← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 4306–4330 · переход к 4311.

стр. 4306

الجيش الإقامة مع الأمير ولم ينو هو فيحتمل أنه على الوجهين (قلت) : الأصح في الجميع أنهم يترخصون؛ لأنه لا يتصور منهم الجزم بالإقامة.

стр. 4307

٧ - قال ابن قدامة ﵀ (١) : مسألة: (وإذا نوى الإقامة ببلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم وإلا قصر) . المشهور عن أحمد ﵀: أن المدة التي يلزم المسافر الإتمام إذا نوى الإقامة فيها: ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة. رواه الأثرم وغيره وهو الذي ذكره الخرقي، وعنه: إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام أتم، حكى هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل. وعنه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإلا قصر، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، وروي عن عثمان ﵁ وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقمت أربعا فصل أربعا؛ لأن الثالث حد القلة؛ «لقوله ﵊: يقيم المسافر بعد قضاء نسكه ثلاثا (٢) » فدل أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الإقامة. وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يوما مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، فإن نوى دونه قصر، ويروى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة، ولا يعرف لهما مخالف، وروي عن علي ﵁ قال: يتم الصلاة الذي يقيم عشرا، ويقصر الذي يقول: أخرج اليوم أخرج غدا. شهرا، وعن ابن عباس أنه

стр. 4308

قال: يقصر إذا أقام تسعة عشر يوما ويتم إذا زاد؛ لأن «النبي ﷺ أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين، (١) » قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا. رواه البخاري، وقال الحسن: صل ركعتين ركعتين إلا أن تقدم مصرا فأتم الصلاة وصم، وقالت عائشة: إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة، وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعا. ولنا ما روى أنس قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله ﷺ إلى مكة فصلى ركعتين حتى رجع وأقام بمكة عشرا يقصر الصلاة (٢) » . متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس، «أن النبي ﷺ قدم مكة لصبح رابعة فأقام النبي ﷺ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام» وقد أجمع على إقامتها قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم، قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر، فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد، فقوله: «أقام النبي ﷺ عشرا يقصر الصلاة، (٣) » وقال: «قدم النبي ﷺ لصبح رابعة وخامسة وسابعة، ثم قال: ثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة،» فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي صلى الله ﷺ بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه أربعة أيام وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر، وهي تزيد على أربعة أيام وهو صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام، وقول أصحاب الرأي: لا يعرف لهما مخالف في الصحابة لا يصح؛ لأنا قد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وحديث ابن عباس في إقامة النبي ﷺ تسعة عشر

стр. 4309

وجهه: أن النبي ﷺ لم يجمع الإقامة. قال أحمد: أقام النبي ﷺ بمكة: زمن الفتح ثماني عشرة؛ لأنه أراد حنينا ولم يكن تم إجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس، وهو دليل على خلاف قول عائشة والحسن. والله أعلم. وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ لما سئل عن رجل مسافر إلى بلد، ومقصوده أن يقيم مدة شهر أو أكثر فهل يتم الصلاة أم لا؟ فأجاب: إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة، كما «فعل النبي ﷺ لما دخل مكة. فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة» . وإن كان أكثر ففيه نزاع. والأحوط أن يتم الصلاة. وأما إن قال: غدا أسافر، أو بعد غد أسافر. ولم ينو المقام فإنه يقصر أبدا، فإن «النبي ﷺ أقام بمكة بضعة عشر يوما يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة (١) » . والله أعلم. وسئل عن رجل جرد إلى الخربة لأجل الحمى وهو يعلم أنه يقيم مدة شهرين، فهل يجوز له القصر؟ وإذا جاز القصر، فالإتمام أفضل أم القصر؟ فأجاب: الحمد لله.. هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء، منهم من يوجب الإتمام، ومنهم من يوجب القصر، والصحيح: أن كلاهما سائغ فمن قصر لا ينكر عليه، ومن أتم لا ينكر عليه. وكذلك تنازعوا في الأفضل: فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط، فالإتمام أفضل، وأما من تبينت له السنة، وعلم أن النبي ﷺ لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان أو بمكان، ولا حد الإقامة أيضا بزمن محدود، لا ثلاثة ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا

стр. 4310

خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصر الصلاة. وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام، ولا أكثر. كما «أقام النبي ﷺ وأصحابه بعد فتح مكة قريبا من عشرين يوما يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان» . وكان النبي ﷺ لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام. وإذا كان التحديد لا أصل له، فمادام المسافر مسافرا يقصر الصلاة، ولو أقام في مكان شهورا. والله أعلم. كتبه أحمد بن تيمية (١) . وقال (٢) : وتقصر الصلاة في كل ما يسمى سفرا، سواء قل أو كثر. ولا يتقدر بمدة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره صاحب [المغني] فيه، وسواء كان مباحا أو محرما، ونصره ابن عقيل في موضع. وقاله بعض المتأخرين من أصحاب أحمد والشافعي، وسواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو لا. وروي هذا عن جماعة من الصحابة. وقرر أبو العباس قاعدة نافعة: وهي أن ما أطلقه الشارع بعمل يطلق مسماه ووجوده. ولم يجز تقديره وتحديده بمدة. فلهذا كان الماء قسمين: طاهرا طهورا أو نجسا. ولا حد لأقل الحيض وأكثره ما لم تصر مستحاضة، ولا لأقل سنة وأكثره، ولا لأقل السفر.

стр. 4311

أما خروجه إلى بعض عمل أرضه وخروجه ﷺ إلى قباء فلا يسمى سفرا. ولو كان بريدا. ولهذا لا يتزود ولا يتأهب له أهبة السفر. هذا مع قصر المدة. فالمسافة القريبة في المدة الطويلة سفر، لا البعيدة في المدة القليلة. ولا حد للدرهم والدينار، فلو كان أربعة دوانق أو ثمانية خالصا أو مغشوشا قل غشه أو كثر، لا درهما أسود- عمل به في الزكاة والسرقة وغيرهما. ولا تأجيل في الدية وأنه نص أحمد فيها؛ لأن النبي ﷺ لم يؤجلها. وإن رأى الإمام تأجيلها فعل؛ لأن عمر أجلها، فأيهما رأى الإمام فعل. وإلا فإيجاب أحد الأمرين لا يسوغ والخلع فسخ مطلقا.. والكفارة في كل أيمان المسلمين. وقال ابن القيم ﵀ بعد كلامه على هديه ﷺ لسفره: «وكان يقصر الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة،» ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة، وأما حديث عائشة «أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم (١) » - فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﷺ . انتهى. وقد روى كان يقصر ويتم الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق وكذلك يفطر وتصوم، أي: تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين، قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل، ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله ﷺ وجميع أصحابه فتصلي خلاف صلاتهم، كيف والصحيح عنها: «أن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت

стр. 4312

صلاة السفر (١) » فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف صلاة النبي ﷺ والمسلمين معه؟! قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبي ﷺ ، قال ابن عباس وغيره: أنها تأولت كما تأول عثمان، وأن «النبي ﷺ كان يقصر دائما (٢) » فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال: فكان رسول الله ﷺ يقصر وتتم هي فغلط بعض الرواة، فقال: كان يقصر ويتم، أي: هو والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه فقيل: ظنت أن القصر مشروط بالخوف والسفر، فإذا زال الخوف زال سبب القصر. وهذا التأويل غير صحيح، فإن النبي ﷺ سافر آمنا وكان يقصر الصلاة، والآية قد أشكلت على عمر ﵁ وغيره فسأل عنها رسول الله ﷺ ، فأجابه بالشفاء وإن هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته: أنه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له، وقد يقال: أن الآية اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين وقيد ذلك بأمرين: الضرب بالأرض، والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصر فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددها وأركانها، إن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفى العدد، وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفى الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامة باعتبار إتمام أركانها

стр. 4313

وأنها لم تدخل في قصر الآية، والأول: اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني: يدل عليه كلام الصحابة؛ كعائشة وابن عباس وغيرهما قالت عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر (١) » - فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع، وإنما هي مفروضة كذلك وأن فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، (٢) » متفق على حديث عائشة وانفرد مسلم بحديث ابن عباس. وقال عمر بن الخطاب: «صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ وقد خاب من افترى (٣) » . وهذا ثابت عن عمر ﵁ وهو الذي سأل النبي ﷺ ما بالنا نقصر وقد أمنا، فقال له رسول الله ﷺ : «صدقة تصدق بها الله عليكم، فاقبلوا صدقته (٤) » ، ولا تناقض بين حديثيه، فإن النبي ﷺ لما أجابه بأن هذه صدقة الله عليكم ودينه اليسر السمح علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد كما فهمه كثير من الناس، فقال: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر. وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح منفي عنه الجناح، فإن شاء المصلي فعله، وإن شاء أتم، وكان رسول الله ﷺ يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين ولم يربع قط إلا شيئا فعله في بعض صلاة الخوف، كما سنذكره هناك ونبين ما فيه إن شاء الله تعالى. وقال أنس: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي

стр. 4314

ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة (١) » متفق عليه، «ولما بلغ عبد الله بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر ركتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان (٢) » متفق عليه. ولم يكن ابن مسعود ليسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما، بل الأولى على قول، وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبي ﷺ وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: «صحبت رسول الله ﷺ فكان في السفر لا يزيد على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان، (٣) » يعني: في صدر خلافة عثمان وإلا فعثمان قد أتم في آخر خلافته وكان ذلك أحد الأسباب التي أنكرت عليه وقد خرج لفعله تأويلات: أحدها: أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة أربع لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر، ورد هذا التأويل بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي ﷺ فكانوا حديثي عهد بالإسلام والعهد بالصلاة قريب ومع هذا فلم يربع لهم النبي ﷺ . الثاني: أنه كان إماما للناس والإمام حيثما نزل فهو عمله ومحل ولايته فكأنه وطنه. ورد هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله ﷺ كان هو أولى بذلك وكان هو الإمام المطلق ولم يربع. التأويل الثالث: أن منى كانت قد بنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن في عهده ولم يكن ذلك في عهد رسول الله ﷺ ، بل كانت فضاء؛ ولهذا «قيل

стр. 4315

له: يا رسول الله، ألا تبني لك بمنى بيتا يظللك من الحر؟ فقال: لا، منى مناخ من سبق (١) » فتأول عثمان أن القصر إنما يكون في حال السفر. ورد هذا التأويل بأن النبي ﷺ «أقام بمكة عشرا يقصر في الصلاة (٢) » . التأويل الرابع: أنه أقام بها ثلاثا. وقد «قال النبي ﷺ : يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا (٣) » فسماه مقيما والمقيم غير مسافر، ورد هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيدة في أثناء السفر ليست بالإقامة التي هي قسيم السفر. وقد «أقام ﷺ بمكة عشرا يقصر الصلاة، وأقام بمنى بعد نسكه أيام الجمار الثلاث يقصر الصلاة (٤) » . التأويل الخامس: أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى واتخاذها دار الخلافة. فلهذا أتم، ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة. وهذا التأويل أيضا مما لا يقوى، فإن عثمان ﵁ من المهاجرين الأولين وقد «منع ﷺ المهاجرين من الإقامة بمكة بعد نسكه، ورخص لهم فيها ثلاثة أيام فقط (٥) » فلم يكن عثمان ليقيم بها، وقد منع النبي ﷺ من ذلك، إنما رخص فيها ثلاثا؛ وذلك لأنهم تركوها لله، وما ترك لله فإنه لا يعاد فيه ولا يسترجع؛ ولهذا «منع النبي ﷺ من شراء المتصدق لصدقته، وقال لعمر: لا تشترها ولا تعد في صدقتك (٦) » فجعله عائدا في صدقته مع أخذها بالثمن. التأويل السادس: أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة أتم، ويروى في ذلك حديث مرفوع عن النبي ﷺ ، فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي عن أبي ذئاب عن أبيه قال: «صلى عثمان بأهل منى أربعا وقال: يا أيها الناس، لما قدمت تأهلت بها، وإني

стр. 4316

سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة مقيم (١) » رواه الإمام أحمد ﵀ في [مسنده] ، وعبد الله بن الزبير الحميدي في [مسنده] أيضا. وقد أعله البيهقي بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في [تاريخه] ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام وهذا قول أبي حنيفة ﵀ ومالك وأصحابهما، وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان. وقد اعتذر عن عائشة أنها كانت أم المؤمنين فحيث نزلت فكان وطنها، وهو أيضا اعتذار ضعيف، فإن النبي ﷺ أبو المؤمنين أيضا وأمومة أزواجه فرع عن أبوته، ولم يكن يتم لهذا السبب، وقد روى هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعا فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي، إنه لا يشق علي، قال الشافعي ﵀: لو كان فرض المسافر ركعتين لما أتمها عثمان ولا عائشة ولا ابن مسعود، ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم،. وقد قالت عائشة: كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ أتم وقصر، ثم روي عن إبراهيم بن محمد عن طلحة بن عمر عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة «قالت: كل ذلك فعل النبي ﷺ قصر الصلاة في السفر وأتم،» قال البيهقي: وكذلك رواه المغيرة بن زياد عن عطاء، وأصح إسناد فيه ما أخبرنا أبو بكر الحارثي عن الدارقطني عن المحاملي، حدثنا سعيد ابن محمد بن أيوب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء عن عائشة: أن النبي ﷺ «كان يقصر الصلاة في السفر ويتم ويفطر ويصوم» . قال

