جمعا بينه وبين الأحاديث وبين الرواية الأخرى عنه.
وذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لعموم أدلة القرآن، ولدلالة السنة والأثر والمعنى، كما سبق في الإعداد ص: (٣٦، ٤٠، ٤٥) .
٣ - اختلف القائلون بوجوب الزكاة في عروض التجارة. فمنهم من أوجبها في كل حول؛ لعموم أدلة وجوب الزكاة في المال إذا حال عليه الحول ولا مخصص لها.
وذهب الإمام مالك رحمة الله إلى أن التاجر ينقسم إلى قسمين:
مدير وغير مدير، فالمدير هو الذي يكثر بيعه وشراؤه ولا يقدر أن يضبط أحواله، فهذا يجعل لنفسه شهرا من السنة يقوم فيه ما عنده من العروض ويحصي ما له من الديون التي يرتجي قبضها فيزكي ذلك على ما عنده من الناض.
وأما غير المدير وهو المحتكر الذي يشتري السلع ويتربص بها النفاق، وكذلك من كسدت سلعته، فهذا لا زكاة عليه فيما اشترى من السلع حتى بيعها، وإن قامت أحوالا، فإذا باعها زكاها لحول واحد ص: (٢٦) وما بعدها.
وحجته: أن الحول الثاني لم يكن المال عينا في أحد طرفيه؛ فلم تجب فيه الزكاة كالحول الأول إذا لم يكن في أوله عين.
ويجاب عن ذلك: بأن سبب وجوب الزكاة وشرطه في كل حول متوفران، فلا معنى لتخصيص الحول الأول بالوجوب فيه كالسوائم وبأنه دليل اجتهادي مقابل للنص، ولا اجتهاد مع النص.
стр. 3677
٤ - يشترط الحنفية ومن وافقهم لوجوب الزكاة كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية، ولا يشترط مالك، وحجته العمومات.
والجواب: أنها محمولة على الفاضل عن الحوائج الأصلية. ويرجع إلى ص (٢٢) . ويشترطون أيضا نية التجارة مقارنة لعمل التجارة.
أما المالكية فلهم شروط خمسة: أن لا يكون مما في عينه زكاة كالفضة، وأن يكون مملوكا بالشراء، وأن ينوي به التجارة عند الشراء، وأن يكون الثمن الذي اشترى به ذلك العرض عينا وعرضا ملك بشراء، وأن يبيع من العرض بعين نصابا فأكثر في المحتكر أو أقل لو درهما في المدير. ص (٣٤) .
ويشترط الشافعية: أن يملكه بعقد فيه عوض كالبيع، وأن ينوي عند العقد أنه تملكه للتجارة. ص (٤٢)
أما الحنابلة: فيشترطون أن يملكه بفعله كالبيع، وأن ينوي عند تملكه أنه للتجارة، وعن أحمد رواية أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية، وعليه فلا يعتبر أن يملكه بفعله ولا أن يكون في مقابله عروض، بل متى نوى به التجارة صار للتجارة، ومما تقدم يعلم أن النية شرط عند الجميع.
٥ - تقوم عروض التجارة بالأحظ للفقراء، وقيل: بما اشتريت به، فإن لم تكن دخلت عليه بأحد النقدين فإنه يقومها بالنقد الغالب. وقيل: يقومها بالنقد الغالب مطلقا. وقيل: يقومها بما شاء: ومدارك هذه الأقوال الاجتهاد. ص (٢١، ٢٢) .
стр. 3678
٦ - تضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة، أو يقوم الذهب والفضة ويضمهما إلى قيمة العروض بالقيمة أو بالإجزاء، ومدرك كل من القولين الاجتهاد ص: (٢٠) .
٧ - إذا ادعى من طلبت منه الزكاة أن ما بيده من العروض لم ينو به التجارة، أو أنه أدى زكاته، أو لم يحل عليه الحول، فقيل: يقبل؛ لأنه عبادة كالصلاة، فهو مؤتمن عليها: وقيل: لا يقبل إن اتهم؛ بناء على العمل بقاعدة القرائن؛ لما سبق في رقم (٦) من ملخص الأمر الأول.
ثالثا: الدين الذي للإنسان على غيره هل تلزمه زكاته؟
١ - قسم أبو حنيفة الديون ثلاثة أقسام: قوي، وضعيف، ومتوسط فالقوي: هو الذي وجب بدلا عن مال التجارة، ولا يخاطب بأداء شيء من زكاة ما مضى ما لم يقبض أربعين درهما، فكلما قبض أربعين درهما أدى درهما واحدا.
والضعيف: ما وجب له بدلا عن شيء وجب له بغير صنعه كالميراث أو بصنعه كالوصية، أو وجب عما ليس بمال كالمهر، فيزكيه إذا قبضه كله وحال عليه الحول بعد القبض.
والوسط: ما وجب له بدلا عما ليس للتجارة كثمن عبد الخدمة وثمن ثياب البذلة والمهنة، فقال: تجب فيه الزكاة قبل القبض ولا يخاطب بالأداء ما لم يقبض مائتي درهم، فإذا قبض مائتي درهم زكى لما مضى، وقال: لا زكاة فيه حتى يقبض المائتين ويحول عليه الحول من وقت القبض. وهو أصح الروايتين عنه. ومدركه
стр. 3679
اجتهادي يرجع إليه في ص: (٥٣) .
٢ - الديون عند المالكية تنقسم إلى أربعة أقسام: دين من فائدة، ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة.
فأما الدين من الفائدة فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون من ميراث ونحوه، فلا زكاة فيه حالا كان أو مؤجلا حتى يقبضه ويحول عليه الحول من بعد القبض.
الثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده، فإذا قبضه، وحال عليه الحول بعد القبض زكاه.
الثالث: أن يكون من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية، فهذا إن كان باعه بالنقد لم تجب عليه فيه الزكاة حتى يقبضه ويحول عليه الحول بعد القبض، وإن كان باعه بتأخير فقبضه بعد حول زكاه ساعة يقبضه.
الرابع: أن يكون الدين من كراء أو إجارة، فهذا إن كان قبضه بعد استيفاء السكنى والخدمة كان الحكم فيه على ما تقدم في القسم الثاني، وإن كان قبضه بعد استيفاء العمل كما إذا أجر نفسه ثلاث سنين بستين دينارا فيقبضها معجلة.
