← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

(١١) حكم إقامة المسافر التي تقطع حكم السفر هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 4272

حكم إقامة المسافر التي تقطع حكم السفر إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وآله وصحبه وبعد: فبناء على محضر مجلس هيئة كبار العلماء رقم (١٠) المتخذ في الدورة الخامس الاستثنائية المنعقدة بمدينة الرياض في شهر ربيع أول عام ١٤٠١ هـ المتضمن طلب جمع ما تيسر من أقوال العلماء في حكم إقامة المسافر التي تقطع حكم السفر. أعدت اللجنة الدائمة بحثا مختصرا في الموضوع شمل نقولا عن بعض العلماء. وفيما يلي تلك النقول. . . والله المستعان:

стр. 4273

١ - قال البخاري ﵀ في [صحيحه] : (باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر) ١٠٨٠ - حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن عاصم وحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا (١) » (الحديث ١٠٨٠- طرفاه في: ٤٢٩٨، ٤٢٩٩) .

стр. 4274

١٠٨١ - حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسا يقول: «خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا (١) » . (الحديث ١٠٨١ - طرفه في: ٤٢٩٧) وقال ابن حجر ﵀ في شرح ذلك (٢) : (باب ما جاء في التقصير) تقول: قصرت الصلاة بفتحتين مخففا قصرا، وقصرتها بالتشديد تقصيرا، وأقصرتها إقصارا والأول أشهر في الاستعمال، والمراد به تخفيف الرباعية إلى ركعتين، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح ولا في صلاة المغرب، وقال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح. وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة والثوري في كل سفر سواء كان طاعة أو معصية، قوله: (وكم يقيم حتى يقصر) في هذه الترجمة إشكال؛ لأن الإقامة ليست سببا للقصر، ولا القصر غاية للإقامة، قاله الكرماني وأجاب بأن عدد الأيام المذكورة سبب لمعرفة جواز القصر فيها ومنع الزيادة عليها، وأجاب غيره بأن المعنى: وكم إقامته المغياة بالقصر؟ وحاصله كم يقيم مقصرا؟ وقيل: المراد كم يقصر حتى يقيم؟ أي: (حتى) يسمى مقيما فانقلب اللفظ، أو حتى هنا بمعنى حين، أي: كم يقيم حين يقصر؟ وقيل: فاعل يقيم هو المسافر،

стр. 4275

والمراد إقامته في بلد ما غايتها التي إذا حصلت يقصر. قوله: (عن عاصم) هو ابن سليمان، وحصين بالضم هو ابن عبد الرحمن. قوله: (تسعة عشر) أي: يوما بليلته، زاد في [المغازي] من وجه آخر عن عاصم وحده (بمكة) ، وكذا رواه ابن المنذر عن طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة، وأخرجه أبو داود من هذا الوجه بلفظ (سبعة عشر) بتقديم السين، وكذا أخرجه من طريق حفص بن غياث عن عاصم قال: وقال عباد بن منصور عن عكرمة (تسع عشرة) كذا ذكرها معلقة وقد وصلها البيهقي. ولأبي داود أيضا من حديث (عمران بن حصين) «غزوت مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، (١) » وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس «أقام رسول الله صلى الله ﷺ بمكة عام الفتح خمسة عشر يقصر الصلاة، (٢) » وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال: تسع عشرة عد يومي الدخول الخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما، ومن قال: ثماني عشرة عد أحدهما. وأما رواية (خمسة عشر) فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة، وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية خمسة عشر؛ لكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقا. وأخذ

стр. 4276

الشافعي بحديث عمران بن حصين لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها أولا، وحجته حديث أنس الذي يليه. قوله: «فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا (١) » ظاهره أن السفر إذا زاد على تسعة عشر لزم الإتمام، وليس ذلك المراد، وقد صرح أبو يعلى عن شيبان عن أبي عوانة في هذا الحديث بالمراد، ولفظه: «إذا سافرنا فأقمنا في موضع تسعة عشر» ويؤيده صدر الحديث وهو قوله: «أقام (٢) » وللترمذي من وجه آخر عن عاصم «فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعا (٣) » . قوله في حديث أنس: «خرجنا من المدينة في رواية شعبة عن يحيى بن أبي إسحاق عند مسلم إلى الحج (٤) » ، قوله: «فكان يصلي ركعتين ركعتين (٥) » في رواية البيهقي من طريق علي بن عاصم عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس: «إلا في المغرب» ، قوله: «أقمنا بها عشرا (٦) » ، لا يعارض ذلك حديث ابن عباس المذكور؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة وحديث أنس في حجة الوداع، وسيأتي بعد باب من حديث ابن عباس «قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة (٧) » الحديث. ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن؛ فصلى الظهر بمنى، ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلده قصر أربعة أيام، وقال أحمد: إحدى وعشرين صلاة. وأما قول ابن رشيد: أراد

стр. 4277

البخاري أن يبين أن حديث أنس داخل في حديث ابن عباس؛ لأن إقامة عشر داخل في إقامة تسع عشرة- فأشار بذلك إلى أن الأخذ بالزائد متعين- ففيه نظر؛ لأن ذلك إنما يجيء على اتحاد القصتين، والحق أنهما مختلفان، فالمدة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لم ينو الإقامة، بل كان مترددا متى يتهيأ له فراغ حاجته يرحل، والمدة التي في حديث أنس يستدل بها على من نوى الإقامة؛ لأنه ﷺ في أيام الحج كان جازما بالإقامة تلك المدة، ووجه الدلالة من حديث ابن عباس لما كان الأصل في المقيم الإتمام. فلما لم يجئ عنه ﷺ أنه أقام في حال السفر أكثر من تلك المدة جعلها غاية للقصر. وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال كثيرة كما سيأتي، وفيه: أن الإقامة في أثناء السفر تسمى إقامة، وإطلاق اسم البلد على ما جاورها وقرب منها؛ لأن منى وعرفة ليستا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم فليست من مكة قطعا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست مكة إلا إن قلنا: إن اسم مكة يشمل جميع الحرم، قال أحمد بن حنبل: ليس لحديث أنس وجه إلا أنه حسب أيام إقامته ﷺ في حجته منذ دخل مكة إلى أن خرج منها لا وجه له إلا هذا. وقال المحب الطبري: أطلق على ذلك إقامة بمكة؛ لأن هذه المواضع مواضع النسك وهي في حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصود بالأصالة لا يتجه سوى ذلك، كما قال الإمام أحمد. والله أعلم. وزعم الطحاوي: أن الشافعي لم يسبق إلى أن المسافر يصير بنية إقامته أربعة أيام مقيما، وقد قال أحمد نحو ما قال الشافعي، وهي رواية عن مالك.

стр. 4278

٢ - قال النووي ﵀ في شرحه للأحاديث الواردة في [صحيح مسلم] : في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، قولها: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) . اختلف العلماء في القصر في السفر: فقال الشافعي ومالك بن أنس وأكثر العلماء: يجوز القصر والإتمام، والقصر أفضل، ولنا قول: أن الإتمام أفضل، ووجه أنهما سواء، والصحيح المشهور: أن القصر أفضل، وقال أبو حنيفة وكثيرون: القصر واجب ولا يجوز الإتمام، ويحتجون بهذا الحديث وبأن أكثر فعل النبي ﷺ وأصحابه كان القصر واحتج الشافعي وموافقوه بالأحاديث المشهورة في [صحيح مسلم] وغيره: «أن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ ، فمنهم القاصر، ومنهم المتمم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض، (١) » وبأن عثمان كان يتم، وكذلك عائشة وغيرها، وهو ظاهر قول الله : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) وهذا يقتضي رفع الجناح والإباحة. وأما حديث «فرضت الصلاة ركعتين (٣) » فمعناه فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وثبتت دلائل جواز الإتمام فوجب المصير إليها والجمع بين دلائل الشرع قوله: (فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في

стр. 4279

السفر فقال: إنها تأولت كما تأول عثمان) اختلف العلماء في تأويلهما: فالصحيح الذي عليه المحققون: أنهما رأيا القصر جائزا والإتمام جائزا فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام، وقيل: لأن عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم فكأنهما في منازلهما. وأبطله المحققون بأن النبي ﷺ كان أولى بذلك منهما وكذلك أبو بكر وعمر ﵄، وقيل: لأن عثمان تأهل بمكة. وأبطلوه بأن النبي ﷺ سافر بأزواجه وقصر، وقيل: فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه؛ لئلا يظنوا أن فرض الصلاة ركعتان أبدا حضرا وسفرا، وأبطلوه بأن هذا المعنى كان موجودا في زمن النبي ﷺ ، بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان، وقيل: لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج. وأبطلوه بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث، وقيل: كان لعثمان أرض بمنى. أبطلوه بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة، والصواب: الأول، ثم مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور: أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وشرط بعض السلف كونه سفر طاعة، قال الشافعي ومالك وأحمد والأكثرون: ولا يجوز في سفر المعصية وجوزه أبو حنيفة والثوري، ثم قال الشافعي ومالك وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم: لا يجوز القصر إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين، وهي ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل، وروي عن عثمان وابن مسعود وحذيفة، وقال داود وأهل الظاهر: يجوز في السفر

стр. 4280

الطويل والقصير حتى لو كان ثلاثة أميال قصر. قوله: (عن عبد الله بن بابيه) هو بباء موحدة ثم ألف موحدة أخرى مفتوحة ثم مثناة تحت، ويقال فيه: ابن باباه وابن بابي بكسر الباء الثانية. قوله: «عجبت ما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم، فاقبلوا صدقته (١) » هكذا هو في بعض الأصول: «ما عجبت، (٢) » وفي بعضها: «عجبت مما عجبت، (٣) » وهو المشهور المعروف، وفيه: جواز قول: تصدق الله علينا، واللهم تصدق علينا، وقد كرهه بعض السلف وهو غلط ظاهر، وقد أوضحته في أواخر كتاب [الأذكار] ، وفيه: جواز القصر في غير الخوف وفيه: أن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئا يشكل عليه يسأله عنه. والله أعلم) . قوله: في الحضر ركعة، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد جميعا عن القاسم بن مالك قال عمرو: حدثنا قاسم بن مالك المزني حدثنا أيوب بن عائذ الطائي عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال: «إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعا وفي الخوف ركعة (٤) » . حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس: «كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ (٥) » (٦) .

стр. 4281

٣ - قال الترمذي ﵀: باب ما جاء في كم تقصر الصلاة؟ حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا هشيم، أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، أخبرنا أنس بن مالك قال: «خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين، قال: قلت لأنس: كم أقام رسول الله ﷺ بمكة؟ قال: عشرا (١) » . وفي الباب عن ابن عباس وجابر. قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح. وقد روي عن ابن عباس «عن النبي ﷺ أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين، (٢) » قال ابن عباس: «فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة (٣) » . وروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة. وروي عن ابن عمر أنه قال: من أقام خمسة عشر يوما أتم الصلاة. وروي عنه ثنتي عشرة. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقام أربعا صلى أربعا. وروى ذلك عنه قتادة وعطاء الخراساني وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا. واختلف أهل العلم بعد في ذلك: فأما سفيان الثوري وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة، وقالوا: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة. وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة. وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة.

стр. 4282

وأما إسحاق فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس، قال: لأنه روى عن النبي ﷺ ثم تأوله بعد النبي ﷺ إذا أجمع على إقامة تسع عشرة أتم الصلاة. ثم أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون. حدثنا هناد أخبرنا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال: «سافر رسول الله ﷺ سفرا فصلى تسعة عشر يوما ركعتين ركعتين، قال ابن عباس: فنحن نصلي فيما بيننا وبين تسع عشرة ركعتين ركعتين، فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعا (١) » . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال صاحب [تحفة الأحوذي] في شرح ذلك. [باب ما جاء في كم تقصر الصلاة) ؟! يريد بيان المدة التي إذا أراد المسافر الإقامة في موضع إلى تلك المدة يتم الصلاة، وإذا أراد الإقامة إلى أقل منها يقصر. وقد عقد البخاري في صحيحه بابا بلفظ: (باب في كم تقصر الصلاة) . لكنه أراد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها جاز له القصر ولا يجوز له في أقل منها. قوله: «خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة) أي: متوجهين إلى مكة لحجة الوداع (فصلى ركعتين (٢) » أي: في الرباعية، وفي رواية الصحيحين على ما في المشكاة «فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة (٣) » (قال: عشرا) أي: أقام بمكة عشرا، قال القاري في [المرقاة] : الحديث بظاهره ينافي مذهب الشافعي من أنه إذا أقام أربعة أيام يجب

стр. 4283

الإتمام. انتهى. قال صاحب [تحفة الأحوذي] ﵀ في شرحه لذلك: قلت: قد نقل القاري عن ابن حجر الهيثمي ما لفظه: لم يقم العشر التي أقامها لحجة الوداع بموضع واحد؛ لأنه دخلها يوم الأحد وخرج منها صبيحة الخميس، فأقام بمنى، والجمعة بنمرة وعرفات، ثم عاد السبت بمنى لقضاء نسكه، ثم بمكة لطواف الإفاضة، ثم بمنى يومه فأقام بها بقيته، والأحد والاثنين والثلاثاء إلى الزوال، ثم نفر فنزل بالمحصب وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل قبل صلاة الصبح. فلتفرق إقامته قصر في الكل، وبهذا أخذنا أن للمسافر إذا دخل محلا أن يقصر فيه ما لم يصر مقيما أو ينو إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج أو يقيمهما، واستدلوا لذلك بخبر [الصحيحين] ، «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا، (١) » وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار كما روياه أيضا. فالإذن في الثلاثة يدل على بقاء حكم السفر فيها بخلاف الأربعة. انتهى. وقال الحافظ في [فتح الباري] : «قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة (٢) » كما في حديث ابن عباس، ولاشك أنه خرج صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس ﵁، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى، ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، وقال أحمد: إحدى وعشرين صلاة. انتهى كلام الحافظ. قوله: (وفي الباب عن ابن عباس وجابر) أما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه، وأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما

стр. 4284

حديث جابر فأخرجه أبو داود. قوله: (حديث أنس حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. قوله: (وقد روي عن ابن عباس «عن النبي ﷺ أنه أقام في بعض أسفاره (١) » أي: في فتح مكة، وأما حديث أنس المتقدم فكان في حجة الوداع، قاله الحافظ ابن حجر، وحديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري في [صحيحه] (تسع عشرة يصلي ركعتين) ، وفي لفظ للبخاري تسعة عشر يوما، وفي رواية لأبي داود عن ابن عباس سبع عشرة، وفي أخرى له عنه خمس عشرة، وفي حديث عمران بن حصين «شهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: يا أهل البلد، صلوا أربعا، فإنا قوم سفر (٢) » رواه أبو داود. (قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة) ، هذا هو مذهب ابن عباس ﵄، ومنه أخذ إسحاق بن راهويه ورآه أقوى المذاهب. (وروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة) أخرجه عبد الرزاق بلفظ: إذا أقمت بأرض عشرا فأتمم. فإن قلت: أخرج اليوم أو غدا فصل ركعتين، وإن أقمت شهرا (وروي عن ابن عمر أنه قال: من أقام خمسة عشر يوما أتم الصلاة) أخرجه محمد بن الحسن في كتاب الآثار، أخبرنا أبو حنيفة حدثنا موسى بن مسلم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: إذا كنت مسافرا فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يوما فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري فاقصر الصلاة، وأخرج الطحاوي عن ابن عباس وابن عمر قالا: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم

стр. 4285

خمسة عشر يوما أتم الصلاة، وروي عنه ثنتي عشرة، أخرجه عبد الرزاق. كذا في [شرح الترمذي] لسراج أحمد السرهندي. (وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا) روى محمد بن الحسن في الحجج عن سعيد بن المسيب قال: إذا قدمت بلدة فأقمت خمسة عشر يوما فأتم الصلاة، (واختلف أهل العلم بعد) بالبناء على الضم، أي: بعد ذلك (في ذلك) أي: فيما ذكر من مدة الإقامة (فأما سفيان الثوري وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة، وقالوا: إذا أجمع) أي: نوى (على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة) وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بما رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: «أقام رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح (١) » خمس عشرة يقصر الصلاة، قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأخرجه النسائي بنحوه وفي إسناده محمد بن إسحاق واختلف على ابن إسحاق فيه فروى عنه مسندا ومرسلا وروى عنه عن الزهري من قوله انتهى، وقد ضعف النووي هذه الرواية، لكن تعقبه الحافظ في [فتح الباري] حيث قال: وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي في [الخلاصة] وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك فهي صحيحة.. انتهى كلام الحافظ. واستدلوا أيضا بأثر ابن عمر المذكور، وقد روي عنه توقيت ثنتي عشرة كما حكاه الترمذي (وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة) . قال الشوكاني في [النيل] : لا يعرف له مستند فرعي، وإنما ذلك اجتهاد

стр. 4286

من نفسه. انتهى. قلت: لعله استند بما روي عن ابن عمر توقيت ثنتي عشرة. (وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة) قال في [السبل] صفحة ١٥٦: وهو مروي عن عثمان والمراد غير يوم الدخول والخروج، واستدلوا «بمنعه ﷺ المهاجرين بعد مضي النسك أن يزيدوا على ثلاثة أيام في مكة،» فدل على أنه بالأربعة الأيام يصير مقيما. انتهى. قلت: ورد هذا الاستدلال بأن الثلاث قدر قضاء الحوائج لا لكونها غير إقامة، واستدلوا أيضا بما روى مالك عن نافع عن أسلم عن عمر: أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثة أيام، قال الحافظ في [التلخيص] : صححه أبو زرعة. (أما إسحاق) يعني: ابن راهويه (فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس) عن النبي ﷺ أنه «أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين (١) » (قال) أي: إسحاق: (لأنه) أي: ابن عباس (روى عن النبي ﷺ ثم تأوله بعد النبي ﷺ أي: أخذ به وعمل عليه بعد وفاته ﷺ (ثم أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامته وإن أتى عليه سنون) ، جمع سنة أخرج البيهقي عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة، قال النووي: إسناده صحيح وفيه عكرمة بن عمار. واختلفوا في الاحتجاج به، واحتج به مسلم في [صحيحه] . انتهى، وأخرج عبد الرزاق في [مصنفه] : أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة. انتهى. وأخرج البيهقي في المعرفة عن عبيد الله بن عمر عن نافع: أن ابن عمر

стр. 4287

قال: ارتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة وكنا نصلي ركعتين. انتهى. قال النووي: وهذا سند على شرط [الصحيحين] ، كذا في أنصب الراية،، وذكر الزيلعي فيه آثارا أخرى. قول: «سافر رسول الله ﷺ سفرا، أي: في فتح مكة كما تقدم (فصلى) ، أي: فأقام فصلى (تسعة عشر يوما ركعتين ركعتين (١) » ، وفي رواية للبخاري: «أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، (٢) » قال الحافظ في [الفتح] : أي: يوما بليلة، زاد في المغازي بمكة، وأخرجه أبو داود بلفظ: سبعة عشر. بتقديم السين، وله أيضا من حديث عمران بن حصين: «غزوت مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، (٣) » وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس «أقام رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، (٤) » وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال تسع عشرة عد يومي الدخول والخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما، ومن قال ثماني عشرة عد أحدهما. وأما رواية «خمسة عشر (٥) » فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة. انتهى كلام الحافظ، وقال في [التلخيص] بعد ذكر الروايات المذكورة: ورواية عبد بن حميد عن ابن

стр. 4288

عباس بلفظ: أن «النبي ﷺ لما افتتح مكة أقام عشرين يوما يقصر الصلاة» ما لفظه: قال البيهقي: أصح الروايات في ذلك رواية البخاري، وهي رواية «تسع عشرة، (١) » وجمع إمام الحرمين والبيهقي بين الروايات السابقة باحتمال أن يكون في بعضها لم يعد يومي الدخول والخروج، وهي رواية سبعة عشر وعدها في بعضها، وهي رواية تسع عشرة وعد يوم الدخول، ولم يعد الخروج، وهي رواية ثمانية عشر. قال الحافظ: وهو جمع متين، وتبقى رواية خمسة عشر شاذة لمخالفتها، ورواية عشرين وهي صحيحة الإسناد، إلا أنها شاذة أيضا، اللهم إلا أن يحمل على جبر الكسر، ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من حيث الإسناد. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) ، وأخرجه البخاري وابن ماجه وأحمد (٢)