стр. 4317

الدارقطني: وهذا إسناد صحيح، ثم ساق من طريق أبي بكر النيسابوري عن عباس الدوري، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا العلاء بن زهير، حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة: «أنها اعتمرت مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وأفطرت قال: أحسنت يا عائشة، (١) » وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة تصلي بخلاف صلاة رسول الله ﷺ وسائر الصحابة وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب، كيف وهي القائلة «فرضت الصلاة ركعتين: فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، (٢) » فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله ﷺ وأصحابه؟! قال الزهري لعروة لما حدثه عن أبيه عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة فقال: تأولت كما تأول عثمان، فإذا كان النبي ﷺ قد حسن فعلها وأقرها عليه فما للتأويل حينئذ وجه ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر «أن رسول الله ﷺ لم يكن يزيد في السفر على ركعتين ولا أبو بكر ولا عمر (٣) » أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون؟ وأما بعد موته ﷺ فإنها أتمت كما أتم عثمان وكلاهما تأول تأويلا والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له، والله أعلم. وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر في القرآن، فقال له ابن عمر: يا أخي، إن الله بعث محمدا ﷺ ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأينا محمدا ﷺ يفعل. وقد قال أنس: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة فكان يصلي

стр. 4318

ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، (١) » وقال ابن عمر: «صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃، (٢) » وهذه كلها أحاديث صحيحة (٣) . مسألة: وقال الأثرم عنه: إذا أجمع أن يقيم إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر فإذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك أتم واحتج بحديث جابر وابن عباس قدم النبي ﷺ لصبح رابعة وكذا نقل ابن الحكم ونقل المروزي إذا عزم على مقام إحدى وعشرين صلاة فليتم؛ لأن «النبي ﷺ صلى الغداة يوم التروية بمكة، وكذلك نقل حرب إذا دخل إلى قرية نوى أن يقيم أربعة أيام وزيادة صلاة أتم،» وكذا نقل ابن أصرم وصالح والكوسج إذا أزمع على إقامة أربعة أيام وزيادة يتم في أول يوم. واحتج بحديث جابر، قال أبو حفص: هذه الرواية ليست مستقصاة والأدلة مستقصاة أنه لا يلزمه الإتمام بالعزيمة على إقامة أربعة أيام وزيادة صلاة حتى ينوي أكثر من ذلك فكيف يقول: إذا أزمع على إقامة أربع وزيادة صلاة أتم. ويحتج بحديث جابر في هذا المقدار وقد كشف هذا في رواية الفضل بن عبد الصمد قيل له: يا أبا عبد الله، يحكون أنك تقول: إذا أجمع على إقامة أكثر من أربعة وصلاة أتم، فقال: لا يفهمون، النبي ﷺ أجمع على إقامة أربع وصلاة فقصر. ونقل عنه أيوب بن إسحاق بن سافري: أنه قال: إن أزمع على إقامة خمسة أيام يتم وما دون ذلك يقصر، قال أبو حفص: ليس في هذا خلاف لذلك؛ لأنه إذا أوجب الإتمام بإقامة أكثر من

стр. 4319

أربعة أيام وزيادة صلاة فبخمسة أيام أولى أن يوجب الإتمام. وقوله: ما دون ذلك يقصر يحتمل أن يكون أراد به الأربعة أيام وزيادة صلاة؛ لأنها دون الخمسة أيام، ويحتمل أن يكون ذكره لليوم الخامس؛ لأن الصلاتين بعد الأربعة أيام من اليوم الخامس لا أنه أراد إكمال اليوم الخامس. وقد بين ذلك في رواية طاهر بن محمد التميمي فقال: إذا نوى إقامة أربعة أيام وأكثر من صلاة من اليوم الخامس أتم فقد بين مراده من ذكر اليوم الخامس أنه بعضه؛ لأنه أكثر من مقام النبي صلى الله ﷺ الذي قصر فيه الصلاة. قال القاضي: وظاهر كلام أبي حفص هذا أن المسألة على رواية واحدة، وأن مدة الإقامة ما زاد على إحدى وعشرين صلاة وتأول بقية الروايات. واحتج في ذلك بحديث جابر: «أن النبي ﷺ دخل مكة صبح رابعة فصلى بها الغداة وخامسة وسادسة وسابعة أربعة أيام كوامل وزاد صلاة؛ لأنه صلى الغداة يوم التروية بمكة بالأبطح وخرج يوم الخامس إلى منى فصلى الظهر بمنى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها» . ويجوز أن يحمل كلام أحمد على ظاهره، فيكون في قدر الإقامة ثلاث روايات: (إحداها) : ما زاد على إحدى وعشرين، اختارها الخرقي وأبو حفص. (الثانية) : ما زاد على أربعة أيام ولو بصلاة؛ لأنها مدة تزيد على الأربعة فكان بها مقيما. دليله: إذا نوى زيادة على إحدى وعشرين. (الثالثة) : ما نقص عن خمسة أيام ولو بوقت صلاة؛ لأنها مدة تنقص

стр. 4320

عن خمسة أيام، فكان في حكم السفر دليله مدة إحدى وعشرين أو عشرين (١) .

