← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الصحابة مما تتوفر الدواعي على نقله، فنقله آحادا يوجب رده، اللهم إلا أن يحمل الحديث على ما تقدم من أن الطلاق كان على وجه التكرار مع قصد التأكيد أو قد كان بلفظ ألبتة فاختلف الحكم فيه لاختلاف النية. وقد يناقش: ألا يراد بالمنع أن يكون ما ذكر مما توفر الدواعي على نقله، وأنه على تقدير أن يكون من ذلك، فللمستدل أن يقول: إن الحديث قد اشتهر نقله وصح سنده ولم يجرؤ أحد على تكذيبه أو تضعيفه بوجه يعتبر مثله، كما اشتهر نقل مخالفة فتوى عمر وابن عباس لظاهره، ويشهد لهذا اشتغال العلماء سلفا وخلفا بالأمرين، فبعضهم يؤول الحديث ليتفق مع الفتاوى، وبعضهم يذهب إلى بيان وجه مخالفة الفتاوى له ويبقيه على ظاهره، ويعتذر عن الفتوى بخلافه، وبعضهم يعارضه بفتوى ابن عباس ويقدم العمل بها عليه، إلى غير هذا مما يدل على شهرة النقل للأمرين، وعلى تقدير عدم الشهرة فكم من أمر تتوفر الدواعي على نقله قد نقل آحادا وعمل به جمع من أئمة الفقهاء ورده آخرون بهذه الدعوى. وأجيب تاسعا: بأن الحديث مضطرب سندا ومتنا: أما اضطراب سنده: فلروايته تارة عن طاوس عن ابن عباس، وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس. وأما اضطراب متنه: فإن أبا الصهباء تارة يقول: ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ وتارة يقول: ألم تعلم أن الطلاق الثلاث كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدر

стр. 562

من خلافة عمر واحدة؟ ونوقش: بأن الاضطراب إنما يحكم به على الحديث إذا لم يمكن الجمع ولا الترجيح وكلاهما ممكن فيما نحن فيه، فإن الرواية عن أبي الجوزاء وهم فيها عبد الله بن المؤمل، حيث انتقل في روايته الحديث عن ابن أبي مليكة من أبي الصهباء إلى أبي الجوزاء، وقد كان سيئ الحفظ فلا تعارض بها رواية الثقات عن أبي الصهباء، وأما روايته عن طاوس عن ابن عباس وعن طاوس عن أبي الصهباء وعن ابن عباس - فكلاهما ممكن، فلا تعارض ولا اضطراب، وأما اختلاف المتن فتقدم بيان الجمع بين الروايتين فلا اضطراب. وأجيب عاشرا: بمعارضته بالإجماع، والإجماع معصوم فيقدم وقد تقدمت مناقشة ذلك. ومن السنة أيضا: ما رواه الإمام أحمد في [مسنده] عن سعد بن إبراهيم، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا، قال: فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت قال: فراجعها (١) » ، فكان ابن عباس يرى الطلاق عند كل طهر، وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد، واستدل بما روى به في رد ابنته ﷺ على زوجها ابن أبي العاص بالنكاح الأولى، وقدمه على ما يخالفه فهو حجة ما لم

стр. 563

يعارضه ما هو أقوى منه فكيف إذا عضده نظيره أو ما هو أقوى منه، ودلالة متنه ظاهرة في اعتبار الطلاق ثلاثا في مجلس واحد واحدة. ونوقش: بأن المراد بالطلاق الثلاث في الحديث: لفظ ألبتة، لاشتهارها في الثلاث عند أهل المدينة، فرواه بعض رواته بالمعنى فعبر بالثلاث بدلا من ألبتة، وفي هذا جمع بين الروايات، وكانت يراد بها واحدة أولا، فلما تتابع الناس في إرادة الثلاث ألزمهم إياها عمر ﵁، ونظيره زيادة الضرب في شرب الخمر ونحوه مما تغير فيه الحكم لتغير أحوال الناس، وقد تقدم هذا في الجواب السابع عند الاستدلال بحديث طاوس عن ابن عباس في جعل الثلاث المجموعة واحدة مع مناقشته. ونوقش أيضا: بأن لفظ طلقتها ثلاثا يحتمل أن يكون بلفظ واحد، وأن يكون مفرقا، وأجيب بأن احتمال تفريقه خلاف الظاهر؛ لقوله في الحديث في مجلس واحد، والغالب فيما كان كذلك أن يكون بلفظ واحد. ونوقش أيضا: بمعارضته للإجماع، وقد تقدم مناقشة الإجماع عند الكلام على الاستدلال به على إمضاء الثلاث. ونوقش أيضا: بمعارضته لحديث نافع بن عجير في إمضائه ثلاثا. وأجيب: بترجيح هذه الرواية على رواية نافع بن عجير، لسلامتها، وضعف نافع، وقد سبق شرح ذلك. إلى غير هذا من المناقشات التي سبقت عند الإجابة عن الاستدلال بحديث ابن عباس في اعتبار الثلاث واحدة.

стр. 564

ومن السنة أيضا: حديث بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس: «أن عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - طلق أم ركانة وتزوج امرأة أخرى، فشكت ضعفه إلى رسول الله ﷺ ، فأمره بطلاقها فطلقها، وقال له: راجع أم ركانة وإخوته، فقال: إني طلقتها ثلاثا، فقال: قد علمت، راجعها (١) » . وقد سبق نص الحديث مع مناقشته. ومن السنة أيضا: «حديث ابن عمر، وفيه: أنه طلق امرأته وهي حائض، فردها النبي ﷺ إلى السنة (٢) » . ورد: أولا: بأن رواة هذا الحديث شيعة. وثانيا: بأن في سنده ظريف بن ناصح، وهو شيعي لا يكاد يعرف. وثالثا: بأنه مع ما ذكر مخالف لما رواه الثقات الأثبات: أن ابن عمر طلق امرأته في الحيض تطليقة واحدة، فهو حديث منكر. واستدلوا بالإجماع: قالوا: إن الأمر لم يزل على اعتبار الثلاث بلفظ واحد واحدة، إلى ثلاث سنين من خلافة عمر. ويمكن أن يجاب: بما ورد من الآثار عن بعض الصحابة من أن الثلاث بلفظ واحد تمضي ثلاثا. وقد سبق ذكرها في استدلال من يقول بإمضاء الثلاث. لكن للمستدل أن يقول: إن الآثار التي وردت فيها الفتوى بخلاف هذا الدليل بدأت في عهد عمر بضرب من التأويل، يدل على تأخير بدئها ظاهر حديث طاوس

стр. 565

عن ابن عباس. وقد تقدم مع المناقشة. واستدلوا: بالقياس، قالوا: كما لا يعتبر قول الملاعن وقول الملاعنة: أشهد بالله أربع شهادات - بكذا، أربع شهادات - لا يعتبر قول الزوج لامرأته: أنت طالق ثلاثا بلفظ واحد ثلاث تطليقات، وكذا كل ما يعتبر فيه تكرار القول أو الفعل من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل وإقرار. ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، للإجماع على اعتبار الطلقة المفردة في الطلاق، وبينونة المعتدة منها بانتهاء العدة، وعدم اعتبار الشهادة الواحدة من الأربع في اللعان. وللمستدل أن يقول: هذا الفارق مسلم، ومعه فوارق أخرى بينهما، انفرد كل من الطلاق واللعان بشيء منها، لكنها ليست في مورد قياس المستدل هنا، فإنه وارد فيما يعتبر فيه تكرار الفعل أو القول، ولا يعتد فيه بالاكتفاء بذكر اسم العدد، وليس من شرط سلامة القياس اشتراك المقيس والمقيس عليه في جميع صفاتهما، بل إن اعتبار هذا لا يتأتى معه قياس؛ لأن كل شيئين لا بد أن ينفرد كل منهما عن الآخر بخاصة أو خواص، وإلا كان عينه. واستدلوا: بما روي من الآثار في الإفتاء بذلك عن ابن عباس وعلي وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة ومن بعدهم.

стр. 566

ونوقش: بأن ما روي من ذلك عن طاوس عن ابن عباس مردود، فإن لطاوس عن ابن عباس مناكير منها روايته هذه الفتوى عن ابن عباس. وأجيب: بأن طاووس بن كيسان قد وثقه ابن معين، وسئل أيهما أحب إليك طاوس أم سعيد بن جبير؟ فلم يخير بينهما، وقال قيس بن سعد: كان طاوس فينا مثل ابن سيرين بالبصرة، وقال الزهري: لو رأيت طاووسا علمت أنه لا يكذب، وروى له أصحاب [الكتب الستة] في أصولهم (١) . فعلى من ادعى روايته للمناكير عن ابن عباس أن يثبت ذلك بشواهد من رواياته عنه في غير هذه المسألة، أما فيما رواه في هذه المسألة فهو مجرد دعوى في محل النزاع، وما ذكر من مخالفة غيره له في هذه المسألة فغايته أن يكون لابن عباس فيها قولان، روى كل من الفريقين عنه قولا منهما؛ ولذلك قدرتم رجوعه عنها على تقدير صحة روايتها، ثم إن عكرمة تابع طاووسا في روايته هذا الأثر عن ابن عباس وهو من رجال السنة. ونوقش: بأن رواية حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس معارضة برواية إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب: أن هذا الأثر من قول عكرمة. وأجيب: أولا: بأنه لا معارضة لجواز أن يكون روي عن كل منهما. وثانيا: أنه على تقدير المعارضة فرواية حماد بن زيد مقدمة على رواية إسماعيل بن إبراهيم، فإن حمادا أثبت في الرواية عن أيوب من كل من

стр. 567

روى عنه (١) . المذهب الثالث: أن الطلاق الثلاث يمضي ثلاثا في المدخول بها وواحدة في غير المدخول بها: واستدلوا لمذهبهم في المدخول بها بما استدل به الجمهور. وقد تقدم مع مناقشته. واستدلوا لمذهبهم في غير المدخول بها بحديث أبي الصهباء الذي قال فيه لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من إمارة عمر؟ ! قال: بلى. وقد تقدم الحديث، قالوا: إن التفصيل بين المدخول بها وغير المدخول بها فيه جمع بين الروايات وإثبات حكم كل منها في حال. وقد سبقت مناقشة هذا الدليل. المذهب الرابع: أنه لا يعتد به مطلقا: لأن إيقاعه ثلاثا بلفظ واحد بدعة محرمة، فكان غير معتبر شرعا، لحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » . ورد بأنه لا يعرف القول به عن أحد من السلف، وأن أهل العلم في جميع الأمصار مجمعون على اعتباره والاعتداد به، وإن اختلفوا فيما

стр. 568

يمضي منه، ولم يخالف فيه إلا ناس من أهل البدع ممن لا يعتد بهم في انعقاد الإجماع. وقد يستدل لهم أيضا: بأنه كالظهار فإنه لما كان محرما لم يعتبر طلاقا مع قصد المظاهر الطلاق فكذا الطلاق ثلاثا مجموعة. وأجيب: بالفرق، فإن الظهار محرم في نفسه على كل حال، فكان باطلا ولزمت فيه العقوبة على كل حال، بخلاف الطلاق فإن جنسه مشروع كالنكاح والبيع؛ ولذا امتنع في حال دون حال، وانقسم إلى صحيح وباطل أو فاسد. هذا ما تيسر إعداده، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. . . حرر في ١٩ \ ٩ \ ١٣٩٣ هـ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 569

قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨) وتاريخ ١٢ \ ١١ \ ١٣٩٣ هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثالثة، المنعقدة في شهر ربيع الثاني عام ١٣٩٣ هـ بحث مسألة (الطلاق الثلاث بلفظ واحد) واستنادا إلى المادة السابعة من لائحة سير العمل في هيئة كبار العلماء، والتي تنص على: أن ما يجري بحثه في مجلس الهيئة يتم بطلب من ولي الأمر أو بتوصية من الهيئة، أو من أمينها، أو من رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو من اللجنة الدائمة المتفرعة عن الهيئة - فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها المنعقدة في ما بين ٢٩ \ ١٠ \ ١٣٩٣ هـ و ١٢ \ ١١ \ ١٣٩٣ هـ في هذه الدورة جرى دراسة الموضوع. بعد الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في موضوع (الطلاق الثلاث بلفظ واحد) . وبعد دراسة المسألة، وتداول الرأي، واستعراض الأقوال التي قيلت فيها، ومناقشة ما على كل قول من إيراد - توصل المجلس بأكثريته إلى اختيار القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا؛ وذلك لأمور أهمها ما

стр. 570

يلي: أولا: لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) إلى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) فإن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه عدة، وما كان صاحبه مخيرا بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان. وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة، فلم يكن طلاقا للعدة، وفي فحوى هذه الآية دلالة على وقوع الطلاق لغير العدة، إذ لو لم يقع لم يكن ظالما لنفسه بإيقاعه لغير العدة، ولم ينسد الباب أمامه حتى يحتاج إلى المخرج الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) وهو الرجعة حسبما تأوله ابن عباس ﵁ حين قال للسائل الذي سأله - وقد طلق ثلاثا -: إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك. ولا خلاف في أن من لم يطلق للعدة بأن طلق ثلاثا مثلا فقد ظلم نفسه، فعلى القول بأنه إذا طلق ثلاثا فلا يقع من طلاقه إلا واحدة، فما هي التقوى التي بالتزامها يكون المخرج واليسر، وما هي عقوبة هذا الظالم نفسه المتعدي لحدود الله حيث طلق بغير العدة، فلقد جعل الشارع على من قال قولا منكرا لا يترتب عليه مقتضى قوله المنكر عقوبة له على ذلك كعقوبة

стр. 571

المظاهر من امرأته بكفارة الظهار، فظهر والله أعلم: أن الله تعالى عاقب من طلق ثلاثا بإنفاذها عليه وسد المخرج أمامه، حيث لم يتق الله فظلم نفسه وتعدى حدود الله. ثانيا: ما في [الصحيحين] عن عائشة ﵂: «أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلقت، فسئل النبي ﷺ أتحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (١) » ، فقد ذكره البخاري ﵀ تحت ترجمة (باب من أجاز الطلاق ثلاثا) ، واعترض على الاستدلال به بأنه مختصر من قصة رفاعة بن وهب التي جاء في بعض رواياتها عند مسلم أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات. ورد الحافظ ابن حجر ﵀ الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فلا مانع من التعدد، فإن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها، ثم قال: وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب. اهـ. وعند مقابلة هذا الحديث بحديث ابن عباس الذي رواه عنه طاوس «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة (٢) » إلخ. . .) فإن الحال لا تخلو من أمرين: إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة وحديث طاوس أنها مجتمعة أو متفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة

стр. 572

فلا حجة في حديث طاوس على محل النزاع في وقوع الثلاث بلفظ واحد واحدة، وأما اعتبار الثلاث في حديث عائشة مفرقة وفي حديث طاوس مجتمعة فلا وجه له ولا دليل عليه. ثالثا: لما وجه به بعض أهل العلم كابن قدامة ﵀ حيث يقول: ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقا فصح مجتمعا كسائر الأملاك. والقرطبي ﵀ حيث يقول: وحجة الجمهور من جهة اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدا، وهو أن المطلقة ثلاثا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا وما يتخيل من الفرق صوري ألغاه الشارع اتفاقا في النكاح والعتق والأقارير، فلو قال الولي: أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد، كما لو قال: أنكحتك هذه وهذه وهذه، وكذلك في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام. اهـ، وغاية ما يمكن أن يتجه على المطلق بالثلاث لومه على الإسراف برفع نفاذ تصرفه. رابعا: لما أجمع عليه أهل العلم إلا من شذ في إيقاع الطلاق من الهازل، استنادا إلى حديث أبي هريرة وغيره مما تلقته الأمة بالقبول، من أن «ثلاثا جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة (١) » ولأن قلب الهازل بالطلاق عمد ذكره، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعليله القول بوقوع الطلاق من الهازل، حيث قال: ومن قال: لا لغو في الطلاق فلا حجة معه؛ بل عليه؛ لأنه لو سبق لسانه بذكر الطلاق من غير عمد القلب لم يقع به وفاقا، وأما إذا قصد اللفظ به هازلا فقد عمد قلبه

стр. 573

ذ كره. اهـ. فإن ما زاد على الواحدة لا يخرج عن مسمى الطلاق بل هو من صريحه، واعتبار الثلاث واحدة إعمال لبعض عدده دون باقيه بلا مسوغ، اللهم إلا أن يكون المستند في ذلك حديث ابن عباس، ويأتي الجواب عنه إن شاء الله. خامسا: إن القول بوقوع الثلاث ثلاثا قول أكثر أهل العلم، فلقد أخذ به عمر وعثمان وعلي والعبادلة: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن مسعود، وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال به الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وذكر ابن عبد الهادي عن ابن رجب ﵀ قوله: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام - شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة، إذا سبق بلفظ واحد. اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بحثه الأقوال في ذلك: الثاني: أنه طلاق محرم ولازم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين. اهـ. وقال ابن القيم: واختلف الناس فيها - أي: في وقوع الثلاث بكلمة واحدة - على أربعة مذاهب: أحدها: أنه يقع، وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة. اهـ.

стр. 574

وقال القرطبي: قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف. وقال ابن العربي في كتابه: [الناسخ والمنسوخ] ونقله عنه ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] : قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يلزم، وجعلوه واحدة، ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن علي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطأة الضعيف المنزلة والمغموز المرتبة، ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل. . . إلى أن قال: وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد، إلى أن قال: وأما حديث الحجاج بن أرطأة فغير مقبول في الملة ولا عند أحد من الأئمة. اهـ. سادسا: لتوجه الإيرادات على حديث ابن عباس ﵁: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة (٢) » إلى آخر الحديث، مما يضعف الأخذ به والاحتجاج بما يدل عليه، فإنه يمكن أن يجاب عنه بما يلي: (أ) ما قيل من أن الحديث مضطرب سندا ومتنا: أما اضطراب سنده: فلروايته تارة عن طاوس عن ابن عباس، وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن

стр. 575

عباس. وأما اضطراب متنه: فإن أبا الصهباء تارة يقول: ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة، وتارة يقول: «ألم تعلم أن الطلاق الثلاث كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة (١) » . (ب) قد تفرد به عن ابن عباس طاوس، وطاووس متكلم فيه من حيث روايته المناكير عن ابن عباس، قال القاضي إسماعيل في كتابه [أحكام القرآن] : طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها هذا الحديث، وعن أيوب أنه كان يعجب من كثرة خطأ طاوس، وقال ابن عبد البر: شذ طاوس في هذا الحديث، وقال ابن رجب: وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل، ونقل القرطبي عن ابن عبد البر أنه قال: رواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والمغرب. (ج) ما ذكره بعض أهل العلم من أن الحديث شاذ من طريقين: أحدهما: تفرد طاوس بروايته، وأنه لم يتابع عليه، قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: كل أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما روى طاوس، وقال الجوزجاني: هو حديث شاذ، وقال ابن رجب ونقله عنه ابن عبد الهادي: وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلا. الثاني: ما ذكره البيهقي، فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم

стр. 576

الثلاث، ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئا ويفتي بخلافه، وقال ابن التركماني: وطاووس يقول: إن أبا الصهباء مولاه سأله عن ذلك ولا يصح ذلك عن ابن عباس لرواية الثقات عنه خلافه، ولو صح عنه ما كان قوله حجة على من هو من الصحابة أجل وأعلم منه وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وغيرهم. اهـ. فلما في هذا الحديث من الشذوذ فقد أعرض عنه الشيخان الجليلان أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فقد قال للأثرم وابن منصور: بأنه رفض حديث ابن عباس قصدا؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد، لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك، والإمام محمد بن إسماعيل البخاري ذكر عنه البيهقي أنه ترك الحديث عمدا لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد، ولا شك أنهما لم يتركاه إلا لموجب يقتضي ذلك. (د) أن حديث ابن عباس يتحدث عن حالة اجتماعية مفروض فيها أن تكون معلومة لدى جمهور معاصريها، وتوفر الدواعي لنقلها بطرق متعددة مما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف، ومع هذا لم تنقل إلا بطريق أحادي عن ابن عباس فقط، ولم يروها عن ابن عباس غير طاوس الذي قيل عنه بأنه يروي المناكير، ولا يخفى ما عليه جماهير علماء الأصول من أن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي لنقله متوفرة، ولم ينقله إلا واحد ونحوه أن ذلك يدل على عدم صحته، فقد قال صاحب [جمع الجوامع] عطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة. اهـ.

стр. 577

وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: إذا انفرد واحد فيما يتوافر الدواعي على نقله وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. اهـ. فلا شك أن الدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله ﷺ والمسلمون بعده في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، من أن الطلاق الثلاث كانت تجعل واحدة متوفرة توافرا لا يمكن إنكاره، ولا شك أن سكوت جميع الصحابة عنه حيث لم ينقل عنهم حرف واحد في ذلك غير ابن عباس، يدل دلالة واضحة على أحد أمرين: إما أن المقصود بحديث ابن عباس ليس معناه بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد، وإما أن الحديث غير صحيح لنقله آحادا مع توفر الدواعي لنقله. (هـ) ما عليه ابن عباس ﵁ من التقى والصلاح والعلم والاستقامة والتقيد بالاقتداء والقوة في الصدع بكلمة الحق التي يراها، يمنع القول بانقياده إلى ما أمر به عمر ﵁ من إمضاء الثلاث والحال أنه يعرف حكم الطلاق الثلاث في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر من أنه يجعل واحدة. فلا يخفى خلافه مع عمر ﵄ في متعة الحج وبيع الدينار بالدينارين وفي بيع أمهات الأولاد وغيرها من مسائل الخلاف، فكيف يوافقه في شيء يروي عن النبي ﷺ فيه خلافه، وإلى قوته ﵁ في الصدع بكلمة الحق التي يراها، تشير كلمته المشهورة في مخالفته عمر في متعة الحج وهي قوله: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول:

стр. 578

قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. (و) على فرض صحة حديث ابن عباس فإن ما عليه أصحاب رسول الله ﷺ من التقى والصلاح والاستقامة وتمام الاقتداء بما عليه الحال المعتبرة شرعا في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر - يمنع القول بانقيادهم إلى أمر عمر ﵁ في إمضاء الثلاث، والحال أنهم يعرفون ما كان عليه أمر الطلاق الثلاث في ذلك العهد، ومع هذا فلم يثبت بسند صحيح أن أحدا منهم أفتى بمقتضى ما عليه الأمر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر حسبما ذكره ابن عباس في حديثه. (ز) ما في حديث ابن عباس من الدلالة على أن عمر أمضى الثلاث عقوبة للناس؛ لأنهم قد استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة. وهذا مشكل، ووجه الإشكال: كيف يقرر عمر ﵁ وهو هو تقى وصلاحا وعلما وفقها - بمثل هذه العقوبة التي لا تقتصر آثارها على من استحقها، وإنما تتجاوزه إلى طرف آخر ليس له نصيب في الإجرام، ونعني بالطرف الآخر: الزوجات، حيث يترتب عليها إحلال فرج حرام على طرف ثالث، وتحريم فرج حلال بمقتضى عقد الزواج، وحقوق الرجعة، مما يدل على أن حديث طاوس عن ابن عباس فيه نظر. وأما المشايخ: عبد العزيز بن باز، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد الله خياط، وراشد بن خنين، ومحمد بن جبير - فقد اختاروا القول بوقوع الثلاث واحدة، ولهم وجهة نظر مرفقة، وأما الشيخ صالح بن لحيدان فقد أبدى التوقف.

стр. 579

وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة الرابعة عبد الله بن محمد بن حميد عبد الله خياط مخالف ... عبد العزيز بن صالح ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ عبد الله بن غديان ... صالح بن لحيدان ... محمد الأمين الشنقيطي عبد المجيد حسن ... سليمان بن عبيد ... راشد بن خنين عبد الله بن منيع ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن باز محمد الحركان ... صالح بن غصون ... محمد بن جبير

стр. 580

وجهة نظر المخالفين نرى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة، وقد سبقنا إلى القول بهذا ابن عباس في رواية صحيحة ثابتة عنه، وأفتى به: الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود من الصحابة في رواية عنهم، وأفتى به: عكرمة، وطاووس وغيرهما من التابعين، وأفتى به ممن بعدهم: محمد بن إسحاق، وخلاس بن عمرو، والحارث العكلي، والمجد بن تيمية، وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وتلميذه شمس الدين ابن القيم وغيرهم. وقد استدل على ذلك بما يأتي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) وبيانه: أن الطلاق الذي شرع للزوج فيه الخيار بين أن يسترجع زوجته أو يتركها بلا رجعة حتى تنقضي عدتها فتبين منه مرتان: مرة بعد مرة، سواء طلق في كل مرة منهما طلقة أو ثلاثا مجموعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَرَّتَانِ﴾ (٢) ولم يقل طلقتان، ثم قال تعالى في الآية التي تليها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) فحكم بأن زوجته تحرم عليه بتطليقه إياها المرة الثالثة حتى تنكح زوجا

стр. 581

غيره، سواء نطق في المرة الثالثة بطلقة واحدة أم بثلاث مجموعة، فدل على أن الطلاق شرع مفرقا على ثلاث مرات، فإذا نطق بثلاث في لفظ واحد كان مرة واعتبر واحدة. الدليل الثاني: ما رواه مسلم في [صحيحه] ، من طريق طاوس عن ابن عباس ﵁ قال: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ﵁: (إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم) فأمضاه عليهم (١) » . وفي [صحيح مسلم] ، أيضا عن طاوس عن ابن عباس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبي بكر واحدة؟ ! قال: (قد كان ذلك) ، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم) . فهذا الحديث واضح الدلالة على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد، طلقة واحدة وعلى أنه لم ينسخ لاستمرار العمل به في عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر؛ ولأن عمر علل إمضاءه ثلاثا بقوله: (إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة) ولم يدع النسخ ولم يعلل الإمضاء به، ولا بظهوره بعد خفائه؛ ولأن عمر استشار الصحابة في إمضائه ثلاثا، وما كان عمر ليستشير أصحابه في العدول عن العمل بحديث علم أو ظهر له أنه منسوخ. وما أجيب به عن حديث ابن عباس فهو: إما تأويل متكلف، وحمل للفظه على خلاف ظاهره بلا دليل، وإما طعن فيه بالشذوذ والاضطراب

стр. 582

وضعف طاوس، وهذا مردود بأن مسلما رواه في [صحيحه] ، وقد اشترط ألا يروي في كتابه إلا الصحيح من الأحاديث، ثم إن الطاعنين فيه قد احتجوا بقول عمر في آخره: (إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم) ، فأمضاه عليهم، فكيف يكون آخره حجة مقبولة ويكون صدره مردودا لاضطرابه وضعف راويه؟ وأبعد من هذا ما ادعاه بعضهم من أن العمل كان جاريا على عهد النبي ﷺ بجعل الطلاق الثلاث واحدة لكنه ﷺ لم يعلم بذلك، إذ كيف تصح هذه الدعوى والقرآن ينزل والوحي مستمر، وكيف تستمر الأمة على العمل بالخطأ في عهده وعهد أبي بكر وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر، وكيف يعتذر عمر في عدوله عن ذلك إلى إمضائه عليهم بما ذكر في الحديث من استعجال الناس في أمر كانت لهم فيه أناة. ومن الأمور الواهية التي حاولوا بها رد الحديث معارضته بفتوى ابن عباس على خلافه، ومن المعلوم عند علماء الحديث وجمهور الفقهاء أن العبرة بما رواه الراوي متى صحت الرواية، لا برأيه وفتواه بخلافه، لأمور كثيرة استندوا إليها في ذلك، وجمهور من يقول بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يعتبر ثلاثا يقولون بهذه القاعدة، ويبنون عليها الكثير من الفروع الفقهية، وقد عارضوا الحديث أيضا بما ادعوه من الإجماع على خلافه بعد سنتين من خلافة عمر ﵁ مع العلم بأنه قد ثبت الخلاف في اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا، واعتباره واحدة بين السلف والخلف، واستمر إلى يومنا، ولا يصح الاستدلال على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ

стр. 583

واحد ثلاثا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في تحريم الرسول ﷺ زوجة رفاعة القرظي عليه حتى تنكح زوجا غيره لتطليقه إياها ثلاثا؛ لأنه ثبت أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، كما رواه مسلم في [صحيحه] فكان الطلاق مفرقا، ولم يثبت أن رفاعة بن وهب النضري جرى له مع زوجته مثل ما جرى لرفاعة القرظي حتى يقال بتعدد القصة، وأن إحداهما كان الطلاق فيها ثلاثة مجموعة، ولم يحكم ابن حجر بتعدد القصة بل قال: إن كان محفوظا - يعني حديث رفاعة النضري - فالواضح تعدد القصة، واستشكل ابن حجر تعدد القصة في كتابه [الإصابة] ، قال: لكن المشكل اتحاد اسم الزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير. الدليل الثالث: ما رواه الإمام أحمد في [مسنده] ، قال: حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق، قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد - أخو بني المطلب - امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : كيف طلقتها، قال: طلقتها ثلاثا قال؟ فقال: في مجلس واحد قال: نعم، فقال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت، قال: فراجعها (١) » ، قال: فكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر. قال ابن القيم في كتابه [إعلام الموقعين] : (وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه) ، وضعف أحمد وأبو عبيد والبخاري ما روي من أن ركانة طلق زوجته بلفظ - ألبتة. الدليل الرابع: بالإجماع، وبينه ابن تيمية وابن القيم وغيرهما بأن الأمر

стр. 584

لم يزل على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة في عهد أبي بكر وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر، وأن ما روي عن الصحابة من الفتوى بخلاف ذلك فإنما كان من بعضهم بعدما أمضاه عمر ثلاثا تعزيرا وعقوبة، لما استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، ولم يرد عمر بإمضاء الثلاث أن يجعل ذلك شرعا كليا مستمرا، وإنما أراد أن يلزم به ما دامت الدواعي التي دعت إليه قائمة، كما هو الشأن في الفتاوى التي تتغير بتغير الظروف والأحوال. وللإمام أن يعزر الرعية عند إساءة التصرف في الأمور التي لهم فيها الخيار بين الفعل والترك بقصرهم على بعضها ومنعهم من غيره، كما منع النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا من زوجاتهم مدة من الزمن عقوبة لهم على تخلفهم عن غزوة تبوك مع أن زوجاتهم لم يسئن، وكالزيادة في عقوبة شرب الخمر، وتحديد الأسعار عند استغلال التجار مثلا للظروف وتواطئهم على رفع الأسعار دون مسوغ شرعي إقامة للعدل، وفي معنى هذا تنظيم المرور، فإنه فيه منع الناس من المرور في طرق قد كان مباحا لهم السير فيها من قبل؛ محافظة على النفوس والأموال، وتيسيرا للسير مع أمن وسلام. الدليل الخامس: قياس الطلاق الثلاث على شهادات اللعان، قالوا: كما لا يعتبر قول الزوج في اللعان: أشهد بالله أربع شهادات أني رأيتها تزني إلا شهادة واحدة لا أربعا، فكذا لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا لا يعتبر إلا طلقة واحدة لا ثلاثا، ولو قال: أقر بالزنا أربعا مكتفيا بذكر اسم العدد عن تكرار الإقرار لم يعتبر إلا واحدة عند من اعتبر التكرار في الإقرار، فكذا لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا مكتفيا باسم العدد عن تكرار الطلاق لم يعتبر

стр. 585

إلا واحدة، وهكذا كل ما يعتبر فيه تكرار القول لا يكفي فيه عن التكرار ذكر اسم العدد كالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلوات المكتوبة. والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم. حرر في ١٢ \ ١١ \ ١٣٩٣ هـ.

стр. 586

مصادر بحث الطلاق الثلاث بلفظ واحد ١ -[تفسير القرطبي] ، طبع مطبعة دار الكتب المصرية - عام ١٣٥٤ هـ. ٢ -[أحكام القرآن] لأحمد بن علي الرازي (الجصاص) طبع بمطبعة البهية المصرية، سنة ١٣٤٧ هـ. ٣ -[أضواء البيان] . ٤ -[صحيح البخاري] ، ومعه [فتح الباري] : طبع المطبعة السلفية، بترقيم عبد الباقي، وإشراف محيي الدين الخطيب. ٥ -[عمدة القاري] للعيني، طبع المطبعة المنيرية. ٦ -[صحيح مسلم وعليه النووي] الطبعة الأولى، طبع بالمطبعة الأزهرية - سنة ١٣٤٧ هـ. ٧ -[مختصر سنن أبي داود] ومعها [المعالم] للخطابي و [تهذيبها] ، لابن القيم: طبع مطبعة أنصار السنة المحمدية - عام ١٣٦٧ هـ. ٨ -[جامع الترمذي] . ٩ -[عارضة الأحوذي على الترمذي] لابن العربي. ١٠ -[شرح الزرقاني على الموطأ] طبع بمطبعة الاستقامة بالقاهرة - سنة ١٣٧٣ هـ. ١١ -[مسند الإمام أحمد] بتعليق أحمد شاكر، طبع دار المعارف - سنة ١٣٦٩ هـ.

стр. 587

١٢ -[مستدرك الحاكم وعليه تلخيصه للذهبي] الطبعة الأولى - سنة ١٣٤٠ هـ، طبع بمطبعة حيدر آباد. ١٣ -[نيل الأوطار] طبعة حلبية، الطبعة الثانية - عام ١٣٧١ هـ. ١٤ -[جامع العلوم والحكم] لابن رجب، طبعة حلبية - عام ١٣٨٢ هـ الطبعة الثالثة. ١٥ -[سنن ابن ماجه] الطبعة الأولى بالمطبعة النازية. ١٦ -[سنن سعيد بن منصور] . ١٧ -[سنن الدارقطني] طبع دار المحاسن للطباعة - طبع عام ١٣٨٦ هـ. ١٨ -[السنن الكبرى] للبيهقي - الطبعة الأولى - بمطبعة حيدر آباد. ١٩ -[المصنف] ، لعبد الرزاق: الطبعة الأولى. ٢٠ -[شرح المواهب اللدنية] للزرقاني المالكي، الطبعة الأولى، بالمطبعة الأزهرية - سنة ١٣٢٥ هـ. ٢١ -[شرح معاني الآثار] ، طبع مطبعة الأنوار المحمدية. ٢٢ -[المنتقى] للباجي، طبع مطبعة السعادة - الطبعة الأولى، عام ١٣٣٢ هـ. ٢٣ -[الجرح والتعديل] ، الطبعة الأولى، بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن - عام ١٣٧١ هـ. ٢٤ -[تهذيب التهذيب] الطبعة الأولى، بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن - عام ١٣٢٧ هـ. ٢٥ -[خلاصة تهذيب تهذيب الكمال] الطبعة الأولى - بالمطبعة الخيرية - عام ١٣٢٣ هـ.

стр. 588

٢٦ -[الإصابة ومعها الاستيعاب] ، طبع بمطبعة مصطفى محمد. ٢٧ -[المستفاد من مبهمات المتن والإسناد]- طبع مطابع الرياض. ٢٨ -[بدائع الصنائع] للكني - طبع بمطبعة الجمالية بمصر، الطبعة الأولى عام ١٣٢٨ هـ. ٢٩ -[المبسوط] ، للسرخسي - طبع بمطبعة السعادة، بجوار محافظة مصر، الطبعة الأولى. ٣٠ -[فتح القدير] لابن الهمام - الطبعة الأولى، بالمطبعة الكبرى الأميرية - عام ١٣١٥ هـ. ٣١ -[المدونة] ، الطبعة الأولى، بالمطبعة الخيرية سنة ١٣٢٤ هـ، ومعها [المقدمات] . ٣٢ -[المقدمات] لابن رشد، ومعها [المدونة] . ٣٣ -[مواهب الجليل] للحطاب: ملتزم الطبع مكتبة النجاح، ليبيا. ٣٤ -[الأم] الطبعة الأولى، بالمطبعة الخيرية - عام ١٣٣١ هـ. ٣٥ -[المهذب] الطبعة الحلبية. ٣٦ -[المغني والشرح الكبير] ، الطبعة الأولى، بمطبعة المنار - سنة ١٣٤٦ هـ. ٣٧ -[الكافي] ، الطبعة الأولى - سنة ١٣٨٢ هـ - طبع المكتب الإسلامي. ٣٨ -[الإنصاف] ، طبع بمطبعة السنة المحمدية - عام ١٣٧٧ هـ. ٣٩ -[مجموع فتاوى شيخ الإسلام] . ٤٠ -[زاد المعاد] طبع مطبعة أنصار السنة المحمدية. ٤١ -[إعلام الموقعين] الطبعة المنيرية.

стр. 589

٤٢ -[إغاثة اللهفان] طبعة حلبية - عام ١٣٥٧ هـ. ٤٣ -[مسودة آل تيمية] . ٤٤ -[سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث] ليوسف بن حسن بن عبد الرحمن بن عبد الهادي، طبعه محمد نصيف ضمن مجموعة رأس الحسين. ٤٥ -[المحلى] ، لابن حزم، الطبعة الأولى. ٤٦ -[التجريد في أسماء الصحابة] ، للذهبي، الطبعة الأولى في مطبعة دائرة المعارف النظامية - بحيدر آباد الدكن. ٤٧ -[الناسخ والمنسوخ] ، لابن النحاس، الطبعة الأولى.

стр. 590

(٦) حكم النشوز والخلع هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

стр. 591

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حكم النشوز والخلع الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وآله وصحبه وبعد: فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الخامسة مسألة النشوز والخلع (١) ، وقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع للمجلس، وهذا نصه: الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه وبعد: فبناء على ما تقرر من أن تبحث مسألة النشوز والخلع في الدورة الخامسة، وأن يدرج موضوعها في جدول أعمال تلك الدورة - أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على ما يأتي: ١ - معنى النشوز والخلع في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي.

стр. 592

٢ - الحكم فيما إذا كان النشوز من الزوج. ٣ - الحكم فيما إذا كان النشوز من الزوجة. ٤ - حكم أخذ العوض على الخلع عند تحقق النشوز أو توقعه. ٥ - الحكم فيما إذا كان النشوز منهما جميعا أو ادعاه كل واحد منهما على الآخر. وختمت ذلك بخلاصة لما تضمنه البحث. وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 593

حكم النشوز والخلع النشوز في اللغة وفي عرف الفقهاء: قال ابن منظور: نشز: النشز والنشز: المتن المرتفع من الأرض، وهو أيضا ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض، وليس بالغليظ، والجمع أنشاز ونشوز، وقال بعضهم: جمع النشز: نشوز، وجمع النشز: أنشاز ونشاز، مثل جبل وأجبال وجبال. والنشاز بالفتح كالنشز. ونشز ينشز نشوزا: أشرف على نشز من الأرض وهو ما ارتفع وظهر، يقال: أقعد على ذلك النشاز، وفي الحديث: «إنه كان إذا أوفى على نشز كبر (١) » أي: ارتفع على رابية في سفر، قال: وقد تسكن الشين، ومنه الحديث في خاتم النبوة: «بضعة ناشزة» أي: قطعة لحم مرتفعة على الجسم، ومنه الحديث: «أتاه رجل ناشز الجبهة (٢) » أي: مرتفعها، ونشز الشيء ينشز نشوزا: ارتفع، وتل ناشز: مرتفع، وجمعه نواشز، وقلب ناشز: إذا ارتفع عن مكانه من الرعب، وأنشزت الشيء: إذا رفعته عن مكانه، ونشز في مجلسه ينشز وينشز بالكسر والضم: ارتفع قليلا، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (٣) قال الفراء: قرأها الناس بكسر الشين، وأهل الحجاز يرفعونها، قال:

стр. 594

وهما لغتان. قال أبو إسحاق: معناه: إذا قيل: انهضوا فانهضوا وقوموا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ (١) وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ (٢) أي: قوموا إلى الصلاة أو قضاء حق أو شهادة فانشزوا، ونشز الرجل ينشز إذا كان قاعدا فقام، وركب ناشز: ناتئ مرتفع، وعرق ناشز منتبر ناشز، لا يزال يضرب من داء أو غيره، وقوله: أنشده ابن الأعرابي: فما ليلى بناشزة القصيرى ... ولا وقصاء لبستها اعتجار فسره فقال: ناشزة القصيرى، أي: ليست بضخمة الجنبين مشرفة القصيرى بما عليها من اللحم. وأنشز الشيء: رفعه عن مكانه. وإنشاز عظام الميت: رفعها إلى مواضعها، وتركيب بعضها على بعض، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (٣) أي: نرفع بعضها على بعض. قال الفراء: قرأ زيد بن ثابت ﴿نُنْشِزُهَا﴾ (٤) بالزاي، قال: والإنشاز نقلها إلى مواضعها، قال: وبالراء قرأها الكوفيون. قال ثعلب: والمختار الزاي؛ لأن الإنشاز تركيب العظام بعضها على بعض. . وفي الحديث: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم (٥) » أي: رفعه وأعلاه وأكبر حجمه، وهو من النشز المرتفع من الأرض. قال أبو إسحاق: النشوز يكون بين الزوجين، وهو كراهة كل واحد

стр. 595

منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز، وهو: ما ارتفع من الأرض، ونشزت المرأة بزوجها وعلى زوجها تنشز، وتنشز نشوزا وهي ناشز: ارتفعت عليه واستعصت عليه وأبغضته وخرجت عن طاعته وفركته. قال: سرت تحت إقطاع من الليل حتى ... لخمان بيت فهي لا شك ناشز قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (١) نشوز المرأة: استعصاؤها على زوجها، ونشز هو عليها نشوزا كذلك، وضربها وجفاها وأضر بها، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٢) وقد تكرر ذكر النشوز بين الزوجين في الحديث، والنشوز: كراهية كل واحد منهما صاحبه وسوء عشرته له، ورجل نشز: غليظ عيل، قال الأعشى: وتركب مني إن بلوت نكيثتي ... على نشز قد شاب ليس بتوئم أي: غلظ ذهب إلى تكبيره وتعظيمه فلذلك جعله أشيب، ونشز بالقوم في الخصومة نشوزا: نهض بهم للخصومة. ونشز بقرنه ينشز به نشوزا: احتمله فصرعه. قال شمر: وهذا كأنه مقلوب، مثل: جذب وجبذ، ويقال للرجل إذا أسن ولم ينقص: إنه لنشز من الرجال، وصتم إذا انتهى سنه وقوته وشبابه. قال أبو عبيد: النشز والنشز: الغليظ الشديد، ودابة نشيزة إذا لم يكد

стр. 596

يستقر الراكب عليها والسرج على ظهرها، ويقال للدابة إذا لم يكد يستقر السرج والراكب على ظهرها: إنها لنشزة. اهـ (١) . وقال أبو بكر أحمد بن علي الجصاص في تعريف النشوز: وأصل النشوز: الترفع على الزوج بمخالفته، مأخوذ من نشز الأرض وهو الموضع المرتفع منها. اهـ (٢) . وقال القرطبي: والنشوز: العصيان، مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض. يقال: نشز الرجل ينشز، وينشز إذا كان قاعدا فنهض قائما، ومنه قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (٣) أي: ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى، فالمعنى: أي: تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج. وقال أبو منصور اللغوي: النشوز: كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه، يقال: نشزت تنشز فهي ناشز بغير هاء، ونشصت تنشص، وهي السيئة للعشرة. وقال ابن فارس: ونشزت المرأة: استصعبت على بعلها، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها، قال ابن دريد: نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنى واحد. اهـ.

стр. 597

وقال منصور البهوتي: (فصل في النشوز) : وهو كراهة كل من الزوجين صاحبه وسوء عشرته، يقال: نشزت المرأة على زوجها فهي ناشزة وناشز، ونشز عليها زوجها جفاها وأضر بها، قاله في [المبدع] ، وغيره، وهو معصيتها إياه فيما يجب عليها، مأخوذ من النشز وهو: ما ارتفع من الأرض، فكأنها ارتفعت عما فرض الله عليها من المعاشرة بالمعروف، ويقال: نشصت بالشين المعجمة والصاد المهملة. اهـ المقصود (١) .

стр. 598

النشوز قد يكون من الرجل وقد يكون من المرأة وقد يدعيه كل منهما على صاحبه: أما نشوز الزوج على امرأته: فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) قال ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن خافت امرأة من بعلها يقول: علمت من زوجها ﴿نُشُوزًا﴾ (٢) يعني: استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها، أثرة عليها وارتفاعا بها عنها، إما لبغضة، وإما لكراهة منه بعض أسبابها: إما دمامتها وإما سنها وكبرها أو غير ذلك من أمورها، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٣) يعني: انصرافا عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (٤) يقول: فلا حرج عليهما

стр. 599

يعني: على المرأة الخائفة - نشوز بعلها أو إعراضه عنها ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (١) وهو: أن تترك له يومها أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه، تستعطفه بذلك وتستديم المقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٢) يعني: والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة وتماسكا بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والطلاق. . . ثم قال: وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ثم ذكر ﵀ مجموعة آثار بأسانيدها إلى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وابن عباس، ورافع بن خديج، وعبيدة، وإبراهيم، وقتادة، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد (٣) .

стр. 600

باب مصالحة المرأة زوجها قال الجصاص: قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (١) قيل في معنى النشوز: إنه الترفع عليها لبغضه إياها، مأخوذ من نشز الأرض، وهي: المرتفعة، وقوله ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٢) يعني: لموجدة أو أثرة، فأباح الله لهما الصلح. فروي عن علي وابن عباس أنه أجاز لهما أن يصطلحا على ترك بعض
следующие страницы →