стр. 4289

٤ - قال الكاساني ﵀: (وأما بيان ما يصير المسافر به مقيما، فالمسافر يصير مقيما بوجود الإقامة، والإقامة تثبت بأربعة أشياء. أحدها: صريح نية الإقامة وهو أن ينوي الإقامة خمسة عشر يوما في مكان واحد صالح للإقامة فلا بد من أربعة أشياء: نية الإقامة ونية مدة الإقامة واتحاد المكان وصلاحيته للإقامة (أما) نية الإقامة فأمر لا بد منه عندنا، حتى لو دخل مصرا أو مكث فيه شهرا أو أكثر لانتظار القافلة أو لحاجة أخرى يقول: أخرج اليوم أو غدا ولم ينو الإقامة- لا يصير مقيما، وللشافعي فيه قولان: في قول: إذا أقام أكثر مما أقام رسول

стр. 4290

الله ﷺ بتبوك كان مقيما، وإن لم ينو الإقامة، ورسول الله ﷺ أقام بتبوك تسعة عشر يوما أو عشرين يوما، وفي قول: إذا أقام أربعة أيام كان مقيما، ولا يباح له القصر (احتج) لقوله الأول: إن الإقامة متى وجدت حقيقة ينبغي أن تكمل الصلاة قلت الإقامة أو كثرت؛ لأنها ضد السفر والشيء يبطل بما يضاده إلا أن النبي ﷺ أقام بتبوك تسعة عشر يوما وقصر الصلاة، فتركنا هذا القدر بالنص، فنأخذ بالقياس فيما وراءه، ووجه قوله الآخر على النحو الذي ذكرنا: أن القياس أن يبطل السفر بقليل الإقامة؛ لأن الإقامة قرار والسفر انتقال والشيء ينعدم بما يضاده فينعدم حكمه ضرورة، إلا أن قليل الإقامة لا يمكن اعتباره؛ لأن المسافر لا يخلو عن ذلك عادة، فسقط اعتبار القليل لمكان الضرورة ولا ضرورة في الكثير والأربعة في حد الكثرة؛ لأن أدنى درجات الكثير أن يكون جمعا، والثلاثة وإن كانت جمعا لكنها أقل الجمع، فكانت في حد القلة من وجه فلم تثبت الكثرة المطلقة، فإذا صارت أربعة صارت في حد الكثرة على الإطلاق؛ لزوال معنى القلة من جميع الوجوه. (ولنا) : إجماع الصحابة ﵃، فإنه روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه أقام بقرية من قرى نيسابور شهرين وكان يقصر الصلاة، وعن ابن عمر ﵄ أنه أقام بأذربيجان شهرا وكان يصلي ركعتين، وعن علقمة: أنه أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر، وروي عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: شهدت مع رسول الله ﷺ عام فتح مكة، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلي إلا الركعتين، ثم قال لأهل مكة: «صلوا أربعا فإنا قوم سفر (١) » والقياس بمقابلة النص والإجماع باطل،

стр. 4291

وأما مدة الإقامة فأقلها خمسة عشر يوما عندنا، وقال مالك والشافعي: أقلها أربعة أيام، وحجتهما ما ذكرنا، وروي أن النبي ﷺ «رخص للمهاجرين المقام بمكة بعد قضاء النسك ثلاثة أيام (١) » فهذه إشارة إلى أن الزيادة على الثلاث توجب حكم الإقامة. (ولنا) : ما روي عن ابن عباس وابن عمر ﵃ أنهما قالا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يوما- فأكمل الصلاة وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر. وهذا باب لا يوصل إليه بالاجتهاد؛ لأنه من جملة المقادير ولا يظن بهما التكلم جزافا، فالظاهر أنهما قالاه سماعا من رسول الله ﷺ . وروى عبد الله بن عباس وجابر وأنس ﵃ «أن رسول الله ﷺ مع أصحابه دخلوا مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة ومكثوا ذلك اليوم واليوم الخامس واليوم السادس واليوم السابع، فلما كان صبيحة اليوم الثامن وهو يوم التروية خرجوا إلى منى وكان رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه ركعتين وقد وطنوا أنفسهم على إقامة أربعة أيام» دل أن التقدير بالأربعة غير صحيح، وما روي من الحديث فليس فيه ما يشير إلى تقدير أدنى مدة الإقامة بالأربعة؛ لأنه يحتمل أنه علم أن حاجتهم ترتفع في تلك المدة فرخص بالمقام ثلاثا لهذا التقدير الإقامة (وأما) اتحاد المكان، فالشرط نية مدة الإقامة في مكان واحد؛ لأن الإقامة قرار والانتقال يضاده ولا بد من الانتقال في مكانين. وإذا عرف هذا فنقول: إذا نوى المسافر الإقامة خمسة عشر يوما في موضعين؛ فإن كانا مصرا واحدا أو قرية واحدة صار مقيما؛ لأنهما متحدان

стр. 4292

حكما ألا يرى أنه لو خرج إليه مسافرا لم يقصر فقد وجد الشرط وهو نية كمال مدة الإقامة في مكان واحد فصار مقيما، وإن كانا مصرين نحو مكة ومنى أو الكوفة والحيرة أو قريتين أو أحدهما مصر والآخر قرية- لا يصير مقيما؛ لأنهما مكانان متباينان حقيقة وحكما، ألا ترى أنه لو خرج إليه المسافر يقصر فلم يوجد الشرط وهو نية الإقامة في موضع واحد خمسة عشر يوما فلغت نيته، فإن نوى المسافر أن يقيم بالليالي في أحد الموضعين ويخرج بالنهار إلى الموضع الآخر؛ فإن دخل أولا الموضع الذي نوى المقام فيه بالنهار لا يصير مقيما، وإن دخل الموضع الذي نوى الإقامة فيه بالليالي يصير مقيما، ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرا؛ لأن موضع إقامة الرجل حيث يبيت فيه ألا ترى أنه إذا قيل للسوقي: أين تسكن يقول: في محلة كذا، وهو بالنهار يكون بالسوق. وذكر في كتاب المناسك: أن الحاج إذا دخل مكة في أيام العشر ونوى الإقامة خمسة عشر يوما أو دخل قبل أيام العشر لكن بقي إلى يوم التروية أقل من خمسة عشر يوما ونوى الإقامة، لا يصح؛ لأنه لا بد له من الخروج إلى عرفات فلا تتحقق نية إقامته خمسة عشر يوما فلا يصح، وقيل: كان سبب تفقه عيسى بن أبان هذه المسألة، وذلك أنه كان مشغولا يطلب الحديث قال: فدخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي وعزمت على الإقامة شهرا فجعلت أتم الصلاة فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: أخطأت فإنك تخرج إلى منى وعرفات، فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج وعزمت على أن أصاحبه وجعلت أقصر الصلاة، فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت فإنك مقيم بمكة فما لم تخرج منها لا

стр. 4293

تصير مسافرا فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين فدخلت مجلس محمد واشتغلت بالفقه وإنما أوردنا هذه الحكاية ليعلم مبلغ علم الفقه فيصير مبعثة للطلبة على طلبه. (وأما) المكان الصالح للإقامة فهو موضع اللبث والقرار في العادة نحو الأمصار والقرى، وأما المفازة والجزيرة أو السفينة فليست موضع الإقامة، حتى لو نوى الإقامة في هذه المواضع خمسة عشر يوما لا يصير مقيما. كذا روي عن أبي حنيفة وروي عن أبي يوسف في الأعراب والأكراد والتركمان إذا نزلوا بخيامهم في موضع ونووا الإقامة خمسة عشر يوما صاروا مقيمين. فعلى هذا إذا نوى المسافر الإقامة فيه خمسة عشر يوما يصير مقيما كما في القرية، وروي عنه أيضا أنهم لم يصيروا مقيمين. فعلى هذا إذا نوى المسافر الإقامة فيه لا يصح، ذكر الروايتين عن أبي يوسف في العيون فصار الحاصل أن عند أبي حنيفة لا يصير مقيما في المفازة وإن كان ثمة قوم وطنوا ذلك المكان بالخيام والفساطيط، وعن أبي يوسف روايتان وعلى هذا الإمام إذا دخل دار الحرب مع الجند ومعهم أخبية وفساطيط فنووا الإقامة خمسة عشر يوما في المفازة، والصحيح قول أبي حنيفة؛ لأن موضع الإقامة موضع القرار، والمفازة ليست موضع القرار في الأصل فكانت النية لغوا، ولو حاصر المسلمون مدينة من مدائن أهل الحرب ووطنوا أنفسهم على إقامة خمسة عشر يوما لم تصح نية الإقامة ويقصرون، وكذا إذا نزلوا المدينة وحاصروا أهلها في الحصن، وقال أبو يوسف: إن كانوا في الأخبية والفساطيط خارج البلدة، فكذلك وإن كانوا في الأبنية صحت نيتهم. وقال زفر في الفصلين جميعا: إن كانت الشوكة والغلبة للمسلمين

стр. 4294

صحت نيتهم وإن كانت للعدو لم تصح. وجه قول زفر: أن الشوكة إذا كانت للمسلمين يقع الأمن لهم من إزعاج العدو إياهم، فيمكنهم القرار ظاهرا فنية الإقامة صادفت محلها فصحت، وأبو يوسف يقول: الأبنية موضع الإقامة فتصح نية الإقامة فيها بخلاف الصحراء. (ولنا) : ما روي عن ابن عباس ﵁، أن رجلا سأله وقال: إنا نطيل الثواء في أرض الحرب فقال: صل ركعتين حتى ترجع إلى أهلك، ولأن نية الإقامة نية القرار، وإنما تصح في محل صالح للقرار ودار الحرب ليست موضع قرار المسلمين المحاربين؛ لجواز أن يزعجهم العدو ساعة فساعة لقوة تظهر لهم؛ لأن القتال سجال أو تنفذ لهم في المسلمين حيلة؛ لأن الحرب خدعة فلم تصادف النية محلها فلغت، ولأن غرضهم من المكث هنالك فتح الحصن دون التوطن وتوهم انفتاح الحصن في كل ساعة قائم فلا تتحقق نيتهم إقامة خمسة عشر يوما، فقد خرج الجواب عما قالا، وعلى هذا الخلاف إذا حارب أهل العدل البغاة في دار الإسلام في غير مصر أو حاصروهم ونووا الإقامة خمسة عشر يوما، واختلف المتأخرون في الأعراب والأكراد والتركمان الذين يسكنون في بيوت الشعر والصوف: قال بعضهم: لا يكونون مقيمين أبدا وإن نووا الإقامة مدة الإقامة؛ لأن المفازة ليست موضع الإقامة، والأصح أنهم مقيمون؛ لأن عادتهم الإقامة في المفاوز دون الأمصار والقرى فكانت المفاوز لهم كالأمصار والقرى لأهلها، ولأن الإقامة للرجل أصل والسفر عارض وهم لا ينوون السفر، بل ينتقلون من ماء إلى ماء ومن مرعى إلى مرعى حتى لو ارتحلوا عن أماكنهم وقصدوا موضعا آخر بينهما مدة سفر صاروا مسافرين

стр. 4295

في الطريق (١) .

стр. 4296

٥ - قال ابن القاسم ﵀: قلت لمالك: الرجل المسافر يمر بقرية من قراه في سفره وهو لا يريد أن يقيم بقريته تلك إلا يومه وليلته وفيها عبيده وبقره وجواريه وليس له بها أهل ولا ولد (قال) : يقصر الصلاة إلا أن يكون نوى أن يقيم فيها أربعة أيام أو يكون فيها أهله وولده، فإن كان فيها أهله وولده أتم الصلاة وإن أقام أربعة أيام أتم الصلاة. (قلت) : أرأيت إن كانت هذه القرية التي فيها أهله وولده مر بها في سفره وقد هلك أهله وبقي فيها ولده أيتم الصلاة أم يقصر؟ (قال) : يقصر، قال: إنما محمل هذا عند مالك إذا كانت له مسكنا أتم الصلاة وإن لم تكن له مسكنا لم يتم الصلاة. (قال) : وقال مالك: صلاة الأسير في دار الحرب أربع ركعات إلا أن يسافر به فيصلي ركعتين (قال) : وقال مالك: لو أن عسكرا دخل دار الحرب فأقام في موضع واحد شهرا أو شهرين أو أكثر من ذلك فإنهم يقصرون الصلاة. قال: ليس دار الحرب كغيرها (قال) : وإذا كانوا في غير دار الحرب فنووا إقامة أربعة أيام أتموا الصلاة. (قلت) له: وإن كانوا في غير قرية ولا مصر كان مالك يأمرهم أن يتموا؛ قال: نعم، (قلت) : أرأيت إن أقاموا على حصن حاصروه في أرض العدو شهرين أو ثلاثة أيقصرون الصلاة؟ (قال) : قال مالك: نعم، يقصرون الصلاة (قال) وكيع بن الجراح: عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إنا نطيل المقام بخراسان في الغزو قال: صل ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، من حديث وكيع عن المثنى بن

стр. 4297

سعيد الضبعي عن أبي جمرة (قال) مالك: إن عائشة قالت: «فرضت الصلاة ركعتين فأتمت صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى (١) » . (قال) ابن وهب: عن يحيى بن أيوب عن حميد الطويل عن رجل عن عبد الله بن عمر «أن رسول الله ﷺ أقام سبع عشرة ليلة يصلي ركعتين وهو محاصر للطائف» قال: (وكان عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب يقولان: إذا أجمع المسافر على مقام أربعة أيام أتم الصلاة) . (وقال) ابن شهاب ويحيى بن سعيد في الأسير في أرض العدو: إنه يتم الصلاة ما كان محبوسا (٢) انتهى. قال ابن رشد: وأما اختلافهم في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر فاختلاف كثير حكى فيه أبو عمر نحوا من أحد عشر قولا، إلا أن الأشهر منها هو ما عليه فقهاء الأمصار، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: مذهب مالك والشافعي: أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم. والثاني: مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري: أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يوما أتم. والثالث: مذهب أحمد وداود: أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتم. وسبب الخلاف: أنه أمر مسكوت عنه في الشرع والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع؛ ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه ﵊ أنه أقام فيها مقصرا، أو أنه جعل

стр. 4298

لها حكم المسافر. فالفريق الأول: احتجوا لمذهبهم بما روي «أنه ﵊ أقام بمكة ثلاثا يقصر في عمرته» وهذا ليس فيه حجة على أنه النهاية للتقصير، وإنما فيه حجة على أن يقصر في الثلاثة فما دونها. والفريق الثاني: احتجوا لمذهبهم بما «روي أنه أقام بمكة عام الفتح مقصرا، وذلك نحو من خمسة عشر يوما (١) » في بعض الروايات، وقد روي «سبعة عشر يوما» «وثمانية عشر يوما» «وتسعة عشر يوما، (٢) » رواه البخاري عن ابن عباس، وبكل قال فريق. والفريق الثالث: احتجوا بمقامه في حجه بمكة مقصرا أربعة أيام، وقد احتجت المالكية لمذهبها: «أن رسول الله ﷺ جعل للمهاجر ثلاثة أيام بمكة مقاما بعد قضاء نسكه (٣) » فدل هذا عندهم على أن إقامته ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر، وهي النكتة التي ذهب الجميع إليها، وراموا استنباطها من فعله ﵊: أعني: متى يرتفع عنه بقصد الإقامة اسم السفر، ولذلك اتفقوا على أنه إن كانت الإقامة مدة لا يرتفع فيها عنه اسم السفر بحسب رأي واحد منهم في تلك المدة وعاقه عائق عن السفر أنه يقصر أبدا وإن أقام ما شاء الله. ومن راعى الزمان الأقل من مقامه تأول مقامه في الزمان الأكثر مما ادعاه خصمه على هذه الجهة، فقالت المالكية مثلا: إن الخمسة عشر يوما التي أقامها ﵊ عام الفتح إنما أقامها وهو أبدا ينوي ألا يقيم أربعة أيام، وهذا بعينه يلزمهم في الزمان الذي حدوه. والأشبه في المجتهد في هذا أن يسلك أحد أمرين: إما أن يجعل الحكم لأكثر الزمان الذي روي

стр. 4299

عنه ﵊ أنه أقام فيه مقصرا، ويجعل ذلك حدا من جهة أن الأصل هو الإتمام فوجب ألا يزاد على هذا الزمان إلا بدليل، أو يقول: إن الأصل في هذا هو أقل الزمان الذي وقع عليه الإجماع، وما ورد من «أنه ﵊ أقام مقصرا» أكثر من ذلك الزمان. فيحتمل أن يكون إقامة؛ لأنه جائز للمسافر، ويحتمل أن يكون إقامة بنية الزمان الذي تجوز إقامته فيه مقصرا باتفاق فعرض له أن أقام أكثر من ذلك، وإذا كان الاحتمال وجب التمسك بالأصل وأقل ما قيل في ذلك يوم وليلة، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وروي عن الحسن البصري أن المسافر يقصر أبدا إلا أن يقدم مصرا من الأمصار، وهذا بناء على أن اسم المسافر واقع عليه حتى يقدم مصرا من الأمصار، فهذه أمهات المسائل التي تتعلق بالقصر (١) . ٦ - قال النووي ﵀: قال المصنف ﵀: إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج، صار مقيما وانقطعت رخص السفر؛ لأنه بالثلاث لا يصير مقيما؛ لأن المهاجرين ﵃ حرم عليهم الإقامة بمكة، ثم رخص لهم النبي ﷺ أن يقيموا ثلاثة أيام، فقال ﷺ : «يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا (٢) » وأجلى عمر ﵁ اليهود، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا، وأما اليوم الذي يدخل فيه ويخرج فلا يحتسب؛ لأنه مسافر فيه إقامته في بعضه لا تمنع من كونه مسافرا؛ لأنه ما من مسافر إلا ويقيم بعض اليوم، ولأن مشقة السفر لا تزول إلا بإقامة يوم.

стр. 4300

وإن نوى إقامة أربعة أيام على حرب ففيه قولان: (أحدهما) : يقصر؛ لما روى أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة. (والثاني) : لا يقصر؛ لأنه نوى إقامة أربعة أيام لا سفر فيها فلم يقصر كما لو نوى الإقامة في غير حرب، وأما إذا أقام في بلد على حاجة إذا انتجزت رحل، ولم ينو مدة ففيه قولان: (أحدهما) : يقصر سبعة عشر يوما؛ لأن الأصل التمام إلا فيما وردت فيه الرخصة. وقد روى ابن عباس قال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ فأقام سبعة عشر يوما يقصر الصلاة» ، وبقي فيما زاد على حكم الأصل. و (الثاني) : يقصر أبدا؛ لأنه إقامة على حاجة يرحل بعدها فلم يمنع القصر كالإقامة في سبعة عشر، وخرج أبو إسحاق قولا ثالثا: إنه يقصر إلى أربعة أيام الإقامة أبلغ في نية الإقامة؛ لأن الإقامة لا يلحقها الفسخ، والنية يلحقها الفسخ، ثم ثبت أنه لو نوى الإقامة أربعة أيام لم يقصر، فلأن يقصر إذا أقام أولى، (الشرح) حديث "" رواه البخاري ومسلم، وحديث: «يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا (١) » رواه البخاري ومسلم أيضا من رواية العلاء بن الحضرمي ﵁. وحديث عمر ﵁ أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا، صحيح رواه مالك في [الموطأ] بإسناده الصحيح، فرواه عن نافع عن أسلم مولى عمر، وحديث «إقامة الصحابة برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة» رواه البيهقي بإسناد صحيح، إلا أن فيه عكرمة بن عمار، وهو مختلف في الاحتجاج به، وقد روى له مسلم في [صحيحه] .

стр. 4301

وأما حديث ابن عباس فرواه البخاري في [صحيحه] ، لكن في رواية البخاري تسعة عشر بنقصان واحد من عشرين، ووقع في بعض روايات أبي داود والبيهقي سبعة عشر بنقصان ثلاثة من عشرين، وكذا وقع في [المهذب] . أما ألفاظ الفصل فقوله: أجلى عمر اليهود: معناه أخرجهم من ديارهم، قال أهل اللغة: يقال: جلا القوم خرجوا من منازلهم، وأجليتهم وجلوتهم أخرجتهم. ورامهرمز - بفتح الميم الأولى وضم الهاء وإسكان الراء وآخره زاي- وهي بلاد معروفة، وقوله: تسعة أشهر هو بالتاء. في أول تسعة، وقوله: الإقامة لا يلحقها الفسخ هو بالفاء، أي: لا ترفع بعد وجودها، والنية يمكن قطعها وإبطالها. أما الأحاديث الواردة بالإقامة المقيدة ففي حديث ابن عباس تسعة عشر يوما كما ذكرنا عن رواية البخاري. وفي رواية لأبي داود والبيهقي بإسناد صحيح على شرط البخاري سبعة عشر وفي رواية أخرى لأبي داود والبيهقي عن ابن عباس خمسة عشر، ولكنها ضعيفة مرسلة، وكان حديث ابن عباس هذا في إقامة النبي ﷺ بمكة لحرب هوازن في عام الفتح، وروى أبو داود والبيهقي عن عمران بن حصين: «أن النبي ﷺ أقام بمكة ثمان عشرة ليلة يقصر الصلاة،» إلا أن في إسناده من لا يحتج به. قال البيهقي: أصح الروايات في حديث ابن عباس تسعة عشر، وهي التي ذكرها البخاري، قال: ويمكن الجمع بين رواية ثمان عشرة وتسع عشرة وسبع عشرة، فإن من روى تسع عشرة عد يومي الدخول والخروج ومن روى سبع عشرة لم يعدهما، ومن روى ثمان عشرة عد أحدهما. وروى أبو داود والبيهقي عن جابر «أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوما

стр. 4302

يقصر الصلاة، (١) » لكن روي مسندا ومرسلا، قال بعضهم: ورواية المرسل أصح (قلت) : ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد وهو إمام يجمع على جلالته وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح؛ لأن الصحيح أنه إذا تعارض في الحديث إرسال وإسناد حكم بالمسند. أما حكم الفصل: فقال الشافعي والأصحاب: إذا نوى في أثناء طريقه الإقامة مطلقا انقطع سفره فلا يجوز الترخص بشيء بالاتفاق، فلو جدد السير بعد ذلك فهو سفر جديد، فلا يجوز القصر إلا أن يقصد مرحلتين هذا إذا نوى الإقامة في موضع يصلح لها من بلد أو قرية أو واد يمكن البدوي الإقامة به ونحو ذلك، فأما المفازة ونحوها ففي انقطاع السفر والرخص بنية الإقامة فيها قولان مشهوران: أصحهما عند الجمهور: انقطاعه؛ لأنه ليس بمسافر، فلا يترخص حتى يفارقها. والثاني: لا ينقطع، وله الترخص؛ لأنه لا يصلح للإقامة، فنيته لغو، هذا كله إذا نوى الإقامة وهو ماكث، أما إذا نواها وهو سائر فلا يصير مقيما بلا خلاف، صرح به البندنيجي وغيره؛ لأن سبب القصر السفر، وهو موجود حقيقة، أما إذا نوى الإقامة في بلد ثلاثة أيام فأقل فلا ينقطع الترخص بلا خلاف وإن نوى إقامة أكثر من ثلاثة أيام. قال الشافعي والأصحاب: إن نوى إقامة أربعة أيام صار مقيما وانقطعت الرخص، وهذا يقتضي أن نية دون أربعة لا تقطع السفر وإن زاد على ثلاثة، وقد صرح به كثيرون من أصحابنا.

стр. 4303

وفي كيفية احتساب الأربعة وجهان حكاهما البغوي وآخرون: (إحداهما: يحسب منها يوما الدخول والخروج، كما يحسب يوم الحدث، ويوم نزع الخف من مدة المسح. (وأصحهما) وبه قطع المصنف والجمهور: لا يحسبان لما ذكره المصنف. فعلى الأول لو دخل يوم السبت وقت الزوال بنية الخروج يوم الأربعاء وقت الزوال صار مقيما، وعلى الثاني: لا يصير، وإن دخل ضحوة السبت بنية الخروج عشية الأربعاء. وأما قول إمام الحرمين والغزالي: متى نوى إقامة زيادة على ثلاثة أيام صار مقيما- فموافق لما قاله الأصحاب؛ لأنه لا يمكن زيادة على الثلاثة غير يومي الدخول والخروج بحيث لا يبلغ الأربعة. ثم الأيام المحتملة معدودة بلياليها ومتى نوى أربعة صار مقيما في الحال ولو دخل في الليل لم يحسب بقية الليل، ويحسب الغد، هذا كله في غير المحارب. أما المحارب، وهو: المقيم على القتال بحق ففيه قولان مشهوران: (أحدهما) : يقصر أبدا؛ لما ذكره المصنف وهو اختيار المزني، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وعلى هذا يقصر أبدا، وإن نوى إقامة أكثر من أربعة أيام. (وأصحهما) عند الأصحاب: أنه كغيره فلا يقصر إذا نوى إقامة أربعة أيام، وممن صححه القاضي أبو الطيب والماوردي والرافعي وآخرون. قال الشيخ أبو حامد والمحاملي: وهو اختيار الشافعي، وأجابوا عن حديث أنس بأنهم لم يقيموا تسعة أشهر في مكان واحد، بل كانوا يتنقلون

стр. 4304

في تلك الناحية، أما إذا أقام في بلد أو قرية لشغل فله حالان: (أحدهما) : أن يتوقع انقضاء شغله قبل أربعة أيام، ونوى الارتحال عند فراغه فله القصر إلى أربعة أيام بلا خلاف، وفيما زاد عليها طريقان: (الصحيح) منهما، وقول الجمهور: أنه على ثلاثة أقوال: (أحدها) : يجوز القصر أبدا سواء فيه المقيم لقتال أو لخوف من القتال أو لتجارة وغيرها. (والثاني) : لا يجوز القصر أصلا. (والثالث) : وهو الأصح عند الأصحاب: يجوز القصر ثمانية عشر يوما فقط، وقيل: على هذا يجوز سبعة عشر، وقيل: تسعة عشر، وقيل: عشرين، وسمى إمام الحرمين هذه أقوالا. والطريق الثاني: أن هذه الأقوال في المحارب، وأما غيره فلا يجوز له القصر بعد أربعة أيام قولا واحدا، وبه قال أبو إسحاق: كما حكاه المصنف عنه، وإذا جمعت هذه الأقوال والأوجه وسميت أقوالا كانت سبعة. (أحدها) : لا يجوز القصر بعد أربعة أيام. (والثاني) : يجوز إلى سبعة عشر يوما (وأصحها) إلى ثمانية عشر، و (الرابع) : إلى تسعة عشر، و (الخامس) : إلى عشرين، و (السادس) : أبدا، و (السابع) : للمحارب مجاوزة أربعة وليس لغيره، ودليل الجميع يعرف مما ذكره المصنف، وذكرناه. (الحال الثاني) : أن يعلم أن شغله لا يفرغ قبل أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج- كالمتفقه والمقيم لتجارة كبيرة ولصلاة الجمعة ونحوها، وبينه وبينها أربعة أيام فأكثر- فإن كان محاربا وقلنا في الحال:

стр. 4305

الأول: لا يقصر فهاهنا أولى، وإلا فقولان: (أحدهما) : يترخص أبدا (وأصحهما) : لا يتجاوز ثمانية عشر، إن كان غير محارب، فالمذهب أنه لا يترخص أصلا، وبه قطع الجمهور. (والثاني) : أنه كالمحارب حكاه الرافعي وآخرون وقالوا: هو غلط (فإن قيل) : ثبت في [صحيحي البخاري ومسلم] ، عن أنس قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فقصر حتى أتى مكة فأقمنا بها عشرا فلم يزل يقصر حتى رجع، (١) » فهذا كان في حجة الوداع، وكان النبي ﷺ قد نوى إقامة هذه المدة، (فالجواب) ما أجاب به البيهقي وأصحابنا في كتب المذهب. قالوا: ليس مراد أنس أنهم أقاموا في نفس مكة عشرة أيام، بل طرق الأحاديث الصحيحة من روايات جماعة من الصحابة متفقة على أن النبي ﷺ قدم مكة في حجته لأربع خلون من ذي الحجة فأقام بها ثلاثة ولم يحسب يوم الدخول ولا الثامن؛ لأنه خرج فيه إلى منى فصلى بها الظهر والعصر وبات بها، وسار منها يوم التاسع إلى عرفات، ورجع فبات بمزدلفة، ثم أصبح فسار إلى منى فقضى نسكه، ثم أفاض إلى مكة فطاف للإفاضة ثم رجع إلى منى، فأقام بها ثلاثا يقصر ثم نفر فيها بعد الزوال في ثالث أيام التشريق فنزل بالمحصب وطاف في ليلته للوداع ثم رحل من مكة قبل صلاة الصبح فلم يقم ﷺ أربعا في موضع واحد، والله أعلم. (فرع) لو سافر عبد مع سيده وامرأة مع زوجها، فنوى العبد والمرأة إقامة أربعة أيام ولم ينو السيد والزوج فوجهان حكاهما صاحب [البيان] وغيره: (أحدهما) : ينقطع رخصهما كغيرهما، و (الثاني) : لا ينقطع؛ لأنه لا اختيار لهما في الإقامة فلغت نيتهما. قال صاحب البيان: ولو نوى

стр. 4306

الجيش الإقامة مع الأمير ولم ينو هو فيحتمل أنه على الوجهين (قلت) : الأصح في الجميع أنهم يترخصون؛ لأنه لا يتصور منهم الجزم بالإقامة.

стр. 4307

٧ - قال ابن قدامة ﵀ (١) : مسألة: (وإذا نوى الإقامة ببلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم وإلا قصر) . المشهور عن أحمد ﵀: أن المدة التي يلزم المسافر الإتمام إذا نوى الإقامة فيها: ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة. رواه الأثرم وغيره وهو الذي ذكره الخرقي، وعنه: إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام أتم، حكى هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل. وعنه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإلا قصر، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، وروي عن عثمان ﵁ وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقمت أربعا فصل أربعا؛ لأن الثالث حد القلة؛ «لقوله ﵊: يقيم المسافر بعد قضاء نسكه ثلاثا (٢) » فدل أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الإقامة. وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يوما مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، فإن نوى دونه قصر، ويروى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة، ولا يعرف لهما مخالف، وروي عن علي ﵁ قال: يتم الصلاة الذي يقيم عشرا، ويقصر الذي يقول: أخرج اليوم أخرج غدا. شهرا، وعن ابن عباس أنه

стр. 4308

قال: يقصر إذا أقام تسعة عشر يوما ويتم إذا زاد؛ لأن «النبي ﷺ أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين، (١) » قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا. رواه البخاري، وقال الحسن: صل ركعتين ركعتين إلا أن تقدم مصرا فأتم الصلاة وصم، وقالت عائشة: إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة، وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعا. ولنا ما روى أنس قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله ﷺ إلى مكة فصلى ركعتين حتى رجع وأقام بمكة عشرا يقصر الصلاة (٢) » . متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس، «أن النبي ﷺ قدم مكة لصبح رابعة فأقام النبي ﷺ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام» وقد أجمع على إقامتها قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم، قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر، فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد، فقوله: «أقام النبي ﷺ عشرا يقصر الصلاة، (٣) » وقال: «قدم النبي ﷺ لصبح رابعة وخامسة وسابعة، ثم قال: ثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة،» فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي صلى الله ﷺ بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه أربعة أيام وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر، وهي تزيد على أربعة أيام وهو صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام، وقول أصحاب الرأي: لا يعرف لهما مخالف في الصحابة لا يصح؛ لأنا قد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وحديث ابن عباس في إقامة النبي ﷺ تسعة عشر

стр. 4309

وجهه: أن النبي ﷺ لم يجمع الإقامة. قال أحمد: أقام النبي ﷺ بمكة: زمن الفتح ثماني عشرة؛ لأنه أراد حنينا ولم يكن تم إجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس، وهو دليل على خلاف قول عائشة والحسن. والله أعلم. وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ لما سئل عن رجل مسافر إلى بلد، ومقصوده أن يقيم مدة شهر أو أكثر فهل يتم الصلاة أم لا؟ فأجاب: إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة، كما «فعل النبي ﷺ لما دخل مكة. فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة» . وإن كان أكثر ففيه نزاع. والأحوط أن يتم الصلاة. وأما إن قال: غدا أسافر، أو بعد غد أسافر. ولم ينو المقام فإنه يقصر أبدا، فإن «النبي ﷺ أقام بمكة بضعة عشر يوما يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة (١) » . والله أعلم. وسئل عن رجل جرد إلى الخربة لأجل الحمى وهو يعلم أنه يقيم مدة شهرين، فهل يجوز له القصر؟ وإذا جاز القصر، فالإتمام أفضل أم القصر؟ فأجاب: الحمد لله.. هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء، منهم من يوجب الإتمام، ومنهم من يوجب القصر، والصحيح: أن كلاهما سائغ فمن قصر لا ينكر عليه، ومن أتم لا ينكر عليه. وكذلك تنازعوا في الأفضل: فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط، فالإتمام أفضل، وأما من تبينت له السنة، وعلم أن النبي ﷺ لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان أو بمكان، ولا حد الإقامة أيضا بزمن محدود، لا ثلاثة ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا

стр. 4310

خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصر الصلاة. وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام، ولا أكثر. كما «أقام النبي ﷺ وأصحابه بعد فتح مكة قريبا من عشرين يوما يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان» . وكان النبي ﷺ لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام. وإذا كان التحديد لا أصل له، فمادام المسافر مسافرا يقصر الصلاة، ولو أقام في مكان شهورا. والله أعلم. كتبه أحمد بن تيمية (١) . وقال (٢) : وتقصر الصلاة في كل ما يسمى سفرا، سواء قل أو كثر. ولا يتقدر بمدة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره صاحب [المغني] فيه، وسواء كان مباحا أو محرما، ونصره ابن عقيل في موضع. وقاله بعض المتأخرين من أصحاب أحمد والشافعي، وسواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو لا. وروي هذا عن جماعة من الصحابة. وقرر أبو العباس قاعدة نافعة: وهي أن ما أطلقه الشارع بعمل يطلق مسماه ووجوده. ولم يجز تقديره وتحديده بمدة. فلهذا كان الماء قسمين: طاهرا طهورا أو نجسا. ولا حد لأقل الحيض وأكثره ما لم تصر مستحاضة، ولا لأقل سنة وأكثره، ولا لأقل السفر.
следующие страницы →