ولأهل العلم في حكم ذلك كلام يحسن إيراد ما يتيسر منه:
١ - قال ابن الهمام: قوله: ومن جعل مسجدا تحته سرداب وهو بيت يتخذ تحت الأرض لتبريد الماء وغيره أو فوقه بيت ليس للمسجد واحد منهما، فليس بمسجد، وله بيعه، ويورث عنه إذا مات، ولو عزل بابه إلى الطريق لبقاء حق العبد متعلقا به، والمسجد خالص لله سبحانه ليس لأحد فيه حق، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (١) إلى أن قال: بخلاف مما إذا كان السرداب أو العلو موقوفا لصاحب المسجد فإنه يجوز، إذ لا ملك فيه لأحد، بل هو من تتميم مصالح المسجد فهو كسرداب مسجد بيت القدس هذا هو ظاهر المذهب. وروي عن أبي حنيفة أنه إذا جعل السفل مسجدا دون العلو جاز؛ لأنه يتأبد بخلاف العلو، وهذا تعليل للحكم بوجود الشرط فإن التأبيد شرط وهو مع المقتضى. وعن محمد عكسه، وعن أبي يوسف أنه جوز ذلك في الأولين لما دخل بغداد ورأى ضيق الأماكن وكذا عن محمد لما دخل الرين، وهذا تعليل صحيح؛ لأنه تعليل بالضرورة. - إلى أن قال-: وفي كتاب الكراهية من [الخلاصة] عن الفقيه أبي جعفر عن هشام عن محمد، أنه يجوز أن يجعل شيء من الطريق مسجدا أو يجعل شيء من المسجد طريقا للعامة. اهـ. يعني: إذا احتاجوا إلى ذلك، ولأهل المسجد أن يجعلوا الرحبة مسجدا وكذا على القلب -إلى أن قال-: إلا أن قوله: وعلى القلب يقتضي جعل المسجد رحبة وفيه نظر. وقد ذكر المصنف في علامة النون من كتاب [التنجيس] : قيم المسجد إذا أراد أن
стр. 2767
يبني حوانيت في المسجد أو في فنائه لا يجوز له أن يفعل؛ لأنه إذا جعل المسجد سكنا تسقط حرمة المسجد، وأما الفناء فلأنه تبع للمسجد. اهـ (١)
٢ - وقال في [المدونة] : قال: وسألنا مالكا عن المسجد يبنيه الرجل ويبني فوقه بيتا يرتفق به قال: ما يعجبني ذلك. قال: وقد كان عمر بن عبد العزيز إمام هدى وقد كان يبيت فوق ظهر المسجد مسجد النبي ﷺ فلا تقربه فيه امرأة، وهذا إذا بنى فوقه صار مسكنا يجامع فيه ويأكل فيه -إلى أن قال-: قلت لابن القاسم: أرأيت ما كان من المساجد بناها رجل للناس على ظهر بيته أو بناها وبنى تحتها بنيانا هل يورث ذلك؟ قال: أما البنيان على ظهر المسجد فقد أخبرتك أن مالكا كره ذلك، وأما ما كان تحت المسجد من البنيان فإنه لا يكرهه، والمسجد عند مالك لا يورث إذا كان قد أباحه صاحبه للناس، ويورث البنيان الذي بني تحت المسجد. اهـ (٢)
٣ - وقال الزركشي الشافعي: كره مالك أن يبني مسجدا ويتخذ فوقه مسكنا يسكن فيه بأهله. قلت: وفي فتاوى البغوي ما يقتضي منع الجنب فيه؛ لأنه جعل ذلك هواء المسجد، وهواء المسجد حكمه المسجد. اهـ (٣)
٤ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه على حكم إبدال المسجد بغيره للمصلحة ما نصه: وقال القاضي أبو يعلى: وقال في
стр. 2768
رواية صالح: يحول المسجد خوفا من لصوص، وإذا كان موضعه قذرا، وبالثاني قال القاضي أبو يعلى، وقال في رواية أبي داود في مسجد أراد أهله أن يرفعوه من الأرض ويجعل تحته سقاية وحوانيت، وامتنع بعضهم من ذلك؟ ينظر إلى قول أكثرهم ولا بأس به. قال: فظاهر هذا أنه أجاز أن يجعل سفل المسجد حوانيت وسقاية. قال: ويجب أن يحمل هذا على أن الحاجة دعت إلى ذلك لمصلحة تعود بالمسجد. قال: وكان شيخنا أبو عبد الله -هو: ابن حامد - يمنع من ذلك ويتأول المسألة على أنهم اختلفوا في ذلك عند ابتداء بناء المسجد قبل وقفه ... إلى أن قال: وهذا تكلف ظاهر لمخالفة نصه، فإن نصه صريح في أن المسجد إذا أرادوا رفعه من الأرض، وأن يجعل تحته سقاية وحوانيت، وأن بعضهم امتنع من ذلك، وقد أجاب: بأنه ينظر إلى قول أكثرهم. ولو كان هذا عند ابتدائه لم يكن لأحد أن ينازع في بنيه إذا كان جائزا، ولم ينظر في ذلك إلى قول أكثرهم ... إلى أن قال: ولأن قوله: أرادوا رفعه من الأرض، وأن يجعل تحته سقاية: بين في أنه ملصق بالأرض، فأرادوا رفعه وجعل سقاية تحته، وأحمد اعتبر اختيار الأكثر من المصلين في المسجد، لأن الواجب ترجيح أصلح الأمرين، وما اختاره أكثرهم كان أنفع للأكثرين؛ فيكون أرجح. وأيضا فلفظ المسألة على ما ذكره أبو بكر عبد العزيز قال: قال في رواية سليمان بن الأشعث: إذا بنى رجل مسجدا فأراد غيره أن يهدمه ويبنيه بناء أجود من الأول فأبى عليه الباني الأول، فإنه يصير إلى قول الجيران ورضاهم: إذا أحبوا هدمه وبناءه، وإذا أرادوا أن يرفعوا المسجد من الأرض ويعمل في أسفله سقاية فمنعهم من ذلك مشائخ ضعفاء وقالوا: لا
стр. 2769
نقدر أن نصعد؛ فإنه يرفع ويجعل سقاية، ولا أعلم بذلك بأسا، وينظر إلى قول أكثرهم، فقد نص على هذا، وتبديل بنائه بأجود، وان كره الواقف الأولى، وعلى جواز رفعه وعمل سقاية تحته، وإن منعه مشائخ ضعفاء، إذا اختار ذلك الجيران، واعتبر أكثرهم. اهـ[مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] ، (٣١\ ٢١٧- ٢٢٠) . (١) .
وقد يمنع من جواز إقامة مواقف للسيارات تحت المساجد ما يترتب على ذلك من رفع المسجد بضع درجات توجب المشقة على المسنين والضعفاء، وقد تصل المشقة إلى اضطرار ترك الصلاة في المسجد للعجز عن الصعود إليه. وفيما مر ذكره من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية إجابة على ذلك حيث إن المعتبر في ذلك رجحان المصلحة فإذا كانت المصلحة في رفع المسجد بحيث يكون أسفله مرفقا يرتفق به المسلمون أرجح من المصلحة في منع ذلك؛ ليتمكن كبار السن والضعفاء من الصلاة في المسجد صار الأمر حيث تكون المصلحة راجحة. كما أنه يمكن أن يقال: بأن بضع درجات لا توجب مشقة في الغالب إلا لمن هو في نفس الأمر مريض أو عاجز، ومتى كان كذلك فإن خروجه من بيته إلى المسجد قد يوجد له نفس المشقة فيعذر بها، وعلى فرض أن مشقة الطلوع إلى المسجد تزيد على مشقة الخروج إليه من بيته فإن المصلحة العامة التي ستحصل من ذلك راجحة على المصلحة الفردية التي ينالها العاجز عن الصعود بضع درجات في حال تركها. ذلك أن إيجاد مرفق عام يرتفق به المسلمون يعتبر
стр. 2770
مصلحة كبرى تهدف الشريعة الإسلامية إلى تحصيلها وتكميلها، فضلا عما في ارتفاع مبنى المسجد عن الشوارع من أسباب نظافته وبعده عن الغبار والأتربة وما يتطاير في الشوارع من النفايات.
ويمكن أن يقال: بأن جعل المسجد فوق موقف للسيارات ينشأ عنه مزيد ضجة وضوضاء وإزعاج للمصلين بأبواق السيارات مع تعريض المسجد لأخطار صدم قوائمه مما يكون سببا في انهيار المسجد أو تصدعه فضلا عما في ذلك من انتهاك لحرمة المسجد حينما يكون قراره محلا للابتذال والمهانة وفحش القول بحكم اعتباره موقفا للسيارات الغالب على أهلها الابتذال في الأقوال والأعمال.
وقد يجاب عن ذلك: بأن الصخب والضوضاء والانزعاج بأبواق السيارات حاصل ولو لم يكن أسفل المسجد موقفا للسيارات؛ لأن المسجد الصالح لإقامته فوق موقف للسيارات يفترض فيه أن يكون على شوارع عامة، وما كان على شارع عام فله نصيبه الوافر من الضوضاء والصخب والانزعاج. والقول باحتمال تصدع قوائمه من صدم السيارات لها يواجه بضرورة تحصين هذه القوائم، وضمان صد هذا الاحتمال بإحكام البناء وإيجاد عوامل الصد والوقاية.
وأما القول: بأن قراره سيكون محلا للابتذال والمهانة وفحش القول والعمل كالطرق العامة والميادين. فحصول شيء من ذلك لا يعتبر مانعا على القول: بأن ما تحت المسجد مما ليس مسجدا كسقاية وحوانيت ونحوها كمواقف السيارات- ليس له حكم المسجد.
стр. 2771
هذا ما تيسر ذكره. وصلى الله على نبيا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. حرر في ٨\٣\١٣٩٦هـ.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2772
(٥)
بحث في المعاملات المصرفية والتحويلات المصرفية
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
стр. 2773
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المعاملات المصرفية
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه، وبعد:
فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في دورته المنعقدة في النصف الأول من شهر صفر لعام ١٣٩٥ هـ من بحث المعاملات المصرفية في الدورة القادمة للمجلس في شهر شعبان أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك، ونظرا إلى أن مواضيع المعاملات المصرفية كثيرة ومتشعبة - رأت اللجنة الاكتفاء ببحث المواضع الآتية، وإرجاء الباقي إلى دورة أخرى:
١ - عمليات الإيداع وتشمل ما يلي:
أولا: الودائع النقدية.
ثانيا: ودائع الوثائق والمستندات.
ثالثا: استئجار الخزائن الحديدية للإيداع فيها.
стр. 2774
٢ - عمليات الائتمان وبحث منها ما يلي:
أولا: الإقراض.
ثانيا: الاعتماد البسيط.
ثالثا: الضمان ويشمل خطابات الضمان، الكفالة، الاعتماد بالقبول.
رابعا: الاعتماد المستندي.
وقد ختمت اللجنة كلا من عمليات الإيداع وعمليات الائتمان بخلاصة للإعداد في ذلك، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2775
١ - عمليات الإيداع
الإيداع: تعريفه، الغرض منه، أهم أنواعه:
يقصد بالإيداع: إيداع المرء غيره ما يود حفظه من نقد أو عين أو وثائق. وإذا كان المودع في الغالب يقصد من الإيداع حفظ ما يودعه فقد يكون له أهداف أخرى للإيداع غير الحفظ؛ كإيداعه البنك نقوده أو بعضها للاستثمار أو وثائقه لإدارتها وتحصيل أرباحها، وقد يكون لديه من التكتم والحفاظ على سرية أعماله التجارية أو المدنية ما يدعوه إلى استئجار خزائن حديدية في البنك، تكون تحت تصرفه وحده، يودع فيها وثائقه ومستنداته ومجوهراته، ونحو ذلك مما يود حفظه والتكتم على سرية تملكه.
وعمليات الإيداع لا تنحصر في عمليات محدودة إلا أن أهمها إيداع النقود وإيداع الوثائق والمستندات واستئجار الخزائن الحديدية للإيداع فيها. وفيما يلي بحوث في عمليات الإيداع الثلاثة:
стр. 2776
أولا: الودائع النقدية:
لا شك أن النقود هي أهم الودائع التي تتلقاها البنوك، إذ هي القوة التي يستطيع بها البنك أن يقوم بجميع عملياته المصرفية، كما أنها الوسيلة الطبيعية لائتمان التاجر البنك، حينما يأتمنه في إيداع نقوده لديه لأجل قصير أو تحت الطلب، ريثما يجد الفرصة سانحة لعقد صفقة تجارية ما، لما في ذلك من سهولة استعماله لهذه النقود المودعة في البنك دون الاضطرار إلى حملها أو عدها أو التأمين عليها، وقد يقصد المودع في البنك تخصيص وديعته النقدية لعملية تجارية يرى أن البنك خير وسيلة لإتمامها.
تعريف الوديعة النقدية:
يذهب الأستاذ الدكتور أدوار عيد في تعريفه الوديعة النقدية: إلى القول بأن الوديعة النقدية: عقد بمقتضاه يسلم شخص مبلغا من النقود إلى المصرف الذي يتعهد بأن يرد إليه قيمة مماثلة دفعة واحدة أو عدة دفعات لدى أول طلب منه أو ضمن المهل والشروط المتفق عليها في العقد (م ٣٠٧ فقرة تجارة) ، وما دامت الوديعة تتناول مبلغا من النقود فيتلقى الوديع - أي: المصرف- حق استعمال هذه النقود، ويصبح مالكا لها على أن يلتزم برد مبلغ مماثل إلى المودع (١)
стр. 2777
مزايا الإيداع النقدي:
يذكر الأستاذ الدكتور أدوار عيد: أن لعملية إيداع النقود مزايا عديدة
стр. 2778
تجاه الطرفين سيما إذا اقترنت بأجل ما، فإنها بالنسبة للمودع تشكل نوعا من الادخار، وتدر عليه في ذات الوقت فائدة يختلف معدلها باختلاف المدة التي تبقى فيها الأموال بيد المصرف؛ وبالنسبة للمصرف فإنها تؤمن من المبالغ اللازمة للقيام بعمليات الخصم والائتمان التي تضمن له عائدات هامة من فوائد أو عمولات (١) ، وفضلا عما ذكره الدكتور أدوار فإن الودائع النقدية تعتبر للبنك مصدر ثقة في نفوس المودعين تعطيهم الاطمئنان على سلامة ودائعهم وقدرتهم على سحبها أو سحب ما يريدون منها متى شاءوا، كما أنها القوة التي يستطيع بها البنك ممارسة نشاطه المصرفي.
стр. 2779
أنواع الودائع النقدية:
تتخذ الودائع النقدية عدة أشكال تبعا لطبيعة إيداعها، ويذكر الأستاذ أدوار عيد أن أهم الودائع النقدية ما يلي:
ا- الودائع لدى الاطلاع أو لدى الطلب، وهي تشكل أهم صور الودائع النقدية ويكون لمودعها حق استردادها أو جزء منها متى شاء مباشرة أو بطريق إصدار شيكات أو التحويل؛ ونظرا لما يقتضيه هذا النوع من الودائع من ضرورة احتفاظ المصرف في خزانته بأموال كافية لدفع قيمتها، فإن المصرف لا يدفع عنها سوى فائدة قليلة جدا، وقد لا يدفع عنها شيئا.
٢ - الودائع لأجل أو لاستحقاق معين، وهذا النوع من الودائع لا يسترد قبل أجل معين يجري الاتفاق على تحديده، وهو أقل شيوعا من
стр. 2780
الودائع تحت الطلب، ولكنه أكثر فائدة للمصارف؛ لأنها تستطيع استعمال هذه المبالغ المؤجل دفعها طيلة مدة التأجيل، وتكون الفائدة عليها مرتفعة نسبيا، تبعا للمدة التي يتفق على بقائها لدى المصرف.
٣ - الودائع بشرط الإخطار: وهي ودائع يكون لصاحبها حق استردادها دون انتظار أجل معين، لكن بشرط إشعار المصرف بذلك قبل استردادها بمدة ما، ويعطى هذا النوع من الفوائد مثلما تعطى الودائع تحت الطلب؛ لأن البنوك لا تستطيع الاعتماد عليها في تمويل نشاطها المصرفي.
٤ - الودائع المخصصة لغرض معين؛ لمصلحة المودع كالمبالغ المودعة لدى المصرف لشراء أسهم، أو للاكتتاب بأسهم في شركة تحت التأسيس، أو لدفع ديون معينة، وقد يكون الإيداع لمصلحة المصرف، كأن تكون الوديعة ضمانا لمصلحة حساب آخر أو لمصلحة شخص ثالث، كما هو الحال في تجميد مؤونة شيك مؤشر عليه لمصلحة الحامل بصورة مؤقتة، وهاتان الحالتان لا يجوز فيهما للمودع استرداد وديعته حتى انقضاء المودع لأجلها، اهـ باختصار (١)
وقد اختلف علماء الاقتصاد في التكييف القانوني للوديعة النقدية: فذهب بعضهم: إلى أنها وديعة بالمعنى الحقيقي للوديعة بالمقاصة بها، كما يبرأ البنك منها لو هلكت بقوة قاهرة، ويتعين عليه أن يرد المبلغ المودع بذاته، ويقوم بحفظه حتى طلبه.
стр. 2781
وينتقد الأستاذ الدكتور محمد عوض هذا الرأي فيقول: ولكن هذه المبادئ الخاصة بعقد الوديعة لا تنطبق على الوديعة المصرفية؛ لأنه فيما عدا الحالة الاستثنائية لإيداع نقود بذاتها، فإن البنك لا يقصد أبدا المحافظة على النقود التي تلقاها بذاتها، بل يقصد استخدامها على أن يرد مثلها، كما أن القضاء يجيز له أن يرد طلب الاسترداد بالمقاصة، ويقضي بمسئوليته عن رد الوديعة ولو هلكت بقوة قاهرة فيلزمه أن يرد مثلها.
هذه الأحكام تباعد بين الوديعة العادية والوديعة المصرفية، ففي كلتيهما يلتزم الوديع بالرد لكن هناك في الأولى التزام بالحفظ، بينما في الثانية لا يلتزم البنك بالمحافظة على ذات الوديعة، وكل ما هناك أنه يحفظ للمودع حقه في استرداد مثل ما أودعه اهـ.
وذهب آخرون: إلى أنها وديعة شاذة أو ناقصة، ويذكر الأستاذ محمد عوض: أن الوديعة الناقصة أو الشاذة وديعة يتملكها المودع عنده، ويلتزم برد مثلها بخلاف الوديعة الكاملة التي لا يجوز للوديع أن يتملكها مطلقا، ويناقش هذا الرأي بقوله: والواقع أن طبيعة الوديعة الشاذة محل خلاف في فرنسا، حتى لقد أنكر البعض تسميتها بالوديعة على أساس أنه ما دام الوديع مأذونا في استعمال الوديعة فقد سقط عنه التزام الحفظ؛ لأن الوديعة تهلك بالاستعمال؛ ولذلك وجب حتما استبعاد فكرة الوديعة والقول بفكرة القرض، ولم يدع القانون المصري مجالا لفكرة الوديعة الشاذة، بل
стр. 2782
قضى في المادة (٧٢٦) منه أنه: إذا كانت الوديعة مبلغا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال وكان المودع عنده مأذونا له في استعماله اعتبر العقد قرضا. اهـ (١)
وذهب فريق ثالث إلى: أن الوديعة النقدية تعتبر قرضا يلتزم المقترض برد شيء مماثل للوديعة عند الطلب، فيجوز له دفع طلب استردادها بالمقاصة ولا يتعين عليه حفظها، بل يعتبر مالكا لها ضامنا لهلاكها ملزما برد مثلها عند طلبها.
ويذكر الدكتور محمد عوض: بأنه مراعاة للوضع الغالب في العمل فإن مجموعة من الشراح وعلماء الاقتصاد يميلون إلى هذا الرأي، فالوديع وهو البنك مثلا يعتبر تاجرا يعطي ائتمانا للغير وهو بذلك يضطر للحصول على ما يقرضه للغير من طريق الاقتراض والاستيداع، وليس من طريق الاستعانة برأس ماله، وكذلك المودع فإن له مصلحة في الإيداع تتجسم في الفائدة التي يستحصلها من البنك، فإذا لم تقرر له فائدة فحسبه حفظ ماله (٢)
ويرى الدكتور محمد عوض: أن تكييف عقد الوديعة النقدية من الناحية القانونية يكمن في إرادة الطرفين، ويستقل بالكشف عنها قاضي الاختصاص، فإذا كان البنك مأذونا له في استعمال المال المودع، كانت الوديعة النقدية قرضا تسري عليها أحكام القرض، وهذا هو الغالب على
стр. 2783
معظم الودائع النقدية المصرفية. . أما إذا كان البنك غير مأذون له في الاستعمال، فإن المال المودع يعتبر وديعة بما تعنيه الوديعة من معنى وتسري عليه أحكام الوديعة، ويمثل لذلك بالوديعة المصرفية المصحوبة بتخصصها لغرض معين أو لمجرد حفظها بذاتها لدى البنك (١)
والغالب على عمليات الإيداع النقدي أن تكون الوديعة تحت الطلب بحيث يسهل على المودع سحبها متى شاء أو تجزئة السحب منها، ومن هنا ترتبط فكرة الإيداع بفكرة فتح الحساب.
وفي هذا يقول الأستاذ علي البارودي: ويكون العقد الذي يتم بين البنك والعميل ليس مجرد عقد وديعة نقود، وإنما عقد فتح حساب ودائع يلقي فيها العميل بالمبلغ الأول الذي يحتمل الزيادة بواسطة العمليات التي قد يكلف البنك بها، وتؤدي إلى دخل نقدي للعميل، ويحتمل النقصان بعمليات السحب أو غيرها من العمليات التي تقتضي الإنفاق من النقود المودعة على ألا تتجاوز هذه العمليات قيمة النقود المودعة فعلا. اهـ (٢)
ونظرا إلى أن الغالب على عمليات الإيداع النقدي أن تكون الوديعة تحت الطلب بمعنى: أن يدخل العميل مع البنك في فتح حساب ودائع، فمن المتعين أن يتناول مبحث الودائع النقدية أنواع الحسابات المصرفية والتفرقة بينها ومعرفة طبيعة كل نوع من هذه الحسابات.
لا شك أن لدى المصارف أنواعا من الحسابات لكل حساب منها أصوله
стр. 2784
وقواعده، هذه الحسابات يختلف بعضها عن بعض تبعا لاختلاف الأغراض التي فتحت لأجلها، فإن كان الغرض من فتح الحساب مجرد إثبات عمليات الأخذ والعطاء مع احتفاظ كل عملية بذاتها وطابعها، فهذا ما يسمى بالحساب البسيط أو العادي أو حساب الودائع، أما إن كان القصد من فتحه أن تفقد عمليات التبادل ذاتيتها وتتحول إلى مفردات حسابية لا تسوى إلا عند قفل الحساب- فهذا ما يسمى بالحساب الجاري، ويتضح نوع الحساب المفتوح بمعرفة مقصد أطرافه.
وفي ذلك يقول الدكتور محمد عوض: إن فيصل التفرقة بين الحساب العادي والحساب الجاري هو قصد الطرفين وهدفهما من قيد حاصل العملية في حساب، فإن قصدا تسويتها فورا واتخذا الحساب كمجرد إثبات لهذه التسوية أو لإثبات وقوع العملية فهو حساب عادي، أما إذا كان القصد هو تحويل العملية إلى مفرد في الحساب وإرجاء تسوية هذا المفرد إلى وقت نهاية الحساب فهو حساب جار. اهـ (١)
стр. 2785
الحساب العادي أو البسيط أو حساب الودائع
عقد فتح الحساب:
الواقع أنه لا توجد هناك نصوص خاصة تحكم عقود فتح الحسابات وإنما يرجع في إبرامها إلى القواعد العامة وما كان جرى عليه العمل وتعارفه الناس وما تمليه إرادة الطرفين؛ ولذلك فإن عقد فتح الحساب بين العميل والبنك يتم على وضع خاضع للاعتبارات السابقة.
стр. 2786
ونظرا إلى أن العقد يعني إيجاد نوع من المعاملة المتبادلة بين البنك وعميله، فإن البنك لا يدخل مع عميله في مثل هذه المعاملة حتى يطمئن إلى عميله بما يجريه نحوه من التحريات عن شخصه ومدى أهليته لتلك العلاقة؛ سواء كان شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا؛ ذلك لأن الإيداع يتبعه حق السحب إما مباشرة أو عن طريق إصدار شيكات أو سندات تجارية، فلا بد من توفر الأهلية الموجبة لصحة تلك التصرفات من ذلك العميل، وقد يكتفي البنك من تحرياته في الأحوال العادية بما يقدمه العميل من بطاقة شخصية أو أي ورقة رسمية تثبت هويته، وبما يقدمه من نماذج لتواقيعه لتجري مقابلتها على تواقيع سحبه.
وقد يتفق اثنان فأكثر على فتح حساب واحد على وجه التضامن فيسمى بالحساب المشترك، ويكون لكل منهم حق إيداع مبلغ ما، كما يكون له حق السحب. وأكثر ما يكون بين الشركاء والإخوة والأزواج، وبعض البلاد تشترط لفتح الحساب المشترك واستمراره كون الشركاء على قيد الحياة، فإذا توفي أحدهم أوقف الحساب خشية تلاعب بقية الشركاء بحقوق ورثة شريكهم المتوفى.
والغالب على الإيداع المفتوح به حساب أن تكون الوديعة فيه تحت الطلب، فإذا كانت الوديعة تحت الطلب فقد جرى بعض البنوك على عدم إعطاء فوائد على بقائها عندها؛ لأن البنك يفترض من العميل طلبها أو السحب عليها أو على بعضها فلا يعتمد عليها في تمويل عملياته المصرفية، وبالتالي فهو لا يستفيد من بقائها لديه إلا أن تجارب البنوك لعمليات الإيداع تحت الطلب قد أعطتهم نتائج تقضي بأن نسبة كبيرة من
стр. 2787
الودائع تحت الطلب تبقى في البنك دون طلبها مما ييسر لهم أمر الانتفاع بهذه النسبة المتجمدة لديهم، ولهذا عمدت بعض البنوك إلى إعطاء فوائد قليلة على الودائع تحت الطلب. أما إن كانت الودائع لأجل معين فإن البنك يعطي عميله فائدة على بقائها عنده يتم الاتفاق بينهما على تحديد مقدارها ووقت سريانها وإضافتها لأصل الوديعة، ليكون لها حقها في الفائدة.
وإذا تم فتح الحساب بين طرفيه تخللته عمليات مختلفة بين أخذ وعطاء، سواء كان ذلك مباشرة أو نقلا مصرفيا أو مبالغ يقبضها البنك لحساب عميله كقيمة أسناد أو تحصيل شيكات أو عائدات أسهم مالية يفوض العميل البنك في استحصالها، وهذه العمليات المختلفة والمتبادلة بين طرفي الحساب تسمى في اصطلاح المصارف بتشغيل الحساب.
وفي ذلك يقول الدكتور علي البارودي: تتخلل عمليات الحساب منذ فتحه إلى قفله عمليات مختلفة بين العميل والبنك تحتفظ كل عملية منها باستقلالها ولا يطرأ عليها أي تحول (على خلاف ما سنرى فيما يتعلق بالعمليات التي تدخل الحساب الجاري) ، كل ما هنالك أنها تترجم في حساب الودائع إلى قيود تذكر في الجانب الدائن للعميل أو في الجانب المدين حتى يأتي اليوم الذي يصفى فيه الحساب فيظهر الرصيد النهائي. اهـ (١)
ويعتبر النقل أو التحويل المصرفي رافدا من روافد الإيداع، وله قواعد وأصول سارت البنوك في معاملاتها على رعايتها والتقيد بمقتضاها، وعليه
стр. 2788
فإن من إيفاء البحث حقه التعرض له بذكر بعض مما أورده بعضهم بخصوصه.
يقول الدكتور علي البارودي: عملية التحويل المصرفي تتم بواسطة قيود يجريها البنك، مضمونها أنه يجعل حساب عميل معين مدينا بمبلغ معين لكي يجعل حساب عميل آخر دائنا بذات المبلغ، أو هي نقل مبلغ من حساب لحساب آخر بمجرد قيود في الحسابين وتبدأ هذه العملية عندما تنشأ علاقة مديونية بين شخصين لكل منها حساب في البنك، فبدلا من أن يقوم المدين منها بسحب مبلغ من حسابه فيوفي به للآخر الذي يلجأ إلى البنك مرة أخرى ليودعه، يصدر العميل المدين أمرا إلى البنك بأن ينقل من حسابه إلى حساب دائنه مبلغا يعادل قيمة الدين فيجري البنك القيود اللازمة، ثم يخطر العميل الدائن بأنه أضاف إلى حسابه هذا المبلغ نقلا عن حساب مدينه، فيوافق الدائن أو على الأقل لا يعترض، وتمام العملية على هذا الوجه يغني عن استعمال النقود؛ لذلك سميت بأنها نقود قيدية. اهـ.
ويقول: والغالب أن يتم النقل أو التحويل المصرفي من حساب عميل معين إلى حساب عميل آخر، ولكن لا يوجد ما يمنع من أن يصدر العميل إلى البنك أمرا بإجراء عملية التحويل المصرفي بين حسابين له في ذات البنك إذا كان يخصص كلا منهما لغرض معين، كما إذا كان له حساب لعملياته الشخصية وحساب آخر للعمليات التي يقوم بها في ممارسة حرفة معينة، وكما إذا كان شخصا معنويا- شركة أو جمعية مثلا- وله حساب خاص لكل فرع من فروعه المختلفة تسهيلا لعمليات السحب والإيداع، وقد يتم التحويل المصرفي بين عميلين لكل منهما حساب في ذات البنك،
стр. 2789
ولكنه قد يتم أيضا بين عميلين في بنكين مختلفين، فيصدر الأمر من العميل المدين إلى البنك الذي يتعامل معه بأن يضع تحت تصرف بنك العميل الدائن مبلغا يقيده هذا البنك الآخر في حساب العميل الدائن، فكأن البنك الثاني يتولى عن البنك الأول القيام بعملية النقل بين العميلين دون استعمال النقود، ولا يقتضي الأمر عادة أن يعطي البنك الأول إلى البنك الثاني مبلغ ما قيده البنك الثاني لحساب عميله الثاني الدائن، إذ أنه غالبا ما يكون بين البنكين حسابات متصلة تتم تصفيتها عن طريق المقاصة. اهـ (١)
ويشترط لصحة النقل المصرفي أن يكون الأمر بالنقل مؤرخا ليكون ذلك مانعا العميل الآمر من الرجوع عن أمره بالتحويل المصرفي، وليعطي تاريخ الأمر العلم بوقته في حال إفلاس أحد الطرفين البنك أو العميل، ليجري ترتيب المجريات القضائية على حكم التصرف في ذلك التاريخ.
ويذهب الدكتور علي البارودي إلى القول: بأن النقل أو التحويل المصرفي عملية مجردة تشبه عملية تسليم النقود، وفي هذا يقول: والنقل أو التحويل المصرفي عملية مجردة، فهو أشبه بعملية تسليم النقود ماديا من العميل الآمر إلى دائنه العميل المستفيد عن طريق مناولة يدوية من جانب البنك المتوسط، وعلى ذلك: فإن حق المستفيد في مواجهة البنك بعد القيد بات مستقلا تماما عن العلاقة بين البنك وبين العميل الآمر (٢)
ويقول في موضع آخر في معرض الحديث عن التكييف القانوني للنقل
стр. 2790
المصرفي ما نصه: لذلك اتجه أغلب الفقه والقضاء إلى تكييف النقل المصرفي بأنه عملية مادية شكلية، تساوي في نظر القانون عملية تسليم مادية من النقود، بل لقد أطلقوا عليها- والتعبير موفق إلى أبعد حد- أنها نقود قيدية، فالعميل المستفيد قد تسلم نقودا بالفعل من العميل الآمر، وكل ما هناك أن طريقة التسليم طريقة مصرفية حديثة (١)
هذا العقد يثبت عادة بتسليم المدخر دفتر التوفير الموقع عليه بإمضائين من إمضاءات البنك المعتمدة والمقيد به المبلغ الذي فتح بمقتضاه حساب التوفير، وتنظم البنوك عادة بنود هذا العقد على النحو الذي يضمن جدية العقد من ناحية وتشجيع المدخرين من ناحية أخرى؛ فعقد حساب التوفير له طابع شخصي بحت والدفتر اسمي غير قابل للتحويل ولا للتداول، ولا يمكن لغير صاحب الدفتر أو ورثته أو وكلائه- متى أثبتوا صفتهم- السحب من المبالغ المودعة، وبديهي أنه لا يجوز السحب عن طريق إصدار الشيكات، وفيما يتعلق بالمبالغ المودعة في حساب التوفير يضع البنك عادة حدا أدنى للمبلغ الذي يجوز فتح حساب التوفير بمقتضاه (٥ جنيهات مثلا) ، ويضع كذلك حدا أقصى (٥٠٠٠ جنيه) ، كما أنه يضع حدا أدنى للمبالغ التي تودع أو تسحب بعد ذلك من الدفتر (مبلغ جنيه واحد) ، كذلك يضع البنك حدا أدنى للمبلغ الذي يمكن أن يرتب فوائد لصالح المدخر (١٠ جنيه) بحيث إذا نقص المبلغ المودع في الدفتر عنه فإنه لا تحسب له فوائد أصلا، وبديهي أن هذه الحدود الدنيا الضئيلة تمثل أقل ما يمكن أن
стр. 2791
يتطلبه البنك لجدية العقد، أما الحد الأقصى فالغرض منه استبعاد كبار المودعين الذين يريدون الاستفادة من فوائد حساب التوفير مع الاحتفاظ بودائعهم الكبيرة تحت الطلب. اهـ (١)
قفل الحساب:
قفل الحساب، يعني: إيقاف عمليات تبادل المدفوعات وتصفيتها وإخراج الرصيد النهائي لها دينا محررا واجب الأداء، والغالب أن يكون ذلك في صالح العميل.
ولقفل الحساب أسباب وآثار:
أ- أسباب قفل الحساب:
لقفل الحساب أسباب كثيرة: أهمها أن يكون بين البنك وعميله اتفاق على فتحه لمدة معينة، أو أن فتحه كان لعملية مصرفية معينة، فبمجرد انقضاء المدة أو الانتهاء من العملية المصرفية يصبح الحساب مقفولا ما لم يحددا اتفاقا على تمديد فتحه، أما إذا لم يكن هناك اتفاق على تحديد مدة فتحه فيقفل الحساب بناء على طلب أحد طرفيه في وقت لاحق.
ويقول الأستاذ الدكتور علي البارودي: بأن للحساب طابعا شخصيا، لذلك يجب قفله إذا طرأ على أهلية أحد الطرفين طارئ، كما إذا توفي العميل أو حجر عليه أو أفلس أو إذا كان العميل شخصا معنويا فانقضى، كذلك يجب قفل الحساب بمجرد إفلاس البنك أو تصفيته. اهـ (٢) .
стр. 2792
ب- آثار قفل الحساب:
يقول الدكتور علي البارودي ما نصه: عند قفل الحساب يجب تصفيته وبيان الرصيد النهائي وهو عادة لصالح العميل في حساب الودائع، وتصبح نتيجة الحساب نهائية بالاتفاق عليها أو بالحكم القضائي فلا يجوز إعادة النظر فيها بعد ذلك إلا لإصلاح خطأ مادي أو خطأ في عملية الحساب أو ترك أو تكرار لأحد القيود، ولا تقبل دعوى تصحيح الحساب حينئذ إلا إذا حدد المدعي المفردات التي وقع فيها الخطأ وعزز ادعاءه بالأدلة (١) .
стр. 2793
حساب الادخار والتوفير:
يعتبر حساب الادخار والتوفير ضربا من ضروب حساب الودائع إلا أن له بعض سمات تجعل له لونا خاصا في التعامل، وإلى ذلك يشير الدكتور علي البارودي بقوله: عقد حساب التوفير كسائر عقود البنك عقد رضائي يتم باتفاق العميل المدخر مع البنك.
стр. 2794
الحساب الجاري
تعريفه ومزاياه:
للحساب الجاري أصول وقواعد وأحكام يختلف بها عن بقية الحسابات الآخرى، إذ أن كل دفعة من الدفعات تفقد ذاتيتها، وتشكل جزءا من كل لا يتجزأ في الحساب الجاري، وكثيرا ما يركن إليه إذا ما تعددت العمليات التبادلية وتكررت وأريد تصفيتها وإنهاؤها.
ولقد درج بعضهم إلى تعريفه بما نصت عليه بعض المواد القانونية
стр. 2795
التجارية، ومن ذلك المادة (١٠٦) من قانون التجارة الأردني، والمادة (٣٩٣) من قانون التجارة السوري، والمادة (٢٩٨) من قانون التجارة اللبناني من أنه يراد بعقد الحساب الجاري: الاتفاق الحاصل بين شخصين على أن ما يسلمه كل منهما للأخر بدفعات مختلفة من نقود وأموال وأسناد تجارية قابلة للتمليك يسجل في حساب واحد لمصلحة الدافع ودينا على القابض دون أن يكون لأي منهما حق مطالبة الآخر بما سلمه له بكل دفعة على حدة، بحيث يصبح الرصيد النهائي وحده عند إقفال هذا الحساب دينا مستحقا ومهيأ للأداء. اهـ.
ويذكر الدكتور أدوار عيد: بأن الحساب الجاري لا يعتبر مجرد قائمة بالعمليات المتبادلة بين الطرفين بقصد ضبط هذه العمليات وإقصاء عامل النسيان عنها وقت التصفية، وإنما هو صيغة حسابية خاصة تترتب عليها آثار هامة بين الطرفين، أهم خصائصها أن تندمج العمليات الجارية بين الطرفين اندماجا تاما داخل الحساب، بحيث تفقد كل منها كيانها الذاتي واستقلالها بمجرد قيدها فيه، فلا يعتبر أحد الطرفين دائنا أو مدينا للآخر، طالما أن الحساب مفتوح بينهما حتى إقفال الحساب وتسويته، حيث يظهر عندئذ رصيد دائن لأحد الطرفين على الطرف الآخر يكون مستحقا وقابلا للأداء في الحال. . . . إلى أن قال: وللحساب الجاري مزايا عديدة؛ فإنه يسهل تصفية العمليات بين طرفيه، ويفادي استعمال النقود بصدد كل منهما مكتفيا بمجرد قيدها في الحساب وما ينتج عنه من مقاصة فيما بينهما، بحيث إن الرصيد النهائي فقط يستلزم دفع النقود وبحكم هذه المقاصة بين الطرفين فإنه يلاقي كل منهما خطر إعسار الآخر، وتنجلي هذه الفائدة على
стр. 2796
الأخص في حالة إفلاس أحد الطرفين، حيث إن الديون المستحقة والمقيدة في الحساب تكون قد سقطت فيما بينهما بالمقاصة، كما أن الديون لأجل المقيدة في الحساب على الطرف الذي أعلن إفلاسه تدخل تحت حكم المقاصة أيضا؛ لمجرد قيدها فيه قبل إعلان الإفلاس وسقوط أجلها بمجرد هذا الإفلاس. اهـ (١) .
стр. 2797
أركان الحساب الجاري:
للحساب الجاري ثلاثة أركان:
أحدها: الركن الإداري، وهو اتفاق الطرفين على فتحه، سواء كان الاتفاق منهما صراحة أو ضمنا مع اشتراط أن يكون كل منهما أهلا لصحة التصرفات الصادرة منه، ويعتبر الاتفاق ضمنيا في حال ما إذا جرى بين الطرفين مجموعة من المدفوعات المتبادلة، يقيدها كل منهما في حساب فتحه لديه دينا للدافع على القابض دون المطالبة بتسديد كل عملية على انفراد مع نية تسديد الرصيد عند إنهاء علاقتهما المتبادلة، وقد يعتبر حسابا جاريا في حال ما إذا أشعر البنك عميله بفتح اعتماد له في حساب جار ثم قام العميل بعد ذلك بسحب شيء من ذلك الاعتماد دون الاعتراض على فتح حساب جار بينهما، ويعود تقدير وجود حساب جار بينهما من عدمه في حال الخصومة في ذلك إلى محكمة الاختصاص.
الركن الثاني: المدفوعات بين الطرفين، وهي الركن المادي ويشترط لقيد أي مدفوع في الحساب الجاري أن يكون مثليا؛ لتمكن المقاصة بينهما
стр. 2798
سواء كان ذلك نقدا أو عينا، كالأرز والسكر ونحوهما، وأن يكون المدفوع حقا واجب الأداء، أما إن كان منازعا فيه أو معلقا على شرط محتمل الوقوع، فلا يصح قيده في الحساب الجاري، ولا يعني هذا استبعاد الديون المؤجلة عن قيدها في الحسابات الجارية، وإنما المقصود من ذلك استبعاد الديون المشكوك في وجوبها.
وفي هذا يقول الدكتور أدوار عيد: وإذا كان الدين لأجل فيمكن قيده في الحساب الجاري إذ يعتبر نهائيا رغم تأجيل استحقاقه، وقد رأينا أن من مزايا الحساب الجاري أنه يتيح قيد الديون المؤجلة فيه حتى إذا أفلس العميل استحقت هذه الديون فور إعلان إفلاسه، وجرت المقاصة بينهما وبين الديون القابلة لها في الحساب (١) كما يشترط في المدفوع أن يكون معين المقدار، وأن يكون الدافع قد سلمها للقابض على سبيل التمليك.
الركن الثالث: أن تكون المدفوعات المدرجة في الحساب الجاري متبادلة ومتشابكة، متبادلة بمعنى أن يقوم كل من الطرفين بدور القابض حينا ودور الدافع حينا آخر، فإن كان أحد الطرفين دافعا طيلة مدة الحساب دون أن يتلقى مدفوعات من الطرف الآخر لم يكن الحساب بينهما جاريا. ومتشابكة، بمعنى: أن يتخلل بعضها بعضا، فإن قام أحد الطرفين بمدفوعاته في الحساب ثم تلاه الآخر بمدفوعاته الأخرى لم يكن الحساب جاريا لفقد شرط التشابك في المدفوع. .
стр. 2799
الفرق بينه وبين الحسابات الأخرى:
فرق شراح القانون وعلماء الاقتصاد بين الحساب الجاري وحسابات الودائع والادخار ونحوها من حيث إن المدفوعات المتبادلة في الحساب الجاري تندمج بعضها في بعض، بحيث تشكل كلا لا يتجزأ حيث لا يمكن فصل بند من بنوده بمطالبة أو دعوى أو طلب مقاصة، بخلاف الحسابات الأخرى، فإن كل بند من بنودها يحتفظ باستقلاله وذاتيته وصلاحه للمطالبة والدعوى وضماناته الخاصة.
وفي ذلك يقول الدكتور علي البارودي: لذلك لا بد- والأمر غاية في الأهمية- من تحديد نوع الحساب ومعرفة العلامات التي نعرف بها كلا منهما ونميزه بها على الآخر، والتفرقة من الناحية القانونية تظهر من الاتفاق، إذ من الطبيعي أن يبين طرفا الحساب ما إذا كانا يريدان الدخول في حساب جار أو مجرد حساب ودائع، ولا بد أن تتضح نية الطرفين بوجه خاص عند الاتفاق على الدخول في حساب جار- إلى أن قال-: ومن الناحية العملية يغلب أن يكون الحساب الجاري بين تجار أو بين البنك وتاجر أو صانع أو صاحب حرفة، لمقتضيات الائتمان الخاصة بحرفته.
أما حساب الودائع فيغلب أن يكون بين البنك وبين المدخرين من الأفراد الذين يحفظون أموالهم في البنك، ويتعاملون بالشيكات التي يسحبونها عليه - إلى أن قال-: على أنه يجب أن لا ننسى أن هذه العلامات المميزة ليست هي الفيصل القاطع بين الحسابين، ونكرر مرة أخرى أن
стр. 2800
المرجع في معرفة نوع الحساب هو إرادة طرفيه، ثم الشروط الخاصة التي يجب أن تتوافر في الحساب حتى يمكن اعتباره حسابا جاريا. اهـ (١)
стр. 2801
الفوائد المتعلقة بالحساب الجاري:
يقول الأستاذ الدكتور محمد عوض: إن العادة قد استقرت بين البنوك وغيرها من البيوت التجارية أن كل مدفوع في الحساب الجاري يرتب فائدة بقوة القانون دون حاجة إلى الاتفاق على ذلك أو إنذار أو مطالبة قضائية بخلاف الحسابات الأخرى، فيجب فيها الاتفاق على ترتيب هذه الفوائد.
ويعلل الأستاذ محمد عوض ترتب الفائدة على المدفوعات المتبادلة بأن ذلك تفسير لإرادة الطرفين حينما يتنازل كل منهما عن استحقاقه الفوري لما دفعه، فلا أقل من أن يتقاضى فائدة على بقائه.
ويقول: وعلى كل حال فقد استقر هذا العرف ولم يعد محلا لمنازعته- ويضيف إلى ذلك قوله- وقد جرى العرف المصرفي على أن الأصل هو سريان فوائد المفردات من وقت دخولها الحساب، إلا أنه يغلب أن يحدد الطرفان موعدا آخر لبدء سريان الفائدة، ويكون تاليا لتاريخ دخول المفرد في الحساب، ويسمى هذا الموعد- اصطلاحا- القيمة، فيقال: إن المبلغ دخل الحساب في أول يناير والقيمة في (١٥) منه، أي: أن فائدته لا تسري إلا من (١٥) يناير (١)
стр. 2802
العمولة على فتح الحساب الجاري:
كما أن البنك يجري فائدة على المدفوعات المتبادلة بينه وبين عملائه في الحسابات الجارية فإنه في الغالب لا يكتفي بما يأخذه فائدة لمدفوعاته؛ لكونها في رأيه غير كافية لتغطية نفقاته لفتح الحساب وتشغيله وتعريضه للمخاطر؛ ولهذا فقد استقر العرف المصرفي على أن للبنك الحق في أن يتقاضى أجرا عن هذه الخدمات يسمى عمولة.
ويقول الأستاذ محمد عوض: بأن البنك لا يقتضي هذه العمولة إلا إذا كانت بينه وبين عميله سلسلة عمليات تؤدي إلى عدة قيود في الحساب، كما لو فتح الحساب بقصد منح العميل قروضا وبقصد وفاء ما يسحبه من أوراق تجارية، وتنفيذ أوامر النقل المصرفي التي يصدرها، أما إذا كان المقصود من فتح الحساب هو تسوية عمليات سبق أن تقاضى البنك عن كل منها عمولة خاصة وقت إبرامها- فإن البنك لا يطلب عمولة عن الحساب المفتوح لقيد مثل هذه العمليات، كذلك لا محل لاقتضاء مثل هذه العمولة إذا كان الحساب عاديا لا جاريا (١)
стр. 2803
وقف الحساب الجاري:
قد يعرض لأحد طرفي الحساب الجاري ما يتوقف به الحساب فترة من الزمن كإيقاف حركته فترة ما لعمل ميزان مؤقت يكشف عن مركز طرفيه من حيث الدائنية والمديونية، وقد يحلو لبعضهم التعبير عن ذلك الوقف بقطع الحساب.
стр. 2804
ويرتب وقف الحساب أو قطعه آثارا أشار إليها الأستاذ الدكتور محمد عوض بقوله: ويرتب هذا القطع آثارا متعددة، فهو شرط لإمكان ترحيل الفوائد إلى الأصل وتجميدها ويتقاضى البنك عمولة، كما أن القضاء أعطاه دورا هاما في حالات عدة عندما سمح للعميل أن يستخدم صفته كدائن أثناء سير الحساب، معتمدا على ناتج هذا القطع (١)
стр. 2805
تعليل قاعدة عدم التجزئة:
إذا انعقد الحساب الجاري بين طرفيه فإن كل دفعة فيه بأي طريق من طرق الإيداع تتحول إلى بند من بنوده فتفقد كيانها الذاتي واستقلالها، وفي ذلك تقول المادة (٣٠٣) من القانون التجاري اللبناني، والمادة (٣٩٨) من القانون التجاري السوري، والمادة (١١١) من القانون التجاري الأردني ما مضمونه: إن الديون المترتبة لأحد الطرفين إذا أدخلت في الحساب الجاري فقدت صفاتها الخاصة وكيانها الذاتي، فلا تكون بعد ذلك قابلة على حدة للإيفاء ولا للمقاصة ولا للمداعاة ولا لإحدى طرق التنفيذ ولا للسقوط منفردة بمرور الزمن، وتزول التأمينات الشخصية أو العينية المتصلة بالديون التي أدخلت في الحساب الجاري ما لم يكن اتفاق مخالف بين الفريقين.
وقد ذهب بعض فقهاء القانون وشراحه في تعليل تحول الإيداع الجديد في الحساب الجاري إلى بند من بنوده إلى أن في ذلك تجديدا للحساب بتغيير سببه، إذ أن المدين الذي كان ملتزما بدفع الدين الأصلي لا يكون