المسمى بالمصالح المرسلة، ولا بد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله. وذكر عشرة أمثلة لذلك، ثم قال: فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة، وتبين لك اعتبار أمور:
أحدها: الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله.
والثاني: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على دون (١) المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية؛ لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل؛ كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره، والحج ونحو ذلك.
ثم ذكر مجموعة أمثلة توضح ذلك ثم قال:
والثالث: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري، ورفع حرج لازم في الدين وأيضا مرجعها إلى حفظ الضروري، من باب (ما لا يتم الواجب إلا به. . .) فهي إذا من الوسائل لا من المقاصد. ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التشديد. اهـ. (٢) .
стр. 2312
وأما كلام الفقهاء المعاصرين في بيان وجه الاستدلال بهذا الدليل:
فقال عبد الرحمن عيسى: ومن الإنصاف أن نقرر أن التأمين نشأ وليد الحاجة، ولم تزل عملياته تتعدد وتتنوع تبعا لما يحققه من مصالح اقتصادية
стр. 2313
كبيرة فقلما نجد باخرة تعبر البحار إلا مؤمنا عليها، وقلما نجد البضائع تشحن من الخارج بحرا أو جوا إلا مؤمنا عليها وكذلك قلما نجد العمارات الشاهقة والمتاجر الكثيرة إلا مؤمنا عليها ضد الحريق، وكذلك مخازن البنوك ومخازن الشركات للقطن والحبوب وغيرها مؤمن عليها ضد الحريق، وكذلك مخازن البترول والزيوت ومخازن الأخشاب وكذلك المصانع الكثيرة وعمالها مؤمن عليها، وكذلك السيارات والطائرات فقد دفعت قواعد الاقتصاد الناس دفعا إلى التأمين لدى شركات التأمين، ليأمنوا الكوارث المالية الفادحة التي يتعرضون لها نظير ما يدفعون لشركات التأمين من مال لا يذكر بجانب الكوارث والخسارة إذا نزلت بفرد منهم.
وكم سمعنا من قبل التأمين عن بيوت عظيمة للتجار خربت بغرق بضائعهم وسفنهم، وكم سمعنا عن محال تجارية نشيطة أكلتها النيران وأمسى ذووها يتكففون الناس، وكم وكم من كوارث حلت بذوي الحظ العاثر فبددت الثروات وجلبت الذل والخسران، ولكن التأمين وقد انتشر وظهرت آثاره حقق معناه، فأمن الناس من هذه الكوارث المخربة للديار العامرة وخففت من فداحتها.
فعن رضا تام من طالب التأمين يتعاقد مع شركة التأمين ويدفع أقساط التأمين، وعن رضا تام من الشركة تتعاقد معه وتدفع قيمة الخسارة إذا نزلت به فإنها تجمع منه ومن غيره مبالغ كثيرة، وفي الغالب تكون السلامة بحيث يبقى لها بعد سداد الخسائر أرباح كثيرة (١) .
стр. 2314
وقال الأستاذ عبد الرحمن عيسى أيضا:
وقد قرر العلماء أن المصالح العامة إذا كانت تناسب حكما شرعيا فإن ذلك الحكم الذي تناسبه يثبت للعمل الذي يحقق المصلحة العامة، اعتبارا بهذا الوصف المناسب للحكم، ولهم في ذلك سلف عظيم، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فقد جمع أبو بكر ﵁ القرآن في صحف بعد موقعة اليمامة؛ خوفا من ضياعه بقتل القراء ولم يكن ذلك من قبل أبي بكر.
وقد نسخ عثمان بن عفان من هذه الصحف أربعة مصاحف ووزعها على الأقطار، وأمر بحرق كل صحيفة تخالف الصحف؛ منعا لاختلاف الناس في القرآن.
ولعمر بن الخطاب من ذلك الكثير لإثبات الحكم الشرعي للعمل الذي يحقق المصلحة العامة فهو الذي أنشأ الدواوين، وأنشأ البريد، بل قد أسقط عمر سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، مع أنها صنف من الأصناف الثمانية الذين تصرف لهم الزكاة؛ وذلك لأن عمر ﵁ رأى أن هذا الصنف كان يأخذ من الزكاة مراعاة لمصلحة المسلمين إذ كان فيهم ضعف، وكانوا في حاجة إلى تألف هذا الصنف، ولكن لما قويت شوكة المسلمين ولم يصيروا في حاجة إلى تأليف هؤلاء، رأى عمر ﵁ وهو البصير بأمر المسلمين ألا مصلحة في إعطاء هذا الصنف من الزكاة، بل المصلحة في منعهم لئلا يظن بالمسلمين الضعف. كذلك أسقط عمر أيضا حد السرقة عن السارق عام المجاعة؛ لأن المجاعة لما اشتدت ربما تكون هي التي دفعت تحت تأثير العوامل الطبيعية إلى السرقة؛
стр. 2315
ليحصل السارق على الطعام الذي لا يكاد يجده، فتكون حالة الضرورة هي الدافع على السرقة فاقتضى عدم إقامة الحد؛ مراعاة لهذه العوامل الطبيعية.
فهذه المواقف وأمثالها من الخلفاء الراشدين على مشهد من أصحاب رسول الله ﷺ مع عدم إنكارهم - دليل على أنهم يرون أن المصالح العامة من الأمور المناسبة للحكم الشرعي، والتي ينبني عليها ثبوت ذلك الحكم. . . . وقد بينا بوضوح تام أن التأمين يحقق مصالح عامة هامة فيكون حكمه الجواز شرعا؛ اعتبارا لما يحققه من المصالح العامة (١) .
وقال أيضا: قد يبدو ما قررناه ظاهرا وجليا من أن التأمين يحقق الصالح العام بالنسبة للتأمين ضد أخطار الملكية؛ كالتأمين ضد الحريق وضد الغرق وضد السرقة.
وقد يبدو محتاجا إلى ظهور وجلاء بالنسبة للتأمين على الحياة وضد سائر الأخطار الشخصية فنجلي عمليات التأمين بالنسبة للأخطار الشخصية بما يأتي:
إن التأمين على الحياة وضد سائر الأخطار؛ كالتأمين على بعض الحواس كالسمع والبصر، وغيرهما أو على بعض أجزاء الجسم كاليدين والساقين وغيرهما، هذا التأمين يحقق الصالح العام في الصناعات والمهن الخطيرة، فيه تخفيف آلام الكوارث التي تنزل برجال الصناعات، وتهون الشدائد التي تقع على المخاطرين من رجال الأعمال؛ لهذا يكون التأمين
стр. 2316
ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة جائزا شرعا (١) .
وقد علق الأستاذ أبو زهرة على كلام الأستاذ عبد الرحمن عيسى في الاستدلال بالمصلحة على جواز التأمين فقال:
لا بد أن أتعرض لبعض أمور جزئية ثارت في أثناء المناقشات أو جاءت في بعض البحوث، ومن ذلك الكلام على أمر يتعلق بالمصلحة فقد جاء في بحث فضيلة الشيخ عبد الرحمن عيسى: أن عمر بن الخطاب ترك بعض النصوص لأجل المصلحة، وذكر مسألتين أبلاهما التكرار، وهما: مسألة المؤلفة قلوبهم، ومسألة قطع اليد وإهماله عام المجاعة.
ونقول: بالنسبة للأولى إن عمر بن الخطاب ما أسقط سهم المؤلفة قلوبهم وما كان في استطاعته أن يسقط نصا قرآنيا، ولكن عمر منع إعطاء أناس كانوا يأخذون في عهد الرسول ﷺ وعهد الصديق ﵁ كالزبرقان بن بدر وغيره - فهو ما اعتبر إعطاءهم حقهم مكتسبا، بل اعتبر مثل هذا العطاء موقوفا بحال الشخص وحال المسلمين.
وقد يقول: ولكنه لم يعط غيره، ونقول: إنه رأى أنه لا موضع لتطبيق النص؛ لعدم حاجة المسلمين إليه، ومثل ذلك سهم المدينين فهل يعد إسقاطا للسهم إذا لم يجد مدينا يسد عنه، وكذلك سهم الرقاب فهل يعد إسقاطا للسهم إذا لم يوجد عبد مسلم يعتق.
ولذلك قرر الفقهاء بالإجماع: أنه إذا وجدت حال يكون فيها إعطاء ناس تأليفا لقلوبهم فيه تقوية للإسلام فإن النص القرآني يجب الأخذ به،
стр. 2317
ولذلك لا يصح لأحد أن يقول: إن عمر ﵁ أسقط سهم المؤلفة قلوبهم، إن ذلك قول الإفرنجة الذين لا يرجون للإسلام وقارا ويريدون توهين نصوصه، وتبعهم بعض كبار العلماء عن غير بينة، وكل امرئ يخطئ ويصيب مهما كانت منزلته العلمية.
وأما مسألة عدم قيام الحد عام الرمادة، وهو السنة التي اشتدت فيها المجاعة على المسلمين؛ فذلك لأن عمر ﵁ وجد شبهة في إقامته، ومن المقررات الفقهية: أن الحدود تدرأ بالشبهات، وقد قال النبي ﷺ : «ادرءوا بالشبهات ما استطعتم (١) » ، والشبهة: أنه رأى السارقين في حال جوع شديد واضطرار، ويعلم كل فقير أن الضرورات تبيح المحظورات، وأن من كان في حال جوع يتعرض فيه للتلف إذا لم يأكل يباح له مال غيره بقدر ما يسد رمقه، وإذا منعه فقاتله فقتل صاحب الطعام لا دية فيه، والقصة تنبئ عن ذلك، فإن غلمان حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة ونحروها وأكلوها، فهم عمر بأن يقيم الحد عليهم، ولكنه تبين له أن حاطبا يجيع غلمانه، فلم يقم الحد وغرمه، أليس في الخبر ما يدل على أنه درأ الحد بشبهة الاضطرار، وقد اشتكوا إليه وثبتت صحة شكواهم، والعام عام مجاعة؛ ولذلك يقرر فقهاء الحنابلة وكثيرون غيرهم أن من شرط إقامة الحد في السرقة ألا يكون السارق قد سرق طعامه في مجاعة؛ لمكان شبهة الاضطرار في إقامة الحد (٢) .
стр. 2318
ل - التأمين لم يقم دليل على منعه فيكون مباحا بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة:
لقد ذكرت اللجنة في بحث الشرط الجزائي كلاما مفصلا عن العلماء السابقين على أن الأصل في الأشياء الإباحة، فرأت الاكتفاء بذكره هناك عن إعادته هنا.
وأما وجه استدلال العلماء المعاصرين بهذا الدليل، فقد أوضحه الشيخ عبد الرحمن عيسى بقوله:
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) قال المفسرون: أي: هو الذي خلق لأجلكم جميع ما في الأرض؛ لتنتفعوا به في دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي دينكم بالاعتبار والاستدلال.
وقالوا أيضا: استدل كثير من أهل السنة بالآية على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وقال صاحب [تفسير المنار] : إن هذه الجملة هي نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء: (إن الأصل في الأشياء الإباحة) .
هذا الأصل يتبعه أن تكون معاملات الناس فيما خلقه الله لمنفعتهم مباحة إلا ما ورد فيه دليل بخصوصه يقتضي غير ذلك فبمقتضى هذه القاعدة تكون عمليات التأمين التي بيناها مباحة؛ لأنها من معاملات الناس فيما خلقه الله لمنفعتهم، ولم يرد بخصوصها نص يحظرها (٢) .
стр. 2319
وقال أيضا بالنسبة للتأمين على الحياة: ويمكن أن نثبت للتأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة - الجواز أيضا من ناحية الإباحة التامة الثابتة لكل عمل يتصل بما خلقه الله لمنفعتنا، ولم يرد فيه بخصوصه دليل يقتضي الحظر؛ لأن كل ذلك ينطبق على هذا التأمين (١) .
وقال الأستاذ مصطفى الزرقاء: رأينا الشخصي في الموضوع في نظري أن نقطة الانطلاق في بحث حكم الشريعة الإسلامية في عقد التأمين يجب أن تبدأ من ناحية هي عندي حجر الأساس وهي: هل أنواع العقود في الشريعة الإسلامية محصورة لا تقبل الزيادة؟ أي: هل نظام التعاقد في الإسلام يحصر الناس في أنواع معينة من العقود المسماة، وهي العقود المعروفة في صدر الإسلام من بيع وإجارة وهبة ورهن وشركة وصلح وقسمة وإعارة وإيداع وسائر العقود الأخرى المسماة، التي ورد لها ذكر وأحكام في مصادر فقه الشريعة من كتاب وسنة وإجماع ولا يبيح للناس إيجاد أنواع من العقود غير داخلة في أحد الأنواع السابقة المذكورة لهم، أم أن الشريعة تركت الباب مفتوحا للناس في أنواع العقود وموضوعاتها فيمكنهم أن يتعارفوا على أنواع جديدة إذا دعتهم حاجاتهم الزمنية إلى نوع جديد ليس فرعا من أحد الأنواع المعروفة قبلا، ويصح منهم كل عقد جديد متى توافرت فيه الأركان والشرائط العامة التي تعتبر من النظام التعاقدي العام في الإسلام؛ كالشرائط المطلوبة شرعا في التراضي والتعبير عن الإرادة وفي محل العقد، بحيث لا يتضمن العقد ما يخالف قواعد
стр. 2320
الشريعة التي عبر عنها النبي ﵊ بقوله: «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وإن كان مائة شرط (١) » ، فكتاب الله في هذا المقام معناه: القواعد العامة في الشريعة، وليس معناه القرآن فهو مصدر بمعنى المفعول، أي: ما كتبه الله على المؤمنين وأوجبه عليهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢)
والجواب على هذا السؤال: أن الشرع الإسلامي لم يحصر الناس في الأنواع المعروفة قبلا من العقود، بل للناس أن يبتكروا أنواعا جديدة تدعوهم حاجتهم الزمنية إليها بعد أن تستوفى الشرائط العامة المشار إليها.
وهذا ما نراه هو الحق وهو من مبدأ سلطان الإرادة العقدية في الفقه الإسلامي وقد استوفيت بحثه في كتابي [المدخل الفقهي العام] وهو الجزء الأول من سلسلة الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد. . وقد خالف في ذلك الظاهرية، فاعتبروا أن الأصل في العقود هو التحريم ما لم يرد في الشرع دليل الإباحة (٣) .
وقد ذكر الأستاذ الزرقاء بيع الوفاء عند الحنفية شاهدا على أن العقود لا تنحصر فيما كان موجودا في عصر التنزيل أو الصحابة.
فقال: ومن الشواهد الواقعية في المذهب الحنفي على أن الأصل في العقود الجديدة هو الإباحة شرعا عقد (بيع الوفاء) الذي نشأ في القرن
стр. 2321
الخامس الهجري.
ولا أجد في تاريخ الفقه الإسلامي واقعة أشبه بواقعة التأمين من بيع الوفاء في أول ظهوره لا من حيث موضوع العقدين، بل من حيث الملابسات الخارجية والاختلافات التي أحاطت بكل منهما، فبيع الوفاء أيضا عقد جديد ذو خصائص وموضوع وغاية يختلف فيها عن كل عقد آخر من العقود المسماة المعروفة قبله لدى فقهاء الشريعة، وهو ينطوي على غاية يراها الفقهاء محرمة؛ لأنه يخفي وراءه ألوانا من الربا المستور، وهو الحصول على منفعة من وراء القرض حيث يدفع فيه الشخص مبلغا من النقود ويسميه ثمنا لعقار يسلمه صاحبه إلى دافع المبلغ الذي يسمى مشتريا للعقار؛ لينتفع به بالسكنى أو الإيجار بمقتضى الشراء بشرط أن صاحب العقار الذي يسمى في الظاهر بائعا متى وفى المبلغ المأخوذ على سبيل الثمنية استرد العقار، ونتيجة ذلك أن ما يسمى مشتريا بالوفاء لا يستطيع أن يتصرف بالعقار الذي اشتراه، بل عليه الاحتفاظ بعينه كالمرهون؛ لأنه سوف يكلف رده لصاحبه متى أعاد إليه الثمن ولكل منهما الرجوع عن هذا العقد، أي: فسخه وطلب التراد ولو حددت له المدة.
هذه خلاصة بيع الوفاء الذي تعارفه الناس في بخارى وبلخ في القرن الخامس الهجري وثارت حوله اختلافات عظيمة بين فقهاء العصر إذ ذاك حول جوازه ومنعه وتخريجه، أي: تكييفه، أعظم مما هو واقع اليوم في عقد التأمين.
أ - فمن الفقهاء من نظر إلى صورته فاعتبره بيعا، وطبق عليه شرائط البيع فاعتبره بيعا فاسدا، لأن الشرط المقترن به مفسد وأفتى فيه بذلك.
стр. 2322
ب - ومنهم من اعتبره بيعا صحيحا وألغى فيه شرط الإعارة معتبرا أن هذا الشرط من قبيل الشرط اللغو لا الشرط المفسد وأفتى بذلك، وهذا مشكل جدا وفيه ضرر للبائع؛ لأن الثمن فيه عادة أقل من القيمة الحقيقية للعقار كالدين المرهون له فيه.
ج - ومنهم من نظر إلى غايته لا إلى صورته، فرآه في معنى الرهن الذي اشترط فيه انتفاع المرتهن بالمرهون، فاعتبره رهنا وألغى فيه شرط الانتفاع، وأفتى بذلك.
قال العلامة الشيخ بدر الدين محمود بن قاضي سماوه: في الفصل (١٨) من كتابه [جامع الفصولين] نقلا عن فتاوى الإمام نجم الدين عمر بن محمد النسفي ما نصه:
البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالا للربا وأسموه: بيع الوفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه المشتري ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمر وأتلفه من شجره ويسقط الدين بهلاكه، لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام؛ لأن المتعاقدين وإن سمياه بيعا لكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين، إذ العاقد (أي: البائع) يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي فلانا، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان، والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني، فهبة المرأة نفسها مع تسمية المهر وحضرة الشهود نكاح، وهكذا.
ثم قال: قال السيد الإمام: قلت للإمام الحسن الماتريدي: قد فشا هذا البيع بين الناس، وفتواك أنه رهن وأنا على ذلك، فالصواب: أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس. فقال: المعتبر اليوم فتوانا، وقد
стр. 2323
ظهر ذلك بين الناس فمن خالفنا فليبرز نفسه وليقم دليله. انتهى كلام النسفي.
أقول: أبرز المخالفون بعد ذلك أنفسهم، واستقرت الفتوى في المذهب الحنفي على ما سمي: (القول الجامع) وهو أن بيع الوفاء ليس بيعا صحيحا، ولا بيعا فاسدا ولا رهنا، وإنما هو عقد جديد ذو موضوع وخصائص مختلفة عما لكل واحد من هذه العقود الثلاثة، ولكن فيه مشابه من كل عقد من هذه الثلاثة؛ لذلك قرر فقهاء المذهب بعد ذلك أحكاما مستمدة من هذه العقود الثلاثة جميعا، ولم يلحقوه بأحدها ويطبقون عليه أحكامه، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه من مؤلفات المذهب الحنفي.
وبهذا القول الجامع أخذت مجلة [الأحكام العدلية] حتى جاء قانوننا المدني سنة ١٩٤٩م فمنع بيع الوفاء استغناء بأحكام الرهن الحيازي، والتاريخ اليوم يعيد نفسه فتتجدد لدينا مشكلة نظير مشكلة بيع الوفاء هي مشكلة عقد التأمين، فبعض العلماء يراه عقد مقامرة وبعض آخر يراه عقد رهان يتحدى فيه قضاء الله وقدره، وبعض آخر يراه التزام ما لا يلزم، وآخرون يرونه عقد تعاون مشروع على ترميم المضار وتحمل مصائب الأقدار، فهو نظام معاوضة تعاونية، وإن انحرف به ممارسوه وأحاطوه بشوائب ليست من ضرورة نظامه، وواضح أني لا أعني تشبيه عقد بيع الوفاء بعقد التأمين من حيث الموضوع، وإنما أعني: أن بيع الوفاء شاهد واقعي في تاريخ الفقه الإسلامي على جواز إنشاء عقود جديدة، وأنه اعتراه في أول نشأته ما اعترى اليوم عقد التأمين من اختلاف في تخريجه وتكييفه
стр. 2324
وإلحاقه ببعض العقود المعروفة قبلا وتطبيق شرائطه عليه أو اعتباره عقدا جديدا مستقلا يقرر له من الأحكام الفقهية ما يتناسب مع خصائصه وموضوعه (١) .
وقد أجاب الأستاذ أبو زهرة عن ذلك فقال: قد قرر أن الأصل في العقود عند الحنابلة وخصوصا ابن تيمية - الإباحة حتى يقوم دليل على المنع، ونقول: إن موضوع الكلام كان في الشرط لا في أصل العقود.
ولقد أجاب عن ذلك الأستاذ: بأن المشارطات قد تؤدي إلى تغير معنى العقد، وأن الاختلاف في العقود هو ذات الاختلاف في الشروط، ونقول: إن المذكور في كتاب العقود لابن تيمية هو في الشرط، ومجيئه للعقود إنما هو من أن الشروط بطبيعتها تغير مقتضى العقد فهي تتضمن تغييرا في ماهيته من بعض النواحي، وإذا كان الأمر كذلك فإن عقد التأمين عقد جديد، فهل يباح بمقتضى هذه القاعدة؟ وقد نساير الأستاذ الجليل ولا نمنع الإباحة ما دام العقد متفقا مع ما قرره الشارع من أحكام للعقود وليس مجافيا لها، فالعبرة في هذا العقد من ناحية لا من حيث إنه عقد جديد يجوز، بل ناحية ما اشتمل عليه، أيتفق مع أحكام الشريعة أم يخالفها؟ وبالنسبة لبيع الوفاء قلنا: إن هذا العقد معناه: أن يبيع شخص عينا على الشيخ أن له استردادها إذا رد الثمن في مدة معلومة، وفي غالب أحوال هذا العقد التعاقد تكون العين ذات غلة، فتكون غلتها للمشتري، ويكون مؤدى العقد أن يكون قد اقترض البائع مبلغا فائدته هي غلة العين، وإذا لم تكن لها غلة فإن
стр. 2325
الربا ينتفي عنه، وإن كان يندر ذلك.
وإن هذا العقد قد شاع في بلاد ما وراء النهر، وصارت القروض لا تكون إلا على أساسه وللناس حاجة فيها فصارت الحاجة تطلبه والحاجات إذا عمت نزلت منزلة الضرورات، ولذلك نقل ابن نجيم صحته والذين قالوا بصحته اختلفوا: أيخرج على أنه رهن أم يخرج على أنه بيع فيه شرط الخيار للبائع أو المشتري؟ وعلى الأول لا تباح الغلة، وعلى الثاني لا تنتقل الملكية إلى المشتري؛ لأنه إذا كان الخيار للبائع تستمر ملكيته للمبيع بمقتضى أحكام المذهب الحنفي وتنتقل الملكية للمشتري مع حق الفسخ إذا كان الخيار له.
والكثيرون من الفقهاء لا يبيحونه، ولسنا ندري لماذا يستشهد الأستاذ بعقد تحيط به الشبهات، على هذا النحو، وعلى فرض إباحته فقد أدخل في عقد قائم إما الرهن وإما البيع فلا يكون جديدا، وقد كتب الأستاذ ردا ولم يجئ بالنسبة لبيع الوفاء بجديد غير أنه نقل نصوص الفقهاء فيه ونحن مسلمون بها ابتداء (١) .
وعقب على ذلك الأستاذ مصطفى الزرقاء فقال: قال الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة: (إن الخلاف بين الظاهرية وغيرهم في مشروعية التعاقد إنما هو في الشروط التي يشرطها العاقد في العقد لا في إنشاء عقود جديدة، فالظاهرية يتطلبون في إباحة الشرط نصا شرعيا، وسواهم يطلب دليلا مطلقا من نص أو سواه، وإن الحنابلة جعلوها مباحا في الزواج، وابن
стр. 2326
تيمية أباحه مطلقا. .) إلخ.
وجوابي على هذه الملاحظة: أن الخلاف في جواز المشارطات العقدية التي لم يرد فيها نص شرعي إذا توافر فيها المعيار الشرعي في الشروط هو نفسه الخلاف في جواز إنشاء عقود جديدة لم يرد فيها نص شرعي وهو مشمول بقاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة) والخلاف الذي فيها، وذلك لأن الشرط جزء من العقد الواقع فيه، فما يقال في الشروط الجديدة التي لم يرد فيها نص شرعي من حيث الجواز وعدمه يقال في العقود الجديدة التي ليس فيها نص، وأستاذنا المفضال أبو زهرة نفسه يقرر هذا في كتبه وهو أمر مفروغ منه. اهـ.
وقال الأستاذ الجليل أبو زهرة: بمناسبة ذكرى بيع الوفاء شاهدا من الواقع التاريخي في الفقه الإسلامي على جواز عقود جديدة غير العقود المعروفة قبلا قال ﵀: إن بيع الوفاء قد أباحه الحنفية على أساس أنه عقد من العقود المعروفة، وهو يرى أنه ليس عقدا جديدا، بل هو بيع ربوي اخترعه أكلة الربا، ولا يجوز أن يباح للضرورة.
وجوابي على هذه الملاحظة: أن ما بينه الأستاذ أبو زهرة هو صحيح بالنسبة إلى بداية ظهور بيع الوفاء في القرن الخامس الهجري، حيث إن فقهاء العصر إذ ذاك اختلفوا في تخريجه والحكم فيه على أساس إلحاقه بأحد العقود المعروفة، فمنهم من ألحقه بالبيع الصحيح واعتبر شرط الوفاء والإعادة فيه لغوا، ومنهم من ألحقه بالبيع الفاسد، ومنهم من ألحقه بالرهن وهم الأكثر، ولكن المتأخرين من الفقهاء بعد ذلك ضربوا بكل هذه التخريجات عرض الحائط؛ لعدم انطباقها على حقيقة بيع الوفاء وطبيعته
стр. 2327
العرفية وقصد المتعاقدين فيه، وخرجوا فيه برأي جديد سمي: (القول الجامع) ورجح بعلامة الفتوى وخلاصته: أنه عقد جديد لا يشبه أي عقد آخر من العقود المعروفة، وأثبتوا له حكما مركبا من بعض أحكام البيع الصحيح وبعض أحكام البيع الفاسد وبعض أحكام الرهن وصححوه على هذا الأساس إذا استوفى شرائط الانعقاد العامة، كما أوضحته في المحاضرة، وهذا مقرر في [الدر المختار] ، و [رد المحتار] ، و [تنقيح الفتاوى الحامدية] ، للعلامة ابن عابدين وغيرها من كتب المتأخرين وأخذت به المجلة في المادة (١١٨) وبنت عليه أحكام بيع الوفاء في الفصل الذي عقدته له وأوضحه شراحها.
وأما كونه حيلة اخترعها أكلة الربا كما يقول الأستاذ أبو زهرة فهذا أمر آخر، وإنني لم أبحث فيما ينبغي أن يحكم به على بيع الوفاء في نظري من الجواز وعدمه فقد أكون متفقا مع الأستاذ أبي زهرة في رأيه فيه ولكني أستشهد به شاهدا واقعيا على إقرار فقهائنا السابقين له بصفة أنه عقد جديد وليس صورة من عقد سابق معروف فتكون قضية جواز إنشاء عقود جديدة غير الأنواع المعروفة في العصر الفقهي الأول قد وقعت فعلا ولم تبق في الحيز النظري فقط.
وتكون النتيجة بالنسبة إلى موضوعنا هي: إن كون التأمين عقدا جديدا خارجا عن نطاق العقود القديمة ليس بمانع من جوازه شرعا إذا لم يكن فيه ما يخالف الشرائط الشرعية العامة في نظام التعاقد (١) .
стр. 2328
م - الاستدلال على جوازه بالعرف:
نذكر فيما يلي ما تيسر من كلام بعض العلماء السابقين في معنى العرف وأقسامه، ومستند اعتباره، ورجوع كثير من المسائل إلى العادة والعرف وشروط اعتباره وحكمه عند معارضته للشرع وكيفية إعماله، وهل هو دليل مستقل أو لا؟ ثم نذكر وجه استدلال بعض الفقهاء المعاصرين به على جواز التأمين ومناقشته هذا التوجيه.
١ - قال أحمد بن فارس بن زكريا: (عرف) العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلا بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة.
فالأول العرف: عرف الفرس، وسمي بذلك؛ لتتابع الشعر عليه. ويقال: جاءت القطا عرفا عرفا، أي: بعضها خلف بعض. . . . والأصل الآخر المعرفة والعرفان. تقول: عرف فلان فلانا عرفانا ومعرفة، وهذا أمر معروف، وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه؛ لأنه من أنكر شيئا توحش منه ونبا عنه. . . والعرف والمعروف، وسمي بذلك، لأن النفوس تسكن إليه. . . . . . . . . . . (١) .
وقال ابن عابدين: قال في الأشباه وذكر الهندي في شرح [المغني] : العادة عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطباع السليمة وهي أنواع ثلاثة: العرفية العامة؛ كوضع القدم. والعرفية
стр. 2329
الخاصة، كاصطلاح كل طائفة مخصوصة؛ كالرفع للنحاة والفرق والجمع والنقض للنظار، والعرفية الشرعية؛ كالصلاة والزكاة والحج تركت معانيها اللغوية بمعانيها الشرعية. انتهى.
وفي [شرح الأشباه] للبيري عن [المستصفى] : العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول. اهـ.
وفي [شرح التحرير] : العادة هي الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية. اهـ.
قلت: بيانه أن العادة مأخوذة من المعاودة فهي بتكررها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية، فالعادة والعرف بمعنى واحد من حيث المقاصد وإن اختلفا من حيث المفهوم (١) .
٢ - وقال ابن عابدين - مبينا أقسام العرف -: ثم العرف عملي وقولي، فالأول: كتعارف قوم أكل البر ولحم الضأن، والثاني: كتعارفهم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه غيره، والثاني مخصص للعام اتفاقا؛ كالدراهم تطلق ويراد بها النقد الغالب في البلدة، والأول مخصص أيضا عند الحنفية دون الشافعية، فإذا قال: اشتر لي طعاما أو لحما، انصرف إلى البر ولحم الضأن عملا بالعرف العملي كما أفاده التحرير (٢) .
٣ - وقال ابن عابدين - مستدلا على اعتبار العرف -: واعلم أن بعض
стр. 2330
العلماء استدل على اعتبار العرف بقوله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (١) ، وقال في [الأشباه] : القاعدة السادسة: العادة محكمة وأصلها قوله ﷺ : «ما رآه المسلمون فهو عند الله حسن (٢) » قال العلائي: لم أجده مرفوعا في شيء من كتب الحديث أصلا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفا عليه، أخرجه الإمام أحمد في [مسنده] .
٤ - وقال ابن عابدين - مبينا رجوع كثير من المسائل إلى العادة والعرف -: واعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة، حتى جعلوا ذلك أصلا، فقالوا في الأصول في (باب ما تترك به الحقيقة) : تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة، هكذا ذكر فخر الإسلام، انتهى كلام [الأشباه] ، وفي [شرح الأشباه] للبيري قال في [المشرع] : الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وفي [المبسوط] : الثابت بالعرف كالثابت بالنص (٣) .
وقال ابن القيم في إعمال العرف في كثير من المسائل:
وقد أجري العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع:
منها: نقد البلد في المعاملات، وتقديم الطعام إلى الضيف، وجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره، والشرب من خوابي السيل ومصانعه في الطرق، ودخول الحمام وإن لم يعقد عقد الإجارة مع
стр. 2331
الحمامي لفظا، وضرب الدابة المستأجرة إذا حرنت في السير وإيداعها في الخان إذا قدم بلدة أو ذهب في حاجة، ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها إليه من امرأة أو خادم أو ولد. وتوكيل الوكيل لما لا يباشره مثله بنفسه، وجواز التخلي في دار من أذن له بالدخول إلى داره، والشرب من مائه والاتكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق، وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه أو أضيافه في الدخول والمبيت والثوي عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمنه عقد الإجارة لفظا اعتمادا على الإذن العرفي، وغسل القميص الذي استأجره للبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل، ولو وكل غائبا أو حاضرا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك، ولو اجتاز بحرث غيره في الطريق ودعته الحاجة إلى التخلي فيه فله ذلك إن لم يجد موضعا سواه، إما لضيق الطريق أو لتتابع المارين فيها، فكيف بالصلاة فيه والتيمم بترابه؟ ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظا لماليتها عليه كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حرمه الله لما فيه من الإضرار به وترك التصرف هاهنا هو الإضرار.
ومنها: لو استأجر غلاما فوقعت الأكلة في طرفه فتيقن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات جاز له قطعه ولا ضمان عليه.
ومنها: لو رأى السيل يمر بدار جاره فبادر ونقب حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه جاز ذلك، ولم يضمن نقب الحائط.
ومنها: لو قصد العدو مال جاره فصالحه ببعضه دفعا عن بقيته جاز له
стр. 2332
ولم يضمن ما دفعه. ومنها: لو وقعت النار في دار جاره فهدم جانبا منها على النار لئلا تسري إلى بقيتها لم يضمن.
ومنها: لو باعه صبرة عظيمة أو حطبا أو حجارة ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه من الدواب والرجال ما ينقلها به، وإن لم يأذن له في ذلك لفظا.
ومنها: لو جذ ثماره أو حصد زرعه ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة جاز لغيره التقاطه وأخذه وإن لم يأذن فيه لفظا.
ومنها: لو وجد هديا مشعرا منحورا ليس عنده أحد جاز له أن يقتطع منه ويأكل منه.
ومنها: لو أتى إلى دار رجل جاز له طرق حلقة الباب عليه، وإن كان تصرف في بابه لم يأذن له فيه لفظا.
ومنها: الاستناد إلى جواره والاستظلال به.
ومنها: الاستمداد من محبرته، وقد أنكر الإمام أحمد على من استأذنه في ذلك. وهذا أكثر من أن يحصر، وعليه يخرج حديث عروة بن الجعد البارقي حيث أعطاه النبي ﷺ دينارا يشترى له به شاة فاشترى شاتين بدينار فباع إحداهما بدينار، وجاء بالدينار والشاة الأخرى (١) ، فباع وقبض بغير إذن لفظي اعتمادا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع، ولا إشكال بحمد الله في هذا الحديث بوجه عام، وإنما الإشكال في استشكاله، فإنه جار على محض القواعد كما عرفته (٢) .
стр. 2333
٥ - لقد اشترط العلماء ﵏ شروطا لاعتبار العرف نذكرها فيما يلي:
الشرط الأولى: أن يكون العرف مطردا أو غالبا. قال السيوطي: إنما تعتبر العادة إذا اطردت فإن اضطربت فلا (١) .
الشرط الثاني: أن يكون العرف عاما في جميع بلاد الإسلام، قال ابن نجيم: هل يعتبر في بناء الأحكام العرف العام أو مطلق العرف ولو كان خاصا؟ المذهب الأول: قال في البزازية معزيا إلى الإمام البخاري الذي ختم به الفقه: الحكم العام لا يثبت بالعرف الخاص، وقيل: يثبت. وذكر مجموعة أمثلة (٢) .
الشرط الثالث: أن لا يكون العرف مخالفا لأدلة الشرع وقد مضى بيانه عن السيوطي في تعارض العرف والشرع.
الشرط الرابع: أن يكون العرف الذي يحمل عليه التصرف موجودا وقت إنشائه بأن يكون حدوث العرف سابقا وقت التصرف ثم يستمر إلى زمانه فيقارنه سواء أكان التصرف قولا أو فعلا.
قال السيوطي: العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر.
قال الرافعي: العادة الغالبة تؤثر في المعاملات؛ لكثرة وقوعها ورغبة الناس فيما يروج في النفقة غالبا، ولا يؤثر في التعليق والإقرار، بل يبقى
стр. 2334
اللفظ على عمومه فيها، أما في التعليق فلقلة وقوعه، وأما في الإقرار فلأنه إخبار عن وجوب سابق، وربما تقدم الوجوب على العرف الغالب، فلو أقر بدراهم وفسرها بغير سكة البلد قبل، ثم ذكر طائفة من الأمثلة (١) .
الشرط الخامس: وهو أن لا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه، كما إذا كان العرف في السوق تقسيط الثمن، واتفق العاقدان صراحة على الحلول، قال العز بن عبد السلام: كل ما يثبت العرف إذا صرح المتعاقدان بخلافه، بما يوافق مقصود العقد صح (٢) .
٦ - وقال السيوطي في حكم العرف عند معارضته للشرع: (فصل) في تعارض العرف مع الشرع. هو نوعان:
أحدهما: أن لا يتعلق بالشرع حكم فيقدم عليه عرف الاستعمال، فلو حلف لا يأكل لحما، لم يحنث بالسمك وإن سماها الله لحما، ثم ذكر جملة أمثلة وقال: فيقدم عرف الاستعمال على الشرع في جميع ذلك؛ لأنها استعملت في الشرع تسمية بلا تعلق حكم وتكليف.
والثاني: أن يتعلق به حكم فيتقدم على عرف الاستعمال فلو حلف: لا يصلي، لا يحنث إلا بذات الركوع والسجود، ثم ذكر جملة أمثلة وقال: ولو كان اللفظ يقتضي العموم والشرع يقتضي التخصيص اعتبر خصوصي الشرع في الأصح، فلو حلف لا يأكل لحما، لم يحنث بالميتة. . . إلى آخر الأمثلة (٣) .
стр. 2335
٧ - وقال السيوطي في كيفية إعمال العرف: قال الفقهاء: كل ما ورد به الشرع مطلقا ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف ومثلوه بالحرز في السرة، وذكر كثيرا من الأمثلة. (١) .
٨ - بقي أن يقال: هل العرف دليل شرعي مستقل أو لا؟
قال عبد الوهاب بن خلاف: وبالنظر الدقيق في العرف وأمثلته وما قال الأصوليون والفقهاء فيه - يتبين أن العرف ليس دليلا مستقلا يشرع الحكم في الواقعة بناء عليه، وإنما هو دليل يتوصل به إلى فهم المراد من عبارات النصوص ومن ألفاظ المتعاملين، وعلى تخصيص العام منها وتقييد المطلق، ويستند إليه في تصديق قول أحد المتداعيين إذا لم توجد لأحدهما بينة، وفي رفض سماع بعض الدعاوى التي يكذبها العرف وفي اعتبار الشرط الذي جرى به العرف، وفي الترخيص بمحظور دعت إليه ضرورة الناس وجرى به عرفهم، وفي أمثال هذا مما يجعل اجتهاد المجتهد أو قضاء القاضي ملائما حال البيئة ومتفقا وإلف الناس ومصالحهم.
قال شهاب الدين القرافي في قواعده: إذا جاءك رجل من غير إقليمك لا تجره على عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات - أيا كانت - إضلال في الدين وجهل بمقاصد المسلمين والسلف الماضين. (٢) .
وأما كلام الفقهاء المعاصرين فقالوا: كثر التعامل في التأمين وتعارف
стр. 2336
عليه الناس والعرف مصدر شرعي فيكون التأمين جائزا بناء على قاعدة العرف.
وقد أجاب أبو زهرة عن الاستدلال بالعرف فقال: أهذا العقد وهو التأمين غير التعاوني قد صار الآن عرفا عاما أو خاصا؟ إننا لو أحصينا عدد المستأمنين بهذا النوع من التأمين نجد نسبتهم بالنسبة لعموم الشعب الإسلامي نسبة ضئيلة جدا لا تسوغ لنا أن تعتبرهم موجدين لعرف.
إن هذا العرف المدعى يصادم أمورا مستنبطة من النصوص وقد وضحنا هذه الأمور، وإذا قيل إنها شبهات، نقول: قد تكاثفت، وكثرت حتى صرنا نحكم معها بأن هذا النوع من العقد لا يتلاءم مع مقاصد الشارع ولا مع ما قرره الفقهاء، بل نقول: إنها تصادم نصا وهو نص الربا، فالربا يحيط بها من كان ناحية. (١) .
стр. 2337
ن - الاستدلال على الجواز بتحقق الضرورة إليه:
نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في تعريف الضرورة، ونتبعه ببيان بعض الفقهاء المعاصرين لوجه الاستدلال به.
أما كلام الفقهاء السابقين: فقال الجصاص في معرض كلامه على حكم الأكل من الميتة للمضطر: الضرورة هي خوف الضرر بترك الأكل إما على نفسه أو عضو من أعضائه فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضرر في الحال فقد زالت الضرورة (١) .
стр. 2338
وقال الزركشي والسيوطي: هي - أي: الضرورة - بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعا أو عريانا لمات أو تلف منه عضو. (١) .
وقال ابن قدامة في كلامه على حكم الأكل من الميتة للمضطر: الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل (٢) .
وأما كلام الفقهاء المعاصرين في الاستدلال بالضرورة على جواز التأمين: فقد بينه الأستاذ عبد الرحمن عيسى بقوله: دين الإسلام مبني على أساس اليسر ورفع الحرج والعسر، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)
وقد بنى العلماء على ذلك قواعد منها: (إذا ضاق الأمر اتسع) و (المشقة تجلب التيسير) و (الضرورات تبيح المحظورات) و (ما حرم لذاته يباح للضرورة) و (ما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة) .
وقد ناط الفقهاء معرفة المشقة التي تجلب التيسير بالعرف فالرجوع إليه فيما شق على الناس وما لا يشق عليهم أمر لا بد منه.
وقد تبين في التأمين أن حاجة الناس إليه قد اشتدت وعظمت، وأنه يشق عليهم جدا ألا يمارسوا عمليات التأمين؛ ليدفعوا بها الكوارث الفادحة
стр. 2339
التي تقضي على الثروات وتخرب الديار وإن الاقتصاد الصحيح يحتم على ذوي المتاجر أو المصانع الكبيرة ممارسة عمليات التأمين؛ حفاظا على أموالهم، ودفاعا لما قد ينزل بهم من خسائر تبدد ثرواتهم وتخرب العامر من بيوتهم، كل هذا يحققونه بالتأمين لدى شركات التأمين في مقابلة ما يدفعون لهذه الشركات من مال يتضاءل بجانب ما يجنون من ثمرات مع اطمئنان قلوبهم واستقرارها من جهة المحافظة على ثرواتهم، وقال أيضا: بالنسبة للتأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة. قال: كذلك يمكن أن يثبت لهذا التأمين الجواز من ناحية أن الإسلام مبني على أساس اليسر ورفع الحرج والعسر؛ لأن التأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة قد اشتدت إليه الحاجة وعظمت؛ لما يدرأ من الكوارث وما يخففه منها عن رجال الصناعات والأعمال في المصانع الكبيرة؛ لهذا يشق على الناس في هذه الصناعات والمهن الخطيرة أن تمنعهم من ممارسة هذا النوع من التأمين الذي تطمئن به أفئدتهم وتستقر قلوبهم على أنفسهم كلا وبعضا حتى يؤدوا أعمالهم فيكون جائزا شرعا؛ دفعا للحرج والعسر. انتهى المقصود (١) .
وقال أيضا: أما التأمين ضد الأخطار الشخصية، سواء كان تأمينا على الحياة - أو على أي جزء من أجزاء الجسم في غير الصناعات والمهن الخطيرة - فينظر فيه:
فإن كان من نوع التأمين المختلط، وهو: الذي يجمع بين التأمين
стр. 2340
والادخار - كان جائزا شرعا؛ لأن فيه تشجيعا على الادخار، فهو يحقق الصالح العام من الناحية الاقتصادية، بشرط أن يتفق طالب التأمين مع الشركة على عدم استغلال أقساط تأمينية في الربا والكسب الحرام، حتى تبرأ ذمة المؤمن له من هذه الناحية التي قد تستوجب الحرمة بطريق التسبب. . . . .
أما التأمين ضد الأخطار الشخصية في غير الصناعات والمهن الخطيرة إذا كان تأمينا عاديا - فإنه لا يجوز شرعا؛ لأنه لا يحقق صالحا عاما ولا يترتب على تركه مشقة يقرر العرف: أنها لا تتحمل كما أنه لا تدعو إليه حاجة تتصل بالمصالح العامة (١) .
وقد أجاب عن ذلك الأستاذ الصديق محمد الضرير بقوله: (والواقع أن الضرورة بالمعنى الذي يقصده الفقهاء لا يتحقق بالنسبة لعقد التأمين، ولكن مما لا شك فيه أن الناس سيقعون في حرج لو منعنا عقد التأمين بالكلية بعد أن ألفوه وتغلغل في جميع نواحي حياتهم، فالتأمين وإن لم يكن من ضروريات الناس إلا أنه من حاجياتهم التي يترتب على فقدها الضيق والمشقة وقد أبيحت كثير من المعاملات التي يقتضي القياس منعها؛ لأن حاجة الناس تدعو إليها. ورغم كل هذا فإني لا أرى إباحة عقد التأمين بوضعه الحالي؛ لأنه لا يصح أن نلجأ إلى استخدام الضرورة أو الحاجة إلا إذا لم نجد سبيلا غيرهما) . (٢) .
стр. 2341
وقد أجاب الأستاذ أبو زهرة ﵀ عن ذلك: فقال: ونحن نقر بهذه الوقائع؛ لأننا لا نحاول إنكار الواقع ولكن لكي نحكم بأن التأمين غير التعاوني أمر ضروري لا بد أن نفرض أنه لا يمكن أن يوجد تأمين سواه؛ لأن الضرورة لا تكون إلا حيث تستغلق الأمور ويتعين المحرم سبيلا للإنقاذ فهذا الذي يبلغ به الجوع أقصاه ولا يجد إلا الخنزير يأكله فإنه يباح له أكله، ولكن إن وجد طعاما آخر، ولكنه دون الخنزير اشتهاء مع أنه طيب حلال لا يعد في حال ضرورة.
والأمر هنا كذلك فإن التأمين الاجتماعي فتح الأبواب وإن لم يكن قائما أقمناه، وإن كان ضيقا وسعناه، وإذا كان الأفق محدودا وضعنا بين أيدي المفكرين أوسع الآفاق.
ويعجبني أن قائدي السيارات في الخرطوم عندما فرض عليهم نظام التأمين كونوا من بينهم جماعة تعاونية تكون هي المؤمنة فيكونون جميعا مستأمنين ومؤمنين، حفظ الله لهم إيمانهم وبارك لهم في رزقهم، فهلا دعونا العالم الإسلامي إلى إيجاد نظام تعاوني بدل هذا النظام غير التعاوني الذي لا نزال مصرين على أنه بدعة يهودية.
إنه لا يصح لنا دينا أن نترك أمرا بينا نيرا ضاحيا، ونسير على أمر إن لم يكن حراما فهو مشتبه فيه، فإن النبي ﷺ قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (١) » ، ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (دعوا الربا والريبة) .
стр. 2342
ومن القائلين بجواز التأمين مطلقا: الأستاذ عبد الرزاق السنهوري، إلا أنه لا يرى الاستدلال على جوازه بما استدل به غيره من قياسه على بعض العقود المعروفة، وإنما يراه عقدا مستحدثا قائما بذاته، ونظرا لذلك أوردنا رأيه، بدليله بعد كلام المانعين وكلام المجيزين، وفيما يلي ما برر به رأيه: الوقوف عند أحد جانبي عقد التأمين وهو جانب العلاقة ما بين المؤمن والمؤمن له بالذات، دون مجاوزة ذلك إلى الجانب الآخر وهو جانب العلاقة ما بين المؤمن ومجموع المؤمن لهم حيث لا يكون المؤمن إلا وسيطا بينهم ينظم تعاونهم جميعا على مواجهة الخسارة التي تحيق بالقليل منهم، هو الذي دفع بكثير ممن تصدوا للإفتاء في مشروعية التأمين في الفقه الإسلامي إلى القول بعدم مشروعيته. وتكون فتواهم في هذه الحالة صحيحة؛ لأنه إذا نظر إلى عقد التأمين من جهة العلاقة ما بين المؤمن والمؤمن له بالذات، ومن جهة هذه العلاقة وحدها، لم يعد عقد التأمين أن يكون عقد مقامرة أو رهان كما قدمنا، ويكون غير مشروع، لا فحسب في الفقه الإسلامي، بل أيضا في القانون المصري وفي جميع القوانين التي تحرم المقامرة والرهان. ولكن الجانب الآخر من عقد التأمين وهو الجانب الذي يجب الوقوف عنده؛ لأنه هو الذي يؤصل التأمين ويحدد طبيعته ويبرز التأمين في ثوبه الحقيقي، ويبين أنه ليس إلا تعاونا منظما تنظيما دقيقا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعا لخطر واحد، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم لولا التعاون. وشركة التأمين ليست في الواقع من الأمر إلا الوسيط الذي ينظم
стр. 2343
هذا التعاون على أسس فنية صحيحة، وهي أسس معقدة في أشد الحاجة إلى جهود شركات ضخمة، وسنعرض لها فيما يلي: فالتأمين إذن هو تعاون محمود، تعاون على البر والتقوى: يبر به المتعاونون بعضهم بعضا، ويتقون به جميعا شر المخاطر التي تهددهم. فكيف يجوز القول بأنه غير مشروع؟
وقد كثرت الفتاوى الشرعية في التأمين، بعضها يحلله وبعضها يحرمه، ومن الفتاوى البارزة في تحليله فتوى الأستاذ الإمام محمد عبده في شأن التأمين على الحياة، ثم ذكر فتوى الشيخ محمد عبده وأشار إلى أقوال الأستاذ الزرقاء ومناقشة أبي زهرة له، وقول برهام محمد عطا الله وأحمد السنوسي، وعيسوي أحمد عيسوي ثم ذكر رأي المانعين أمثال: الشيخ ابن عابدين والشيخ محمد بخيت والشيخ أحمد قراعة والشيخ أبي زهرة والأستاذ أحمد إبراهيم. ثم قال بعد ذلك:
وفيما قدمناه من هذه الآراء المختلفة نقف عند المسائل الآتية:
(أ) لا تصح التفرقة بين التأمين الاجتماعي والتأمين الفردي، فكلاهما يقوم على أساس واحد، ولا يختلفان إلا في أن الدولة في التأمين الاجتماعي هي التي تقوم بدور المؤمن. فمن قال بجواز التأمين الاجتماعي وجب أن يقول بجواز التأمين الفردي.
(ب) لا يجوز قياس عقد التأمين على عقود أو نظم معروفة في الفقه الإسلامي، فهو لا يشبه عقد المضاربة في شيء، ولا هو كفالة، ولا هو وديعة بأجر، ولا عقد موالاة، ولا يدخل في ضمان خطر الطريق، ولا في الوعد الملزم، ولا في نظام العواقل إلى آخر ما جاء
стр. 2344
في التشبيهات.
(ج) وإنما التأمين عقد جديد له مقوماته وخصائصه، وهو ليس بين العقود أو النظم التي عرفها الفقه الإسلامي. ويأخذ عليه المحرمون له أنه مقامرة، وفيه غرر، وينطوي على الربا.
(د) أما أن فيه مقامرة، فقد بينا أن عقد التأمين بعيد كل البعد عنها. فهو من الناحية الفنية الاقتصادية ليس بمقامرة، لا بالنسبة إلى المؤمن فهو يأخذ الأقساط من المؤمن له ثم يعيد توزيعها عليهم ولا يعرض نفسه لاحتمال الخسارة أو المكسب بأكثر مما يعرض نفسه أي شخص آخر في تجارة مشروعة، ولا بالنسبة إلى المؤمن له إذ هو لا يقامر معتمد على الحظ والمصادفة، بل على العكس من ذلك تماما يقصد أن يتوقى شر الحظ والمصادفة ويتعاون مع غيره من المؤمن له على توزيع أضرار ما يبيته الحظ والمصادفة لهم جميعا، ولا يجوز أن نسمي التعاون مقامرة.
(هـ) وأما الغرر، فقد بينا في كتابنا [مصادر الحق في الفقه الإسلامي] أن هناك تطورا ملحوظا في الفقه الإسلامي، في هذه المسألة، وأن أكثر المذاهب تطورا فيها هو مذهب مالك. فقد بين ابن رشد في عبارة جلية الأصل عند مالك في ذلك فقال: (والأصل عنده أن من الغرر يجوز لموضع الضرورة) [مصادر الحق في الفقه الإسلامي] للمؤلف، جزء ٣، ص (٣٢، ٣٣) .
(و) وأما الربا، فهذه مسألة لا تقتصر على عقد التأمين، بل تتناول ضروبا كثيرة التعامل، وقد بحثناها بحثا مفصلا، وميزنا بين ربا الجاهلية من
стр. 2345
جهة وبين ربا النسيئة وربا الفضل من جهة أخرى، فالأول: غير جائز إلا للضرورة، والثاني: غير جائز أيضا إلا للحاجة. فإذا قامت الحاجة في نظام اقتصادي معين إلى دفع فوائد معتدلة على رءوس الأموال، كان هذا جائزا ما دامت الحاجة قائمة، وإلا عاد الأمر إلى أصله من عدم الجواز (انظر تفصيل ذلك في [مصادر الحق في الفقه الإسلامي] للمؤلف ج ٣ صـ ١٦٩ - ٢٢٧) .
(ز) بقي أن يقال: إن عقد التأمين لا يدخل في العقود المعروفة في الفقه الإسلامي وليس له نظير فيها، وقد وردت هذه العقود على سبيل الحصر، فأي عقد جديد لا يستند إليها يكون غير جائز. وقد سبق لنا أيضا أن بحثنا هذه المسألة، وقلنا في صددها ما يأتي: (هل العقود في الفقه الإسلامي مذكورة على سبيل الحصر؟ . يبدو لأول وهلة أنها كذلك. ففي كتب الفقه لا نجد نظرية عامة للعقد، بل نجد على النقيض من ذلك عقودا مسماة تأتي عقدا بعد عقد على ترتيب غير منطقي، ويختلف هذا الترتيب في كتاب عنه في كتاب آخر، حتى ليظن الباحث أن الفقه الإسلامي لا يعرف إلا هذه العقود المسماة، وأن أي اتفاق لا يدخل تحت عقد من هذه العقود لا يكون مشروعا. ولكن هذه النظرة إلى الفقه الإسلامي نظرة سطحية، فإن الباحث يلمح من خلال الأحكام التي يقررها الفقهاء في صدد هذه العقود المسماة إنهم يسلمون بإمكان أن يمتزج عقدان أو أكثر من هذه العقود في عقد واحد، يجمع بين خصائص العقود التي امتزجت فيه، بل ويلمح أن هناك قاعدة فقهية مسلمة، هي أن المسلمين عند شروطهم، وأن كل
стр. 2346
اتفاق تتوافر فيه الشروط التي يقررها الفقه الإسلامي يكون عقدا مشروعا. ويكفي أن نشير إلى ما جاء في [البدائع] في هذا الصدد:
(وروي عن النبي ﵊ أنه قال: «المسلمون عند شروطهم (١) » . فظاهره يقتضي لزوم الوفاء بكل شرط إلا ما خص بدليل؛ لأنه يقتضي أن يكون كل مسلم عند شرطه، وإنما يكون كذلك إذا لزمه الوفاء به. . وهذا لأن الأصل أن تصرف الإنسان يقع على الوجه الذي أوقعه إذا كان أهلا للتصرف، والمحل قابلا، وله ولاية عليه) [البدائع] جزء ٥، صـ ٢٥٩. ومن ثم فما ذكره الفقهاء من العقود المسماة، إنما هي العقود التي يغلب أن يقع بها التعامل في زمنه فإذا استحدثت الحضارة عقودا أخرى توافرت فيها الشروط المقررة فقها كانت عقودا مشروعة [مصادر الحق في الفقه الإسلامي] للمؤلف الجزء الأول، صـ (٨٠ - ٨٣) ويؤخذ من ذلك أن عقد التأمين لا يجوز القول بعدم مشروعيته من ناحية أنه عقد جديد غير معروف في الفقه الإسلامي، وإنما قد يتوهم أن يتسرب إليه عدم المشروعية من ناحية الربا أو من ناحية الغرر، وقد سبق أن نفينا عنه كلا من الناحيتين. اهـ (٢) .
стр. 2347
الرأي الثالث:
رأى بعض العلماء المعاصرين التفصيل بين أنواع التأمين في الحكم ، فحرم التأمين على الحياة أو بعض أعضاء الجسم؛ كالحنجرة أو الأصابع.
واستدل على ذلك ببعض ما استدل به المانعون للتأمين التجاري مطلقا من كونه قمارا، ونوعا من بيوع الغرر، ومتضمنا بيع دراهم بدراهم مثلا نسيئة مع التفاضل، وأباح التأمين على السيارات من الحوادث التي تصاب بها وما تصيب به غيرها من الأضرار في النفوس والأموال، واستدل على ذلك ببعض ما استدل به المجيزون للتأمين التجاري مطلقا من كونه من باب التعاون والوفاء بالعقود، وقد أمر الله بذلك، وكون الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم دليل على المنع، ولم ينهض دليل على منع عقود التأمين، وقاسه على ضمان السوق وضمان المجهود، ومن كونه مصلحة ولشدة حاجة الناس إليه، وناقش كل أدلة مخالفيه بما ناقش كل من الفريقين السابقين مخالفه فلذا اكتفت اللجنة بما تقدم من استدلال الفريقين، ومناقشتها خشية الإطالة بما لا جدوى فيه.
وسلك جماعة في التفصيل طريقا أخرى هي الفرق بين ما كان من عقود التأمين خاليا من الربا فيجوز، وما كان منها مشتملا على الربا إلا إذا دعت الضرورة إليه فيرخص فيه مؤقتا حتى تتاح الفرصة للتخلص مما فيه الربا، وقد تقدم استدلال المانعين وجه اشتمال عقود التأمين على الربا، ومناقشة المجيزين لذلك فلا نطيل بذكره خشية التكرار.
وتردد بعض العلماء المعاصرين في الحكم على التأمين التجاري بحل وبحرمة ورأى أن هذه المسألة عامة ولها أهمية كبرى فينبغي أن لا تترك لفرد
стр. 2348
يفتي فيها، بل يجب على علماء العصر أن يوفروا جهودهم ويكدسوها لبحثها، وأن يتعاونوا على حل مشاكلها، لينتهوا من بحثهم إلى رأي واضح يذهب ببلبلة الأفكار ويقضي على اختلاف الآراء أو يحد من كثرتها ويخفف من شدتها. ومن نظر في هذا لم يجد فيه حكما موافقا أو مخالفا لما تقدم وإنما هو نصيحة لعلماء العصر ومشورة عليهم بما يجب أن يعملوه وإرشاد إلى الطريق التي يجب أن يسلكوها لحل المشكل والوصول إلى نتيجة مرضية.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قاعدة في المعاقد حلالها وحرامها تتعلق بما سبق من الأدلة - رأينا أن نتبعها ما تقدم؛ لما تشتمل عليه من زيادة البيان.
قال رحمه الله تعالى: فصل: القاعدة الثانية: في المعاقد حلالها وحرامها.
والأصل في ذلك: أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل، وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وذم اليهود على أخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل في المعاوضات والتبرعات، وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق.
وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان، ذكرهما الله في كتابه هما: الربا، والميسر، فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر سورة البقرة، وسور: آل عمران، والروم، والمدثر، وذم اليهود عليه في سورة النساء، وذكر تحريم الميسر في سورة المائدة، ثم إن رسول الله ﷺ فصل ما
стр. 2349
جمعه الله في كتابه، «فنهى ﷺ عن بيع الغرر» ، كما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁.
والغرر: هو المجهول العاقبة، فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار، وذلك: أن العبد إذا أبق، أو الفرس أو البعير إذا شرد، فإن صاحبه إذا باعه فإنما يبيعه مخاطرة، فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير، فإن حصل له قال البائع: قمرتني، وأخذت مالي بثمن قليل، وإن لم يحصل قال المشتري: قمرتني وأخذت الثمن مني بلا عوض، فيفضي إلى مفسدة الميسر التي هي إيقاع العداوة والبغضاء، مع ما فيه من أكل المال بالباطل، الذي هو نوع من الظلم، ففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء، وما نهى عنه النبي ﷺ من بيع حبل الحبلة والملاقيح والمضامين ومن بيع السنين وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وبيع الملامسة والمنابذة ونحو ذلك - كله من نوع الغرر.
وأما الربا: فتحريمه في القرآن أشد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) وذكره النبي ﷺ في الكبائر، كما خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم، وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا كما يربي الصدقات، وكلاهما أمر مجرب عند الناس، وذلك: أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج، وإلا فالموسر لا يأخذ ألفا حالة بألف ومائتين مؤجلة
стр. 2350
إذا لم يكن له حاجة لتلك الألف، وإنما يأخذ المال بمثله وزيادة إلى أجل من هو محتاج إليه، فتقع تلك الزيادة ظلما للمحتاج، بخلاف الميسر، فإن المظلوم فيه غير مفتقر، ولا محتاج إلى العقد، وقد تخلو بعض صوره عن الظلم إذا وجد في المستقبل المبيع على الصفة التي ظناها، والربا فيه ظلم محقق لمحتاج، وبهذا كان ضد الصدقة، فإن الله لم يدع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء، فإن مصلحة الغني والفقير في الدين والدنيا لا تتم إلا بذلك فإذا أربى معه، فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه دينه وظلمه زيادة أخرى والغريم محتاج إلى دينه، فهذا من أشد أنواع الظلم، ولعظمته: لعن النبي ﷺ أكله، وهو الأخذ، وموكله وهو المحتاج المعطي للزيادة، وشاهديه وكاتبه، لإعانتهم عليه.
ثم إن النبي ﷺ حرم أشياء مما يخفى فيها الفساد لإفضائها إلى الفساد المحقق، كما حرم قليل الخمر؛ لأنه يدعو إلى كثيرها مثل ربا الفضل فإن الحكمة فيه قد تخفى إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف الصفات مثل: كون الدرهم صحيحا، والدرهمين مكسورين، أو كون الدرهم مصوغا أو من نقد نافق ونحو ذلك، ولذلك خفيت حكمة تحريمه على ابن عباس ومعاوية وغيرهما، فلم يروا به بأسا، حتى أخبرهم الصحابة الأكابر- كعبادة بن الصامت وأبي سعيد وغيرهما - بتحريم النبي ﷺ لربا الفضل.
وأما الغرر: فإنه ثلاثة أنواع: إما المعدوم؛ كحبل الحبلة، وبيع السنين، وإما المعجوز عن تسليمه؛ كالعبد الآبق، وإما المجهول المطلق، أو المعين المجهول جنسه أو قدره؛ كقوله: بعتك عبدا أو بعتك