стр. 4321

٨ - وقال ابن حزم ﵀: قال علي: واختلف الناس في هذا فروينا عن ابن عمر: أنه كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوما أتم الصلاة، ورويناه أيضا عن سعيد بن المسيب، وبه يقول: أبو حنيفة وأصحابه. وروينا عن طريق أبي داود ثنا محمد بن العلاء، ثنا حفص بن غياث، ثنا عاصم عن عكرمة عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ أقام بمكة سبع عشرة يقصر الصلاة (١) » قال ابن عباس: من أقام سبع عشرة يقصر الصلاة قال ابن عباس: من أقام سبع عشرة بمكة قصر ومن أقام فزاد أتم. وروي عن الأوزاعي إذا أجمع إقامة ثلاث عشرة ليلة أتم فإن نوى أقل قصر. وعن ابن عمر قول آخر: أنه كان يقول: إذا أجمعت إقامة ثنتي عشرة ليلة، فأتم الصلاة. وعن علي بن أبي طالب: إذا أقمت عشرا فأتم الصلاة، وبه يأخذ سفيان الثوري والحسن بن حيي وحميد الرواسي صاحبه. وعن سعيد بن المسيب قول آخر وهو: إذا أقمت أربعا فصل أربعا، وبه يأخذ مالك والشافعي والليث، إلا أنهم يشترطون أن ينوي إقامة أربع، فإن لم ينوها قصر وإن بقي حولا. وعن سعيد بن المسيب قول آخر وهو: إذا أقمت ثلاثا فأتم. ومن طريق وكيع عن شعبة عن أبي بشر- هو جعفر بن أبي وحشية - عن

стр. 4322

سعيد بن جبير: إذا أراد أن يقيم أكثر من خمس عشرة أتم الصلاة. وعن سعيد بن جبير قول آخر: إذا وضعت رجلك بأرض فأتم الصلاة. وعن معمر عن الأعمش عن أبي وائل قال: كنا مع مسروق بالسلسلة سنتين وهو عامل عليها، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف. وعن وكيع عن شعبة عن أبي التياح الضبعي عن أبي المنهال العنزي قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولا لا أشد على المسير؟ قال: صل ركعتين. وعن وكيع عن العمري عن نافع عن ابن عمر: أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر ارتج عليهم الثلج فكان يصلي ركعتين قال علي: الوالي لا ينوي رحيلا قبل خمس عشرة ليلة بلا شك وكذلك من ارتج عليه الثلج فقد أيقن أنه لا ينحل إلى أول الصيف. وقد أمر ابن عباس من أخبره أنه مقيم سنة لا ينوي سيرا بالقصر. وعن الحسن وقتادة: يقصر المسافر ما لم يرجع إلى منزله إلا أن يدخل مصرا من أمصار المسلمين. قال علي: احتج أصحاب أبي حنيفة بأن قولهم أكثر ما قيل: وأنه مجمع عليه أنه إذا نوى المسافر إقامة ذلك المقدار أتم ولا يخرج عن حكم القصر إلا بإجماع. قال علي: وهذا باطل. وقد أوردنا عن سعيد بن جبير أنه يقصر حين ينوي أكثر من خمسة عشر يوما، وقد اختلف عن ابن عمر نفسه، وخالفه ابن عباس كما أوردنا وغيره فبطل قولهم عن أن يكون له حجة، واحتج لمالك والشافعي مقلدوهما بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ من طريق

стр. 4323

العلاء بن الحضرمي: أنه ﵊ قال: «يمكث المهاجر بعد انقضاء نسكه ثلاثا (١) » قالوا: فكره رسول الله ﷺ للمهاجرين الإقامة بمكة التي كانت أوطانهم فأخرجوا عنها في الله تعالى حتى يلقوا ربهم غرباء عن أوطانهم لوجهه ، ثم أباح لهم المقام بها ثلاثا بعد تمام النسك. قالوا: فكانت الثلاث خارجة عن الإقامة المكروهة لهم، وكان ما زاد عنها داخلا في الإقامة المكروهة ما نعلم لهم حجة غير هذا أصلا. وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس في هذا الخبر نص ولا إشارة إلى المدة التي إذا أقامها المسافر أتم، وإنما هو في حكم المهاجر، فما الذي أوجب أن يقاس المسافر يقيم على المهاجر يقيم، هذا لو كان القياس حقا، وكيف وكله باطل؟ وأيضا فإن المسافر يباح له أن يقيم ثلاثا وأكثر من ثلاث لا كراهية في شيء من ذلك، وأما المهاجر فمكروه له أن يقيم بمكة بعد انقضاء نسكه أكثر من ثلاث فأما نسبة بين إقامة مكروهة وإقامة مباحة لو أنصفوا أنفسهم؟ وأيضا فإن ما زاد على الثلاثة الأيام للمهاجر داخل عندهم في حكم أن يكون مسافرا لا مقيما، وما زاد على الثلاثة للمسافر، فإقامة صحيحة، وهذا مانع من أن يقاس أحدهما على الآخر، ولو قيس أحدهما على الآخر لوجب أن يقصر المسافر فيما زاد على الثلاث لا أن يتم، بخلاف قولهم. وأيضا فإن إقامة قدر صلاة واحدة زائدة على الثلاثة مكروهة، فينبغي عندهم إذا قاسوا عليه المسافر أن يتم ولو نوى زيادة صلاة على الثلاثة الأيام وهكذا قال أبو ثور، فبطل قولهم على كل حال، وعريت الأقوال كلها عن

стр. 4324

حجة، فوجب أن نبين البرهان على صحة قولنا بعون الله تعالى وقوته. قال علي: أما الإقامة في الجهاد والحج والعمرة فإن الله تعالى لم يجعل القصر إلا مع الضرب في الأرض. ولم يجعل رسول الله ﷺ القصر إلا مع السفر لا مع الإقامة، وبالضرورة ندري أن حال السفر غير حال الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون وترك النقلة والتنقل في دار الإقامة. هذا حكم الشريعة والطبيعة معا. فإن ذلك كذلك، فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك، فلا يجوز أن يخرج عن حال الإقامة وحكمها في الصيام والإتمام إلا بنص، وقد صح بإجماع أهل النقل أن «رسول الله ﷺ نزل في حال سفره فأقام باقي نهاره وليلته ثم رحل في اليوم الثاني، وأنه ﵊ قصر في باقي يومه ذلك وفي ليلته التي بين يومي نقلته،» فخرجت هذه الإقامة عن حكم الإقامة في الإتمام والصيام، ولولا ذلك لكان مقيم ساعة له حكم الإقامة. كذلك من ورد على ضيعة له أو ماشية أو عقار فنزل هنالك فهو مقيم، فله حكم الإقامة كما قال ابن عباس، إذ لم نجد نصا في مثل هذه الحال ينقلها عن حكم الإقامة وهو أيضا قول الزهري وأحمد بن حنبل. ولم نجد عنه ﵇ أنه أقام يوما وليلة لم يرحل فيهما فقصر وأفطر إلا في الحج والعمرة والجهاد فقط، فوجب بذلك ما ذكرنا من أن من أقام في خلال سفره يوما وليلة لم يظعن في أحدهما فإنه يتم ويصوم، وكذلك من مشى ليلا وينزل نهارا فإنه يقصر باقي ليلته ويومه الذي بين ليلتي حركته، وهذا قول روي عن ربيعة.

стр. 4325

ونسأل من أبى هذا عمن مشى في سفر تقصر فيه الصلاة عندهم نوى إقامة وهو سائر لا ينزل ولا يثبت اضطر لشدة الخوف إلى أن يصلي فرضه راكبا ناهضا أو ينزل لصلاة فرضه ثم يرجع إلى المشي: أيقصر أو يتم؟ فمن قولهم يقصر، فصح أن السفر هو المشي. ثم نسألهم عمن نوى إقامة وهو نازل غير ماش: أيتم أم يقصر؟ فمن قولهم يتم. فقد صح أن الإقامة هي السكون لا المشي متنقلا، وهذا نفس قولنا، ولله تعالى الحمد. وأما الجهاد والحج فإن عبد الله بن ربيع قال: ثنا محمد بن إسحاق بن السليم، ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله، قال: «أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة (١) » . قال علي: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ثقة، وباقي رواة الخبر أشهر من أن يسأل عنهم. وهذا أكثر ما «روي عنه ﵇ في إقامته بتبوك،» فخرج هذا المقدار من الإقامة عن سائر الأوقات بهذا الخبر، وقال أبو حنيفة ومالك: يقصر مادام مقيما في دار الحرب. قال علي: وهذا خطأ لما ذكرنا من أن الله تعالى لم يجعل ولا رسوله ﵇ الصلاة ركعتين إلا في السفر، وأن الإقامة خلاف السفر، لما ذكرنا. وقال الشافعي وأبو سليمان كقولنا في الجهاد. وروينا عن ابن عباس، مثل قولنا نصا إلا أنه خالف في المدة. وأما الحج والعمرة فلما حدثناه عبد الله بن يوسف، حدثنا أحمد بن فتح،

