وقال ابن القيم: قال صاحب [المنازل] (١) :
فصل: ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) منزلة الإيثار، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) فالإيثار ضد الشح؛ فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه، والشحيح حريص على ما ليس بيده، فإذا حصل بيده شيء شح عليه وبخل بإخراجه، فالبخل ثمرة الشح، والشح يأمر بالبخل، كما قال النبي ﷺ : «إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا (٤) » .
فالبخيل: من أجاب داعي الشح، والمؤثر: من أجاب داعي الجود. كذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء، وهو أفضل من سخاء
стр. 3712
البذل، قال عبد الله بن المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل.
وهذا المنزل هو منزل الجود والسخاء والإحسان.
وسمي بمنزل (الإيثار) ؛ لأنه أعلى مراتبه، فإن المراتب ثلاثة.
إحداها: أن لا ينغصه البذل ولا يصعب عليه فهو منزلة (السخاء) .
الثانية: أن يعطي الأكثر ويبقى له شيء. أو يبقي مثل ما أعطى فهو (الجود) .
الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه وهو مرتبة (الإيثار) وعكسها (الأثرة) وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه. وهي المرتبة التي قال فيها رسول الله ﷺ للأنصار ﵃: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض (١) » ، والأنصار: هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) فوصفهم بأعلى مراتب السخاء وكان ذلك فيهم معروفا.
وكان قيس بن سعد بن عبادة ﵄ من الأجواد المعروفين. حتى أنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة. فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده.
وقالوا له يوما: هل رأيت أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على
стр. 3713
امرأة فحضر زوجها. فقالت: إنه نزل بك ضيفان. فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم، فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها. فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير. فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر. وهو يفعل ذلك. فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه، ومضينا. فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا. قفوا أيها الركب اللئام. أعطيتموني ثمن قراي؟ ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي فأخذناه وانصرف.
فتأمل سر التقدير حيث قدر الحكيم الخبير، سبحانه، استئثار الناس على الأنصار بالدنيا -وهم أهل الإيثار- ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس. فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك -مع كونك من أهل الإيثار- فاعلم أنه لخير يراد بك. والله أعلم.
فصل
و (الجود) عشر مراتب.
أحدها: الجود بالنفس. وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر:
يجود بالنفس, إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
стр. 3714
فأطلق فيه ولم يفصل
ثم ذكر بقية مراتب الجود ثم قال: قال: (وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينا، ولا يقطع عليك طريقا، ولا يفسد عليك وقتا.
يعني: أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم. مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين. ومثل أن تؤثرهم بمالك وتقعد كلا مضطرا مستشرفا للناس أو سائلا. وكذلك إيثارهم بكل ما يحرمه على المؤثر دينه فإنه سفه وعجز يذم المؤثر به عند الله وعند الناس.
وأما قوله: (ولا يقطع عليك طريقا) أي: لا يقطع عليك طريق الطلب والمسير إلى الله تعالى، مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك وتوجهك وجمعيتك على الله. فتكون قد آثرته على الله وآثرت بنصيبك من الله مالا يستحق الإيثار. فيكون مثلك كمثل مسافر سائر على الطريق لقيه رجل فاستوقفه وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق. وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى الله تعالى، فإيثارهم عليه عين الغبن. وما أكثر المؤثرين على الله تعالى غيره. وما أقل المؤثرين الله على غيره.
وكذلك الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضا مثل أن يؤثر بوقته ويفرق قلبه في طلب خلفه. أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله. فيفرق قلبه عليه بعد جمعيته، ويشتت خاطره فهذا أيضا إيثار غير محمود.
وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين عليك على الفكر النافع واشتغال القلب بالله. ونظائر ذلك لا تخفى،
стр. 3715
بل ذلك حال الخلق والغالب عليهم.
وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله، فلا تؤثر به أحدا. فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله. وأنت لا تعلم.
وتأمل أحوال أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرهم إيثارهم له ولا ينفعهم، وأي جهالة وسفه فوق هذا.
ومن هذا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب وقالوا: إنه مكروه أو حرام كمن يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو أو يؤثره بقربه من الإمام يوم الجمعة، أو يؤثر غيره بالأذان والإقامة أو يؤثره بعلم يحرمه نفسه ويرفعه عليه فيفوز به دونه.
وتكلموا في إيثار عائشة ﵂ لعمر بن الخطاب ﵁ بدفنه عند رسول الله ﷺ في حجرتها.
وأجابوا عنه: بأن الميت ينقطع عمله بموته وبقربه. فلا يتصور في حقه الإيثار بالقرب بعد الموت؛ إذ لا تقرب في حق الميت. وإنما هذا إيثار بمسكن شريف فاضل لمن هو أولى به منها، فالإيثار به قربة إلى الله للمؤثر. والله أعلم. اهـ - المقصود منه ثم ذكر الدرجتين الأخيرتين وقد تركناهما لعدم الحاجة إليهما في الموضوع.
وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (١) . تحت عنوان:
المسألة الخامسة: جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذونا فيه بثمانية أقسام: نذكر منها الرابع لصلته بالإيثار في الجملة، قال:
стр. 3716
وأما الرابع: فإن الموضع في الجملة يحتمل نظرين: نظر من جهة إثبات الحظوظ، ونظر من جهة إسقاطها، فإن اعتبرنا الحظوظ فإن حق الجالب أو الدافع مقدم إن استضر غيره بذلك؛ لأن جلب المنفعة أو دفع المضرة مطلوب للشارع مقصود، ولذلك أبيحت الميتة وغيرها من المحرمات الأكل، وأبيح الدرهم بالدرهم إلى أجل للحاجة الماسة للمقرض والتوسعة على العباد، والرطب باليابس في العرية للحاجة الماسة في طريق المواساة إلى أشياء من ذلك كثيرة دلت الأدلة على قصد الشارع إليها، وإذا ثبت هذا فما سبق إليه الإنسان من ذلك قد ثبت حقه فيه شرعا بحوزه له دون غيره، وسبقه إليه لا مخالفة فيه للشارع فصح، وبذلك ظهر أن تقديم حق المسبوق على حق السابق ليس بمقصود شرعا إلا مع إسقاط السابق لحقه، وذلك لا يلزمه، بل قد يتعين عليه حق نفسه في الضروريات فلا يكن له خيرة في إسقاط حقه؛ لأنه من حقه على بينة ومن حق غيره على ظن أو شك وذلك في دفع الضرر واضح، وكذلك في جلب المصلحة إن كان عدمها يضر به، وقد سئل الداودي: هل ترى لمن قدر أن يتخلص من غرم هذا الذي يسمى بالخراج إلى السلطان أن يفعل؟ قال: نعم، ولا يحل له إلا ذلك. قيل له: فإن وضعه السلطان على أهل بلده وأخذهم بمال معلوم يردونه على أموالهم هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم؟ قال: ذلك له) إلى أن قال:
هذا كله مع اعتبار الحظوظ، وإن لم نعتبرها فيتصور هنا وجهان:
أحدهما: إسقاط الاستبداد والدخول في المواساة على سواء، وهو
стр. 3717
محمود جدا، وقد فعل ذلك في زمان رسول الله ﷺ ، وقال ﵊: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد فهم مني وأنا منهم (١) » ، وذلك أن مسقط الحظ هنا قد رأى غيره مثل نفسه. وكأنه أخوه أو ابنه أو قريبه أو يتيمه أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبا أو وجوبا وإنه قائم في خلق الله بالإصلاح والنظر والتسديد فهو على ذلك واحد منهم فإذا صار كذلك لم يقدر على الاحتجاج لنفسه دون غيره ممن هو مثله، بل ممن أمر بالقيام عليه كما أن الأب الشفيق لا يقدر على الانفراد بالقوت دون أولاده، فعلى هذا الترتيب كان الأشعريون ﵃، فقال ﵊: فهم مني وأنا منهم؛ لأنه ﵊ كان في هذا المعنى الإمام الأعظم، وفي الشفقة الأب الأكبر، إذ كان لا يستبد بشيء دون أمته.
وفي مسلم عن أبي سعيد قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله ﷺ : «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له (٢) » قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل، وفي الحديث أيضا: «أن في المال حقا سوى الزكاة (٣) » ، ومشروعية الزكاة والإقراض والعرية والمنحة وغير ذلك مؤكد لهذا المعنى، وجميعه جار على أصل مكارم الأخلاق، وهو لا يقضي استبدادا، وعلى هذه الطريقة لا يلحق العامل ضرر إلا بمقدار ما يلحق الجمع أو أقل ولا يكون موقعا على نفسه ضررا
стр. 3718
ناجزا وإنما هو متوقع أو قليل يحتمله في دفع بعض الضرر عن غيره وهو نظر من يعد المسلمين كلهم شيئا واحدا على مقتضى قوله ﵊: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا (١) » ، وقوله: «المؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٢) » ، وقوله: «المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه (٣) » ، وسائر ما في المعنى من الأحاديث، إذ لا يكون شد المؤمن للمؤمن على التمام إلا بهذا المعنى وأسبابه، وكذلك لا يكونون كالجسد الواحد إلا إذا كان النفع واردا عليهم على السواء كل أحد بما يليق به، كما أن كل عضو من الجسد يأخذ من الغذاء بمقداره قسمة عدل لا يزيد ولا ينقص فلو أخذ بعض الأعضاء أكثر مما يحتاج إليه أو أقل لخرج عن اعتداله وأصل هذا من الكتاب ما وصف الله به المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض وما أمروا به من اجتماع الكلمة والأخوة وترك الفرقة وهو كثير إذ لا يستقيم ذلك إلا بهذه الأشياء وأشباهها مما يرجع إليها.
والوجه الثاني: الإيثار على النفس، وهو أعرق في إسقاط الحظوظ وذلك أن يترك حظه لحظ غيره اعتمادا على صحة اليقين إصابة لعين التوكل وتحملا للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله وهو من محامد الأخلاق وزكيات الأعمال، وهو ثابت من فعل رسول الله ﷺ ، ومن خلقه المرضي، وقد كان ﵊ أجود الناس بالخير وأجود ما كان في شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وقالت له خديجة: إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق. وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير ثم
стр. 3719
قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منه.
وجاءه رجل فسأله فقال: «ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال له عمر ﵁: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي ﷺ ذلك. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم النبي ﷺ وعرف البشر في وجهه وقال: بهذا أمرت» ذكره الترمذي.
وقال أنس: كان النبي ﷺ لا يدخر شيئا لغد، وهذا كثير. وهكذا كان الصحابة. وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (١) وما جاء في الصحيح في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) وما روي عن عائشة وهو مذكور في باب الأسباب من كتاب الأحكام عند الكلام على مسألة العول على إسقاط الحظوظ، وهو ضربان:
إيثار بالملك من المال وبالزوجة بفراقها، لتحل للمؤثر، كما في حديث المؤاخاة المذكور في الصحيح.
وإيثار بالنفس، كما في الصحيح: أن أبا طلحة ترس على النبي ﷺ يوم أحد وكان النبي ﷺ يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله، يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ووقى بيده رسول الله ﷺ فشلت، وهو معلوم من فعله ﵊ إذ كان في
стр. 3720
غزوة أقرب الناس إلى العدو، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول: "لن تراعوا"، وهذا فعل من آثر بنفسه، وحديث علي بن أبي طالب في مبيته على فراش رسول الله ﷺ إذ عزم الكفار على قتله مشهور، وفي المثل الشائع: والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ومن الصوفية من يعرف المحبة بأنها: الإيثار، ويدل على ذلك قول امرأة العزيز في يوسف ﵇: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) فآثرته بالبراءة على نفسها.
قال النووي: أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفس بخلاف القربات، فإن الحق فيها لله، وهذا مع ما قبله على مراتب والناس في ذلك مختلفون باختلاف أحوالهم في الاتصاف بأوصاف التوكل المحض واليقين التام، وقد ورد أن النبي ﷺ قبل من أبي بكر جميع ماله ومن عمر النصف، ورد أبا لبابة وكعب بن مالك إلى الثلث، قال ابن العربي: لقصورهما عن درجتي أبي بكر وعمر، وهذا ما قال.
وتحصل أن الإيثار هنا مبني على إسقاط الحظوظ العاجلة فتحمل المضرة اللاحقة بسبب ذلك لا عتب فيه إذا لم يخل بمقصد شرعي فإن أخل بمقصد شرعي فلا يعد ذلك إسقاطا للحظ ولا هو محمود شرعا. أما أنه ليس بمحمود شرعا؛ فلأن إسقاط الحظوظ إما لمجرد أمر الآمر وإما لأمر
стр. 3721
آخر أو لغير شيء. فكونه لغير شيء عبث لا يقع من العقلاء، وكونه لأمر الآمر يضاد كونه مخلا بمقصد شرعي؛ لأن الإخلال بذلك ليس بأمر الآمر، إذا لم يكن كذلك فهو مخالف له ومخالفة أمر الآمر ضد الموافقة له، فثبت أنه لأمر ثالث وهو الحظ وقد مر بيان الحصر فيما تقدم من مسألة إسقاط الحظوظ. هذا تمام الكلام في القسم الرابع، ومنه يعرف حكم الأقسام الثلاثة المتقدمة بالنسبة إلى إسقاط الحظوظ. انتهى المقصود منه.
стр. 3722
٢ - ضابط المثلة الممنوعة
نذكر فيما يلي بيان معنى المثلة، وما تيسر من الآيات والأحاديث فيها مع كلام بعض العلماء عليها؛ لنستخلص من ذلك ما يجوز من المثلة وما يمتنع، فنقول:
أولا: في [القاموس] : مثل: قام منتصبا كمثل بالضم مثولا.. وبفلان مثلا ومثلة بالضم نكل كمثل تمثيلا وهي المثلة بضم الثاء وسكونها ج مثولات ومثلات) . اهـ. المقصود منه.
وفي [المفردات في غريب القرآن] للراغب الأصفهاني:
والمثلة: نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع به غيره، وذلك كالنكال، وجمعه مثلات ومثلات وقد قرئ (من قبلهم المثلات) والمثلات بإسكان الثاء على التخفيف نحو عضد وعضد وقد أمثل السلطان فلانا إذا نكل به) . اهـ. المقصود منه.
ثانيا: وفي تفسير ابن جرير: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ (١)
стр. 3723
يقول تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ (١) يا محمد، مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية فيقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصيت ربها وكذبت رسلها من عقوبات الله وعظيم بلائه، فمن أمة مسخت قردة وأخرى خنازير، ومن بين أمة أهلكت بالرجفة وأخرى بالخسف وذلك هو المثلات التي قال الله جل ثناؤه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ (٣) والمثلات: العقوبات المنكلات، والواحدة منها مثلة، بفتح الميم وضم الثاء ثم تجمع المثلات كما واحد الصدقات صدقة ثم تجمع صدقات، وذكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعا من المثلات فالواحدة على لغتهم منها مثلة، ثم تجمع مثلات كغرفة وغرفات، والفعل منه مثلث به أمثل مثلا بفتح الميم وتسكين الثاء فإذا أردت أنك أقصصته من غيره قلت: أمثلته من صاحبه أمثله إمثالا وذلك إذا قصصته منه) اهـ.
