← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الخلاصة اتفق الفقهاء: على أن طلاق السنة بالنسبة لعدد الطلاق: أن يطلق الرجل زوجته طلقة واحدة مدخولا بها أم غير مدخول بها، ثم له أن يمسك المدخول بها فيراجعها ما دامت في العدة، وله أن يتركها، فلا يراجعها حتى تنقضي عدتها فتبين منه، وهذا هو التسريح لها بإحسان. واتفقوا أيضا: على أنه إذا عاد إلى مطلقته برجعة أو عقد ثم طلقها طلقة واحدة فطلاقه طلاق سنة، ولو فعل مثل هذا مرة ثالثة كان طلاقه طلاق سنة باتفاق. واختلفوا فيما لو طلق امرأته ثلاثا: بأن قال لها: أنت طالق ثلاثا مثلا هل هو طلاق بدعة أو لا؟ واختلفوا أيضا: فيما لو طلق المدخول بها طلقة ثم أتبعها أخرى في نفس الطهر أو الطهر الثاني أو الثالث قبل أن يراجعها، هل هو طلاق بدعة أو لا؟ ومحل البحث ما لو قال لها في لفظ واحد: أنت طالق ثلاثا مثلا، هل هو بدعة ممنوعة أو لا؟ وهل يعتد به أو لا؟ فهاتان مسألتان في كل منهما خلاف بين العلماء. وفيما يلي خلاصة القول فيهما:

стр. 527

المسألة الأولى: حكم الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة وفيه قولان: ١ - القول الأولى: وهو قول الحنفية، والمالكية، وإحدى الروايتين عن أحمد، وقول ابن تيمية، وابن القيم. وقد استدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعنى والقياس: أما القرآن: فمنه قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) إلى قوله ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ (٢) قيل: المراد الأمر بتفريق الطلقات الثلاث على أطهار العدة الثلاثة، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع نهي تحريم أو نهي كراهة، فكان جمع الثلاث في طهر واحد بدعة ممنوعة. وذكر ابن تيمية: أن الله لم يبح في هذه الآية إلا الطلاق الرجعي، لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣) والأمر: هو الندم على الطلاق، والرغبة في الرجعة، ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤) فخير سبحانه بين الرجعة قبل انقضاء العدة دون مضارة للزوجة وبين

стр. 528

تركها حتى تنقضي عدتها فتبين منه، وأنه سبحانه لم يبح فيها إلا الطلاق للعدة، فإرداف الطلاق للطلاق في العدة ولو في طهر آخر ممنوع، لقوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) إذ المعنى: الأمر بطلاقهن مستقبلات عدتهن، ومن طلق زوجته الطلقة الثانية في طهرها الثاني، والثالثة في طهرها الثالث- بنت مطلقته على ما مضى من عدتها ولم تستأنف العدة للثاني ولا للثالث، فلم يكن طلاقا للعدة، فكان غير مشروع، ومنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) ووجه الاستدلال: أن هذه الجملة خبرية لفظا طلبية معنى، لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى، ولهذا نظائر في الكتاب والسنة ولغة العرب، فالمعنى: إذا عزمتم الطلاق فطلقوا مرة بعد مرة، إذ لا يقال لمن دفع درهمين لإنسان دفعة أنه أعطاه مرتين، إلى غير هذا من النظائر، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع فكان ممنوعا. فإن قيل: إذا كان كل الطلاق في دفعتين كان الواقع منه في دفعة طلقتين، وفي الأخرى طلقة، فكان الجمع بين طلقتين مشروعا، وإذا يكون الجمع بين الثلاث مشروعا، إذ لا فرق. فالجواب: أن الآية أمرت بتفريق الطلقتين من الثلاث لا بتفريق الثلاث بدليل ما ذكر بعد من مشروعية الرجعة، وفي معناه ما قيل: من أن المراد: أوقعوا الطلاق الرجعي المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣) الآية، مرة بعد مرة، ومن طلق ثلاثا أو طلقتين

стр. 529

دفعة لم يفعل ما أمر به فكان مبتدعا في طلاقه، كما أن من قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين عقب المكتوبات مكتفيا بذكر اسم العدد عن تكرار كل من التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين مرة لم يكن آتيا بما أمر به كما أمر، فكان مبتدعا. وقيل في وجه الاستدلال بالآية: إن المراد: الإخبار عن صفة الطلاق الشرعي، والألف واللام في الطلاق للحصر فيقتضي ذلك المنع من الطلاق على غير هذه الصفة؛ لكونه بدعة مخالفة للشرع. فإن قيل: المراد الإخبار عن أن الطلاق الرجعي طلقتان، وما زاد فليس برجعي، يدل عليه قوله بعد ذلك: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) أجيب: بأنه لو كان المراد ما ذكرتم لقال: الطلاق طلقتان، سواء أوقعهما الزوج مجتمعتين أم مفترقتين، فلما قال ﴿مَرَّتَانِ﴾ (٢) اقتضى إيقاعه مفترقا، وثبت أن المراد الإخبار عن صيغة إيقاعه. فإن قيل: لفظ التكرار إذا علق باسم أريد به تضعيف العدد دفعة دون تكرار الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٣) ونحوها، فإن المراد: تضعيف العدد لا تفريق الأجر. أجيب: بأن المراد نؤتها أجرها مرة بعد مرة، كما روي عن بعض

стр. 530

السلف، وعلى تقدير: أن المراد في الآية: تضعيف العدد دفعة يقال: إن الأصل فيما ذكر تكرار الفعل، إلا إذا دل دليل على إرادة تضعيف العدد فيعدل إليه استثناء، كما في آية ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (١) وما عداه يبقى على الأصل، على أنه لو أريد بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) تضعيف العدد دفعة، لمنع الزوج من إيقاع طلقة مفردة، وهذا باطل بإجماع. وأجيب أيضا: بأن الفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان، فلا يتصور فيه الجمع، كآية الطلاق، وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة فيتصور فيه الجمع، كما في آية ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٣) وآية ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (٤) ونحوهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٥) الآية. وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق، لوقوعه في حيز الشرط، فعلم أن جمع الثلاث غير مشروع. ومن السنة: حديث «تزوجوا ولا تطلقوا» إلخ، قيل: نهي عن الطلاق لأمر ملازم له لا لعينه؛ لأنه بقي معتبرا شرعا في حق الحكم بعد النهي، والمراد والله أعلم: الجمع بين طلقتين أو أكثر في طهر والطلاق في الحيض، ولكن هذا الحديث ضعيف فلا يشتغل بمناقشته (٦) .

стр. 531

ومنها: ما روى مخرمة بن بكير عن أبيه: قال: سمعت محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقال: «فعلته لاعبا ثم قال: تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ (١) » وإسناده على شرط مسلم، ودلالة متنه على المنع ظاهرة. وأعترض عليه: أولا: بأن مخرمة لم يسمع من أبيه، وإنما هو كتاب. وعورض ذلك: بقول من قال سمع من أبيه، ومعه زيادة علم وإثبات فيقدم، وعلى تقدير أنه لم يسمع من أبيه، وإنما رواه من كتابه وكان كتاب أبيه عنده محفوظا مضبوطا- فقد انعقد الإجماع على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عند راويه أنه من كتابة شيخه، بل الرواية من الكتاب المصون أوثق، فإن الحفظ يخون والنسخة الثابتة المحفوظة لا تخون، وقد أطال ابن القيم الكلام على توثيق مخرمة، واعتبار الرواية من الكتاب وصحة الاحتجاج بها. واعترض ثانيا: بأن محمود بن لبيد وإن كان صحابيا إلا أنه لم يثبت له سماع من النبي ﷺ فروايته عنه مرسلة. وأجيب: بأن مرسل الصحابي مقبول، فصح الاحتجاج بالحديث. ومنها: حديث عبادة بن الصامت: «أن قوما جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إن أبانا طلق امرأته ألفا، فقال: بانت امرأته بثلاث في معصية لله، وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون وزرا في عنقه إلى يوم القيامة» .

стр. 532

وأجيب: بأن في سنده رجالا مجهولين وضعفاء، فلا يصلح للاحتجاج به. ومنها: حديث علي قال: «سمع النبي ﷺ رجلا طلق البتة فغضب، وقال: أتتخذون آيات الله هزوا أو دين الله هزوا أو لعبا، من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره» فدل غضبه على المنع من جمع الثلاث بلفظ صريح أو كناية. وأجاب الدارقطني: بأن في سنده إسماعيل بن أمية القرشي، وهو ضعيف. وقال ابن القيم: في سنده مجاهيل وضعفاء، فلا يصح الاحتجاج به. ومنها: «أن ابن عمر لما طلق امرأته في الحيض وأمره النبي ﷺ بمراجعتها قال: أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي؟ قال: لا، بانت منك، وهي معصية (١) » . وأجيب: بأن في سنده شعيب بن رزيق وقد تكلموا فيه، وتفرد في هذا الحديث عن الثقات بزيادة قوله: أرأيت لو طلقتها ثلاثا. إلخ.. فلم يأت أحد منهم في روايته لهذا الحديث بما أتى به؛ ولذا لم يرو حديثه هذا أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن. وأما الإجماع: فقد أنذر عمر من يأتيه وقد طلق امرأته ثلاث تطليقات مجموعة بأن يوجعه ضربا، وحكم كثير من الصحابة بأن من يطلق ثلاثا مجموعة أو أكثر فقد عصى ربه، واستنكروا ذلك من فاعله وجعلوه متعديا

стр. 533

لحدود الله، وانتشر ذلك عنهم دون نكير، فكان إجماعا على المنع من جمع ثلاث طلقات فأكثر دفعة. وأما المعنى: فمن وجهين: الأول: أن النكاح عقد مصلحة، والطلاق إبطال له، فكان مفسدة، والله لا يحب الفساد. الثاني: أن النكاح عقد مسنون، بل واجب، وفي الطلاق قطع للسنة أو تفويت للواجب، فكان الأصل فيه الحظر أو الكراهة، إلا أنه رخص فيه للدواعي الطارئة كتوقع مفسدة من استمرار النكاح أشد من مفسدة الطلاق، فيرتكب أخف المفسدتين تفاديا لأشدهما، لكن يقتصر من ذلك على طلقة واحدة، إذ بها تندفع المفسدة، وما زاد عليها فيبقى على الأصل، وهو المنع، ويشهد لكون الأصل في الطلاق الحظر حديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة (١) » رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه. وأما القياس: فلأن التطليق ثلاثا دفعة فيه تحريم البضع من غير حاجة فأشبه الظهار، فكان ممنوعا، ولأن فيه ضررا وإضرارا بنفسه وبامرأته، فأشبه الطلاق في الحيض فكان ممنوعا. ٢ - القول الثاني: أن جمع الطلاق الثلاث في كلمة ليس بمحرم ولا بدعة: وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وجماعة من أهل الظاهر.

стр. 534

واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة والآثار والمعنى. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) فهذه تعم إباحة الثلاث والاثنتين، فإنه تعالى لم يخص مطلقة طلقة واحدة من مطلقة ثلاثا، فليس لأحد أن يخصها إلا بدليل. ويمكن أن يقال: إن المقصود في الجمل الشرطية الحكم بما تضمنه الجواب على تقدير تحقق فعل الشرط، بقطع النظر عن كون فعل الشرط مطلوب الحصول أو مباحا أو ممنوعا، وعلى هذا يكون القصد من آية ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤) الحكم بتحريم الزوجة على زوجها الذي طلقها المرة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وقد يكون طلاقها المرة الثالثة مأذونا فيه كما لو طلقها في طهر لم يمسها فيه طلقة، وقد يكون محرما كما لو طلقها المرة الثالثة في حيض مثلا، ويكون القصد من آية ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٥) عدم وجوب العدة على تقدير حصول الطلاق

стр. 535

قبل الدخول، أما كون طلاقها مباحا أو محرما فيفهم من أمر آخر، وأما آية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١) فالقصد منها إثبات المتعة للمطلقة، وجوبا أو ندبا، لا بيان حكم الطلاق، فقد يكون محرما وتثبت لها المتعة وقد يكون مباحا كما تقدم. وبهذا يتبين: أن الآيات الثلاث ليست أدلة في محل النزاع. وأما السنة: فمنها «حديث فاطمة بنت قيس، وفيه أن زوجها طلقها ثلاثا أو طلقها البتة وهو غائب وبعث إليها وكيله بشعير نفقة لها، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: ليس لك عليه نفقة (٢) » . فلم يعب ﷺ الثلاث مع الإجمال فيما بلغه من خبر الطلاق ولم يستفسر عن كيفيته، ولفظ البتة هنا مراد به: الثلاث، وإلا لم تسقط نفقتها ولا سكناها. وأجيب: برواية الزهري هذا الخبر عن أبي سلمة، وفيه ذكرت أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وبرواية الزهري أيضا عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود: أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، فذكر الخبر، وفيه: أن مروان أرسل إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته، وذكر باقي الخبر، فكان هذا تفسيرا لما في الثلاث أو البتة من الإجمال، وأن ذلك لم يكن مجموعا، وأعل ابن حزم الرواية الثانية بالانقطاع؛ لعدم التصريح بالتحديث أو السماع.

стр. 536

ويمكن أن يقال: إن ظاهرها الاتصال؛ لأنها في حكم الرواية بها لمتعته ونحوها، فصلحت تفسيرا للإجمال. وقال ابن حزم أيضا: إن كلا الخبرين ليس فيهما أن النبي ﷺ أخبر بذلك. ويمكن أن يقال: إن الأصل بيان السائل الثقة الورع لواقع أمره، وخاصة الصحابة مع النبي ﷺ وذلك لتطمئن النفس إلى موافقة الجواب للواقع، وعلى تقدير الاحتمال في حديث فاطمة فحمله على ما كان شائعا كثيرا- وهو إفراد الطلاق- أولى من حمله على النادر وهو جمع الثلاث في كلمة. ومنها: حديث تلا عن عويمر وامرأته، وفيه أنه طلقها ثلاثا بعد اللعان قبل أن يأمره النبي ﷺ ، فلو كان جمع الثلاث ممنوعا لبين له النبي ﷺ أنه عاص بجمع الثلاث، وعلمه الطلاق المشروع. وأجيب: بأنه لما لم يصادف طلاقه محلا لم ينكر عليه، فإنها صارت أجنبية منه لا تحل له أبدا بتمام اللعان لا بالطلاق الثلاث وإلا لحلت له بعد أن تنكح زوجا آخر، وقد أيد ذلك فيما سبق في حديث محمود بن لبيد من إنكاره ﷺ على من طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، وبهذا يجمع بين خبري الإنكار والسكوت بحمل أحدهما على طلاق صادف محلا والآخر على ما إذا لم يصادف محلا. وأما قول سهل: فأنفذه رسول الله ﷺ ، وقوله: فمضت السنة بعد في

стр. 537

المتلاعنين أن يفرق بينهما. فسيأتي الكلام عليه في موضعه من المسألة الثانية. ومنها: حديث المرأة التي طلقها زوجها ثلاثا، والأخرى التي بت زوجها طلاقها. وقد تزوجت كلا منهما بعد ذلك ثم طلقت قبل أن يجامعها، وأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال النبي ﷺ : «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك (١) » فدل عدم نقل الإنكار من النبي ﷺ طلاق الرجل امرأته ثلاثا أو بت طلاقها على جواز الجمع بين الثلاث، إذ لو كان ممنوعا لأنكره، ولو أنكره لنقل. أجيب: أن اللفظ محتمل أن تكون الثلاث مجتمعة وأن تكون مفرقة، ولفظ البتة يعبر به عن الثلاث، وقد ثبت أن كلا منهما قد طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فليس في ذلك دليل لجواز جمع الثلاث. وأما الآثار: فمنها: ما روي أن عمر ﵁ استفتي فيمن طلق امرأته البتة، فاستحلفه عما أراد، فحلف أنه أراد واحدة فردها إليه، ولم يقل له لو أردت ثلاثا لعصيت ربك. وأجيب: بأن عمر أنكر عليه بقوله: ما حملك على هذا، وبتلاوة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٢) ورد الجواب بأنه أنكر عليه عدوله في الطلاق عن اللفظ الصريح إلى لفظ محتمل وهو البتة.

стр. 538

ومنها: أن عثمان لم ينكر على عبد الرحمن بن عوف طلاقه امرأته ثلاثا. ومنها: أن أبا هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمر وعائشة وعبد الله بن الزبير لم ينكروا على من استفتى في طلاق الثلاث ولم يعيبوا عليه ذلك ولم يقل أحد منهم لمن استفتاه في ذلك بئس ما صنعت، وما روي من إنكار ابن عباس وغيره من الصحابة على من طلق امرأته مائة أو ألفا فإنما إنكاره لما زاد عما جعل إليه من الثلاث، وروي ما يوافق ذلك عن شريح والشعبي وغيرهما من التابعين، وقد يقال: يرد هذا ما روي عن عمر وابن عمر وابن عباس وعمران بن حصين أنهم أثموا من طلق ثلاثا، وقالوا: إنه عصى ربه، وتوعدوا من يطلق ثلاثا في مجلس واحد بالأذى، كما روي عنهم ذلك فيمن تجاوز الثلاث في طلاقه، وإذا فليس الإنكار خاصا بما زاد على الثلاث. وأما المعنى: فإن الشرع قد جعل الطلاق إلى الزوج يمضي منه ما شاء ويبقي ما شاء، دون أن يكون عليه في ذلك حرج، كما أنه لا يحرم عليه أن يعتق ما شاء من عبيده ويتصدق بما شاء من ماله ويبقي من ذلك ما شاء، بل له أن يأتي على ذلك كله. وأجيب: بأن الأصل فيما ذكر أنه من القربات، فله أن يفعل من ذلك ما شاء ويؤجر عليه ما لم يضر بنفسه، بخلاف الطلاق فإن الأصل فيه الحظر لما تقدم؛ ولأنه أبغض الحلال إلى الله وقد شرع على صفة معينة، فينبغي التزامها في إيقاعه.

стр. 539

المسألة الثانية: فيما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد وفيه مذاهب: المذهب الأول: أنه يقع ثلاثا وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقد استدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة والآثار والإجماع والقياس: أما الكتاب: فمنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) فإنه يدل على أنه إذا قال الزوج لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، في طهر لزمه اثنتان، وإذا فيلزمه اثنتان إذا أوقعهما معا في كلمة واحدة (٢) ؛لأنه لم يفرق بين ذلك أحد، وأيضا حكم الله بتحريمها عليه بعد الثالثة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ (٣) الآية، ولم يفرق أحد بين إيقاعها في طهر أو أطهار، فوجب الحكم بإلزامه بالجميع على أي وجه أوقعه، مباح أو محظور. واعترض: بأن المراد بالآية: الطلاق المأذون فيه، وإيقاع الثلاث معا غير مأذون فيه، فكيف يستدل بها في الإلزام بطلاق وقع على غير الوجه المباح وهي لم تتضمنه؟ وأجيب: بأنها دلت على الأمر بتفريق الطلاق، ولا مانع من دلالتها

стр. 540

على الإلزام به من جهة أخرى إذا وقع على غير الوجه المأمور به. واعترض أيضا: بأن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) بين المراد من آية الاستدلال، وأن الطلاق إنما يكون للعدة، فمتى خالف ذلك لم يقع طلاقه. وأجيب: بأنا نثبت حكم كل من الآيتين فنثبت بآية ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) أن الطلاق المسنون ما كان للعدة، ونثبت بآية ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) أن من طلق لغير العدة أو جمع بين الثلاث لزمه ما فعل، وبذلك نكون قد أخذنا بحكم كل من الآيتين، على أن آخر آية الطلاق للعدة وهو قوله تعالى: وتلك حدود الله ... الآية يدل على وقوع الطلاق لغير العدة، فإنه لو لم يلزمه لم يكن ظالما لنفسه بإيقاعه ولا بطلاقه، كما أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) يدل على ذلك، وسيأتي لهذا زيادة بيان في الدليل الثاني إن شاء الله. واعترض أيضا: بأن الزوج لو وكل من يطلق طلاقا مفرقا على الأطهار فجمع الثلاث في طهر لم يقع لكونه غير مأمور به فكذا الزوج. وأجيب: بالفرق بينهما، فإن الزوج يملك الطلاق الثلاث، وإيقاعه على غير الوجه المشروع لا يمنع من إلزامه به كالظهار والردة، أما الوكيل فلا يملك من الطلاق إلا ما ملكه موكله ولا يملك إيقاعه إلا على الوجه

стр. 541

الذي وصفه له موكله، إذ هو معبر عن موكله وتلزمه حقوق ما يوقعه، وسيأتي لهذا مزيد بحث. واستدل أيضا بعموم قوله تعالى في الآية: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) على أنه يتناول إيقاع الثلاث دفعة. وأجيب عن وجوه الاستدلال بالآية: أولا: بأن تسريح المطلقة طلاقا رجعيا بإحسان تركها بلا مضارة لها حتى تنقضي عدتها، لا طلاقها مرة أخرى قبل رجعتها، وما روي مرفوعا من تفسير التسريح بالإحسان بطلاقها الثالثة فمرسل. ثانيا: بأن من العلماء من فرق بين إيقاع الطلاق مفرقا في طهر أو مجموعا، وبين إيقاعه مفرقا في أطهار دون سبق رجعة، وإيقاعه مفرقا في أطهار مع سبق كل برجعة، فدعوى عدم الفرق مخالفة للواقع. ثالثا: بأن الله جعل الطلاق إلى الزوج لكن على أن يوقعه مفرقا مرة بعد مرة على صفة خاصة، ولم يشرع سبحانه إيقاع الطلاق ثلاثا جملة حكمة في تشريعه ورحمة بعباده، فإيقاعه ثلاثا مجموعة مخالف لأمر الله وشرعه، وأما قياس الثلاث مجموعة على الظهار فيبطل قولكم ويثبت قول مخالفيكم، فإن الله لم يلزم المظاهر بما التزم من تحريم زوجته وجعلها كأمه أو أخته مثلا، بل لم تزل زوجته، وعاقبه بشيء آخر على جريمة الظهار هو الكفارة، فإذا أدى ما شرع من الكفارة حلت له مماستها، فمقتضى قياسكم أن لا يلزم بشيء من الثلاث، ويعاقب بأمر آخر على جريمة الجمع

стр. 542

بين الثلاث، وكذا القول في قياسكم جمع الثلاث على الردة، وإذا ليست الآية دليلا على إلزام الثلاث أو الثنتين إذا أوقعها مجموعة، بل تدل على خلافه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١) ومن طلق ثلاثا مجموعة فقد تعدى حدود الله؛ لإيقاعه الطلاق على غير الوجه المشروع، وظلم نفسه بتعجله فيما كانت له فيه أناة، وحرمانه من رجعة زوجته، إذ لو لم يلزم بالثلاث من طلق ثلاثا مجموعة لم يكن ظالما لنفسه ولا محروما من زوجته، لتمكنه من رجعتها. ويؤيده: أن ابن عباس أفتى بإلزام الثلاث من طلق ثلاثا، وعاب على من جمع الثلاث ورماه بالحماقة، واستشهد بالآية، وأجيب بمنع دلالة الآية على الإلزام بالثلاث؛ لأن ركانة لما طلق امرأته ثلاثا أمره النبي ﷺ أن يراجعها، وتلا هذه الآية، ولو كانت دليلا على إلزام الثلاث من طلق ثلاثا مجموعة لما استدل بها ﷺ ، وستأتي مناقشة حديث ركانة. وكما روي عن ابن عباس الإلزام بالثلاث والاستشهاد بالآية روي عنه اعتبارها واحدة. ويمكن أن يقال: بحمل تعدي حدود الله في الآية وظلم المطلق لنفسه على الطلاق لغير العدة وإخراج الزوج مطلقته طلاقا رجعيا من بيتها الذي

стр. 543

كانت تسكنه قبل الطلاق وخروجها منه أيام العدة، دون الطلاق الثلاث، وقد يساعد على هذا سابق الكلام ولاحقه، وفي هذا أيضا جمع بين الأدلة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (١) ذكر عن الحسن أنها نزلت فيمن كان يطلق ويزوج ابنته ويعتق عبده، ويدعي أنه كان لاعبا، فقال رسول الله ﷺ : «ثلاث من قالهن لاعبا جائزات: العتاق والطلاق والنكاح» . وأجيب: بأنه لا دليل في الآية ولا في الحديث على المطلوب؛ لأنه لم يذكر فيهما طلاق الثلاث أصلا، وإنما فيهما النهي عن اللعب في الطلاق ونحوه، على أن ما ذكر من مراسيل الحسن. وأما السنة فأولا: حديث تلاعن عويمر العجلاني وامرأته، فإن النبي ﷺ فرق بينهما بإنفاذ الطلاق الثلاث لا باللعان، يؤيد هذا قول سهل: «فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ ، فأنفذها رسول الله ﷺ (٢) » . . . إلخ. وبهذا يعلم أن طلاق عويمر اعتبر ثلاثا، وبانت منه امرأته بذلك، ثم أكد ذلك بتأبيد تحريمها عليه في اللعان خاصة، وقد يقال: بأن إنفاذ الطلاق الثلاث دفعة على الملاعن خاص باللعان، لما فيه من تأبيد التحريم بخلاف غيره، بدليل حديث محمود بن لبيد. ويجاب: بأن حديث محمود بن لبيد - وإن صح - ليس فيه إنفاذ الثلاث ولا عدم إنفاذها، وحديث اللعان فيه إنفاذها فيقدم، بل قيل: إن حديث

стр. 544

محمود بن لبيد دليل على اعتبار إيقاع الثلاث دفعة ثلاثا؛ لأن الزوج طلق ثلاثا يظنها لازمة له، فلو كانت غير لازمة لبين له ﷺ لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقد أجيب عن أصل الاستدلال: بأن النبي ﷺ أنفذ تطليقات عويمر على الوجه الذي كان معروفا في عهده من اعتبارها واحدة رجعية، ثم حرمها عليه تحريما أبديا، بدليل قوله في الحديث: (فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما) فإن التفريق يتأتى مع بقاء النكاح، بخلاف ما إذا اعتبرت تطليقات عويمر ثلاثا، فإنها تكون أجنبية منه بذلك محرمة عليه حتى تنكح زوجا غيره. وكذلك يقال فيما أمضاه على المطلق في حديث محمود بن لبيد، فإن حمله على ما كان معروفا في عهده ﷺ أقرب من حمله على الثلاث؛ بل هو المتعين. ثانيا: حديث من طلقها زوجها ثلاثا وأبى النبي ﷺ أن يبيحها لزوجها الأول حتى يطأها الثاني، قالوا: الظاهر أنه طلقها ثلاثا مجموعة فأمضاها عليه النبي ﷺ وإلا لحلت للأول دون أن تذوق عسيلة الثاني. وأجيب: بأنه ورد في بعض الروايات أن الأول طلقها آخر ثلاث تطليقات، وعلى تقدير تعدد القصة وأن هذه الرواية كانت في إحداهما فكل منهما ليس فيها ما يدل على أن التطليقات كانت مجموعة؛ لجواز أن تكون متفرقة، بل في الحديث ما يدل على تفرقها، فإنه لا يقال: طلق ثلاثا إلا لمن فعل ذلك مرة بعد مرة، كما يقال: سلم ثلاثا، وسبح ثلاثا، ومع

стр. 545

هذا فقد كان المشهور في عهد النبي ﷺ إيقاع الطلاق متفرقا، أما إيقاعه مجموعا فقد كان قليلا ومنكرا، وحمل اللفظ على الكثير الحق أقرب من حمله على القليل المنكر. ثالثا: حديث فاطمة بنت قيس، فإن زوجها طلقها ثلاثا مجموعة، وقد تقدم الكلام فيه وفي مثله توجيها وإجابة، إلا أنه ذكر هنا زيادة في رواية مجالد بن سعيد عن الشعبي: أن زوجها طلقها ثلاثا جميعا. وأجيب عنها: بأنها قد تفرد بها مجالد عن الشعبي وهو ضعيف، وعلى تقدير الصحة فكلمة (جميعا) في الغالب لتأكيد العدد، فالمعنى حصول الطلاق الذي يملكه جميعه لا اجتماعه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (١) فالمراد: حصول الإيمان من جميعهم لا حصوله منهم في وقت واحد. وذكر بعضهم: أن تعبير فاطمة بنت قيس عن كيفية طلاقها مختلف الصيغة ولم يفرق بينهما الصحابة في الحكم وإلا لاستفسروا عما فيها من إجمال. وأجيب: بأن الإجمال زال برواية طلقها آخر ثلاث تطليقات، ورواية أرسل إليها بطلقة كانت بقيت لها. رابعا: حديث ركانة، فإنه طلق امرأته سهيمة البتة، واستفسره النبي ﷺ عما أراد، واستحلفه عليه فحلف ما أراد إلا واحدة، فردها عليه، فدل على أنه لو أراد أكثر لأمضاه عليه، إذ لو لم يفترق الحكم لما استفسره ولا

стр. 546

استحلفه، وهذا الحديث وإن تكلم فيه من أجل الزبير بن سعيد فقد صححه بعض العلماء، وحسنه بعضهم، وذكر الحاكم له متابعا من بيت ركانة. وأجيب: بأن الإمام أحمد ضعف حديث طلاق ركانة زوجته ألبتة من جميع طرقه، وضعفه البخاري، وقال: مضطرب فيه، تارة قيل فيه: ثلاثا، وتارة قيل فيه: واحدة، وعلى ذلك تترك الروايتان المتعارضتان، ويرجع إلى غيرهما. هذا وقد روي حديث تطليق ركانة امرأته ثلاثا، وجعلها واحدة من طريقين: إحداهما: عند الإمام أحمد من طريق سعد بن إبراهيم بسنده إلى ابن عباس مرفوعا. والثانية: في [سنن أبي داود] من طريق ابن صالح بسنده إلى ابن عباس مرفوعا، فوجب المصير إلى ذلك. وأجيب عن الأولى: بأنها لا تقوم بها الحجة؛ لمخالفتها فتيا ابن عباس، وستأتي مناقشة ذلك. وأجيب عن الثانية: بأن في سندها مقالا؛ لأن ابن جريج روى هذا الحديث عن بعض بني أبي رافع، ولأبي رافع بنون ليس فيهم من يحتج به إلا عبيد الله، وسائرهم مجهولون، وقد رجح أبو داود في [سننه] رواية نافع بن عجير في طلاق ركانة زوجته ألبتة على رواية بعض بني أبي رافع:

стр. 547

أن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا لذلك، ولفظ ابن جريج في تسمية المطلق عبد يزيد مع أن عبد يزيد لم يدرك الإسلام، ولأن أهل بيت ركانة أعلم بحاله. وقد أجاب ابن القيم بما خلاصته: سقوط رواية كل من نافع بن عجير وبعض بني أبي رافع لجهالة كل منهما، أما أن يرجح أحد المجهولين أو من هو أشد جهالة على الآخر فكلا، ويعدل إلى رواية الإمام أحمد من طريق سعد بن إبراهيم بسنده إلى ابن عباس لسلامته، فإن أحمد وغيره احتجوا به في مسائل النكاح والعرايا وغيرها، وقد ذكر فيه: أن ركانة طلق امرأته سهيمة ثلاثا، فجعلها ﷺ واحدة. وستأتي لهذه زيادة بحث إن شاء الله. خامسا: حديث ابن عمر في تطليق زوجته في الحيض، وفي آخره: «فقلت: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؛ قال: لا، كانت تبين منك وتكون معصية» فإنه ظاهر في إمضاء الثلاث مجموعة. وأجيب أولا: بأن في سنده شعيب بن زريق الشامي عن عطاء الخراساني، وقد وثق الدارقطني شعيبا، وذكره ابن حبان في الثقات، وحكى عنه ابن حجر أنه قال: يعتبر بحديثه من غير روايته عن عطاء الخراساني، وقال الأزدي: فيه لين، وقال ابن حزم: ضعيف، أما عطاء الخراساني فقد ذكره البخاري في الضعفاء، وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم فبطل الاحتجاج به، ووثقه ابن سعد وابن معين وأبو حاتم، ومع ذلك فقد انفرد شعيب عن الأئمة الأثبات بهذه الزيادة فإنه لم يعرف عن أحد منهم ذكرها.

стр. 548

سادسا: حديث عبادة بن الصامت في تطليق بعض آبائه امرأته ألفا، فلما سأل بنوه النبي ﷺ قال: «بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه» . وأجيب: بأن في سنده رواة مجهولين وضعفاء. سابعا: حديث: «من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته» . وأجيب: بأن في سنده إسماعيل بن أمية الذراع، وقد قال فيه الدارقطني بعد روايته لهذا الحديث، ضعيف متروك الحديث. ثامنا: حديث علي أن النبي ﷺ سمع رجلا طلق امرأته ألبتة، فأنكر ذلك، وقال: «من طلق ألبتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره (١) » . وأجيب: بأن في سنده إسماعيل بن أمية القرشي، قال فيه الدارقطني: كوفي ضعيف، وقال ابن القيم: في إسناد هذا الحديث مجاهيل وضعفاء. وأما الإجماع: فقد نقل كثير من العلماء الإجماع على إمضاء الثلاث في الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، منهم: الشافعي وأبو بكر الرازي وابن العربي والباجي وابن رجب، وقالوا: إنه مقدم على خبر الواحد، قال الشافعي: الإجماع أكثر من الخبر المنفرد، وذلك أن الخبر مجوز الخطأ والوهم على راويه، بخلاف الإجماع فإنه معصوم. وأجيب: بأنه قد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم القول برد الثلاث المجموعة إلى الواحدة. منهم: أبو بكر، وعمر صدر من خلافته، وعلي، وابن مسعود، وابن

стр. 549

عباس، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وطاووس، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن إسحاق، وابن تيمية المجد، وأصبغ بن الحباب، ومحمد بن بقي، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وعطاء بن يسار، وابن زنباع، وخلاس بن عمرو، وأهل الظاهر، وخالفهم في ذلك ابن حزم. وغاية الأمر أن يقال: أن بعض من نقل عنهم الإلزام بالثلاث إذا كانت مجموعة نقل عنهم أيضا جعلها واحدة فيكون لهم في المسألة قولان. والقصد أن الخلاف في الإلزام بها مجموعة لم يزل قائما ثابتا. وممن حكى الخلاف في ذلك عن السلف والخلف: أبو الحسن علي بن عبد الله اللخمي، وأبو جعفر الطحاوي في [تهذيب الآثار] وغيرهم، وبهذا يتبين أنه ليس في المسألة إجماع. وأما الآثار المروية عن الصحابة وغيرهم في إمضاء الثلاث على من طلق زوجته ثلاثا في مجلس واحد فكثيرة: منها: ما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي هريرة وغيرهم، فإن سلم اعتبارها في الاحتجاج لكونها أقوال صحابة ثبت المطلوب، وخاصة أن فيهم ثلاثة من الخلفاء: عمر الملهم، وعثمان، وعلي، وحبر الأمة ابن عباس ﵃، وإلا فالحجة في إجماعهم، فإن فتواهم اشتهرت عنهم، ولم يعرف عمن لم يفت بذلك إنكار لفتواهم به، فكان إجماعا وقد تقدم. وأجيب: بأن عمر ﵁ أمضى عليهم الثلاث عقوبة لهم لما رآه

стр. 550

من المصلحة في زمانه؛ ليكفوا عما تتابعوا فيه من جمع الطلاق الثلاث، ويرجعوا إلى ما جعل الله لهم من الفسحة والأناة رحمة منه بهم، ولما علم الصحابة منه حسن سياسته لرعيته وافقوه على ذلك، وأفتوا به رعاية لما رآه من المصلحة؛ ولذا صرحوا لمن استفتاهم في هذا الأمر بأنه عصى ربه ولم يتقه، فلم يجعل له مخرجا، ولم يجعل ذلك الإمضاء شرعا لازما مستمرا؛ لأنه مما تتغير الفتوى به بتغير الزمان والأحوال، بل جعل العقوبة به تقريرا لمن خالف ما أمر به كالنفي، ومنعه ﷺ المخلفين الثلاثة من نسائهم مدة من الزمن، والضرب في الخمر، ونحو هذا مما يختلف التعزير فيه باختلاف الزمان والأحوال، وكان هذا من الخليفة اجتهادا. وأما القياس: فهو أن النكاح ملك للزوج فتصح إزالته مجتمعا كما صحت إزالته متفرقا وأن الله جعله بيده يزيل منه ما شاء ويبقي ما شاء، كالعتق وعقد النكاح. وأجيب: بأنه قياس مع الفارق فإن الطلاق جعل إليه ليوقعه متفرقا على كيفية معينة، ومنعه من جمعه؛ لما تقدم في المسألة الأولى، فلا يصح قياس جمعه على تفريقه، ولا على العتق، ولا عقد النكاح على أكثر من واحدة وما أشبهها، مما شرع له إيقاعه مجتمعا ومتفرقا.

стр. 551

المذهب الثاني: أن الطلاق الثلاث دفعة واحدة يعتبر طلقة واحدة، دخل بها الزوج أم لا: وهو قول أبي بكر، وعمر صدر من خلافته، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وكثير من التابعين ومن بعدهم؛ كطاووس، وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود الظاهري، وأكثر أصحابه، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم. واستدل لهذا المذهب بالكتاب، والسنة، والآثار، والإجماع، والقياس: أما الكتاب: فأولا: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) وبيانه: أن الألف واللام في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) للعهد، والمعهود هو: الطلاق المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤) وهو رجعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٥) فالمعنى: الطلاق من الذي يكون للزوج فيه حق الرجعة مرتان: مرة بعد مرة، ولا فرق في اعتبار كل مرة منهما واحدة بين أن يقول في كل مرة: طلقتك واحدة أو ثلاثا أو ألفا، فكل مرة منهما طلقة رجعية؛ لما سبق،

стр. 552

ولقوله تعالى بعد: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) فالضمير المرفوع والمنصوب فيه عائدان إلى المطلق والمطلقة فيما سبق، لئلا يخلو الكلام عن مرجع لهما؛ ولأن الطلاق وقع بعد الشرط والحل بعد النفي، فدل على العموم، فلو كانت هذه الجملة مستقلة عما قبلها للزم تحريم كل مطلقة ولو طلقة أو طلقتين حتى تنكح زوجا آخر، وهو باطل بإجماع، وإذا فمعنى الآية: فإن طلقها مرة ثالثة بلفظ واحد طلقة أو ثلاثا فلا تحل له حتى تتزوج غيره، وبهذا يدل عموم الآية على اعتبار الثلاث بلفظ واحد طلقة، وقد سبقت مناقشة هذا الدليل. ثانيا: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤) وبيان أن الجمهور استدلوا بها من وجوه على تحريم جمع الثلاث، وإذا فلا يقع منها مجموعة إلا ما كان مشروعا وهو الواحدة. وأجيب: بأن التحريم لا يناقض إمضاء الثلاث، فكم من عبادة أو عقد مشروع ارتكب فيه مخالفة فقيل لصاحبه: عصى، وصحت عبادته، ومضى عقده، وعلى تقرير المناقضة فهو يمنع من إمضاء الواحدة أيضا لوقوع الطلاق على خلاف ما شرع الله، وذلك ما لا يقول به أحد من

стр. 553

الجمهور. وأما السنة: فمنها أولا: ما رواه مسلم في [صحيحه] من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (١) » . وأجيب عن الاستدلال به بما يأتي: أولا: أنه حديث منسوخ؛ لأن ابن عباس أفتى بخلافه، فدل ذلك على أنه علم ناسخا له فاعتمد عليه في فتواه. ونوقش: بأنه يمكن أن يكون اجتهد فوافق اجتهاده اجتهاد عمر ﵄ في إمضاء الثلاث تعزيرا للمصلحة، كما تقدم، وأيضا لو علم ناسخا لذكره مع وجود الدواعي إليه، ولم يكتف بمثل ما كان يعلل به في فتواه، وأيضا الصواب: أن العبرة بما رواه الراوي لا بقوله، قالوا أيضا: يدل على نسخ الحديث ما ذكر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) من أن المطلق كان له الحق في الرجعة ولو طلق ألف مرة، ما دامت مطلقته في العدة، فأنزل الله الآية منعا لهم من الرجعة بعد المرة الثالثة حتى تنكح زوجا آخر. ونوقش: أولا: بأنه روي مرسلا من طريق عروة بن الزبير ومتصلا من

стр. 554

طريق عكرمة عن ابن عباس، لكن في سنده علي بن حسين بن واقد، وهو ضعيف. وثانيا: بأنه استدلال في غير محل النزاع، فإنه ليس فيه الإلزام بالثلاث في لفظ واحد. وقالوا أيضا: يدل على نسخه حديث امرأة رفاعة وحديث اللعان وحديث فاطمة بنت قيس. وقد سبق الاستدلال بها ومناقشتها. وقالوا أيضا: يدل على نسخه إجماع الصحابة زمن عمر ﵃ على إمضاء الثلاث، فإنه لا يكون إلا عن علم بالناسخ. ونوقش: بأنه لا يتأتى مع قول عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فلو كان اعتمادهم على العلم بالناسخ لذكروه ولم يعلل عمر بذلك، وأيضا كيف يستمر العمل بالمنسوح في عهده ﷺ وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر ﵄؟ ! مع كون الأمة معصومة في إجماعها عن الخطأ. ونوقش استمرار العمل بالمنسوخ في العهود الثلاثة: بأنه إنما فعله من لم يبلغه النسخ، فلما كان زمن عمر انتشر العلم بالناسخ فأجمعوا على إمضاء الثلاث كما حصل في متعه النكاح سواء. ونوقش: بأن متعة النكاح كان الخلاف فيها مستمرا بين الصحابة؛ لعدم معرفة بعضهم بالناسخ المنقول نقلا صحيحا إلى أن أعلمهم به عمر في خلافته ونهاهم عنها، بخلاف جعل الثلاث في لفظ واحد طلقة واحدة فإنه

стр. 555

ثابت في عهده ﷺ ، ولم يزل العمل عليه عند كل الصحابة في خلافة الصديق إلى سنتين أو ثلاث من خلافة عمر ﵄، إما فتوى أو إقرارا أو سكوتا؛ ولهذا ادعى بعض أهل العلم أنه إجماع قديم، لم تجمع الأمة على خلافه بعد، بل لم يزل في الأمة من يفتي بجعل الثلاث واحدة؛ ولم ينقل حديث صحيح يصلح أن يعتمد عليه في نسخ حديث ابن عباس ويكون مستندا لما ذكر من الإجماع، بل الذي روي في ذلك إما في غير الموضوع، وإما في الموضوع لكنه ضعيف أو مكذوب، ومع هذا فقد ثبت عن عكرمة عن ابن عباس ما يوافق حديث طاوس مرفوعا وموقوفا على ابن عباس، فالمرفوع هو: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا فردها عليه النبي ﷺ ولم يثبت ما يخالفه مرفوعا، وقد سبقت مناقشة حديث ركانة، وستأتي بقيتها، ولا نكارة في إمضاء عمر للثلاث باجتهاده، ولا على غيره من الصحابة ممن وافق اجتهادهم اجتهاده في إمضائها، وقد بين عمر وابن عباس وغيرهما وجه ذلك بأن الناس لما تتابعوا فيما حرم الله عليهم من تطليقهم ثلاثا مجموعة وكثير منهم ذلك على خلاف ما كانوا عليه قبل الزموا بالثلاث عقوبة لهم، ونظير هذا كلما تتغير فيه الفتوى بتغير الأحوال والأزمان والأمكنة كالعقوبة في الخمر، والتفريق بين الذين خلفوا ونسائهم، وقتال علي لبعض أهل القبلة متأولا، ولم يكن الإمضاء شرعا مستمرا إنما كان رهن ظروفه. وأجيب ثانيا: بتأويل حديث طاوس عن ابن عباس بأن الطلاق الذي كان الناس يوقعونه واحدة في عهده ﷺ وعهد أبي بكر وصدر من خلافة

стр. 556

عمر اعتادوا إيقاعه بعد ذلك ثلاثا، ويشهد لهذا قول عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ... إلخ. ونوقش: بأنه تأويل يخالف الواقع في العهود الثلاثة الأولى، فإن الطلاق ثلاثا جملة قد وقع فيها من الصحابة، كما تقدم في حديث محمود بن لبيد، وحديث اللعان، وكما يأتي في حديث ركانة، وأيضا يمنع منه ما ورد في بعض روايات الحديث من أنها جعلت واحدة أو ردت إلى الواحدة. وأجيب ثالثا: بحمل الحديث على غير المدخول بها بدليل ذكر ذلك في الرواية الأخرى، فإن الزوج إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق: بانت بالأولى، فكان الثلاث واحدة. ونوقش هذا: ولم يزل ماضيا ولم يتقيد بعهد ولا زمان، وما نحن فيه تغير حكمه في أيام عمر ﵁ عما كان عليه قبل. وقد وجه بعضهم الجواب بتوجيه آخر، وهو: أن زوجها إذا قال لها: أنت طالق ثلاثا بانت بقوله أنت طالق، ولغي قوله: ثلاثا، ونوقش بأنه كلام متصل، فكيف يفصل بعضه من بعض ويحكم لكل بحكم؟ ونوقش أصل الجواب: بأن حديث طاوس نفسه عن ابن عباس مطلق ليس فيه ذكر لغير المدخول بها، وجواب ابن عباس في الرواية الأخرى، والرد على سؤال أبي الصهباء عن تطليق غير المدخول بها ثلاثا، فخص ابن عباس غير المدخول بها ليطابق الجواب السؤال، ومثل هذا ليس له مفهوم

стр. 557

مخالفة. وأجيب رابعا: بأن جعل الثلاث واحدة لم يكن عن علم منه ﷺ ولا عن أمره، وإلا ما استحل ابن عباس أن يفتي بخلافه. ونوقش: بأن جماهير المحدثين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهده ﷺ له حكم، فإنه على تقدير أن النبي ﷺ لم يحكم بذلك يستبعد أن يفعله الصحابة وهم خير الخلق، ولا يعلمه ﷺ والوحي ينزل، ثم كيف يستمر العمل من الأمة على خطأ في عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر، والأمة معصومة من إجماعها على الخطأ. وأجيب خامسا: بحمل الحديث على صورة تكرير لفظ الطلاق فإنه يعتبر واحدة مع قصد التوكيد، وثلاثا مع قصد الإيقاع، وكان الصحابة خيارا أمناء فصدقوا فيما قصدوا، فلما تغيرت الأحوال وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ واحد، ألزمهم عمر الثلاث في صورة التكرار؛ إذ صار الغالب عليهم قصدها. ونوقش: بأن حمل الحديث على ذلك خلاف الظاهر، فإن الحكم لم يتغير في صورة التكرار فيما بعد عما كان عليه في حياة النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر، بل الأمر لم يزل على اعتباره واحدة في هذه الصورة عند قصد التوكيد، ومن ينويه لا يفرق بين بر وفاجر وصادق وكاذب، ومن لا ينويه في الحكم لا يقبل منه مطلقا برا أم فاجرا، وأيضا قول عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. إلخ - يرد حمل الحديث على هذه الصورة -، فإن معناه: أن الناس استعجلوا فيما شرعه

стр. 558

الله لهم متراخيا بعضه عن بعض رحمة منه بهم، فأوقعوه بلفظ واحد، فهذا يدل على أن لفظ الثلاث في الحديث مراد به جمع الثلاث دفعة، وإن كان في نفسه محتملا. وأجيب سادسا: بمخالفة فتوى ابن عباس لروايته، فإنه لم يكن ليروي حديثا ثم يخالفه إلى رأي نفسه، ولذلك لما سئل أحمد بأي شيء تدفع حديث ابن عباس؛ قال: برواية الناس عنه من وجوه خلافه. ونوقش: بأن الصواب من القولين في مخالفة الراوي لروايته أن الحديث الصحيح المعصوم لا يترك لمخالفة راويه، وهو غير معصوم، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث أو أنه لا يحضره الحديث وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على المسألة التي خالفه فيها أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا، أو يقوم في علنه ما يعارضه ولا يكون معارضا له في الواقع، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه؛ لثقته به واعتقاد أنه إنما خالفه لدليل أقوى منه، وعلى هذا الأصل بنى المالكية والشافعية والحنابلة فروعا كثيرة، حيث قدموا العمل برواية الراوي على فتواه، وأيضا كما نقل عن ابن عباس إمضاء الثلاث، وروي عنه اعتبار الثلاث مجموعة طلقة واحدة، وإذا تعارضت الروايتان عدل عنهما إلى الحديث. لكن هذه المناقشة مردودة بأمرين: الأول: أن رواية الراوي إنما تقدم على قوله إذا كانت صريحة أو طاهرة في معنى قال بخلافه، وإلا قدم قوله؛ لأنه يدل على أن الاحتمال الذي خالفه قوله غير مراد من الحديث، وحديث ابن عباس هنا محتمل أن يكون

стр. 559

في الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، وأن يكون مفرقا كما في الصورة التي في الجواب الخامس عن الحديث، فدلت فتواه على إرادة صورة التفريق لا صورة الاجتماع. الثاني: أن ما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة: أن ابن عباس قال: إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة معارض بما رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة: أن ذلك من قول عكرمة لا من قول ابن عباس، ورواية إسماعيل مقدمة لموافقته الثقاة في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا لا واحدة. وقد يقال في الأمر الأول: إن لفظ الطلاق الثلاث في الحديث ظاهر فيها مجموعة، وإلا لم يقل عمر ﵁ إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. . . إلخ - اعتذارا منه في الحكم على خلاف ظاهره، وبه اعتذار ابن عباس وغيره في إمضاء الثلاث. وقد سبق الكلام في هذا عند مناقشة الجواب عن الحديث بالنسخ. ويقول في الأمر الثاني: أنه لا مانع من ثبوت القول بجعل الثلاث بلفظ واحدة عن كل من ابن عباس وعكرمة، وعلى تقدير تعارض الروايتين بالنفي والإثبات، فالمثبت مقدم على النافي، على أن حماد بن زيد أثبت في أيوب من كل من روى عن أيوب، كما قال يحيى بن معين، فيقدم على إسماعيل بن إبراهيم (١) .

стр. 560

وأجيب سابعا: بأن المراد بالطلاق الثلاث في الحديث بلفظ ألبتة؛ لاشتهارها في الثلاث عند أهل المدينة، فرواه بعض رواته بالمعنى، فعبر بالثلاث بدلا من ألبتة، وفي هذا جمع بين الروايات، وكان يراد بها واحدة كما أراد بها ركانة، فلما تتابع الناس في إرادة الثلاث بها ألزمهم إياها عمر ﵁، ونظيره زيادته الضرب في شرب الخمر حين تتابع الناس فيه. وقد يقال: إن هذا تأويل على خلاف الظاهر بلا دليل، وأيضا تقدم في كلام الشافعي أن كلمة ألبتة مستحدثة، وعلى ذلك لا يجوز حمل لفظ الطلاق الثلاث في الحديث عليها. وأجيب ثامنا: بأنه حديث شاذ؛ لانفراد طاوس به عن ابن عباس، وانفراد الراوي بالحديث - وإن كان ثقة - علة توجب التوقف فيه إذا لم يرو معناه من وجه يصح. ونوقش: بأن مجرد انفراد الثقة برواية الحديث ليس علة توجب رده أو التوقف، ولا يسمى هذا شذوذا عند علماء الحديث، إنما الشذوذ الذي يكون علة في رد الحديث هو: أن يخالف الثقة الثقاة مخالفة لا يمكن معها الجمع، ولم يخالف طاوس في رواية هذا الحديث أحدا من الرواة الثقاة عن ابن عباس في هذا الموضوع، وإنما وقعت المخالفة بين ما رواه وما أفتى به، وقد مضى الكلام في ذلك، لكن لقائل أن يقول: إن استمرار العمل في زمن النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر، بجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة وتغيير عمر لذلك على علم من

стр. 561

الصحابة مما تتوفر الدواعي على نقله، فنقله آحادا يوجب رده، اللهم إلا أن يحمل الحديث على ما تقدم من أن الطلاق كان على وجه التكرار مع قصد التأكيد أو قد كان بلفظ ألبتة فاختلف الحكم فيه لاختلاف النية. وقد يناقش: ألا يراد بالمنع أن يكون ما ذكر مما توفر الدواعي على نقله، وأنه على تقدير أن يكون من ذلك، فللمستدل أن يقول: إن الحديث قد اشتهر نقله وصح سنده ولم يجرؤ أحد على تكذيبه أو تضعيفه بوجه يعتبر مثله، كما اشتهر نقل مخالفة فتوى عمر وابن عباس لظاهره، ويشهد لهذا اشتغال العلماء سلفا وخلفا بالأمرين، فبعضهم يؤول الحديث ليتفق مع الفتاوى، وبعضهم يذهب إلى بيان وجه مخالفة الفتاوى له ويبقيه على ظاهره، ويعتذر عن الفتوى بخلافه، وبعضهم يعارضه بفتوى ابن عباس ويقدم العمل بها عليه، إلى غير هذا مما يدل على شهرة النقل للأمرين، وعلى تقدير عدم الشهرة فكم من أمر تتوفر الدواعي على نقله قد نقل آحادا وعمل به جمع من أئمة الفقهاء ورده آخرون بهذه الدعوى. وأجيب تاسعا: بأن الحديث مضطرب سندا ومتنا: أما اضطراب سنده: فلروايته تارة عن طاوس عن ابن عباس، وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس. وأما اضطراب متنه: فإن أبا الصهباء تارة يقول: ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ وتارة يقول: ألم تعلم أن الطلاق الثلاث كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدر

стр. 562

من خلافة عمر واحدة؟ ونوقش: بأن الاضطراب إنما يحكم به على الحديث إذا لم يمكن الجمع ولا الترجيح وكلاهما ممكن فيما نحن فيه، فإن الرواية عن أبي الجوزاء وهم فيها عبد الله بن المؤمل، حيث انتقل في روايته الحديث عن ابن أبي مليكة من أبي الصهباء إلى أبي الجوزاء، وقد كان سيئ الحفظ فلا تعارض بها رواية الثقات عن أبي الصهباء، وأما روايته عن طاوس عن ابن عباس وعن طاوس عن أبي الصهباء وعن ابن عباس - فكلاهما ممكن، فلا تعارض ولا اضطراب، وأما اختلاف المتن فتقدم بيان الجمع بين الروايتين فلا اضطراب. وأجيب عاشرا: بمعارضته بالإجماع، والإجماع معصوم فيقدم وقد تقدمت مناقشة ذلك. ومن السنة أيضا: ما رواه الإمام أحمد في [مسنده] عن سعد بن إبراهيم، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا، قال: فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت قال: فراجعها (١) » ، فكان ابن عباس يرى الطلاق عند كل طهر، وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد، واستدل بما روى به في رد ابنته ﷺ على زوجها ابن أبي العاص بالنكاح الأولى، وقدمه على ما يخالفه فهو حجة ما لم

стр. 563

يعارضه ما هو أقوى منه فكيف إذا عضده نظيره أو ما هو أقوى منه، ودلالة متنه ظاهرة في اعتبار الطلاق ثلاثا في مجلس واحد واحدة. ونوقش: بأن المراد بالطلاق الثلاث في الحديث: لفظ ألبتة، لاشتهارها في الثلاث عند أهل المدينة، فرواه بعض رواته بالمعنى فعبر بالثلاث بدلا من ألبتة، وفي هذا جمع بين الروايات، وكانت يراد بها واحدة أولا، فلما تتابع الناس في إرادة الثلاث ألزمهم إياها عمر ﵁، ونظيره زيادة الضرب في شرب الخمر ونحوه مما تغير فيه الحكم لتغير أحوال الناس، وقد تقدم هذا في الجواب السابع عند الاستدلال بحديث طاوس عن ابن عباس في جعل الثلاث المجموعة واحدة مع مناقشته. ونوقش أيضا: بأن لفظ طلقتها ثلاثا يحتمل أن يكون بلفظ واحد، وأن يكون مفرقا، وأجيب بأن احتمال تفريقه خلاف الظاهر؛ لقوله في الحديث في مجلس واحد، والغالب فيما كان كذلك أن يكون بلفظ واحد. ونوقش أيضا: بمعارضته للإجماع، وقد تقدم مناقشة الإجماع عند الكلام على الاستدلال به على إمضاء الثلاث. ونوقش أيضا: بمعارضته لحديث نافع بن عجير في إمضائه ثلاثا. وأجيب: بترجيح هذه الرواية على رواية نافع بن عجير، لسلامتها، وضعف نافع، وقد سبق شرح ذلك. إلى غير هذا من المناقشات التي سبقت عند الإجابة عن الاستدلال بحديث ابن عباس في اعتبار الثلاث واحدة.

стр. 564

ومن السنة أيضا: حديث بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس: «أن عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - طلق أم ركانة وتزوج امرأة أخرى، فشكت ضعفه إلى رسول الله ﷺ ، فأمره بطلاقها فطلقها، وقال له: راجع أم ركانة وإخوته، فقال: إني طلقتها ثلاثا، فقال: قد علمت، راجعها (١) » . وقد سبق نص الحديث مع مناقشته. ومن السنة أيضا: «حديث ابن عمر، وفيه: أنه طلق امرأته وهي حائض، فردها النبي ﷺ إلى السنة (٢) » . ورد: أولا: بأن رواة هذا الحديث شيعة. وثانيا: بأن في سنده ظريف بن ناصح، وهو شيعي لا يكاد يعرف. وثالثا: بأنه مع ما ذكر مخالف لما رواه الثقات الأثبات: أن ابن عمر طلق امرأته في الحيض تطليقة واحدة، فهو حديث منكر. واستدلوا بالإجماع: قالوا: إن الأمر لم يزل على اعتبار الثلاث بلفظ واحد واحدة، إلى ثلاث سنين من خلافة عمر. ويمكن أن يجاب: بما ورد من الآثار عن بعض الصحابة من أن الثلاث بلفظ واحد تمضي ثلاثا. وقد سبق ذكرها في استدلال من يقول بإمضاء الثلاث. لكن للمستدل أن يقول: إن الآثار التي وردت فيها الفتوى بخلاف هذا الدليل بدأت في عهد عمر بضرب من التأويل، يدل على تأخير بدئها ظاهر حديث طاوس

стр. 565

عن ابن عباس. وقد تقدم مع المناقشة. واستدلوا: بالقياس، قالوا: كما لا يعتبر قول الملاعن وقول الملاعنة: أشهد بالله أربع شهادات - بكذا، أربع شهادات - لا يعتبر قول الزوج لامرأته: أنت طالق ثلاثا بلفظ واحد ثلاث تطليقات، وكذا كل ما يعتبر فيه تكرار القول أو الفعل من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل وإقرار. ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، للإجماع على اعتبار الطلقة المفردة في الطلاق، وبينونة المعتدة منها بانتهاء العدة، وعدم اعتبار الشهادة الواحدة من الأربع في اللعان. وللمستدل أن يقول: هذا الفارق مسلم، ومعه فوارق أخرى بينهما، انفرد كل من الطلاق واللعان بشيء منها، لكنها ليست في مورد قياس المستدل هنا، فإنه وارد فيما يعتبر فيه تكرار الفعل أو القول، ولا يعتد فيه بالاكتفاء بذكر اسم العدد، وليس من شرط سلامة القياس اشتراك المقيس والمقيس عليه في جميع صفاتهما، بل إن اعتبار هذا لا يتأتى معه قياس؛ لأن كل شيئين لا بد أن ينفرد كل منهما عن الآخر بخاصة أو خواص، وإلا كان عينه. واستدلوا: بما روي من الآثار في الإفتاء بذلك عن ابن عباس وعلي وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة ومن بعدهم.
следующие страницы →