الفوائد المتعلقة بالحساب الجاري:
يقول الأستاذ الدكتور محمد عوض: إن العادة قد استقرت بين البنوك وغيرها من البيوت التجارية أن كل مدفوع في الحساب الجاري يرتب فائدة بقوة القانون دون حاجة إلى الاتفاق على ذلك أو إنذار أو مطالبة قضائية بخلاف الحسابات الأخرى، فيجب فيها الاتفاق على ترتيب هذه الفوائد.
ويعلل الأستاذ محمد عوض ترتب الفائدة على المدفوعات المتبادلة بأن ذلك تفسير لإرادة الطرفين حينما يتنازل كل منهما عن استحقاقه الفوري لما دفعه، فلا أقل من أن يتقاضى فائدة على بقائه.
ويقول: وعلى كل حال فقد استقر هذا العرف ولم يعد محلا لمنازعته- ويضيف إلى ذلك قوله- وقد جرى العرف المصرفي على أن الأصل هو سريان فوائد المفردات من وقت دخولها الحساب، إلا أنه يغلب أن يحدد الطرفان موعدا آخر لبدء سريان الفائدة، ويكون تاليا لتاريخ دخول المفرد في الحساب، ويسمى هذا الموعد- اصطلاحا- القيمة، فيقال: إن المبلغ دخل الحساب في أول يناير والقيمة في (١٥) منه، أي: أن فائدته لا تسري إلا من (١٥) يناير (١)
стр. 2802
العمولة على فتح الحساب الجاري:
كما أن البنك يجري فائدة على المدفوعات المتبادلة بينه وبين عملائه في الحسابات الجارية فإنه في الغالب لا يكتفي بما يأخذه فائدة لمدفوعاته؛ لكونها في رأيه غير كافية لتغطية نفقاته لفتح الحساب وتشغيله وتعريضه للمخاطر؛ ولهذا فقد استقر العرف المصرفي على أن للبنك الحق في أن يتقاضى أجرا عن هذه الخدمات يسمى عمولة.
ويقول الأستاذ محمد عوض: بأن البنك لا يقتضي هذه العمولة إلا إذا كانت بينه وبين عميله سلسلة عمليات تؤدي إلى عدة قيود في الحساب، كما لو فتح الحساب بقصد منح العميل قروضا وبقصد وفاء ما يسحبه من أوراق تجارية، وتنفيذ أوامر النقل المصرفي التي يصدرها، أما إذا كان المقصود من فتح الحساب هو تسوية عمليات سبق أن تقاضى البنك عن كل منها عمولة خاصة وقت إبرامها- فإن البنك لا يطلب عمولة عن الحساب المفتوح لقيد مثل هذه العمليات، كذلك لا محل لاقتضاء مثل هذه العمولة إذا كان الحساب عاديا لا جاريا (١)
стр. 2803
وقف الحساب الجاري:
قد يعرض لأحد طرفي الحساب الجاري ما يتوقف به الحساب فترة من الزمن كإيقاف حركته فترة ما لعمل ميزان مؤقت يكشف عن مركز طرفيه من حيث الدائنية والمديونية، وقد يحلو لبعضهم التعبير عن ذلك الوقف بقطع الحساب.
стр. 2804
ويرتب وقف الحساب أو قطعه آثارا أشار إليها الأستاذ الدكتور محمد عوض بقوله: ويرتب هذا القطع آثارا متعددة، فهو شرط لإمكان ترحيل الفوائد إلى الأصل وتجميدها ويتقاضى البنك عمولة، كما أن القضاء أعطاه دورا هاما في حالات عدة عندما سمح للعميل أن يستخدم صفته كدائن أثناء سير الحساب، معتمدا على ناتج هذا القطع (١)
стр. 2805
تعليل قاعدة عدم التجزئة:
إذا انعقد الحساب الجاري بين طرفيه فإن كل دفعة فيه بأي طريق من طرق الإيداع تتحول إلى بند من بنوده فتفقد كيانها الذاتي واستقلالها، وفي ذلك تقول المادة (٣٠٣) من القانون التجاري اللبناني، والمادة (٣٩٨) من القانون التجاري السوري، والمادة (١١١) من القانون التجاري الأردني ما مضمونه: إن الديون المترتبة لأحد الطرفين إذا أدخلت في الحساب الجاري فقدت صفاتها الخاصة وكيانها الذاتي، فلا تكون بعد ذلك قابلة على حدة للإيفاء ولا للمقاصة ولا للمداعاة ولا لإحدى طرق التنفيذ ولا للسقوط منفردة بمرور الزمن، وتزول التأمينات الشخصية أو العينية المتصلة بالديون التي أدخلت في الحساب الجاري ما لم يكن اتفاق مخالف بين الفريقين.
وقد ذهب بعض فقهاء القانون وشراحه في تعليل تحول الإيداع الجديد في الحساب الجاري إلى بند من بنوده إلى أن في ذلك تجديدا للحساب بتغيير سببه، إذ أن المدين الذي كان ملتزما بدفع الدين الأصلي لا يكون
стр. 2806
ملتزما بعد قيده في الحساب الجاري إلا بدفع رصيد هذا الحساب بعد قفله.
وقد انتقد الأستاذ الدكتور أدوار عيد هذا التعليل بقوله: ولكن هذه النظرية كانت محل نقد شديد من جانب بعض الفقهاء، ذلك أن التجديد يؤدي إلى انقضاء الدين الأصلي وحلول دين جديد مكانه، الأمر الذي لا يتحقق في الدين الذي يدخل في الحساب الجاري؛ لأن هذا الدين لا يتحول بدخوله في الحساب إلى دين جديد مستقل، بل إلى مجرد بند في الحساب، أي: إلى جزء منه لا كيان له ولا استقلال.
ولذا فقد ذهب الفقهاء الذين يؤيدون نظرية التجديد إلى القول: بأنه ليس ثمة تجديد بالمعنى الصحيح، بل شبه تجديد أو تجديد من نوع خاص، وهذا تعبير غير واضح من الناحية القانونية (١)
وذهب بعضهم إلى تعليل ذلك بنظرية المقاصة، إذ كل دين يدخل في أحد جانبي الحساب الجاري ينقضي بالمقاصة مع ديون أخرى في الجانب الآخر من الحساب، بحيث يصبح الحساب الجاري عمليات مقاصة متتابعة.
وقد انتقد الأستاذ أدوار عيد هذه النظرية بقوله: ولكن هذه النظرية قابلة للنقد أيضا، ذلك أن المقاصة تفترض وجود دينين متقابلين ينقضيان بمقدار الدين الأقل منهما، بينما قد يحصل أن يدخل دين أحد الطرفين في الحساب دون أن يكون هناك دين مقابل له للطرف الآخر. . . إلى أن قال: كما أن تطبيق نظرية المقاصة يؤدي في حال وجود اختلاف بين قيمة الدينين
стр. 2807
المتقابلين، أي: بين رصيد الحساب والدين المعاكس له الذي يفترض أعلى قيمة منه إلى استمرار تأمينات هذا الدين الأخير بالنسبة للفرق بين الدينين، في حين أن أحكام الحساب الجاري تقتضي زوال هذه التأمينات (١) واختار لذلك القول: بأن قاعدة تحول الدين إلى بند في الحساب الجاري تنطوي على ميزات وآثار خاصة بها، لا يمكن ردها إلى القواعد العامة المقررة في القانون المدني، وهذه الميزات والآثار تجعل من الحساب الجاري نظاما خاصا مستقلا بنفسه، تحكمه القواعد المقررة بشأنه في قانون التجارة وفي العرف والاجتهاد القضائي.
وعلى أي حال فسواء وجد تعليل وجيه لقاعدة تحول الدين الجديد في الحساب الجاري إلى بند من بنوده أو لم يوجد فإن التقنين التجاري والعرف المصرفي قد أقرا هذه القاعدة، وأوجبا العمل بمقتضاها فصارت سمة لازمة للحساب الجاري.
стр. 2808
آثار قاعدة عدم التجزئة:
تترتب على قاعدة عدم التجزئة في الحساب الجاري آثار أهمها ما يلي:
ا- لا يجوز رفع الدعوى بالمطالبة بدين أدخل في الحساب الجاري، لأنه بدخوله فيه أصبح غير مستحق حتى يظهر الرصيد النهائي.
٢ - إذا دفع أحد طرفي الحساب الجاري مبلغا ما لإدخاله فيه فإن هذا المبلغ لا يعتبر وفاء لمديونيته فيه؛ لأن كل طرف فيه لا يعتبر دائنا أو
стр. 2809
مديونا قبل قفل الحساب وظهور الرصيد النهائي فيه.
٣ - إن أي دفعة فيه لا يجوز إجراء مقاصة عليها، لأن المقاصة تعتمد على اعتبار الدفعة الجديدة فيه دينا مستقلا، والقاعدة تقضي: بأن أي دين جديد في الحساب الجاري يعتبر بندا من بنوده ويفقد ذاته واستقلاله.
٤ - إن الدين الذي يدخل في الحساب الجاري لا يخضع للتقادم المسقط؛ لأنه باعتباره بندا من بنوده الجاري عليها لحساب يعتبر متحركا حتى قفل الحساب وظهور رصيده النهائي (١) .
стр. 2810
قفل الحساب الجاري:
إن قفل الحساب الجاري يعني: إيقاف التعامل به نهائيا، والاتفاق على إنهاء جانبيه بعدم السماح بدخول مدفوعات جديدة، ومن ثم تصفيته واستخلاص الرصيد النهائي من مجموع مفرداته؛ ليمكن تحديد مركز طرفيه من ذلك الرصيد من دائن ومدين.
ولقفل الحساب أسباب إرادية وأسباب خارجة عن الإرادة، ويمكن تلخيص الأسباب الإرادية فيما يلي:
ا- اتفاق الطرفين صراحة على إنهاء الحساب ولو كان ذلك قبل مضي مدة اتفقا على تحديدها مدة لجريان حسابهما.
٢ - اتفاق الطرفين ضمنا على إنهاء الحساب الجاري بينهما، كأن تتوقف عمليات المدفوعات المتبادلة بين طرفيه ويتوقف تبعا لتوقفها
стр. 2811
إرسال ميزان الحساب مرة أخرى، أو أن يفقد الحساب قدرته على تلقي المدفوعات بين الطرفين.
٣ - رغبة أحد الطرفين في قفله إذا لم يكن بينهما اتفاق على مدة معينة لجريانه إلا أنه يشترط لهذه الرغبة أن تكون في وقت مناسب ومتفق مع العادة المتبعة في المصارف.
أما الأسباب الخارجة عن الإرادة فأهمها ما يلي:
ا- الإفلاس: ذلك أن إفلاس أحد طرفي الحساب يؤدي إلى عجزه عن تتابع المدفوعات بين طرفيه للحجز على يد المفلس في إدارة أمواله.
٢ - الوفاة: وقد خالف بعضهم في اعتبار الوفاة سببا موجبا لقفل الحساب إذا أبدى الورثة رغبتهم في استمرار الحساب مع أن مجموعة من القوانين التجارية في البلاد العربية قد نصت على أن الوفاة سبب لقفل الحساب، فقد ذكرت المادة (٣٠٦) من قانون التجارة اللبناني، والمادة (٤٠١) من قانون التجارة السوري، والمادة (١١٤) من قانون التجارة الأردني على أن عقد الحساب الجاري ينتهي بوفاة أحد طرفيه أو فقدانه الأهلية، أو بإفلاسه.
وقد علل شراح القوانين اعتبار الوفاة سببا موجبا لقفل الحساب بأن الحساب الجاري يشبه بعض العقود الجائزة كالوكالة أو الشراكة.
وقد انتقد الأستاذ الدكتور محمد عوض هذا الرأي وقال: وأولى أن يشبه عقد الحساب الجاري بالعقود المستمرة، فهو عقد مستمر وككل العقود المستمرة هو يقوم على الثقة؛ لأن استطالة مدة التنفيذ تتطلب من كل من طرفي العقد أن يركن إلى أمانة الطرف الآخر، ومن الثابت: أن موت أحد
стр. 2812
طرفي العقود المستمرة لا يؤدي إلى إنهائها فورا، وبقوة القانون، فضلا على أن عقد الحساب الجاري هو عقد تابع مقصود به تسوية العمليات المترتبة على عقود أخرى بين طرفيه، فإذا كانت هذه العقود لم تنته بالوفاة فما معنى انتهاء عقد الحساب الجاري، وهو تابع خادم للعقود الأصلية؟!
ولعل بعض القضاة قد راعى هذه الملاحظات فحكم أن في وسع ورثة المتوفى إطالة أجل الحساب الجاري الذي كان مورثهم طرفا فيه، وتستخلص رغبتهم في ذلك من عدم قيامهم بإخطار البنك بوفاة العميل ورغبتهم في قفل الحساب وتسويته، كما حكم أن الحساب الذي يفتحه البنك لورثة عميله وهم في حالة شيوع مع استمرارهم في ذات الاستغلال الذي كان مورثهم يباشره لا يعد حسابا مستقلا قانونا عن الحساب الأول. اهـ (١)
وإذا تم قفل الحساب ترتبت عليه الآثار الآتية:
أ- وقوع المقاصة بين مفردات الحساب.
ب- استخراج الرصيد وتسويته.
ج- الوفاء بالرصيد. بمعنى: أنه بمجرد تسويته واستخراجه يكون مستحق الأداء فورا ما لم يتفق الطرفان على تأجيل الوفاء أو إدراجه في حساب جديد.
د- جواز الحجز عليه تحت يد المدين به باعتباره دينا واجبا مستحق الأداء.
стр. 2813
عدم جواز إحياء الحساب بعد قفله، لكون رصيده أصبح دينا مستحقا واجب الأداء، فإذا أراد طرفاه استئناف التعامل بينهما بطريق الحساب الجاري فتحا حسابا جديدا (١) .
стр. 2814
ومما مضى نستطيع استعراض أهم خصائص الودائع والحساب الجاري فيما يلي:
ا- إن الودائع بمختلف أنواعها يدخل صاحبها مع المصرف الوديع في حساب يسمى حساب الودائع، والغالب أن المصرف يعطي على بقائها فوائد ربوية، يختلف حجم بعضها عن بعض تبعا لطول بقاء هذه الودائع لديه وقصره. ولا شك أن البنك لا يقوم بحفظ ذات الودائع لديه، وإنما يأخذها على سبيل تملكها وضمان مثلها ولزوم دفعها حال الطلب، وإن وجد الخلاف في تكييفها من الناحية القانونية، هل هي قرض أو وديعة بالمعنى الصحيح أو وديعة شاذة أو ناقصة؟
تكييف الودائع المصرفية من الناحية الشرعية:
إن الفقه الإسلامي قد يعتبرها في حكم القرض؛ لاتفاقها معه من حيث النتيجة في تملك عينها وتعلقها بذمة آخذها ورده مثلها في حالة مطالبة صاحبها بها.
قال في [الروض المربع] : القرض: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله. . . ويصح بلفظه ولفظ السلف وكل ما أدى معناهما. . . . . . ويملك
стр. 2815
القرض بقبضه كالهبة، ويتم القبول. . . . . فلا يلزم رد عينه للزومه بالقبض، بل يثبت بدله في ذمة المقترض حالا ولو أجله (١)
وقال في [كشاف القناع عن متن الإقناع] : فإن استعارها، أي: الدراهم والدنانير لينفقها أو أطلق أو استعار مكيلا أو موزونا ليأكله أو أطلق، فقرض تغليبا للمعنى فملكه بالقبض (٢)
وقد يعتبرها ربا؛ لما فيها من المعاوضة بين نقدين، والحديث «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل (٣) » . . .) إلخ، وأما الفوائد على بقاء الودائع لدى المودع فأمرها جلي واضح في أنها تجمع بين نوعي الربا: ربا الفضل وربا النسيئة، حيث يأخذ المودع زيادة على ما دفع مع التأخير، وبالرغم من تحقق معنى الربا فيما يعطيه المصرف للمودعين ووضوحه ووضوح تحريمه من نصوص الشريعة الإسلامية وقواعدها عرض لجماعة من المعاصرين شبهة في ذلك جعلتهم يعتقدون الجواز فيما يدفعه المصرف للمودعين زيادة على رءوس أموالهم، بناء على أن المصرف استقبل ما يدفع إليه من الأموال وأخذها للتنمية والإنتاج، لا لدفع كربة أو تفريج شدة من تسديد ديون أو استهلاك في كسوة أو قوت أو نحو ذلك من ضرورات الحياة حتى تكون محرمة، وبناء على زعمهم أن مقاصد الشريعة تقضي بتحريم الربا فيما أخذ للاستهلاك فقط، وأن هذا هو ربا الجاهلية الذي وردت النصوص بتحريمه دون ربا التنمية والإنتاج.
стр. 2816
وقد ذكر الأستاذ الدكتور محمد عبد الله العربي تلك الشبهة وأجاب عنها بما نصه:
قال بعض المعاصرين- هنا وفي بلاد إسلامية أخرى-: إن الربا الذي حرمه الإسلام هو ما اتصل بقروض استهلاكية، يقترضها ذوو الحاجة الملحة ويؤدون عنها رأس مالها ثم الربا المضاف إليها، أما القروض الإنتاجية التي يقترضها الموسرون ويوظفونها في مشروعات إنتاجية تدر عليهم ربحا وفيرا، فإن الفائدة التي يؤدونها عن رأس المال الذي اقترضوه ليست بالربا المحرم.
ونرد عليهم: بأن تسمية الربا بالفائدة لا يغير طبيعته، فالفائدة ليست إلا زيادة في رأس المال المقرض، وكل زيادة عنه هي ربا لغة وشرعا.
وأكبر حجة ساقوها على هذا الرأي هو أن الربا الذي حرمه القرآن هو ما كان سائدا في الجاهلية قبل بعثة الرسول ﷺ ، وأن العصر الجاهلي لم يكن أهله على علم بالقروض الإنتاجية وأثرها في النشاط الاقتصادي الحديث. ونسوا أن القرآن خاتم الهدايات الإلهية لم يكن ليشرع لعصر معين، بل تشريعه يمتد إلى أبد الدهر، ولم يكن ليغيب عن علم الله ما سوف يتمخض عنه اقتصاد هذا العصر- أو أي عصر- من اعتماد على القروض الإنتاجية، والزعم بضرورة ترتيب فائدة عليها حتى لا تنقطع، ونسوا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (١) بغير تمييز بين ما إذا كانت رءوس الأموال هذه التي استخدمها مقترضوها قد استخدموها في أغراض إنتاجية أو استهلاكية،
стр. 2817
ونسوا كذلك الحديث الذي يقرر أن: «كل قرض جر نفعا فهو ربا (١) »
فلم يميز الرسول بين ما إذا كان القرض الذي عاد بزيادة على المقرض قد فرج كربة المقترض أو وظفه في تمويل مشروع إنتاجي، ولو شاء سبحانه هذا التمييز أو علم أن فيه خيرا للناس لما ترك النص عليه.
وسنبين لهم- من واقع تجارب هذا العصر وشهادة كثير من علماء الاقتصاد في هذا العصر بالذات- أن الربا في هذه القروض الإنتاجية قد تسبب في أضرار فادحة في الاقتصاد العالمي المعاصر، ولكنا نريد في البداية أن نمحص الحجة التي يتوكئون عليها وهي أن العصر الجاهلي لم يكن يعرف ما نشأ في العصور الحديثة من القروض الإنتاجية.
حسب الباحث أن يتأمل في الظروف المادية التي أحاطت بالاقتصاد الجاهلي وبالبيئة الجاهلية- بيئة مكة وما حولها من قرى الحجاز - ليوقن أن القروض الإنتاجية كانت ضرورة حيوية من ضرورات اقتصادهم، فمكة - مهد الإسلام- وما حولها من القرى التي كانت ترتبط معا بروابط اقتصادية وتجارية تجعل القرض الإنتاجي لازما من لوازم حياتهم.
وينبئنا التاريخ بأن الطائف - مقر قبيلة ثقيف - وهي قرية تبعد إلى الجنوب الشرقي من مكة بنحو خمسة وسبعين ميلا، وكانت تمتاز بأرض خصبة في الوديان المحيطة بها، وكانت لذلك تصدر إلى مكة وقرى الحجاز الأخرى حاصلاتها من الزبيب والقمح والأخشاب وغيرها،
стр. 2818
وكانت تستورد من مكة السلع التي تأتي بها قريش في كل من الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن وجنوب الجزيرة، وهذا التبادل التجاري كان يتم أكثره عن طريق القروض الربوية، لا سيما أن جالية كبيرة يهودية كانت تقيم بالطائف، هاجرت إليها بعد طردها من اليمن، ولم تكن لها صناعة إلا الإقراض بالربا لهذا النشاط التجاري لأهل الطائف وما حولها.
أما مكة فكانت في أرض جدباء، لا زراعة فيها ولا غابات ولا معادن، ولذلك كانت لا تعتمد في رزقها إلا على التجارة، حتى أصبحت أعظم مركز تجاري في الجزيرة العربية. يقول المؤرخون: إنها كانت (المحطة) الوسطى بين مأرب وغزة في طريق القوافل الرئيسي بين متاجر الشرق ومتاجر الغرب، وقالوا: إن مكة صارت على هذا النحو أشبه بجمهورية تجارية تعيش اقتصاديا على الرحلتين، وكان يزيد في مكانتها التجارية أن قريشا كانوا سدنة الكعبة والبيت الحرام، وكانوا لذلك موضع الرعاية والتكريم في حلهم وترحالهم.
وكان للتجارة بصفة عامة احترام كبير في نفوس قريش، ويتجلى ذلك على الأخص في أن المهاجرين من قريش إلى يثرب - بالرغم من كل ما قدم لهم الأنصار من مشاركة في أرزاقهم تغنيهم عن الكد والسعي- آثر أكثرهم أن يبدأوا في الحال ممارسة التجارة.
قال أبو هريرة: (إن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق) أي: الخروج إلى التجارة.
وهكذا يروي التاريخ كيف كانت مكة مركز نشاط تجاري عظيم، ومحط القوافل في غدوها ورواحها، يترقبها أهل مكة رجالا ونساء،
стр. 2819
وأكثر قد وظف بعض ماله في السلع، التي تحملها هذه القوافل، كما يروي التاريخ أن قافلة أبي سفيان التي أدى خوف الاستيلاء عليها إلى غزوة بدر، كانت قريش كلها مساهمة في تمويلها، والتمويل يحتاج إلى رأس مال، فإذا لم يكن رأس المال متوافرا لدى بعضهم لجأ هذا البعض إلى الاقتراض بربا يتعهد بأدائه إلى المقرض اعتمادا على أن الربح الذي سوف يجنيه من توظيف المال المقترض في التجارة سوف يدر عليه أكثر من الربا المفروض عليه، أي: أن هؤلاء كانوا يقومون بالدور الذي يسمى الآن دور (الشريك القائم) يعطي ما اقترضه من المال إلى القائمين فعلا بالاتجار، شراء السلع في إحدى الرحلتين ثم بيعها في الرحلة الأخرى، ثم يدفع في النهاية من النصيب الذي خصه رأس المال الذي اقترضه بالإضافة إلى مبلغ الربا المتفق عليه.
لذلك عجبت قريش عندما جاء الإسلام يحرم الربا، وقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (١) هو تأجير لرأس المال، والربا الذي يستحقه المقرض هو أجرة رأس المال، فكان الربا على هذا النحو جزءا لا يتجزأ من حياتهم الاقتصادية، وكان أصحاب المال في مكة لا يقتصرون على إقراض مواطنيهم في مكة، بل يمتد إقراضهم إلى أهل القرى الأخرى في الحجاز، فكانوا يساهمون بصفة أصلية في تمويل القوافل، وفي الوقت ذاته يقرضون غيرهم ليشاركهم في تمويلها. فقد ثبت أن عباس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ وخالد بن الوليد وغيرهما كان إقراضهم يتجاوز حدود مكة إلى أهل الطائف، وثبت أن عثمان بن عفان كان من أغنياء التجار الذين يمولون التجارة على نطاق واسع.
стр. 2820
وهكذا يتبين بما لا شك فيه: أن عرب الجاهلية كانوا يتعاملون بالربا في حالتين:
الحالة الأولى: عند تقديم قرض لأجل معين بربا يزيد على رأس مال القرض، وكانت هذه الزيادة تحدد بما يتفق عليه الطرفان، فطورا كان المقترض يدفع هذه الزيادة على أقساط شهرية، وطورا كان يدفعها جملة واحدة عند حلول أجل القرض، فإذا عجز المقترض عن السداد أعطى أجلا آخر بعد مضاعفة قيمة القرض، وفي حالة تقسيم الزيادة على أقساط شهرية كانت تضاعف هذه الأقساط مقابل تأجيل سدادها.
الحالة الثانية: حالة البيع: أي يبيع البائع السلعة بثمن مؤجل فإذا حل الأجل أو عجز المشتري عن أداء الثمن زيد الثمن وامتد الأجل، كما ثبت أن البيع مع تأجيل الثمن لم يكن فقط لعجز المشتري عن تعجيل الثمن، بل كان لإمهاله حتى يبيع السلع التي اشتراها، وكانت الشركة المسماة (شركة الوجوه) شائعة في الجاهلية، وهي أن شخصين أو ثلاثة يعقدون عقد شركة فيما بينهم بغير تقديم أي مال من أحدهم، وكانوا اعتمادا على الثقة فيهم يشترون مع تأجيل الثمن، فإذا باعوا سلعهم المشتراة اقتسموا الربح بعد تسديد الثمن، وفي بيئة كالبيئة الجاهلية كان شراؤهم بغير تعجيل الثمن يقترن دائما بفائدة ربوية للبائعين مقابل الأجل.
فلما جاء الإسلام أحدث ثورة في أساس حياتهم الاقتصادية:
كان أساس القرض الإنتاجي في العصر الجاهلي أن لا يقترن الإقراض بأي مخاطرة من جانب رب المال، فهو يقدم مال القرض ويفرض عليه الفائدة الربوية ثم يسترد رأس المال ورباه، سواء ربح المشروع أو خسر،
стр. 2821
ثم جاء الإسلام فحرم الربا مهما كان هدف القرض، ووجه بذلك ضربة قاضية إلى النظام الاقتصادي القائم. إن أهمية ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) لم تقتصر على إحلال البيع وتحريم الربا، بل قلبت التفكير الاقتصادي عن دور رأس المال ودور التجارة رأسا على عقب، جاء الإسلام فشجع التجارة وبالتالي شجع عملية الإقراض ولكن بغير زيادة على رأس المال.
عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «إن السلف- أي: القرض- يجري مجرى شطر الصدقة (٢) » وجاء في [السنن] لابن ماجه أنه قال: «ما من مسلم يقرض قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة (٣) » ، وعن ابن مسعود أنه قال: (كل قرض صدقة) (٤)
وهكذا استمرت بعد الإسلام القروض بنوعيها: - استهلاكية وإنتاجية- يقدمها أرباب المال بغير ربا، بدافع الإخاء الإسلامي والتعاون الإسلامي، وما يرتجيه رب المال من ثواب على هذا الصنيع، بل ثبت أن بيت المال كان يخرج بغير ربا قروضا لمشروعات إنتاجية.
وروى الطبري: (أن هندا ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف درهم تتجر فيها وتضمنها فأقرضها، فخرجت بها إلى بلاد كلب فاشترت وباعت، فلما أتت المدينة شكت الوضيعة- أي: الخسارة- فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته، ولكنه مال
стр. 2822
المسلمين) اهـ.
إلى أن قال. . . ونحسب أنه بعد هذا البيان لم يبق محل للجدل في أن الربا الذي حرمه الإسلام يشمل القروض الإنتاجية والقروض الاستهلاكية على السواء، وأن القروض الإنتاجية كانت شائعة في العصر الجاهلي، فجاء الإسلام يحرم الربا عليها كما حرمه على القروض الاستهلاكية.
وقبل أن نختم هذه الكلمة الموجزة عن الربا يجب أن نكشف عن العلة في تحريمه كشفا نهتدي فيه بعقلنا البشري، أما التحريم في ذاته فهو قائم، لأنه أمر الله، الله الذي لا يريد لعباده إلا الخير، وقد تقصر عقولنا البشرية عن إدراك مدى حكمته.
أما الربا على القرض الاستهلاكي فحكمة تحريمه ظاهرة لا تحتاج إلى بيان فهو يتنافى مع الأخلاق الإسلامية، وهو يهدم جميع الخصائص التي جعلها الله من مقومات المجتمع الإسلامي. . أما الربا على القرض الإنتاجي فلعل حكمة تحريمه لم تظهر على أوضح وجه كما ظهرت منذ أجازت التشريعات الأوروبية قرض (الفائدة) على القروض.
ونكتفي هنا بما أثبتته المشاهدات الواقعية لآثار هذا الربا في عصرنا مرجئين التدليل عليها إلى سياق البحث.
فمن جهة المرابي: ترتب على تحليل الربا على القرض الإنتاجي في القرون الثلاثة الأخيرة- كما سنوضح تفصيلا فيما بعد- أن نشأت البنوك الحديثة، فتركز في أيدي أصحابها الجانب الأكبر من المال المتداول في المجتمع، حتى صارت لهم السيطرة الكبرى على اقتصاديات المجتمع ثم امتدت هذه السيطرة إلى سياسة المجتمع الداخلية والخارجية، وإلى
стр. 2823
تشريعات المجتمع، بل وإلى أخلاقياته وأسلوب تفكيره، بما أحرزوه من سيطرة على وسائل الإعلام، ودأبوا على توجيه كل هذه القوى في الاتجاه الذي يكفل لهم المزيد من القوة المالية، ويدعم المكانة الرفيعة التي اغتصبوها، وإن ضحوا في سبيل ذلك بالمصالح الحقيقية للشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها.
ثم يجب أن لا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن المال الذي آتى أصحاب البنوك هذه القوة وهذه السيطرة لم يكن في البداية مالهم الخاص، بل أكثره مال المودعين الذي أودعوه في خزائنهم لآجال معينة يحصلون في مقابلها على فائدة صغيرة، ثم يقرض أصحاب البنوك أصحاب المشروعات الإنتاجية بفائدة أكبر، ويستحلون هذا الفرق الكبير بين الفائدتين، وشيئا فشيئا تركز أكثر المال السائل في المجتمع في حوزتهم، وهكذا دانت لهم السيطرة المالية بغير أي كد أو جهد بذلوه، بل كانت عملية امتصاص دماء المجتمع وهم رابضون في بنوكهم.
أما من جهة المنتج الذي يقترض بالربا فهذه بعض النتائج التي تترتب على رباه:
أولا: غلاء أسعار السلع التي ينتجها المقترض، إذ المنتج يضيف فائدة القرض إلى تكاليف إنتاج السلع التي يشتريها المستهلكون، فكأن المجتمع - لا المنتج المقترض- هو الذي يدفع الفائدة الربوية.
ثانيا: المجتمع يدفع الفائدة الربوية إذا ظلت دورة الرخاء التي اعتمد عليها المنتج قائمة، وإذا ظل مستوى الطلب على السلعة متفقا مع تقديره، أما إذا تقلصت دورة الرخاء أو إذا نقص الطلب على السلعة بسبب ارتفاع ثمنها
стр. 2824
نتيجة لإضافة الفائدة الربوية، فإن الوضع يختلف، إذ يؤدي ارتفاع الثمن إلى انحسار الاستهلاك تدريجيا، فيبقى فائض من المنتجات بغير تصريف هذا الفائض له عواقبه.
ثالثا: المنتج إذا أراد تخفيض تكاليف الإنتاج التي ارتفعت بسبب إضافة الفائدة إليها لا يجد أمامه إلا أجور العمال، فيسعى إلى تخفيضها أو إلى الاستغناء عن بعضهم، أما الاستغناء فيؤدي إلى خلق البطالة، وأما تخفيض أجور العمال فيؤدي إلى نقص القوة الشرائية في المجتمع، وفي الحالتين يزداد الاستهلاك انحسارا ويزداد فائض المنتجات، فتنشأ الأزمات الدورية التي صارت لازمة من لوازم الاقتصاد الغربي.
رابعا: والسعي إلى تصريف فائض الإنتاج يؤدي إلى البحث عن أسواق خارجية، وطبعا لن يكون أكثرها إلا في البلاد المتخلفة غير الصناعية، ولا سبيل إلى استدامة هذه الأسواق إلا ببسط نفوذ الدول الصناعية عن طريق الاستعمار، وهكذا تنتقل بلية الربا من مجتمع إلى مجتمعات الإنسانية كلها، كما ثبت أن هذا التنافس الاستعماري كان من الأسباب التي أشعلت حربين عالميتين، وقد يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة.
خامسا: إذا أخفق المنتجون المقترضون بالربا في تخفيض أجور العمال لجأوا إلى وسيلة أخرى هي تخفيض أثمان المواد الأولية التي تعتمد عليها صناعاتهم والتي يستوردون أكثرها من البلاد المتخلفة غير الصناعية، وهنا تتآمر الدول الصناعية بتكتلاتها الاحتكارية على تخفيض أثمان المواد الأولية، غير مكترثة بالأضرار الفادحة التي تصيب بها الجانب الأكبر من سكان الأرض، وغير حافلة بالجهود التي تبذلها منظمات هيئة الأمم
стр. 2825
المتحدة في محاولة قمع هذا الاتجاه.
وبعد: فهذه بعض الأضرار التي أصابت البشرية كلها من إجازة الفائدة الربوية على القروض الإنتاجية، حتى رأينا بعض علماء الاقتصاد -وفي الدول الرأسمالية بالذات- يندد بالفائدة في الاقتصاد الرأسمالي.
وهذا تصديق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢) اهـ.
стр. 2826
٢ - التفريق بين حساب الودائع والحساب الجاري من حيث احتفاظ كل دفعة من أي طرف في الحساب العادي أو البسيط أو حساب الودائع بكيانها واستقلالها، وبالتالي خضوعها للآثار الحقوقية من حيث المطالبة بها والمقاصة عليها، بخلاف ذلك في الحساب الجاري فإن كل دفعة من أي طرفيه تفقد كيانها واستقلالها وتخضع للانصهار في كليته؛ لتكون بندا من بنوده لا تجوز المطالبة بها ولا المقاصة عليها ولا اعتبارها حقا قائما بذاته، وإنما هي جزء من كل لا يتجزأ هو جانبا الحساب الجاري الدائنية والمديونية.
وقد مر بنا محاولة تعليل هذا التقعيد للحساب الجاري فمن قائل بأن انصهار المدفوعات في الحساب الجاري وعدم اعتبار أي دفعة منها دينا قائما بذاته يعني بذلك التجديد، ومن قائل بأن المقاصة بين المديونية والدائنية هي التي قضت على كل دفعة فيه، واتجه النقد إلى كلا التعليلين
стр. 2827
ثم قيل: بأن العرف المصرفي وقواعد الحساب الجاري قضيا بذلك، سواء وجد تعليل يسنده المنطق أم لم يوجد.
هذه المسألة تحتاج إلى كثير من النظر والتأمل، وعلى افتراض وجاهة التقعيد لها في الحساب الجاري فيمكن أن يقال بأن المصلحة تعتبر سندا لتلك القاعدة باعتبار: أن تجزئة الحساب وبقاء كل دفعة فيه متعلقة بما عليها وما لها من حقوق يعرقل سير الحساب ويحول دون أدائه وظائفه التي من أهمها تسوية المدفوعات المتشابكة والمتبادلة بين الطرفين.
стр. 2828
٣ - العمولة في نظر القانون:
العمولة سبق ذكر أن العادة المصرفية قد جرت بين البنوك في أخذ عمولة على الحساب الجاري باعتبار أن أخذ البنك الفائدة على مدفوعاته لا يكفي لتغطية نفقاته وقيمة مسئولياته تجاهه، وقد أخذ باعتبار ذلك ومشروعيته بعض القوانين العربية وغيرها، وحكمت بوجاهته واعتباره بعض محاكم الاختصاص في فرنسا ومصر وغيرهما، ولكن بشيء من التحفظ والقيود، وفي ذلك تقول المادة (٢٢٧) من القانون المدني المصري الجديد ما نصه: كل عمولة أو منفعة أيا كان نوعها اشترطها الدائن إذا زادت هي والفائدة المتفق عليها على الحد الأقصى المتقدم ذكره وهو (٧%) تعتبر فائدة مستمرة وتكون قابلة للتخفيض إذا ما ثبت أن هذه العمولة أو المنفعة لا تقابلها خدمة حقيقية يكون الدائن قد أداها ولا منفعة مشروعة (١)
стр. 2829
العمولة في حكم الشريعة الإسلامية:
إن العمولة التي يأخذها البنك يمكن أن يقال عنها بأنها من قبيل الأجرة على تحمل متاعب تشغيل الحساب الجاري، كما يتعلل بذلك أصحاب المصارف، كما يمكن أن يقال بأنها جزء من الفائدة الربوية تشكل قدرا إضافيا إليها صار من البنوك الاحتيال عليها بتسميتها عمولة، وإذا ادعى أنها من قبيل الأجرة على قيد وتشغيل الحساب كنفقات قرطاسية، فإن النفقات القرطاسية في الغالب لا تخضع للزيادة والنقصان تبعا لزيادة حجم المدفوعات ونقصها؛ إذ إن نفقات قيد القليل والكثير واحدة.
ولذلك يمكن أن يقال: بأن الأخذ بمبدأ النسبة المئوية في العمولة تبعا لحجم المدفوعات والحال أن قيود القليل والكثير واحدة في غير محله، وقد يعطي البرهان على إرادة الفائدة الإضافية، ويمكن أن يقال أيضا بأن لتحمل المسئولية مجالا في الاعتبار، فإن الاحتياطات التي تبذل في سبيل قيود المدفوعات الكثيرة ليست كالاحتياطات التي تبذل بخصوص المدفوعات القليلة، وعليه فيمكن التسليم بوجاهة توظيف الأجرة بطريق النسب المئوية على المدفوعات في الحسابات الجارية، وربما يرد على القول بأن لتحمل المسئولية مجالا في الاعتبار، بأن تحمل المسئولية ليس متقوما حتى يجعل له اعتبار في استحقاق العوض.
стр. 2830
ثانيا: إيداع الوثائق والمستندات:
تعتبر وديعة الوثائق والمستندات لدى المصارف وديعة بالمعنى الحقيقي تترتب عليها أحكام الوديعة من قيام الوديع بحفظ الوديعة في حرز مثلها وبرد عينها وبانتفاء الضمان في هلاكها بما لا قدرة له على دفعه من
стр. 2831
الأسباب القاهرة.
ويرى الأستاذ علي البارودي: بأنها تشبه الوديعة المدنية العادية، ثم ذكر أنها تختلف عنها من حيث إنها تتضمن معاوضة إذ يتقاضى البنك عنها دائما أجرا يتفق عليه، بينما الأصل في الوديعة المدنية أنها تبرعية ما لم يتفق صراحة على أجر، كذلك يتميز عقد وديعة الصكوك في البنك بأنه قد يستتبع عمليات ثانوية متعددة يقوم بها البنك وكيلا عن عملية المودع (١)
والغالب: أن الاتفاق بين البنك وعميله على إيداع المستندات يكون بأجرة رمزية؛ لأن البنك يهدف من تلقي ودائع الوثائق والمستندات إلى تأكيد صلته بعملائه، ليعهدوا إليه بعمليات قد تستلزمها تلك الوثائق كتحصيل أرباحها أو التوسط في بيع محتوياتها لأخذ عمولات على ذلك، كما أن احتفاظ البنك بمحفظة مالية لأحد عملائه يعني علمه بحالته المالية، فيفيده إذا أقدم على ائتمانه في عمليات أخرى، والغالب أن الإيداع من العميل يكون اختياريا، وقد يجد العميل نفسه مضطرا للإيداع كأن يكون عضوا في مجلس إدارة مؤسسة مالية يفرض عليه النظام العام أو نظام المؤسسة نفسها إيداع أسهم الضمان في بنك معتمد من جهة الاختصاص.
ونظرا إلى أن وديعة المستندات تتم بين العميل والمصرف بأجرة يجري الاتفاق على تحديدها وإلى أنه قد يعطى البنك توكيلا في البيع أو التحصيل أو نحو ذلك مما تستلزمه تلك المستندات، يشترط للدخول في عقدها الأهلية للالتزام بذلك، وقد استقر العرف القانوني على تسمية الاتفاق على
стр. 2832
الإيداع عقدا بين المودع والوديع يتم به تسليم المستندات إلى البنك بعد تحرير بيانها بقائمة تجري مراجعتها من قبل الوديع، ومن ثم إعطاء المودع إيصالا بها تكون له قيمته في الإثبات وفي حق حضور اجتماع الجمعيات العمومية للشركات التي أصدرتها أو أصدرت بعضها، وتلزم بالاتفاق على الوديعة والدخول في إنفاذها أجرة يجري تعيين مقدارها بين الطرفين، ونظرا إلى أن العقد من حيث هو عقد يقضي بالتزامات كل طرف تجاه الآخر فإن لعقد ودائع الوثائق والمستندات التزامات من الطرفين المودع والوديع للآخر. أشار إليها الدكتور محمد عوض: فبين أن العقد يرتب على العميل التزامات أهمها ما يلي:
أ - دفع الأجرة التي جرى عليها الاتفاق بينه وبين البنك، وإذا لم يكن بينهما اتفاق على تحديدها فيرجع إلى العرف في ذلك، والغالب أن يستقل البنك بتحديد هذه الأجرة، وإذا كانت السندات المودعة عنده لحامله فيبالغ في تحديد الأجرة؛ لأن مخاطر حفظها أكثر من مخاطر حفظ السندات الاسمية.
ب - دفع عمولة على مجرد فتح ملف خاص بالوديعة ولو استردها المودع فورا.
ج - دفع العمولات المستحقة عن العمليات التي يجريها البنك، بناء على طلب المودع، مما له تعلق بالوثائق والمستندات.
وللبنك أن يحبس الأوراق المودعة حتى يستوفي حقه عليها من أجر وعمولة مما له تعلق بعملياتها التبعية.
стр. 2833
وكما أن على العميل المودع التزامات للبنك تجاه وديعته فإن على البنك الوديع التزامات أصلية والتزامات تبعية.
أما الالتزامات الأصلية فأهمها ما يلي:
أ - على البنك أن يبذل طاقته وجهده للمحافظة على الأوراق الوثيقية المسلمة إليه من الناحية المادية مع مراعاة حكم العادات المصرفية، والأصل أن يحفظ الوديعة في مكان الإيداع فإن نقلها عن محل الإيداع بلا إذن الوديع اعتبر مفرطا، وسئل عما يترتب على النقل من مخاطره.
ب - لا يجوز للبنك الوديع أن يستعمل وديعة الوثائق والمستندات لأغراض خاصة به، فلا يجوز للبنك أن يرهن السندات لدين عليه، كما لا يجوز له أن يمكن غيره من استعمالها.
ج - يتعين على البنك أن يرد الوديعة في الموعد المتفق عليه إن كان ثم بينهما اتفاق على موعد معين وإلا ردها إليه متى طلبها، ذلك أن من مقتضيات الالتزام بالحفظ رد الوديعة في الموعد المتفق عليه إلا في حالات أشار إليها الأستاذ الدكتور محمد جمال الدين عوض بما ملخصه: أنه قد يكون العقد بين البنك والعميل وديعة ومع ذلك لا يكون البنك ملزما بتنفيذ الالتزام بالرد في حالات أهمها ما يلي:
أ - إذا كان من حق البنك أن يحبس المستندات حتى يستوفي حقوقه ضد المودع.
ب - متى كان له أن يتمسك بامتياز حفظ المنقول عليها.
ج - إذا باشر عليها إجراءات الحجز تحت يد نفسه طبقا للمادة (٥٧٣)
стр. 2834
مرافعات (١)
د - إذا حجر عليها تحت يده أو عارض شخص في تسليمها إلى المودع مستندا إلى حق له عليها.
هـ - إذا تغير العقد الأصلي وحل محله عقد جديد، فقد يزول الالتزام بالرد ليحل محله الالتزامات الناشئة من هذا العقد الجديد كأن يتلقى البنك أمرا من المودع ببيع المستندات المودعة، فيصبح البنك من هذه اللحظة وكيلا بالبيع وينتهي التزامه برد المستندات، كما إذا أقرض البنك العميل أو فتح له اعتمادا برهن المستندات تغيرت صفة حيازة البنك فأصبح حائزا بصفته مرتهنا بعد أن كان حائزا بصفته وديعا.
وأما التزامات البنك التبعية فيقول عنها الدكتور محمد عوض ما نصه:
لا يقتصر التزام البنك على مجرد حفظ المستندات ماديا، بل إن عليه فوق ذلك القيام بعمليات قانونية ومادية معينة تهدف إلى تحقيق هذا الغرض وهو الحفظ وإلا لم تتحقق الفائدة من العقد، بل إنه يكون مصدر متاعب للمودع، إذ يضطر أن يسترد السندات في أوقات معينة، ليقوم هو بهذه العمليات ثم يردها إلى البنك وهكذا، ويكون عندئذ من الأوفر له أن يستأجر لها خزانة بأجر زهيد، ولذلك فالمقرر أن عقد إيداع السندات يلقي بذاته على البنك واجب القيام ببعض العمليات اللازمة لخدمتها دون حاجة إلى اتفاق خاص، ويظل العقد مع ذلك خاضعا لأحكام الوديعة وإن كان
стр. 2835
البنك في خصوص العمليات التي يقوم بها لحساب العميل في مركز الوكيل، ثم ذكر أن مستلزمات البنك التبعية تستمد من العقد المبرم بينه وبين عميله ومن قصدهما في إبرامه، ويستنتج القصد من قيمة الأجرة، ومن النشرات التي يصدرها البنك لعملائه، إلى غير ذلك مما يلابس عملية الإيداع من القرائن والأحوال.
ثم بدأ في استعراض تلك الالتزامات التبعية فذكرها بما ملخصه:
يلزم البنك استحصال الكوبونات والسندات المستهلكة باعتبار أن ذلك نتيجة من نتائج الإيداع والالتزام بالحفظ
ويضيف الدكتور علي البارودي إلى ذلك قوله: ففيما يتعلق بالأسهم مثلا: يقوم البنك بتحصيل الكوبونات ويتحقق من صحة القرعة عند الاستهلاك، ويقوم بتنبيه المودع إلى حقوقه في القيام بالعمليات التي تخولها له ملكية الأسهم، وعلى الأخص حقه في الاكتتاب عند زيادة رأس مال الشركة، ويخطره بمواعيد اجتماع الجمعية العمومية للشركات المختلفة التي أصدرت الصكوك المودعة.
وينفذ فوق هذا أو ذاك التعليمات والأوامر التي يصدرها إليه عميله من بيع أو شراء أو تحويل أو تجميع لهذه الصكوك (١)
стр. 2836
ثالثا: إيجار الخزائن الحديدية: تعريفه - فوائده - طابعه - آثاره.
يقول الدكتور علي البارودي: بأن ماهية إيجار الخزائن الحديدية عبارة
стр. 2837
عن عقد يلتزم البنك بمقتضاه أن يضع في العقار الذي يشغله خزانة حديدية تحت تصرف العميل وحده مقابل أجر يختلف باختلاف حجم الخزانة ومدة انتفاع العميل بها (١)
ويتميز عقد إيجار الخزائن الحديدية عن غيره من عقود المعاملات المصرفية بأنه عقد مستقل بالعميل نفسه. لا يعود للبنك منه أي فائدة تبعية سوى أنه عامل من عوامل اجتذاب العملاء، وإذا كان البنك يأخذ أجرة على تأجيره الخزائن فإن هذه الأجرة في الغالب لا تتناسب مع تكاليف إنشاء هذه الخزائن ولا مع المسئولية في الحفاظ عليها بعد استئجارها.
أما العميل فله فوائد أهمها ضمان سلامة وحفظ الأشياء التي أودعها في الخزانة الحديدية، وضمان سريتها والقدرة على الاستمرار في السرية، بحكم أن مفتاحها بيده وحده، وأن البنك لا يمكن غيره من فتحها، بخلاف ما لو كان ذلك في بيته أو متجره، فإن المحافظة على سريتها والاستمرار على ذلك مما لا يستطيعه في الغالب.
ولعقود إيجار الخزائن الحديدية طابع شخصي يبدو في حرص البنك على اختيار عملائه المستأجرين في أن يكونوا من ذوي المؤهلات الخلقية ممن يعرفون باستقامتهم وحسن معاملاتهم ونزاهة تصرفاتهم في مختلف شئون الحياة من تجارية ومدنية وسياسية، كل ذلك لتفادي البنك الأضرار التي تنجم ممن هم ليسوا في مستوى أخلاقي صالح للتعامل المدني أو التجاري عند دخولهم قاعة الخزائن
стр. 2838
آثار العقد:
لعقد إجارة الخزائن الحديدية آثار تتضح في الالتزامات المتبادلة بين طرفيه ذلك أن عقد إجارة الخزانة الحديدية يلزم البنك لعميله أمورا أهمها ما يلي:
أ - محافظة البنك على الخزانة وحراستها عن الأسباب التي قد تؤدي إلى هلاك ما بها أو تلفه كالحريق والسرقة ونحو ذلك مما في مقدوره دفعه.
ب - تمكين المستأجر من الانتفاع بالخزانة وبذل الجهد في سبيل تأمين رغبة المستأجر في أن يكون انتفاعه بها سريا، تحقيقا لغرضه من الاستئجار ومن ذلك إيجاد فواصل خاصة بين الخزائن حتى يضمن العميل سرية الاطلاع المنفرد على ما بداخل خزانته.
ج - التحقق من شخصية عميله المستأجر قبل السماح له بدخول صالة الخزائن.
د - احتفاظ البنك بمفتاح آخر يستعمله في حال الاضطرار إلى إنقاذ محتويات الخزانة من حريق أو فيضان أو نحو ذلك.
كما أن العقد يلزم العميل للبنك أمورا أهمها ما يلي:
أ - دفعه الأجرة المتفق عليها في عقد الإجارة واحتفاظه بمفتاح الخزانة ورده عند انقضاء العقد.
ب - في حال فقده مفتاح الخزانة عليه إبلاغ البنك بذلك؛ ليمنع البنك أي محاولة ممن يجد المفتاح من الدخول إلى صالة الخزائن وفتحه
стр. 2839
الخزانة.
ج - احترامه للائحة صالة الخزائن وتقيده بمواعيد الزيارة، وألا يضع في الخزانة ما يهدد سلامة الخزانة أو البنك نفسه (١)
стр. 2840
التكييف القانوني لعقد إيجار الخزانة:
اختلف فقهاء القانون وشراحه في تخريج عقد إيجار الخزائن الحديدية هل يخرج على أنه وديعة أم على أنه عقد إجارة؟
فمن نظر إلى أن الخزانة وما تحتويه من ممتلكات العميل تعتبر في عهدة البنك وحراسته اعتبر العقد وديعة وأجرى عليه أحكام الوديعة.
ومن نظر إلى أن العميل قد استأجر بالفعل هذه الخزينة من البنك ومكنه من استخدامها استخداما يتمكن به من الحفاظ على سرية ما يضعه فيها وسلامته بأجرة معينة لمدة محدودة اعتبرها من عقود الإجارة.
وفي ذلك يقول الدكتور علي البارودي: إن معرفة ما إذا كان إيجار الخزانة أقرب إلى الوديعة أو هو أقرب إلى الإيجار، ذلك أيضا موضوع خلاف بين الفقهاء وبين أحكام القضاء، ويذهب البعض إلى القول بأنه عقد ذو طبيعة خاصة يسميه عقد الحراسة، ولكن مثل هذا الرأي لا يحل الإشكال القائم، إذ يبقى بيان الآثار الخاصة التي يمكن أن تترتب على هذا العقد الجديد، والواقع أن في هذا العقد نوعا من الحيازة المشتركة لا تتوافر في عقد الوديعة، حيث تكون الحيازة للمودع لديه وحده ولا في عقد