وفي [تفسير الكشاف] للزمخشري: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ (٤) أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين فما بالهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا، والمثلة العقوبة بوزن السمرة
стр. 3724
والمثالة، لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، وجزاء سيئة سيئة مثلها. ويقال: أمثلت للرجل من صاحبه أقصصته منه، والمثال القصاص. ثم ذكر قراءات في المثلات، ولغات فيها أغنى عنها ما تقدم.
وروى البخاري عن مسلم عن قتادة عن أنس ﵁ (١) أن ناسا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي ﷺ وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا الذود، فبلغ النبي ﷺ فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة: وبلغنا: أن النبي ﷺ بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة.
وفي الصحيح عن بريدة بن الحصيب، عن النبي ﷺ في حديثه الطويل أنه قال: «لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا (٢) » . . . .
وروى النسائي عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمثلوا بالبهائم (٣) » .
стр. 3725
وروى النسائي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من إنسان يقتل عصفورة فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها" قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: "يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها يرمى به (١) » .
ثالثا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) :
فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص وقد قال عمران بن حصين ﵄: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة، حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم بعد القتل ولا نجدع آذانهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم مثل ما فعلوا، والترك أفضل، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٣) ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٤)
قيل: إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد ﵃، فقال النبي ﷺ : «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا» أنزل الله هذه الآية- وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة مثل قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٥) وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٦)
стр. 3726
وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية- فقال النبي ﷺ : " بل نصبر".
وفي [صحيح مسلم] عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال:
كان النبي ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أو في حاجة نفسه أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا ثم يقول: «اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا (١) » اهـ.
стр. 3727
الخلاصة
أولا: المثلة: كل ما كان فيه تشويه للخلق من سمل عين أو فقئها أو بقر بطن أو قطع عضو وأمثال ذلك سواء كان ذلك قصاصا أم مجرد نكاية وعقوبة، شفاء لغل وحق أم عبثا ولهوا.
ثانيا: ما كان منها قصاصا فهو جائز وتركه أولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) الآيات.
وما كان منها في حي لمصلحته فهو جائز، وقد يجب، وقد يمنع حسب اختلاف الأحوال، ولمصلحة غيره، فهو محل نظر
стр. 3728
واجتهاد، وما كان منها في ميت لمصلحته أو لحق غيره أو لمضطر فهو محل نظر واجتهاد، يعلم تفصيله مما تقدم في بحث (التشريع والقرنية) ، وما كان منها عبثا ولهوا أو لمجرد شفاء غليل فهو محرم.
стр. 3729
٣ - مدى ملك الإنسان التصرف في نفسه أو في عضو من أعضائه .
سبق في الموضوع الأول من هذا البحث ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب تكريم المسلم ومن في حكمه حيا وميتا، والمحافظة على حرمته في نفسه وأعضائه وبشرته فلا يجوز الخروج عن مقتضى هذه الأدلة إلا بدليل يبيح لنا الاستثناء مما دلت عليه.
وسبق في الموضوع الثاني ما قرر العلماء من أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أعلاهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما، تقليلا للضرر وتخفيفا للمشقة والحرج، وإذا تعارضت مصلحة ومفسدة قدم الأرجح منهما وعند تساويهما يرجح جانب الخطر؛ تقديما لدرء المفسدة على جلب المصلحة.
وسبق في الموضوع الثالث ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالات دعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم واقتضت شق بطنه أو جثته أو قطع عضو من أعضائه حيا أو ميتا وليس منه أخذ عين أو قرنيتها من إنسان لزرعها في إنسان آخر تحقيقا لمصلحته مع الإضرار بمن أخذت منه فعلى من يدعي جواز ذلك أن يأتي بدليل يرخص فيه؛ ليمكن استثناؤه من عموم الأدلة الدالة على حرمة المسلم ووجوب المحافظة على نفسه وأعضائه ووجوب مراعاة ذلك.
стр. 3730
ونوردها نقلا عن الحنابلة من كتاب [المغني] له صلة بالموضوع.
قال أبو محمد بن قدامة ﵁: مسألة (١) . (قال) : ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة، وبهذا قال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وقال مالك: إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر وشرب اللبن وإن خاف أن تقطع يده ولا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما: يأكل الطعام، وهو قول عبد الله بن دينار؛ لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة، كما لو بذله له صاحبه.
ولنا: أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه والعدول إلى المنصوص عليه أولى، ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق، ولأن حق الآدمي تلزمه غرامة وحق الله لا عوض له.
(فصل) : إذا وجد المضطر من يطعمه ويسقيه لم يحل له الامتناع من الأكل والشرب ولا العدول إلى أكل الميتة إلا أن يخاف أن يسمه فيه أو يكون الطعام الذي يطعمه مما يضر ويخاف أن يهلكه أو يمرضه.
(فصل) : فإن لم يجد المضطر شيئا لم يبح له أكل بعض أعضائه، وقال بعض أصحاب الشافعي: له ذلك؛ لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو، كما لو وقعت فيه الأكلة.
ولنا: أن أكله من نفسه ربما قتله فيكون قاتلا نفسه ولا يتيقن حصول
стр. 3731
البقاء من أكله، أما قطع الأكلة (١) فإنه يخاف الهلاك بذلك العضو فأبيح له إبعاده ودفع ضرره المتوجه منه بتركه كما أبيح قتل الصائل عليه ولم يبح له قتله ليأكله.
(فصل) : وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله إجماعا ولا إتلاف عضو منه مسلما كان أو كافرا، لأنه مثلة فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه وهذا لا خلاف فيه.
وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي: أن له قتله وأكله؛ لأن قتله مباح، وهكذا قال أصحاب الشافعي؛ لأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع وإن وجده ميتا أبيح أكله؛ لأن أكله مباح بعد قتله فكذلك بعد موته وإن وجد معصوما ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا.
وقال الشافعي وبعض الحنفية: يباح وهو أولى، لأن حرمة الحي أعظم. وقال أبو بكر بن داود: أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء واحتج أصحابنا بقول النبي ﷺ : «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي (٢) » واختار أبو الخطاب أن له أكله، وقال: لا حجة في الحديث هاهنا؛ لأن الأكل من اللحم لا من العظم والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها بدليل اختلافها في الضمان والقصاص ووجود صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت.
(مسألة) : قال: (فإن لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه أخذه قهرا ليحصي به نفسه وأعطاه ثمنه إلا أن يكون بصاحبه مثل ضرورته) وجملته أنه إذا
стр. 3732
اضطر فلم يجد إلا طعاما لغيره نظرنا فإن كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به ولم يجز لأحد أخذه منه؛ لأنه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة وإن أخذه منه أحد فمات لزمه ضمانه؛ لأنه قتله بغير حق. وإن لم يكن صاحبه مضطرا إليه لزمه بذله للمضطر؛ لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه في إنجائه من الغرق والحريق، فإن لم يفعل فللمضطر أخذه منه؛ لأنه مستحق له دون مالكه فجاز له أخذه كغير ماله، فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه، فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر؛ لأنه ظالم بقتاله فأشبه الصائل إلا أن يمكن أخذه بشراء أو استرضاء فليس له المقاتلة عليه لإمكان الوصول إليه دونها فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله فذكر القاضي أن له قتاله، والأولى أن لا يجوز له ذلك لإمكان الوصول إليه بدونها، وإن اشتراه بأكثر من ثمن مثله لم يلزمه إلا ثمن مثله؛ لأنه صار مستحقا له بقيمته ويلزمه عوضه في كل موضع أخذه فإن كان معه في الحال وإلا لزمه في ذمته. ولا يباح للمضطر من مال أخيه إلا ما يباح من الميتة. اهـ. المقصود منه.
مجمل ما ذكره ابن قدامة ﵀ في [المغني] :
١ - أبيح للمضطر ما كان محرما عليه من أكل زرع غيره أو ثمره أو شرب لبن أنعامه بلا إذنه إبقاء على نفسه أو أكل الميتة إبقاء على يده حتى لا تقطع فيما لو أكل من الثمر ولم يصدق في دعوى اضطراره، وفي هذا دلالة على وجوب حفظ النفس والعضو وتحريم بذلها لغيره عند هؤلاء.
стр. 3733
٢ - لا يحل لمضطر أن يمتنع عن طعام أو شراب بذل إليه بعوض أو بغير عوض، وفي هذا دلالة على أن بذلك نفسه أو عضو منها أو تفويت شيء من ذلك ليس إليه، بل يجب عليه المحافظة على ذلك ما استطاع.
٣ - في أكل المضطر بعض أعضائه خلاف، قيل: يمنع خشية أن يفضي إلى قتله، وقيل: يجوز ارتكابا لأخف الضررين.
٤ - ليس للمضطر أن يقتل محقون الدم مطلقا أو يقطع عضوا من أعضائه لسد حاجته أو حفظ نفسه إجماعا، وإن وجده ميتا ففي جواز أكله منه؛ إيثارا لحق الحي ومنعه منه محافظة على حرمة الميت- قولان.
٥ - من اضطر إلى طعام ووجده عند مستغن عنه وجب عليه أخذه ولو بعوض، فإن أبى صاحبه وهو مضطر إليه أيضا وجب تركه له، وإن كان مستغنيا عنه وجب أخذه منه كرها ولو بقتال وفي وجوب العوض عليه خلاف، فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن قتل صاحب الطعام فهو هدر؛ لأنه ظالم وفي هذا دلالة على وجوب حفظ الإنسان نفسه وأعضاءه وإثمه بتفويت ذلك.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3734
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٦٢) وتاريخ ٢٥\١٠\١٣٩٨هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
ففي الدورة الثالثة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف في النصف الأخير من شهر شوال عام ١٣٩٨ هـ - اطلع المجلس على بحث نقل القرنية من عين إنسان إلى آخر الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بناء على اقتراح سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في كتابه رقم (٤٥٧٢\٢\١\ د) واطلع على ما ذكره جماعة من المتخصصين في أمراض العيون وعلاجها عن نجاح هذه العملية، وأن النجاح يتراوح بين ٥٠% و ٩٥% تبعا لاختلاف الظروف والأحوال.
