← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

٣ - بيع بيعتين في بيعة. ٤ - بيع المضطر. ٥ - بيع الإنسان ما ليس عنده، وبيعه ما اشتراه قبل قبضه. بيان ما يمكن القضاء به على جشع التجار الذين يحتالون بأنواع من البيوع المحرمة على استغلال حاجة المضطرين. وفيما يلي الكلام على كل منها: والله الموفق. . . أولا: الأصل في المعاملات: الإباحة حتى يثبت من أدلة الشرع ما يخرجها عن هذا الأصل. ثانيا: من القواعد الفقهية العامة المتفق عليها: أن الأمور تعتبر بمقاصدها؛ لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات (١) » . . . الحديث، وعلى هذا يجب سد ذرائع الشر والفساد، وإبطال الحيل التي يتوسل بها إلى تحليل المحرمات، وإباحة المنكرات. ثالثا: الأصل في المعاوضات المالية التقابض ويجب ذلك فيما إذا كان العوضان ربويين ولو اختلفا صنفا؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁، أن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد (٢) » رواه أحمد ومسلم، غير أن الدليل من القرآن والسنة القولية والعملية قد دل على جواز تأجيل أحد العوضين في الجملة إذا كان الثمن ذهبا أو فضة وكان الآخر طعاما أو عقارا أو عروضا أخرى أو كان كل من العوضين أو أحدهما غير ربوي، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣)

стр. 2417

الآيتين، وروى ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم (١) » رواه الجماعة. وعن أنس ﵁ قال: «رهن النبي ﷺ درعا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله (٢) » رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه. وعن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد (٣) » وفي لفظ: «توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير (٤) » رواهما البخاري ومسلم. لكن من ضعف في نفسه الوازع الديني، وأصيب بداء الجشع من التجار ومن في حكمهم قد يتبايعون بيوعا صورية يحاولون بها إحلال ما حرم الله من الربا، وقد ينتهزون فرص الحاجة أو الضرورة فيبيعون بأسعار باهظة إلى أجل أو يشترون بضاعة مؤجلة بثمن بخس منقود إلى غير ذلك مما فيه تحكم الموسر بالمعسر، واستغلال ظروف حاجة الضعفاء والمضطرين، فاقتضى ذلك بحث أنواع من عقود البيع لبيان ما يجوز منها وما يمتنع أو تحوم حوله الريبة، وتبصير الناس بذلك وبعث الوعي فيهم والنصح لهم ثم إيجاد الحلول الناجحة لكف عبث العابثين والقضاء على حيل المحتالين للتلاعب بالشريعة والإضرار بالناس وأكل أموالهم بالباطل. ومن البيوع التي قد يدخلها انتهاز الفرص والاستغلال ويتأتى فيها التمويه والاحتيال: بيوع الآجال والعينة والتورق وبيع المسلم فيه وبيع

стр. 2418

المضطر وبيع بيعتين في بيعة وبيع الإنسان ما ليس عنده وبيع ما اشتراه قبل قبضه، وفيما يلي تحديد معنى كل منها، وذكر آراء الفقهاء في حكمه مع التوجيه والمناقشة، وبيان ما قد يدخله من احتيال يغير حكمه.

стр. 2419

١ - بيع العينة والتورق: تعريف العينة والتورق لغة وشرعا: العينة: بكسر العين المهملة، ثم ياء تحتية ساكنة، ثم نون، قال الجوهري: العينة بالكسر: السلف، وقال في [القاموس] : وعين أخذ بالعينة بالكسر أي: السلف أو أعطى بها قال: والتاجر باع سلعته بثمن إلى أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن. اهـ. قال الرافعي: وبيع العينة: هو أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر. اهـ. قال ابن رسلان [في شرح السنن] : وسميت هذه المبايعة عينة لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتري بها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه من فوره ليصل بها إلى مقصوده. اهـ. من [نيل الأوطار] . وأما التورق: فقال [صاحب القاموس] : وتورقت الناقة: أكلت الورق، وما زلت منك موارقا قريبا مدانيا، والتجارة مورقة للمال كمجلبة: مكثرة. ويأتي زيادة بيان لذلك فيما نقل من آراء الفقهاء في الفقرة الثانية إن شاء الله.

стр. 2420

آراء الفقهاء في حكم العينة والتورق مع التوجيه والمناقشة: أ - قال صاحب [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع] في الكلام على ما حرم احتياطا لما فيه من شبهة الربا؛ لحديث: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات (١) » . . .، وحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٢) » . قال: وعلى هذا يخرج ما إذا باع رجل شيئا نقدا أو نسيئة وقبضه المشتري ولم ينقد ثمنه أنه لا يجوز لبائعه أن يشتريه من مشتريه بأقل من ثمنه الذي باعه منه عندنا، وعند الشافعي ﵀ يجوز. وجه قوله: أن هذا بيع استجمع شرائط جوازه وخلا عن الشروط المفسدة إياه فلا معنى للحكم بفساده كما إذا اشتراه بعد نقد الثمن. ولنا: ما روي أن امرأة جاءت إلى سيدتنا عائشة ﵁، وقالت: إني ابتعت خادما من زيد بن أرقم بثمانمائة ثم بعتها منه بستمائة، فقالت سيدتنا عائشة ﵂: "بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا أن الله تعالى قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب ". ووجه الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنها ألحقت بزيد وعيدا لا يوقف عليه بالرأي وهو بطلان الطاعة بما سوى الردة، فالظاهر أنها قالته سماعا من رسول الله ﷺ ، ولا يلتحق الوعيد إلا بمباشرة المعصية، فدل على فساد البيع؛ لأن البيع الفاسد معصية. والثاني: أنها ﵂ سمت ذلك بيع سوء وشراء سوء، والفاسد هو الذي يوصف بذلك لا الصحيح، ولأن في هذا البيع شبهة الربا؛ لأن الثمن الثاني يصير قصاصا بالثمن الأول فبقي من الثمن الأول زيادة لا

стр. 2421

يقابلها عوض في عقد المعاوضة. وهو تفسير الربا إلا أن الزيادة ثبتت بمجموع العقدين فكان الثابت بأحدهما شبهة الربا، والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقية، بخلاف ما إذا نقد الثمن؛ لأن المقاصة لا تتحقق بعد الثمن فلا تتمكن الشبهة بالعقد. ولو نقد الثمن كله إلا شيئا قليلا فهو على الخلاف. ولو اشترى ما باع بمثل ما باع قبل نقد الثمن جاز بالإجماع لانعدام الشبهة، وكذا لو اشتراه بأكثر مما باع قبل نقد الثمن، ولأن فساد العقد معدول به عن القياس وإنما عرفناه بالأثر، والأثر جاء في الشراء بأقل من الثمن الأول فبقي ما وراءه على أصل القياس. هذا إذا اشتراه بجنس الثمن الأول فإن اشتراه بخلاف الجنس جاز؛ لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس إلا في الدراهم والدنانير خاصة استحسانا، والقياس أن لا يجوز (١) ؛ لأنهما جنسان مختلفان حقيقة فالتحقا بسائر الأجناس المختلفة. وجه الاستحسان: أنهما في الثمنية كجنس واحد فيتحقق الربا بمجموع العقدين فكان في العقد الثاني شبهة الربا وهي الربا من وجه. ولو تعيب المبيع في يد المشتري فباعه من بائعه بأقل مما باعه جاز؛ لأن نقصان الثمن يكون بمقابلة نقصان العيب فيلتحق النقصان بالعدم كأنه باعه بمثل ما اشتراه فلا تتحقق شبهة الربا.

стр. 2422

قال صاحب [بداية المبتدي] علي بن أبي بكر:

стр. 2423

ومن اشترى جارية بألف درهم حالة أو نسيئة فقبضها ثم باعها من البائع بخمسمائة قبل أن ينقد الثمن الأول لا يجوز البيع الثاني. وقال الشافعي ﵀: يجوز؛ لأن الملك قد تم فيها القبض فصار البيع من البائع ومن غيره سواء وصار كما لو باعه بمثل الثمن الأول أو بالزيادة أو بالعرض. ولنا قول عائشة ﵂ لتلك المرأة وقد باعت بستمائة بعدما اشترت بثمانمائة: " بئسما شريت واشتريت، أبلغي زيد بن أرقم: أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب "، ولأن الثمن لم يدخل في ضمانه، فإذا وصل إليه المبيع ووقعت المقاصة بقي له فضل خمسمائة وذلك بلا عوض، بخلاف ما إذا باع بالعرض؛ لأن الفضل إنما يظهر عند المجانسة.

стр. 2424

وقال ابن الهمام في [شرح فتح القدير] : قوله: ومن باع جارية بألف درهم حالة أو نسيئة فقبضها ثم باعها من البائع قبل نقد الثمن بمثل الثمن أو أكثر جاز، وإن باعها من البائع بأقل لا يجوز عندنا، وكذا لو اشترى عبده أو مكاتبه، ولو اشترى ولده أو والده أو زوجته فكذلك عنده، وعندهما يجوز لتباين الأملاك وكان كما لو اشتراه آخر وهو يقول: كل منهم بمنزلة الآخر؛ ولذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر، ولو اشترى وكيل البائع بأقل من الثمن الأول جاز عنده خلافا لهما؛ لأن تصرف الوكيل عنده يقع لنفسه؛ فلذا يجوز للمسلم أن يوكل ذميا بشراء خمر وبيعها عنده، ولكن ينتقل الملك إلى الموكل حكما، فكان كما لو اشترى لنفسه فمات فورثه البائع، وعندهما عقد الوكيل كعقده. ولو اشتراه

стр. 2425

وارثه يجوز في ظاهر الرواية عنهم. وعن أبي يوسف لا يجوز. ولو باعه المشتري من رجل أو وهبه ثم اشتراه البائع من ذلك الرجل يجوز لاختلاف الأسباب بلا شبهة، وبه تختلف المسببات، وبقولنا قال مالك وأحمد، وقيد بقوله: قبل نقد الثمن؛ لأن ما بعده يجوز بالإجماع بأقل من الثمن، وكذا لو باعه بعرض قيمته أقل من الثمن، وقال الشافعي ﵀: يجوز، كيفما كان كما لو باعه من غير البائع بأقل من الثمن أو منه بمثل الثمن الأول أو أكثر وبعرض قيمته أقل من الثمن بجامع قيام الملك فيه؛ لأنه هو المطلق في الأصول التي عينها وتقييده بالعرض دون أن يقول، كما لو باعه جنسه وقيمته أقل؛ لأنه لو باعه بذهب قيمته أقل من الدراهم، فالثمن لا يجوز عندنا استحسانا خلافا لزفر. وقياسه على العرض بجامع أنه خلاف جنسه، فإن الذهب جنس آخر بالنسبة إلى الدراهم. وجه الاستحسان: أنهما جنس واحد من حيث كونهما ثمنا، ومن حيث وجب ضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة فبطل البيع احتياطا، وألزم أن اعتبارهما جنسا واحدا يوجب التفاضل بينهما احتياطا. والجواب: أنه مقتضى الوجه ذلك، ولكن في التفاضل عند بيع أحدهما بعين الآخر إجماع (ولنا قول عائشة) إلى آخر ما نقله المصنف عن عائشة يفيد: أن المرأة هي التي باعت زيدا بعد أن اشترت منه وحصل له الربح؛ لأن شريت معناه: بعت، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (١) أي: باعوه، وهو رواية أبي حنيفة، فإنه روى في مسنده عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأة أبي السفر: (أن امرأة قالت لعائشة ﵂: إن زيد بن أرقم باعني جارية بثمانمائة درهم ثم اشتراها مني بستمائة، فقلت: أبلغيه عني

стр. 2426

أن الله أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب) ففي هذا أن الذي باع زيد ثم استرد وحصل الربح له. ولكن رواية غير أبي حنيفة من أئمة الحديث عكسه. روى الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم. فقالت أم ولد زيد لعائشة: إني بعت من زيد غلاما بثمانمائة درهم نسيئة واشتريته بستمائة نقدا، فقالت: أبلغي زيدا أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله ﷺ إلا أن تتوب، بئس ما اشتريت، وبئس ما شريت، وهذا فيه أن الذي حصل له الربح هي المرأة، قال ابن عبد الهادي في [التنقيح] : هذا إسناد جيد، وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، وقول الدارقطني في العالية: - هي مجهولة لا يحتج بها - فيه نظر، فقد خالفه غير واحد، ولولا أن عند أم المؤمنين علما من رسول الله ﷺ أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد. وقال غيره: هذا مما لا يدرك بالرأي. والمراد بالعالية: امرأة أبي إسحاق السبيعي التي ذكر أنها دخلت مع أم الولد على عائشة. قال ابن الجوزي: قالوا: إن العالية امرأة مجهولة لا يحتج بنقل خبرها. قلنا: هي امرأة جليلة القدر ذكرها ابن سعد في [الطبقات] فقال: العالية بنت أنفع بن شرحبيل امرأة أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة. وقولها: (بئس ما شريت) أي: بعت، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (١) أي: باعوه. وإنما ذمت العقد الأول؛ لأنه وسيلة، وذمت الثاني؛ لأن مقصوده الفساد. وروى هذا الحديث على هذا النحو عبد الرزاق قال:

стр. 2427

أخبرنا معمر والثوري عن أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت: كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتعتها منه بستمائة فنقدته الستمائة وكتب لي عليه ثمانمائة، فقالت عائشة: إلى قولها: إلا أن تتوب، وزاد: فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه أفضل؟ فقالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) لا يقال إن قول عائشة وردها لجهالة الأجل وهو البيع إلى العطاء. فإن عائشة كانت ترى جواز الأجل وهو البيع إلى العطاء ذكره في الأسرار وغيره. والذي عقل من معنى النهي أنه استربح ما ليس في ضمانه. ونهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن؟ وهذا لأن الثمن لا يدخل في ضمانه قبل القبض. فإذا عاد إليه الملك الذي زال عنه بعينه وبقي له بعض الثمن فهو ربح حصل لا على ضمانه من جهة من باعه، وهذا لا يوجد فيما إذا اشتراه بمثل الثمن أو أكثر فبطل إلحاق الشافعي بذلك. بخلاف ما لو باعه المشتري من غير البائع فاشتراه البائع منه؛ لأن اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأعيان حكما وكذا لو دخل في البيع عيب فاشتراه البائع بأقل؛ لأن الملك لم يعد إليه بالصفة التي خرج بها فلا يتحقق ربح ما لم يضمن، بل يجعل النقصان بمقابلة الجزء الذي احتبس عند المشتري، سواء كان ذلك النقصان بقدر ذلك العيب أو دونه. حتى لو كان النقصان نقصان سعر فهو غير معتبر في العقود؛ لأنه فتور في رغبات الناس فيه ليس من فوات جزء من العين، ولذلك إذا اشتراه بجنس آخر غير الثمن جاز؛ لأن الربح لا يتحقق عينه مع اختلاف الجنس؛ لأن الفضل إنما يظهر بالتقويم والبيع لا يعقب ذلك بخلافه بجنس الثمن الأول لظهوره بلا

стр. 2428

تقويم، وقد أورد عليه تجويز كون إنكار عائشة لوقوع البيع الثاني قبل قبض المبيع؛ إذ القبض لم يذكر في الحديث. قلنا: لا يصح هذا؛ لأنها ذمته لأجل الربا بقرينة تلاوة آية الربا وليس في بيع المبيع قبل القبض ربا. ولا يخفى ضعف هذا الواجب؛ لأن تلاوة الآية ظاهرة في كونها لاشتمالها على قبول التوبة جوابا لقول المرأة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه أفضل. كان هذا مع التوبة فتلت آية ظاهرة في قبول التوبة، وإن كان سوقها في القرآن في الربا. وأورد عليه طلب الفرق بين النهي عن بيع الولد الكائن مع أمه مفردا لم يوجب الفساد فلم أوجبه هذا النهي، أجيب: بأن النهي إذا كان لأمر يرجع إلى نفس البيع أوجبه وإن كان لأمر خارج لا. والنهي فيما ذكر للتفريق لا لنفس البيع حتى لو فرق بينهما بغير البيع أثم فيكره البيع في نفسه كالبيع وقت النداء وهنا هو لشبهة الربا وهو مخصوص بالبيع، ولشبهة الربا حكم حقيقة.

стр. 2429

ب- قال صاحب [مواهب الجليل لشرح مختصر خليل الحطاب] : (فصل) : (جاز لمطلوب من سلعة أن يشتريها ليبيعها بمال) لما فرغ ﵀ من الكلام على بيوع الآجال التي لا تخص أحدا عقبها ببيع أهل العينة لاتهام بعض الناس فيها، وهذا الفصل يعرف عند أصحابنا ببيع أهل العينة، والعينة: بكسر العين وهو فعلة من العون؛ لأن البائع يستعين بالمشتري على تحصيل مقاصده، وقيل: من العناء، وهو تجشم المشقة، وقال عياض في [كتاب الصرف] ؛ سميت بذلك لحصول العين وهو النقد لبائعها وقد باعها لتأخير، وقال قبله: هو أن يبيع الرجل الرجل السلعة بثمن معلوم إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن، أو يشتريها بحضرته من

стр. 2430

أجنبي ليبيعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراها به إلى أجل ثم يبيعها هذا المشتري الأخير من البائع الأول نقدا بأقل مما اشتراها به، وخفف هذا الوجه بعضهم ورآه أخف من الأول. وقال ابن عرفة: بيع أهل العينة هو البيع المتحيل به على دفع عين في أكثر منها. اهـ. وقسم ابن رشد - في رسم حلف أن لا يبيع من سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال، أو في سماع سحنون من كتاب البضائع والوكالات، وفي كتاب بيوع الآجال من المقدمات- العينة إلى ثلاثة أقسام: جائز، ومكروه، وممنوع، وجعلها صاحب [التنبيهات] في كتاب الصرف أربعة أقسام، وزاد وجها رابعا مختلفا فيه. وتبعهم المصنف، فأشار إلى الجائز بقوله: جاز لمطلوب منه سلعة أن يشتريها ليبيعها بمال وفي بعض النسخ بنماء أي: بزيادة وهو أحسن فإن هذا هو المقصود من العينة. قال في [المقدمات] : الجائز أن يمر الرجل بالرجل من أهل العينة، وقال في كتاب (السلم والآجال) : من البيان أن يأتي الرجل إلى رجل منهم يعني: من أهل العينة، فيقول: هل عندك سلعة كذا وكذا وكذا أبتاعها منك، وفي البيان تبيعها مني بدين فيقول: لا، فينقلب عنه على غير مراوضة ولا مواعدة فيشتري المسئول تلك السلعة التي سأله عنها ثم يلقاه فيخبره أنه اشترى السلعة التي سأله عنها فيبيعها منه، قال في [المقدمات] : بما شاء من نقد أو نسيئة، وقال في كتاب (البضائع والوكالات) : فيبيع ذلك منه بدين، وقال في [التنبيهات] : الجائز لمن لم يتواعد على شيء ولا يتراوض مع المشتري كالرجل يقول للرجل: أعندك سلعة كذا؟ فيقول: لا، فينقلب على غير مواعدة ويشتريها ثم يلقاه صاحبه فيقول: تلك السلعة

стр. 2431

عندي، فهذا جائز أن يبيعها منه بما شاء من نقد وكالئ ونحوه قال ابن حبيب: ما لم يكن تعريض أو مواعدة أو عادة، قال: وكذلك ما اشتراه الرجل لنفسه يعده لمن يشتريه منه بنقد أو كالئ ولا يواعد في ذلك أحدا يشتريه منه ولا يبيعه له، وكذلك الرجل يشتري السلعة لحاجة له فيبيعها أو يبيع دار سكناه ثم تشق عليه النقلة منها فيشتريها أو الجارية ثم تتبعها نفسه، فهؤلاء إما استقالوا أو زادوا في الثمن فلا بأس به. وذكر ابن مزين: لو كان مشتري السلعة يريد بيعها ساعتئذ فلا خير فيه ولا ينظر إلى البائع كان من أهل العينة أم لا. قال: فيلحق هذا الوجه بهذه الصورة على قوله بالمكروه. اهـ، فيكون على ما ذكره عياض هذا الوجه مختلفا فيه، والمشهور: أنه جائز، وقول ابن مزين: أنه مكروه، ولم يحك ابن رشد في جوازه خلافا وأشار المصنف إلى الوجه الرابع المختلف الذي زاده عياض بقوله: ولو بمؤجل بعضه، قال في [التنبيهات] : والرابع المختلف فيه: ما اشتري ليباع بثمن بعضه مؤجل وبعضه معجل فظاهر مسائل الكتاب والأمهات جوازه، وفي العتبية كراهته لأهل العينة لكن قال ابن غازي: ظاهر كلام المصنف أن هذا مفرع على مسألة المطلوب منه سلعة، كما يوهمه لفظ عياض، ثم ذكره، ثم قال: فقد يسبق للوهم أن قوله: بثمن يتعلق بقوله: ليباع، وليس ذلك بمراد، بل هو متعلق باشتر وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: ما اشتري بثمن مؤجل وبعضه معجل ليباع فهي إذا مسألة أخرى غير مفرعة على مسألة المطلوب منه وذكر من كلام صاحب [التنبيهات] ما يدل على ذلك، ثم ذكر عن البيان نحو ذلك، ثم قال: فإن قلت: لعل المصنف إنما فرعها على مسألة

стр. 2432

المطلوب منه سلعة تنبيها على أن المختار عنده من الخلاف الجواز وإن تركبت المسألة من الوصفين فتكون غير المركبة أحرى بالجواز، قلت: هذا أبعد ما يكون من التأويل، ولكن يقربه الظن الجميل، ويتقى العهدة في التزام جواز المركبة. اهـ. (قلت) : وقد يتلمح الجواز من قول ابن رشد فيبيعها بما شاء من نقد أو نسيئة ونحوه لعياض، كما تقدم.

стр. 2433

ج- قال النووي في [روضة الطالبين] : ليس من المناهي بيع العينة بكسر العين المهملة وبعد الياء نون وهو أن يبيع غيره شيئا بثمن مؤجل، ويسلمه إليه، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقل من ذلك الثمن نقدا، وكذا يجوز أن يبيع بثمن نقدا ويشتري بأكثر منه إلى أجل، سواء قبض الثمن الأول أم لا، وسواء صارت العينة عادة له غالبة في البلد، أم لا، هذا هو الصحيح المعروف في كتب الأصحاب، وأفتى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والشيخ أبو محمد: بأنه إذا صار عادة له، صار البيع الثاني كالمشروط في الأول، فيبطلان جميعا. اهـ. قال إسماعيل بن يحيى المزني الشافعي في المختصر المطبوع مع [الأم] : (باب الرجل يبيع الرجل السلعة إلى أجل ويشتريها بأقل من الثمن) قال الشافعي: ولا بأس بأن يبيع الرجل السلعة إلى أجل ويشتريها من المشتري بأقل بنقد وعرض وإلى أجل، قال بعض الناس: إن امرأة أتت عائشة فسألتها عن بيع باعته من زيد بن أرقم بكذا وكذا إلى العطاء ثم اشترته منه بأقل، فقالت عائشة: بئسما اشتريت وبئسما ابتعت أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. (قال الشافعي) : وهو

стр. 2434

مجمل، ولو كان هذا ثابتا فقد تكون عائشة عابت البيع إلى العطاء؛ لأنه أجل غير معلوم ونحن لا نثبت مثل هذا على عائشة وإذا كانت هذه السلعة كسائر مالي لم لا أبيع ملكي بما شئت وشاء المشتري؟

стр. 2435

د- قال ابن قدامة في [المغني] : (١) مسألة: قال: (ومن باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به) وجملة ذلك: أن من باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدا لم يجز في قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي. وبه قال أبو الزناد وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي وأجازه الشافعي؛ لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها. كما لو باعها بمثل ثمنها. ولنا: ما روى غندر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت أنفع بن شرحبيل أنها قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم امرأته على عائشة ﵂، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور. والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا بتوقيف سمعته من رسول الله ﷺ ، فجرى مجرى روايتها ذلك عنه، ولأن ذلك ذريعة إلى الربا

стр. 2436

فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل معلوم، وكذلك روي عن ابن عباس في مثل هذه المسألة أنه قال: أرى مائة بخمسين بينهما حريرة، يعني: خرقة حرير جعلاها في بيعهما. والذرائع معتبرة لما قدمناه. فأما بيعها بمثل الثمن أو أكثر فيجوز؛ لأنه لا يكون ذريعة، وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع. فإن نقصت مثل إن هزل العبد أو نسي صناعة أو تخرق الثوب أو بلي- جاز له شراؤها بما شاء؛ لأن نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا، وإن نقص سعرها أو زاد لذلك أو لمعنى حدث فيها لم يجز بيعها بأقل من ثمنها كما لو كانت بحالها، نص أحمد على هذا كله. (فصل) وإن اشتراها بعرض أو كان بيعها الأول بعرض فاشتراها بنقد- جاز. وبه قال أبو حنيفة، ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن التحريم إنما كان لشبهة الربا. ولا ربا بين الأثمان والعروض، فأما إن باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر مثل أن يبيعها بمائتي درهم ثم اشتراها بعشرة دنانير فقال أصحابنا: يجوز؛ لأنهما جنسان لا يحرم التفاضل بينهما. فجاز كما لو اشتراها بعرض أو بمثل الثمن. وقال أبو حنيفة: لا يجوز استحسانا؛ لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية، ولأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا. فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول وهذا أصح إن شاء الله تعالى. (فصل) وهذه المسألة تسمى: مسألة العينة. قال الشاعر: أندان أم نعتان أم ينبري لنا ... فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه؟ فقوله: نعتان، أي نشتري عينة مثل ما وصفنا. وقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم

стр. 2437

بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم (١) » . وهذا وعيد يدل على التحريم، وقد روي عن أحمد أنه قال: العينة: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس. وقال: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد. وقال ابن عقيل: إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا، فإن الغالب أن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالأجل، ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة وللبيع بنسيئة جميعا. لكن البيع بنسيئة ليس بمحرم اتفاقا، ولا يكره إلا أن لا يكون له تجارة غيره. (فصل) وإن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة. فقال أحمد في رواية حرب: لا يجوز ذلك، إلا أن يغير السلعة؛ لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا. فأشبه مسألة العينة. فإن اشتراها بنقد آخر أو بسلعة أخرى أو بأقل من ثمنها نسيئة جاز. لما ذكرناه في مسألة العينة. ويحتمل أن يجوز له شراؤها بجنس الثمن أو بأكثر منه. إلا أن يكون ذلك عن مواطأة أو حيلة فلا يجوز. وإن وقع ذلك اتفاقا من غير قصد جاز؛ لأن الأصل حل البيع. وإنما حرم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيه، وليس هذا في معناه، ولأن التوسل بذلك أكثر. فلا يلتحق به ما دونه. والله أعلم. (فصل) وفي كل موضع قلنا: لا يجوز له أن يشتري لا يجوز ذلك لوكيله؛ لأنه قائم مقامه ويجوز لغيره من الناس. سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما؛ لأنه غير البائع ويشتري لنفسه فأشبه الأجنبي.

стр. 2438

قال محمد بن مفلح في [الفروع] (١) : ولو باع شيئا نسيئة أو بثمن لم يقبضه، في ظاهر كلامه، وذكره القاضي وأصحابه والأكثر، ثم اشتراه بأقل مما باعه، قال أبو الخطاب والشيخ: نقدا، ولم يقله أحمد والأكثر، ولو بعد حل أجله، نقله ابن القاسم وسندي - بطل الثاني (نص عليه وذكره الأكثر، لم يجز استحسانا، وكذا في كلام القاضي وأصحابه القياس صحة البيع، ومرادهم أن القياس خولف لدليل) إلا أن يتغير في نفسه، أو يقبض ثمنه، أو بغير جنس ثمنه، وفي الانتصار وجه: بعرض، اختاره الشيخ، أو يشتريه بمثل ثمنه، أو من غير مشتريه، لا من وكيله. وسأله المروذي: إن وجده مع آخر يبيعه بالسوق أيشتريه بأقل؟ قال: لا، لعله دفعه ذلك إليه يبيعه، وتوقف في رواية مهنا فيما إذا نقص في نفسه، وحمله في الخلاف على أن نقصه أقل من النقص الذي اشتراه به، فتكون علة المنع باقية، وهذه مسألة العينة، وعند أبي الخطاب يجوز قياسا، وكذا في الترغيب: لم يجز استحسانا، وكذا في كلام القاضي وأصحابه: القياس صحة البيع، ومرادهم: أن القياس خولف لدليل راجح، فلا خلاف إذا في المسألة، وذكر شيخنا: أنه يصح الأول إذا كان بتاتا ولا مواطأة، وإلا بطلا، وأنه قول أحمد (و. م) ويتوجه أن مراد من أطلق هذا، إلا أنه قال (في الانتصار) : إذا قصدا بالأول الثاني يحرم. وربما قلنا ببطلانه، وقال أيضا: يحرم. إذا قصدا أن لا يصحا، وإن سلم فالبيع

стр. 2439

الأول خلا عن ذريعة الربا. وأجاب عن قول عائشة ﵂: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت: أنه للتأكيد، قال أحمد ﵁ فيمن فعلها: لا يعجبني أن يكتب عنه الحديث، وحمله القاضي وغيره على الورع؛ لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، مع أنه ذكر عن قول عائشة ﵂: أن زيد بن أرقم أبطل جهاده، أنها أوعدت عليه. ومسائل الخلاف لا يلحق فيها الوعيد، وعكس العينة مثلها، نقله حرب، ونقل أبو داود: يجوز بلا حيلة، ونقل المروذي فيمن يبيع الشيء ثم يجده يباع أيشتريه بأقل مما باعه بالنقد؟ قال: لا، ولكن بأكثر لا بأس، ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائتين فلا بأس، نص عليه، وهي التورق. وعنه: يكره، وحرمه شيخنا. نقل أبو داود: إن كان لا يريد بيع المتاع الذي يشتريه منك هو أهون، فإن كان يريد بيعه فهو العينة، وإن باعه منه لم يجز، وهي العينة نص عليه.

стр. 2440

قال شيخ الإسلام في [مجموع الفتاوى] (١) : * وسئل عن الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقل من ذلك الثمن حالا. هل يجوز أم لا؟ فأجاب: أما إذا باع السلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالا فهذه تسمى (مسألة العينة) وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم، وهو المأثور عن الصحابة؛ كعائشة وابن

стр. 2441

عباس وأنس بن مالك. فإن ابن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ثم اشتريت بأقل فقال: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة. وأبلغ من ذلك أن ابن عباس قال: إذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم، فبين أنه إذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى أجل فيكون مقصوده دراهم بدراهم والأعمال بالنيات وهذه تسمى: (التورق) . فإن المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها، وتارة يشتريها ليتجر بها، فهذان جائزان باتفاق المسلمين. وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ دراهم. فينظر كم تساوي نقدا، فيشتريها إلى أجل ثم يبيعها في السوق بنقد. فمقصوده الورق فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء. كما نقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها: إني ابتعت من زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة وبعته منه بستمائة. فقالت عائشة: بئس ما بعت، وبئس ما اشتريت. أخبري زيدا أن جهاده مع رسول الله ﷺ بطل، إلا أن يتوب: قالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي، فقالت لها عائشة: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) وفي السنن، عن النبي ﷺ أنه قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (٢) » ، وهذا إن تواطآ على أن يبيع ثم يبتاع. فما له إلا الأوكس. وهو

стр. 2442

الثمن الأقل أو الربا. وأصل هذا الباب: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١) » فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس، وإن نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيله فإن له ما نوى، والشرط بين الناس ما عدوه شرطا كما أن البيع بينهم ما عدوه بيعا. والإجارة بينهم ما عدوه إجارة. وكذلك النكاح بينهم ما عدوه نكاحا، فإن الله ذكر البيع والنكاح وغيرهما في كتابه، ولم يرد لذلك حد في الشرع ولا له حد في الفقه. والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وتارة باللغة؛ كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق، وكذلك العقود؛ كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وذلك، فما تواطأ الناس على شرطه وتعاقدوا فهذا شرط عند أهل العرف. وقال ﵀ في الاختيارات: وتحرم مسألة التورق.

стр. 2443

وقال- ابن القيم في [إعلام الموقعين] (١) : (فصل) ومن الحيل المحرمة الباطلة: التحيل على جواز مسألة العينة، مع أنها حيلة في إبطال حيل لتجويز العينة نفسها على الربا وجمهور الأئمة على تحريمها. وقد ذكر أرباب الحيل لاستباحتها عدة حيل: منها: أن يحدث المشتري في السلعة حدثا ما تنقص به أو تتعيب، فحينئذ يجوز لبائعها أن يشتريها بأقل مما باعها، ومنها: أن تكون السلعة قابلة للتجزئة فيمسك، منها جزءا ما ويبيعه بقيتها، ومنها: أن يضم البائع إلى السلعة سكينا

стр. 2444

أو منديلا أو حلقة حديد أو نحو ذلك فيملكه المشتري ويبيعه السلعة بما يتفقان عليه من الثمن، ومنها: أن يهبها المشتري لولده أو زوجته أو من يثق به فيبيعها الموهوب له من بائعها فإذا قبض الثمن أعطاه للواهب، ومنها: أن يبيعه إياها نفسه من غير إحداث شيء ولا هبة لغيره لكن يضم إلى ثمنها خاتما من حديد أو منديلا أو سكينا ونحو ذلك. ولا ريب أن العينة على وجهها أسهل من هذا التكلف وأقل مفسدة وإن كان الشارع قد حرم مسألة العينة لمفسدة فيها فإن المفسدة لا تزول بهذه الحيلة، بل هي بحالها وانضم إليها مفسدة أخرى أعظم منها، وهي: مفسدة المكر والخداع واتخاذ أحكام الله هزوا، وهي أعظم المفسدتين، وكذلك سائر الحيل لا تزيل المفسدة التي حرم لأجلها وإنما يضم إليها مفسدة الخداع والمكر وإن كانت العينة لا مفسدة فيها فلا حاجة إلى الاحتيال عليها، ثم إن العينة في نفسها من أدنى الحيل إلى الربا، فإذا تحيل عليها المحتال صارت حيلا متضاعفة ومفاسد متنوعة والحقيقة والقصد معلومان لله وللملائكة وللمتعاقدين ولمن حضرهما من الناس فليصنع أرباب الحيل ما شاءوا وليسلكوا أية طريق سلكوا فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة فليدخلوا محلل الربا أو يخرجوه فليس هو المقصود. والمقصود معلوم والله لا يخادع ولا تروج عليه الحيل ولا تلتبس عليه الأمور.

стр. 2445

قال ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] على حديث: «إذا تبايعتم بالعينة (١) » ... وفي الباب حديث أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة ﵂، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم. فقالت: (يا

стр. 2446

أم المؤمنين، إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقدا، فقالت لها عائشة: بئسما اشتريت، وبئسما شريت، أخبري زيدا أن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل إلا أن يتوب) . هذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني، وذكره الشافعي، وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق، وقال: لو ثبت فإنما عابت عليها بيعا إلى العطاء؛ لأنه أجل غير معلوم. ثم قال: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالا. قال البيهقي: ورواه يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أنفع (أنها دخلت على عائشة مع أم أحمد) . وقال غيره: هذا الحديث حسن، ويحتج بمثله؛ لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها، ولم يعلم فيها جرح. والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك. ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة، ومن دخل معها على عائشة، وقد صدقها زوجها وابنها وهما من هما، فالحديث محفوظ. وقوله في الحديث المتقدم: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (١) » هو منزل على العينة بعينها. قاله شيخنا؛ لأنه بيعان في بيع واحد فأوكسهما: الثمن الحال. وإن أخذ بالأكثر وهو المؤجل أخذ بالربا. فالمعينان لا ينفكان من أحد الأمرين: أما الأخذ بأوكس الثمنين أو الربا، وهذا لا يتنزل إلا على العينة.

стр. 2447

(فصل) قال المحرمون للعينة: الدليل على تحريمها من وجوه:

стр. 2448

أحدها: أن الله تعالى حرم الربا، والعينة وسيلة إلى الربا، بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام. فهنا مقامان: أحدهما: بيان كونها وسيلة. والثاني: بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام. فأما الأول: فيشهد له به النقل والعرف والنية والقصد، وحال المتعاقدين: فأما النقل: فبما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة. وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين عن ابن عباس: أنه قال: (اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة) . وفي كتاب أبي محمد النجشي الحافظ عن ابن عباس «أنه سئل عن العينة، يعني: بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله» . وفي كتاب الحافظ مطين عن أنس «أنه سئل عن العينة- يعني: بيع الحريرة- فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله» . وقول الصحابي (حرم رسول الله كذا أو أمر بكذا وقضى بكذا وأوجب كذا) في حكم المرفوع اتفاقا عند أهل العلم إلا خلافا شاذا لا يعتد به ولا يؤبه له. وشبهة المخالف: أنه لعله رواه بالمعنى فظن ما ليس بأمر، ولا تحريم كذلك، وهذا فاسد جدا. فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص وقد تلقوها

стр. 2449

من فم رسول الله ﷺ ، فلا يظن بأحد منهم أن يقدم على قوله: (أمر رسول الله ﷺ أو حرم أو فرض) إلا بعد سماع ذلك ودلالة اللفظ عليه، واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية، بل دونه، فإن رد قوله: (أمر) ونحوه بهذا الاحتمال، وجب رد روايته لاحتمال السهو والغلط وإن قبلت روايته: وجب قبول الآخر. وأما شهادة العرف بذلك: فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله وعباده من المتبايعين ذلك: قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها ولا غرض لهما فيها بحال. وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول: مائة بمائة وعشرين. وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه، بل جيء به لمعنى في غيره. حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن. أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد؛ لأنهم لا غرض لهم فيها. وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا. وأما النية والقصد: فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين، فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما؛ ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد ثم يحضران تلك السلعة محللا لما حرم الله ورسوله. وأما المقام الثاني: - وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام- فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة، وسمى أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون مثل ذلك: مخادعة، كما تقدم.