فقيل: يزكي إذا حال ما يجب له من الإجارة، وذلك عشرون دينارا.
وقيل: يزكي إذا حال الحول تسعة وثلاثين دينارا ونصف دينار.
وقيل: لا زكاة عليه في شيء من الستين حتى يمضي العام الثاني، فإذا مر زكى عشرين؛ لأن ما ينوي بها من العمل دين عليه، فلا يسقط إلا بمرور العام شيئا بعد شيء، فوجب استئناف حول آخر بها منذ تم سقوط الدين عنها.
стр. 3680
وأما الدين من الغصب ففيه في المذهب قولان:
أحدهما: وهو المشهور أنه يزكيه زكاة واحدة ساعة يقبضه كدين القراض.
الثاني: أنه يستقبل حولا مستأنفا من يوم قبضه كدين الفائدة، وقد قيل: إنه يزكيه للأعوام الماضية.
وأما دين القرض: فيزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
وأما المدير فقيل: يقومه، وقيل: لا يقومه، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف فيمن له مالان، يدير أحدهما، ولا يدير الآخر؛ لأن المدير إذا أقرض من المال الذي يدير أخرجه بذلك عن الإدارة.
وأما دين التجارة: فلا اختلاف في أن حكمه حكم عروض التجارة يقومه المدير، ويزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من الأعوام، ولزكاة الدين لسنة واحدة أربعة شروط:
أن يكون أصله عينا بيده فيسلفها، أو عروض تجارة يبيعها بثمن معلوم لأجل.
وأن يقبض من المدين.
وأن يكون المقبوض عينا ذهبا أو فضة، ولو كان القابض له موهوبا له من رب الدين أو أحال ربه به ممن له عليه دين على المدين.
وأن يقبض نصابا كاملا ولو في مرات، كأن يقبض منه عشرة ثم عشرة فيزكيه عند قبض ما به التمام، أو يقبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب.
стр. 3681
٣ - قسم الشافعية الديون إلى ثلاثة أقسام:
غير لازم: كدين الكتابة، ولا زكاة فيه بلا خلاف عندهم.
ولازم: وهو ماشية، ولا زكاة فيه بلا خلاف؛ لأن ما في الذمة لا توصف بأنها سائمة، والسوم شرط.
والثالث: أن يكون دراهم أو دنانير أو عروض تجارة وهو مستقر، ففيه قولان مشهوران.
القديم: لا تجب الزكاة في الدين بحال؛ لأنه غير معين.
والجديد الصحيح باتفاق الأصحاب: وجوب الزكاة في الدين على الجملة، وفيه تفصيل يرجع إليه ص: (٦٥) .
٤ - قسم الحنابلة الدين إلى قسمين:
دين على معترف به باذل له، فعلى صاحبه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى؛ لأنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل القبض، كما لو كان على معسر؛ ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به، وإنما يزكيه لما مضى؛ لأنه مملوك له يقدر على الانتفاع به؛ فلزمته زكاته كسائر الأموال.
وقيل: عليه إخراج الزكاة في الحال وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه؛ فلزمه إخراج زكاته كالوديعة. ورد بالفرق، فإن الوديعة بمنزلة ما في يده؛ لأن المستودع نائب عنه في حفظها فيده كيده. وقيل: ليس في الدين زكاة؛ لأنه غير نام؛ فلم تجب زكاته كعروض القنية.
الضرب الثاني: أن يكون على معسر أو جاحدا أو مماطل به، ففي
стр. 3682
وجوبها روايتان:
إحداهما: لا تجب؛ لأن هذا المال في جميع الأحوال على حال واحد؛ فوجب أن يتساوى في وجوب الزكاة أو سقوطها كسائر الأموال.
الثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى؛ لما روي عن علي ﵁ في الدين المظنون، قال: إذا كان صادقا فليزكه إذا قبضه لما مضى.
وروي نحوه عن ابن عباس، رواهما أبو عبيد، ولأنه مملوك يجوز التصرف فيه؛ فوجبت زكاته لما مضى كالدين على مليء. ولا فرق بين كون الغريم يجحده في الظاهر دون الباطن أو فيهما. وظاهر كلام أحمد: لا فرق بين الحال والمؤجل؛ لأن البراءة تصح من المؤجل.
رابعا: هل الدين يمنع وجوب الزكاة؟
مما تقدم يتبين ما يلي:
١ - منع الدين للزكاة:
أـ يشترط الحنفية ومن يوافقهم: أن لا يكون عليه دين مطالب به من جهة العباد حالا أو مؤجلا، والحجة في ذلك أثر عثمان ﵁: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم) . وفي رواية: (فمن كان عليه دين فليقض دينه وليزك بقية ماله) . قاله بمحضر من الصحابة ولم يعارض؛ فكان إجماعا.
وروى أصحاب مالك عن عمير بن عمران عن شجاع عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذ كان لرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه» وهذا نص: لأن النبي ﷺ قال: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم» .
стр. 3683
ووجه الدلالة ظاهر، ولأن ملكه غير مستقر؛ لأنه ربما أخذه الحاكم لحق الغرماء، ولأن المشغول بالحاجة الأصلية كالمعدوم.
ب- وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناض فقط، إلا أن يكون له عروض فيها وفاء من دينه فإنه لا يمنع، والحجة عمومات أدلة وجوب الزكاة، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) فعم ولم يخص من عليه دين ممن لا دين عليه في مال من الأموال، والعموم محتمل للخصوص، فخصص أهل العلم ذلك من عليه دين في المال العين بإجماع الصحابة على ذلك، بدليل أثر عثمان ﵁ ص: (٩٨) .
ج- مذهب الشافعية: وجوب الزكاة، سواء كان المال باطنا أو ظاهرا، من جنس الدين أو غيره، وسواء دين الله ودين الآدمي، كالزكاة السابقة والكفارة والنذر ص: (١٠٤) .
وهذا إحدى الروايات الثلاث في المذهب.
والحجة عمومات أدلة وجوب الزكاة، ولأنه مسلم ملك نصابا حولا فوجب عليه الزكاة كمن لا دين عليه. ويجاب عن الأول بأن العمومات خصصها أثر عثمان ﵁، وعن الثاني بأنه يخالف من لا دين عليه، فإنه غني يملك نصابا ص: ١٠٧.
د- أما الحنابلة ومن يوافقهم: فإن الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة، والحجة لهذا القول ما سبق من أدلة الحنفية.
وأما الأموال الظاهرة فروي عن أحمد:
أن الدين يمنع الزكاة أيضا فيها؛ لما سبق من الأدلة.
стр. 3684
والرواية الثانية: لا يمنع الزكاة فيها، لما سبق من الأدلة.
والفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة: أن تعلق الزكاة بالظاهرة آكد لظهورها وتعلق قلوب الفقراء بها.
وفي رواية ثالثة: لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الظاهرة إلا في الزرع والثمار فيما استدانه للإنفاق عليها خاصة ص (١٠٧) .
وأما دين الله كالكفارة ففيه وجهان:
أحدهما: يمنع الزكاة كدين الآدمي؛ لما سبق من الأدلة، ولأنه دين يجب قضاؤه، فهو كدين الآدمي، يدل عليه قوله ﷺ : «دين الله أحق أن يقضى (١) » . ويناقش ذلك بالفرق، فإن دين الآدمي آكد، والمطالبة تتوجه به.
والآخر: لا يمنع؛ لأن الزكاة آكد لتعلقها بالعين، فهو كأرش الجناية ص: (٥٨) وما بعدها.
٢ - يمنع الدين الزكاة إذا كان يستغرق النصاب، أو ينقص ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب أو ما لا يستغنى عنه.
وإذا كان له مالان وأحدهما لا زكاة فيه، والآخر فيه الزكاة، كرجل عليه مائتا درهم وله مائتا درهم وعروض للقنية تساوي مائتين، فقال القاضي: يجعل الدين في مقابلة العروض، وهذا مذهب مالك وأبي عبيد.
قال أصحاب الشافعي: وهو مقتضى قوله، لأنه مالك لمائتين زائدة عن مبلغ دينه، فوجب عليه زكاتها، كما لو كان جميع ماله جنسا واحدا.
وظاهر كلام أحمد: أنه يجعل الدين في مقابلة ما يقضى منه، فإنه قال
стр. 3685
في رجل عنده ألف وعليه ألف وله عروض بألف، إن كانت العروض للتجارة زكاها، وإن كانت لغير التجارة فلا شيء عليه.
وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأن الدين يقضى من جنسه عند التشاح، فجعل الدين في مقابلته أولى، كما لو كان النصابان زكويين.
ويحتمل أن يحمل كلام أحمد على ما إذا كان العرض تتعلق به حاجته الأصلية، وإن لم يكن فاض عن حاجته فلا يلزم صرفه لوفاء الدين؛ لأن الحاجة أهم.
٣ - بناء على قول من يقول: الدين يمنع وجوب الزكاة، وأحاطت برجل ديون وحجر عليه القاضي، فإذا أقر بوجوب الزكاة قبل الحجر فإن صدقه الغرماء ثبتت وأخذت، وإن كذبوه فالقول قوله بيمينه؛ لأنه أمين. وحينئذ هل تقدم الزكاة أم الدين أم يستويان؟
فيه ثلاثة أقوال في اجتماع حق الله تعالى، ودين الآدمي، ومداركها اجتهادية.
وإذا أقر بالزكاة بعد الحجر، فقيل: يقبل في الحال ويزاحم به الغرماء. وقيل: يثبت في ذمته ولا تثبت مزاحمته.
وفي ذلك تفاصيل ذكرت في الإعداد يمكن الرجوع إليها، وقد تركناها اختصارا.
خامسا: التعزير:
اتفق الفقهاء على جواز التعزير بالضرب والسجن والنفي ونحوها من العقوبات البدنية عند وجود ما يقتضيها.
واختلفوا في جوازه بالعقوبات المالية:
стр. 3686
فقال بعضهم: بالمنع؛ لأن العقوبات المالية من قبيل الغريب الذي لا عهد به في الإسلام ولا يلائم تصرفات الشرع، وتأولوا ما ورد من أخذ عمر شطر مال خالد ﵄ بأنه أخذ ما رأى أن خالدا استفاده بالولاية. وأقر جماعة بأن التعزير بالمال قد كان أول الإسلام، ثم زعموا أنه نسخ بالإجماع على تركه.
واستشهدوا لذلك: بأن أبا بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة حتى أخذها منهم، ولم ينقل عنه أنه زاد عليها، ولو كان لنقل، فدل ذلك على الإجماع على تركها. وستأتي مناقشة ذلك إن شاء الله.
وقال بعضهم: يجوز لولي الأمر التعزير بالعقوبات المالية.
واستدلوا على ذلك بوقائع كثيرة:
منها: ما كان تأديبا بها من النبي ﷺ .
ومنها: ما كان من الخلفاء الراشدين ﵃ بعد وفاته ﷺ ، دون نكير من أحد من الصحابة ﵃، حتى من نزلت به العقوبة.
وعلى هذا فدعوى المانعين أن ذلك من قبيل الغريب الذي لا عهد للشريعة به ولا يلائم تصرفات الشرع دعوى يكذبها الواقع الكثير.
وكذا ما زعموه من النسخ أو الإجماع على الترك باطل بوجود ذلك في تصرفات الخلفاء الراشدين على مشهد من الصحابة دون نكير، وبوجود الخلاف بعدهم في ذلك بين أئمة الفقهاء.
ورأى بعضهم أن التعزير بالمال في المال الذي وقعت فيه الإساءة وتوابعه بإتلافه أو مصادرته وحرمانه منه ونفع المساكين ونحوهم به، غير
стр. 3687
أنهم اختلفوا هل يقتصر في التعزير على اليسير أو يعم القليل والكثير؟
هذا ما تيسر إيراده، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3688
قرار رقم ٦٣ في ٢٥\ ١٠\ ١٣٩٨هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء المنعقد في مدينة الطائف في الفترة ما بين يوم ١٤\ ١٠\ ١٣٩٨ هـ حتى نهاية يوم ٢٥\ ١٠ \ ١٣٩٨ هـ. قد أعاد النظر في اللائحة التنفيذية لجباية الزكاة وما أعد بشأنها من بحث علمي من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في هيئة كبار العلماء، وذلك بناء على ما ورد من المقام السامي إلى الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء الدعوة والإرشاد برقم ٣\ ش\ ٢٩٣ في ٤\ ١\ ١٣٩٧ هـ.