وبعد الدراسة والمناقشة، وتبادل وجهات النظر قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
أولا: جواز نقل قرنية عين من إنسان بعد التأكد من موته وزرعها في عين إنسان مسلم مضطر إليها وغلب على الظن نجاح عملية زرعها ما لم يمنع أولياؤه، وذلك بناء على قاعدة: تحقيق أعلى المصلحتين، وارتكاب أخف الضررين، وإيثار مصلحة الحي على مصلحة الميت فإنه يرجى للحي الإبصار بعد عدمه والانتفاع بذلك في نفسه ونفع الأمة به، ولا يفوت على الميت الذي أخذت قرنية عينه شيء، فإن عينه إلى الدمار والتحول إلى رفات، وليس في أخذ
стр. 3735
قرنية عينه مثلة ظاهرة، فإن عينه قد أغمضت، وطبق جفناها أعلاهما على الأسفل.
ثانيا: جواز نقل قرنية سليمة من عين قرر طبيا نزعها من إنسان، لتوقع خطر عليه من بقائها، وزرعها في عين مسلم آخر مضطر إليها، فإن نزعها إنما كان محافظة على صحة صاحبها أصالة، ولا ضرر يلحقه من نقلها إلى غيره وفي زرعها في عين آخر منفعة له، فكان ذلك مقتضى الشرع، وموجب الإنسانية.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
محمد بن جبير أرى جواز النقل مطلقا ... عبد الله خياط ... سليمان بن عبيد ... راشد بن خنين ... عبد الله بن قعود متوقف في النقل من المسلم الميت فقط
عبد المجيد حسن أرى جواز النقل مطلقا ... عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... عبد العزيز بن صالح غائب
رئيس الدورة محمد بن علي الحركان ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز متوقف ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان
стр. 3736
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٦٥) وتاريخ ٧\ ٢\ ١٣٩٩هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه وبعد..
ففي الدورة الثالثة الاستثنائية لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض في المدة من ١\٢\١٣٩٩هـ إلى ٦ منه اطلع المجلس على ما جاء في كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم (٧٨١٥) في ٢٨\٨\١٣٩٨ هـ. المبني على ما ورد إليه من المقام السامي لإجراء ما يلزم نحو ما اقترحه المدعو\ فتوح بن سليمان النجار من إنشاء بنك إسلامي؛ لحفظ الدم للإسعاف السريع لجرحى المسلمين وقبول ما يتبرع به الناس من دمائهم والاحتفاظ بكميات هائلة منه لإسعاف جرحى المسلمين.
وبعد دراسة الموضوع ومناقشته وتداول الرأي فيه قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
أولا: يجوز أن يتبرع الإنسان من دمه بما لا يضره عند الحاجة إلى ذلك لإسعاف من يحتاجه من المسلمين.
ثانيا: يجوز إنشاء بنك إسلامي لقبول ما يتبرع به الناس من دمائهم وحفظ ذلك لإسعاف من يحتاج إليه من المسلمين، على أن لا يأخذ البنك مقابلا ماليا عن المرضى أو أولياء أمورهم عوضا عما يسعفهم به من
стр. 3737
الدماء، وألا يتخذ ذلك وسيلة تجارية للكسب؛ لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين.
والله الموفق، وصلى الله على محمد.
هيئة كبار العلماء
عبد الله بن خياط لم يحضر الدورة ... سليمان بن عبيد راشد بن خنين لسبق صدور قرار بجواز نقل الدم ولكون بنوك الدم موجودة في البنوك الإسلامية فإنه لم يظهر لي ما يدعو إصدار هذا القرار ... عبد الله بن غديان متوقف عن إصدار القرار ... عبد الله بن قعود متوقف في الفقرة الثانية والأولى سبق أن صدر فيها قرار
عبد الله بن محمد بن حميد لا داعي لإصدار قرار إذ أن السائل فرد من أفراد الناس وقد سبق أن صدر قرار بجواز نقل الدم عند الضرورة على أن لا يلحق بالمتبرع بدمه ضرر أيضا إذا أنا متوقف ... عبد العزيز بن صالح ... محمد بن جبير ... صالح بن غصون ... عبد الله بن منيع
رئيس الدورة ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... محمد بن علي الحركان ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد المجيد بن حسن ... صالح بن لحيدان سبق أن صدر قرار بجواز نقل الدم وأما البنوك في المستشفيات فلا حاجة إلى إعداد قرار جديد بهذا المخصوص ولذا توقفت
стр. 3738
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٩٩) وتاريخ ٦\ ١١\١٤٠٢هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته العشرين المنعقدة بمدينة الطائف ابتداء من الخامس والعشرين من شهر شوال حتى السادس من شهر ذي القعدة ١٤٠٢هـ - بحث حكم نقل عضو من إنسان إلى آخر بناء على الأسئلة الواردة فيه إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وكان منها السؤال الوارد من الدكتور نزار فتيح المدير التنفيذي بالنيابة والمستشار والمشرف على أعمال الإدارة بمستشفى الملك فيصل التخصصي بكتابه المؤرخ في ١٥\٨\ ١٤٠١ هـ، والسؤال الوارد من الشيخ عبد الملك بن محمود رئيس محكمة الاستئناف في نيجيريا المحالان إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء من سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بكتابيه رقم (١٤٢٧) وتاريخ ١٦\٦\١٤٠٢ هـ، ورقم (٥٩٠\ ب) وتاريخ ١\٥\١٤٠٢ هـ لعرضهما على المجلس. وقد رجع المجلس إلى قراره رقم (٤٧) وتاريخ ٢٠\٨\١٣٩٦ هـ الصادر في حكم تشريح جثة الإنسان الميت، وإلى قراره رقم (٦٢) وتاريخ ٢٥\١٠\١٣٩٨ هـ الصادر في حكم نزع القرنية، وإلى قراره رقم (٦٥) وتاريخ ٧\٢\١٣٩٩ هـ الصادر في حكم التبرع بالدم وإنشاء بنك لحفظه، ثم استمع إلى البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة
стр. 3739
للبحوث العلمية والإفتاء من قبل في حكم نقل دم أو عضو أو جزئه من إنسان إلى آخره.
وبعد المناقشة وتداول الآراء قرر المجلس بالإجماع:
جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا ادعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه. كما قرر بالأكثرية ما يلي:
أ- جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.
٢ - جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وآله وسلم.
هيئة كبار العلماء
حمد بن علي الحركان
سليمان بن عبيد راشد بن خنين أرى اشتراط إذن الإنسان المسلم قبل موته فيما ينقل من أعضائه بعد موته عبد الله بن غديان عبد الله بن قعود متوقف فيما عدا ما أجمع عليه المجلس عبد الله بن محمد بن حميد لم يحضر الدورة لمرضه عبد العزيز بن صالح لم يحضر الدورة لظروف خاصة به محمد بن جبير صالح بن غصون رئيس الدورة عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز متوقف عبد الله خياط إبراهيم بن محمد آل الشيخ عبد المجيد حسن صالح بن لحيدان
стр. 3740
(٢) شارات الطيارين
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 3741
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شارات الطيارين
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وآله وصحبه وبعد:
فبناء على المحضر رقم ٣ من محاضر مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الاستثنائية الثالثة المنعقدة فيما بين ١ إلى ٦ من شهر صفر عام ١٣٩٩هـ الآتي نصه:
موضوع شارات الطيارين الذي قدمه قائد جناح التعليم بكلية الملك فيصل الجوية بخطابه المؤرخ في ٢٥\٦\١٣٩٨ هـ إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ومسألة تتويج شعارات وشارات أسراب الطائرات للقوات الجوية الملكية السعودية بآيات كريمة من القرآن الكريم، حيث ينتهي كل سرب إلى آية من الآيات التي تحث على الجهاد والشجاعة ونحو ذلك، وتلك الشعارات تلبس على ملابس الطيارين فوق الصدور، وتثبت على الطائرات وتحفر على المعدن
стр. 3742
والخشب الجيد فتقدم هدايا لكبار الضيوف. فأحاله سماحة الرئيس العام إلى فضيلة الأمين العام لهيئة كبار العلماء برقم ١٤٤٨\١ وتاريخ ٢٩\٦\١٣٩٨ هـ لعرضه على المجلس.
وبعد أن استمع المجلس إلى الخطاب المذكور واطلع أعضاؤه على اللوحتين اللتين أرسلهما قائد جناح الكلية لهذا الغرض رأى:
أن يحال الموضوع إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء؛ ليعد فيه بحثا يشتمل على الحكم وتعليله مع نقل كلام أهل العلم في المسألة ثم يعرض في الدورة القادمة إن شاء الله.
وبناء على ذلك أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك شمل ما يأتي:
أولا: استعمال آيات القرآن في غير ما أنزلت من أجله.
ثانيا: مشابهة الكفار في جنس اتخاذ الشعارات وتقليدهم في ذلك.
ثالثا: امتهان آيات القرآن بحمل الجنب للشعار الذي كتبت فيه وقضاء حاجته به في حمام أو غيره وطرحه مع غيره من العدد في المخازن ورميه حين بلاه.
رابعا: قد يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذه عوذة للحفظ أو النصر.
وبالله التوفيق.
وفيما يلي ذكر ذلك:
стр. 3743
أولا: استعمال آيات القرآن في غير ما أنزلت من أجله:
أنزل الله القرآن حجة على العالمين ومنهاجا للناس أجمعين، أنزله ليكون دستور أمة ومنهاج حياة، دستور أمة يحكمها بأوامره
стр. 3744
ونواهيه في جميع شئونها، ومنهاج حياة يحكم الفرد كذلك في عبادته ومعاملته وسلوكه، أنزله ليتعبد الناس بتلاوته، وليتدبروا معانيه فيعرفوا أحكامه ويأخذوا أنفسهم بالعمل بها، يحلون حلاله ويحرمون حرامه، يؤمنون بمتشابهه، ويتلونه حق تلاوته، وليكون موعظة وذكرى تلين به قلوبهم وتقشعر منه جلودهم، وشفاء وطهرة يشفي النفوس ويطهرها من أدران الشكوك وما ارتكبته من المعاصي والذنوب، وهدى ورحمة لمن فتح له قلبه أو ألقى السمع وهو شهيد.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) وقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٣) الآية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦)
стр. 3745
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (٢)
ولم ينزله ليكتب في لوحة معدنية أو خشبية أو غيرها، ليعلق على الطائرات ونحوها، ولا ليكتب كذلك على ملابس الطيارين ونحوهم فوق الصدور، ولم يثبت عن النبي ﷺ وهو الذي نزل عليه القرآن وهو بأحكامه أعرف وبمنزلته أعلم- أنه اتخذه أو آيات منه شارة على كتفه أو صدره، ولا من خلفائه الراشدين وأتباعهم بإحسان، ولو كان شيء اتخذه على النحو المذكور؛ لبينوه، وسابقوا إلى فعله، رضوان الله عليهم أجمعين.
فمن انتفع بالقرآن فيما أنزل من أجله فهو على بينة من ربه وهدى وبصيرة، ومن اتخذه على النحو المسئول عنه فقد انحرف بكتاب الله أو بآية أو بسورة منه عن جادة الهدى، وحاد عن الطريق السوي والصراط المستقيم، وابتدع في الدين ما لم يأذن به الله ولا رسوله ﷺ قولا أو عملا، ولا عمل به الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة ﵃ أجمعين، ولا أئمة الهدى في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي ﷺ أنها خير القرون.
стр. 3746
ثانيا: مشابهة الكفار في جنس اتخاذ الشعارات وتقليدهم في ذلك:
إن تشبه إنسان بآخر أو جماعة بأخرى في الأزياء والملابس أو في الأفعال والأخلاق أو في الشعار والمعاملة والمظاهر- مما يدل على تأثره بمن تشبه به، وميله إليه؛ لذلك نهى الله تعالى في كتابه عن التشبه بالكافرين وحذر
стр. 3747
النبي ﷺ من مضاهاتهم في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم ومراسيمهم؛ خشية أن تنجذب نفسه إليهم وينجرف في تيارهم، وتتلاشى شخصيته فيهم، وذلك هو البلاء المبين.
أ- أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد ذكر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قاعدة عامة في التحذير من التشبه بالكافرين واستشهد لها بآيات من القرآن وأحاديث عن النبي ﵊، وبين وجه دلالة ما ساق من النصوص على ثبوت تلك القاعدة وشمولها فقال ﵀:
فصل: في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع
على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن التشبه بهم
لما كان الكلام في المسألة الخاصة قد يكون مندرجا في قاعدة عامة، بدأنا بذكر بعض ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، سواء كان ذلك عاما في جميع أنواع المخالفات أو خاصا ببعضها، وسواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب.
ثم أتبعنا ذلك بما يدل على النهي عن مشابهتهم في أعيادهم خصوصا. وهنا نكتة -قد نبهت عليها في هذا الكتاب- وهي: أن الأمر بموافقة قوم أو بمخالفتهم قد يكون، لأن نفس قصد موافقتهم أو نفس موافقتهم مصلحة، وكذلك نفس قصد مخالفتهم أو نفس مخالفتهم مصلحة، بمعنى: أن ذلك الفعل يتضمن مصلحة للعبد أو مفسدة، وإن كان ذلك الفعل الذي حصلت به الموافقة أو المخالفة لو تجرد عن الموافقة
стр. 3748
والمخالفة لم يكن فيه تلك المصلحة أو المفسدة " ولهذا نحن ننتفع بنفس متابعتنا لرسول الله ﷺ والسابقين من المهاجرين والأنصار في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد كان لا يكون لنا فيها مصلحة؛ لما يورث ذلك من محبتهم، وائتلاف قلوبنا بقلوبهم، وأن ذلك يدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى ... إلى غير ذلك من الفوائد.
كذلك قد نتضرر بمتابعتنا الكافرين في أعمال لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها، وقد يكون الأمر بالموافقة والمخالفة، لأن ذلك الفعل الذي يوافق العبد فيه أو يخالف متضمن للمصلحة أو المفسدة ولو لم يفعلوه، لكن عبر عن ذلك بالموافقة والمخالفة على سبيل الدلالة والتعريف، فتكون موافقتهم دليلا على المفسدة، ومخالفتهم دليلا على المصلحة.
واعتبار الموافقة والمخالفة على هذا التقدير من باب قياس الدلالة وعلى الأول من باب قياس العلة، وقد يجتمع الأمران. أعني: الحكمة الناشئة من نفس الفعل الذي وافقناهم أو خالفناهم فيه، ومن نفس مشاركتهم فيه، وهذا هو الغالب على الموافقة والمخالفة المأمور بهما والمنهي عنهما، فلا بد من التفطن لهذا المعنى، فإنه به يعرف معنى نهي الله لنا عن اتباعهم وموافقتهم مطلقا ومقيدا.
واعلم أن دلالة الكتاب على خصوص الأعمال وتفاصيلها إنما يقع بطريق الإجمال والعموم، أو الاستلزام، وإنما السنة هي التي تفسر الكتاب وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه.
فنحن نذكر في آيات الكتاب: ما يدل على أصل هذه القاعدة في
стр. 3749
الجملة، ثم نتبع ذلك الأحاديث المفسرة لمعاني ومقاصد الآيات بعدها.
الآيات الآمرة بمخالفة أهل الكتاب.
قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) أخبر سبحانه: أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدا ﷺ على شريعة من الأمر شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته. وأهواؤهم: هي ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه؛ ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا مالا عظيما ليحصل ذلك، ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن