← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وترك الاستثناء عقوبته: أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان فإنها حرمان كالذنب. الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ (١) ورتب العقوبة على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءا من العلة. وعلى التقديرين: يحصل المقصود. وأيضا: فإن النبي ﷺ قال: «الأعمال بالنيات (٢) » والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم، ونيته أولى به من ظاهر عمله. وأيضا: فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وإسناده مما يصححه الترمذي. وأيضا: فإن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها (٣) » ، و"جملوها" يعني: أذابوها وخلطوها. وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر، وهو الودك وذلك لا يفيد الحل فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدل بتبدل الاسم. وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة، وهذا

стр. 2452

واضح بحمد الله. وأيضا: فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم وإنما انتفعوا بثمنه، فيلزم من وقف مع تنظر العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها: أن لا يحرم ذلك؛ لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن وإنما حرم عليهم نفس الشحم، ولما لعنهم على استحلالهم الثمن. وإن لم ينص على تحريمه - دل على أن الواجب النظر إلى المقصود، وإن اختلفت الوسائل إليه وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين ولا ببدلها. ونظير هذا: أن يقال: لا تقرب مال اليتيم فتبيعه وتأكل عوضه، وأن يقال: لا تشرب الخمر فتغير اسمه وتشربه، وأن يقال: لا تزن بهذه المرأة فتعقد عليها عقد إجارة وتقول إنما أستوفي منافعها وأمثال ذلك. قالوا: ولهذا الأصل- وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله عليه- أكثر من مائة دليل، وقد ثبت أن النبي ﷺ لعن المحلل والمحلل له مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح لما كان مقصوده التحليل لا حقيقة النكاح. وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانيا ولم ينظروا إلى صورة العقد. الدليل الثاني على تحريم العينة: ما رواه أحمد في مسنده: حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم (١) » رواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني، أن

стр. 2453

عطاء الخراساني حدثه: أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره، وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر. فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر. والإسناد الثاني: يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحيوة كذلك. وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم. وله طريق ثالث: رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد، حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، (١) » حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم وهذا يبين أن للحديث أصلا وأنه محفوظ. الدليل الثالث: ما تقدم من حديث أنس «أنه سئل عن العينة؟ فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله» وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع. الدليل الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله: «هذا مما حرم الله ورسوله» . الدليل الخامس: ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن أبي إسحاق عن العالية، ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثني

стр. 2454

أبو إسحاق عن جدته العالية، يعني: جدة إسرائيل: فإنها امرأة أبي إسحاق قالت: (دخلت على عائشة في نسوة فقالت: مما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة، فقالت: يا أم المؤمنين، هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم. قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء. وأنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقدا. فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا، ثم إنه سهل عنها، فقالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) فلولا أن عند أم المؤمنين علما لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة، وأن استحلال الربا أكفر، وهذا منه ولكن زيدا معذور؛ لأنه لم يعلم أن هذا محرم؛ ولهذا قالت: (أبلغيه) . ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئا. وعلى التقديرين: فجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد. فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد. ولا يقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها؛ لأن زيدا لم يقل: هذا

стр. 2455

حلال، بل فعله وفعل المجتهد لا يدل قوله على الصحيح لاحتمال سهو، أو غفلة، أو تأويل، أو رجوع ونحوه، وكثيرا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نبه له انتبه، ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك. فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث فإن أم ولد زيد مجهولة. قلنا: أم ولده لم ترو الحديث وإنما كانت هي صاحبة القصة، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق وهو أعلم بها، وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها، بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظهما لها؛ ولهذا رواها عنها زوجها ميمون ولم ينهها ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيا في التابعين فشوه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله ﷺ ويحتج به. فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله ﷺ حرم العينة: حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة: وحديث أنس وابن عباس: أنها مما حرم الله ورسوله. وحديث عائشة هذا والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به بعض الصحابة والسلف وهذه حجة باتفاق الفقهاء. الدليل السادس: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (١) » .

стр. 2456

وللعلماء في تفسيره قولان: أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة، وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك ففسره في حديث ابن مسعود قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة (١) » قال سماك: الرجل يبيع البيع فيقول هو علي نساء بكذا وبنقد بكذا. وهذا التفسير ضعيف فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة ولا (صفقتين) هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره وهو مطابق لقوله: «فله أوكسهما أو الربا (٢) » فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما وهو مطابق لصفقتين في صفقة، فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا. فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه ﷺ ، وانطباقه عليها. ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي ﷺ «أنه نهى عن بيعتين في بيعة (٣) » و «عن سلف وبيع (٤) » فجمعه بين هذين العقدين في النهي؛ لأن كلا منهما يئول إلى الربا؛ لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا. ومما يدل على تحريم العينة: حديث ابن مسعود يرفعه: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له (٥) » .

стр. 2457

ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة والشهادة لا يشهد بمجرد الربا ولا يكتبه، ولهذا أقرنه بالمحلل والمحلل له حيث أظهر صورة النكاح، ولا نكاح كما أظهر الكاتب والشاهد أنه صورة البيع ولا بيع. وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل، فلعن المعقود له والمعين له على ذلك العقد ولعن المحلل والمحلل له، فالمحلل له: هو الذي يعقد التحليل لأجله، والمحلل: هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي: هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به. فصلوات الله على من أوتي جوامع الكلم. الدليل السابع: ما صح عن ابن عباس أنه قال: (إذا استقمت بنقد فبعت بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا خير فيه تلك ورق بورق) رواه سعيد وغيره. ومعنى كلامه: أنك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا بأس؛ فإن ذلك بيع المقصود منها السلعة لا الربا. الدليل الثامن: ما رواه ابن بطة عن الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» (يعني: العينة) . وهذا- وإن كان مرسلا- فهو صالح للاعتضاد به ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده. ويشهد له أيضا: قوله ﷺ : «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير

стр. 2458

اسمها (١) » . وقوله أيضا فيما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي ثعلبة عن النبي ﷺ قال: «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض يستحل فيه الحر والحرير (٢) » ، والحر: بكسر الحاء وتخفيف الراء: هو: الفرج، فهذا إخبار عن استحلال المحارم ولكنه بتغيير أسمائها وإظهارها في صورة تجعل وسيلة إلى استباحتها وهي الربا والخمر والزنا فيسمى كل منها بغير اسمها، ويستباح بالاسم الذي سمي به، وقد وقعت الثلاثة. وفي قول عائشة: (بئسما شريت، وبئسما اشتريت) دليل على بطلان العقدين معا، وهذا هو الصحيح من المذهب؛ لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه. وفيه قول آخر في المذهب: أن العقد الأول صحيح؛ لأنه تم بأركانه وشروطه، فطريان الثاني عليه لا يبطله، وهذا ضعيف، فإنه لم يكن مقصودا لذاته وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرم فكيف يحكم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب. فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟ قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة؛ لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي عكسها صورة، وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدا، لكن في إحدى الصورتين: البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي اشتغلت ذمته فلا فرق بينهما.

стр. 2459

وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلة ولا مواطأة، بل وقع اتفاقا. وفرق بينها وبين الصورة الأولى بفرقين: أحدهما: أن النص ورد فيها فيبقى ما عداها على أصل الجواز. والثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان: أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة. والعينة فعلة من العين النقد قال الشاعر: أندان, أم نعتان, أم ينبري لنا ... فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه؟ قال الجوزجاني: أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق فيشتري السلعة ويبيعها بالعين التي احتاج إليها وليست به إلى السلعة حاجة. وأما الفرق الثاني: فكذلك؛ لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى وأنتم لا تعتبرونه. فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه، بل رجعت إلى ثالث هل تسمون ذلك عينة؟ قيل: هذه مسألة التورق؛ لأن المقصود منها الورق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة، وأطلق عليها اسمها. وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: (التورق أخية الربا) ورخص فيها إياس بن معاوية.

стр. 2460

وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنه بيع مضطر، وقد روى أبو داود عن علي أن النبي ﷺ «نهى عن بيع المضطر، (١) » وفي [المسند] عن علي قال: (سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢) ويبايع المضطرون، وقد «نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر (٣) » وذكر الحديث. فـ أحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد؛ لأن الموسر يضن عليه بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة، وإن باعها من غيره فهي التورق، ومقصوده في الموضعين: الثمن، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه ولا معنى للربا إلا هذا لكنه ربا بسلم لم يحصل له مقصوده إلا بمشقة ولو لم يقصده كان ربا بسهولة. وللعينة صورة رابعة- وهي أخت صورها- وهي: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة، ونص أحمد على كراهة ذلك فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس. وقال أيضا: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كره ذلك لمضارعته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبا. وعلله شيخنا ابن تيمية ﵁ بأنه يدخل في بيع المضطر فإن

стр. 2461

غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرا من التجار. وللعينة صورة خامسة: - وهي أقبح صورها وأشدها تحريما- وهي: أن المترابيين يتوطآن على الربا، ثم يعمدان إلى الرجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه ثم يبيعه إياه المربي بثمن مؤجل وهو ما اتفقنا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئا، وهذه تسمى: الثلاثية؛ لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية، وفي الثلاثية: قد أدخلا بينهما محللا يزعمان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا، وهو كمحلل النكاح فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. سئل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ عن رجل عليه دين لرجل يحتاج إلى بضاعة أو حيوان ينتفع به أو يتاجر فيه، فيطلبه من إنسان دينا فلم يكن عنده، هل للمطلوب أن يشتريه ثم يبيعه له بثمن إلى أجل؟ وهل له أن يوكله في شرائه ثم يبيعه له بعد ذلك بربح اتفقا عليه قبل الشراء؟ فأجاب: من كان له عليه دين فإن كان موسرا وجب عليه أن يوفيه، وإن كان معسرا وجب إنظاره، ولا يجوز قلبه عليه بمعاملة ولا غيرها، وأما البيع إلى أجل ابتداء فإن كان مقصود المشتري الانتفاع بالسلعة أو التجارة فيها جاز إذا كان على الوجه المباح، وأما إذا كان مقصوده الدراهم فيشتريها بمائة مؤجلة ويبيعها في السوق بسبعين حالة فهذا مذموم منهي عنه في أظهر

стр. 2462

قولي العلماء، وهذا يسمى: التورق، قال أبو عمر ابن عبد البر: (التورق أخية الربا) (١) .

стр. 2463

وسئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن حكم التورق. فأجاب فيما يلي: من محمد بن إبراهيم إلى المكرم أحمد علي الروضان سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: وصل كتابك الذي تستفتي فيه عما يتعامل به بعض الناس إذا احتاج إلى نقود، وذهب إلى التاجر ليستدين منه وباع عليه أكياس سكر وغيرها نسيئة بثمن يزيد على ثمنها نقدا فيأخذ المحتاج السكر ويبيعه بالنقص عما اشتراه به من التاجر ليقضي حاجته، وتسأل هل هذا التعامل حرام أم حلال وهل يعتبر من الربا في شيء؟ والجواب: هذه المسألة تسمى مسألة التورق والمشهور من المذهب جوازها، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا لم يكن للمشتري حاجة إلى السلعة، بل حاجته إلى الذهب والورق فيشتري السلعة ليبيعها بالعين التي احتاج إليها، فإن أعاد السلعة إلى البائع فهو الذي لا يشك في تحريمه، وإن باعها لغيره بيعا تاما ولم تعد إلى الأول بحال فقد اختلف السلف في كراهته ويسمونه: التورق، وكان عمر بن عبد العزيز يكرهه ويقول: (التورق أخية الربا) ، وإياس بن معاوية يرخص فيه، وعن الإمام أحمد روايتان.

стр. 2464

والمشهور: الجواز، وهو الصواب، قال في [مطالب أولي النهى] : ولو احتاج إنسان لنقد فاشترى ما يساوي مائة بأكثر كمائة وخمسين مثلا ليتوسع بثمنه- فلا بأس بذلك نص عليه، وهي مسألة التورق، وقال في [الاختيارات] : قال أبو طالب: قيل للإمام أحمد: إن ربح الرجل في العشرة خمسة يكره ذلك؟ قال: إذا كان أجله إلى سنة أو بقدر الربح فلا بأس، وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله- يعني: أحمد بن حنبل - يقول: بيع النسيئة إذا كان مقاربا فلا بأس به، وهذا يقتضي كراهة الربح الكثير الذي يزيد على قدر الأجل؛ لأنه يشبه بيع المضطر وهذا يعم بيع المرابحة والمساومة، والله أعلم. مفتي البلاد السعودية في ١٢\ ٥\ ١٣٨٦ هـ.

стр. 2465

وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عن حكم البيع إلى أجل وبيع التورق والعينة والقرض بالفائدة؟ فأجاب وفقه الله: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه، أما بعد: فقد سئلت عن حكم بيع كيس السكر ونحوه بمبلغ مائة وخمسين ريالا إلى أجل وهو يساوي مبلغ مائة ريال نقدا؟ والجواب عن ذلك: أن هذه المعاملة لا بأس بها؛ لأن بيع النقد غير بيع التأجيل، ولم يزل المسلمون يستعملون مثل هذه المعاملة، وهو كالإجماع منهم على جوازها، وقد شذ بعض أهل العلم، فمنع الزيادة

стр. 2466

لأجل الأجل، وظن ذلك من الربا، وهو قول لا وجه له، وليس من الربا في شيء؛ لأن التاجر حين باع السلعة إلى أجل إنما وافق على التأجيل من أجل انتفاعه بالزيادة، والمشتري إنما رضي بالزيادة من أجل المهلة وعجزه عن تسليم الثمن نقدا، فكلاهما منتفع بهذه المعاملة، وقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على جواز ذلك أنه ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يجهز جيشا فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل، ثم هذه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) الآية، وهذه المعاملة من المداينات الجائزة الداخلة في الآية المذكورة، وهي من جنس معاملة بيع فإن البائع في السلم يبيع من ذمته حبوبا أو غيرها مما يصلح السلم فيه بثمن حاضر أقل من الثمن الذي يباع به المسلم فيه وقت السلم؛ لكون المسلم فيه مؤجلا والثمن معجلا فهو عكس المسألة المسئول عنها. وهو جائز بالإجماع وهو مثل البيع إلى أجل في المعنى، والحاجة إليه ماسة؛ كالحاجة إلى المسلم، والزيادة في السلم مثل: الزيادة في البيع إلى أجل سببها فيهما تأخير تسليم المبلغ في مسألة السلم وتأخير تسليم الثمن في مسألة البيع إلى أجل، لكن إذا كان مقصود المشتري لكيس السكر ونحوه بيعه والانتفاع بثمنه وليس مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها، فهذه المعاملة تسمى: مسألة (التورق) ويسميها بعض العامة: (الوعدة) . وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين:

стр. 2467

أحدهما: أنها ممنوعة أو مكروهة؛ لأن المقصود منها شراء دراهم بدراهم وإنما السلعة المبيعة واسطة غير مقصودة. والقول الثاني للعلماء: جواز هذه المعاملة لمسيس الحاجة إليها؛ لأنه ليس كل أحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا، ولدخولها في عموم قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) ولأن الأصل في الشرع حل جميع المعاملات إلا ما قام الدليل على منعه، ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة. وأما تعليل من منعها أو كرهها لكون المقصود منها هو النقد فليس ذلك موجبا لتحريمها ولا لكراهتها؛ لأن مقصود التجار غالبا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل، والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، وإنما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة. فإن ذلك يتخذ حيلة على الربا، وصورة ذلك: أن يشتري شخص سلعة من آخر بثمن في الذمة ثم يبيعها عليه بثمن أقل ينقده إياه فهذا ممنوع شرعا؛ لما فيه من الحيلة على الربا، وتسمى هذه المسألة: مسألة العينة، وقد ورد فيها من حديث عائشة وابن عمر ﵄ ما يدل على منعها. أما مسألة التورق التي يسميها بعض الناس: (الوعدة) فهي معاملة أخرى ليست من جنس مسألة العينة؛ لأن المشتري فيها اشترى السلعة من

стр. 2468

شخص إلى أجل وباعها من آخر نقدا من أجل حاجته للنقد وليس في ذلك حيلة على الربا؛ لأن المشتري غير البائع، ولكن كثيرا من الناس في هذه المعاملة لا يعملون بما يقتضيه الشرع في هذه المعاملة، فبعضهم يبيع ما لا يملك، ثم يشتري السلعة بعد ذلك ويسلمها للمشتري، وبعضهم إذا اشتراها يبيعها وهي في محل البائع قبل أن يقبضها القبض الشرعي، وكلا الأمرين غير جائز؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك (١) » ، وقال ﵊: «لا يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك (٢) » ، وقال ﷺ : «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (٣) » ، قال ابن عمر ﵄: «كنا نشتري الطعام جزافا فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من ينهانا أن نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا (٤) » ، وثبت عنه ﵊ أيضا: «أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٥) » . ومن هذه الأحاديث وما جاء في معناها يتضح لطالب الحق أنه لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة ليست في ملكه ثم يذهب فيشتريها، بل الواجب تأخير بيعها حتى يشتريها ويحوزها إلى ملكه، ويتضح أيضا أن ما يفعله كثير من الناس من بيع السلع وهي في محل البائع قبل نقلها إلى ملك المشتري أو إلى السوق- أمر لا يجوز؛ لما فيه من مخالفة سنة الرسول ﷺ ولما فيه من التلاعب بالمعاملات وعدم التقيد فيها بالشرع المطهر، وفي ذلك من الفساد والشرور والعواقب الوخيمة ما لا يحصيه إلا الله ، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق للتمسك بشرعه والحذر مما يخالفه. أما الزيادة التي تكون بها المعاملة من المعاملات الربوية فهي التي تبذل

стр. 2469

لدائن بعد حلول الأجل ليمهل المدين وينظره، فهذه الزيادة هي التي كان يفعلها أهل الجاهلية. ويقولون للمدين قولهم المشهور: إما أن تقضي وإما أن تربي، فمنع الإسلام ذلك وأنزل الله فيه قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) وأجمع العلماء على تحريم هذه الزيادة وعلى تحريم كل معاملة يتوسل بها إلى تحليل هذه الزيادة، مثل: أن يقول الدائن للمدين: اشتر مني سلعة من سكر أو غيره إلى أجل ثم بعها بالنقد وأوفني حقي الأول، فإن هذه المعاملة حيلة ظاهرة على استحلال الزيادة الربوية التي تعاطاها أهل الجاهلية لكن بطريق آخر غير طريقهم. فالواجب تركها، والحذر منها وإنظار المدين المعسر حتى يسهل الله له القضاء، كما أن الواجب على المدين المعسر أن يتقي الله ويعمل الأسباب الممكنة المباحة لتحصيل ما يقضي به الدين ويبرئ به ذمته من حق ومن الدائنين. وإذا تساهل في ذلك ولم يجتهد في أسباب قضاء ما عليه من الحقوق فهو ظالم لأهل الحق غير مؤد للأمانة فهو في حكم الغني المماطل، وقد صح عن رسول الله ﷺ قال: «مطل الغني ظلم (٢) » ، وقال عليه والسلام: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته (٣) » ، والله المستعان. ومن المعاملات الربوية أيضا ما يفعله بعض البنوك وبعض التجار من الزيادة في القرض إما مطلقا وإما في كل سنة شيئا معلوما. فالأول: مثل أن يقرضه ألفا على أن يرد إليه ألفا ومائة أو يسكنه داره أو دكانه أو يعيره سيارته أو دابته مدة معلومة أو ما أشبه ذلك من الزيادات.

стр. 2470

وأما الثاني: فهو أن يجعل له كل سنة أوكل شهر ربحا معلوما في مقابل استعماله المال الذي دفعه إليه المقرض سواء دفعه باسم القرض أم باسم الأمانة، فإنه متى قبضه باسم الأمانة للتصرف فيه كان قرضا مضمونا، ولا يجوز أن يدفع إلى صاحبه شيئا من الربح إلا أن يتفق هو والبنك أو التاجر على استعمال ذلك المال على وجه المضاربة بجزء مشاع معلوم من الربح لأحدهما والباقي للآخر، وهذا العقد يسمى أيضا: القراض، وهو جائز بالإجماع؛ لأنهما قد اشتركا في الربح والخسران، والمال الأساسي في هذا العقد في حكم الأمانة في يد العامل إذا تلف من غير تعد ولا تفريط لم يضمنه، وليس له عن عمله إلا الجزء المشاع المعلوم من الربح المتفق عليه في العقد. وبهذا تتضح المعاملة الشرعية والمعاملة الربوية. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

стр. 2471

مجمل ما ذكر من النقول في العينة والتورق ١ - تطلق العينة ويراد بها بيع إنسان من آخر سلعة لأجل بمائة ريال مثلا، ثم شراؤه إياها منه نقدا بأقل من ذلك، وهي بهذا المعنى من أبرز أنواع البيوع في التحايل على الربا وأظهرها في استغلال حاجة المضطرين. وسميت عينة؛ لأن المقصد منها الحصول على العين، وهو النقد، دون قصد حقيقة البيع وتملك السلعة، وقيل: هي فعلة من العون؛ لأن البائع يستعين بالمشتري على تحصيل مقاصده، وقيل: من العناء، وهو تجشم المشقة.

стр. 2472

٢ - قال بتحريم العينة بهذا المعنى جمهور العلماء لأدلة: أ- منها: أنها ذريعة قريبة إلى الربا، فكانت حراما، وقد أوضح هذا ابن القيم بوجوه نقلت في الأعداد. ب- ومنها: ما رواه الإمام أحمد في [المسند] من طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعين (١) » . . . الحديث، ورواه أبو داود في سننه من طريق عطاء الخراساني أن نافعا حدثه عن ابن عمر ﵄ فذكره. ج- ومنها: ما ذكرته عائشة ﵂ في قصة زيد بن أرقم وأم ولده، ورجوع أم ولده عن أخذ الزيادة من زيد، ولم ينقل أن زيدا رد على عائشة قولها ﵃، ومثل هذا الإنكار من عائشة لا يكون إلا عن توقيف. د- ومنها: قول أنس ﵁ حينما سئل عن العينة: (إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله) ، وقول ابن عباس لما سئل عن حريرة بيعت بدراهم، ثم اشتراها من باعها بأقل: (دراهم بدراهم بينهما حريرة، هذا مما حرم الله ورسوله) ، ومثل هذا القول من أنس وابن عباس ﵃ له حكم المرفوع. هـ- ومنها: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (٢) » ، فإنه ينطبق على العينة بالمعنى المتقدم، كما صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمة الله عليهما.

стр. 2473

وقال الشافعي: يجوز بيع العينة بالمعنى المتقدم، ولم يثبت الأحاديث الواردة في النهي عنها، وتأول حديث عائشة ﵂ بحمله على البيع إلى العطاء وهو أجل مجهول، وقال: إن هذه السلعة كسائر مالي، فلم لا أبيع ملكي بما شئت وشاء المشتري؟ وقال: إن قول عائشة عارضه عمل زيد. ورد طعنه في حديث عائشة ﵂ بأن العالية بنت سبيع معروفة برواية ابنها يونس وزوجها أبي إسحاق عنها وتوثيق العجلي لها، ورد تأويله حديثها بأنها ترى جواز البيع إلى العطاء، وردت معارضته قولها بعمل زيد ﵄ بأنه لم يعرف عنه إنكار قولها أو الإصرار على بقائه على العمل بالعينة، ورد قياسه بأنه قياس مع الفارق، ومنقوض بمعارضته لقاعدة سد الذرائع، ولأحاديث النهي عن العينة. ٣ - وتطلق العينة أيضا على ما إذا تواطأ المترابيان على الربا ثم عمدا إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي بثمن أكثر مؤجل وهو ما اتفقا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئا وهذه تسمى الثلاثية؛ لأنها بين ثلاثة، وذكر ابن القيم ﵀: أن هذه الصورة أقبح صور العينة وأشدها تحريما وأنها في البيع شبيهة بصورة المحلل في النكاح. ٤ - قال ابن القيم ﵀ فيما إذا باع إنسان سلعة بنقد ثم اشتراها ممن باعها له أولا بأكثر منه إلى أجل: إن هذه الصورة شبيهة بالعينة في المقصد؛ لأنه قد ترتب في ذمة كل منهما دراهم مؤجلة بأقل منها نقدا لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته فلا فرق بينهما في الحكم،

стр. 2474

وذكر أن الإمام أحمد ﵀ نص في رواية حرب أن هذه الصورة لا تجوز، وذكر عن بعض الأصحاب احتمال جواز الصورة الثانية، ونقل عنهم الفرق بين الصورتين ثم رده، وقال: ليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة. ٥ - ذكر ابن القيم أن من صور العينة ما إذا اضطر الإنسان إلى مال فاشترى سلعة؛ ليبيعها حتى يحصل على المال الذي يسد به حاجته، وقال: قد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة، وأطلق عليها اسمها، وذكر أيضا أن هذه الصورة تسمى التورق؛ لأن المقصود منها الورق لسد حاجته، وسبقه إلى ذلك ابن تيمية وتبعهما فيه الشيخ عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب، ورجحوا تحريمها، سواء سميت تورقا أم عينة. ٦ - من صور العينة عند بعضهم أن يكون عند الرجل أمتعة لا يبيعها إلا نسيئة قصدا للزيادة في الربح، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على كراهة ذلك، أما إذا كان يبيع بنقد ونسيئة فلا بأس. ٧ - أطلق التورق على ما ذكر في الفقرة الخامسة، ومقتضى تعليل تسميته تورقا: بأنه بيع يقصد منه الورق لا تملك السلعة ولا الحاجة إلى استهلاكها، أنه يطلق على كل صور العينة. ٨ - الغالب في العينة والتورق أن يكون عقدهما بين موسر ومحتاج أو مضطر، وقد ورد النهي عن استغلال المضطر في البيع، وقد يكون عقدهما أحيانا بين موسرين حرصا من المغبون فيهما على زيادة رأس ماله؛ ليتسع نطاق تصرفه في التجارة ونحوها مثلا.

стр. 2475

٢ - بيع دين السلم: آراء الفقهاء في حكم بيع دين السلم مع التوجيه والمناقشة: أ- قال صاحب [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع] ﵀ (١) : (فصل) وأما بيان ما يجوز من التصرف في المسلم فيه وما لا يجوز، فنقول وبالله التوفيق: لا يجوز استبدال المسلم فيه قبل قبضه، بأن يأخذ رب السلم مكانه من غير جنسه؛ لما ذكرنا أن المسلم فيه وإن كان دينا فهو مبيع، ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل القبض، ويجوز الإبراء عنه؛ لأن قبضه ليس بمستحق على رب السلم، وكان هو بالإبراء متصرفا في خالص حقه بالإسقاط فله ذلك بخلاف الإبراء عن رأس المال؛ لأنه مستحق القبض حقا للشرع فلا يملك إسقاطه بنفسه بالإبراء على ما ذكرنا.

стр. 2476

ب- قال ابن رشد ﵀ في [بداية المجتهد ونهاية المقتصد] (١) : مسألة اختلاف العلماء في بيع المسلم فيه إذا حان الأجل من المسلم إليه قبل قبضه، فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلا، وهم القائلون: بأن كل شيء لا يجوز بيعه قبل قبضه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وتمسك أحمد وإسحاق في منع هذا بحديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ومن أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره (٢) » .

стр. 2477

وأما مالك فإنه منع شراء المسلم فيه قبل قبضه في موضعين: أحدهما: إذا كان المسلم فيه طعاما، وذلك بناء على مذهبه في أن الذي يشترط في بيعه القبض هو: الطعام، على ما جاء عليه النص في الحديث. والثاني: إذا لم يكن المسلم فيه طعاما فأخذ عوضه المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله قبل أن يكون المسلم فيه عرضا، والثمن عرضا مخالفا له، فيأخذ المسلم من المسلم إليه إذا حان الأجل شيئا من جنس ذلك العرض الذي هو الثمن، وذلك أن هذا يدخله إما سلف أو زيادة إن كان العرض المأخوذ أكثر من رأس مال السلم، وإما ضمان وسلف إن كان مثله أو أقل، وكذلك إن كان رأس مال السلم طعاما لم يجز أن يأخذ فيه طعاما آخر أكثر، لا من جنسه ولا من غير جنسه، فإن كان مثل طعامه في الجنس والكيل والصفة فيما حكاه عبد الوهاب جاز؛ لأنه يحمله على العوض وكذلك يجوز عنده أن يأخذ من الطعام المسلم فيه طعاما من صفته، وإن كان أقل جودة؛ لأنه عنده من باب البدل في الدنانير والإحسان: مثل: أن يكون له عليه قمح فيأخذ بمكيلته شعيرا، وهذا كله من شرطه عند مالك أن لا يتأخر القبض؛ لأنه يدخله الدين بالدين، وإن كان رأس مال السلم عينا وأخذ المسلم فيه عينا من جنسه جاز ما لم يكن أكثر منه، ولم يتهمه على بيع العين بالعين نسيئة إذا كان مثله أو أقل، وإن أخذ دراهم في دنانير لم يتهمه على الصرف المتأخر، وكذلك إن أخذ فيه دنانير من غير صنف الدنانير التي هي رأس مال السلم. وأما بيع السلم من غير المسلم إليه، فيجوز بكل شيء يجوز به التبايع ما لم يكن طعاما؛ لأنه يدخله ببيع الطعام قبل قبضه، وأما الإقالة فمن شرطها عند مالك أن لا

стр. 2478

يدخلها زيادة ولا نقصان فإن دخلها زيادة أو نقصان كان بيعا من البيوع ودخلها ما يدخل البيوع، أعني: أنها تفسد عنده بما يفسد بيوع الآجال، مثل: أن يتذرع إلى بيع وسلف، أو إلى وضع وتعجل، أو إلى بيع السلم بما لا يجوز بيعه، مثال ذلك في دخول بيع وسلف به إذا حل الأجل، فأقاله على إن أخذ البعض وأقال من البعض، فإنه لا يجوز عنده، فإنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف، وذلك جائز عند الشافعي وأبي حنيفة؛ لأنهما لا يقولان بتحريم بيوع الذرائع.

стр. 2479

ج- قال صاحب [المجموع شرح المهذب] (١) قال المصنف ﵀: (فصل) يجوز فسخ عقد السلم بالإقالة، لأن الحق لهما فجاز لهما الرضا بإسقاطه، فإذا فسخا أو انفسخ بانقطاع الثمرة في أحد القولين أو بالفسخ في القول الآخر رجع المسلم إلى رأس المال، فإن كان باقيا وجب رده، وإن كان تالفا ثبت بدله في ذمة المسلم إليه، فإن أراد أن يسلمه في شيء آخر لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين، وإن أراد أن يشتري به عينا نظرت، فإن كان تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالدنانير والحنطة بالشعير لم يجز أن يتفرقا قبل القبض، كما لو أراد أن يبيع أحدهما بالآخر عينا بعين، وإن لم تجمعهما علة واحدة في الربا؛ كالدراهم بالحنطة والثوب بالثوب ففيه وجهان: أحدهما: يجوز أن يتفرقا من غير قبض، كما يجوز إذا باع أحدهما

стр. 2480

بالآخر عينا بعين أن يتفرقا من غير قبض. والثاني: لا يجوز؛ لأن المبيع في الذمة فلا يجوز أن يتفرقا قبل قبض عوضه كالمسلم فيه، والله تعالى أعلم. الشرح: الأحكام: الإقالة فسخ وليست ببيع على المشهور من المذهب، سواء كان قبل القبض أو بعده، وبه قال أبو حنيفة ﵀، لأنه يقول: هي بيع في حق غير المتعاقدين، فثبتت بها الشفعة، قال أبو يوسف ﵀: إن كان قبل القبض فهي فسخ، وإن كان بعد القبض فهي بيع، وقال مالك ﵀: هي بيع بكل حال. وحكى القاضي أبو الطيب: أنه قول قديم للشافعي ﵀، وأما أبو حامد فحكاه وجها لبعض أصحابنا. دليلنا: أن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخا كالرد بالعيب، إذا ثبت هذا فإن سلم رجل إلى غيره شيئا في شيء ثم تقابلا في عقد السلم صح، وقد وافقنا مالك ﵀ على ذلك، وهذا من أوضح دليل على أن الإقالة فسخ، لأنها لو كانت بيعا لما صح في المسلم فيه قبل القبض، كما لا يصح بيعه، وإن أقاله في بعض المسلم فيه صح في القدر الذي أقاله، وقال ابن أبي ليلى: يكون إقالة في الجميع، وقال ربيعة ومالك: لا يصح، دليلنا: أن الإقالة مندوب إليها، بدليل قوله ﷺ : «من أقال نادما في بيع أقاله الله نفسه يوم القيامة (١) » ، وما جاز في جميع المبيع جاز في بعضه كالإبراء والإنظار، وإن أقاله بأكثر من الثمن أو أقل منه إلى جنس آخر لم تصح الإقالة، وقال أبو حنيفة: تصح الإقالة، ويجب رد الثمن المسمى في العقد.

стр. 2481

دليلنا: أن المسلم والمشتري لم يسقط حقه من المبيع إلا بشرط العوض الذي شرطه، فإذا لم يصح له العوض لم تصح له الإقالة، كما لو اشترى منه داره بألف بشرط العوض الذي شرطه، فإذا لم يصح له العوض لم تصح له الإقالة، كما لو اشترى منه داره بألف بشرط أن يبيعه سيارته بألف. (فرع) وإن ضمن ضامن عن المسلم إليه المسلم فيه ثم إن الضامن صالح المسلم عما في ذمة المسلم إليه بمثل رأس مال المسلم- لم يصح الصلح؛ لأن الضامن لا يملك المسلم فيه فيعوض عنه، فأما إذا أكد المسلم إليه بمثل رأس مال السلم، قال أبو العباس: صح الصلح وكان إقالة؛ لأن الإقالة هي أن يشتري ما دفع ويعطي ما أخذ، وهذا مثله. (فرع) وإذا انفسخ عقد السلم بالفسخ أو الانفساخ سقط المسلم فيه عن ذمة المسلم إليه، ورجع المسلم إلى رأس مال السلم، فإن كان باقيا أخذه، وإن كان تالفا رجع إلى مثله إن كان له مثل، وإن كان لا مثل له رجع إلى قيمته، وإن أراد أن يسلم في شيء آخر لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين، وإن أراد أن يأخذ ما هو من جنسه جاز أن يأخذ مثله، ولم يجز أن يأخذ أكثر منه ولا أقل منه، ولا يصح أن يتفرقا قبل قبضه، وإن أراد أن يأخذ عنه من غير جنسه إلا أنه لا يصح أن يتفرقا قبل قبضه كما قلنا في البيع، وإن أراد أن يأخذ منه عوضا ليس من أموال الربا؛ كالثياب والدواب، أو كان رأس المال من غير أموال الربا صح ذلك أيضا. وهل يشترط فيه القبض قبل التفرق؟ فيه وجهان:

стр. 2482

أحدهما: أنه يشترط ذلك، فلا يفترقان والعوض المعوض في ضمان واحد. والثاني: لا يشترط ذلك، كما لو اشترى أحدهما بالآخر، وإن اختلفا في قدر رأس مال السلم فالقول قول المسلم إليه مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على ما أقر به، وإن اختلفا في قدر المسلم فيه أو الأجل أو في قدره تحالفا، وإن اتفقا على الأجل واختلفا في انقضائه وادعى المسلم انقضاء الأجل وادعى المسلم إليه بقاءه- فالقول قول المسلم إليه مع يمينه؛ لأن الأصل بقاؤه، والله أعلم.

стр. 2483

د- قال صاحب [المغني] ﵀ (١) : مسألة- قال: (وبيع المسلم فيه من بائعه أو من غيره قبل قبضه فاسد، وكذلك الشركة فيه والتولية والحوالة به طعاما كان أو غيره) أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافا، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه وعن ربح ما لم يضمن؛ ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه. وأما الشركة فيه والتولية فلا تجوز أيضا؛ لأنهما بيع على ما ذكرنا من قبل، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك جواز الشركة والتولية؛ لما روي عن النبي ﷺ «أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص في الشركة والتولية» . ولنا: أنها معاوضة في المسلم فيه قبل القبض، فلم تجز كما لو كانت

стр. 2484

بلفظ البيع، ولأنهما نوعا بيع فلم يجوزا في المسلم قبل قبضه كالنوع الآخر، والخبر لا نعرفه، وهو حجة لنا، لأنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه والشركة والتولية بيع، فيدخلان في النهي، ويحمل قوله: «وأرخص في الشركة والتولية) » على أنه أرخص فيهما في الجملة لا في هذا الموضع. وأما الإقالة: فإنها فسخ وليست بيعا. وأما الحوالة به فغير جائزة؛ لأن الحوالة إنما تجوز على دين مستقر والسلم بعرض الفسخ فليس بمستقر، ولأنه نقل للملك في المسلم فيه على غير وجه الفسخ فلم يجز كالبيع، ومعنى الحوالة به أن يكون لرجل طعام من سلم وعليه مثله من قرض أو سلم آخر أو بيع فيحيل بما عليه من الطعام على الذي له عنده السلم فلا يجوز، وإن أحال المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه لم يصح أيضا؛ لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه فلم يجز كالبيع. وأما بيع المسلم فيه من بائعه فهو أن يأخذ غير ما أسلم فيه عوضا عن المسلم فيه، فهذا حرام سواء كان المسلم فيه موجودا أو معدوما سواء كان العرض مثل المسلم فيه في القيمة أو أقل أو أكثر، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى فيمن أسلم في بر فعدمه عند المحل، فرضي المسلم بأخذ الشعير مكان البر- جاز، ولم يجز أكثر من ذلك، وهذا يحمل على الرواية التي فيها أن البر والشعير جنس واحد، والصحيح في المذهب خلافه. وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه يتعجله ولا يؤخره، إلا الطعام.

стр. 2485

قال ابن المنذر: وقد ثبت أن ابن عباس قال: (إذا أسلم في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضا أنقص منه ولا تربح مرتين) رواه سعيد في سننه. ولنا: قول النبي ﷺ : «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره (١) » رواه أبو داود وابن ماجه، ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع، فلم يجز كبيعه من غيره، فأما إن أعطاه من جنس ما أسلم فيه خيرا منه أو دونه في الصفات- جاز، لأن ذلك ليس ببيع، إنما هو قضاء للحق مع تفضل من أحدهما.

стр. 2486

قال ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] على حديث «من أسلف في شيء فلا يصرفه في غيره (١) » (٢) : اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث وهو جواز أخذ غير المسلم فيه عوضا عنه وللمسألة صورتان: إحداهما: أن يعاوض عن المسلم فيه مع بقاء عقد السلم، فيكون قد باع دين السلم قبل قبضه. والصورة الثانية: أن ينفسخ العقد بإقالة أو غيرها، فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه؟ فأما المسألة الأولى: فمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد - في المشهور عنه- أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه لا لمن هو في ذمته ولا لغيره. وحكى بعض أصحابنا ذلك إجماعا، وليس بإجماع فمذهب مالك جوازه، وقد نص عليه أحمد في غير موضع، وجوز أن يأخذ عوضه عرضا بقدر قيمة دين السلم وقت الاعتياض ولا يربح فيه.

стр. 2487

وطائفة من أصحابنا خصت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط، كما قال في المستوعب: ومن أسلم في شيء لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين، والأخرى: يجوز أن يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب؛ كالشعير ونحوه بمقدار كيل الحنطة لا أكثر منها ولا بقيمتها، نص عليه في رواية أبي طالب: إذا أسلفت في كر حنطة فأخذت شعيرا فلا بأس وهو دون حقك، ولا يأخذ مكان الشعير حنطة. وطائفة ثالثة من أصحابنا: جعلت المسألة رواية واحدة، وأن هذا النص بناء على قوله في الحنطة والشعير أنهما جنس واحدة، وهي طريقة صاحب المغني. وطائفة رابعة من أصحابنا: حكوا رواية مطلقة في المكيل والموزون وغيره، ونصوص أحمد تدل على صحة هذه الطريقة، وهي طريقة أبي حفص الطبري وغيره. قال القاضي: نقلت من خط أبي حفص في مجموعه: فإن كان ما أسلم فيما يكال أو يوزن فأخذ من غير نوعه مثل كيله مما هو دونه في الجودة- جاز، وكذلك إن أخذ بثمنه مما لا يكال ولا يوزن كيف شاء. ونقل أبو القاسم عن أحمد، قلت لأبي عبد الله: إذا لم يجد ما أسلم فيه ووجد غيره من جنسه أيأخذه؟ قال: نعم، إذا كان دون الشيء الذي له، كما لو أسلم في قفيز حنطة موصلي فقال: آخذ مكانه شلبيا. أو قفيز شعير فكيلته واحدة لا يزداد، وإن كان فوقه فلا يأخذ، وذكر حديث ابن عباس الذي رواه طاوس عنه (إذا أسلمت في شيء فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضا بأنقص منه ولا تربح مرتين) .

стр. 2488

ونقل أحمد بن أصرم: سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى أجل، فإذا حل الأجل يشتري منه عقارا أو دارا؟ فقال: نعم، يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن. وقال حرب: سألت أحمد فقلت: رجل أسلم إلى رجل دراهم في بر فلما حل الأجل لم يكن عنده بر؟ فقال: قوم الشعير بالدراهم فخذ من الشعير فقال: لا يأخذ منه الشعير إلا مثل كيل البر أو أنقص، قلت: إذا كان البر عشرة أجربة يأخذ الشعير عشرة أجربة؟ قال: نعم. إذا عرف هذا فاحتج المانعون بوجوه: أحدها: الحديث. والثاني: نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه. والثالث: نهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن وهذا غير مضمون عليه؛ لأنه في ذمة المسلم إليه. والرابع: أن هذا المبيع مضمون له على المسلم إليه، فلو جوزنا بيعه صار مضمونا عليه للمشتري فيتولى في المبيع ضمانان. الخامس: أن هذا إجماع كما تقدم. هذا جملة ما احتجوا به. قال المجوزون بالصواب: جواز هذا العقد والكلام معكم في مقامين: أحدهما: في الاستدلال على جوازه. والثاني: في الجواب عما استدللتم به على المنع. فأما الأول: فنقول: قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: (إذا أسلفت في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت وإلا فخذ عوضا أنقص منه

стр. 2489

ولا تربح مرتين) رواه شعبة. فهذا قول صحابي، وهو حجة، ما لم يخالف. قالوا: وأيضا فلو امتنعت المعاوضة عليه لكان ذلك لأجل كونه مبيعا لم يتصل به القبض وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: «أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم واخذ الدنانير؟ فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء (١) » ، فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه. فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره؟ قالوا: وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في ذمته، فقد نص عليه في مواضع حكاه شيخنا أبو العباس ابن تيمية ﵀ عنه. والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم، وقالوا: لأنه دين، فلا يجوز بيعه كدين السلم، وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه. والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه، ومالك يجوز بيعه من غير المستلف. والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر والقياس التسوية بينهما. وأما المقام الثاني: فقالوا: أما الحديث: فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: ضعفه كما تقدم. والثاني: أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر أو يبيعه

стр. 2490

بمعين مؤجل؛ لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين، وهو منهي عنه، وأما بيعه بعوض حاضر من غير ربح فلا محذور فيه، كما أذن فيه النبي ﷺ في حديث ابن عمر. فالذي نهي عنه من ذلك: هو من جنس ما نهي عنه من بيع الكالئ بالكالئ، والذي يجوز منه هو من جنس ما أذن فيه من بيع النقد لمن هو في ذمته بغيره من غير ربح. وأما نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه: فهذا إنما هو في المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه لا حدوث ملك له، فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة. فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عوضا أو غيره أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفى دينه؛ لأن بدله يقوم مقامه، ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال. والبيع المعروف: هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهذا لم يملك شيئا، بل سقط الدين من ذمته؛ ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع. ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يسمى بيعا، وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعا، فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعا، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة ولو حلف ليقضينه حقه غدا فأعطاه عنه عوضا بر في أصح الوجهين. وجواب آخر: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أريد به بيعه من غير
следующие страницы →