وبعد تداول الرأي والنظر في أقوال أهل العلم وأدلتهم ولعدم وجود أدلة شرعية تدل على وجوب قيام ولي الأمر بمطالبة الناس بزكوات أموالهم الباطنة ومحاسبتهم على ذلك، بل إن كلام أهل العلم يدل على خلاف ذلك، فأكثر العلماء يقول: إن زكاة الأموال الباطنة وهي النقود وعروض التجارة موكول أمر إخراجها لأصحاب الأموال وهم مصدقون في ذلك فلا يحاسبون ولا يتهمون بأنهم قاموا بإخفاء شيء منها، بل ذلك أمر بينهم وبين الله سبحانه، ولكن إذا طلبها ولي الأمر فدفعوها له برئت ذمتهم منها.
لما تقدم فإن مجلس هيئة كبار العلماء يرى بالأكثرية ما يلي:
١ - الاكتفاء بما نص عليه أهل العلم من ترك أمر محاسبة الناس على أموالهم أو مطالبتهم ببيانات عما يملكونه من نقود وعروض تجارة، بل يؤخذ منهم ما دفعوه من الزكاة اتباعا لما درج عليه سلف الأمة في ذلك وما كان عليه العمل في عهد جلالة الملك عبد العزيز ﵀، وما سبقه من عمل الدولة السعودية منذ نشأتها.
٢ - إبقاء العمل على ما هو عليه في جباية زكاة الحبوب والثمار وأن
стр. 3689
يوكل إلى لجنة فيها مندوب من المحكمة والإمارة وهيئة الأمر بالمعروف تتولى جبايتها وصرفها على مستحقيها ويبقى العمل في جباية زكاة الماشية على ما كان عليه ويعطون مكافأة على عملهم ولو من الزكاة.
٣ - كل من تحقق لدى ولاة الأمر أنه لا يدفع الزكاة أو يجحد شيئا منها فإن ولي الأمر يجري ما يلزم نحو أخذها منه وتعزيره التعزير الشرعي جزاء ما ارتكب بعد ثبوت ذلك عليه.
٤ - يوصي المجلس بإيجاد صندوق خاص يودع فيه ما يورد لصندوق الدولة من زكاة وتصرف منه بعد ورودها على مستحقيها بواسطة لجنة من أهل الثقة والأمانة في كل بلد.
ولا شك أن ولاة الأمر -وفقهم الله- إذا انتهجوا ما أوضح في هذا القرار فإن ذمتهم بريئة، وسوف يكون لذلك أثره الحميد وعواقبه الطيبة؛ لأن الخير والبركة في اتباع سلفنا الصالح من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا. وبالله التوفيق.. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
عبد الله خياط ... عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... محمد بن علي الحركان
عبد الله بن منيع لي وجهة نظر ... عبد العزيز بن صالح غائب ... صالح بن غصون متوقف ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... سليمان بن عبيد
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد المجيد حسن
عبد الله بن قعود متوقف فيما عدا الفقرة الرابعة ... صالح بن لحيدان
стр. 3690
"وجهة نظر"
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
فبعد الاطلاع على خطاب سمو نائب رئيس مجلس الوزراء رقم ٣\ ش\ ٢٩٣ وتاريخ ٤\ ١\ ١٣٩٧هـ وعلى مشروع اللائحة التنفيذية لجباية الزكاة المقدم لمجلس الوزراء لدراسته وبعد التأمل والدراسة ظهر لي أن هذه اللائحة ليست لائحة تنفيذية بالمعنى الاصطلاحي المعروف لدى خبراء الإدارة والتنظيم بحيث تكون خاصة بالأعمال الإدارية لجباية الزكاة وإنما تشتمل اللائحة على مواد تشريعية، ومنها المواد الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة، وعلى مواد تنفيذية إدارية.
وحيث إن المواد التشريعية في مشروع اللائحة ليست شاملة لأحكام الزكاة حتى يقال ببقائها للفائدة، وليست شاملة لأهم أحكام الزكاة حتى يقال بالاكتفاء بالأهم عن المهم، مع أن بعض ما تناولته موضع خلاف بين أهل العلم كما هو الحال في الديون على من تجب عليه الزكاة هل يسقط من الزكاة ما يقابلها من الأموال مطلقا أم أن ذلك خاص بالأموال الباطنة أو أنها لا تسقط من الزكاة شيئا، وكذلك الأمر بالنسبة للديون المملوكة للمكلف بالزكاة على مليء أو غيره هل يزكيها مطلقا، ومتى يزكيها، وهل تقابل بما يزيد عند المكلف بها عن حاجته من أموال القنية غير الأثمان.
وحيث إن الأمور التشريعية يرجع إليها في مصادرها كالحال بالنسبة لمسائل العبادات والمعاملات وما تقتضيه الخصومات من أحكام قضائية ومتى أشكل منها على الجهة المختصة بجبايتها ما يقتضي الأمر استجلاءه أمكن الرجوع إلى الجهة المختصة بالإفتاء.
وعليه فإنني أرى استبعاد كل ما يتعلق بالأمور التشريعية من اللائحة لما ذكر وليصدق عليها أنها لائحة تنفيذية لجباية الزكاة مفروض في جميع موادها أن
стр. 3691
تكون إدارية محضة.
وحيث إن غالب المواد التنفيذية الإدارية في هذه اللائحة مبني على المواد التشريعية المذكورة فيها فإن بقاءها بعد استبعاد المواد التشريعية فيها لا يستقيم إلا بعد إعادة النظر فيها وصياغتها صياغة إدارية لا تنبني على ما استبعد منها. وتستند على الأسس التالية:
أ- إن لولي الأمر أن يطلب من الزكاة ما يرى المصلحة العامة تقتضي طلبه.
ب- الأصل في المسلم أنه مؤتمن على شئون دينه من صلاة وزكاة وصوم وغير ذلك.
ج- متى توفرت القرائن لاتهام من يتساهل أو يتلاعب بأداء الزكاة أو بعضها بأي طريق من طرق الاحتيال أو التهرب عن أدائها فإن للقضاء الفصل في عدوانه بما يقتضيه الوجه الشرعي. وللجهة المختصة بجبايتها بذل الجهد في تحصيل ما يدعم الادعاء.
د- تعيين الجهة المختصة بجباية الزكاة وإعطائها من الصلاحيات ما تستطيع به إنفاذ ما وكل إليها.
هـ- الرجوع في تقدير العقوبات الجزائية إلى القضاء المختص.
والأخذ بالأصل في أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء.
هذا ما ظهر لي، والله ولي التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عضو الهيئة
عبد الله بن سليمان بن منيع
٢٤ \ ١٠ \ ١٣٩٨ هـ
стр. 3692
(٦)
ملاحظة بعض التجار
على جباية الزكاة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 3693
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ملاحظة بعض التجار
على جباية الزكاة
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية الإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد:
فبناء على ما جاء في كتاب معالي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء ٣\ م\ ١١٢٥٦ وتاريخ ١١\ ٥\ ٩٦ هـ. إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من الرغبة في دراسة ما لاحظه بعض التجار على جباية الزكاة الشرعية التي يدفعونها لمصلحة الزكاة والدخل، وكذا التأمينات الاجتماعية التي تستحصلها الدولة من غير السعوديين العاملين بالمملكة، وبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة العاشرة المنعقدة بالرياض آخر ربيع الأول وأول ربيع الآخر عام ١٣٩٧ هـ من إعداد بحث في ذلك الموضوع أعدت اللجنة الدائمة فيه بحثا يتضمن ما يأتي:
أولا: حق ولي الأمر العام في جباية الزكاة.
ثانيا: مناقشة ما لاحظه التجار على ضوئه.
стр. 3694
ثالثا: مناقشة أو دراسة ما لاحظه التجار على استحصال تأمينات اجتماعية من غير السعوديين الذين يعملون في المملكة.
وفيما يلي الكلام على ذلك، والله الموفق.
стр. 3695
أولا- حق ولي الأمر في الجباية:
١ - الأموال الظاهرة بالنسبة لما تجب فيه الزكاة هي بهيمة الأنعام والحبوب والثمار، والأموال الباطنة هي النقدان وعروض التجارة، أما زكاة الفطر فقيل من الظاهرة وقيل من الباطنة.
٢ - يجب على ولي الأمر جباية الزكاة ممن امتنع من إخراجها، فإن أبى أن يعطيها لعمال الإمام أيضا وجب قتاله حتى تؤخذ منه، لحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة (١) » الحديث، ولقتال أبي بكر ﵁ من منعها مع تسليم الصحابة ﵃ ذلك له وقتالهم معه والمحافظة على حقوق مستحقيها وإقامة هذه الشعيرة التي هي من أعظم أركان الإسلام، ولإنكار المنكر.
٣ - إذا طلب ولي الأمر دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى عماله وكان عادلا وجب على أرباب هذه الأموال دفعها إلى جباتها إجماعا، وإذا طلب دفع زكاة الأموال الباطنة فقيل يجب دفعها إلى عماله، لعموم آية ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) الآية، ولعموم الأحاديث الواردة في ذلك، ولما في منعها بعد طلبها من شبهة الخروج عليهم المؤدي إلى الهرج والفساد، ولأنه طلب أمرا جائزا له فوجبت طاعته فيه، ولأنه يتيقن سقوط الفرض به بخلاف توزيعها من قبل رب المال بنفسه أو وكيله بعد طلبها منه، ولأن الإمام أعرف بالمستحقين وبالمصالح وبقدر الحاجات
стр. 3696
وبمن أخذ من قبل، ولأنه يقصد لها، وقيل: يجوز لرب المال أن يفرقها بنفسه أو وكيله، ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها.
٤ - إذا كان الإمام عادلا ولم يطلب زكاة الأموال الباطنة، فقيل: الأفضل أن يفرقها رب المال بنفسه، وقيل: الأفضل أن يسلمها لعمال الإمام وتعليل القولين ما تقدم في الفقرة الثالثة، والاختلاف بين ما ذكر في الفقرتين إنما هو في الوجوب والأفضلية بناء على وجود طلب من الإمام وعدمه.
٥ - إذا طلب الإمام زكاة الأموال الظاهرة وكان جائرا فقد قيل: يجب دفعها إليه؛ لعموم الأدلة ولدرء الفتنة على ما تقدم، وبذلك تبرأ ذمة دافعيها والإثم على من خان فيها من الإمام أو عماله، وقيل: لا يدفعها له، بل يحتال لإخفائها عنه، ثم يخرجها بنفسه أو وكيله الأمين ويضعها في مصارفها الشرعية، وإن طلب زكاة الأموال الباطنة ففي وجوب دفعها ومنعها خلاف.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه ينبغي ألا يدفعها له، ويجب توزيعها على مستحقيها، فإن أكره على أخذها منه في الأموال الظاهرة والباطنة أجزأته وبرئت منها ذمته، وإن لم يطلبها لم تدفع له، بل يجب على رب المال تفريقها في مصارفها الشرعية.
٦ - ليس للإمام ولا لعماله تتبع الأموال الباطنة والتنقيب عنها، بل يتقبل من أربابها ما بينوه وتؤخذ منهم الزكاة على ما أقروا به، لأنهم مؤتمنون على أموالهم إلا إذا دلت الأمارات وقرائن الأحوال على خيانتهم وكتمانهم ما تجب فيه الزكاة من الأموال، فيقوم بالبحث والاستقصاء حتى يعرف الواقع ويأخذ بمقتضاه.
стр. 3697
ثانيا: مناقشة ما لاحظه التجار على ضوئه .
بناء على ما تقدم في بيان حق ولي الأمر العام العادل في جباية زكاة
стр. 3698
الأموال الظاهرة والباطنة، وما جاء فيه من أنه ليس له ولا لعماله التنقيب عن أموال الزكاة الباطنة، بل يأخذ من أربابها زكاتها على ما أقروا به؛ لأنهم مؤتمنون على ذلك إلا إذا دلت الأمارات وقرائن الأحوال على خيانتهم وكتمانهم بعض ما تجب فيه الزكاة، فيقوم بالبحث والاستقصاء عنها حتى يتبين له الواقع ويأخذ الزكاة بمقتضاه.
وبناء على ما جاء في كتاب معالي وزير المالية والاقتصاد الوطني رقم (٧٢٩٦\ ٩٥) وتاريخ ٢٣\ ١٠\ ٩٥ هـ إلى معالي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء، وكتابه إليه أيضا رقم........ وتاريخ........ أنه لوحظ على بعض التجار عدم إخراج الزكاة وعلى بعض المؤسسات والشركات أنها لا تقدم حسابات نظامية يركن إليها في تحديد مقدار الزكاة الواجبة عليها بالضبط فاضطرت الجهة المختصة إلى اتباع طريقة لتحديد الأموال الخاضعة للزكاة عن طريق حصر حجم مستوردات تلك المؤسسات والشركات والاسترشاد بذلك قصدا إلى إيجاد قاعدة واحدة تطبق على الجميع وتزيل أسباب معاملة التجار بطرق مختلفة.
بناء على ما تقدم يمكن أن يقال: إن من واجب ولي الأمر في مثل هذه الأحوال جباية زكاة الأموال الباطنة واختيار أقوم الطرق وأقربها إلى تقدير الأموال التي تجب فيها الزكاة تحقيقا للعدل بين أرباب الأموال والمستحقين للزكاة.
وقد فعل ذلك ولي الأمر لوجود مقتضيه فاختار من طرق التقدير ما أشار به المختصون وترك بعض ما وجب من الزكاة إلى التجار ليوزعوه على المستحقين من الأقارب والجيران ومن يقصدهم لذلك، وهذا من حقه وتصرفاته شرعا، ومن وجد من التجار تعسفا من العمال فليرفع بيانا بذلك إلى ولي الأمر ليزيل شكاته.
стр. 3699
ثالثا: ملاحظات بعض التجار على تحصيل تأمينات اجتماعية من غير السعوديين الذين يعملون في المملكة .
إن ما ذكره التجار من الملاحظات في ذلك ينحصر في أربعة أمور:
الأول: أن ما تنفقه الدولة على الجباية أكثر مما تأخذه.
الثاني: أنه يؤخذ مبلغ ٥% على الموظف و ٨% على المؤسسات والشركات تأمينات اجتماعية وهو كثير.
الثالث: أن العمال غير السعوديين يشترطون عند تعاقد المؤسسات والشركات معهم ألا تخضع مرتباتهم لاستقطاع زكاة منها أو تأمينات اجتماعية فتقبل المؤسسات والشركات هذا الشرط لحاجتها إليهم، وتتحمل هذه الاستقطاعات عنهم، وهذا مما يعوق الإنتاج الصناعي، ويضعف القدرة على منافسة السلع المستوردة.
الرابع: أن الحكومة لا تتحمل مسئولية لغير السعودي ولا تعمل له شيئا؟ لأنه يغادر المملكة خلال سنة أو سنتين فلا يستطيع استرجاع ما دفعه، وهذه أحدثت بلبلة في البلد.
وبعد دراسة اللجنة لذلك كتبت ما يلي:
أولا: إن المقارنة بين ما تنفقه الدولة على جباية الزكاة وما تأخذه ومعرفة أيهما أكثر عملية حسابية تتعلق بأمر اقتصادي والنظر في مثل هذا إلى ولي الأمر العام فهو الذي ينظر في ذلك بنفسه أو بأجهزته المختصة، ويرتب على ذلك ما يراه مصلحة من الاستمرار في جباية الزكاة؛ إقامة لهذه الشعيرة ومحافظة عليها أو ترك إخراجها وتوزيعها على مستحقيها إلى أرباب الأموال مع الرقابة.
ثانيا: إن النظر في كثرة ما يستقطع من الموظف ومن المؤسسات
стр. 3700
والشركات وقلته من حق ولي الأمر والأجهزة المختصة التي يسند إليها النظر في مثل هذا، وقد فعل، فقد قامت لجنة وزارية ببحث هذا الموضوع وانتهت بالتوصية بعدم تعديل ما يتعلق بخضوع العمال الأجانب لنظام التأمينات الاجتماعية وصدرت الموافقة السامية على هذه التوصية برقم ١٨٦٩٣ وتاريخ ٤\ ٨\ ٩٣، أما النظر في حل ما يستقطع أو تحريمه فإنه يرجع إلى مجلس الهيئة.
ثالثا: إن النظر في تأثير ما يستقطع من المؤسسة أو الشركة من أجل عمالها- سواء ما يخصها من النسبة وما يخص العامل الأجنبي- على الإنتاج وتعويقه إياه، وإضعافه القدرة على منافسة السلع المستوردة من الأمور الفنية الاقتصادية التي يرجع فيها ولي الأمر إلى المتخصصين في ذلك.
رابعا: إذا كان العمال الأجانب قد اشترطوا عند التعاقد معهم ألا تخضع مرتباتهم للاستقطاع فلهم شرطهم ويلزم الوفاء به من اشترط عليهم من أرباب المؤسسات أو الشركات، وإذا تم الوفاء لهم بهذا الشرط، فلا توجد منهم بلبلة، ولا يصح أن يقال: إن الحكومة لا تتحمل مسئولية لغير السعودي؛ لأنه لا يسترجع شيئا مما دفعه. وإنما ذلك دفاع من المؤسسات والشركات عن نفسها لا عن عاملها وشكاية منها لا منه. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3701
(١) نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في عين آخر
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 3702
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في عين آخر
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه وبعد:
فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة العاشرة المنعقدة بمدينة الرياض في الأيام الأخيرة من شهر ربيع الأول، والأولى من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٧ هـ من دراسة البحث المعد في نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في عين آخر في الدورة الحادية عشرة، وطلبه كلمة في ضابط الإيثار المرغب فيه شرعا، وأخرى في ضابط المثلة الممنوعة شرعا، وثالثة في مدى ملك الإنسان التصرف في نفسه أو في عضو من أعضائه.
تتميما للبحث كتبت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المسائل الثلاث ما يلي:
والله الموفق.
стр. 3703
١ - ضابط الإيثار المرغب فيه شرعا:
لما كان تمييز الإيثار المحمود شرعا من غيره يتوقف على تتبع النصوص التي وردت فيه من الكتاب والسنة وتدبرها مع الاستعانة بكلام العلماء السابقين في ذلك - كان لزاما علينا أن نستعرض جملة من الآيات والأحاديث في الإيثار، وجملة أخرى من كلام أهل العلم فيه، ثم نستخلص من ذلك المطلوب إن شاء الله فنقول:
قال الله تعالى: (في سورة الحشر) ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) فأثنى جل شأنه على الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل غيرهم من المهاجرين، بحبهم من هاجر إليهم من المؤمنين، وبطهارة قلوبهم من الأحقاد، وسلامتها من الضغائن، وبطيب أنفسهم وكرمها وسماحتها؛ حيث لم يجدوا في دخيلتهم حرجا مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره من الأموال، وبإيثارهم المهاجرين على أنفسهم بما شرحته أحاديث الإخاء الذي عقده الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، بهذا وأمثاله أثنى الله عليهم وكتب لهم الفوز والفلاح.
وقال البخاري (٢) : باب قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) الآية الخصاصة: فاقة، المفلحون: الفائزون بالخلود، الفلاح: البقاء، حي
стр. 3704
على الفلاح: عجل، وقال الحسن: حاجة: حسدا. حدثني يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فضيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة ﵁ قال: «أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يضيف هذه الليلة يرحمه الله " فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئا. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت. ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال: "لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة" فأنزل الله : (٢) » .
وقال البخاري أيضا: باب قول الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٣) حدثنا مسدد، حدثنا عبد الله بن داود عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁، «أن رجلا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ : "من يضم أو يضيف هذا؟ ". فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء. فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: "ضحك الله الليلة أو عجب من
стр. 3705
فعالكما"، فأنزل الله: (٢) » .
ففي قصة هذا الأنصاري وأسرته مع الضيف إيثار له بالطعام على نفسه وعلى أسرته مع شدة حاجتهم إليه، لكنه إيثار لا يقضي على أحد منهم، ولا يفوت عليه عضوا من أعضائه، بل يمكنهم استدراك ما فاتهم في مستقبل أمرهم إن شاء الله. وقد أثنى الله عليهم بذلك ثناء عاطرا وكتب لهم الأجر الجزيل جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم من الفعل الجميل.
وقال البخاري: باب إجابة دعاء من بر والديه (٣) : حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، قال: أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها. فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي، وإنه نأى بي الشجر فما أتيت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع
стр. 3706
الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء (١) » . . . . الحديث.
وقال البخاري: عن عائشة ﵂ (٢) . قالت: دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئا غير تمرة فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ علينا فأخبرته، فقال: «من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار (٣) » .
في الحديث الأول من هذين الحديثين إيثار الرجل والديه بالطعام على نفسه وسائر أسرته مع شدة حاجتهم إليه، وقد ﵁ بذلك فاستجاب دعاءه حينما أصابته وصاحبيه شدة.
وفي الحديث الثاني إيثار المرأة ابنتيها على نفسها بالتمرة مع حاجتها إليها، وقد أعجب النبي ﷺ منها ما فعلت، وأخبر بأن مثل ذلك يكون وقاية لمن فعل ابتغاء وجه الله من النار. وإيثار عائشة ﵂ المرأة وابنتيها على نفسها ومن معها بالتمرة وليس عندها غيرها.
وقال البخاري (٤) : باب إخاء النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى رسول ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، قال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها
стр. 3707
فتزوجها. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ثم تابع الغدو ثم جاء يوما وبه أثر صفرة، فقال النبي ﷺ : "مهيم؟ " قال: تزوجت، قال: "كم سقت إليها؟ " قال: نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب - شك إبراهيم.
حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس ﵁ أنه قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وكان كثير المال، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلت تزوجتها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك، فلم يرجع يومئذ حتى أفضل شيئا من سمن وأقط، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء رسول الله ﷺ وعليه وضر من صفرة، فقال له رسول الله ﷺ : «مهيم " قال: تزوجت امرأة من الأنصار فقال: "ما سقت فيها؟ " قال: وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال: "أولم ولو بشاة (١) » .
في قصة الإخاء بين المهاجرين والأنصار إيثار سعد بن الربيع عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله وبإحدى زوجتيه، فقد أمره أن يقسم ماله بينهما، وأمره أن ينظر إلى أعجب زوجتيه إليه؛ ليطلقها فيتزوجها عبد الرحمن بعد انتهاء عدتها، وهذا الإيثار أعلى مما قبله، لكنه بما ينفع غيره ولا يضر بمن بذله ضررا فادحا، ومع ذلك يمكنه استدراك ما فاته.
وقال البخاري (٢) : حدثني عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن
стр. 3708
إسماعيل عن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد. حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول: "انثرها لأبي طلحة" قال: ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة إما مرتين أو ثلاثا.
في هذا الحديث إيثار أبي طلحة ﵁ النبي ﷺ على نفسه بالحياة والسلامة من المكاره فقد فداه بنفسه فقال: (نحري دون نحرك) وجوب عليه بحجفة له، وهذا إيثار أعلى مما قبله إيثار بالنفس، وذلك في ميدان الجهاد وقد أوجبه الله على المؤمنين، وكتب لمن قتل فيه الشهادة، ولمن أصيب فيه الأجر الجزيل. ثم هو إيثار واجب بالنفس والأعضاء لمن هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وفيه أن طلحة بن عبيد الله ﵁ دافع عن النبي ﷺ ووقاه بيده حتى أصيبت بشلل.
وروى مسلم (١) . عن أنس بن مالك ﵁، «أن رسول الله ﷺ أفرد
стр. 3709
يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش. فلما رهقوه قال: "من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة"، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا فقال: "من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة" فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا (١) » .
وروى البخاري [صحيح البخاري] (٥\٣٣) . . عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال سعد بن أبي وقاص ﵁: «لقد جمع لي رسول الله ﷺ يوم أحد بين أبويه كليهما - يريد: حين قال: " فداك أبي وأمي (٢) » - وهو يقاتل.
وروى البخاري (٣) أيضا عن علي ﵁ قال: ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: «يا سعد، ارم فداك أبي وأمي (٤) » .
وقاتل عن النبي ﷺ أيضا مصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب وآخرون من المهاجرين والأنصار ﵃ حتى قضى بعضهم نحبه.
وفي الموضوع أحاديث وآثار اكتفينا عن إيرادها بما ذكرنا؛ لكونها في معناه.
مما تقدم يتبين: أن الإيثار المحمود شرعا يمكن أن يضبط بما أباح الشرع البذل في جنسه (٥) .، كالأموال ومنافع الأبدان وثمار الأفكار ونحو ذلك مما هو من حظوظ النفس ومتعها، أو أوجب بذل النفس فيه،
стр. 3710
كالجهاد في سبيل الله نصرة للدين وإقامة لحدوده وإحياء لمعالمه، ومع ذلك لا يسلم نفسه لعدوه، ولا يستسلم للأحداث، بل يستعد بما استطاع من قوة، ليحفظ نفسه وإخوانه، وليكون سيف الله المسلول على الأعداء، فإن قتل كان شهيدا، وإن رجع منتصرا سالما أو مصابا أجر وغنم، فله الحسنيان أو إحداهما على كل حال.
أما الإيثار بما حرم الله عليه البذل في جنسه فلا يجوز، بل هو جريمة يعاقب عليها.
стр. 3711
وقال ابن القيم: قال صاحب [المنازل] (١) :
فصل: ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) منزلة الإيثار، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) فالإيثار ضد الشح؛ فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه، والشحيح حريص على ما ليس بيده، فإذا حصل بيده شيء شح عليه وبخل بإخراجه، فالبخل ثمرة الشح، والشح يأمر بالبخل، كما قال النبي ﷺ : «إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا (٤) » .
فالبخيل: من أجاب داعي الشح، والمؤثر: من أجاب داعي الجود. كذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء، وهو أفضل من سخاء
стр. 3712
البذل، قال عبد الله بن المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل.
وهذا المنزل هو منزل الجود والسخاء والإحسان.
وسمي بمنزل (الإيثار) ؛ لأنه أعلى مراتبه، فإن المراتب ثلاثة.
إحداها: أن لا ينغصه البذل ولا يصعب عليه فهو منزلة (السخاء) .
الثانية: أن يعطي الأكثر ويبقى له شيء. أو يبقي مثل ما أعطى فهو (الجود) .
الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه وهو مرتبة (الإيثار) وعكسها (الأثرة) وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه. وهي المرتبة التي قال فيها رسول الله ﷺ للأنصار ﵃: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض (١) » ، والأنصار: هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) فوصفهم بأعلى مراتب السخاء وكان ذلك فيهم معروفا.
وكان قيس بن سعد بن عبادة ﵄ من الأجواد المعروفين. حتى أنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة. فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده.
وقالوا له يوما: هل رأيت أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على
стр. 3713
امرأة فحضر زوجها. فقالت: إنه نزل بك ضيفان. فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم، فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها. فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير. فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر. وهو يفعل ذلك. فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه، ومضينا. فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا. قفوا أيها الركب اللئام. أعطيتموني ثمن قراي؟ ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي فأخذناه وانصرف.
فتأمل سر التقدير حيث قدر الحكيم الخبير، سبحانه، استئثار الناس على الأنصار بالدنيا -وهم أهل الإيثار- ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس. فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك -مع كونك من أهل الإيثار- فاعلم أنه لخير يراد بك. والله أعلم.
فصل
و (الجود) عشر مراتب.
أحدها: الجود بالنفس. وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر:
يجود بالنفس, إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
стр. 3714
فأطلق فيه ولم يفصل
ثم ذكر بقية مراتب الجود ثم قال: قال: (وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينا، ولا يقطع عليك طريقا، ولا يفسد عليك وقتا.
يعني: أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم. مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين. ومثل أن تؤثرهم بمالك وتقعد كلا مضطرا مستشرفا للناس أو سائلا. وكذلك إيثارهم بكل ما يحرمه على المؤثر دينه فإنه سفه وعجز يذم المؤثر به عند الله وعند الناس.
وأما قوله: (ولا يقطع عليك طريقا) أي: لا يقطع عليك طريق الطلب والمسير إلى الله تعالى، مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك وتوجهك وجمعيتك على الله. فتكون قد آثرته على الله وآثرت بنصيبك من الله مالا يستحق الإيثار. فيكون مثلك كمثل مسافر سائر على الطريق لقيه رجل فاستوقفه وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق. وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى الله تعالى، فإيثارهم عليه عين الغبن. وما أكثر المؤثرين على الله تعالى غيره. وما أقل المؤثرين الله على غيره.
وكذلك الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضا مثل أن يؤثر بوقته ويفرق قلبه في طلب خلفه. أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله. فيفرق قلبه عليه بعد جمعيته، ويشتت خاطره فهذا أيضا إيثار غير محمود.
وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين عليك على الفكر النافع واشتغال القلب بالله. ونظائر ذلك لا تخفى،
стр. 3715
بل ذلك حال الخلق والغالب عليهم.
وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله، فلا تؤثر به أحدا. فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله. وأنت لا تعلم.
وتأمل أحوال أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرهم إيثارهم له ولا ينفعهم، وأي جهالة وسفه فوق هذا.
ومن هذا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب وقالوا: إنه مكروه أو حرام كمن يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو أو يؤثره بقربه من الإمام يوم الجمعة، أو يؤثر غيره بالأذان والإقامة أو يؤثره بعلم يحرمه نفسه ويرفعه عليه فيفوز به دونه.
وتكلموا في إيثار عائشة ﵂ لعمر بن الخطاب ﵁ بدفنه عند رسول الله ﷺ في حجرتها.
وأجابوا عنه: بأن الميت ينقطع عمله بموته وبقربه. فلا يتصور في حقه الإيثار بالقرب بعد الموت؛ إذ لا تقرب في حق الميت. وإنما هذا إيثار بمسكن شريف فاضل لمن هو أولى به منها، فالإيثار به قربة إلى الله للمؤثر. والله أعلم. اهـ - المقصود منه ثم ذكر الدرجتين الأخيرتين وقد تركناهما لعدم الحاجة إليهما في الموضوع.
وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (١) . تحت عنوان:
المسألة الخامسة: جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذونا فيه بثمانية أقسام: نذكر منها الرابع لصلته بالإيثار في الجملة، قال: