← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

قال ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] على حديث «من أسلف في شيء فلا يصرفه في غيره (١) » (٢) : اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث وهو جواز أخذ غير المسلم فيه عوضا عنه وللمسألة صورتان: إحداهما: أن يعاوض عن المسلم فيه مع بقاء عقد السلم، فيكون قد باع دين السلم قبل قبضه. والصورة الثانية: أن ينفسخ العقد بإقالة أو غيرها، فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه؟ فأما المسألة الأولى: فمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد - في المشهور عنه- أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه لا لمن هو في ذمته ولا لغيره. وحكى بعض أصحابنا ذلك إجماعا، وليس بإجماع فمذهب مالك جوازه، وقد نص عليه أحمد في غير موضع، وجوز أن يأخذ عوضه عرضا بقدر قيمة دين السلم وقت الاعتياض ولا يربح فيه.

стр. 2487

وطائفة من أصحابنا خصت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط، كما قال في المستوعب: ومن أسلم في شيء لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين، والأخرى: يجوز أن يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب؛ كالشعير ونحوه بمقدار كيل الحنطة لا أكثر منها ولا بقيمتها، نص عليه في رواية أبي طالب: إذا أسلفت في كر حنطة فأخذت شعيرا فلا بأس وهو دون حقك، ولا يأخذ مكان الشعير حنطة. وطائفة ثالثة من أصحابنا: جعلت المسألة رواية واحدة، وأن هذا النص بناء على قوله في الحنطة والشعير أنهما جنس واحدة، وهي طريقة صاحب المغني. وطائفة رابعة من أصحابنا: حكوا رواية مطلقة في المكيل والموزون وغيره، ونصوص أحمد تدل على صحة هذه الطريقة، وهي طريقة أبي حفص الطبري وغيره. قال القاضي: نقلت من خط أبي حفص في مجموعه: فإن كان ما أسلم فيما يكال أو يوزن فأخذ من غير نوعه مثل كيله مما هو دونه في الجودة- جاز، وكذلك إن أخذ بثمنه مما لا يكال ولا يوزن كيف شاء. ونقل أبو القاسم عن أحمد، قلت لأبي عبد الله: إذا لم يجد ما أسلم فيه ووجد غيره من جنسه أيأخذه؟ قال: نعم، إذا كان دون الشيء الذي له، كما لو أسلم في قفيز حنطة موصلي فقال: آخذ مكانه شلبيا. أو قفيز شعير فكيلته واحدة لا يزداد، وإن كان فوقه فلا يأخذ، وذكر حديث ابن عباس الذي رواه طاوس عنه (إذا أسلمت في شيء فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضا بأنقص منه ولا تربح مرتين) .

стр. 2488

ونقل أحمد بن أصرم: سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى أجل، فإذا حل الأجل يشتري منه عقارا أو دارا؟ فقال: نعم، يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن. وقال حرب: سألت أحمد فقلت: رجل أسلم إلى رجل دراهم في بر فلما حل الأجل لم يكن عنده بر؟ فقال: قوم الشعير بالدراهم فخذ من الشعير فقال: لا يأخذ منه الشعير إلا مثل كيل البر أو أنقص، قلت: إذا كان البر عشرة أجربة يأخذ الشعير عشرة أجربة؟ قال: نعم. إذا عرف هذا فاحتج المانعون بوجوه: أحدها: الحديث. والثاني: نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه. والثالث: نهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن وهذا غير مضمون عليه؛ لأنه في ذمة المسلم إليه. والرابع: أن هذا المبيع مضمون له على المسلم إليه، فلو جوزنا بيعه صار مضمونا عليه للمشتري فيتولى في المبيع ضمانان. الخامس: أن هذا إجماع كما تقدم. هذا جملة ما احتجوا به. قال المجوزون بالصواب: جواز هذا العقد والكلام معكم في مقامين: أحدهما: في الاستدلال على جوازه. والثاني: في الجواب عما استدللتم به على المنع. فأما الأول: فنقول: قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: (إذا أسلفت في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت وإلا فخذ عوضا أنقص منه

стр. 2489

ولا تربح مرتين) رواه شعبة. فهذا قول صحابي، وهو حجة، ما لم يخالف. قالوا: وأيضا فلو امتنعت المعاوضة عليه لكان ذلك لأجل كونه مبيعا لم يتصل به القبض وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: «أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم واخذ الدنانير؟ فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء (١) » ، فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه. فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره؟ قالوا: وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في ذمته، فقد نص عليه في مواضع حكاه شيخنا أبو العباس ابن تيمية ﵀ عنه. والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم، وقالوا: لأنه دين، فلا يجوز بيعه كدين السلم، وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه. والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه، ومالك يجوز بيعه من غير المستلف. والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر والقياس التسوية بينهما. وأما المقام الثاني: فقالوا: أما الحديث: فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: ضعفه كما تقدم. والثاني: أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر أو يبيعه

стр. 2490

بمعين مؤجل؛ لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين، وهو منهي عنه، وأما بيعه بعوض حاضر من غير ربح فلا محذور فيه، كما أذن فيه النبي ﷺ في حديث ابن عمر. فالذي نهي عنه من ذلك: هو من جنس ما نهي عنه من بيع الكالئ بالكالئ، والذي يجوز منه هو من جنس ما أذن فيه من بيع النقد لمن هو في ذمته بغيره من غير ربح. وأما نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه: فهذا إنما هو في المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه لا حدوث ملك له، فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة. فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عوضا أو غيره أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفى دينه؛ لأن بدله يقوم مقامه، ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال. والبيع المعروف: هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهذا لم يملك شيئا، بل سقط الدين من ذمته؛ ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع. ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يسمى بيعا، وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعا، فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعا، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة ولو حلف ليقضينه حقه غدا فأعطاه عنه عوضا بر في أصح الوجهين. وجواب آخر: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أريد به بيعه من غير

стр. 2491

بائعه، وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان. وذلك لأن العلة في المنع إن كانت توالي الضمانين اطرد المنع في البائع وغيره، وإن كانت عدم تمام الاستيلاء، وأن البائع لم تنقطع علقه عن المبيع، بحيث ينقطع طمعه في الفسخ ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه- لم يطرد النهي في بيعه من بائعه قبل قبضه لانتفاء هذه العلة في حقه، وهذه العلة أظهر، وتوالي الضمانين ليس بعلة مؤثرة، ولا تتنافى بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه وعليه من وجه آخر، فهي مضمونة له وعليه باعتبارين، وأي محذور في هذا كمنافع الإجارة؟ فإن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره، فتكون المنفعة مضمونة له وعليه وكالثمار بعد بدو صلاحها، له أن يبيعها على الشجر وإن أصابتها جائحة رجع على البائع فهي مضمونة له وعليه، ونظائره كثيرة. وأيضا: فبيعه من بائعه شبيه بالإقالة وهي جائزة قبل القبض على الصحة، وأيضا فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع، وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير جائز في أحد القولين. فعلم أن الأمر في دين السلم أسهل منه في بيع الأعيان، فإذا جاز في الأعيان أن تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز كما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقا بخلاف الإقالة في الأعيان. ومما يوضح ذلك: أن ابن عباس لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه، واحتج عليه بنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه، وقال: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام، ومع هذا فقد ثبت عنه: أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه ولم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون

стр. 2492

وغيرهما؛ لأن البيع هنا من البائع للبائع الذي هو في ذمته، فهو يقبضه من نفسه لنفسه، بل في الحقيقة ليس هنا قبض، بل يسقط عنه ما في ذمته، فتبرأ ذمته وبراءة الذمم مطلوبة في نظر الشرع؛ لما في شغلها من المفسدة، فكيف يصح قياس هذا على بيع شيء غير مقبوض لأجنبي لم يتحصل بعد ولم تنقطع علق بائعه عنه؟ وأيضا: فإنه لو سلم المسلم فيه ثم أعاده إليه جاز، فأي فائدة في أخذه منه ثم إعادته إليه؟ وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقة لم تحصل بها فائدة؟ ومن هنا يعرف فضل علم الصحابة وفقههم على كل من بعدهم. قالوا: وأما استدلالكم بنهي النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن: فنحن نقول بموجبه، وأنه لا يربح فيه، كما قال ابن عباس: خذ عوضا بأنقص منه ولا تربح مرتين. فنحن إنما نجوز له أن يعاوض عنه بسعر يومه، كما قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر في بيع النقود في الذمة: «لا بأس إذا أخذتم بسعر يومها (١) » ، فالنبي ﷺ إنما جوز الاعتياض عن الثمن بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن. وقد نص أحمد على هذا الأصل في بدل العوض وغيره من الديون: أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن. وكذلك قال مالك: يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه، كما قال ابن عباس، لكن مالك يستثني الطعام خاصة؛ لأن من أصله: أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز، بخلاف غيره. وأما أحمد: فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعوض أو حيوان أو نحوه دون

стр. 2493

أن يعتاض بمكيل أو موزون، فإن كان بعوض ونحوه جوزه بسعر يومه، كما قال ابن عباس ومالك، وإن اعتاض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون فإنه منعه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض إذا كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين، ولكن جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه كالشعير عن الحنطة نظرا منه إلى أن هذا استيفاء لا معاوضة كما لا يستوفى الجيد عن الرديء، ففي العوض جوز المعاوضة إذ لا يشترط هناك تقابض، وفي المكيل والموزون منع المعاوضة لأجل التقابض وجوز أخذ قدر حقه أو دونه؛ لأنه استيفاء، وهذا من دقيق فقهه ﵁. قالوا: وأما قولكم: إن هذا الدين مضمون له، فلو جوزنا بيعه لزم توالي الضمانين فهو دليل باطل من وجهين: أحدهما: أنه لا توالي ضمانين هنا أصلا، فإن الدين كان مضمونا له في ذمة المسلم إليه، فإذا باعه إياه لم يصر مضمونا عليه بحال، لأنه مقبوض في ذمة المسلم إليه، فمن أي وجه يكون مضمونا على البائع، بل لو باعه لغيره لكان مضمونا له على المسلم إليه ومضمونا عليه للمشتري، وحينئذ يتوالى ضمانان. الجواب الثاني: أنه لا محذور في توالي الضمانين، وليس بوصف مستلزم لمفسدة يحرم العقد لأجلها، وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف وأي حكم علق الشارع فساده على توالي الضمانين؟ وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له. وقد قدمنا ذكر الضرر التي فيها توالي الضمانين، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع في الذمة ولا فرق بينه وبين دين السلم.

стр. 2494

قالوا: وأيضا فالمبيع إذا أتلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري فإذا كان هذا المشتري قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر، فلا محذور في ذلك. وشاهده: المنافع في الإجارة والثمرة قبل القطع، فإنه قد ثبت في السنة الصحيحة التي لا معارض لها: وضع الثمن عن المشتري إذا أصابتها جائحة، ومع هذا يجوز التصرف فيها، ولو تلفت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذي أخذه، كما هي مضمونة له بالثمن الذي دفعه. قالوا: وأما قولكم: إن المنع منه إجماع فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس وعالم المدينة مالك بن أنس؟ فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم، والواجب عند التنازع: الرد إلى الله وإلى رسول الله ﷺ .

стр. 2495

(فصل) وأما المسألة الثانية: وهي إذا انفسخ العقد بإقالة أو غيرها فهل يجوز أن يأخذ عن دين السلم عوضا من غير جنسه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز ذلك حتى يقبضه ثم يصرفه فيما شاء، وهذا اختيار الشريف أبي جعفر وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: يجوز أخذ العوض عنه، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وشيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب الشافعي، وهو الصحيح، فإن هذا عوض مستقر في الذمة فجازت المعاوضة عليه كسائر الديون من القرض وغيره. وأيضا: فهذا مال رجع إليه بفسخ العقد فجاز أخذ العوض عنه كالثمن

стр. 2496

في المبيع. وأيضا: فحديث ابن عمر في المعاوضة عما في الذمة صريح في الجواز. واحتج المانعون بقوله ﷺ : «من أسلم في شيء فلا يصرف إلى غيره (١) » . قالوا: ولأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم تجز المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته كالمسلم فيه. قال المجوزون: أما استدلالكم بالحديث: فقد تقدم ضعفه، ولو صح لم يتناول محل النزاع؛ لأنه لم يصرف المسلم فيه في غيره، وإنما عاوض عن دين السلم بغيره فأين المسلم فيه من رأس مال السلم؟ وأما قياسكم المنع على نفس المسلم فيه: فالكلام فيه أيضا، وقد تقدم: أنه لا نص يقتضي المنع منه ولا إجماع ولا قياس. ثم لو قدر تسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه ورأس مال السلم واضحا، فإن المسلم فيه مضمون بنفس العقد، والثمن إنما يضمن بعد فسخ العقد فكيف يلحق أحدهما بالآخر؟ فثبت أنه لا نص في المنع ولا إجماع ولا قياس. فإذا عرف هذا فحكم رأس المال بعد الفسخ حكم سائر الديون لا يجوز أن تجعل سلما في شيء آخر لوجهين: أحدهما: أنه بيع دين بدين. والثاني: أنه من ضمان المسلم إليه فإذا جعله سلما في شيء آخر ربح فيه وذلك ربح ما لم يضمن، ويجوز فيه ما يجوز في دين القرض وأثمان المبيعات إذا قسمت فإذا أخذ فيه أحد النقدين عن الآخر وجب قبض

стр. 2497

العوض في المجلس؛ لأنه صرف بسعر يومه، لأنه غير مضمون عليه، وإن عاوض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون من غير جنسه كقطن بحرير أو كتان وجب قبض عوضه في مجلس التعويض وإن بيع بغير مكيل أو موزون؛ كالعقار والحيوان فهل يشترط القبض في مجلس التعويض؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يشترط، وهو منصوص أحمد. والثاني: يشترط. ومأخذ القولين: أن تأخير قبض العوض يشبه بيع الدين بالدين فيمنع منه، ومأخذ الجواز- وهو الصحيح- أن النسائين ما لا يجمعهما علة الربا كالحيوان بالموزون جائز للاتفاق على جواز سلم النقدين في ذلك، والله أعلم. ونظير هذه المسألة: إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلا بثمن مؤجل فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلا آخر من غير الجنس مما يمتنع ربا النساء بينهما فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: المنع، وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس، وهو مذهب مالك وإسحاق. والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وابن المنذر، وبه قال جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، وهو اختيار صاحب [المغني] وشيخنا. والأول: اختيار عامة الأصحاب. والصحيح: الجواز؛ لما تقدم.

стр. 2498

قال عبد الله بن زيد: قدمت على علي بن حسين، فقلت له: إني أجذ نخلي وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيقدمون بالحنطة وقد حل الأجل فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم وأقاصهم؟ قال: لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك على رأي، يعني: إذا لم يكن حيلة مقصودة. فهذا شراء للطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول فصح؛ لأنه لا يتضمن ربا بنسيئة ولا تفاضل. والذين يمنعون ذلك يجوزون أن يشتري منه الطعام بدراهم ويسلمها إليه ثم يأخذها منه وفاء أو نسيئة منه بدراهم في ذمته ثم يقاصه بها، ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم التي له في ذمته أيسر من هذا وأقل كلفة، والله أعلم. قال محمد بن إسماعيل الصنعاني في [سبل السلام] : وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» يعني: الدين بالدين، رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف، ورواه الحاكم والدارقطني من دون تفسير، لكن في إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، قال أحمد: لا تحل الرواية عندي عنه، ولا أعرف هذا الحديث لغيره، وصحفه الحاكم فقال: موسى بن عتبة، فصححه على شرط مسلم، وتعجب البيهقي من تصحيفه على الحاكم، قال أحمد: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس أنه لا يجوز بيع دين بدين، وظاهر الحديث أن تفسيره بذلك مرفوع، والكالئ من كلاء الدين كلوا فهو كالئ إذا تأخر، وكلأته إذا أنسأته، وقد لا يهمز تخفيفا، قال في النهاية: هو أن يشتري الرجل شيئا إلى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به فيقول:

стр. 2499

بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض والحديث دل على تحريم ذلك وإذا وقع كان باطلا.

стр. 2500

٣ - بيعتان في بيعة: آراء الفقهاء في حكم البيعتين في بيعة مع التوجيه والمناقشة: قال النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (١) : قال المصنف ﵀: فإن قال: بعتك بألف مثقال ذهبا وفضة، فالبيع باطل؛ لأنه لم يبين القدر من كل واحد منهما فكان باطلا، وإن قال: بعتك بألف نقدا أو بألفين نسيئة: فالبيع باطل، لأنه لم يعقد على ثمن بعينه، فهو كما لو قال: بعتك أحد هذين العبدين. (الشرح) هاتان المسألتان كما قالهما باتفاق الأصحاب، وهما داخلتان في النهي عن بيع الغرر، وقد روى أبو هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (٢) » رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأنس، وفسر الشافعي وغيره من العلماء البيعتين في بيعة تفسيرين: أحدهما: أن يقول: بعتك هذا بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة. والثاني: أن يقول: بعتك بمائة مثلا على أن تبيعني دارك بكذا وكذا. وقد ذكر المصنف التفسيرين في الفصل الذي بعد هذا، وذكرهما أيضا في التنبيه وذكرهما الأصحاب وغيرهم، والأول أشهر وعلى التقديرين البيع

стр. 2501

باطل بالإجماع. (وأما) الحديث الذي في [سنن أبي داود] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (١) » ، فقال الخطابي وغيره: يحتمل أن يكون ذلك في قصة بعينها، كأن أسلف دينارا في قفيز حنطة إلى شهر فحل الأجل فطالبه فقال: بعني القفيز الذي لك علي إلى شهرين بقفيزين، فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيرد إلى أوكسهما وهو الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني قبل فسخ الأول كانا قد دخلا في الربا، والله أعلم. (فرع) في مذاهب العلماء فيمن باع بألف مثقال ذهب وفضة، مذهبنا أنه بيع باطل، وقال أبو حنيفة: يصح ويكون الثمن نصفين، واحتج أصحابنا بالقياس على ما لو باعه بألف بعضه ذهب وبعضه فضة فإنه لا يصح.

стр. 2502

ب- قال عبد الله بن قدامة ﵀ في [المغني] (١) : مسألة: قال: وإذا قال: بعتك بكذا على أن آخذ منك الدينار بكذا، لم ينعقد البيع، وكذلك إن باعه بذهب على أن يأخذ منه دراهم بصرف ذكراه، وجملته: أن البيع بهذه الصفة باطل؛ لأنه شرط في العقد أن يصارفه بالثمن الذي وقع العقد به، والمصارفة عقد بيع فيكون بيعتان في بيعة، قال أحمد هذا معناه، وقد روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة (٢) » أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ ، وهكذا كل ما كان في معنى هذا مثل أن

стр. 2503

يقول: بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا، أو على أن تبيعني دارك، أو على أن أؤجرك أو على أن تؤجرني كذا، أو على أن تزوجني ابنتك أو على أن أزوجك ابنتي ونحو هذا، فهذا كله لا يصح، قال ابن مسعود: الصفقتان في صفقة ربا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، وجوزه مالك وقال: لا ألتفت إلى اللفظ الفاسد، إذا كان معلوما حلالا، فكأنه باع السلعة بالدراهم التي ذكر أنه يأخذها بالدنانير. ولنا: الخبر، وأن النهي يقتضى الفساد، ولأن العقد لا يجب بالشرط؛ لكونه لا يثبت في الذمة فيسقط فيفسد العقد؛ لأن البائع لم يرض به إلا بذلك الشرط، فإذا فات فات الرضا به، ولأنه شرط عقدا في عقد فلم يصح كنكاح الشغار، وقوله: لا ألتفت إلى اللفظ، لا يصح؛ لأن البيع هو اللفظ، فإذا كان فاسدا فكيف يكون صحيحا، ويتخرج أن يصح البيع ويفسد الشرط بناء على ما لو شرط ما ينافي مقتضى العقد كما سبق، والله أعلم. (فصل) وقد روي في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر: وهو أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرة نقدا أو بخمسة عشر نسيئة، أو بعشرة مكسرة أو تسعة صحاحا، هكذا فسره مالك والثوري وإسحاق وهو أيضا باطل، وهو قول الجمهور؛ لأنه لم يجزم له ببيع واحد فأشبه ما لو قال: بعتك هذا أو هذا؛ ولأن الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول؛ ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم، فلم يصح كما لو قال: بعتك أحد عبيدي، وقد روي عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا فيذهب على أحدهما، وهذا محمول على أنه

стр. 2504

جرى بينهما بعد ما يجري في العقد، فكأن المشتري قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا فقال خذه، أو قد رضيت ونحو ذلك، فيكون هذا عقدا كافيا وإن لم يوجد ما يقوم مقام الإيجاب أو يدل عليه لم يصح؛ لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابا؛ لما ذكرنا، وقد روي عن أحمد فيمن قال: إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم: أنه يصح، فيحتمل أن يلحق به هذا البيع فيخرج وجها في الصحة، ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن العقد ثم يمكن أن يصح؛ لكونه جعالة يحتمل فيه الجهالة بخلاف البيع، ولأن العمل الذي يستحق به الأجرة لا يمكن وقوعه إلا على إحدى الصفقتين فتتعين الأجرة المسماة عوضا له، فلا يفضي إلى التنازع، وههنا بخلافه. (فصل) لو باعه بشرط أن يسلفه أو يقرضه أو شرط المشتري ذلك عليه، فهو محرم والبيع باطل، وهذا مذهب مالك والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا إلا أن مالكا قال: إن ترك مشترط السلف صح البيع. ولنا: ما روى عبد الله بن عمرو «أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، وعن بيع ما لم يقبض، وعن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف (١) » أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وفي لفظ: «لا يحل بيع وسلف (٢) » ، ولأنه اشترط عقدا في عقد، ففسد كبيعتين في بيعة، ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن لأجله فتصير الزيادة في الثمن عوضا عن القرض وربحا له، وذلك ربا محرم ففسد، كما لو صرح به، ولأنه بيع فاسد فلا يعود صحيحا كما لو باع درهما بدرهمين ثم ترك أحدهما.

стр. 2505

(فصل) ج- قال محمد بن علي الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] . (باب بيعتين في بيعة) (١) : عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (٢) » رواه أبو داود، وفي لفظ: «نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة (٣) » رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، وعن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: «نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة (٤) » قال سماك: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسأ بكذا، وهو بنقد بكذا وكذا) رواه أحمد. حديث أبي هريرة باللفظ الأول في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد، قال المنذري: والمشهور عنه من رواية الدراوردي ومحمد بن عبد الله الأنصاري أنه ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، انتهى. وهو باللفظ الثاني عند من ذكره المصنف، وأخرجه أيضا الشافعي ومالك في بلاغاته، وحديث ابن مسعود أورده الحافظ في [التلخيص] وسكت عنه، وقال في [مجمع الزوائد] : رجال أحمد ثقات، وأخرجه أيضا البزار والطبراني في [الكبير] و [الأوسط] ، وفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني وابن عبد البر قوله: من باع بيعتين فسره سماك بما رواه المصنف عن أحمد عنه، وقد وافقه على مثل ذلك الشافعي فقال: بأن يقول: بعتك بألف نقدا أو ألفين إلى سنة فخذ أيهما شئت أنت وشئت أنا، ونقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإيهام

стр. 2506

أما لو قال: قبلت بألف نقدا أو بألفين بالنسيئة صح ذلك، وقد فسر الشافعي في تفسير آخر فقال: هو أن يقول بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا، أي: إذا وجب لك عندي وجب لي عندك، وهذا يصلح تفسيرا للرواية الأخرى من حديث أبي هريرة لا للأولى فإن قوله: فله أوكسهما يدل على أنه باع الشيء الواحد بيعتين ببيعة بأقل وبيعة بأكثر. وقيل في تفسير ذلك: هو أن يسلفه دينارا في قفيز حنطة إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني القفيز الذي لك علي إلى شهرين بقفيزين فصار ذلك بيعتين في بيعة؛ لأن البيع الثاني قد دخل على الأول فيرد إليه أوكسهما وهو الأول كذا في شرح السنن لابن رسلان، قوله: «فله أوكسهما (١) » أي: أنقصها، قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بظاهر الحديث وصحح البيع بأوكس الثمنين إلا ما حكي عن الأوزاعي وهو مذهب فاسد، انتهى. ولا يخفى أن ما قاله هو ظاهر الحديث؛ لأن الحكم له بالأوكس يستلزم صحة البيع به: قوله: «أو الربا (٢) » يعني: أو يكون قد دخل هو وصاحبه في الربا المحرم إذا لم يأخذ الأوكس، بل أخذ الأكثر وذلك ظاهر في التفسير الذي ذكره ابن رسلان، وأما في التفسير الذي ذكره أحمد عن سماك وذكره الشافعي ففيه متمسك، من قال: يحرم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء، وقد ذهب إلى ذلك زين العابدين علي بن الحسين والناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى. وقالت الشافعية والحنفية وزيد بن علي والمؤيد بالله والجمهور: إنه يجوز؛ لعموم الأدلة القاضية بجوازه وهو الظاهر؛ لأن ذلك المتمسك هو

стр. 2507

الرواية الأولى من حديث أبي هريرة، وقد عرفت ما في راويها من المقال ومع ذلك فالمشهور عنه اللفظ الذي رواه غيره وهو النهي عن بيعتين في بيعة، ولا نتيجة فيه على المطلوب، ولو سلمنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك الراوي صالحة للاحتجاج- لكان احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع كما سلف عن ابن رسلان قادحا في الاستدلال بها على التنازع فيه، على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة وهي أن يقول: نقدا بكذا ونسيئة بكذا إلا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط وكان أكثر من سعر يومه مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة ولا يدل الحديث على ذلك فالدليل أخص من الدعوى، وقد جمعنا رسالة في هذه المسألة وسميناها: شفاء الغلل في حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل، وحققناها تحقيقا لم نسبق إليه، والعلة في تحريم بيعتين في بيعة عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين، والتعليق بالشرط المستقبل في صورة بيع هذا على أن يبيع منه ذاك، ولزوم الربا في صورة القفيز الحنطة: قوله: (أو صفقتين في صفقة) أي: بيعتين في بيعة.

стр. 2508

د- قال صاحب [نصب الراية- ﵀ في- أحاديث الهداية] : الحديث الثالث عشر: روي «أن النبي ﷺ نهى عن صفقتين في صفقة (١) » ، قلت: رواه أحمد في [مسنده] حدثنا حسن، وأبو النضر، وأسود بن عامر، قالوا: ثنا شريك عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: «نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة، (٢) » قال أسود: قال شريك: قال سماك: هو أن يبيع الرجل بيعا فيقول: هو نقدا بكذا، ونسيئة بكذا، انتهى.

стр. 2509

ورواه البزار في [مسنده] ، عن أسود بن عامر به ورواه الطبراني في [معجمه الأوسط] ، حدثنا أحمد بن القاسم حدثنا عبد الملك بن عبد ربه الطائي حدثنا ابن السماك بن حرب عن أبيه مرفوعا: «لا تحل صفقتان في صفقة،» انتهى. ورواه العقيلي في [ضعفائه] ، من حديث عمرو بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي حدثنا سفيان عن سماك به مرفوعا: «الصفقة في الصفتين ربا،» انتهى، وأعله بعمرو بن عثمان هذا، وقال: لا يتابع على رفعه، والموقوف أولى، ثم أخرجه من طريق أبي نعيم: حدثنا سفيان به موقوفا، وهكذا رواه الطبراني في [معجمه الكبير] من طريق أبي نعيم به موقوفا، وكذلك رواه أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به موقوفا، قال أبو عبيد: ومعنى (صفقتان في صفقة) : أن يقول الرجل للرجل: أبيعك هذا نقدا بكذا ونسيئة بكذا، ويفترقان عليه، انتهى. وكذلك رواه ابن حبان في [صحيحه] ، في النوع الثامن والعشرين من القسم الأول من حدثنا شعبة عن سماك به موقوفا، الصفقة في الصفقتين ربا، وأعاده في النوع التاسع والمائة من القسم الثاني كذلك، بلفظ: لا تحل صفقتان في صفقة. اهـ. حديث آخر: أخرجه الترمذي والنسائي عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ «نهى عن بيعتين في بيعة (١) » . انتهى، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال: وفسره بعض أهل العلم: أن يقول الرجل: أبيعك هذا الثوب نقدا بعشرة، ونسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا

стр. 2510

كانت العقدة على أحدهما، وقال الشافعي: معناه أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا، على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري، انتهى، والمصنف فسره بأن يقول: أبيعك عبدي هذا على أن تخدمني شهرا، أو داري هذه على أن أسكنها شهرا، قال: فإن الخدمة والسكنى إن كان يقابلها شيء من الثمن يكون إجارة في بيع، وإلا فهو إعارة في بيع، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع صفقتين.. الحديث، والحديث في [الموطأ] ، بلاغ، قال أبو مصعب: أخبرنا مالك أنه بلغه «أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (١) » ) ا. هـ.

стр. 2511

٤ - بيع المضطر: أ- جاء في [سنن أبي داود] (١) : عن شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي بن أبي طالب - أو قال: قال علي سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢) ويبايع المضطرون، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرك، في إسناده رجل مجهول. قال الشيخ: بيع المضطر يكون من وجهين: أحدهما: أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه فهذا فاسد لا ينعقد، والوجه الآخر أن يضطر إلى البيع لدين يركبه أو مؤونة ترهقه فيبيع

стр. 2512

ما في يده بالوكس من أجل الضرورة، لهذا سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه، وأن لا يفتات عليه بماله، ولكن يعان ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة حتى يكون له في ذلك بلاغ، فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جاز في الحكم ولم يفسخ. وفي إسناد الحديث رجل مجهول لا ندري من هو إلا أن عامة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه. قال الشيخ: أصل الغرر: هو ما طوي عنك علمه وخفي عليك باطنه وسره، وهو مأخوذ من قولك: طويت الثوب على غره، أي على كسره الأول، وكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، ومعجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر وذلك: مثل أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمر شجرة لم تثمر في نحوها من الأمور التي لا تعلم ولا يدرى هل تكون أم لا؛ فإن البيع مفسوخ فيها. وإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع تحصينا للأموال أن تضيع، وقطعا للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها.

стр. 2513

ب- قال ابن مفلح في البيع: وله شروط (١) : أحدها: الرضا، فإن أكره بحق صح، وإن أكره على وزن مال فباع ملكه كره الشراء، ويصح على الأصح، وهو مع المضطر، ونقل حرب تحريمه

стр. 2514

وكراهته وفسره في روايته فقال: يجيئك محتاج فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، ولأبي داود عن محمد بن عيسى عن هشيم عن صالح بن عامر، كذا قال محمد، قال: حدثنا شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي، أو قال: قال علي: «نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرك (١) » . صالح لا يعرف، تفرد عنه هشيم، والشيخ لا يعرف أيضا، ولأبي يعلى الموصلي في [مسنده] : حدثنا روح بن حاتم، حدثنا هشيم، عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة أنه قال: قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه: «إلا أن بيع المضطرين حرام (٢) » . الكوثر ضعيف بإجماع، قال أحمد: أحاديثه بواطيل، ليس بشيء، وقال ابن هبيرة: رأيت بخط ابن عقيل: حكي عن كسرى أن بعض عماله أراد أن يجري نهرا فكتب إليه أنه لا يجري إلا في بيت لعجوز فأمر أن يشتري منها فضوعف لها الثمن فلم تقبل، فكتب كسرى أن خذوا بيتها فإن المصالح الكليات تغفر فيها المفاسد الجزئيات، قال ابن عقيل: وجدت هذا صحيحا، فإن الله وهو الغاية في العدل يبعث المطر والشمس، فإن كان الحكيم القادر لم يراع نوادر المضار؛ لعموم المصالح فغيره أولى.

стр. 2515

ج- قال ابن القيم ﵀ بصدد حديثه عن اعتبار القصود في العقود (١) : الصورة السابعة: إذا اشترى أو استأجر مكرها لم يصح، وإن كان في الظاهر قد حصل صورة العقد لعدم قصده وإرادته فدل على أن القصد روح

стр. 2516

العقد ومصححه ومبطله فاعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ فإن الألفاظ مقصودة لغيرها ومقاصد العقود هي التي تراد لأجلها، فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره لما قد يسوغ إلغاؤه، وكيف يقدم اعتبار اللفظ الذي قد ظهر كل الظهور أن المراد خلافه؟ بل قد يقطع بذلك على المعنى الذي قد ظهر، بل قد يتيقن أنه المراد، تقدم بعض الكلام في بيع المضطر في الحديث عن العينة والتورق.

стр. 2517

٥ - بيع الإنسان ما لم يقبض وبيعه ما ليس عنده وذكر آراء الفقهاء في ذلك: أ- قال صاحب [بدائع الصنائع وترتيب الشرائع] ﵀ بصدد كلامه عن شروط صحة البيع: ومنها: القبض في بيع المشترى المنقول فلا يصح بيعه قبل القبض لما روي أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما لم يقبض (١٦٧٢) والنهي يوجب فساد المنهي؛ ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه؛ لأنه إذا هلك المعقود عليه قبل القبض يبطل البيع الأول فينفسخ الثاني؛ لأنه بناه على الأول، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع فيه غرر (١٦٧٣) وسواء باعه من غير بائعه؛ لأن النهي مطلق لا يوجب الفصل بين البيع من غير بائعه وبيع البيع من بائعه، وكذا معنى الغرر لا يفصل بينهما فلا يصح الثاني والأول على حاله، ولا يجوز إشراكه وتوليته؛ لأن كل ذلك بيع. ا. هـ المقصود منه (١) .

стр. 2518

ب- قال ابن رشد ﵀ في [بداية المجتهد ونهاية المقتصد] (١) : وأما بيع الطعام قبل قبضه فإن العلماء مجمعون على منع ذلك إلا ما يحكى عن عثمان البتي، وإنما أجمع العلماء على ذلك لثبوت النهي عنه عن رسول الله ﷺ من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (٢) » واختلف من هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: فيما يشترط فيه القبض من المبيعات. والثاني: في الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط. والثالثة: في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلا وجزافا، ففيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: فيما يشترط فيه القبض من المبيعات. وأما بيع ما سوى الطعام قبل القبض فلا خلاف في مذهب مالك في إجازته، وأما الطعام الربوي فلا خلاف في مذهبه أن القبض شرط في بيعه، وأما غير الربوي من الطعام فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: المنع وهي الأشهر، وبها قال أحمد وأبو ثور إلا أنهما اشترطا مع الطعام الكيل والوزن. والرواية الأخرى: الجواز. وأما أبو حنيفة فالقبض عنده شرط في كل مبيع ماعدا المبيعات التي لا

стр. 2519

تنقل ولا تحول من الدور والعقار، وأما الشافعي فإن القبض عنده شرط في كل مبيع، وبه قال الثوري، وهو مروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس وقال أبو عبيد وإسحاق، وكل شيء لا يكال ولا يوزن فلا بأس ببيعه قبل قبضه، فاشتراط هؤلاء القبض في المكيل والموزون، وبه قال ابن حبيب وعبد العزيز بن أبي سلمة وربيعة، وزاد هؤلاء مع الكيل والوزن المعدود. فيحصل في اشتراط القبض سبعة أقوال: الأول: في الطعام الربوي فقط. الثاني: في الطعام بإطلاق. الثالث: في الطعام المكيل والموزون. الرابع: في كل شيء ينقل. الخامس: في كل شيء. السادس: في المكيل والموزون. السابع: في المكيل والموزون المعدود. أما عمدة مالك في منعه ما عدا المنصوص عليه فدليل الخطاب في الحديث المتقدم، وأما عمدة الشافعي في تعميم كل بيع فعموم قوله ﷺ : «لا يحل بيع وسلف ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك (١) » ، وهذا من باب بيع ما لم يضمن، وهذا مبني على مذهبه من أن القبض شرط في دخول المبيع في ضمان المشتري، واحتج أيضا بحديث حكيم بن حزام قال: «قلت يا رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها ما يحرم؟. فقال: يا ابن أخي، إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه (٢) » ، وقال أبو عمر: حديث حكيم بن جزام رواه يحيى بن أبي كثير عن يوسف بن ماهك أن

стр. 2520

عبد الله بن عصمة حدثه أن حكيم بن حزام قال: ويوسف بن ماهك وعبد الله بن عصمة لا أعرف لهما جرحة إلا أنه لم يرو عنهما إلا رجل واحد فقط، وذلك في الحقيقة ليس بجرحة وإن كرهه جماعة من المحدثين، ومن طريق المعنى أن بيع ما لم يقبض يتطرق منه إلى الربا، وإنما استثنى أبو حنيفة ما حول وينقل صده مما لا ينقل؛ لأن ما ينقل القبض عنده فيه هي التخلية، وأما من اعتبر الكيل والوزن فلاتفاقهم أن المكيل والموزون لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن وقد نهي عن بيع ما لم يضمن. الفصل الثاني: في الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط. وأما ما يعتبر ذلك فيه مما لا يعتبر، فإن العقود تنقسم أولا إلى قسمين: وقسم يكون بغير معاوضة، كالهبات والصدقات، والذي يكون بمعاوضة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: يختص بقصد المغابنة والمكايسة وهي البيوع والإجارات والمهور والصلح والمال المضمون بالتعدي وغيره. والقسم الثاني: لا يختص بقصد المغابنة وإنما يكون على جهة الرفق وهو القرض. والقسم الثالث: فهو ما يصح أن يقع على الوجهين جميعا، أعني: على قصد المغابنة وعلى قصد الرفق، كالشركة والإقالة والتولية، وتحصيل أقوال العلماء في هذه الأقسام، أما ما كان بيعا وبعوض فلا خلاف في اشتراط القبض فيه، وذلك في الشيء الذي يشترط فيه القبض واحد من

стр. 2521

العلماء. وأما ما كان خالصا للرفق، أعني: القرض، فلا خلاف أيضا أن القبض ليس شرطا في بيعه. أعني: أنه يجوز للرجل أن يبيع القرض قبل أن يقبضه، واستثنى أبو حنيفة مما يكون بعوض المهر والخلع فقال: يجوز بيعهما قبل القبض، وأما العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة، وهي التولية والشركة والإقالة، فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الإقالة أو التولية بزيادة أو نقصان، فلا خلاف أعلمه في هذا المذهب أن ذلك جائز قبل القبض وبعده. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز الشركة ولا التولية قبل القبض، وتجوز الإقالة عندهما؛ لأنها قبل القبض فسخ بيع لا بيع، فعمدة من اشترط القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه، وإنما استثنى مالك من ذلك التولية والإقالة والشركة، للأثر والمعنى. وأما الأثر فما رواه من مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: من «ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة» ، وأما من طريق المعنى فإن هذه إنما يراد بها الرفق لا المغابنة إذا لم تدخلها زيادة ولا نقصان، وإنما استثنى من ذلك أبو حنيفة الصداق والخلع والجعل؛ لأن العوض في ذلك ليس بينا إذا لم يكن عينا. الفصل الثالث: في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلا وجزافا: وأما اشتراط القبض فيما بيع من الطعام جزافا، فإن مالكا رخص فيه وأجازه، وبه قال الأوزاعي، ولم يجز ذلك أبو حنيفة والشافعي، وحجتهما عموم الحديث المتضمن للنهي عن بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن الذريعة موجودة في الجزاف وغير الجزاف، ومن الحجة لهما ما روي عن ابن عمر أنه قال: «كنا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام جزافا، فبعث

стр. 2522

إلينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه (١) » قال أبو عمر: وإن كان مالك لم يرو عن نافع في هذا الحديث ذكر الجزاف فقد روته جماعة، وجوده عبيد الله بن عمر وغيره، وهو مقدم في حفظ حديث نافع، وعمدة المالكية أن الجزاف ليس فيه حق توفية، فهو عندهم من ضمان المشتري بنفس العقد، وهذا من باب تخصيص العموم بالقياس المظنون العلة، وقد يدخل في هذا الباب إجماع العلماء على منع بيع الرجل شيئا لا يملكه، وهو المسمى: عينة عند من يرى نقله (٢) من باب الذريعة إلى الربا، وأما من رأى منعه من جهة أنه قد لا يمكنه نقله فهو داخل في بيوع الغرر، وصورة التذرع منه إلى الربا المنهي عنه أن يقول رجل لرجل: أعطني عشرة دنانير على أن أدفع لك إلى مدة كذا ضعفا، فيقول له: هذا لا يصلح، ولكن أبيع منك سلعة كذا لسلعة يسميها ليست عنده بهذا العدد، ثم يعمد هو فيشتري تلك السلعة فيقبضها له بعد أن كمل البيع بينهما، وتلك السلعة قيمتها قريب مما كان سأله أن يعطيه من الدراهم قرضا فيرد عليه ضعفها، وفي المذهب: في هذا تفصيل ليس هذا موضع ذكره، ولا خلاف في هذه الصورة التي ذكرنا أنها غير جائزة في المذهب، أعني: إذا تقارا على الثمن الذي يأخذ به السلعة قبل شرائها، وأما الدين بالدين، فأجمع المسلمون على منعه، واختلفوا في مسائل هل هي منه أم ليست منه؟ مثل ما كان ابن القاسم لا يجيز أن يأخذ الرجل من غريمه في دين له عليه تمرا قد بدا صلاحه، ولا سكنى دار ولا جارية تتواضع، ويراه

стр. 2523

من باب الدين بالدين، وكان أشهب يجيز ذلك ويقول: ليس هذا من باب الدين بالدين وإنما الدين بالدين ما لم يشرع في أخذ شيء منه، وهو القياس عند كثير من المالكيين، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، ومما أجازه مالك في هذا الباب خالفه فيه جمهور العلماء ما قاله في المدونة من أن الناس كانوا يبيعون اللحم بسعر معلوم والثمن إلى العطاء، فيأخذ المبتاع كل يوم وزنا معلوما، قال: ولم ير الناس بذلك بأسا، وكذلك كل شيء ما يبتاع في الأسواق، وروى ابن القاسم أن ذلك لا يجوز إلا فيما خشي عليه الفساد من الفواكه إذا أخذ جميعه، أما القمح وشبهه فلا، فهذا هي أصول هذا الباب، وهذا الباب كله إنما حرم في الشرع لمكان الغبن الذي يكون طوعا وعن علم.

стр. 2524

ج ـ قال صاحب [المجموع شرح المهذب] (١) (فرع) في مذاهب العلماء في بيع المبيع قبل القبض، وقد ذكرنا أن مذهبنا بطلانه مطلقا سواء كان الطعام أو غيره، وبه قال ابن عباس ثبت ذلك عنه ومحمد بن الحسن، قال ابن المنذر، أجمع العلماء على أن من اشترى طعاما فليس له بيعه حتى يقبضه، قال: واختلفوا في غير الطعام على أربعة مذاهب: أحدها: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه، سواء جميع المبيعات، كما في الطعام، قاله الشافعي ومحمد بن الحسن. والثاني: يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه، إلا المكيل والموزون، قاله

стр. 2525

عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وأحمد وإسحاق. والثالث: لا يجوز بيع مبيع قبل قبضه إلا الدور والأرض، قاله أبو حنيفة وأبو يوسف. والرابع: يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المأكول والمشروب، قاله مالك وأبو ثور، قال ابن المنذر: وهو أصح المذاهب، لحديث النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. واحتج لمالك وموافقيه بحديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (١) » رواه البخاري ومسلم، وعنه قال: «لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون جزافا، يعني: الطعام، فضربوا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم (٢) » رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عباس قال: (أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض) قال ابن عباس ثبت ذلك عنه قال ابن عباس: (وأحسب كل شيء مثله) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (٣) » ، قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله (٤) » رواه مسلم، وفي رواية قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى (٥) » ، وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه (٦) » رواه مسلم، قالوا: فالتنصيص في هذه الأحاديث يدل أن غيره بخلافه، قالوا: وقياسا على ما ملكه بإرث أو وصية. وعلى إعتاقه وإجارته قبل قبضه، وعلى بيع الثمر قبل قبضه.
следующие страницы →