стр. 2450

وقال أيوب السختياني: (يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل، والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين، سواء كانت لغوية أو شرعية، والخداع حرام) . وأيضا فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو من أكبر الكبائر، فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا وإنما قصده حقيقة الربا. وأيضا: فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلا؛ لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين فلا يتصور أن يباح شيء ويحرم ما يفضي إليه، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما، والثاني باطل قطعا فيتعين الأول. وأيضا فإن الشارع إنما حرم الربا، وجعله من الكبائر، وتوعد آكله بمحاربة الله ورسوله لما فيه من أعظم الفساد والضرر فكيف يتصور- مع هذا- أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل. فيا لله العجب، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة وقلبتها مصلحة بعد أن كانت مفسدة؟ وأيضا: فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين وكان مقصودهم منع حق الفقراء من الثمر المتساقط وقت الحصاد فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة. ولا يقال: فالعقوبة إنما كانت على رد (١) . الاستثناء وحده لوجهين:

стр. 2451

أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وترك الاستثناء عقوبته: أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان فإنها حرمان كالذنب. الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ (١) ورتب العقوبة على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءا من العلة. وعلى التقديرين: يحصل المقصود. وأيضا: فإن النبي ﷺ قال: «الأعمال بالنيات (٢) » والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم، ونيته أولى به من ظاهر عمله. وأيضا: فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وإسناده مما يصححه الترمذي. وأيضا: فإن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها (٣) » ، و"جملوها" يعني: أذابوها وخلطوها. وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر، وهو الودك وذلك لا يفيد الحل فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدل بتبدل الاسم. وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة، وهذا

стр. 2452

واضح بحمد الله. وأيضا: فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم وإنما انتفعوا بثمنه، فيلزم من وقف مع تنظر العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها: أن لا يحرم ذلك؛ لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن وإنما حرم عليهم نفس الشحم، ولما لعنهم على استحلالهم الثمن. وإن لم ينص على تحريمه - دل على أن الواجب النظر إلى المقصود، وإن اختلفت الوسائل إليه وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين ولا ببدلها. ونظير هذا: أن يقال: لا تقرب مال اليتيم فتبيعه وتأكل عوضه، وأن يقال: لا تشرب الخمر فتغير اسمه وتشربه، وأن يقال: لا تزن بهذه المرأة فتعقد عليها عقد إجارة وتقول إنما أستوفي منافعها وأمثال ذلك. قالوا: ولهذا الأصل- وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله عليه- أكثر من مائة دليل، وقد ثبت أن النبي ﷺ لعن المحلل والمحلل له مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح لما كان مقصوده التحليل لا حقيقة النكاح. وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانيا ولم ينظروا إلى صورة العقد. الدليل الثاني على تحريم العينة: ما رواه أحمد في مسنده: حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم (١) » رواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني، أن

стр. 2453

عطاء الخراساني حدثه: أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره، وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر. فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر. والإسناد الثاني: يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحيوة كذلك. وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم. وله طريق ثالث: رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد، حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، (١) » حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم وهذا يبين أن للحديث أصلا وأنه محفوظ. الدليل الثالث: ما تقدم من حديث أنس «أنه سئل عن العينة؟ فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله» وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع. الدليل الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله: «هذا مما حرم الله ورسوله» . الدليل الخامس: ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن أبي إسحاق عن العالية، ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثني

стр. 2454

أبو إسحاق عن جدته العالية، يعني: جدة إسرائيل: فإنها امرأة أبي إسحاق قالت: (دخلت على عائشة في نسوة فقالت: مما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة، فقالت: يا أم المؤمنين، هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم. قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء. وأنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقدا. فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا، ثم إنه سهل عنها، فقالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) فلولا أن عند أم المؤمنين علما لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة، وأن استحلال الربا أكفر، وهذا منه ولكن زيدا معذور؛ لأنه لم يعلم أن هذا محرم؛ ولهذا قالت: (أبلغيه) . ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئا. وعلى التقديرين: فجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد. فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد. ولا يقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها؛ لأن زيدا لم يقل: هذا

стр. 2455

حلال، بل فعله وفعل المجتهد لا يدل قوله على الصحيح لاحتمال سهو، أو غفلة، أو تأويل، أو رجوع ونحوه، وكثيرا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نبه له انتبه، ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك. فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث فإن أم ولد زيد مجهولة. قلنا: أم ولده لم ترو الحديث وإنما كانت هي صاحبة القصة، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق وهو أعلم بها، وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها، بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظهما لها؛ ولهذا رواها عنها زوجها ميمون ولم ينهها ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيا في التابعين فشوه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله ﷺ ويحتج به. فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله ﷺ حرم العينة: حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة: وحديث أنس وابن عباس: أنها مما حرم الله ورسوله. وحديث عائشة هذا والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به بعض الصحابة والسلف وهذه حجة باتفاق الفقهاء. الدليل السادس: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (١) » .
следующие страницы →