولد سنة ٥٠ هـ،

стр. 2047

وعمر مات سنة ٢٣ هـ وعليه فما ادعي من الإجماع غير صحيح؛ لأنه سكوتي لا قولي ولا عملي، والسكوتي هنا فرع ثبوت القضية وهي لم تثبت، ويمكن أن يناقش أيضا: بأن عدم الاستفسار بناء على أن الأصل عموم القصاص في كل قتل عمد عدوان. وأيضا ما روى عبد الرزاق عن سماك بن الفضل: أن عروة كتب إلى عمر بن عبد العزيز في رجل خنق صبيا على أوضاح له حتى قتله فوجدوه والحبل في يده، فاعترف بذلك، فكتب: أن ادفعوه لأولياء الصبي، فإن شاءوا قتلوه. ولم يسأل عمر عن صفة القتل أهو غيلة أم لا؟ ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعا. ونوقش: بأن فيه عنعنة عبد الرزاق بن همام وهو مدلس. ونوقش الأثران: بأن كلا منهما واقعة عين لا عموم لها، ودعوى ترك السؤال مجرد احتمال لا دليل عليه، إذ ليس في كل من الأثرين ثبوت السؤال ولا نفيه، ومع تساوي الاحتمالين يسقط الاستدلال. أما القياس: فقالوا فيه: إنه قتل في غير حرابة، فكان كسائر أنواع القتل في إيجاب القصاص وقبول العفو؛ لعدم الفارق. ونوقش: بوجود الفارق، بأنه من الحرابة أو كالحرابة، ويتبين ذلك مما يأتي في الاستدلال للقول الثاني إن شاء الله. واستدل من قال: إن قتل الغيلة يقتل فيه الجاني حدا لا قودا فلا يسقط بالعفو من السلطان أو غيره بالكتاب والسنة والإجماع والقياس: أما الكتاب: فإن قتل الغيلة نوع من الحرابة، فوجب به القتل حدا لا قودا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) الآية.

стр. 2048

ونوقش: بمنع كونه نوعا من الحرابة. وأما السنة: أ- ما ثبت أن جارية وجدت قد رض رأسها بين حجرين، فسألوها: من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديا، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به النبي ﷺ أن يرضوا رأسه بالحجارة. قالوا: قد أمر النبي ﷺ بقتل اليهودي، ولم يجعل ذلك إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصا لكان الحق لأوليائها، ولم يضرب عنهم صفحا، فدل ذلك على أنه قتله حدا لا قودا. ب- ما ثبت أن النبي ﷺ قتل العرنيين الذين قتلوا الرعاة قتل حرابة وغيلة، ولم ينقل أنه جعل لأولياء الرعاة الخيار، ولو كان قتله إياهم قصاصا لشاورهم وطلب رأيهم، فدل على أنه قتلهم حدا لا قودا. وبذلك يتبين أن قتل الغيلة له حكم خاص يختلف عن حكم سائر القتل العمد العدوان. ونوقش الاستدلال بالحديثين: بأن عدم نقل مشاورة النبي ﷺ أولياء الجارية والرعاة لا يدل على عدم المشاورة ولا على ثبوتها، فلا يصح أن يخصص هذان الحديثان أدلة عموم القصاص بالقتل العمد العدوان، ثم إن العرنيين جمعوا بين جريمة القتل والسرقة والتمثيل أو الردة فقتلوا حدا، ولا يلزم منه أن يقتل حدا كل من لم يحصل منه إلا القتل وحده وإن كان غيلة. ثم مراعاة المماثلة في تنفيذ العقوبة دليل على أن قتل اليهودي

стр. 2049

بالجارية كان قصاصا. ج- مما رواه الواقدي قال: حدثني اليمان بن معن، عن أبي وجزة قال: دفن ثلاثة نفر يوم أحد في قبر: النعمان بن مالك، ومجذر بن زياد وعبدة بن الحسحاس، ثم ذكر قصة قتل مجذر بن زياد، وفيها: أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد يوم أحد غيلة بأبيه سويد بن الصامت الذي قتله مجذر بن زياد في الجاهلية غدرا، وكان ذلك مما هيج وقعة بعاث، فأخبر جبريل النبي ﷺ بأن الحارث قتل مجذرا غيلة، وأمره بقتله، فلما جاء الحارث بن سويد أمر النبي ﷺ عويم بن ساعدة أن يضرب عنقه بقتله مجذرا غيلة، وبنو مجذر حضور عند النبي ﷺ ولم يستشر أحدا منهم. قال المستدلون بالقصة: دل ذلك على أن القاتل غيلة يقتل حدا لا قودا، ولا عفو فيه لأولياء الدم ولا للسلطان. ونوقش: بأن الواقدي مختلف فيه، فوثقه جماعة، وضعفه آخرون، بل رماه جماعة بالكذب في الحديث ووضعه، منهم أحمد بن حنبل والنسائي، وأيضا في سنده اليمان بن معن وهو مجهول، وأيضا في سنده انقطاع (١) . وعلى ذلك لا تقوم به حجة، ولا يصلح لتخصيص عموم أدلة القول الأول. وأما الآثار: فمنها أولا: ما ثبت أن عمر ﵁ أمر بقتل جماعة اشتركوا في قتل غلام غيلة بصنعاء وقال: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم

стр. 2050

به، وفي رواية: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا، فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولم ينقل أنه استشار أحدا من أولياء الدم، ولو كان لهم حق العفو لرد الأمر إليهم، وطلب رأيهم، ولم ينقل أن أحدا من الصحابة أنكر عليه فكان إجماعا. ونوقش: بأنه لا يلزم من عدم النقل عدم الاستشارة. ولا عدم وجود من ينكر، فلا يتم الاستدلال بالأثر على إسقاط حق أولياء الدم في العفو، ولا على ثبوت الإجماع. وتأول ابن قدامة قول عمر: لأقدتهم به) على معنى: لأمكنت الولي من استيفاء القود منهم. ثانيا: ما روي أن عبد الله بن عامر كتب إلى عثمان بن عفان أن رجلا من المسلمين عدا على دهقان فقتله على ماله. فكتب إليه عثمان أن اقتله به، فإن هذا قتل غيلة. ورد بأن في سنده عبد الملك بن حبيب الأندلسي، وهو ضعيف، وفي سنده أيضا مسلم بن جندب الهذلي، ولم يدرك عثمان، فكان الأثر منقطعا. ثالثا: ما روي أن رجلا مسلما في زمن أبان بن عثمان أمر بالمسلم فقتل بالنبطي؛ لقتله إياه غيلة، فرأيته حتى ضربت عنقه، ولم ينقل أنه استشار أولياء الدم، ولا أن أحدا أنكر عليه فكان إجماعا. ورد بأن في سنده عبد الملك بن حبيب، وهو ضعيف، كما أن فيه ما تقدم من مناقشة الاستدلال بأمر عمر. وأما القياس: فإن القتل غيلة لما كان في الغالب عن ختل وخداع وأخذ على غرة- تعذر التحفظ منه، فكان كالقتل حرابة ومكابرة في أن عقوبة كل

стр. 2051

منهما من الحدود لا القود والقصاص. وأيضا في ذلك سد لذريعة الفساد والفوضى في الدماء، والقضاء على الاحتيال والخديعة وسائر طرق الاغتيال، وبذلك يخصص عموم النص في وجوب القتل قصاصا، فيحمل على ما عدا قتل الغيلة. وهنا إيراد على كلا الفريقين، وهو أن ما ادعاه كل منهما من الإجماع على ما أورده من القضايا في الآثار مردود بأنه مجرد سكوت ممن بلغه ذلك عند المعارضة في حكم صدر من ولي الأمر العام أو نائبه في قضايا أعيان من المسائل الاجتهادية، ومثل ذلك يتعين حمله على الموافقة، فقد يكون من سمع ذلك أو بلغه من العلماء مخالفا فيه، لكنه لم ينكر؛ لما تقرر عند العلماء من أن حكم الحاكم في واقعة عين اجتهادية يرفع الخلاف ويجب إمضاؤه، وعلى هذا لا تصح دعاوى الإجماع فيما تقدم ذكره في الآثار من الأحكام، ولهذا أمثلة كثيرة: منها: قضاء عمر في المشركة أولا بحرمان الأشقاء؛ لاستغراق الفروض كل التركة، وقضاؤه في مثلها ثانيا بتشريك الأشقاء مع الإخوة من الأم في سهمهم، ولم يكن سكوت الصحابة عن حكمه الأول إجماعا؛ وكذا لم يكن سكوتهم عن حكمه الثاني إجماعا، ولذا استمر الخلاف بين العلماء حتى اليوم في حكم هذه المسألة، فمنهم من رأى الصواب في حكمه الأول، ومنهم من رأى الصواب في حكمه الثاني. ومن ذلك ما ورد في المدونة، في مسألة الغيلة من أن سحنونا قال لابن القاسم: أرأيت من قتل قتل غيلة، ورفع إلى قاض من القضاة فرأى ألا يقتله، وأن يمكن أولياء المقتول منه. ففعل، فعفوا عنه، ثم استقضى غيره

стр. 2052

فرفع إليه، أفترى أن يقتله القاضي الثاني أم لا يقتله؛ لأنه قد حكم به قاض قبله في قول مالك، قال: (لا أرى أن يقتله؛ لأنه مما اختلف الناس فيه) اهـ (١) . فهذا ابن القاسم مع كونه يرى أن عقوبة القاتل غيلة من باب الحدود لا القصاص- منع أن يحكم قاض بحد من قتل غيلة بعد أن حكم قبله قاض يخالفه في الرأي بقبول العفو. فكيف يصح مع ذلك وأمثاله دعوى الإجماع بمجرد السكوت على حكم في قضايا الأعيان؟! هذا ما تيسر، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 2053

قرار رقم (٣٨) وتاريخ ١١\ ٨\ ١٣٩٥ هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة (السادسة) لهيئة كبار العلماء، بأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الغيلة، وقد أعدته وأدرج في جدول أعمال الهيئة في الدورة السابعة المنعقدة في الطائف من ٢\٨\ ١٣٩٥ هـ إلى ١١\٨\ ١٣٩٥ هـ. وقد عرض البحث على الهيئة، وبعد قراءته في المجلس ومناقشة المجلس لكلام أهل العلم في تعريف الغيلة في اللغة وعند الفقهاء، وما ذكر من المذاهب والأدلة والمناقشة في عقوبة القاتل قتل غيلة هل هو القصاص أو الحد؟ وتداول الرأي، وحيث إن أهل العلم ذكروا أن قتل الغيلة ما كان عمدا عدوانا على وجه الحيلة والخداع، أو على وجه يأمن معه المقتول من غائلة القاتل، سواء كان على مال أو لانتهاك عرض، أو خوف فضيحة وإفشاء سرها، أو نحو ذلك، كأن يخدع إنسان شخصا حتى يأمن منه ويأخذه إلى مكان لا يراه فيه أحد، ثم يقتله، وكأن يأخذ مال رجل بالقهر ثم يقتله؛ خوفا من أن يطالبه بما أخذ، وكأن يقتله لأخذ زوجته أو ابنته، وكأن تقتل الزوجة زوجها في مخدعه أو منامه- مثلا- للتخلص منه، أو العكس ونحو ذلك. لذا قرر المجلس بالإجماع- ما عدا الشيخ صالح بن غصون - أن القاتل قتل غيلة يقتل حدا لا قصاصا، فلا يقبل ولا يصح فيه العفو من أحد. والأصل في ذلك الكتاب والسنة والأثر والمعنى:

стр. 2054

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ (١) الآية. وقتل الغيلة نوع من الحرابة فوجب قتله حدا لا قودا. وأما السنة: فما ثبت في [الصحيحين] ، عن النبي ﷺ ، أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أو حلي فأخذ واعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين. فأمر ﷺ بقتل اليهودي، ولم يرد الأمر إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصا لرد الأمر إليهم؛ لأنهم أهل الحق، فدل أن قتله حدا لا قودا. وأما الأثر: فما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا. فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولا نعلم نقلا يدل على أنه رد الأمر إلى الأولياء، ولو كان الحق لهم لرد الأمر إليهم على أنه يقتل حدا لا قودا. وأما المعنى: فإن قتل الغيلة حق لله، وكل حق يتعلق به حق الله تعالى فلا عفو فيه لأحد، كالزكاة وغيرها، ولأنه يتعذر الاحتراز منه كالقتل مكابرة.

стр. 2055

وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة السابعة عبد الله بن محمد بن حميد عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله خياط ... عبد العزيز بن باز عبد المجيد حسن ... عبد العزيز صالح ... محمد الحركان إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد ... صالح بن غصون عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين ... (له وجهة نظر) محمد بن جبير ... صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع

стр. 2056

وجهة نظر الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه وبعد: فبناء على إدراج موضوع قتل الغيلة في جدول أعمال الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء، وبعد الاطلاع على البحث المعد من قبل اللجنة الدائمة ومناقشة المجلس للموضوع- أرى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، وأنه لا يجوز العفو فيه، غير أنه لم يظهر لي أن ما يحدث من قتل بسبب خصومة أو عداوة أو ثائرة- يعتبر قتل غيلة، وقد نص على ذلك غير واحد من علماء المالكية في كتبهم. كما وإن شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر قتل الغيلة، قال بعده ما نصه: (بخلاف من يقتل شخصا لغرض خاص مثل خصومة بينهما، فإن هذا حق لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا باتفاق المسلمين) . اهـ. ص: ٣١٠- ٣١١ ج ٢٨ من [المجموع] . وله كلام في هذا الموضع ص ٣١٦، ٣١٧ من المجلد المذكور، جاء في آخره: (واختلف الفقهاء أيضا فيمن يقتل السلطان- كقتلة عثمان وقاتل علي ﵄ هل هم كالمحاربين فيقتلون حدا، أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم؛ على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ لأن في قتله فسادا عاما) . اهـ. وهذا واضح أنه ﵀ لم يعتبر قتل الإمام علي ﵁ غيلة، رغم أنه قتل عمدا على سبيل الخفية، كما هو معلوم. هذا ما تبين لي. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. صالح بن علي بن غصون عضو هيئة كبار العلماء

стр. 2057

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2058

(١) توحيد الأذان بالمسجد النبوي هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 2059

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ توحيد الأذان بالمسجد النبوي إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فبناء على ما ورد من المقام السامي برقم ٤ \٢ \ ٢٨٠٧٩ وتاريخ ٢٣ \ ١١ \ ١٣٩٦هـ المبني على اقتراح سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من إحالة موضوع توحيد الأذان بالمسجد النبوي إلى هيئة كبار العلماء، وأنه تقرر إدراجه ضمن جدول أعمال الدورة العاشرة - فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك يتضمن ما يأتي: ١ - بيان هدي الرسول ﷺ وهدي خلفائه الراشدين في تعدد المؤذنين في المسجد الواحد للوقت الواحد. ٢ - أقوال فقهاء الإسلام في ذلك. ٣ - حكمة مشروعية الأذان.

стр. 2060

أولا: بيان هدي الرسول ﷺ وهدي خلفائه الراشدين في تعدد المؤذنين في المسجد الواحد للوقت الواحد أ - هديه ﷺ في عدد المؤذنين لغير صلاة الفجر والجمعة: ١ - قال البخاري: باب بدء الأذان وساق بسنده عن أنس ﵁ قال: «ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة (١) » . ٢ - قال البخاري في [صحيحه] : باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد، وساق بسنده عن مالك بن الحويرث: «أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيما رفيقا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم (٢) » . قال ابن حجر معلقا على الترجمة: كأنه يشير إلى ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح: أن ابن عمر كان يؤذن للصبح في السفر أذانين، وهذا مصير منه إلى التسوية بين الحضور والسفر. وظاهر حديث الباب أن الأذان في السفر لا يتكرر؛ لأنه لم يفرق بين الصبح وغيرها، والتعليل في حديث ابن مسعود يؤيده. وعلى هذا فلا مفهوم لقوله: مؤذن واحد في السفر؛ لأن الحضر أيضا لا يؤذن فيه إلا واحد، ولو احتيج إلى تعددهم لتباعد أقطار البلد أذن كل

стр. 2061

واحد في جهة، ولا يؤذنون جميعا (١) انتهى المقصود. ٣ - روى البخاري أيضا: عن مالك بن الحويرث قال: «أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر، فقال النبي: إذا أنتما خرجتما فأذنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما (٢) » . وقد علق ابن حجر على قوله: "فأذنا"، قال: قال أبو الحسن بن القصار: أراد به الفضل، وإلا فأذان الواحد يجزئ، وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذنا جميعا كما هو ظاهر اللفظ، فإن أراد أنهما يؤذنان معا فليس ذلك بمراد. وقد قدمنا النقل عن السلف بخلافه، وإن أراد أن كل واحد منهما يؤذن على حدة ففيه نظر، فإن أذان الواحد يكفي الجماعة. نعم، يستحب لكل أحد إجابة المؤذن، فالأولى حمل الأمر على أن أحدهما يؤذن والآخر يجيب، وقد تقدم له توجيه في آخر الباب الذي قبله، وأن الحامل على صرفه عن ظاهره قوله فيه: «فليؤذن لكم أحدكم (٣) » وللطبراني من طريق حماد بين سلمة عن خالد الحذاء في هذا الحديث: «إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم، وليؤمكم أكبركما» . انتهى المقصود. ٤ - روى البخاري في [صحيحه] بسنده: عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم

стр. 2062

يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا (١) » . الحديث. (٢) . قال ابن حجر: واستدل به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام؛ لما فيه من المزية، وزعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا: الترامي بالسهام، وأنه أخرج مخرج المبالغة، واستأنس بحديث لفظه: «لتجالدوا عليه بالسيوف (٣) » . لكن الذي فهمه البخاري منه أولى؛ ولذلك استشهد له بقصة سعد، ويدل عليه رواية لمسلم: «لكانت قرعة (٤) » (٥) انتهى. والقصة التي أشار إليها ابن حجر هي ما أشار إليها البخاري في باب: باب الاستهام في الأذان، قال: (ويذكر أن أقواما ما اختلفوا في الأذان، فأقرع بينهم سعد) (٦) . قال ابن حجر: أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أبي عبيد، كلاهما عن هشيم عن عبد الله بن شبرمة قال: تشاح الناس في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم، وهذا منقطع، وقد وصله سيف بن عمر في [الفتوح] ، والطبري من طريقه عنه عن عبد الله بن شبرمة عن شقيق - وهو أبو وائل - قال: افتتحنا القادسية صدر النهار فتراجعنا وقد أصيب المؤذن، فذكره، وزاد: فخرجت القرعة

стр. 2063

لرجل منهم فأذن (١) . انتهى.

стр. 2064

ب- هديه ﷺ في عدد المؤذنين للفجر: قال البخاري في [صحيحه] : باب الأذان قبل الفجر، وساق بسنده عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا يمنعن أحكم - أو أحدا منكم - أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن - أو ينادي - بليل: ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح، وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا. وقال زهير بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدهما عن يمينه وشماله (١) » . وساق بسنده أيضا عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (٢) » . وقال ابن حجر: (قال القاسم: لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا، وفي هذا تقيد لما أطلقه في الروايات الأخرى من قوله: «إن بلالا يؤذن بليل (٣) » ولا يقال: إنه مرسل؛ لأن القاسم تابعي، فلم يدرك القصة المذكورة؛ لأنه ثبت عند النسائي من رواية حفص بن غياث، وعند الطحاوي من رواية يحيى القطان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة فذكر الحديث قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا، وعلى هذا: فمعنى قوله في رواية البخاري: قال القاسم: أي في روايته عن عائشة، وقد وقع عند مسلم في رواية ابن نمير عن عبيد الله بن

стр. 2065

عمر عن نافع بن عمر مثل هذه الزيادة، وفيها نظر أوضحته في كتاب المدرج، وثبتت الزيادة أيضا في حديث أنيسة الذي تقدمت الإشارة إليه) (١) . انتهى المقصود.

стр. 2066

ج- هديه ﷺ وهدي خلفائه الراشدين في عدد المؤذنين للجمعة: ١ - قال البخاري في [صحيحه] : باب الأذان يوم الجمعة، وساق بسنده عن السائب بن يزيد قال: «كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس - زاد النداء الثالث على الزوراء» . وقال ابن حجر على قوله: «كان النداء يوم الجمعة (١) » : (في رواية أبي عامر عن ابن أبي ذئب عند ابن خزيمة: كان ابتداء النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة، وله في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، (٢) » قال ابن خزيمة: قوله (أذانين) يريد: الأذان، والإقامة، يعني: تغليبا، أو لاشتراكهما في الإعلام) . وقال أيضا على قوله: «إذا جلس الإمام على المنبر (٣) » : (في رواية أبي عامر المذكورة: «إذا خرج الإمام، وإذا أقيمت الصلاة (٤) » ، وكذا للبيهقي من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب. وكذا في رواية الماجشون الآتية عن الزهري، ولفظه: «وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام (٥) » ، يعني: على المنبر، وأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن الماجشون بدون

стр. 2067

قوله: يعني، وللنسائي من رواية سليمان التيمي عن الزهري: «كان بلال يؤذن إذا جلس النبي ﷺ على المنبر، فإذا نزل أقام (١) » . وقال أيضا على قوله: (وكثر الناس) أي: بالمدينة، وصرح به في رواية الماجشون، وظاهره: أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته، لكن في رواية أبي ضمرة عن يونس عند أبي نعيم في المستخرج أن ذلك كان بعد مضي مدة من خلافته. (٢) . وقال أيضا على قوله: «زاد النداء الثالث (٣) » : (في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه، ولا منافاة بينهما؛ لأنه باعتبار كونه مزيدا يسمى: ثالثا، وباعتبار كونه جعل مقدما على الأذان والإقامة يسمى: أولا، ولفظ رواية عقيل الآتية بعد بابين: أن التأذين بالثاني أمر به عثمان، وتسميته ثانيا أيضا: متوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة. (٤) . وقال أيضا على قوله: (على الزوراء) : (بفتح الزاي وسكون الواو وبعدها راء ممدوة، وقوله: قال أبو عبد الله هو المصنف، في رواية أبي ذر وحده، وما فسر به الزوراء هو المعتمد، وجزم ابن بطال بأنه حجر كبير عند باب المسجد، وفيه نظر؛ لما في رواية ابن إسحاق عن الزهري عند ابن خزيمة وابن ماجه بلفظ: زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها: الزوراء، وفي روايته عند الطبراني: فأمر بالنداء الأول على دار له يقال لها:

стр. 2068

الزوراء، فكان يؤذن له عليها فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة، وفي رواية من هذا الوجه: فأذن بالزوراء قبل خروجه؛ ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت، ونحوه في مرسل مكحول المتقدم (١) . وفي [صحيح مسلم] من حديث أنس «أن نبي الله وأصحابه كانوا بالزوراء، قال: والزوراء بالمدينة عند السوق (٢) » الحديث: زاد أبو عامر عن ابن أبي ذئب: «فثبت ذلك حتى الساعة» ، وسيأتي نحوه قريبا من رواية يونس بلفظ: «فثبت الأمر كذلك» ، والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك؛ لكونه خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهاني: أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج، وبالبصرة زياد، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة. وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ ، وكل ما لم يكن في زمنه ﷺ يسمى: بدعة، لكن منها ما يكون حسنا ومنها ما يكون بخلاف ذلك. وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله) (٣) .

стр. 2069

وقال الحافظ ابن حجر أيضا: تنبيهان: الأول: ورد ما يخالف هذا الخبر أن عمر هو الذي زاد الأذان، ففي تفسير جويبر عن الضحاك من زيادة الراوي عن برد بن سنان عن مكحول عن معاذ: أن عمر أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس الجمعة خارجا من المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه، كما كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين. انتهى. وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت؛ لأن معاذا كان خرج من المدينة إلى الشام في أول ما غزوا الشام؛ واستمر إلى أن مات بالشام في طاعون عمواس، وقد تواردت الروايات أن عثمان هو الذي زاده فهو المعتمد، ثم وجدت لهذا الأثر ما يقويه، فقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعو الناس دعاء، ولا يؤذن غير أذان واحد. انتهى. وعطاء لم يدرك عثمان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره. ويمكن الجمع بأن الذي ذكره عطاء هو الذي كان في زمن عمر، واستمر على عهد عثمان ثم رأى أن يجعله أذانا، وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه؛ لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان فعله عمر؛ لكونه مجرد إعلام. الثاني: تواردت الشراح على أن معنى قوله: (الأذان الثالث) أن الأولين: الأذان والإقامة، لكن نقل الداودي: أن الأذان أولا كان في سفل المسجد، فلما كان عثمان جعل من يؤذن على الزوراء، فلما كان هشام -

стр. 2070

يعني: ابن عبد الملك - جعل من يؤذن بين يديه، فصاروا ثلاثة، فسمي فعل عثمان ثالثا لذلك. انتهى وهذا الذي ذكره يغني ذكره عن تكلف رده، فليس له فيما قاله سلف، ثم هو خلاف الظاهر، فتسمية ما أمر به عثمان ثالثا يستدعي سبق اثنين قبله. وهشام إنما كان بعد عثمان بثمانين سنة (١) . انتهى. وقال ابن حجر أيضا في أثناء سرد الفوائد المستنبطة من الحديث قال: وعلى ترك تأذين اثنين معا. انتهى (٢) . ٢ - قال البخاري: باب المؤذن الواحد يوم الجمعة، وساق بسنده عن السائب بن يزيد، «أن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ﵁ حين كثر أهل المدينة - ولم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني على المنبر (٣) » . وقال ابن حجر: (وهو ظاهر في إرادة نفي تأذين اثنين معا والمراد: أن الذي كان يؤذن هو الذي كان يقيم. قال الإسماعيلي: لعل قوله: "مؤذن" يريد به التأذين، فعبر عنه بلفظ: المؤذن لدلالته عليه، انتهى. وما أدري ما الحامل له على هذا التأويل، فإن المؤذن الراتب هو بلال، وأما أبو محذورة وسعد القرظ فكان كل منهما بمسجده الذي رتب فيه، وأما ابن أم مكتوم فلم يرد أنه كان يؤذن إلا في الصبح، كما تقدم في الأذان، فلعل الإسماعيلي استشعر إيراد هؤلاء فقال ما قال، ويمكن أن يكون
следующие страницы →