← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

الثوري والليث وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: لا يصح؛ لأنه التزام مال فلم يصح مجهولا كالثمن، ولنا قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١) وحمل البعير غير معلوم؛ لأن حمل البعير يختلف باختلافه، وعموم قوله ﵊: «الزعيم غارم (٢) » ، ومن ضمان ما لم يجب ضمان السوق، وهو: أن يضمن ما يلزم التاجر من دين وما يقتضيه من عين مضمونة، قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى، وقال: تجوز كتابته والشهادة به لمن لم ير جوازه؛ لأنه محل اجتهاد، قال: وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها فحرام، واختار صحة ضمان حارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر وأن غايته ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون، وهو جائز عند أكثر العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة وأحمد، وقال: الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضها بعضا تجري مجرى الشخص الواحد في معاهدتهم إذا شورطوا على أن تجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط أن لا يأخذوا للمسلمين شيئا وما أخذوه كانوا ضامنين في أموالهم جاز حاشية [المقنع] ، (٢\١١٣) وما بعدها. . وأما كلام الفقهاء المعاصرين في توجيه الاستدلال والمناقشة فقالوا: الضامن يجب عليه أداء ما ضمنه مع أنه مجهول من حيث المبدأ، فكذلك

стр. 2277

التأمين يجب على المؤمن أن يدفع للمستأمن قيمة ما ضمنه بعد وقوع الخطر، وإن كان مجهولا من حيث المبدأ. والجواب عن هذا: يمكن أن يقال: لا يصح قياس عقد التأمين على ضمان المجهول وما لم يجب، ومنه ضمان السوق؛ لأنه قياس مع الفارق وبيان ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن الضمان من عقود التبرعات فاغتفرت فيه الجهالة من باب دفع المشقة واليسر على الناس، وأما عقد التأمين فهو من عقود المعاوضات فلا تغتفر فيه الجهالة. الوجه الثاني: أن الضمان يتكون من أربعة أركان: ضامن، ومضمون له، ومضمون عنه، ومضمون، وفي التأمين: ثلاثة أركان: ضامن وهو الشركة، ومضمون له، وهو: المستأمن، ومضمون، وهو: ما تدفعه الشركة عند وقوع الخطر، وأما المضمون عنه فمفقود هنا فلا يصح أن يقاس عليه لفقد ركن من أركانه فالصورتان مختلفتان. الوجه الثالث: صورة الضمان تختلف عن صورة التأمين من وجه آخر وهو: أن الضامن في الشريعة فرع والمضمون عنه أصل، والتأمين اعتبر فيه الضامن أصلا، ومن شرط القياس الاتفاق في الصورة. الوجه الرابع: أن الضامن إذا دفع إلى المضمون له فإنه يرجع إلى المضمون عنه، ويأخذ منه ما دفعه فلا ضرر عليه، أما الشركة فإذا وقع الضرر فإنها تدفع ما وجب عليها ولا ترجع إلى أحد، فتقرر الضرر عليها، فلا يصح أن يقاس ما فيه ضرر على ما لا ضرر فيه.

стр. 2278

هـ- قياس عقد التأمين على ضمان خطر الطريق: نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في ضمان خطر الطريق وأسباب الضمان ثم ما تيسر من كلام فقهاء هذا العصر. أما كلام الفقهاء السابقين: فقال ابن عابدين في أثناء كلامه على السوكرة: فإن قلت: سيأتي قبيل باب كفالة الرجلين، قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن فسلكه وأخذ ماله لم يضمن، ولو قال: إن كان مخوفا وأخذ مالك فأنا ضامن، ضمن، وعلله الشارح هناك بأول ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصا. اهـ. بخلاف الأولى فإنه لم ينص على الضمان بقوله: فأنا ضامن، وفي جامع الفصولين: الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرر في ضمن المعاوضة أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور فصار كقول الطحان لرب البر اجعله في الدلو فجعله فيه فذهب من النقب إلى الماء، وكان الطحان عالما به يضمن إذ غره في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة. اهـ. قلت: لا بد في مسألة التغرير من أن يكون الغار عالما بالخطر كما يدل عليه مسألة الطحان المذكورة، وأن يكون المغرور غير عالم إذ لا شك أن رب البر لو كان عالما بنقب الدلو يكون هو المضيع لماله باختياره ولفظ المغرور ينبئ عن ذلك لغة؛ لما في [القاموس] غره غرا وغرورا فهو مغرور وغرير خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو. اهـ. ولا يخفى أن صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار، ولا يعلم بحصول الغرق هل يكون أم لا، وأما الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار؛ لأنهم لا يعطون مال السوكرة إلا عند شدة الخوف طمعا

стр. 2279

في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل. اهـ (١) . وقال أبو محمد البغدادي: إذا غرقت السفينة فلو من ريح أصابها أو موج أو جبل صدمها من غير مد الملاح وفعله لا يضمن بالاتفاق، وإن كان بفعله يضمن سواء خالف بأن جاوز العادة أو لم يخالف؛ لأنه أجير مشترك ولو دخلها الماء فأفسد المتاع فلو بفعله ومده يضمن بالاتفاق، ولو بلا فعله إن لم يمكن التحرز عنه لا يضمن إجماعا، وإن كان بسبب يمكن التحرز عنه لا يضمن عند أبي حنيفة، وعندهما يضمن، وهذا كله لو لم يكن رب المتاع أو وكيله في السفينة فلو كان لا يضمن في جميع ما مر إذا لم يخالف بأن لم يجاوز المعتاد؛ لأن محل العدل غير مسلم إليه، كذا في الفتاوى الصغرى، ومشى عليه صاحب الفصولين، وكذا إذا كان بأمر لا يمكن التحرز عنه فإنه لا يضمن، ذكره في البزازية وفيها نقلا عن المنتقى لو كانت السفن كثيرة وصاحب المتاع أو الوكيل في إحداها فلا ضمان على الملاح فيما ذهب من السفينة التي فيها صاحب المتاع أو وكيله وضمن فيما سوى ذلك. وعن أبي يوسف: إذا كانت السفن تنزل معا وتسير فلا ضمان على الملاح فيما هلك فإنهن كسفينة واحدة وإن تقدم بعضها بعضا، فكون أحدهما في إحداهن ككون أحدهما في كلهن. وعن أبي يوسف أيضا في سفينتين أحدهما في إحداهن لا ضمان على الملاح، وكذا لو غير مقرونتين ويسيران معا ويحبسان معا (٢) انتهى المقصود.

стр. 2280

وقال القرافي: الفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه أسباب الضمان ثلاثة، فمتى وجد واحد منها وجب الضمان، ومتى لم يوجد واحد منها لم يجب الضمان. أحدها: التفويت مباشرة؛ كإحراق الثوب، وقتل الحيوان، وأكل الطعام ونحو ذلك. وثانيها: التسبب للإتلاف؛ كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه، ووضع السموم في الأطعمة، ووقود النار بقرب الزرع أو الأندر، ونحو ذلك مما شأنه في العادة أن يفضي غالبا للإتلاف. وثالثها: وضع اليد غير المؤتمنة، فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب، والبائع يضمن المبيع الذي يتعلق به حق توفية قبل القبض، فإن ضمان المبيع الذي هذا شأنه منه؛ لأن يده غير مؤتمنة ويد المتعدي بالدابة في الإجارة ونحوها، ويخرج بهذا القيد يد المودع وعامل القراض ويد المساقي ونحوهم فإنهم أمناء فلا يضمنون (١) وقال أيضا: الفرق الخامس والمئتان بين قاعدة ما يضمن بالطرح من السفن وبين قاعدة ما لا يضمن. قال مالك: إذا طرح بعض الحمل للهول شارك أهل المطروح من لم يطرح لهم شيء في متاعهم، وكان ما طرح وسلم لجميعهم في نمائه ونقصه بثمنه يوم الشراء أن اشتروا من موضع واحد بغير محاباة؛ لأنهم صانوا بالمطروح مالهم والعدل عدم اختصاص أحدهم بالمطروح إذ ليس أحدهم بأولى من الآخر، وهو سبب سلامة

стр. 2281

جميعهم، فإن اشتروا من مواضع، أو اشترى بعض، أو طال زمان الشراء حتى تغيرت الأسواق- اشتركوا بالقيم يوم الركوب دون يوم الشراء؛ لأنه وقت الاختلاط، وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره بإذنه أم لا. قال ابن أبي زيد: ولا يشارك من لم يرم بعضهم بعضا؛ لأنه لم يطرأ سبب يوجب ذلك بخلاف المطروح له مع غيره. قال ابن حبيب: وليس على صاحب المركب ولا النواتية ضمان كانوا أحرارا أو عبيدا إلا أن يكونوا للتجارة فتحسب قيمتهم، ولا على من لا متاع له؛ لأن هذه كلها وسائل، والمقصود من ركوب البحر إنما هو مال التجارة ويرجع بالمقاصد في المقاصد ومن معه دنانير كثيرة يريد بها التجارة فكالتجارة بخلاف النفقة وما يراد للقنية، وقال ابن بشير: لا يلزم في العين شيء من المطروح، لأنه لا يحصل الغرق بسببها لخفتها، وقال سحنون: يدخل المركب في قيمة المطروح؛ لأنه مما سلم بسبب الطرح (١) . وقال أبو محمد: إن خيف عليه بصدم قاع البحر فطرح لذلك دخل في القيمة. وقال أهل العراق: يدخل المركب وما فيه للقنية أو التجارة من عبيد وغيرهم، لأن أثر المطروح سلامة الجميع، وجوابهم: أن شأن المركب أن يصل برجاله سالما إلى البر، وإنما يغرق ما فيه عادة وإزالة السبب المهلك لا يوجب شركة، بل فعل السبب المنجي وهو فرق حسن فتأمله فإن فاعل الضرر شأنه أن يضمن فإذا زال ضرره ناسب أن يستحقه أو بعضه؛ لأن موجد الشيء شأنه أن يكون له، فإن صالحوا صاحب المطروح

стр. 2282

بدنانير ولا يشاركهم- جاز، إذا عرفوا ما يلزم في القضاء، فإن خرج بعد الطرح من البحر سالما فهو له وتزول الشركة، أو خرج وقد نقص نصف قيمته انتقض نصف الصلح ويرد نصف ما أخذه. اهـ. وأما كلام الفقهاء المعاصرين: فقال الأستاذ مصطفى الزرقاء: وأما صحة ضمان خطر الطريق فيما إذا قال شخص لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن. فسلكه فأخذ ماله، حيث يضمن القائل هو ما نص عليه الحنفية في الكفالة، وانتبه إليه ابن عابدين وناقشه في كلامه عن (السوكرة) كما سبق بيانه فإني أجد فيه فكرة فقهية يصلح بها أن يكون نصا استثنائيا قويا في تجويز التأمين على الأموال من الأخطار وإن لم يسلم ابن عابدين ﵀ بكفاية هذه الدلالة فيه، ورأى فرقا بينه وبين (السوكرة) يمنع القياس عليه. والذي أراه: أن فقهاءنا الذين قرروا هذا الحكم في الكفالة في ذلك الزمن البعيد لو أنهم عاشوا في عصرنا اليوم وشاهدوا الأخطار التي نشأت من الوسائل الحديثة؛ كالسيارات التي فرضت على الإنسان من الخطر بقدر ما منحته السرعة، وثبتت أمامهم فكرة التأمين، ولمسوا الضرورة التي نلمسها نحن اليوم في سائر المرافق الاقتصادية الحيوية؛ لتخفيف آثار الكوارث الماحقة- لما ترددوا لحظة في إقرار التأمين نظاما شرعيا (١) . وأجيب عن ذلك بما قاله الصديق محمد الأمين الضرير. قال: فهل يمكن أن يكون ما يلزم المؤمن بدفعه عند وقوع الكارثة من

стр. 2283

قبيل الضمان؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد لنا أولا من معرفة أسباب الضمان. الضمان يكون بواحد من الأسباب التالية: ١ - العدوان؟ كالقتل والإحراق وهدم الدور ونحو ذلك، فمن تعدى في شيء وجب عليه الضمان؛ إما المثل إن كان مثليا، أو القيمة إن كان قيميا، وواضح أن المؤمن لم يتعد على المؤمن له في شيء حتى يضمنه له، وإذا كان هناك متعد فإن الضمان يكون عليه لا على الشركة. ٢ - التسبب للإتلاف؛ كحفر البئر في طرق الحيوان في غير الأرض المملوكة للحافر أو في أرضه لكن حفرها لهذا الغرض، وكرمي ما يزلق الناس في الطرقات فيسقط بسبب ذلك حيوان أو غيره ونحو ذلك. وليس المؤمن متسببا في إتلاف مال المؤمن له فلا وجه لتضمينه. ٣ - وضع اليد التي ليست بمؤتمنة، سواء أكانت عادية، كيد السراق والنصاب أو ليست بعادية كما في المبيع بيعا صحيحا يبقى بيد البائع فيضمنه. والمؤمن عليه الذي يلتزم المؤمن بتعويضه يكون في يد صاحبه ولا يضع المؤمن يده عليه مطلقا. ٤ - الكفالة: والكفالة لا بد فيها من كفيل يلتزم بتأدية ما على الأصل. من الحق، ومكفول وهو المطالب في الأصل، ومكفول له هو صاحب الحق ومكفول به وهو الحق المطالب به. وعقد التأمين في كثير من صوره لا يوجد فيه ما يمكن أن يعتبر مكفولا، ففي تأمين الأشخاص يلتزم المؤمن بدفع المبلغ عند الوفاة أو حصول حادث جسماني، سواء كان ذلك قضاء وقدرا، أو كان بفعل فاعل.

стр. 2284

وفي التأمين على الأشياء- كالتأمين من السرقة والحريق وموت الحيوان - يلتزم المؤمن بتعويض المؤمن له ما أصابه من ضرر، ولو كان وقوع الحادثة بما لا دخل للإنسان فيه، ففي مثل هذه الصور من التأمين لا يمكن أن يقاس التأمين على الكفالة لفقدان المكفول. ولكن هناك حالات يعتدي فيها معتد بإتلاف ماله المؤمن له، كما لو أحرق شخص مال المؤمن له فهل يمكن أن يعتبر ذلك الشخص مكفولا؟. جاء في [مجمع الضمانات] : أو قال: إن غصب فلان مالك أو أحد من هؤلاء القوم فأنا ضامن لك صح، ولو عمم فقال: إن غصبك إنسان شيئا فأنا له ضامن لك لا تصح (ص ٢٧٠) ولو قال: ما ذاب لك على الناس أو على أحد من الناس فعلي، لا يصح لجهالة المضمون عنه (ص ٢٧٠) . ومن صور التأمين ما يكون فيه المؤمن له هو المكفول، ويكون المكفول له مجهولا، وهذه حالة التأمين من المسؤولية؛- كالتأمين من حوادث السيارات- فإن الشركة تلتزم فيه بدفع ما يثبت على المؤمن من تعويض لمن أصابه ضرر منه يستحق التعويض بسببه. وهذه أيضا مكفولة غير صحيحة؛ لجهالة المكفول به. ففي [مجمع الضمانات] : لو قال: ما ذاب للناس أو لأحد من الناس عليك فعلي لا يصح؛ لجهل المضمون له (ص. ٢٧) . ففي جميع الصور المتقدمة لا يصح قياس عقد التأمين على عقد الكفالة، وهناك فارق عام يمنع من صحة القياس، هو: أن الكفالة من عقود التبرعات، والتأمين من عقود المعاوضات؛ ولذا لو شرط في العقد للكفالة أن يكون بعوض فإن الكفالة تكون باطلة.

стр. 2285

جاء في [مجمع الضمانات] : ولو كفل بمال على أن يجعل الطالب له جعلا، فإن لم يكن مشروطا في الكفالة فالشرط باطل، وإن كان مشروطا في الكفالة فالكفالة باطلة. (ص ٢٨٢) . وفارق آخر: هو: أن عقد التأمين ملزم للطرفين، المؤمن والمؤمن له، فهو يلزم المؤمن له بدفع القسط، ويلزم المؤمن بدفع العوض المالي أو المبلغ المؤمن عليه، أما عقد الكفالة فإنه لا يلزم المكفول له بشيء، فالالتزام فيه من جانب الكفيل فقط؛ ولذا كان عقدا لازما بالنسبة للكفيل وغير لازم بالنسبة للمكفول له (١) .

стр. 2286

و قياس عقد التأمين على نظام التقاعد: قال الأستاذ الزرقاء: وأما نظام التقاعد والمعاش لموظفي الدولة، وهو نظام مالي عام في عصرنا، فإني لا أقصد الاستدلال به من حيث كونه نظاما قانونيا؛ لأن النظم القانونية لا تصلح حجة في الاستدلال لأحكام الشريعة الإسلامية ولكني أستدل بموقف فقهاء الشريعة أجمعين منه مع أنه نظام تأميني بكل ما في كلمة التأمين من معنى، فنظام التقاعد يقوم على أساس أن يقتطع من المرتب الشهري للموظف في أعمال الدولة جزء نسبي ضئيل محدود حتى إذا بلغ سن الشيخوخة القانونية وأحيل على التقاعد أخذ وهو غير موظف عامل راتبا شهريا يبلغ أضعافا مضاعفة من المبلغ الضئيل الذي كان يقتطع من راتبه شهريا وذلك بحسب مدة عمله في الوظيفة ويستمر المرتب

стр. 2287

التقاعدي الجديد ما دام حيا مهما طالت حياته وينقل إلى أسرته التي يعولها من زوجة وأولاد وغيرهم بشرائط معينة بعد وفاته، فما الفرق بين هذا النظام وبين التأمين على الحياة؟ إن في كليهما يدفع الشخص قسطا ضئيلا دوريا لا يدري كم يستمر به دفعه، وكم يبلغ مجموعه عند التقاعد وفي حكمها يأخذ الشخص أو أسرته في مقابل هذا القسط الدوري الضئيل مبلغا كبيرا دوريا أيضا في التقاعد وفوريا في التأمين على الحياة يتجاوز كثيرا مجموع الأقساط ولا يدري كم يبلغ مجموعه من التقاعد إلى أن ينطفئ الاستحقاق وانتقالاته، بينما هو محدد معلوم المقدار في التأمين على الحياة، فالضرر والجهالة في نظام التقاعد أعظم منها في التأمين على الحياة. إن هذا النظام التقاعدي يقره علماء الشريعة الإسلامية كافة بلا نكير ولا يرون فيه أية شبهة شائبة من الناحية الشرعية، بل إنهم يرونه أساسا ضروريا في نظام وظائف الدولة ومصلحة عامة لا بد منها شرعا وعقلا وقانونا؛ لصيانة حياة الموظفين العاملين في مصالح الدولة بعد عجزهم وحياة أسرهم إلى مراحل معينة من بعدهم فلماذا يحسن وجود هذا النظام التقاعدي ترتبا يقوم بين الدولة وموظفيها ولا يجوز نظيره تعاقدا ملزما بين الناس؟ والخلاصة: أن نظام التأمين التقاعدي بوجه عام تشهد لجوازه جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها، ولا ينهض في وجهه دليل شرعي على التحريم، ولا تثبت أمامه شبهة من الشبهات التي يتوهمها القائلون بتحريمه (١)

стр. 2288

ونوقش ذلك بما يأتي: أولا: أن قول المستدل: قد شهدت جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها بجواز نظام التقاعد - مجرد دعوى مبالغ فيها ليس معه من الأدلة الصحيحة ما يعتمد عليه فيها فضلا عن أن يكون لها أدلة لا تقوم أمامها شبهة توهم المنع. ثانيا: ادعى المستدل أن علماء الشريعة كافة في عصرنا أقروا نظام التقاعد دون أية شبهة، وفي هذا من المبالغة مما في سابقه، وإنما هي دعوى يردها الواقع، فإن المسألة نظرية، ويوجد من العلماء المعاصرين من يخالف فيها. ثالثا: إنه على تقدير اتفاقهم هل يعتبر ذلك إجماعا شرعيا صحيحا تثبت به الأحكام وهم يعترفون على أنفسهم بالتقليد. رابعا: قد يقال: إن كان ما اقتطع من مرتب الموظف لا يزال باقيا على ملكه مع ما قد ضم إليه إلا أنه قيد صرفه بزمن محدود وكيفية محدودة، فالكلام في حكمه كالكلام في حكم التأمين وقد تقدم، وربما كان التقاعد أشد؛ لأن ما فيه من الغرر والمخاطرة والمغامرة أشد، ولأن توزيعه يجري على غير سنن المواريث عطاء مستمرا أو مؤقتا أو حرمانا. خامسا: أنه يمكن أن يقال: إن ما جعل للموظف أو أتباعه من راتب تقاعدي يعتبر مكافأة التزم بها ولي الأمر باعتباره مسئولا عنه وعن أسرته، ووضع لصرفها نظاما راعى فيه مصلحته ومصلحة ألصق الناس به وأقربهم إليه من أسرته، كما راعى فيه ما بذله

стр. 2289

الموظف من جهد في خدمة الأمة. وعلى هذا لا يكون المعاش التقاعدي من باب المعاوضات المالية التجارية حيث كان مبناه مسئولية ولي الأمر عن رعيته ومقابلة أرباب المعروف فيه بالمعروف، وإذن فلا شبهة بينه وبين عقود التأمين فإنها معاوضات مالية تجارية استغلالية يقصد بها الربح، فالفرق واضح بين مكافآت من أولياء أمور الأمة المسئولين عن رعيتهم لمن قام بخدمة الأمة أو من يعنيه أمره، جزاء معروفه - وبين عقود معاوضات تجارية تقصد بها شركات التأمين استغلال المستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة.

стр. 2290

ز - قياس التأمين على نظام العواقل في الإسلام: نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في بيان العاقلة ثم نذكر بعده كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الدليل مع المناقشة. أما كلام الفقهاء السابقين: فقال السمرقندي: ثم العاقلة من هم؟ فعندنا العاقلة: هم أهل الديوان في حق من له الديوان، وهم المقاتلة، ومن لا ديوان له فعاقلته من كان من عصبته في النسب. وعند الشافعي: لا يلزم أهل الديوان إلا أن يكونوا من النسب. والصحيح: قولنا؛ لما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانت الدية على القبائل، فلما وضع عمر ﵁ الدواوين جعلها على أهل الديوان وذلك بحضرة الصحابة ﵃ من غير خلاف، وتبين أنه إنما كان على أهل القبائل للتناصر، فلما صار التناصر بالديوان اعتبر الديوان لوجود المعنى؛ ولهذا لا تكون المرأة والصبي والعبد والمدبر

стр. 2291

والمكاتب من جملة العاقلة؛ لأنهم ليسوا من أهل التناصر ولا من أهل الإعانة بالشرع (١) . وقال ابن جزي: وإنما تؤدي العاقلة الدية بأربعة شروط، وهي: أن تكون الثلث فأكثر، وقال ابن حنبل: تؤدي القليل والكثير، وأن تكون عن دم؛ احترازا من قيمة العبد، وأن تكون عن خطأ، وأن تثبت بغير اعتراف وإنما يؤديها منهم من كان ذكرا بالغا عاقلا موسرا في الدين والدار، وتوزع عليهم حسب حالهم في المال، فيؤدي كل واحد منهم ما لا يضر به ويبدأ بالأقرب فالأقرب (٢) . وقال الشافعي: لم أعلم مخالفا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة، وهذا أكثر من حديث الخاصة، ولم أعلم مخالفا في أن العاقلة العصبة وهم القرابة من قبل الأب، وقضى عمر بن الخطاب على علي بن أبي طالب ﵄ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب وقضى للزبير بميراثهم؛ لأنه ابنها. قال: وعلم العاقلة أن ينظر إلى القاتل والجاني ما دون القتل مما تحمله العاقلة من الخطأ، فإن كان له إخوة لأبيه حمل عليهم جنايته على ما تحمل العاقلة، فإن احتملوها لم ترفع إلى بني جده وهم عمومته، فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جده، فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جد أبيه، ثم هكذا ترفع إذا عجز عنها أقاربه إلى أقرب الناس به ولا ترفع إلى بني أب

стр. 2292

ودونهم أقرب منهم حتى يعجز عنها من هو أقرب منهم، كأن رجلا من بني عبد مناف جنى فحملت جنايته بنو عبد مناف فلم تحملها بنو عبد مناف فترفع إلى بني قصي فإن لم تحملها رفعت إلى بني كلاب فإن لم تحملها رفعت إلى بني مرة فإن لم تحملها رفعت إلى بني كعب فإن لم تحملها رفعت إلى بني غالب فإن لم تحملها رفعت إلى بني فهر فإن لم تحملها رفعت إلى بني مالك فإن لم تحملها رفعت إلى بني النضر فإن لم تحملها رفعت إلى بني كنانة كلها ثم هكذا حتى تنفد قرابته أو تحتمل الدية. قال: ومن في الديوان ومن ليس من العاقلة سواء، قضى رسول الله ﷺ على العاقلة ولا ديوان حتى كان الديوان حين كثر المال في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وقال أيضا: ولم أعلم مخالفا في أن المرأة والصبي إذا كانا موسرين لا يحملان من العقل شيئا، وكذلك المعتوه - عندي - والله أعلم، ولا يحمل العقل إلا حر بالغ ولا يحملها من البالغين فقير. فإذا قضي بها وهو رجل فقير فلم يحل نجم منها حتى أيسر أخذ بها، وإن قضي بها وهو غني ثم حلت وهو فقير طرحت عنه إنما ينظر إلى حاله يوم حل. . . إلخ (١) . وقال الفتوحي: وهي من غرم ثلث دية فأكثر بسبب جناية غيره وعاقلة جان ذكور عصبته نسبا وولاء حتى عمودي نسبه ومن بعد (٢) .

стр. 2293

وأما كلام بعض الفقهاء المعاصرين: فقال الأستاذ مصطفى الزرقاء: وأما نظام العواقل في الإسلام فهو نظام وردت به السنة النبوية الصحيحة الثبوت، وأخذ به أئمة المذاهب. وخلاصته أنه إذا جنى أحد جناية قتل غير عمد بحيث يكون موجبها الأصلي الدية أو القصاص فإن دية النفس توزع على أفراد عاقلته الذين يحصل بينه وبينهم التناصر عادة، وهم الرجال البالغون من أهله وعشيرته وكل من يتناصر هو بهم ويعتبر هو واحدا منهم، فتقسط الدية عليهم في ثلاث سنين بحيث لا يصيب أحدا منهم أكثر من أربعة دراهم في السنة فإذا لم يف عدد أفراد العشيرة بمبلغ الدية في ثلاث سنين يضم إليهم أقرب القبائل والأقارب نسبا على ترتيب ميراث العصبات، فإذا لم يكن للقاتل عشيرة من الأقارب والأنساب وأهل التناصر كما لو كان لقيطا مثلا - كانت الدية في ماله تقسط على ثلاث سنين، فإن لم يكن له مال كاف فعاقلته بيت المال العام، أي: خزانة الدولة فهي التي تتحمل دية القتيل. وهناك اختلافات يسيرة بين المذاهب في الموضوع. ينظر ابن عابدين جزء \ ٥، كتاب المعاقل وغيره من كتب المذاهب. إن هذا النظام نظام العواقل خاص بتوزيع الموجب المالي في كارثة القتل الخطأ وتهدف الحكمة فيه إلى غايتين: الأولى: تخفيف أثر المصيبة عن الجاني المخطئ. والثانية: صيانة دماء ضحايا الخطأ من أن تذهب هدرا؛ لأن الجاني المخطئ قد يكون فقيرا لا يستطيع التأدية فتضيع الدية. قال ابن عابدين ﵀ في أول كتاب المعاقل من حاشيته [رد

стр. 2294

المختار] نقلا عن المعراج ما نصه: إن العاقلة يتحملون باعتبار تقصيرهم وتركهم حفظه ومراقبته وخصوا بالضم؛ لأنه إنما قصر لقوته بأنصاره، فكانوا هم المقصرين، وكانوا قبل الشرع الإسلامي يتحملون عنه تكرما واصطناعا بالمعروف، فالشرع قرر ذلك - أي: أوجبه وجعله إلزاميا - وتوجد هذه العادة بين الناس، فإن لحقه خسران من سرقة أو حرق يجمعون له مالا لهذا المعنى. انتهى كلام ابن عابدين. أقول: إن هذا الكلام صريح في أن نظام العواقل في الإسلام أصله عادة حسنة تعاونية كانت قائمة قبل الإسلام في توزيع المصيبة المالية الناشئة من القتل أو من الحرق أو السرقة ونحوها بغية تخفيف ضررها عن كاهل من لحقته؛ جبرا لمصابه، وإحياء لحقوق الضحايا في الجنايات، وقد أقر الشرع الفكرة لما فيها من مصلحة مزدوجة وجعلها إلزامية في جناية القتل؛ لأن فيها مسئولية متعدية بسبب التناصر، وذلك بعد إخراج حالة العمد منها كما يقتضيه التنظيم القانوني، يقول الرسول ﵊: «لا تعقل العواقل عمدا (١) » ، لكي لا يكون في معاونة العامة تشجيع على الجريمة، وهذا هو المنطق القانوني نفسه في عدم جواز التأمين من المسئولية قانونا عن فعل الغش وجناية العمد. وتركها اختيارة للمروءات؛ وفقا للتوجيه الشرعي العام في التعاون المندوب إليه شرعا في الكوارث المالية الأخرى.

стр. 2295

فما المانع من أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث يجعله ملزما بطريق التعاقد والإرادة الحرة كما جعله الشرع إلزاميا دون تعاقد في نظام العواقل؟ وهل المصلحة التي يراها الشرع الإسلامي بالغة من القوة درجة توجب جعلها إلزامية بحكم الشرع تصبح مفسدة إذا حققها الناس على نطاق واسع بطريق التعاقد والمعاوضة التي يدفع فيها القليل؛ لصيانة الكثير وترميم الضرر الكبير من مختلف الكوارث؟ وذلك لكي يصبح هذا الباب قابلا لأن يستفيد منه كل راغب، مع ملاحظة أن هذا التوسع في النطاق داخل في دائرة التعاون المندوب إليه شرعا بصورة غير إلزامية. يقول ابن القيم ﵀ في صدد ما يجوز من المشارطات العقدية شرعا: كل ما يجوز بذله وتركه دون اشتراط فهو لازم بالشرط. انظر [إعلام الموقعين] ، طبعة المنيرية ج ٣ ص ٣٣٩، ٣٤٠ (١) ا. هـ. واعترض عليه: بأن العاقلة أسرة يربطها الدم وتربطها الرحم الموصولة والتي أمر الله تعالى بوصلها، ويربطها التعاون على البر والتقوى، ويربطها التعاون في تحمل الغرم والاشتراك في كسب الغنم فهل يشبهها بأي وجه من وجوه الشبه عقد جعلي ينشأ بالإرادة يكون بين شركة مستغلة، وطرف آخر يقدم إليها مالا كل عام أو كل شهر؟ إننا نستغرب كل الاستغراب هذا القياس بعد بيان الأستاذ الفاضل، بل إننا من بعده أشد استغرابا (٢) . وأجيب عن ذلك: بأن تشبيه عقد التأمين بنظام العواقل في الإسلام من

стр. 2296

حيث فكرة التعاون لا يستلزم أن تكون شركة التأمين أسرة أو عشيرة للمؤمن له، كما أن العاقلة هي أسرة الجاني في القتل الخطأ. إن من المقرر في علم أصول الفقه أن طريق القياس الذي إليه يرجع الفضل الأعظم في تضخم الفقه الإسلامي هذه الضخامة لا يجب فيه الاتحاد المطلق في الصورة بين المقيس والمقيس عليه وإلا لما كان عندئذ حاجة لإجراء القياس إذ يكون المقيس عندئذ فردا من أفراد المقيس عليه يدخل مباشرة تحت النص الشرعي الذي يقرر الحكم في المقيس عليه، بل يكفي في القياس التشابه بين المقيس والمقيس عليه في نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهي العلة، وهذا ما رأيناه في نظام العواقل الإسلامي، ونظام التأمين الحديث في بعض فروعه، ففي نظام العواقل تعاون إلزامي شرعا في تحمل المسئولية المالية عن القتل الخطأ، وفي نظام التأمين تعاون اختياري بطريق التعاقد على توزيع الموجب المالي (المسئولية المدنية) في حال التأمين من المسئولية وهو أحد فروع نظام التأمين، فما أوجبه الشرع إيجابا في بعض الأحوال دون تعاقد؛ لما فيه من مصلحة يمكن أن يسوغ نظيره تسويغا بطريق التعاقد في صور أخرى لمصالح أخرى تشبه تلك في المصلحة من حيث النفع التجاري والاقتصادي بوجه عام، وتخفيف نتائج الكوارث والأخطار عمن يصاب بها، وذلك بطريقة فنية؛ لتوزيعها وتشتيتها (١) . ويمكن أن يقال: لا يصح قياس عقد التأمين على نظام العواقل في

стр. 2297

الإسلام؛ لأنه قياس مع الفارق وتقرير ذلك من وجوه: الوجه الأولى: أن الهدف من تحمل العاقلة عن الجاني هو النصرة الشرعية بكل ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى، والهدف من إنشاء عقد التأمين ما هو إلا الاستغلال المحض للشركة المتعاقدة مع المستأمن. الوجه الثاني: نظام العواقل الخطر الذي يتحمل تراه مشتركا، فكل فرد من أفراد العاقلة عضو يناله حظه من القسط الواجب عليه، وقد يقع منه شيء وقد لا يقع. وإذا وقع منه شيء يوجب تحمل العاقلة عنه فقد يكون أقل مما دفع أو أكثر أو مساويا، وليس بين ما يدفعه في حالة حصول الحادث من غيره وبين ما يدفع عنه في حالة وقوعه في الخطأ أي ارتباط لكن بينهما ارتباط في موجب العقل فكان واضحا في باب التعاون وتحمل المسئولية. الوجه الثالث: أن القدر الذي يحمله الفرد من أفراد العاقلة يختلف باختلاف أوصاف الأفراد من غني وفقير ودرجة متوسطة بينهما، فالفقير لا يحمل شيئا، وما يقدر عليه الغني والمتوسط يختلف باختلافهما، أما في عقد التأمين فالمقدر على الشركة إذا وقع الخطر يؤخذ حتما، سواء كانت غنية أو فقيرة فإن كانت غنية استلم منها وإن كانت فقيرة بقي في ذمتها، وسواء أجحف بها أو لم يجحف بها، فأين هذا من نظام العواقل؟ الوجه الرابع: ما تتحمله العاقلة مقدر شرعا وهو الدية أما في عقد التأمين فيؤخذ المبلغ الموقع عليه في العقد سواء كان أقل من الدية أو أكثر - هذا في التأمين على الحياة -.

стр. 2298

ح - قياس التأمين على عقد الحراسة: نذكر فيما يلي ما تيسر من كلام الفقهاء السابقين في حكم عقد الحراسة . ثم نذكر بعده كلام الفقهاء المعاصرين في الاستدلال بهذا القياس على الجواز: أما كلام بعض الفقهاء السابقين: فقال أبو محمد بن غانم بن محمد البغدادي في أثناء الكلام على الأجير الخاص قال: النوع الثاني: ضمان الحارس، استأجر رجلا؛ لحفظ الخان فسرق من الخان شيء، لا ضمان عليه؛ لأنه يحفظ الأبواب، أما الأموال فإنها في يد أربابها في البيوت، وروي عن أحمد بن محمد القضي في حارس يحرس الحوانيت في السوق فنقب حانوتا فسرق منه شيء: أنه ضامن؛ لأنه في معنى الأجير المشترك، لأن لكل واحد حانوتا على حدة فصار بمنزلة من يرعى غنما لكل إنسان شاة ونحو ذلك. وقال الفقيه أبو جعفر الفقيه أبو بكر: الحارس أجير خاص ألا يرى أنه لو أراد أن يشغل نفسه في موضع آخر لم يكن له ذلك فلا يضمن الحارس إذا نقب حانوت؛ لأن الأموال محفوظة في يد ملاكها وهو الصحيح، وعليه الفتوى من المشتمل. وفي الخلاصة: حارس يحرس الحوانيت في السوق فنقب حانوت رجل فسرق منه شيء، لا يضمن؛ لأن الأموال في يد أربابها، وهو حافظ الأبواب كذا قال الفقيه أبو جعفر، وعليه الفتوى، قال: وهذا قولهما أما عند أبي حنيفة لا يضمن مطلقا وإن كان في يده؛ لأنه أجير. اهـ. الخاني المستأجر لحفظ الأمتعة ليلا ونهارا ذهب إلى الحمام بعد

стр. 2299

طلوع الفجر قبل طلوع الشمس وتركها بلا حافظ مفتوحة فكسر السارق مغلاق الأنبار خانه وسرق ما فيه لا يضمن ليلا كان أو نهارا ولو سرق من الكنار التي في الصحن يضمن من القنية. وفي الوديعة من الخلاصة خان فيه منازل وبيوت وكل بيت مقفل في الليل فخرج من مقفل وترك باب الخان مفتوحا فجاء سارق ونقب بيتا وسرق منه مالا فإنه لا يضمن فاتح الباب وهو يظهر من باب فتح القفص. اهـ. وقال البهوتي: واختار الشيخ صحة ضمان حارس ونحوه (١) .

стр. 2300

وأما كلام الفقهاء المعاصرين في الاستدلال بقياس عقد التأمين على عقد الحراسة: فقد بينه الأستاذ الزرقاء بقوله: الأجير الحارس هنا - وإن كان مستأجرا على عمل يؤديه هو القيام بالحراسة - نجد أن عمله المستأجر عليه ليس له أي أثر أو نتيجة سوى تحقيق الأمان للمستأجر على الشيء المحروس، واطمئنانه إلى استمرار سلامته من عدوان شخص أو حيوان يخشى أن يسطو عليه، فهو ليس كعمل الصانع فيما استؤجر على صنعه وعمل الخادم في الخدمة المستأجر عليها وعمل الناقل في نقل الأشياء التي استؤجر لنقلها فنقلها إلى مكان لم تكن فيه، فكل هذه أعمال منتجة نتيجة محسوسة يقوم بها الأجير، أما

стр. 2301

الحارس فليس لعمله أية نتيجة سوى هذا الأمان الذي بذل المستأجر جزء ماله للحصول عليه، فكذا الحال في عقد التأمين يبذل فيه المستأمن جزءا من ماله في سبيل الحصول على الأمان من نتائج الأخطار التي يخشاها (١) . وأجاب الأستاذ أبو زهرة ﵀ عن ذلك: بمنع أن يكون محل العقد هو الأمان، فقال: إننا نفهم أن يكون الأمان باعثا على العقد ولا نفهم أن يكون محل العقد فمن يشتري عقارا محل العقد هو العقار والباعث هو السكنى أو الاستغلال، ولا يعد الاستغلال محلا، والأمان أمر معنوي لا يباع ولا يشترى، وهو أمر نفسي يتصل بالنفس قد يأتي بغير ثمن وقد يدفع فيه الثمن الكثير ولا أمان، ولا نعرف عقدا من العقود الإسلامية والمدنية محل العقد فيه الأمان حتى نلحق به ذلك العقد الغريب ولكن الأستاذ حفظه الله يفكر، ثم يأتي لنا بعقد الحراسة ويعتبر محل العقد فيها الأمان ويلحق به عقد التأمين غير الاجتماعي كما تلحق الأشياء بأشباهها. ونقول له: إن الأمان في عقد الحراسة غاية وليس محلا للعقد، وطرفا العقد فيه هما: الأجير والمستأجر، وأحب أن أقول: إن الأجير هنا أجير واحد، أي: أجير خاص يأخذ الأجرة في نظير القرار في مكان معين يكون فيه قائما بالحراسة، والأجرة فيه على الزمن لا على مجرد العمل، ومن المؤكد أنه ليس محل العقد هو الأمان وعدم السرقة، وإلا ما استحق الأجرة إذا قام بالحراسة على وجهها وسرق المكان المحروس. وأن الأستاذ يقول في رد هذا الكلام بالنص: (العقود جميعا إنما شرعت

стр. 2302

بحسب غايات ونتائجها، فما هي غاية عقد الحراسة؟ وما هو ذلك الأثر الذي يحصل من عمل الحارس؟ الجواب واضح، وهو أن ذلك الأثر ليس سوى أمان المستأجر واطمئنانه) . وأقول للأستاذ الجليل: إني لا أسيغ هذا الكلام؛ لأن آثار العقود لا تسمى محل العقود، فإذا اشتريت عقارا لأسكنه أتعد غايتي هذه هي محل العقد؟ وهل يعد البائع ضامنا إلى هذه السكنى بحيث إذا اشتريته وتبين لي أنه لا يصلح لسكناي أو لا يصلح للسكنى يكون البيع باطلا مع أني عاينت ونظرت ثم اشتريت (١) .

стр. 2303

ط - قياس التأمين على الإيداع: وبيانه: أن المودع إذا أخذ أجرة عن الوديعة يضمنها إذا هلكت فكذلك المؤمن يضمن؛ لأنه يأخذ من المستأمن مبلغا من المال على أن يؤمنه من خطر معين، ويجاب عن هذا بقول ابن عابدين: والفرق بينه وبين الأجير المشترك أن المعقود عليه في الإجارة هو العمل، والحفظ واجب عليه تبعا، أما المودع بأجرة فإن الحفظ واجب عليه مقصودا ببدل؛ فلذا ضمن، كما صرح بذلك فخر الدين الزيلعي في باب ضمان الأجير. وهنا لما أخذ المبدل بمقابلة الحفظ الذي كان واجبا عليه تبعا صار الحفظ واجبا عليه قصدا بالبدل، فيضمن لكن يبقى النظر في أنه هل يضمن مطلقا أو فيما يمكن الاحتراز عنه؟ والذي يظهر الثاني؛ لاتفاقهم في الأجير المشترك على عدم ضمانه فيما لا يمكن الاحتراز عنه، فالظاهر أن المودع بأجر كذلك؛

стр. 2304

لأن الموت والحريق ونحوهما مما لا يمكن ضمانه والتعهد بدفعه (١) انتهى. ويمكن أن يقال أيضا: بأن عقد التأمين عقد معاوضة تجارية بخلاف الإيداع فإن القصد به المساعدة بحفظ الوديعة لا الاتجار بها. . .

стр. 2305

ي - قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البز مع الحاكة: وصورتها: أنه في أواسط القرن الثامن وقعت مسألة بـ (سلا) على عهد قاضيها أبي عثمان سعيد العقباني تسمى: قضية تجار البز مع الحاكة. هي: أن تجار البز رأوا توظيف مغارم مخزنية ثقيلة عليهم فاتفقوا على أن كل من اشترى منهم سلعة دفع درهما عند رجل يثقون به، وما اجتمع من ذلك استعانوا به على الغرم، وأراد الحاكة منعهم بدعوى أنه يضر بهم، وينقص من ربحهم. قال العقباني: فحكمت بإباحة ذلك، بشرط ألا يجبر واحد من التجار على دفع الدراهم (١) . ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه قياس مع الفارق، فإن قضية تجار البز مع الحاكة من باب التأمين التبادلي، وهو تعاون محض، وعقود التأمين التي هي محل البحث عقود معاوضة تجارية يراد من ورائها الربح فلا يصح قياسها على قضية تجار البز مع الحاكة. .

стр. 2306

ك - التأمين فيه مصلحة، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبار المصالح نذكر فيما يلي الكلام في المراد بالمصلحة وفي الاحتجاج بها عند

стр. 2307

العلماء السابقين، ثم نذكر ما تيسر من كلام الفقهاء المعاصرين في بيان الاستدلال بهذا الدليل. أما كلام العلماء السابقين: فقال الآمدي في بيان المصلحة المرسلة: هي ما لم يشهد الشرع باعتبارها ولا إلغائها. وقد اتفقت الشافعية والحنفية وأكثر الفقهاء على امتناع التمسك بها إلا ما نقل عن مالك مع إنكار أصحابه لذلك عنه، والحق في ذلك مذهب الجمهور؛ لأن ما لا يكون معتبرا في الشرع لا يكون دليلا شرعيا، وما يقال: إنه ما من وصف مصلحي إلا وقد اعتبر ما هو من جنسه - غير صحيح؛ لأنه إن أريد المشاركة بينه وبين الوصف المعتبر في الجنس القريب منه فهو الملائم ولا نزاع فيه، وإن أريد به الجنس الغائي فكما قد شارك الوصف المعتبر فيه فقد شارك الأوصاف الملغاة فيه وليس إلحاقه بالمعتبر أولى من الملغى (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الطريق السابع: (المصالح المرسلة) وهو: أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة وليس في الشرع ما ينفيه، فهذه الطريق فيها خلاف مشهور، فالفقهاء يسمونها: (المصالح المرسلة) ، ومنهم من يسميها: الرأي. وبعضهم يقرب إليها الإنسان، وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم، فإن حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم ثمرته، وهذه مصلحة لكن بعض الناس يخص المصالح

стр. 2308

المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفي دفع المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين. وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين، ففي الدنيا، كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة من غير حظر شرعي، وفي الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي، فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال؛ ليحفظ الخمسة فقط فقد قصر. وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به، فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل، وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه، وربما قدم على المصالح المرسلة كلاما بخلاف النصوص وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعا، بناء على أن الشرع لم يرد بها ففوت واجبات ومستحبات أو وقع في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه. وحجة الأول: أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح، بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبارها. وحجة الثاني: أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصا ولا قياسا. والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله - غالبا - وهي تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك، فإن الاستحسان طلب الحسن والأحسن كالاستخراج، وهو

стр. 2309

رؤية الشيء حسنا - كما أن الاستقباح رؤيته قبيحا، والحسن هو المصلحة، فالاستحسان والاستصلاح متقاربان، والتحسين العقلي قول: بأن العقل يدرك الحسن، لكن بين هذه فروق، والقول الجامع: أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي ﷺ وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له، إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر أو أنه ليس بمصلحة، وإن اعتقده مصلحة؛ لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة، وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشرع ينفع في الدين والدنيا، ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة، كما قال تعالى في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) (٢) . وقال الشاطبي ﵀: المعنى المناسب الذي يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشهد الشرع بقبوله، فلا إشكال في صحته، ولا خلاف في إعماله وإلا كان مناقضة للشريعة كشريعة القصاص؛ حفظا للنفوس والأطراف وغيرها. والثاني: ما شهد الشرع برده، فلا سبيل إلى قبوله، إذ المناسبة لا تقتضي

стр. 2310

الحكم لنفسها، وإنما ذلك مذهب أهل التحسين العقلي، بل إذا ظهر المعاني وفهمنا من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام، فحينئذ نقبله، فإن المراد بالمصلحة عندنا ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال، فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى، بل يرده، كان مردودا باتفاق المسلمين. ومثاله: ما حكى الغزالي عن بعض أكابر العلماء: أنه دخل على بعض السلاطين فسأله عن الوقاع في نهار رمضان، فقال: عليك صيام شهرين متتابعين، فلما خرج راجعه بعض الفقهاء، وقالوا له: القادر على إعتاق الرقبة كيف يعدل به إلى الصوم، والصوم وظيفة المعسرين، وهذا الملك يملك عبيدا غير محصورين؟ فقال لهم: لو قلت له عليك إعتاق رقبة لاستحقر ذلك وأعتق عبيدا مرارا، فلا يزجره إعتاق الرقبة ويزجره صوم شهرين متتابعين،. . . . . إلى أن قال: الثالث: ما سكتت عنه الشواهد الخاصة، فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه. فهذا على وجهين: أحدهما: أن يرد نص على وفق ذلك المعنى؛ كتعليل منع القتل للميراث بالمعاملة بنقيض المقصود، بتقدير أن لم يرد نص على وفقه، فإن هذه العلة لا عهد بها في تصرفات الشرع بالفرض ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر، فلا يصح التعليل بها، ولا بناء الحكم عليها باتفاق، ومثل هذا تشريع من القائل به فلا يمكن قبوله. والثاني: أن يلائم تصرفات الشرع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين، وهو الاستدلال المرسل

стр. 2311

المسمى بالمصالح المرسلة، ولا بد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله. وذكر عشرة أمثلة لذلك، ثم قال: فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة، وتبين لك اعتبار أمور: أحدها: الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله. والثاني: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على دون (١) المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية؛ لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل؛ كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره، والحج ونحو ذلك. ثم ذكر مجموعة أمثلة توضح ذلك ثم قال: والثالث: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري، ورفع حرج لازم في الدين وأيضا مرجعها إلى حفظ الضروري، من باب (ما لا يتم الواجب إلا به. . .) فهي إذا من الوسائل لا من المقاصد. ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التشديد. اهـ. (٢) .

стр. 2312

وأما كلام الفقهاء المعاصرين في بيان وجه الاستدلال بهذا الدليل: فقال عبد الرحمن عيسى: ومن الإنصاف أن نقرر أن التأمين نشأ وليد الحاجة، ولم تزل عملياته تتعدد وتتنوع تبعا لما يحققه من مصالح اقتصادية

стр. 2313

كبيرة فقلما نجد باخرة تعبر البحار إلا مؤمنا عليها، وقلما نجد البضائع تشحن من الخارج بحرا أو جوا إلا مؤمنا عليها وكذلك قلما نجد العمارات الشاهقة والمتاجر الكثيرة إلا مؤمنا عليها ضد الحريق، وكذلك مخازن البنوك ومخازن الشركات للقطن والحبوب وغيرها مؤمن عليها ضد الحريق، وكذلك مخازن البترول والزيوت ومخازن الأخشاب وكذلك المصانع الكثيرة وعمالها مؤمن عليها، وكذلك السيارات والطائرات فقد دفعت قواعد الاقتصاد الناس دفعا إلى التأمين لدى شركات التأمين، ليأمنوا الكوارث المالية الفادحة التي يتعرضون لها نظير ما يدفعون لشركات التأمين من مال لا يذكر بجانب الكوارث والخسارة إذا نزلت بفرد منهم. وكم سمعنا من قبل التأمين عن بيوت عظيمة للتجار خربت بغرق بضائعهم وسفنهم، وكم سمعنا عن محال تجارية نشيطة أكلتها النيران وأمسى ذووها يتكففون الناس، وكم وكم من كوارث حلت بذوي الحظ العاثر فبددت الثروات وجلبت الذل والخسران، ولكن التأمين وقد انتشر وظهرت آثاره حقق معناه، فأمن الناس من هذه الكوارث المخربة للديار العامرة وخففت من فداحتها. فعن رضا تام من طالب التأمين يتعاقد مع شركة التأمين ويدفع أقساط التأمين، وعن رضا تام من الشركة تتعاقد معه وتدفع قيمة الخسارة إذا نزلت به فإنها تجمع منه ومن غيره مبالغ كثيرة، وفي الغالب تكون السلامة بحيث يبقى لها بعد سداد الخسائر أرباح كثيرة (١) .

стр. 2314

وقال الأستاذ عبد الرحمن عيسى أيضا: وقد قرر العلماء أن المصالح العامة إذا كانت تناسب حكما شرعيا فإن ذلك الحكم الذي تناسبه يثبت للعمل الذي يحقق المصلحة العامة، اعتبارا بهذا الوصف المناسب للحكم، ولهم في ذلك سلف عظيم، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فقد جمع أبو بكر ﵁ القرآن في صحف بعد موقعة اليمامة؛ خوفا من ضياعه بقتل القراء ولم يكن ذلك من قبل أبي بكر. وقد نسخ عثمان بن عفان من هذه الصحف أربعة مصاحف ووزعها على الأقطار، وأمر بحرق كل صحيفة تخالف الصحف؛ منعا لاختلاف الناس في القرآن. ولعمر بن الخطاب من ذلك الكثير لإثبات الحكم الشرعي للعمل الذي يحقق المصلحة العامة فهو الذي أنشأ الدواوين، وأنشأ البريد، بل قد أسقط عمر سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، مع أنها صنف من الأصناف الثمانية الذين تصرف لهم الزكاة؛ وذلك لأن عمر ﵁ رأى أن هذا الصنف كان يأخذ من الزكاة مراعاة لمصلحة المسلمين إذ كان فيهم ضعف، وكانوا في حاجة إلى تألف هذا الصنف، ولكن لما قويت شوكة المسلمين ولم يصيروا في حاجة إلى تأليف هؤلاء، رأى عمر ﵁ وهو البصير بأمر المسلمين ألا مصلحة في إعطاء هذا الصنف من الزكاة، بل المصلحة في منعهم لئلا يظن بالمسلمين الضعف. كذلك أسقط عمر أيضا حد السرقة عن السارق عام المجاعة؛ لأن المجاعة لما اشتدت ربما تكون هي التي دفعت تحت تأثير العوامل الطبيعية إلى السرقة؛

стр. 2315

ليحصل السارق على الطعام الذي لا يكاد يجده، فتكون حالة الضرورة هي الدافع على السرقة فاقتضى عدم إقامة الحد؛ مراعاة لهذه العوامل الطبيعية. فهذه المواقف وأمثالها من الخلفاء الراشدين على مشهد من أصحاب رسول الله ﷺ مع عدم إنكارهم - دليل على أنهم يرون أن المصالح العامة من الأمور المناسبة للحكم الشرعي، والتي ينبني عليها ثبوت ذلك الحكم. . . . وقد بينا بوضوح تام أن التأمين يحقق مصالح عامة هامة فيكون حكمه الجواز شرعا؛ اعتبارا لما يحققه من المصالح العامة (١) . وقال أيضا: قد يبدو ما قررناه ظاهرا وجليا من أن التأمين يحقق الصالح العام بالنسبة للتأمين ضد أخطار الملكية؛ كالتأمين ضد الحريق وضد الغرق وضد السرقة. وقد يبدو محتاجا إلى ظهور وجلاء بالنسبة للتأمين على الحياة وضد سائر الأخطار الشخصية فنجلي عمليات التأمين بالنسبة للأخطار الشخصية بما يأتي: إن التأمين على الحياة وضد سائر الأخطار؛ كالتأمين على بعض الحواس كالسمع والبصر، وغيرهما أو على بعض أجزاء الجسم كاليدين والساقين وغيرهما، هذا التأمين يحقق الصالح العام في الصناعات والمهن الخطيرة، فيه تخفيف آلام الكوارث التي تنزل برجال الصناعات، وتهون الشدائد التي تقع على المخاطرين من رجال الأعمال؛ لهذا يكون التأمين
следующие страницы →