ويسمى: افتداء؛ لأنها تفتدي نفسها بمال تبذله، قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ، اهـ. (٢) .
وإذا كان النشوز من المرأة وتعذرت أوبتها منه لبغضها إياه وكراهتها له وعرضت عليه افتداءها منه - فقد أجمع أهل العلم على أنه ينبغي إجابتها، واختلفوا هل يجبر الزوج على ذلك؟
قال ابن مفلح: يباح لسوء عشرة بين الزوجين وتستحب الإجابة إليه واختلف كلام شيخنا في وجوبه، وألزم به بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء، فقال أبو طالب: إذا كرهته حل أن يأخذ منها ما أعطاها؛ لأن النبي ﷺ قال: «أتردين عليه حديقته؟ (٣) » اهـ (٤) .
стр. 632
وسئل الشيخ حسين ابن الشيخ محمد: إذا كرهت زوجها هل يجبر على الخلع؟
فأجاب: إذا كرهت زوجها فالذي نفتي به أنه مستحب، ولا يجبر الزوج على الخلع (١) . اهـ.
وقال الشوكاني ﵀: قوله: «اقبل الحديقة (٢) » قال في [الفتح] : هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب، ولم يذكر ما يدل على صرف الأمر عن حقيقته (٣) . اهـ.
стр. 633
وقال في [حاشية المقنع] على قوله: وإذا كانت المرأة مبغضة للرجل وتخشى ألا يقيم حدود الله - فلا بأس أن تفتدي نفسها منه: أي: فيباح للزوجة والحالة هذه على الصحيح من المذهب، وأما الزوج فالصحيح من المذهب أنه يستحب له الإجابة إليه، وعليه الأصحاب، واختلف كلام الشيخ في وجوب الإجابة إليه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ولقول ابن عباس ﵄: «جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس لا أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال النبي ﷺ : " أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فأمرها بردها وأمره ففارقها (٢) » . رواه البخاري، وبه قال جميع الفقهاء في الأمصار إلا بكر بن عبد الله المزني لم يجزه (٣) . اهـ.
وقال الجصاص: ذكر اختلاف السلف وسائر علماء الأمصار فيما يحل أخذه بالخلع.
روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاووس وسعيد بن جبير، وروي عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ومجاهد وإبراهيم والحسن رواية أخرى أنه جائز له أن يخلعها على أكثر مما أعطاها ولو بعقاصها.
وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: إذا كان النشوز من قبلها حل
стр. 634
له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يزداد، وإن كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ منها شيئا، فإن فعل جاز في القضاء، وقال ابن شبرمة: تجوز المبارأة إذا كانت من غير إضرار منه، وإن كانت على إضرار منه لم تجز، وقال ابن وهب عن مالك: إذا علم أن زوجها أضر بها وضيق عليها وأنه ظالم لها قضى عليها الطلاق ورد عليها مالها، وذكر ابن القاسم عن مالك أنه جائز للرجل أن يأخذ منها في الخلع أكثر مما أعطاها ويحل له، وإن كان النشوز من قبل الزوج حل له أن يأخذ ما أعطته على الخلع إذا رضيت بذلك ولم يكن في ذلك ضرر منه لها وعن الليث نحو ذلك.
وقال الثوري: إذا كان الخلع من قبلها فلا بأس أن يأخذ منها شيئا، وإذا كان من قبله فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا.
وقال الأوزاعي في رجل خالع امرأته وهي مريضة: إن كانت ناشزة كان في ثلثها، إن لم تكن ناشزة رد عليها وكانت له عليها الرجعة، وإن خالعها قبل أن يدخل بها على جميع ما أصدقها ولم يتبين منها نشوز إذا اجتمعا على فسخ النكاح قبل أن يدخل بها -فلا أرى بذلك بأسا.
وقال الحسن بن حيي: إذا كانت الإساءة من قبلها والتعطيل لحقه كان له أن يخالعها على ما تراضيا عليه، وكذلك قول عثمان البتي، وقال الشافعي: إذا كانت المرأة مانعة ما يجب عليها لزوجها حلت الفدية للزوج، وإذا حل له أن يأكل ما طابت به نفسا على غير فراق حل له أن يأكل ما طابت به نفسا، وتأخذ الفراق به.
قال أبو بكر: قد أنزل الله تعالى في الخلع آيات، منها: قوله تعالى:
стр. 635
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١) فهذا يمنع أخذ شيء منها إذا كان النشوز من قبله، فلذلك قال أصحابنا: لا يحل له أن يأخذ منها في هذه الحال شيئا، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢) فأباح في هذه الآية الأخذ عند خوفهما ترك إقامة حدود الله، وذلك على ما قدمنا من بغض المرأة لزوجها وسوء خلقها أو كان ذلك منهما، فيباح له أخذ ما أعطاها ولا يزداد، والظاهر يقتضي جواز أخذ الجميع، ولكن ما زاد مخصوص بالسنة، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣)
قيل فيه: إنه خطاب للزوج، وحظر به أخذ شيء مما أعطاها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، قيل فيها: إنها هي الزنا، وقيل: إنها النشوز من قبلها، وهذه نظير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤) وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٥) وسنذكر حكمها في
стр. 636
مواضعها إن شاء الله تعالى، وذكر تعالى إباحة أخذ المهر في غير هذه الآية إلا أنه لم يذكر حال الخلع في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢) وهذه الآيات كلها مستعملة على مقتضى أحكامها.
فقلنا: إذا كان النشوز من قبله لم يحل أخذ شيء منها؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (٤)
وإذا كان النشوز من قبلها أو خافا لسوء خلقها أو بغض كل واحد منهما لصاحبه أن لا يقيما -جاز له أن يأخذ ما أعطاها لا يزداد، وكذلك ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٥) وقد قيل فيه: إلا أن تنشز فيجوز له عند ذلك أخذ ما أعطاها.
وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٦) فهذا في غير حال الخلع، بل في حال الرضا بترك المهر بطيبة من نفسها به، وقول من قال: إنه لما جاز أخذ مالها بغير خلع فهو جائز في
стр. 637
الخلع خطأ؛ لأن الله تعالى قد نص على الموضعين، في أحدهما بالحظر، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢) وفي الآخر بالإباحة، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٣) فقول القائل: لما جاز أن يأخذ مالها بطيبة من نفسها من غير خلع جاز في الخلع قول مخالف لنص الكتاب، وقد روي عن النبي ﷺ في الخلع ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية: «أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله ﷺ : من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة بنت سهل، قال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاءه ثابت بن قيس قال له: هذه حبيبة بنت سهل، فذكرت ما شاء الله أن تذكره، فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله ﷺ لثابت: خذ منها، فأخذ منها، وجلست هي في أهلها (٤) » .
وروي فيه ألفاظ مختلفة في بعضها: «خل سبيلها» وفي بعضها: «فارقها» ، وإنما قالوا: إنه لا يسعه أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال: حدثنا
стр. 638
محمد بن يحيى بن أبي سمينة: قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: «أن رجلا خاصم امرأته إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : " تردين إليه ما أخذت منه "؟ قالت: نعم وزيادة، فقال النبي ﷺ : " أما الزيادة فلا» وقال أصحابنا: لا يأخذ منها الزيادة لهذا الخبر، وخصوا به ظاهر الآية، وإنما جاز تخصيص هذا الظاهر بخبر الواحد من قبل أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) لفظ محتمل لمعان، والاجتهاد سائغ فيه، وقد روي عن السلف فيه وجوه مختلفة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) محتمل لمعان على ما وصفنا فجاز تخصيصه بخبر الواحد، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٤) لما كان محتملا للوجوه واختلف السلف في المراد به -جاز قبول خبر الواحد في معناه المراد به، وإنما قال أصحابنا: إذا خلعها على أكثر مما أعطاها، أو خلعها على مال والنشوز من قبله أن ذلك جائز في الحكم وإن لم يسعه فيما بينه وبين الله تعالى من قبل أنها أعطته بطيبة من نفسها غير مجبرة عليه، وقد قال النبي ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه (٥) » .
وأيضا: فإن النهي لم يتعلق بمعنى في نفس العقد، وإنما تعلق بمعنى
стр. 639
في غيره، وهو أنه لم يعطها مثل ما أخذ منها، ولو كان قد أعطاها مثل ذلك لما كان ذلك مكروها، فلما تعلق النهي بمعنى في غير العقد لم يمنع ذلك جواز العقد كالبيع عند أذان الجمعة، وبيع حاضر لباد، وتلقي الركبان ونحو ذلك، وأيضا لما جاز العتق على قليل المال وكثيره، وكذلك الصلح عن دم العمد. كان كذلك الطلاق وكذلك النكاح لما جاز على أكثر من مهر المثل، وهو بدل البضع - كذلك جائز أن تضمنه المرأة بأكثر من مهر مثلها؛ لأنه بدل من البضع في الحالين. .
فإن قيل: لما كان الخلع فسخا لعقد النكاح لم يجز بأكثر مما وقع عليه العقد كما لا يجوز الإقالة بأكثر من الثمن.
قيل له: قولك: إن الخلع فسخ للعقد، خطأ، وإنما هو طلاق مبتدأ كهو لو لم يشرط فيه بدل، ومع ذلك فلا خلاف أنه ليس بمنزلة الإقالة؛ لأنه لو خلعها على أقل مما أعطاها جاز بالاتفاق، والإقالة غير جائزة بأقل من الثمن، ولا خلاف أيضا في جواز الخلع بغير شيء، وقد اختلف السلف في الخلع دون السلطان، فروي عن الحسن وابن سيرين: أن الخلع لا يجوز إلا عند السلطان، وقال سعيد بن جبير: لا يكون الخلع حتى يعظها، فإن اتعظت وإلا هجرها، فإن اتعظت إلا ضربها، فإن اتعظت وإلا ارتفعا إلى السلطان فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها فيردان ما يسمعان إلى السلطان، فإن رأى بعد ذلك أن يفرق فرق، وإن رأى أن يجمع جمع.
وروي عن علي، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وشريح، وطاووس، والزهري في آخرين: أن الخلع جائز دون السلطان، وروى سعيد عن قتادة
стр. 640
قال: كان زياد أول من رد الخلع دون السلطان، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في جوازه دون السلطان.
وكتاب الله يوجب جوازه، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) فأباح الأخذ منها بتراضيهما من غير سلطان، وقول النبي ﷺ لامرأة ثابت بن قيس: «أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فقال للزوج: " خذها وفارقها (٣) » يدل على ذلك أيضا؛ لأنه لو كان الخلع إلى السلطان شاء الزوجان أو أبيا إذا علم أنهما لا يقيمان حدود الله لم يسألهما النبي ﷺ عن ذلك ولا خاطب الزوج بقوله: اخلعها بل كان يخلعها منه ويرد عليه حديقته وإن أبيا أو واحد منهما، كما لما كانت فرقة المتلاعنين إلى الحاكم لم يقل للملاعن خل سبيلها، بل فرق بينهما، كما روى سهل بن سعد: «أن النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين (٤) » ، كما قال في حديث آخر: «لا سبيل لك عليها (٥) » . ولم يرجع ذلك إلى الزوج، فثبت بذلك جواز الخلع دون السلطان، ويدل عليه أيضا قوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ إلا بطيبة من نفسه (٦) » انتهى المقصود.
وقال ابن حجر ﵀ على قول البخاري في صحيحه: وقول الله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٧)
стр. 641
وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها: العقاص: بكسر المهملة وتخفيف القاف وآخره صاد مهملة: جمع عقصة، وهو: ما يربط به شعر الرأس بعد جمعه.
وأثر عثمان هذا رويناه موصولا في أمالي أبي القاسم بن بشران من طريق شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي فأجاز ذلك عثمان، وأخرجه البيهقي من طريق روح بن القاسم عن ابن عقيل مطولا، وقال في آخره: فدفعت إليه كل شيء حتى أجفت الباب بيني وبينه.
وهذا يدل على أن معنى (دون) : سوى، أي أجاز للرجل أن يأخذ من المرأة في الخلع ما سوى عقاص رأسها، وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشام عن مغيرة عن إبراهيم كان يقال: الخلع ما دون عقاص رأسها.
وعن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد يأخذ من المختلعة حتى عقاصها، ومن طريق قبيصة بن ذؤيب إذا خلعها جاز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، ثم تلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) وسنده صحيح.
ووجدت أثر عثمان بلفظ آخر أخرجه ابن سعد في ترجمة الربيع بنت معوذ من طبقات النساء قال: أنبأنا يحيى بن عباد، حدثنا فليح بن سليمان، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت: كان بيني وبين ابن عمي كلام - وكان زوجها- قالت: فقلت له: لك كل شيء
стр. 642
وفارقني، قال: قد فعلت، فأخذ كل شيء حتى فراشي، فجئت عثمان وهو محصور فقال: الشرط أملك، خذ كل شيء حتى عقاص رأسها.
قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها، وقال مالك: لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك، لكنه ليس من مكارم الأخلاق. . . ثم ساق شرح باقي الحديث، وقال بعد ذلك:
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم (١) : أن الشقاق إذا حصل من قبل المرأة فقط جاز الخلع والفدية، ولا يتقيد ذلك بوجوده منهما جميعا، وأن ذلك يشرع إذا كرهت المرأة عشرة الرجل ولو لم يكرهها ولم ير منها ما يقتضي فراقها.
وقال أبو قلابة ومحمد بن سيرين: لا يجوز له أخذ الفدية منها إلا أن يرى على بطنها رجلا، أخرجه ابن أبي شيبة، وكأنهما لم يبلغهما الحديث، واستدل ابن سيرين بظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) وتعقب بأن آية البقرة فسرت المراد بذلك، مع ما دل عليه الحديث، ثم ظهر لي لما قاله ابن سيرين توجيه: وهو تخصيصه بما إذا كان ذلك من قبل الرجل بأن يكرهها وهي لا تكرهه فيضاجرها لتفتدي منه، فوقع النهي عن ذلك إلا أن يراها على فاحشة ولا يجد بينة ولا يحب أن يفضحها، فيجوز حينئذ أن يفتدي منها ويأخذ منها ما تراضيا عليه ويطلقها
стр. 643
فليس في ذلك مخالفة للحديث؛ لأن الحديث ورد فيما إذا كانت الكراهة من قبلها.
واختار ابن المنذر: أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق بينهما جميعا، وإن وقع من أحدهما لا يندفع الإثم، وهو قوي موافق لظاهر الآيتين، ولا يخالف ما ورد فيه، وبه قال طاووس والشعبي وجماعة من التابعين.
وأجاب الطبري وغيره عن ظاهر الآية: بأن المرأة إذا لم تقم بحقوق الزوج التي أمرت بها كان ذلك منفرا للزوج عنها غالبا، ومقتضيا لبغضه لها فنسبت المخالفة إليها لذلك، وعن الحديث بأنه ﷺ لم يستفسر ثابتا هل أنت كارهها كما كرهتك أم لا. انتهى المقصود (١) .
وقال محمود العيني: أي: هذا باب في بيان الخلع -بضم الخاء المعجمة وسكون اللام- مأخوذ من خلع الثوب والنعل ونحوهما، وذلك لأن المرأة لباس للرجل كما قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (٢) وإنما جاء مصدره بضم الخاء تفرقة بين الأجرام والمعاني، يقال: خلع ثوبه ونعله خلعا بفتح الخاء، وخلع امرأته خلعا وخلعة بالضم.
وأما حقيقته الشرعية فهو: فراق الرجل امرأته على عوض يحصل له، هكذا قاله شيخنا في شرح الترمذي، وقال: هو الصواب، وقال كثير من
стр. 644
الفقهاء: هو مفارقة الرجل امرأته على مال ليس بجيد، فإنه لا يشترط كون عوض الخلع مالا، فإنه لو خالعها عليه من دين أو خالعها على قصاص لها عليه فإنه صحيح، وإن لم يأخذ الزوج منها شيئا، فلذلك عبرت بالحصول لا بالأخذ.
قلت: قال أصحابنا: الخلع إزالة الزوجية بما يعطيه من المال، وقال النسفي: الخلع: الفصل من النكاح بأخذ المال بلفظ الخلع وشرطه شرط الطلاق وحكمه وقوع الطلاق البائن، وهو من جهته يمين، ومن جهتها معاوضة، وأجمع العلماء على مشروعية الخلع إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور، حكاه ابن عبد البر في [التمهيد] ، وقال عقبة بن أبي الصهباء: سألت بكر بن عبد الله المزني عن الرجل يريد أن يخالع امرأته، فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا. قلت: فأين قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ؟ قال: هي منسوخة. قلت: وما نسخها؟ قال: ما في سورة النساء، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢) الآية.
قال ابن عبد البر: قول بكر بن عبد الله هذا خلاف السنة الثابتة في قصة ثابت بن قيس وحبيبة بنت سهل، وخالف جماعة الفقهاء والعلماء بالحجاز والعراق والشام. انتهى.
وخصص ابن سيرين وأبو قلابة جوازه بوقوع الفاحشة، فكانا يقولان:
стр. 645
لا يحل للزوج الخلع حتى يجد على بطنها رجلا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١)
قال أبو قلابة: فإذا كان ذلك فقد جاز له أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه، قال أبو عمر: ليس هذا بشيء؛ لأن له أن يطلقها، أو يلاعنها، وأما أن يضارها ليأخذ مالها فليس له ذلك. اهـ (٢) .
قال في حاشية [المقنع] على قوله: (ولا يستحب أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها فإن فعل كره وصح) : إذا تراضيا على الخلع بشيء صح وإن كان أكثر من الصداق، وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقبيصة والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها وعقاص رأسها كان ذلك جائزا، وقال عطاء وطاووس والزهري وعمرو بن شعيب: لا يأخذ أكثر مما أعطاها. وروي ذلك عن علي بإسناد منقطع، واختاره أبو بكر، فإن فعل رد الزيادة.
واحتجوا بما روي: «أن جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ فقالت: والله ما أعتب على ثابت في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضا، فقال لها النبي ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد (٣) » ، رواه ابن ماجه.
стр. 646
ولنا قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ولأنه قول من سمينا من الصحابة.
وقالت الربيع بنت معوذ: «اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي فأجاز ذلك علي (٢) » ، لكن لا يستحب أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا المذهب، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والحكم وحماد وإسحاق وأبو عبيد، ولم يكرهه أبو حنيفة ومالك والشافعي (٣) . اهـ.
стр. 647
حكم رسول الله ﷺ في الخلع
في [صحيح البخاري] : عن ابن عباس، «أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة (١) » .
وفي [سنن النسائي] : عن الربيع بنت معوذ، «أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها - وهي: جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول - فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إليه فقال: خذ الذي لها عليك وخل سبيلها. قال: نعم، فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها (٢) » .
وفي [سنن أبي داود] : عن ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس بن
стр. 648
شماس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة (١) » ، وفي [سنن الدارقطني] في هذه القصة: فقال النبي ﷺ : «أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ قالت: نعم، وزيادة، فقال النبي ﷺ : أما الزيادة فلا، ولكن حديقته. قالت: نعم، فأخذ ماله، وخلى سبيلها، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسول الله ﷺ ، (٢) » قال الدارقطني: إسناده صحيح.
فتضمن هذا الحكم النبوي عدة أحكام، أحدها: جواز الخلع، كما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣)
ومنع الخلع طائفة شاذة من الناس، خالفت النص والإجماع، وفي الآية دليل على جوازه مطلقا بإذن السلطان وغيره.
ومنعه طائفة بدون إذنه.
والأئمة الأربعة، والجمهور: على خلافه، وفي الآية دليل على حصول البينونة؛ لأنه سماه (فدية) ولو كان رجعيا - كما قال بعض الناس - لم يحصل للمرأة الافتداء من الزوج بما بذلته له، ودل قوله : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤) على جوازه بما قل أو كثر، وأن له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها.
стр. 649
وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته: أنها اختلعت من زوجها بكل شيء تملكه، فخوصم في ذلك إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فأجازه، وأمره أن يأخذ عقاص رأسها فما دونه.
وذكر أيضا عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع، أن ابن عمر جاءته مولاة لامرأته اختلعت من كل شيء لها، وكل ثوب لها حتى نقبتها. ورفعت إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه امرأة نشزت عن زوجها فقال: (اخلعها ولو من قرطها) ذكره حماد بن سلمة عن أيوب عن كثير بن أبي كثير عنه، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ليث عن الحكم بن عتبة عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (لا يأخذ منها فوق ما أعطاها) .
وقال طاوس: (لا يحل أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها) ، وقال عطاء: (إن أخذ زيادة على صداقها فالزيادة مردودة إليها) ، وقال الزهري: (لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها) .
وقال ميمون بن مهران: (إن أخذ منها أكثر مما أعطاها لم يسرح بإحسان) .
وقال الأوزاعي: (كانت القضاة لا تجيز أن يأخذ منها شيئا إلا ما ساق إليها) .
والذين جوزوه: احتجوا بظاهر القرآن وآثار الصحابة.
والذين منعوه: احتجوا بحديث أبي الزبير: أن ثابت بن قيس بن
стр. 650
شماس لما أراد خلع امرأته قال النبي ﷺ : «أتردين عليه حديقته " قالت: نعم، وزيادة، فقال النبي ﷺ " أما الزيادة فلا (١) » قال الدارقطني: سمعه أبو الزبير من غير واحد وإسناده صحيح.
قالوا: والآثار من الصحابة مختلفة.
فمنهم من روي عنه تحريم الزيادة.
ومنهم من روي عنه إباحتها.
ومنهم من روي عنه كراهتها.
كما روي عن وكيع عن أبي حنيفة عن عمار بن عمران الهمداني عن أبيه عن علي: (أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها) والإمام أحمد أخذ بهذا القول، ونص على الكراهة، وأبو بكر من أصحابه حرم الزيادة وقال: ترد عليها. . وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لي عطاء: «أتت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أبغض زوجي، وأحب فراقه قال: " أفتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ " قالت: نعم، وزيادة من مالي، فقال رسول الله ﷺ : " أما الزيادة من مالك فلا، ولكن الحديقة " قالت: نعم، فقضى بذلك على الزوج (٢) » وهذا وإن كان مرسلا فحديث أبي الزبير مقو له، وقد رواه ابن جريج عنهما اهـ. (٣) .
أما إذا ادعى كل من الزوجين نشوز صاحبه عليه وخيف الشقاق بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٤)
стр. 651
وقد اختلف العلماء ﵏ في المراد من الآية فيمن يبعث الحكمين، وما صفتهما، وهل هما حاكمان لهما الفصل في الخصومة بين الزوجين، أو أنهما ينفذ تصرفهما في حدود وكالتهما، أم أنهما جهة نظر يرفعان ما يريانه إثر التحقيق مع الزوجين إلى الحاكم ليتولى نفسه الفصل في خصومتهما؟
وقال ابن جرير ﵀ في تفسيره هذه الآية:
يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (١) وشاقته بقول عادته. . . ثم ذكر اختلاف أهل التأويل في المراد بالمخاطبين في هذه الآية ببعث الحكمين.
فذكر أثرين بسنديهما إلى سعيد بن جبير والضحاك بأن المأمور بذلك السلطان الذي يرفع ذلك إليه.
وذكر أثرا بسنده إلى السدي: أن المأمور بذلك الرجل والمرأة.
وذكر جملة آثار بأسانيدها إلى علي وابن عباس والحسن وقتادة: أن المأمور بذلك السلطان غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قبل صاحبه لا التفريق بينهما.
ثم ذكر ﵀ اختلاف أهل التأويل فيما يبعث له الحكمان، وما
стр. 652
الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وكيف وجه بعثهما بينهما؟
فقال بعضهم: يبعثهم الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما وليس لهما أن يعملا شيئا في أمرهما إلا ما وكلاهما به أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به من وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه أو توكيل من وكل منهما في ذلك.
وذكر مجموعة آثار بأسانيدها إلى علي بن أبي طالب ﵁ وإلى السدي تؤيد القول بأن الحكمين وكيلان ليس لهما أن يعملا شيئا في أمرهما إلا في حدود ما وكلا به.
وقال آخرون: إن الذي يبعث الحكمين السلطان غير أنه يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قبل صاحبه لا التفريق بينهما، ثم ذكر مجموعة آثار بأسانيدها إلى الحسن وقتادة وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن زيد تدل على ذلك.
وذكر رأيا ثالثا: في أن الذي يبعث الحكمين السلطان على أن حكمهما ماض على الزوجين في الجمع والتفريق.
وذكر مجموعة آثار بأسانيدها إلى ابن عباس ومعاوية وابن سيرين وسعيد بن جبير وعامر وإبراهيم وأبي سلمة بن عبد الرحمن والضحاك.
ثم قال بعد ذلك: وأولى الأقوال بالصواب في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) أن الله سبحانه خاطب المسلمين
стр. 653
بذلك وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض.
وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين وغير السلطان الذي هو سائس أمر المسلمين أو من أقامه في ذلك مقام نفسه.
стр. 654
واختلفوا في الزوجين والسلطان ومن المأمور بالبعثة في ذلك: الزوجان أو السلطان؟
ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين ولا أثر به عن رسول الله ﷺ والأمة فيه مختلفة.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يكون مخصوصا من الآية ما أجمع الجميع على أنه مخصوص منها، وإذ كان ذلك كذلك فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن شمله حكم الآية والأمر بقوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) إذ كان مختلفا بينهما، هل هما معنيان بالأمر بذلك أم لا؟ - وكان ظاهر الآية قد عمهما- فالواجب من القول إذ كان صحيحا ما وصفنا أن يقال: إن بعث الزوجان كل واحد منهما حكما من قبله لينظر في أمرهما وكان كل واحد منهما قد بعثه من قبله في ذلك لما له على صاحبه ولصاحبه عليه فتوكيله بذلك من وكل جائز له وعليه وإن وكله ببعض ولم يوكله بالجميع كان ما فعله الحكم مما وكله به صاحبه ماضيا جائزا على ما وكله وذلك أن يوكله أحدهما بما له دون ما عليه، وإن لم يوكل كل واحد من الزوجين بما له
стр. 655
وعليه أو بما له أو بما عليه إلا الحكمين كليهما لم يجز إلا ما اجتمعا عليه دون ما انفرد به أحدهما، وإن لم يوكلهما واحد منهما بشيء وإنما بعثاهما للنظر بينهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ليشهدا عليهما عند السلطان إن احتاجا إلى شهادتهما - لم يكن لهما أن يحدثا بينهما شيئا غير ذلك من طلاق أو أخذ مال أو غير ذلك، ولم يلزم الزوجين ولا واحدا منهما شيء من ذلك. انتهى المقصود. . (١) .
وذكر أبو بكر الجصاص: أن الحكمين وكيلان ليس لهما إلا ما وكلا فيه، وأن أمر الجمع بين الزوجين أو التفريق خاص بالحاكم، وأن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ (٢) للحاكم الناظر بين الخصمين؛ لأن الله قد بين أمر الزوج وأمره بوعظها وتخويفها بالله، ثم بهجرانها في المضجع إن لم تنزجر ثم بضربها إن قامت على نشوزها، ثم لم يجعل بعد الضرب للزوج إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم منهما من الظالم ويتوجه حكمه عليهما، فقال. . . باب: الحكمين كيف يعملان، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٣)
وقد اختلف في المخاطبين بهذه الآية من هم؟
فروي عن سعيد بن جبير والضحاك: أنه السلطان الذي يترافعان إليه.
وقال السدي: الرجل والمرأة.
стр. 656
قال أبو بكر: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (١) هو خطاب للأزواج؛ لما في نسق الآية من الدلالة عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٣) الأولى أن يكون خطابا للحاكم الناظر بين الخصمين والمانع من التعدي والظلم؛ وذلك لأنه قد بين أمر الزوج وأمره بوعظها وتخويفها بالله، ثم بهجرانها في المضجع إن لم تنزجر، ثم بضربها إن أقامت على نشوزها، ثم لم يجعل بعد الضرب للزوج إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم منهما من الظالم ويتوجه حكمه عليهما، وروى شعبة عن عمرو بن مرة قال: سألت سعيد بن جبير عن الحكمين فغضب، وقال: ما ولدت إذ ذاك، فقلت: إنما أعني حكمي شقاق قال: إذا كان بين الرجل وامرأته درء وتدارؤ (٤) بعثوا حكمين فأقبلا على من جاء التدارؤ من قبله فوعظاه فإن أطاعهما وإلا أقبلا على الآخر، فإن سمع منهما وأقبل إلى الذي يريدان وإلا حكما بينهما، فما حكما من شيء فهو جائز.
وروى عبد الوهاب قال: حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير في المختلعة يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان؛ فيبعث حكما من أهلها وحكما من أهله فيقول الحكم الذي من أهلها: يفعل كذا ويفعل كذا، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا وتفعل به كذا، فأيهما كان أظلم رده إلى السلطان وأخذ
стр. 657
فوق يده، وإن كانت ناشزا أمروه أن يخلع.
قال أبو بكر: وهذا نظير العنين والمجبوب والإيلاء، في باب أن الحاكم هو الذي يتولى النظر في ذلك والفصل بينهما بما يوجبه حكم الله، فإذا اختلفا وادعى النشوز وادعت هي عليه ظلمه وتقصيره في حقوقها حينئذ بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها ليتوليا النظر فيما بينهما ويردا إلى الحاكم ما يقفان عليه من أمرهما، وإنما أمر الله تعالى بأن يكون أحد الحكمين من أهلها والآخر من أهله لئلا تسبق الظنة إذا كانا أجنبيين بالميل إلى أحدهما، فإذا كان أحدهما من قبله والآخر من قبلها زالت الظنة وتكلم كل واحد منهما عمن هو من قبله.
ويدل أيضا قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) على أن الذي من أهله وكيل له والذي من أهلها وكيل لها كأنه قال: فابعثوا رجلا من قبله ورجلا من قبلها، فهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن للحكمين أن يجمعا إن شاءا، وإن شاءا فرقا بغير أمرهما، وزعم إسماعيل بن إسحاق: أنه حكى عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم لم يعرفوا أمر الحكمين.
قال أبو بكر: هذا تكذب عليهم وما أولى بالإنسان حفظ لسانه لا سيما فيما يحكيه عن العلماء، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٢) ومن علم أنه مؤاخذ بكلامه قل كلامه فيما لا يعنيه، وأمر
стр. 658
الحكمين في الشقاق بين الزوجين منصوص عليه في الكتاب، فكيف يجوز أن يخفى عليهم مع محلهم من العلم والدين والشريعة؟ ! ولكن عندهم أن الحكمين ينبغي أن يكونا وكيلين لهما، أحدهما وكيل المرأة والآخر وكيل الزوج.
وكذا روي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وروى ابن عيينة عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: أتى عليا رجل وامرأته مع كل واحد منهما فئام من الناس، فقال علي: ما شأن هذين؟ قالوا: بينهما شقاق، قال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (١) فقال علي: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت، فأخبر علي: أن قول الحكمين إنما يكون برضا الزوجين، فقال أصحابنا: ليس للحكمين أن يفرقا إلا أن يرضى الزوج، وذلك أن لا خلاف أن الزوج لو أقر بالإساءة إليها لم يفرق بينهما ولم يجبره الحاكم على طلاقها قبل تحكيم الحكمين، وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها الحاكم على خلع ولا على رد مهرها.
فإذا كان كذلك حكمهما قبل بعث الحكمين فكذلك بعد بعثهما لا يجوز إيقاع الطلاق من جهتهما من غير رضا الزوج وتوكيله، ولا إخراج المهر عن ملكها من غير رضاها؛ فلذلك قال أصحابنا: إنهما لا يجوز خلعهما إلا برضا الزوجين.
стр. 659
فقال أصحابنا: ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضا الزوجين؛ لأن الحاكم لا يملك ذلك فكيف يملكه الحكمان، وإنما الحكمان وكيلان لهما، أحدهما وكيل المرأة، والآخر وكيل الزوج في الخلع أو في التفريق بغير جعل إن كان الزوج قد جعل إليه ذلك.
قال إسماعيل: الوكيل ليس بحكم، ولا يكون حكما إلا ويجوز أمره وإن أبى، وهذا غلط منه؛ لأن ما ذكر لا ينفي معنى الوكالة؛ لأنه لا يكون وكيلا أيضا إلا ويجوز أمره عليه وفيما وكل به، فجواز أمر الحكمين عليهما لا يخرجهما عن حد الوكالة، وقد يحكم الرجلان حكما في خصومة بينهما ويكون بمنزلة الوكيل لهما فيما يتصرف به عليهما، فإذا حكم بشيء لزمهما بمنزلة اصطلاحهما على أن الحكمين في شقاق الزوجين ليس يغادر أمرهما من معنى الوكالة شيئا.
وتحكيم الحكم في الخصومة بين رجلين يشبه حكم الحاكم من وجه، ويشبه الوكالة من الوجه الذي بينا، والحكمان في الشقاق إنما يتصرفان بوكالة محضة كسائر الوكالات.
قال إسماعيل: والوكيل لا يسمى حكما وليس ذلك كما ظن؛ لأنه إنما سمي هاهنا الوكيل حكما تأكيدا للوكالة التي فوضت إليه.
وأما قوله: إن الحكمين يجوز أمرهما على الزوجين وإن أبيا، فليس كذلك ولا يجوز أمرهما عليهما إذا أبيا؛ لأنهما وكيلان، وإنما يحتاج الحاكم أن يأمرهما بالنظر في أمرهما، ويعرف أمور المانع من الحق منهما
стр. 660
حتى ينقلا إلى الحاكم ما عرفاه من أمرهما، فيكون قولهما مقبولا في ذلك إذا اجتمعا، وينهى الظالم منهما عن ظلمه، فجائز أن يكونا سميا حكمين لقبول قولهما عليهما، وجائز أن يكونا سميا بذلك؛ لأنهما إذا خلعا بتوكيل منهما وكان ذلك موكلا إلى رأيهما وتحريهما للصلاح -سميا حكمين؛ لأن اسم الحكم يفيد تحري الصلاح فيما جعل إليه وإنفاذ القضاء بالحق والعدل، فلما كان ذلك موكولا إلى رأيهما وأنفذا على الزوجين حكما من جمع أو تفريق - مضى ما أنفذاه، فسميا حكمين من هذا الوجه.
فلما أشبه فعلهما فعل الحاكم في القضاء عليهما بما وكلا به على جهة تحري الخير والصلاح -سميا حكمين، ويكونان مع ذلك وكيلين لهما، إذ غير جائز أن تكون لأحد ولاية على الزوجين مع خلع أو طلاق إلا بأمرهما، وزعم أن عليا إنما ظهر منه النكير على الزوج؛ لأنه لم يرض بكتاب الله. قال: ولم يأخذه بالتوكيل، وإنما أخذه بعدم الرضا بكتاب الله.
وليس هذا على ما ذكر؛ لأن الرجل لما قال: أما الفرقة فلا، قال علي: كذبت أما والله لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت، فإنما أنكر على الزوج ترك التوكيل بالفرقة، وأمره بأن يوكل بالفرقة، وما قال الرجل: لا أرضى بكتاب الله حتى ينكر عليه، وإنما قال: لا أرضى بالفرقة بعد رضا المرأة بالتحكيم، وفي هذا دليل على أن الفرقة عليه غير نافذة إلا بعد توكيله بها، قال: ولما قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (١) علمنا أن الحكمين يمضيان أمرهما وأنهما إن قصدا الحق وفقهما الله للصواب من
стр. 661
الحكم، قال: وهذا لا يقال للوكيلين؛ لأنه لا يجوز لواحد منهما أن يتعدى ما أمر به، والذي ذكره لا ينفي معنى الوكالة؛ لأن الوكيلين إذا كانا موكلين بما رأيا من جمع أو تفريق على جهة تحري الصلاح والخير فعليهما الاجتهاد فيما يمضيانه من ذلك.
وأخبر الله تعالى أنه يوفقهما للصلاح إن صلحت نياتهما، فلا فرق بين الوكيل والحكم؛ إذ كل من فوض إليه أمر يمضيه على جهة تحري الخير والصلاح، فهذه الصفة التي وصفه الله بها لاحقة به.
قال: وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وأبي سلمة وطاووس وإبراهيم قالوا: ما قضى به الحكمان من شيء فهو جائز، وهذا عندنا كذلك أيضا، ولا دلالة فيه على موافقة قوله؛ لأنهم لم يقولوا: إن فعل الحكمين في التفريق والخلع جائز بغير رضا الزوجين، بل جائز أن يكون مذهبهم أن الحكمين لا يملكان التفريق إلا برضا الزوجين بالتوكيل، ولا يكونان حكمين إلا بذلك، ثم ما حكما بعد ذلك من شيء فهو جائز، وكيف يجوز للحكمين أن يخلعا بغير رضاه، ويخرجا المال عن ملكها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢)
стр. 662
وهذا الخوف المذكور هاهنا هو المعني بقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) وحظر الله على الزوج أخذ شيء مما أعطاها إلا على شريطة الخوف منهما ألا يقيما حدود الله، فأباح حينئذ أن تفتدي بما شاءت وأحل للزوج أخذه، فكيف يجوز للحكمين أن يوقعا خلعا أو طلاقا من غير رضاهما، وقد نص الله تعالى على أنه لا يحل له أخذ شيء مما أعطى إلا بطيبة من نفسها ولا أن تفتدي به؟ ! فالقائل بأن للحكمين أن يخلعا بغير توكيل من الزوج مخالف لنص الكتاب، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) فمنع كل أحد أن يأكل مال غيره إلا برضاه، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (٣) فأخبر تعالى: أن الحاكم وغيره سواء في أنه لا يملك أخذ مال أحد ودفعه إلى غيره، وقال النبي ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه (٤) » ، وقال ﷺ : «فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع له قطعة من النار (٥) » .
فثبت بذلك: أن الحاكم لا يملك أخذ مالها ودفعه إلى زوجها ولا يملك إيقاع طلاق على الزوج بغير توكيله ولا رضاه، وهذا حكم الكتاب والسنة وإجماع الأمة في أنه لا يجوز للحاكم في غير ذلك من الحقوق إسقاطه
стр. 663
ونقله عنه إلى غيره من غير رضا من هو له، فالحكمان إنما يبعثان بينهما وليشهدا على الظالم منهما، كما روى سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ (١) الآية، قال: إنما يبعث الحكمان ليصلحا، فإن أعياهما أن يصلحا شهدا على الظالم بظلمه، وليس بأيديهما الفرقة ولا يملكان ذلك، وكذلك روي عن عطاء.
قال أبو بكر: في فحوى الآية ما يدل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢) ولم يقل: إن يريدا فرقة، وإنما يوجه الحكمان ليعظا الظالم منهما، وينكرا عليه ظلمه، وإعلام الحاكم بذلك ليأخذ هو على يده، فإن كان الزوج هو الظالم أنكرا عليه ظلمه، وقالا له: لا يحل لك أن تؤذيها لتخلع منك، وإن كانت هي الظالمة قالا لها: قد حلت لك الفدية، وكان في أخذها معذورا لما يظهر للحكمين من نشوزها، فإذا جعل كل واحد منهما إلى الحكم الذي من قبله ماله من التفريق والخلع - كانا مع ما ذكرنا من أمرهما وكيلين جائز لهما أن يخلعا إن رأيا، وأن يجمعا إن رأيا ذلك صلاحا، فهما في حال شاهدان، وفي حال مصلحان، وفي حال آمران بمعروف وناهيان عن منكر، ووكيلان في حال إذا فوض إليهما الجمع والتفريق، وأما قول من قال: إنهما يفرقان ويخلعان من غير توكيل الزوجين فهو تعسف خارج عن الكتاب والسنة، والله تعالى أعلم بالصواب. اهـ. (٣) .
стр. 664
وذكر أبو بكر بن العربي: بأن الحكمين قاضيان لا وكيلان، وذكر نصا عن الشافعي بأنهما وكيلان، وناقشه، ثم ذكر توجيه قول المالكية بأنهما قاضيان فقال: قال الشافعي ما نصه:
الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما، وذلك أني وجدت الله أذن في نشوز الزوج بأن يصالحا، وبين رسول الله ﷺ ذلك وبين في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفهما أن لا يقيما حدود الله بالخلع، وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئا إن أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمر فيما خفنا الشقاق بينهما بالحكمين دل ذلك على أن حكمهما غير حكم الأزواج، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما للحكمين بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك، ووجدنا حديثا بإسناد يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين.
قال القاضي أبو بكر: هذا منتهى كلام الشافعي، وأصحابه يفرحون به، وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم، وقد تولى القاضي أبو إسحاق الرد عليه ولم ينصفه في الأكثر.
стр. 665
والذي يقتضي الرد عليه بالإنصاف والتحقيق أن نقول: أما قوله الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين فليس بصحيح، بل هو نصه، وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جلاء، فإن الله تعالى قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١)
стр. 666
ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها، فإن أنابت وإلا هجرها في المضجع، فإن ارعوت وإلا ضربها، فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما، وهذا إن لم يكن نصا وإلا فليس في القرآن بيان، ودعه لا يكون نصا، يكون ظاهرا.
فأما أن يقول الشافعي: يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي يشبه الظاهر، وكيف يقول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) ؟ فنص عليهما جميعا ويقول هو: يشبه أن يكون فيما عمهما وأذن في خوفهما أن لا يقيما حدود الله بالخلع، وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة، بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه، ثم قال: فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما بغير اختيارهما فيتحقق الغيرية، وأما قوله: لا يبعث الحكمين إلا مأمونين فصحيح، وأما قوله: برضا الزوجين بتوكيلهما، فخطأ صراح، فإن الله تعالى خاطب غير الزوجين إذا خافا الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين.
وإذا كان المخاطب غيرهما فكيف يكون ذلك بتوكيلهما ولا يصح لهما حكم إلا بما اجتمعا عليه، والتوكيل من كل واحد لا يكون إلا فيما يخالف الآخر وذلك لا يمكن هاهنا.
المسألة الأولى: قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ (٢) قال السدي: يخاطب الرجل والمرأة إذا ضربها فشاقته، تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري وحالي
стр. 667
كذا، ويبعث الرجل حكما من أهله، ويقول له: حالي كذا، قاله ابن عباس ومال إليه الشافعي، وقال سعيد بن جبير: المخاطب السلطان، ولم ينته رفع أمرهما إلى السلطان فأرسل الحكمين، وقال مالك: قد يكون السلطان، وقد يكون الوليين إذا كان الزوجان محجورين، فأما من قال: إن المخاطب الزوجان فلا يفهم كتاب الله كما قدمنا، وأما من قال: إنه السلطان فهو الحق.
وأما قول مالك: إنه قد يكون الوليين فصحيح ويفيده لفظ الجمع فيفعله السلطان تارة ويفعله الوصي أخرى، وإذا أنفذ الوصيان حكمين فهما نائبان عنهما فما أنفذاه نفذ كما لو أنفذه الوصيان، وقد روى محمد بن سيرين وأيوب عن عبيدة عن علي قال: جاء إليه رجل وامرأة ومعهما فئام من الناس، فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بما في كتاب الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا؛ فقال: لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت.
قال القاضي أبو إسحاق: فبين علي أن الأمر إلى الحكمين اللذين بعثا من غير أن يكون للزوج والزوجة أمر في ذلك ولا نهي، فقالت المرأة بعدما مضيا من عند علي: رضيت بما في كتاب الله تعالى لي وعلي، وقال الزوج: لا أرضى، فرد عليه تركه الرضا بما في كتاب الله تعالى، وأمره أن يرجع عليه كما يجب على كل مسلم أو ينفذ بما فيه بما يجب من الأدب، فلو كانا وكيلين لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما؟ إنما كان يقول: أتدريان بما
стр. 668
وكلتما، ويسأل الزوجين: ما قالا لهما؟
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) هذا نص من الله في أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ، فكيف لعالم أن يركب معنى أحدهما على الآخر، فذلك تلبيس وإفساد للأحكام، وإنما يسيران بإذن الله ويخلصان النية لوجه الله تعالى وينظران فيما عند الزوجين بالتثبت، فإن رأيا للجمع وجها جمعا، وإن وجداهما قد أنابا تركاهما، كما روي أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: اصبر لي وأنفق عليك، وكان إذا دخل عليها قالت: يا بني هاشم، لا يحبكم قلبي أبدا، أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة ترد أنوفهم قبل شفاههم؟ أين عتبة بن ربيعة؟ أين شيبة بن ربيعة؟ فيسكت، حتى دخل عليها يوما وهو برم، فقالت له: أين عتبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فنشرت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما.
وفي رواية: أنهما لما أتيا اشتما رائحة طيبة وهدوءا من الصوت، فقال له معاوية: ارجع فإني أرجو أن يكونا قد اصطلحا، وقال ابن عباس: أفلا نمضي فننظر أمرهما، فقال معاوية: فتفعل ماذا؟ فقال ابن عباس: أقسم
стр. 669
بالله لئن دخلت عليهما فرأيت الذي أخاف عليهما منه لأحكمن عليهما ثم لأفرقن بينهما.
فإن وجداهما قد اختلفا سعيا في الألفة، وذكرا بالله تعالى وبالصحبة، فإن أنابا وخافا أن يتمادى ذلك في المستقبل بما ظهر في الماضي، فإن يكن ما اطلعا عليه في الماضي يخاف منه التمادي في المستقبل فرقا بينهما، وقاله جماعة منهم: علي وابن عباس والشعبي ومالك وهي:
المسألة الثالثة: وقال الحسن وابن زيد: هما شاهدان يرفعان الأمر إلى السلطان، ويشهدان بما ظهر إليهما، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، والذي صح عن ابن عباس ما قدمنا من أنهما حكمان لا شاهدان، فإذا فرقا بينهما وهي:
المسألة الرابعة: تكون الفرقة، كما قال علماؤنا لوقوع الخلل في مقصود النكاح من الألفة وحسن العشرة، فإن قيل: إذا ظهر الظلم من الزوج أو الزوجة فظهور الظلم لا ينافي النكاح، بل يؤخذ من الظالم حق المظلوم ويبقى العقد، قلنا: هذا نظر قاصر يتصور في عقود الأموال.
فأما عقود الأبدان فلا يتم إلا بالاتفاق والتآلف وحسن التعاشر، فإذا فقد ذلك لم يكن لبقاء العقد وجه، وكانت المصلحة في الفرقة، وبأي وجه رأياها من المتاركة أو أخذ شيء من الزوج أو الزوجة وهي:
المسألة الخامسة: جاز ونفذ عند علمائنا، وقال الطبري والشافعي: لا يؤخذ من مال المحكوم عليه شيء إلا برضاه، وبه قال كل من جعلهما
стр. 670
شاهدين، وقد بينا أنهما حكمان لا شاهدان، وأن فعلهما ينفذ فعل الحاكم في الأقضية كما ينفذ فعل الحكمين في جزاء الصيد وهي أختها. اهـ (١) .
قال ابن رشد: باب في بعث الحكمين:
اتفق العلماء على جواز بحث الحكمين إذا وقع التشاجر بين الزوجين وجهلت أحوالهما في التشاجر أعني: المحق من المبطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢) الآية.
وأجمعوا على أن الحكمين لا يكونان إلا من أهل الزوجين: أحدهما: من قبل الزوج، والآخر: من قبل المرأة، إلا أن لا يوجد في أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما.
وأجمعوا على أن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما.
وأجمعوا على أن قولهما في الجمع بينهما نافذ بغير توكيل.
واختلفوا في تفريق الحكمين بينهما إذا اتفقا على ذلك هل يحتاج إلى إذن من الزوج أو لا يحتاج إلى ذلك؟
فقال مالك وأصحابه: يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع بغير توكيل الزوجين والإذن منهما في ذلك.