стр. 4326

حدثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا يحيى بن يحيى، أنا هشيم عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس بن مالك قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع، قال: كم أقام بمكة؟ قال: عشرا (١) » . حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، حدثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفريري، ثنا البخاري، ثنا موسى، ثنا وهب عن أيوب السختياني عن أبي العالية البراء عن ابن عباس قال: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج (٢) » وذكر الحديث. قال علي: فإذا قدم رسول الله ﷺ صبح رابعة من ذي الحجة، فبالضرورة نعلم أنه أقام بمكة ذلك اليوم الرابع من ذي الحجة، والثاني وهو الخامس من ذي الحجة، والثالث وهو السادس من ذي الحجة، والرابع وهو السابع من ذي الحجة، هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من الظهر من اليوم الثامن من الحجة، وأنه خرج ﵇ إلى منى قبل صلاة الظهر من اليوم الثامن من ذي الحجة، هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من الأمة، فتمت له بمكة أربعة أيام وأربع ليال كملا، أقامها ﵇ ناويا للإقامة هذه المدة بها بلا شك، ثم خرج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة، كما ذكرنا. وهذا يبطل قول من قال: إن نوى إقامة أربعة أيام أتم؛ لأنه ﵇ نوى بلا شك إقامة هذه المدة ولم يتم، ثم كان ﵇ بمنى اليوم الثامن من ذي الحجة وبات بها ليلة يوم عرفة، ثم أتى إلى عرفة بلا شك في اليوم التاسع من ذي الحجة، فبقي هنالك إلى أول الليلة

стр. 4327

العاشرة (١) إلى منى فكان بها. ونهض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة. إما في اليوم العاشر وإما في الليلة الحادية عشرة بلا شك في أحد الأمرين ثم رجع إلى منى، فأقام بها ثلاثة أيام ودفع منها في آخر اليوم الرابع بعد رمي الجمار بعد زوال الشمس، وكانت إقامته ﵇ بمنى أربعة أيام غير نصف يوم، ثم أتى إلى مكة فبات الليلة الرابعة عشرة بالأبطح، وطاف بها طواف الوداع، ثم نهض في آخر ليلته تلك إلى المدينة، فكمل له ﵇ بمكة ومنى وعرفة ومزدلفة عشر ليال كملا كما قال أنس فصح قولنا، وكان معه ﵇ متمتعون، وكان هو ﵇ قارنا، فصح ما قلناه في الحج والعمرة، ولله الحمد، فخرجت هذه الإقامة بهذا الأثر في الحج والعمرة حيث أقام عن حكم سائر الإقامات، ولله تعالى الحمد. فإن قيل: أليس قد رويتم من طريق ابن عباس وعمران بن الحصين روايات مختلفة في بعضها، «أقام رسول الله ﷺ بمكة تسع عشرة، (٢) » وفي بعضها «ثمان عشرة (٣) » وفي بعضها «سبع عشرة، (٤) » وفي بعضها «خمس عشرة يقصر الصلاة؟ (٥) » قلنا: نعم، وقد بين ابن عباس إن هذا كان في عام الفتح، وكان ﵇ في جهاد وفي دار حرب؛ لأن جماعة من أهل مكة كصفوان وغيره لهم مدة موادعة لم تنقض بعد، ومالك بن عوف في هوازن قد جمعت له العساكر بحنين على بضعة عشر ميلا، وخالد بن سفيان الهذلي على أقل من ذلك يجمع هذيلا لحربه، والكفار محيطون به محاربون له، فالقصر

стр. 4328

واجب بعد في أكثر من هذه الإقامة، وهو ﵇ يتردد من مكة إلى حنين ثم إلى مكة معتمرا ثم إلى الطائف، وهو ﵇ يوجه السرايا إلى من حول مكة من قبائل العرب، كبني كنانة وغيرهم، فهذا قولنا، وما دخل ﵇ مكة قط من حين خرج عنها مهاجرا إلا في عمرة القضاء أقام بها ثلاثة أيام فقط، ثم حين فتحها كما ذكرنا محاربا، ثم في حجة الوداع أقام بها كما وصفنا ولا مزيد. قال علي: وأما قولنا: إن هذه الإقامة لا تكون إلا بعد الدخول في أول دار الحرب وبعد الإحرام فلأن القاصد إلى الجهاد مادام في دار الإسلام فليس في حال جهاد، ولكنه مريد للجهاد وقاصد إليه، وإنما هو مسافر كسائر المسافرين، إلا أجر نيته فقط، وهو ما لم يحرم فليس يعد في عمل حج ولا عمل عمرة، لكنه مريد لأن يحج أو لأن يعتمر، فهو كسائر من يسافر ولا فرق. قال علي: وكل هذا لا حجة لهم فيه؛ لأن رسول الله صلى الله ﷺ لم يقل إذ أقام بمكة أياما: إني إنما قصرت أربعا؛ لأني في حج ولا لأني في مكة، ولا قال إذ أقام بتبوك عشرين يوما يقصر: إني إنما قصرت؛ لأني في جهاد، فمن قال شيئا من هذا فقد قوله ﵊ ما لم يقل. وهذا لا يحل. فصح يقينا أنه لولا مقام النبي ﵊ في تبوك عشرين يوما يقصر وبمكة دون ذلك يقصر لكان لا يجوز القصر إلا في يوم يكون فيه المرء مسافرا ولكان مقيم يومه يلزمه الإتمام. لكن لما أقام ﵊ عشرين يوما بتبوك يقصر صح بذلك أن عشرين يوما إذا أقامها المسافر، فله فيها حكم السفر. فإن أقام أكثر أو نوى إقامة أكثر فلا برهان

стр. 4329

يخرج ذلك عن حكم الإقامة أصلا. ولا فرق بين من خص الإقامة في الجهاد بعشرين يوما يقصر فيها وبين من خص ذلك بتبوك دون سائر الأماكن، وهذا كله باطل لا يجوز القول به إذ لم يأت به نص قرآن ولا سنة، وبالله التوفيق. ووجب أن يكون الصوم بخلاف ذلك؛ لأنه لم يأت فيه نص أصلا. فمن نوى إقامة يوم في رمضان فإنه يصوم، وبالله التوفيق. قال علي: وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أقام في مكان ينوي خروجا غدا أو اليوم، فإنه يقصر ويفطر ولو أقام كذلك أعواما. قال أبو حنيفة: وكذلك لو نوى خروجا ما بينه وبين خمسة عشر يوما، ونوى إقامة أربعة عشر يوما فإنه يفطر ويقصر. وقال مالك: يقصر ويفطر وإن نوى إقامة ثلاثة أيام فإنه يفطر ويقصر، وإن نوى أخرج اليوم أخرج غدا قصر ولو بقي كذلك أعواما. قال علي: ومن العجب العجيب إسقاط أبي حنيفة النية حيث افترضها الله تعالى من الوضوء للصلاة وغسل الجنابة والحيض وبقائه في رمضان ينوي الفطر إلى قبل زوال الشمس، ويجيز كل ذلك بلا نية، ثم يوجب النية فرضا في الإقامة، حيث لم يوجبها الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولا أوجبها برهان نظري. قال علي: وبرهان صحة قولنا أن الحكم لإقامة المدد التي ذكرنا- كانت هنالك نية لإقامة أو لم تكن- فهو أن النيات إنما تجب فرضا في الأعمال التي أمر الله تعالى بها فلا يجوز أن تؤدى بلا نية، وأما عمل لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله ﷺ فلا معنى للنية فيه، إذ لم يوجبها هنالك قرآن ولا سنة

стр. 4330

ولا نظر ولا إجماع، والإقامة ليست عملا مأمورا به، وكذلك السفر، وإنما هما حالان أوجب الله تعالى فيهما العمل الذي أمر الله تعالى به فيهما، فذلك العمل هو المحتاج إلى النية لا الحال، وهم موافقون لنا أن السفر لا يحتاج إلى نية، ولو أن امرءا خرج لا يريد سفرا فدفعته ضرورات لم يقصد لها حتى صار من منزله على ثلاث ليال، أو سير به مأسورا أو مكرها محمولا مجبرا فإنه يقصر ويفطر، وكذلك يقولون فيمن أقيم به كرها فطالت به مدته فإنه يتم ويصوم. وكذلك يقولون فيمن اضطر للخوف إلى الصلاة راكبا أو ماشيا، فذلك الخوف وتلك الضرورة لا يحتاج فيها إلى نية. وكذلك النوم لا يحتاج إلى نية وله حكم في إسقاط الوضوء وإيجاب تجديده وغير ذلك. وكذلك الإجناب لا يحتاج إلى نية وهو يوجب الغسل. وكذلك الحدث لا يحتاج إلى نية وهو يوجب حكم الوضوء والاستنجاء، فكل عمل لم يؤمر به لكن أمر فيه بأعمال موصوفة فهو لا يحتاج إلى نية، ومن جملة هذه الأعمال هي الإقامة والسفر، فلا يحتاج فيهما إلى نية أصلا، لكن متى وجدا وجب لكل واحد منهما الحكم الذي أمر الله تعالى به فيه ولا مزيد. وبالله تعالى التوفيق وهذا قول الشافعي وأصحابنا. هذا ما تيسر لنا جمعه، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز