ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها، فإن أنابت وإلا هجرها في المضجع، فإن ارعوت وإلا ضربها، فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما، وهذا إن لم يكن نصا وإلا فليس في القرآن بيان، ودعه لا يكون نصا، يكون ظاهرا.
فأما أن يقول الشافعي: يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي يشبه الظاهر، وكيف يقول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) ؟ فنص عليهما جميعا ويقول هو: يشبه أن يكون فيما عمهما وأذن في خوفهما أن لا يقيما حدود الله بالخلع، وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة، بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه، ثم قال: فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما بغير اختيارهما فيتحقق الغيرية، وأما قوله: لا يبعث الحكمين إلا مأمونين فصحيح، وأما قوله: برضا الزوجين بتوكيلهما، فخطأ صراح، فإن الله تعالى خاطب غير الزوجين إذا خافا الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين.
وإذا كان المخاطب غيرهما فكيف يكون ذلك بتوكيلهما ولا يصح لهما حكم إلا بما اجتمعا عليه، والتوكيل من كل واحد لا يكون إلا فيما يخالف الآخر وذلك لا يمكن هاهنا.
المسألة الأولى: قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ (٢) قال السدي: يخاطب الرجل والمرأة إذا ضربها فشاقته، تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري وحالي
стр. 667
كذا، ويبعث الرجل حكما من أهله، ويقول له: حالي كذا، قاله ابن عباس ومال إليه الشافعي، وقال سعيد بن جبير: المخاطب السلطان، ولم ينته رفع أمرهما إلى السلطان فأرسل الحكمين، وقال مالك: قد يكون السلطان، وقد يكون الوليين إذا كان الزوجان محجورين، فأما من قال: إن المخاطب الزوجان فلا يفهم كتاب الله كما قدمنا، وأما من قال: إنه السلطان فهو الحق.
وأما قول مالك: إنه قد يكون الوليين فصحيح ويفيده لفظ الجمع فيفعله السلطان تارة ويفعله الوصي أخرى، وإذا أنفذ الوصيان حكمين فهما نائبان عنهما فما أنفذاه نفذ كما لو أنفذه الوصيان، وقد روى محمد بن سيرين وأيوب عن عبيدة عن علي قال: جاء إليه رجل وامرأة ومعهما فئام من الناس، فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بما في كتاب الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا؛ فقال: لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت.
قال القاضي أبو إسحاق: فبين علي أن الأمر إلى الحكمين اللذين بعثا من غير أن يكون للزوج والزوجة أمر في ذلك ولا نهي، فقالت المرأة بعدما مضيا من عند علي: رضيت بما في كتاب الله تعالى لي وعلي، وقال الزوج: لا أرضى، فرد عليه تركه الرضا بما في كتاب الله تعالى، وأمره أن يرجع عليه كما يجب على كل مسلم أو ينفذ بما فيه بما يجب من الأدب، فلو كانا وكيلين لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما؟ إنما كان يقول: أتدريان بما
стр. 668
وكلتما، ويسأل الزوجين: ما قالا لهما؟
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) هذا نص من الله في أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ، فكيف لعالم أن يركب معنى أحدهما على الآخر، فذلك تلبيس وإفساد للأحكام، وإنما يسيران بإذن الله ويخلصان النية لوجه الله تعالى وينظران فيما عند الزوجين بالتثبت، فإن رأيا للجمع وجها جمعا، وإن وجداهما قد أنابا تركاهما، كما روي أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: اصبر لي وأنفق عليك، وكان إذا دخل عليها قالت: يا بني هاشم، لا يحبكم قلبي أبدا، أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة ترد أنوفهم قبل شفاههم؟ أين عتبة بن ربيعة؟ أين شيبة بن ربيعة؟ فيسكت، حتى دخل عليها يوما وهو برم، فقالت له: أين عتبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فنشرت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما.
وفي رواية: أنهما لما أتيا اشتما رائحة طيبة وهدوءا من الصوت، فقال له معاوية: ارجع فإني أرجو أن يكونا قد اصطلحا، وقال ابن عباس: أفلا نمضي فننظر أمرهما، فقال معاوية: فتفعل ماذا؟ فقال ابن عباس: أقسم
стр. 669
بالله لئن دخلت عليهما فرأيت الذي أخاف عليهما منه لأحكمن عليهما ثم لأفرقن بينهما.
فإن وجداهما قد اختلفا سعيا في الألفة، وذكرا بالله تعالى وبالصحبة، فإن أنابا وخافا أن يتمادى ذلك في المستقبل بما ظهر في الماضي، فإن يكن ما اطلعا عليه في الماضي يخاف منه التمادي في المستقبل فرقا بينهما، وقاله جماعة منهم: علي وابن عباس والشعبي ومالك وهي:
المسألة الثالثة: وقال الحسن وابن زيد: هما شاهدان يرفعان الأمر إلى السلطان، ويشهدان بما ظهر إليهما، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، والذي صح عن ابن عباس ما قدمنا من أنهما حكمان لا شاهدان، فإذا فرقا بينهما وهي:
المسألة الرابعة: تكون الفرقة، كما قال علماؤنا لوقوع الخلل في مقصود النكاح من الألفة وحسن العشرة، فإن قيل: إذا ظهر الظلم من الزوج أو الزوجة فظهور الظلم لا ينافي النكاح، بل يؤخذ من الظالم حق المظلوم ويبقى العقد، قلنا: هذا نظر قاصر يتصور في عقود الأموال.
فأما عقود الأبدان فلا يتم إلا بالاتفاق والتآلف وحسن التعاشر، فإذا فقد ذلك لم يكن لبقاء العقد وجه، وكانت المصلحة في الفرقة، وبأي وجه رأياها من المتاركة أو أخذ شيء من الزوج أو الزوجة وهي:
المسألة الخامسة: جاز ونفذ عند علمائنا، وقال الطبري والشافعي: لا يؤخذ من مال المحكوم عليه شيء إلا برضاه، وبه قال كل من جعلهما
стр. 670
شاهدين، وقد بينا أنهما حكمان لا شاهدان، وأن فعلهما ينفذ فعل الحاكم في الأقضية كما ينفذ فعل الحكمين في جزاء الصيد وهي أختها. اهـ (١) .
قال ابن رشد: باب في بعث الحكمين:
اتفق العلماء على جواز بحث الحكمين إذا وقع التشاجر بين الزوجين وجهلت أحوالهما في التشاجر أعني: المحق من المبطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢) الآية.
وأجمعوا على أن الحكمين لا يكونان إلا من أهل الزوجين: أحدهما: من قبل الزوج، والآخر: من قبل المرأة، إلا أن لا يوجد في أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما.
وأجمعوا على أن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما.
وأجمعوا على أن قولهما في الجمع بينهما نافذ بغير توكيل.
واختلفوا في تفريق الحكمين بينهما إذا اتفقا على ذلك هل يحتاج إلى إذن من الزوج أو لا يحتاج إلى ذلك؟
فقال مالك وأصحابه: يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع بغير توكيل الزوجين والإذن منهما في ذلك.
стр. 671
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق.
وحجة مالك: ما رواه من ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في الحكمين: إليهما التفرقة بين الزوجين والجمع.
وحجة الشافعي وأبي حنيفة: أن الأصل أن الطلاق ليس بيد أحد سوى الزوج أو من يوكله الزوج.
واختلف أصحاب مالك في الحكمين يطلقان ثلاثا.
فقال ابن القاسم: تكون واحدة، وقال أشهب والمغيرة: تكون ثلاثا إن طلقاها ثلاثا.
والأصل: أن الطلاق بيد الرجل إلا أن يقوم دليل على غير ذلك.
وقد احتج الشافعي وأبو حنيفة بما روي في حديث علي هذا أنه قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله وبما فيه لي وعلي، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: لا والله لا تنقلب حتى تقر بمثل ما أقرت به المرأة، قال: فاعتبر في ذلك إذنه، ومالك يشبه الحكمين بالسلطان، والسلطان يطلق بالضرر عند مالك إذا تبين. اهـ (١) .
وذهب الشافعي: إلى أن الحكمين وكيلان وأنه ليس لهما إلا ما
стр. 672
وكلا فيه.
ففي كتاب [الأم] للشافعي ما نصه: قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (١) الآية، قال: الله أعلم بمعنى ما أراد من خوف الشقاق الذي إذا بلغاه أمره أن يبعث حكما من أهله وحكما من أهلها، والذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما، وذلك أني وجدت الله أذن في نشوز الزوج أن يصطلحا، وسن رسول الله ﷺ ذلك، وأذن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفهما أن لا يقيما حدود الله بالخلع، ودلت السنة أن ذلك برضا من المرأة وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين دل ذلك على أن حكمهما غير حكم الأزواج غيرهما، وكان يعرفهما بإباية الأزواج أن يشتبه حالاهما في الشقاق فلا يفعل الرجل الصفح ولا الفرقة ولا المرأة تأدية الحق ولا الفدية أو تكون الفدية لا تجوز من قبل مجاوزة الرجل ما له من أدب المرأة وتباين حالهما في الشقاق.
والتباين هو: ما يصيران فيه من القول والفعل إلى ما لا يحل لهما ولا يحسن، ويمتنعان كل واحد منهما من الرجعة ويتماديان فيما ليس لهما، ولا يعطيان حقا لا يتطوعان ولا واحد منهما بأمر يصيران به في معنى
стр. 673
الأزواج غيرهما، فإذا كان هكذا بعث حكما من أهله وحكما من أهلها ولا يبعث الحكمان إلا مأمونين وبرضا الزوجين ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا الثقفي عن أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي في هذه الآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) ثم قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي رضي الله تعالى عنه: (كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به) ، قال: فقول علي رضي الله تعالى عنه يدل على ما وصفت من أن ليس للحاكم أن يبعث حكمين دون رضا المرأة والرجل بحكمهما، وعلى أن الحكمين إنما هما وكيلان للرجل والمرأة بالنظر بينهما في الجمع والفرقة.
فإن قال قائل: ما دل على ذلك؟
قلنا: لو كان الحكم إلى علي رضي الله تعالى عنه دون الرجل والمرأة بعث هو حكمين، ولم يقل: ابعثوا حكمين.
فإن قال قائل: فقد يحتمل أن يقول: ابعثوا حكمين فيجوز حكمهما بتسمية الله إياهما حكمين، كما يجوز حكم الحاكم الذي يصيره الإمام،
стр. 674
فمن سماه الله ﵎ حاكما أكثر معنى، أو يكونا كالشاهدين إذا رفعا شيئا إلى الإمام أنفذه عليهما، أو يقول: ابعثوا حكمين، أي: دلوني منكم على حكمين صالحين كما تدلوني على تعديل الشهود.
قلنا: الظاهر ما وصفنا، والذي يمنعنا من أن نحيله عنه مع ظهوره أن قول علي ﵁ للزوج: (كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به) ، يدل على أنه ليس للحكمين أن يحكما إلا بأن يفوض الزوجان ذلك إليهما، وذلك أن المرأة فوضت، وامتنع الزوج من تفويض الطلاق فقال علي رضي الله تعالى عنه: (كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به) ، يذهب إلى أنه إن لم يقر لم يلزمه الطلاق وإن رأياه، ولو كان يلزمه طلاق بأمر الحاكم أو تفويض المرأة لقال له: لا أبالي أقررت أم سكت، وأمر الحكمين أن يحكما بما رأياه، اهـ. (١) .
وذكر الشيرازي قولين في المذهب:
أحدهما: أنهما وكيلان.
والثاني: أنهما حاكمان، فقال: فإن ادعى كل واحد منهما النشوز على الآخر أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ليعرف الظالم منهما فيمنع من الظلم، فإن بلغا إلى الشتم والضرب بعث الحاكم حكمين للإصلاح أو التفريق لقوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢)
стр. 675
واختلف قوله في الحكمين:
فقال في أحد القولين: هما وكيلان فلا يملكان التفريق إلا بإذنهما؛ لأن الطلاق إلى الزوج وبذل المال إلى الزوجة فلا يجوز إلا بإذنهما.
وقال في القول الآخر: هما حاكمان فلهما أن يفعلا ما يريان من الجمع والتفريق بعوض وغير عوض؛ لقوله : ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) فسماهما حكمين، ولم يعتبر رضا الزوجين.
وروى أبو عبيدة: أن عليا رضي الله تعالى عنه بعث رجلين فقال لهما: أتدريان ما عليكما؟ ! عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما) ، فقال الرجل: أما هذا فلا، فقال: كذبت، لا والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي.
ولأنه وقع الشقاق واشتبه الظالم منهما فجاز التفريق بينهما من غير رضاهما كما لو قذفها وتلاعنا، والمستحب أن يكون حكما من أهله وحكما من أهلها للآية، لأنه روي أنه وقع بين عقيل بن أبي طالب وبين زوجته شقاق وكانت من بني أمية، فبعث عثمان رضي الله تعالى عنه حكما من أهله، وهو: ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وحكما من أهلها، وهو: معاوية رضي الله تعالى عنه، ولأن الحكمين من أهلهما أعرف بالحال، وإن كان من غير أهلهما جاز؛ لأنهما في أحد القولين حاكمان، وفي الآخر
стр. 676
وكيلان، إلا أنه يحتاج فيه إلى الرأي والنظر في الجمع والتفريق، لا يكمل لذلك إلا ذكران عدلان، فإن قلنا: إنهما حاكمان لم يجز أن يكونا إلا فقيهين، وإن قلنا: إنهما وكيلان جاز أن يكونا من العامة. اهـ (١) .
والمشهور لدى الحنابلة: أنهما وكيلان لا حاكمان.
قال المرداوي: اعلم أن الصحيح من المذهب: أن الحكمين وكيلان عن الزوجين لا يرسلان إلا برضاهما وتوكيلهما، فإن امتنعا من التوكيل لم يجبرا عليه، قال الزركشي: هذا هو المشهور عند الأصحاب، حتى إن القاضي في [الجامع الصغير] ، والشريف أبا جعفر وابن البنا لم يذكروا فيه خلافا، ورضيه أبو الخطاب، قال في [تجريد العناية] : هذا أشهر، وقطع به في [الوجيز] و [المنور] و [منتخب الأزجي] وغيرهم. . . وقدمه في [الهداية] ، و [المذهب] ، و [مسبوك الذهب] ، و [المستوعب] ، و [الخلاصة] ، و [الهادي] ، و [المحرر] ، و [الرعايتين] ، و [الحاوي الصغير] ، و [النظم] ، و [الفروع] ، وغيرهم.
وعنه: أن الزوج إن وكل في الطلاق بعوض أو غيره، أو وكلت المرأة في بذل العوض برضاها، وإلا جعل الحاكم إليهما ذلك فهذا يدل على أنهما حكمان يفعلان ما يريان من جمع أو تفريق بعوض أو غيره من غير رضا الزوجين.
قال الزركشي: وهو ظاهر الآية الكريمة. انتهى.
стр. 677
واختاره ابن هبيرة والشيخ تقي الدين ﵀. . . وهو ظاهر كلام الخرقي، قاله في [الفروع] ، وأطلقهما في [الكافي] و [الشرح] ، اهـ (١) .
وقال ابن القيم: حكم رسول الله ﷺ بين الزوجين يقع الشقاق بينهما.
روى أبو داود في [سننه] من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر بعضها، فأتت النبي ﷺ بعد الصبح، فدعا النبي ﷺ ، فقال: خذ بعض مالها وفارقها، فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ ! قال: نعم، قال: فإني أصدقتها حديقتين، وهما بيدها، فقال النبي ﷺ : خذهما فارقها، ففعل (٢) » .
وقد حكم الله بين الزوجين يقع الشقاق بينهما بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٣)
وقد اختلف السلف والخلف في الحكمين: هل هما حاكمان أو وكيلان؟ على قولين:
أحدهما: أنهما وكيلان، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول، وأحمد في رواية.
الثاني: أنهما حاكمان، وهذا قول أهل المدينة، ومالك، وأحمد في
стр. 678
الرواية الأخرى، والشافعي في القول الآخر، وهذا هو الصحيح.
والعجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان، لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين لقال: فليبعث وكيلا من أهله ولتبعث وكيلا من أهلها.
وأيضا: فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل.
وأيضا: فإنه جعل الحكم إليهما، فقال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (١) والوكيلان لا إرادة لهما، إنما يتصرفان بإرادة موكليهما.
وأيضا: فإن الوكيل لا يسمى حكما في لغة القرآن، ولا في لسان الشارع، ولا في العرف العام ولا الخاص.
وأيضا: فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام، وليس للوكيل شيء من ذلك.
وأيضا: فإن الحكم أبلغ من حاكم؛ لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت، ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك.
فإذا كان الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض فكيف بما هو أبلغ منه؟ !
وأيضا: فإنه خاطب بذلك غير المتزوجين، وكيف يصح أن يوكل على الرجل والمرأة غيرهما؟ وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا: وإن خفتم شقاق بينهما فمروهما أن يوكلا وكيلين: وكيلا من أهله، ووكيلا من أهلها. ومعلوم بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير، وأنها لا تدل عليه بوجه، بل هي دالة على خلافه، وهذا بحمد الله واضح.
وبعث عثمان بن عفان ﵁ عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين
стр. 679
بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقيل لهما: (إن رأيتما أن تفرقا فرقتما) وصح عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال للحكمين بين الزوجين: (عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما) فهذا عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم. والله أعلم.
وإذا قلنا: إنهما وكيلان فهل يجبر الزوجان على توكيل الزوج في الفرقة بعوض وغيره، وتوكيل الزوجة في بذل العوض، أو لا يجبران؟ على روايتين:
فإن قلنا: يجبران، فلم يوكلا، جعل الحاكم ذلك إلى الحكمين بغير رضا الزوجين.
وإن قلنا: إنهما حكمان لم يحتج إلى رضا الزوجين، وعلى هذا النزاع: ينبغي ما لو غاب الزوجان أو أحدهما.
فإن قيل: إنهما وكيلان لم ينقطع نظر الحكمين.
وإن قيل: حكمان انقطع نظرهما، لعدم الحكم على الغائب.
وقيل: يبقى نظرهما على قولين؛ لأنهما يتصرفان بحظهما، فهما كالناظرين، وإن جن الزوجان انقطع نظر الحكمين.
وإن قيل: إنهما وكيلان؛ لأنهما فرع الموكلين، ولم ينقطع إن قيل: إنهما حكمان؛ لأن الحاكم يلي على المجنون.
стр. 680
وقيل: ينقطع أيضا لأنهما منصوبان عنهما، فكأنهما وكيلان ولا ريب أنهما حكمان، فيهما شائبة الوكالة، ووكيلان منصوبان للحكم، فمن العلماء من رجح جانب الوكالة، ومنهم من اعتبر الأمرين. اهـ (١)
стр. 681
الخلاصة
معنى كل من النشوز والخلع لغة وشرعا
أولا: (أ) النشوز: مصدر نشز ينشز، بضم الشين وكسرها في المضارع، معناه: ارتفع، وهو مأخوذ من النشز بسكون الشين وفتحها، وهو ما ارتفع من الأرض، ويطلق أيضا على ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض، وليس بالغليظ، وقال أبو عبيد: النشز: الغليظ الشديد، ويجمع النشز مطلقا عن أنشاز ونشوز، وقيل: يجمع ساكن الشين على نشوز ومفتوحها عن أنشاز، ونشاز بكسر النون، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أنشز عظام الميت إنشازا إذا رفعها إلى مواضعها، وركب بعضها على بعض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (١) ويطلق النشوز على النهوض إلى الشيء بقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (٢) ويقال للدابة: نشزة إذا لم يكد يستقر الراكب عليها ولا السرج على ظهرها، ونشوز الزوجين: كراهية كل منهما الآخر، وسوء عشرته له، يقال: نشزت الزوجة بزوجها وعلى زوجها فهي ناشز أبغضته، وترفعت عليه وخرجت عن طاعته واستعصت عليه، ونشز الزوج على امرأته جفاها، وترفع عليها لبغضه إياها، وقد يفضي هذا إلى طلاقها، أو منعها حقها في المبيت أو النفقة مثلا.
стр. 682
(ب) الخلع: مصدر خلع يخلع على وزن منع يمنع، ويطلق لغة على معان: منها: فصل القبيلة لرجل منها لسوء حاله حتى لا تتحمل جريرته، وهو خليع ومخلوع، ويطلق على التواء العرقوب وانتقاله عن محله، ويطلق على خلع الملابس، ويطلق بمعنى: النزع، إلا أنه أقل منه شدة، ويطلق على فصم عروة النكاح وإنهاء الحياة الزوجية، وكلها تدور على معنى الفصل، وخص في الشرع بفصم عقدة النكاح ومفارقة الرجل زوجته بعوض منها أو من غيرها.
ثانيا: إذا لم يعاشر الرجل زوجته بالمعروف بأن جفاها أو ترفع عليها، أو قصر فيما وجب لها عليه من نفقة أو بيت مثلا، أو توقع من نفسه حصول ما يسوءها فإن لم يكن ذلك عن إساءة منها إليه، فعليه أن يمسك عن ذلك، ويعاشرها بمعروف أو يفارقها بإحسان، ولا يجوز له أن يعضلها أو يضارها ليأخذ منها شيئا أو لتتنازل له عن بعض حقوقها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وللزوجة إذا تحققت من زوجها النشوز أو الإعراض عنها، أو توقعت ذلك منه، ورغبت في البقاء معه لمصلحة تراها: أن تصالح زوجها على التنازل عن بعض حقوقها عليه، أو على مال تدفعه إليه ليبقيها في عصمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣)
стр. 683
ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١) ولأن سودة تنازلت عن ليلتها لعائشة لتبقى زوجة للنبي ﷺ فأقر ذلك، ولا حرج على الزوج فيما تصالحا عليه إلا أن يكون عن مضارة منه لها.
ثالثا: إذا نشزت المرأة فتركت الحقوق التي ألزمها الله بها لزوجها دون أن يكون منه إليها ما يسوءها وعظها ثم هجرها ثم أدبها، فإن أطاعته عاشرها بالمعروف، وإلا جاز له أن يضارها حتى تفتدي نفسها منه فيطلقها أو يخالعها على عوض، سواء كان نشوزها ترفعا عليه أم امتناعها من فراشه أم قولها له: لا أغتسل لك من جنابة، ولا أطأ لك فراشا، ولا أبر لك قسما، أم كان خروجا من بيته بغير إذنه، أم تمكينا لأحد من فراشه، أم زناها، إلى غير هذا مما يدل على سوء العشرة، وقال أبو قلابة وابن سيرين: لا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلا.
ومنشأ الخلاف بينهما وبين الجمهور: الخلاف في المراد بالفاحشة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) هل المراد بها خصوص الزنا، أو كل ما يدل على سوء العشرة وترك الحقوق التي ألزمها الله بها لزوجها. وقال بكر بن عبد الله وعطاء والمالكية: لا يحل له أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه وإن
стр. 684
أتت بفاحشة من زنا أو بذاء أو نشوز لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١) الآيتين، وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢) وادعوا أن الإذن في العضل إذا أتت بفاحشة منسوخ بهذه النصوص.
وأجاب الجمهور عن ذلك: بمنع النسخ، لإمكان الجمع بحمل الإذن في العضل والمضارة على ما إذا أتت بفاحشة، وحمل النهي عن المضارة وأخذ العوض على ما إذا لم يحصل منها نشوز.
وقيل: لا يجوز أخذ الزوج العوض منها إلا إذا خافا جميعا ألا يقيما حدود الله، لكراهية كل منهما الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٣) و [هو] اختيار ابن جرير، واعترض عليه بأنه يلزمه ألا يحل للزوج أخذ الفدية إذا كان سوء العشرة من قبلها فقط.
وأجاب عنه: بأن الأمر ليس كما ظن، فإن سوء عشرتها يقتضي كراهيته إياها وذلك يقتضي الخوف ألا يقيما حدود الله.
رابعا: اتفق العلماء على بعث حكمين إذا وقع الشقاق بين الزوجين ولم يعلم الناشز منهما، أو كان كل منهما ناشزا فأبى الزوج أن يمسك بمعروف
стр. 685
أو يسرح بإحسان، وأبت الزوجة أن تؤدي الحقوق التي ألزمها الله بها لزوجها.
واتفقوا: على أن أحد الحكمين يكون من أهل الزوج والآخر من أهلها إن أمكن، وإلا فمن غيرهما حسب ما تقضتيه المصلحة.
واتفقوا: على أن الحكمين ينفذ ما رأياه في الصلح بينهما، وعلى أنهما إذا اختلفا لم ينفذ قولهما.
واختلفوا بعد ذلك في مسائل:
الأولى: اختلافهم في المخاطب ببعث الحكمين في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) فقيل: السلطان أو نائبه؛ لأنه هو الذي إليه الفصل في الخصومات والأخذ على يد الظالم، وقيل المخاطب بذلك: الزوجان؛ لأن الشأن شأنهما، وكل منهما أدرى بمن يحرص على استيفاء حقه والدفاع عنه، وقيل: أولياء الزوجين.
ويمكن أن يقال: إن الأمر ببعث الحكمين مطلق فإن قام به الزوجان فبها، وإلا بعث أولياؤهما من يقوم بالواجب، فإن لم يتم البعث من قبل أوليائهما تعين على السلطان أو نائبه بعثهما.
الثانية: اختلافهم في الحكمين، هل هما وكيلان أو بمنزلة القضاة؟
فقيل: هما وكيلان ينفذ قولهما فيما وكلا فيه فقط؛ لأن الطلاق بيد
стр. 686
الزوج لا يملكه غيره إلا بتوكيل منه؛ ولأن التعويض عن الطلاق لا يكون إلا برضا الزوجة وطيب نفسها، ولحديث علي وفيه: فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: (والله لا تنقلب حتى تقر بمثل ما أقرت به المرأة) فاعتبر بذلك إذنه كما أذنت.
وقيل: هما حاكمان فينفذ قولهما إذ هما بمنزلة السلطان، والسلطان يطلق بالضرر إذا تبين كما في مسألة العنين، ولحديث علي، فإنه قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما، إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، ولتسمية الله المبعوثين حكمين، والحكم كالقاضي ينفذ ما حكم به من جمع أو تفريق بعوض أو بغير عوض، رضي الزوجان بذلك أم كرها.
وقال بعض العلماء: إذا بعث السلطان أو نائبه حكمين فليس لهما إلا النظر لمعرفة المسيء منهما والنصح لهما والإصلاح بينهما، فإن تم الصلح فبها، وإلا رفعا الأمر للسلطان أو نائبه، كانا بمنزلة الشاهدين، أما الحكم فإلى السلطان أو نائبه دونهما.
الثالثة: هل الخلع طلاق أو فسخ؟ وهل ينفذ طلاق الحكمين إذا طلقا ثلاثا دون تفويض في ذلك من الزوج؟ وهل للزوج الرجعة بعد الخلع ما دامت المخالعة في العدة؟ وهل يجوز الخلع دون السلطان أو لا يكون إلا عن طريقه؟ وهل الخلع خاص بحال الشقاق بين الزوجين أو عام فيها وفي غيرها؟ في كل هذه المسائل خلاف.
خامسا: اختلف العلماء في مقدار ما يؤخذ من العوض في الخلع:
стр. 687
فقيل: لا يأخذ الزوج أكثر مما أعطاها؛ لقوله ﷺ لمن أرادت فراق زوجها: «تردين إليه ما أخذت منه. قالت: نعم، وزيادة، فقال ﷺ : أما الزيادة فلا» ، ويمكن أن يخصص عموم نصوص الافتداء بهذا الحديث؛ لما فيها من الاحتمال. وقيل: يجوز بأكثر مما أعطاها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ولما رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري في مخالعة الأنصاري لأخته: أن النبي ﷺ قال لها: «تردين عليه حديقته ويطلقك قالت: نعم، وأزيده. قال: ردي عليه حديقته وزيديه» .
ويمكن أن يقال: إن هذا الحديث مقابل لحديث منع الزيادة على ما أعطاها، وعلى هذا يتم الاستدلال بعموم الآية على جواز أخذه ما تراضيا عليه أو حكم به حاكم، ولو كان أزيد مما دفع لها أو يقال: في كل من الحديثين مقال: فيتم الاستدلال بعموم الآية على ما ذكر.
سادسا: لم نقف على تحديد مدة تضرب للناشز، عقوبة لها وتأديبا أو زجرا لها عن النشوز عسى أن ترجع عن تقصيرها في حقوق زوجها، وتطيعه في أداء ما وجب عليها له شرعا، ويظهر أن ضرب مدة للنشوز وتحديدها من باب التعزير، وهو مما يختلف باختلاف الظروف والأحوال، وما يترتب عليه من أضرار قد تربو على سوء عشرتها للزوج وقد تنقص عنه، وما يرجى من جدوى التعزير وصلاح الأحوال به، وما يخشى من سوء
стр. 688
عاقبة الزيادة في التعزير من توتر العلاقات بين أسر المجتمع، وما قد يحدث عن شدته للنواشز من الانحدار إلى ما لا تحمد مغبته.
سابعا: ذهب بعض العلماء إلى أن حكم ولي الأمر أو نائبه بما يراه من جمع أو تفريق بعوض أو بغير عوض نافذ، سواء رضي الزوج بالطلاق أم أبى، ورضيت الزوجة بدفع العوض أم كرهت رعاية لمصلحة الأسرة خاصة ومصلحة المجتمع الإسلامي عامة، ورأوا أن هذا نظير التفريق باللعنة والإيلاء والعسر بالنفقة وطول الغيبة، وغير ذلك مما يلجأ فيه إلى التفريق لدفع المضرة والقضاء على مادة الفساد وذارئعه.
وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز التفريق إلا برضا الزوج؛ لأن الطلاق جعل بيده شرعا فلا يكون إلا منه أو بتوكيله، ولا يجوز أخذ عوض من الزوجة عن الفراق إلا برضاها وعن طيب نفس منها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) ولحديث: «إن أموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا (٢) » ولحديث: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه (٣) » .
ويمكن أن يقال: إن هذه النصوص عامة دخلها التخصيص والاستثناء منها بالأدلة التفصيلية فليكن التفريق بالطلاق أو الفسخ من غير رضا الزوج، وكذا أخذ العوض من الزوجة مستثنى من عموم هذه النصوص كذلك بما ذكر من أدلة الرأي الأول؛ جمعا بين الأدلة بدلا من ضرب
стр. 689
بعضها ببعض ومن وقوف المسلمين منها موقف الحيرة أو الاختلاف.
هذا ما تيسر إيراده، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 690
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٢٦) وتاريخ ٢١\٨\١٣٩٤ هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا بني بعده، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة الرابعة لهيئة كبار العلماء من اختيار موضوع النشوز ليكون من جملة الموضوعات التي تعد فيها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحوثا أعدت في ذلك بحثا، وعرض على مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الخامسة المنعقدة بمدينة الطائف فيما بين الخامس من شهر شعبان عام ١٣٩٤ هـ والثاني والعشرين منه.
وبعد اطلاع المجلس على ما أعد من أقوال أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها، وبعد تداول الرأي في ذلك قرر المجلس بالإجماع ما يلي:
أن يبدأ القاضي بنصح الزوجة، وترغيبها في الانقياد لزوجها، وطاعته، وتخويفها من إثم النشوز وعقوبته، وأنها إن أصرت فلا نفقة لها عليه، ولا كسوة، ولا سكنى، ونحو ذلك من الأمور التي يرى أنها تكون دافعة الزوجة إلى العودة لزوجها، ورادعة لها من الاستمرار في نشوزها، فإن استمرت على نفرتها وعدم الاستجابة عرض عليهما الصلح، فإن لم يقبلا ذلك نصح الزوج بمفارقتها، وبين له أن عودتها إليه أمر بعيد، ولعل الخير في غيرها ونحو ذلك مما يدفع الزوج إلى مفارقتها، فإن أصر على إمساكها وامتنع من مفارقتها، واستمر الشقاق بينهما بعث القاضي حكمين عدلين ممن يعرف حالة الزوجين من أهلهما حيث أمكن ذلك، فإن لم يتيسر فمن غير أهلهما ممن يصلح لهذا الشأن، فإن تيسر الصلح بين الزوجين على
стр. 691
أيديهما فبها، وإلا أفهم القاضي الزوج أنه يجب عليه مخالعتها، على أن تسلمه الزوجة ما أصدقها، فإن أبى أن يطلق حكم القاضي بما رآه الحكمان من التفريق بعوض أو بغير عوض، فإن لم يتفق الحكمان، أو لم يوجدا وتعذرت العشرة بالمعروف بين الزوجين نظر القاضي في أمرهما، وفسخ النكاح حسبما يراه شرعا بعوض أو بغير عوض.
والأصل في ذلك الكتاب والسنة والأثر والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) ويدخل في هذا العموم الزوجان في حالة النشوز، والقاضي إذا تولى النظر في دعواهما.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ (٢) الآية، والوعظ كما يكون من الزوج لزوجته الناشز يكون من القاضي؛ لما فيه من تحقيق المصلحة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣) فكما أن الإصلاح مشروع إذا كان النشوز من الزوج، فهو مشروع إذا كان من الزوجة أو منهما.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٤) الآية، وهذه
стр. 692
الآية عامة في مشروعية الأخذ بما يريانه من جمع أو تفريق بعوض أو بغير عوض.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١)
وأما السنة: فما روى البخاري في [الصحيح] عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : أفتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فردت عليه، فأمره ففارقها (٢) » .
وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار (٣) » فهذا يدل بعمومه على مشروعية الخلع عند عدم الوئام بين الزوجين وخشية الضرر.
وأما الأثر: فما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما، وقال: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا، ورواه النسائي أيضا.
وما رواه الدارقطني من حديث محمد بن سيرين عن عبيدة قال: جاء رجل وامرأة إلى علي مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم، فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وقال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت
стр. 693
المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: (كذبت والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به) .
ورواه النسائي في [السنن الكبرى] ورواه الشافعي والبيهقي، وقال ابن حجر: إسناده صحيح.
وما أخرجه الطبري في [تفسيره] ، عن ابن عباس ﵄ في الحكمين أنه قال: (فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز) .
وأما المعنى: فإن بقاءها ناشزا مع طول المدة أمر غير محمود شرعا؛ لأنه ينافي المودة والإخاء، وما أمر الله من الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، مع ما يترتب على الإمساك من المضار والمفاسد والظلم والإثم، وما ينشأ عنه من القطيعة بين الأسر، وتوليد العداوة والبغضاء.
وصلى الله وسلم على محمد، وآله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الخامسة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عبد الله بن حميد ... عبد الله الخياط ... عبد الرزاق عفيفي
محمد الحركان ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
محمد بن جبير ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع
стр. 694
(٧)
حكم الشفعة بالمرافق الخاصة
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 695
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حكم الشفعة بالمرافق الخاصة (١) .
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه، وبعد:
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة مسألة (الشفعة بالمرافق الخاصة) وقد قدمت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع للمجلس هذا نصه:
الحمد لله وحده، وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان عام ١٣٩٥ هـ من إدراج موضوع الشفعة بالمرافق الخاصة في جدول أعمال الدورة الثامنة المتقرر انعقادها في أول ربيع الثاني عام ١٣٩٦ هـ.
وحيث إن دراسة أي موضوع يستلزم إعداد بحث فيه، فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع يشتمل على تعريف الشفعة في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي، وعلى مستند
стр. 696
مشروعيتها، وحكمة ذلك، وعلى مجموعة من مسائل الشفعة مما هي موضع خلاف بين أهل العلم، وفي مقدمة ذلك الشفعة بالمرافق الخاصة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 697
تعريف الشفعة:
الشفعة في اللغة:
الشفعة: من شفع يشفع شفعا، كمنع بمعنى: الضم والزيادة، وتطلق أيضا فيراد بها المال المشفوع فيه، وتطلق ويراد بها: تملك ذلك المال، قال في [المصباح المنير] : شفعت الشيء شفعا من باب نفع ضممته إلى الفرد، وشفعت الركعة جعلتها ثنتين، ومن هنا اشتقت الشفعة، وهي مثال غرفة؛ لأن صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للملك المشفوع، مثل اللقمة اسم للشيء الملقوم، وتستعمل بمعنى التملك لذلك الملك، ومنه قولهم: من ثبت له شفعة فأخر الطلب بغير عذر بطلت شفعته، ففي هذا المثال جمع بين المعنيين، فإن الأولى للمال والثانية للتملك. اهـ.
وفي [لسان العرب] : الشفع من الأعداد: ما كان زوجا، تقول: كان وترا فشفعته بآخر، وشفعة الضحى: ركعتا الضحى. إلى أن قال: وسئل أبو العباس عن اشتقاقها في اللغة، قال: الشفعة: الزيادة، وهو أن يشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده، وتشفعه بها: أي أن تزيده بها، أي إنه كان وترا واحدا فضم إليه ما زاده وشفعه به. اهـ.
стр. 698
الشفعة في الاصطلاح الشرعي:
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في تعريف الشفعة تبعا لاختلافهم في موجباتها، ولشروطها وفيمن لهم حق الشفعة:
فذهب الحنفية: إلى أن الشفعة حق تملك المرء ما بيع من عقار أو ما هو في حكم العقار مما هو متصل بعقاره من شركة أو جوار بمثل الثمن الذي قام عليه المشتري؛ وذلك لدفع ضرر الشراكة أو الجوار.
وذهب المالكية: إلى أن الشفعة استحقاق لشريك أخذ مبيع شريكه بثمنه. قوله: (شريك) قيد أخرج به الجار والشريك في حق المبيع.
وقوله: (مبيع) قيد أخرج الموهوب بلا عوض، وكذا الموروث (١) .
وذهب الشافعية: إلى أن الشفعة استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقل عنه من يد من انتقلت إليه بمثل العوض المسمى (٢)
وذهب الحنابلة: إلى أن الشفعة استحقاق الشريك انتزاع حصة لشريكه من يد من انتقلت إليه إن كان مثله أو دونه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد، فقوله: (الشريك) قيد خرج به الجار والشريك في حق المبيع. وقوله: (إن كان مثله أو دونه) قيد خرج به الكافر فلا شفعة له على مسلم، وقوله: (بثمنه الذي استقر عليه العقد) خرج به الموهوب والموروث وما
стр. 699
كان صداقا أو عوض خلع أو نحوهما (١) .
مما تقدم: تتضح العلاقة بين المعنيين اللغوي والشرعي، فإذا كانت الشفعة لغة بمعنى: الضم والزيادة، فإن الشفيع بانتزاعه حصة شريكه من يد من انتقلت إليه بضم تلك الحصة إلى ما عنده فيزيد بها تملكه، فالضم والزيادة موجودان في المعنيين اللغوي والشرعي، غير أن الشفعة في عرف الشرع اعتبر فيها قيود جعلتها أخص من معناها في اللغة.
стр. 700
مشروعية الشفعة
الشفعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)
وأما السنة فقد ورد بمشروعيتها جملة أحاديث وآثار نذكر منها ما يلي:
١ - قد ثبت في [الصحيحين] عن جابر بن عبد الله ﵄: «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة فيما لم يقسم (٢) » .
٢ - روى البخاري في [صحيحه] وأبو داود والترمذي في [سننهما] بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٣) » ولمسلم بسنده إلى جابر قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة
стр. 701
ما لم تقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (١) » وفي رواية أخرى لمسلم قال: «الشفعة في كل شرك من أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه (٢) » وفي رواية للترمذي: «من كان له شريك في حائط فلا يبيع نصيبه من ذلك حتى يعرضه على شريكه (٣) » .
٣ - ولأبي داود بإسناده إلى أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا قسمت الدار وحددت فلا شفعة فيها (٤) » قال الشوكاني في [النيل] : ورجال إسناده ثقات، ورواه ابن ماجه بمعناه.
٤ - وللترمذي بإسناده إلى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء (٥) » ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال كما قال الترمذي. وفي رواية للطحاوي بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄: «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شيء» ، قال الشوكاني في [النيل] : إسناد حديث جابر لا بأس برواته، كما قاله الحافظ.
٥ - وللبخاري وأبي داود والنسائي، واللفظ للبخاري بإسناده إلى عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ قال: يا سعد، ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله ما أبتاعهما، فقال المسور: والله لتبتاعنهما، فقال سعد: والله لا أزيدك على.
стр. 702
منجمة أو مقطعة، فقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجار أحق بسقبه (١) » ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطي بها خمسمائة دينار فأعطاه إياها.
٦ - ولأحمد والأربعة بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٢) » قال في [البلوغ] : ورجاله ثقات. قال الصنعاني في [شرحه] : أحسن المصنف بتوثيق رجاله وعدم إعلاله، وإلا فإنهم قد تكلموا في هذه الرواية بأنه انفرد بزيادة قوله: «إذا كان طريقهما واحدا (٣) » عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي. قلت: وعبد الملك ثقة مأمون لا يضر انفراده، كما عرف في الأصول وعلوم الحديث.
٧ - وفي [الموطأ] أن عثمان بن عفان ﵁ قال: (إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها، ولا شفعة في بئر ولا في فحل النخل) . قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا.
٨ - ولابن ماجه بسند ضعيف إلى ابن عمر ﵄: (الشفعة كحل العقال) ورواه ابن حزم وزاد: (فإن قيدها مكانه ثبت حقه، وإلا فاللوم عليه) . وأخرج عبد الرزاق عن شريح: إنما الشفعة لمن واثبها.
وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على القول بها، ولم يعرف فيها مخالف إلا ما نقل عن أبي بكر بن الأصم من إنكارها، بحجة: أن في إثباتها إضرارا بأرباب الأملاك، حيث إن المشتري يحجم عن الشراء إذا علم أن ما يشتريه سينتزع منه فيتضرر الملاك بذلك.
стр. 703
وقد رد ابن قدامة ﵀ شبهته في معرض بحثه إجماع الأمة على القول بالشفعة، فقال: وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط، والمعنى في ذلك: أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليص شريكه من الضرر، فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه، ولا نعلم أحدا خالف هذا إلا الأصم، فإنه قال: لا تثبت الشفعة؛ لأن في ذلك إضرارا بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء فيستضر المالك. وهذا ليس بشيء؛ لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله. والجواب عما ذكره من وجهين:
أحدهما: أنا نشاهد الشركاء يبيعون ولا يعدم من يشتري منهم غير شركائهم، ولم يمنعهم استحقاق الشفعة من الشراء.
الثاني: أنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم فيسقط استحقاق الشفعة. اهـ (١) .
стр. 704
دفع شبه القول بمنافاتها للقياس
لقد تكلم بعض أهل العلم في الشفعة من حيث زعم بعضهم منافاتها لبعض الأصول والمبادئ الشرعية:
فقال السرخسي: وزعم بعض أصحابنا ﵏: أن القياس يأبى ثبوت حق الشفعة؛ لأنه يتملك على المشتري ملكا صحيحا له بغير رضاه، وذلك لا يجوز، فإنه من نوع الأكل بالباطل، وتأيد هذا بقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (١) » ولأنه بالأخذ يدفع الضرر عن نفسه على وجه يلحق الضرر بالمشتري في إبطال ملكه عليه، وليس لأحد أن يدفع الضرر على نفسه بالإضرار بغيره (٢) .
وأورد ابن القيم ﵀ شبهة لنفاة الحكم والتعليل والقياس فقال: وحرم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه ثم سلطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة.
وقد رد ﵀ على هذه الشبهة وعلى دعوى منافاة مشروعية الشفعة لأصول الشريعة ومبادئها، فقال: من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة، ولا يليق بها غير ذلك، فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به.
ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي
стр. 705
بعضهم على بعض: شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة تارة، وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة، وانفراد أحد الشريكين بالجملة، إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك، فإن أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي، وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان، فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي، ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع؛ لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد. اهـ (١) .