الإدراج بدليل، فضلا عن أن هذه الزيادة قد وردت في حديث آخر، كحديث أبي هريرة.
٢ - وأما القول: بأن العقار إذا كان مقسوما معروف الحدود مصرفة طرقه فلا ضرر على مالكه بتداول الأيدي المجاورة فغير صحيح. ذلك أن في الضرر الذي قصد الشارع رفعه ضرر سوء الجوار، فإن الجار قد يسيء الجوار غالبا، فيعلي الجدار، ويتتبع العثار، ويمنع الضوء، ويشرف على العورة، ويطلع على العثرة، ويؤذي جاره بأنواع الأذى، وقد أجمعت الأدلة على ثبوت الشفعة للشريك لدفع الضرر الناشئ عنه اشتراك في الغالب، فإذا ثبتت الشفعة في الشركة في العقار لإفضائها إلى المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها.
٣ - وأما الاحتجاج بما في [صحيح البخاري] : «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١) » فعلى فرض انتفاء الإدراج من جابر فإن الجار المشترك مع غيره في مرفق خاص ما، مثل: أن يكون طريقهما واحدا، أو أدنى يشتركا في شرب أو مسيل أو نحو ذلك من المرافق الخاصة لا يعتبر مقاسما مقاسمة كلية، بل هو شريك لجاره في بعض حقوق ملكه، إذا كان طريقهما واحدا لم تكن الحدود كلها واقعة، بل بعضها حاصل، وبعضها منتف، إذ وقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق (٢) .
٤ - وأما القول بأن الشفعة شرعت للشريك لدفع ضرر المقاسمة فغير
стр. 737
مسلم به، فمشروعيتها لرفع الضرر مطلقا، سواء كان الضرر ناتجا عن المقاسمة أم عن الاشتراك. وتخصيص الشفعة برفع ضرر معين دون غيره من الأضرار تخصيص يحتاج إلى ما يسنده شرعا، وأيضا فلو كانت الشفعة مشروعة لدفع ضرر المقاسمة فقط؛ لثبتت مشروعيتها في المنقولات المشتركة لرفع ضرر المقاسمة فيها.
стр. 738
ب - أدلة القائلين بثبوت الشفعة بحق المبيع ومناقشتها:
استدل القائلون بثبوت الشفعة بالمرافق الخاصة وبالجوار بما يأتي:
١ - ما روى البخاري في [صحيحه] عن عمرو بن الشريد، قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال: يا سعد، ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله ما أبتاعهما، فقال المسور: والله لتبتاعنها فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، فقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجار أحق بسقبه (١) » ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاه إياها.
وجه الدلالة من ذلك قوله: «الجار أحق بسقبه (٢) » أي: بقربه، أي: إن الجار أحق بالدار من غيره لقربه، ويدل على أن المقصود بأحقية الجار شفعته الأحاديث الآتية:
٢ - روى أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي بإسناده إلى جابر بن
стр. 739
عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا (١) » وقد حسنه الترمذي.
٣ - روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: «جار الدار أحق بالدار من غيره (٢) » .
٤ - روى أحمد والنسائي وابن ماجه «عن الشريد بن سويد قال: قلت: يا رسول الله، أرضي ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار فقال: الجار أحق بسقبه ما كان (٣) » .
كما استدلوا من جهة المعنى:
بقولهم: واللفظ لابن القيم ﵀: إن حق الأصيل - وهو الجار - أسبق من حق الدخيل، وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار، فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتا فاحشا، ويتأذى بعضهم ببعض، ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود، والضرر بذلك دائم متأبد، ولا يندفع ذلك إلا برضا الجار، إن شاء أقر الدخيل على جواره، وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مئونة المجاورة ومفسدتها، وإذا كان الجار يخاف التأذي على وجه اللزوم كان كالشريك يخاف التأذي بشريكه على وجه اللزوم؛ فوجب بحكم عناية الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالة الضررين جميعا على وجه لا يضر البائع. اهـ (٤) .
стр. 740
المناقشة
أجاب القائلون بحصر الشفعة في الشريك دون غيره بما يأتي:
١ - بالنسبة لحديث أبي رافع ﵁: فقد ذكر الحافظ ابن حجر في معرض شرحه هذا الحديث، وإيراده وجه استدلال الحنفية به على ثبوت الشفعة للجار، وإلزام الشافعية بالقول به؛ لكون الجار حقيقة في المجاورة، مجازا في الشريك، قال ما نصه: إن محل ذلك عند التجرد وقد قامت القرينة هنا على المجاز، فاعتبر للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور، فعلى هذا يتعين تأويل قوله: (أحق) بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك. اهـ (١) .
٢ - بالنسبة لحديث جابر «الجار أحق بشفعة جاره (٢) » إلخ، فقال الترمذي: لا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث، ثم قال: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: لا أعلم أحدا رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به، ويروى عن جابر خلاف هذا. اهـ. قال شعبة: سها فيه عبد الملك، فإن روى حديثا مثله طرحت
стр. 741
حديثه، ثم ترك شعبة التحديث عنه، وقال أحمد: هذا الحديث منكر. وقال ابن معين: لم يروه غير عبد الملك، وقد أنكروه عليه. اهـ (١) .
وقد أجاب ابن القيم ﵀ عن الطعن في حديث جابر فقال: إن عبد الملك هذا حافظ ثقة صدوق، ولم يتعرض له أحد بجرح ألبتة، وأثنى عليه أئمة زمانه ومن بعدهم، وإنما أنكر عليه من أنكر هذا الحديث ظنا منهم أنه مخالف لرواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢) » .
ولا تحتمل مخالفة العرزمي لمثل الزهري، وقد صح هذا من رواية جابر عن الزهري عن أبي سلمة عنه، ومن رواية ابن جريج عن أبي الزبير عنه، ومن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه، فخالفه العرزمي؛ ولهذا شهد الأئمة بإنكار حديثه، ولم يقدموه على حديث هؤلاء. . إلى أن قال: وحديث جابر الذي أنكره من أنكره على عبد الملك صريح فيه، فإنه قال: «الجار أحق بسقبه ينتظر به، وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا (٣) » فأثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق، ونفاها به مع اختلاف الطريق بقوله: «فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة (٤) » فمفهوم حديث عبد الملك هو بعينه منطوق حديث أبي سلمة، فأحدهما يصدق الآخر ويوافقه لا يعارضه ويناقضه، وجابر روى اللفظين. . . إلى أن قال: وحديث أبي رافع الذي رواه البخاري يدل على مثل ما دل عليه حديث عبد الملك فإنه دل على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق فإن
стр. 742
البيتين كانا في نفس دار سعد والطريق واحد بلا ريب. اهـ (١) .
٣ - وأما حديث الشريد بن سويد، فقال الخطابي: قد تكلم أهل الحديث في إسناده، واضطراب الرواة عنه، فقال بعضه: عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع، وقال بعضهم: عن أبيه عن أبي رافع، وأرسله بعضهم. وذكر ابن قدامة ﵀ عن ابن المنذر قوله: الثابت عن رسول الله ﷺ حديث جابر الذي رويناه، وما عداه من الأحاديث فيها مقال (٢) .
وأجيب عن ذلك: بما ذكره ابن القيم ﵀ عن البخاري بخصوص حديث الشريد بن سويد، أو عمرو بن الشريد قال: قال البخاري: وهو أصح عندي من رواية عمرو عن أبي رافع - يعني: حديث أبي رافع مع سعد ابن أبي وقاص - وقال أيضا: كلا الحديثين عندي صحيح (٣) .
وقال ابن حزم في معرض مناقشته الأحاديث والآثار التي استدل بها أهل هذا القول ما نصه: ثم نظرنا في حديث عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن أبيه فوجدناه لا متعلق لهم به؛ لأنه ليس فيه إلا «الجار أحق بسقبه (٤) » وليس فيه للشفعة ذكر ولا أثر، وقد حدثنا همام، حدثنا عباس بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي قال: سمعت عمرو بن الشريد يحدث عن الشريد عن النبي ﷺ قال:
стр. 743
«المرء أحق وأولى بصقبه (١) » ، قلت لعمرو: ما صقبه؟ قال: الشفعة، قلت: زعم الناس أنها الجوار، قال: الناس يقولون ذلك، فهذا راوي الحديث عمرو بن الشريد لا يرى الشفعة بالجوار، ولا يرى لفظ ما روى يقتضي ذلك، فبطل كل ما موهوا به. ثم لو صحت هذه الأحاديث ببيان واضح أن الشفعة للجار لكان حكمه ﵊، وقوله وقضاؤه: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢) » يقضي على ذلك كله ويرفع، فكيف ولا بيان في شيء منها. اهـ (٣) .
٤ - وأما حديث سمرة: ففي سماع الحسن من سمرة، مقال معروف لدى علماء الحديث، قال يحيى بن معين: لم يسمع الحسن من سمرة، وإنما هي صحيفة وقعت إليه، وقال غيره: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة.
وقد أجاب عن ذلك ابن القيم ﵀ حيث قال: قد صح سماع الحسن من سمرة، وغاية هذا أنه كتاب ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديما وحديثا، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء بعدهم، وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب، فإن لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة، وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه، ولا يقول هذا كتاب، وكذلك خلفاؤه من بعده والناس إلى اليوم، فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل، والحفظ
стр. 744
يخون، والكتاب لا يخون. اهـ (١) .
ويمكن أن يجاب عن قول ابن القيم ﵀: بأن الغالب على طالب العلم أن يسجل كل ما عن له من صحيح وضعيف، وما له وجه وما لا وجه له، على أمل أن يتم له النظر لإبعاد ما لا وجه له ولا صحة، ويحمل أن يعجله الأجل قبل ذلك بخلاف ما يؤلفه طالب العلم وينشره بين الناس فإنه بنشره يعتبر في حكم المقتنع بوجاهته وصحة ما فيه مما يراه، وكذا ما يكتبه الوالي إلى عماله أو غيرهم، فإنه يكتب ما يكتب عن اقتناع بوجاهة ما كتبه.
٥ - وأما الاحتجاج على مشروعية الشفعة للجار بالمعنى، فقد أجاب عن ذلك ابن القيم ﵀، وسبق نقل ذلك عنه (٢) .
стр. 745
٤ - الشفعة فيما انتقل إلى الغير بعوض غير مسمى
إذا انتقل ما يجب فيه الشفعة إلى الغير بعوض غير مسمى:
فقد ذهب الحنفية إلى نفي الشفعة فيه.
قال في [الهداية] : ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها أو يخالع المرأة بها أو يستأجر بها دارا أو غيرها أو يصالح بها عن دم عمد أو يعتق عليها عبدا؛ لأن الشفعة عندنا إنما تجب في مجادلة المال بالمال لما بينا، وهذه الأعواض ليست بأموال، فإيجاب الشفعة فيها خلاف المشروع،
стр. 746
وقلب الموضوع. . . إلى أن قال: أو يصالح عنها بإنكار؛ لأنه يحتمل أنه بذل المال افتداء ليمينه وقطعا لشغب خصمه كما إذا أنكر صريحا. اهـ (١) .
وذهب المالكية إلى إثباتها:
قال في [المدونة] : قلت: أرأيت إن تزوجت على شقص من دار، أو خالعت امرأتي على شقص من دار، أيكون في ذلك الشفعة في قول مالك؟ قال: نعم، مثل: النكاح والخلع، وقلت: فبماذا يأخذ الشفيع في الخلع والنكاح والصلح في دم العمد الشقص؟ قال: أما في النكاح والخلع، فقال لي مالك: يأخذ الشفيع الشقص بقيمته، وأرى الدم العمد مثله يأخذه بقيمته اهـ (٢) .
وذهب الشافعية إلى ثبوت الشفعة فيما أخذ بعوض غير مالي:
قال الشربيني على قول صاحب [المنهاج] : وإنما تثبت في ملك بمعاوضة ملكا لازما متأخرا عن ملك الشفيع، كمبيع ومهر وعوض خلع وصلح دم ونجوم وأجرة ورأس مال مسلم. قال: بمعاوضة محضة كالبيع، أو غير محضة كالمهر، أما البيع فبالنص والباقي بالقياس عليه، بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوق الضرر. اهـ (٣) .
وأما الحنابلة: فالصحيح من المذهب: أنه لا شفعه فيه؛ لأنه مملوك بلا مال أشبه الموهوب والموروث، ولأنه يمتنع أخذه بمهر المثل وبقيمته؛
стр. 747
لأنها ليست عوض الشقص.
قال المرداوي: قوله: ولا شفعة فيما عوضه غير المال كالصداق وعوض الخلع والصلح عن دم العمد في أحد الوجهين، وأطلقهما في [الهداية] و [المذهب] و [المستوعب] و [التلخيص] و [المحرر] و [الرعاية الكبرى] و [الفروع] و [الفائق] وظاهر [شرح] : الإطلاق:
أحدهما: لا شفعة في ذلك، وهو الصحيح من المذهب، قال في [الكافي] : لا شفعة فيه في ظاهر المذهب، قال الزركشي: هذا أشهر الوجهين عند القاضي وأكثر أصحابه، قال ابن منجى: هذا أولى، قال الحارثي: أكثر الأصحاب قال بانتفاء الشفعة، منهم: أبو بكر، وابن أبي موسى، وأبو علي بن شهاب، والقاضي، وأبو الخطاب في [رءوس المسائل] وابن عقيل والقاضي يعقوب، والشريفان: أبو جعفر وأبو القاسم الزبدي، والعكبري، وابن بكروس، والمصنف، وهذا هو المذهب؛ ولذلك قدمه في المتن. اهـ.
وهو ظاهر كلام الخرقي، وصححه في [التصحيح] و [النظم] وجزم به في [العمدة] و [الوجيز] و [المنور] و [الحاوي الصغير] وغيرهم، وقدمه في [المغني] و [الشرح] وفى شرح الحارثي، وغيرهم.
والوجه الثاني: فيه الشفعة، اختاره ابن حامد، وأبو الخطاب في [الانتصار] وابن حمدان في [الرعاية الصغرى] وقدمه ابن رزين في [شرحه] . فعلى هذا القول يأخذه بقيمته على الصحيح. اهـ (١) .
стр. 748
٥ - الشفعة بشركة الوقف
اختلف العلماء ﵏ في جواز الشفعة في الوقف:
فذهب الحنفية إلى أن لا شفعة للوقف ولا في الوقف؛ لأنه لا مالك له معين:
قال في [الدر المختار] ما نصه:
ولا شفعة في الوقف، ولا له نوازل، ولا بجواره، قال المصنف: قلت: وحمل شيخنا الرملي الأول على الأخذ به، والثاني على أخذه بنفسه إذا بيع، وأما إذا بيع بجواره أو كان بعض المبيع ملكا وبعضه وقفا وبيع الملك فلا شفعة للوقف.
وقال في [الحاشية] : قوله: أو كان بعض المبيع ملكا. . . إلخ، حاصله: أنه لا شفعة له بجوار ولا بشركة، فهو صريح بالقسمين، كما أشار الشارح بنقل عبارة النوازل، ونبهنا عليه، قوله: فلا شفعة للوقف إذ لا مالك له. اهـ (١) .
وقال الكاساني في معرض تعداده شروط الأخذ بالشفعة ما نصه:
ومنها: ملك الشفيع وقت الشراء في الدار التي يأخذها بالشفعة؛ لأن سبب الاستحقاق جوار الملك، والسبب إنما ينعقد سببا عند وجود الشرط، والانعقاد أمر زائد على الوجود، فإذا لم يوجد عند البيع كيف
стр. 749
ينعقد سببا، فلا شفعة له بدار يسكنها بالآجار والإعارة، ولا بدار باعها قبل الشراء، ولا بدار جعلها مسجدا، ولا بدار جعلها وقفا، وقضى القاضي بجوازه أو لم يقض على قول من يجيز الوقف؛ لأنه زال ملكه عنها لا إلى أحد. اهـ (١) .
وذهب المالكية إلى أنه لا شفعة بالوقف إلا للواقف نفسه بشرط أن يضيف ما يأخذ بالشفعة إلى ما أوقفه، أو أن يجعل ذلك للناظر بأن ينص في ولايته على الأخذ بالشفعة ليضاف إلى الوقف، أو أن يئول الوقف إلى الموقوف عليهم، فلهم حق الأخذ بالشفعة ولو لم يوقفوا، أو أن يئول النظر أو الاستحقاق إلى بيت المال فللسلطان الأخذ له بالشفعة.
قال أبو البركات أحمد الدردير في معرض تعداد من يجوز لهم الأخذ بالشفعة ما نصه:
أو كان الشفيع محبسا لحصته قبل بيع شريكه فله الأخذ بالشفعة ليحبس الشقص المأخوذ أيضا، قال: منها: دار بين رجلين حبس أحدهما نصيبه على رجل وولده، وولد ولده، فباع شريكه في الدار نصيبه، فليس للذي حبس ولا للمحبس عليهم أخذ بالشفعة إلا أن يأخذ المحبس فيجعله في مثل ما جعل نصيبه الأول. انتهى.
وهذا إذا لم يكن مرجعها له، وإلا فله الأخذ ولو لم يحبس. كأنه يوقف على عشرة مدة حياتهم، أو يوقف مدة معينة فله الأخذ مطلقا، كسلطان له
стр. 750
الأخذ بالشفعة لبيت المال، قال سحنون في المرتد: يقتل، وقد وجبت له شفعة: أن للسلطان أن يأخذها إن شاء لبيت المال. اهـ (١) .
وذهب الشافعية إلى أن الوقف إن كان كان عاما كالوقف على الفقراء والمساكين ونحو ذلك فلا شفعة به وإن كان خاصا فلا شفعة لواقفه لزوال ملكه عنه.
وقد اختلف علماء الشافعية في ثبوت للموقوف عليه العين لاختلاف ما نقل عن الشافعي ﵀: هل يملك الموقوف عليه رقبة الوقف أم لا؟
قال في [المجموع] : وأما إذا كان حصة الخليط وقفا نظر في الوقف: فإن كان عاما كالوقف على الفقراء والمساكين، أو كان خاصا لا يملك كالوقف على جامع - فلا يستحق به شفعة في المبيع، وإن كان خاصا على مالك الوقف على رجل بعينه أو على جماعة بأعيانهم - فلا يملك به الواقف شفعة لزوال ملكه من الوقف.
فأما الموقف عليه فقد اختلف قول الشافعي هل يكون مالكا لرقبة الوقف أم لا؟
على قولين:
أحدهما: يستحق به الشفعة لثبوت ملكه واستضراره بسوء المشاركة.
والوجه الثاني: لا شفعة له؛ لأنه ليس بتام الملك ولا مطلق التصرف. اهـ (٢) .
стр. 751
وذهب جمهور الحنابلة إلى القول بنفي الشفعة عن الخلطة بالوقف: لأن من شروط الأخذ بالشفعة: أن يكون الشفيع مالكا لما يشفع به، والوقف لا يعتبر ملكا تماما لمن هو بيده، سواء كان ناظرا أو موقوفا عليه؛ لأنه ليس مطلق التصرف فيه.
قال ابن قدامة ﵀: ولا شفعة بشركة الوقف، ذكره القاضيان: ابن أبي موسى، وأبو يعلى، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنه لا يؤخذ بالشفعة فلا تجب فيه كالمجاور وغير المنقسم؛ ولأننا إن قلنا: هو غير مملوك، فالموقوف عليه غير مالك، وإن قلنا: هو مملوك فملكه غير تام؛ لأنه لا يفيد إباحة التصرف في الرقبة، فلا يملك به ملكا تاما. وقال أبو الخطاب: إن قلنا: هو مملوك وجبت به الشفعة؛ لأنه مملوك بيع في شركة شقص فوجبت الشفعة كالطلق، ولأن الضرر يندفع عنه بالشفعة كالطلق، فوجبت فيه كوجوبها في الطلق، وإنما لم يستحق بالشفعة؛ لأن الأخذ بها بيع، وهو مما لا يجوز بيعه. اهـ (١) .
وللشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ رأي في ثبوت الشفعة به فقد قال ما نصه:
فلو باع الشريك الذي ملكه طلق فلشريكه الذي نصيبه وقف الشفعة؛ لعموم الحديث المذكور ووجود المعنى، بل صاحب الوقف إذا لم يثبت له شفعة يكون أعظم ضررا من صاحب الطلق؛ لتمكن المالك من البيع،
стр. 752
بخلاف مستحق الوقف فإنه يضطر إلى بقاء الشركة، وأما استدلال الأصحاب بقولهم: إن ملكه ناقص، فالحديث لم يفرق بين الذي ملكه ناقص أو كامل، ومنعنا إياه من البيع لتعلق حقوق من بعده به، فالصواب إثبات الشفعة إذا باع الشريك، سواء كان شريكه صاحب ملك طلق أو مستحقا للوقف. اهـ (١) .
وقال المنقور نقلا عن [جمع الجوامع] : للوقف ثلاث صور:
الأولى: إذا كان البعض وقفا والبعض ملكا، فبيع الملك هل يأخذ رب الوقف بالشفعة؟ على وجهين.
والثانية: إذا كان كذلك وبيع الوقف حيث جاز بيعه هل يأخذ الشريك بالملك؟ على وجهين: المختار: نعم.
الثالثة: إذا كان الكل وقفا وبيع البعض حيث جاز بيعه فهل يجوز لرب الوقف الآخر الأخذ بها؟ على وجهين: الصحيح: لا يجوز. اهـ (٢) .
ولعل مصدر الاختلاف في ذلك الخلاف، هل لجهات الوقف شخصية اعتبارية تكون أهلا للإلزام والالتزام كالحال في جماعة المسلمين حيث يتكافئون، ويسعى بذمتهم أدناهم، فيكون الوقف ملكا لهم، فإذا تصرف بعضهم أو النائب عنهم - وهو: الناظر - تصرفا فيه مصلحة للوقف وغبطة لجهاته كان كتصرفهم جميعا، أم أن الوقف لا مالك له في الحقيقة، وأن الشخصية الاعتبارية وهم وخيال لا مجال لها في واقع الأمر وحقيقته؟
стр. 753
٦ - شفعة غير المسلم
اتفق الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي على القول بجواز شفعة غير المسلم على المسلم.
قال السرخسي: والذكر والأنثى، والحر والمملوك، والمسلم والكافر في حق الشفعة سواء؛ لأنه من المعاملات، وإنما ينبني الاستحقاق على سبب متصور في حق هؤلاء. وثبوت الحكم بثبوت سببه. اهـ (١) .
وفي [المدونة] ما نصه: قيل لابن القاسم: هل لأهل الذمة شفعة في قول مالك؟ فقال: سألت مالكا عن المسلم والنصراني تكون الدار بينهما فيبيع المسلم نصيبه، هل للنصراني فيه شفعة؟ قال: نعم، أرى ذلك له مثل ما لو كان شريكه مسلما. اهـ (٢) .
وقال النووي: وأما قوله ﷺ : «فمن كان له شريك» فهو عام يتناول المسلم والكافر والذمي، فتثبت للذمي الشفعة على المسلم، كما تثبت للمسلم على الذمي، هذا قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، والجمهور. اهـ (٣) .
وانفراد الإمام أحمد ﵀ عنهم بمنع شفعة الكافر على المسلم؛ لأن تسليط الكافر على المسلم يعتبر سبيلا إليه، قال تعالى:
стр. 754
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١)
قال ابن قدامة ﵀ على قول الخرقي: (ولا شفعة لكافر على مسلم) : وجملة ذلك: أن الذمي إذا باع شريكه شقصا لمسلم فلا شفعة له عليه، روي ذلك عن الحسن والشعبي، وروي عن شريح وعمر بن عبد العزيز: أن له الشفعة، وبه قال النخعي، وإياس بن معاوية، وحماد بن أبي سليمان، والثوري، ومالك، والشافعي، والعنبري، وأصحاب الرأي؛ لعموم قوله ﷺ «لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، وإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به (٢) » ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب.
ولنا: ما روى الدارقطني في كتاب [العلل] بإسناده عن أنس: أن النبي ﷺ قال: «لا شفعة لنصراني» وهذا يخص عموم ما احتجوا به، ولأنه معنى يملك به يترتب على وجود ملك مخصوص، فلم يجب للذمي على المسلم كالزكاة، ولأنه معنى يختص العقار فأشبه الاستعلاء في البنيان، يحققه أن الشفعة إنما تثبت للمسلم دفعا للضرر عن ملكه، فقدم دفع ضرره على دفع ضرر المشتري، ولا يلزم من تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم تقديم دفع ضرر الذمي، فإن حق المسلم أرجح، ورعايته أولى؛ ولأن ثبوت الشفعة في محل الإجماع على خلاف الأصل رعاية لحق الشريك المسلم، وليس الذمي في معنى المسلم، فيبقى فيه على مقتضى
стр. 755
الأصل اهـ (١) .
وقد نصر ابن القيم ﵀ القول بنفي شفعة الكافر على المسلم، وناقش القائلين بثبوتها، ورد عليهم قولهم، فقال ما نصه: ولهذا لم يثبت عن واحد من السلف لهم حق شفعة على مسلم، وأخذ بذلك الإمام أحمد، وهي من مفرداته التي برز بها على الثلاثة؛ لأن الشقص يملكه المسلم إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي كنا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى كافر بطريق القهر للمسلم، وهذا خلاف الأصول.
والشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر بمنزلة الحقوق التي تجب للمسلم على المسلم؛ كإجابة الدعوة، وعيادة المريض، وكمنعه أن يبيع على بيع أخيه، أو يخطب على خطبته، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الذمي اليهودي والنصراني لهم شفعة؟ قال: لا. وكذلك نقل أبو طالب وصالح وأبو الحارث والأثرم كلهم عنه: ليس للذمي شفعة، زاد أبو الحارث: مع المسلم، قال الأثرم: قيل له: لم؟ قال: لأنه ليس له مثل حق المسلم واحتج فيه.
قال الأثرم: ثنا الطباع، ثنا هشيم، أخبرنا الشيباني عن الشعبي: أنه كان يقول: ليس لذمي شفعة. وقال سفيان عن حميد عن أبيه: إنما الشفعة لمسلم، ولا شفعة لذمي. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، عن ليث، عن مجاهد أنه قال: ليس ليهودي ولا لنصراني
стр. 756
شفعة. وقال الخلال: أخبرني محمد بن الحسن بن هارون قال: سئل أبو عبد الله وأنا أسمع عن الشفعة للذمي، قال: ليس لذمي شفعة، ليس له حق المسلم. أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله قال: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعة، إنما ذلك للمسلمين بينهم. وقال في رواية إسحاق بن منصور: ليس لليهودي والنصراني شفعة، قيل: ولم؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب (١) » وهذا مذهب شريح والحسن والشعبي.
واحتج الإمام أحمد بثلاث حجج:
إحداها: أن الشفعة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، فلا حق للذمي فيها. ونكتة هذا الاستدلال أن الشفعة من حق المالك لا من حق الملك.
الحجة الثانية: قول النبي ﷺ : «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه (٢) » وتقرير الاستدلال من هذا: أنه لم يجعل لهم حقا في الطريق المشترك عند تزاحمهم مع المسلمين، فكيف يجعل لهم حقا إلى انتزاع ملك المسلم منه قهرا؟! بل هذا تنبيه على المنع من انتزاع الأرض من يد المسلم وإخراجه منها لحق الكافر لنفي ضرر الشركة عنه، وضرر الشركة على الكافر أهون عند الله من تسليطه على إزالة ملك المسلم عنه قهرا.
الدليل الثالث: قوله ﷺ : «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب (٣) » .
ووجه الاستدلال من هذا: أن النبي ﷺ حكم بإخراجهم من أرضهم
стр. 757
ونقلها إلى المسلمين؛ لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، فكيف نسلطهم على انتزاع أراضي المسلمين منهم قهرا وإخراجهم منها!؟ وأيضا فالشفعة حق يختص العقار فلا يساوي الذمي فيه المسلم كالاستعلاء في البنيان، يوضحه أن الاستعلاء تصرف في هواء ملكه المختص به، فإذا منع منه فكيف يسلط على انتزاع ملك المسلم منه قهرا وهو ممنوع من التصرف في هوائه تصرفا يستعلي فيه على المسلم؟! فأين هذا الاستعلاء من استعلائه عليه بإخراجه من ملكه قهرا؟! وأيضا فالشفعة وجبت لإزالة الضرر عن الشفيع وإن كان فيها ضرر بالمشتري، فإذا كان المشتري مسلما فسلط الذمي على انتزاع ملكه منه قهرا كان فيه تقديم حق الذمي على حق المسلم، وهذا ممتنع، وأيضا فإنه يتضمن مع إضراره بالمسلم إضرارا بالدين وتملك دار المسلمين منهم قهرا وشغلها بما يسخط الله بدل ما يرضيه، وهذا خلاف قواعد الشرع؛ ولذلك حرم عليهم نكاح المسلمات إذ كان فيه نوع استعلاء عليهن، ولذلك لم يجز القصاص بينهم وبين المسلمين ولا حد القذف، ولا يمكنون من تملك رقيق مسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١) ومن أعظم السبيل تسليط الكافر على انتزاع أملاك المسلمين منهم وإخراجهم منها قهرا، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٢) .
إلى أن قال: وأيضا فلو كانوا مالكين حقيقة لما أوصى النبي ﷺ
стр. 758
بإخراجهم من جزيرة العرب، وقال: «لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب (١) » هذا مع بقائهم على عهدهم وعدم نقضهم له، فلو كانوا مالكين لدورهم حقيقة لما أخرجهم منها ولم ينقضوا عهدا؛ ولهذا احتج الإمام أحمد بذلك على أنه لا شفعة لهم على مسلم.
إلى أن قال: وليس مع الموجبين للشفعة نص من كتاب الله، ولا سنة من رسول الله ﷺ ، ولا إجماع من الأمة، وغاية ما معهم إطلاقات وعمومات، كقوله «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم (٢) » وقوله: «من كان له شريك في ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه (٣) » ونحو ذلك مما لا يعرض فيه للمستحق، وإنما سيقت لأحكام الأملاك لا لعموم الأملاك (٤) من أهل الملة وغيرهم، وليس معهم قياس استوى فيه الأصل والفرع في المقتضي للحكم، فإن قياس الكافر على المسلم من أفسد القياس، وكذلك قياس بعضهم من تجب له الشفعة بمن تجب عليه من أفسد القياس أيضا.
ثم ذكر مجموعة من الأحكام يختلف فيها المسلم عن الكافر.
ثم قال: وكذلك قياس بعضهم الأخذ بالشفعة على الرد بالعيب من هذا النمط، فإن الرد بالعيب من باب استدراك الظلامة، وأخذ الجزء الفائت الذي يترك على الثمن في مقابلته، فأين ذلك من تسليطه على انتزاع ملك المسلم منه قهرا واستيلائه عليه؟ إلى آخر ما ذكره (٥) .
стр. 759
٧ - شفعة غير المكلف من صبي أو مجنون
ذهب جمهور أهل العلم منهم الحسن وعطاء وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وسوار والعنبري إلى القول بثبوت الشفعة للصبي والمجنون يتولاها وليه إن رأى له في ذلك مصلحة وغبطة.
قال السرخسي: والصغير كالكبير في استحقاق الشفعة.
ثم ذكر توجيه ذلك فقال: ولكنا نقول سبب الاستحقاق متحقق في حق الصغير، وهو الشركة، أو الجوار من حيث اتصال حق ملكه بالمبيع على وجه التأبيد فيكون مساويا للكبير في الاستحقاق به.
ثم قال: ثبت له حق الشفعة ثم يقوم بالطلب من يقوم مقامه شرعا في استيفاء حقوقه، فإن لم يكن له أحد من هؤلاء فهو على شفعته إذا أدرك؛ لأن الحق قد ثبت له، ولا يتمكن من استيفائه قبل الإدراك. اهـ (١) .
وفي [المدونة] : قلت: أرأيت لو أن صبيا وجبت له الشفعة من يأخذ له بشفعته؟ قال: الوالد، قيل: فإن لم يكن له والد؟ قال: فالوصي، قيل: فإن لم يكن له وصي؟ قال: فالسلطان، قلت: فإن كان في موضع لا سلطان فيه، ولا أب له ولا وصي؟ قال: فهو على شفعته إذا بلغ، قال: وهذا كله قول مالك. اهـ (٢) .
وقال ابن قدامة ﵀ على قول الخرقي: (وللصغير إذا كبر المطالبة
стр. 760
بالشفعة) ما نصه:
وجملة ذلك: أنه إذا بيع في شركة الصغير شقص ثبتت له الشفعة في قول عامة الفقهاء، منهم: الحسن، وعطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وسوار، والعنبري، وأصحاب الرأي.
ثم قال بعد مناقشة القائلين بمنع شفعة الصبي: إذا ثبت هذا، فإن ظاهر قول الخرقي: أن للصغير إذا كبر الأخذ بها، سواء عفا عنها الولي أو لم يعف، وسواء كان الحظ في الأخذ بها أو في تركها، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور، له الشفعة إذا بلغ فاختار ولم يفرق، وهذا قول الأوزاعي، وزفر، ومحمد بن الحسن، وحكاه بعض أصحاب الشافعي عنه؛ لأن المستحق للشفعة يملك الأخذ بها، سواء كان الحظ فيها أو لم يكن فلم يسقط بترك غيره كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها.
إلى أن قال: والحكم في المجنون المطبق كالحكم في الصغير سواء؛ لأنه محجور عليه لحظه، وكذلك السفيه لذلك.
وأما المغمى عليه فلا ولاية عليه، وحكمه حكم الغائب والمجنون، ينتظر إفاقته. اهـ (١) .
وذهب بعض أهل العلم إلى القول بمنع الصغير من الشفعة حيث لا يمكنه أخذها في الحال ولا يمكن الانتظار بها حتى يبلغ لما في ذلك من الإضرار بالمشتري، وليس لوليه أخذها؛ لأنه لا يملك العفو عنها فهو لا
стр. 761
يملك الأخذ بها. ويروى هذا القول عن النخعي، والحارث العكلي، وابن أبي ليلى.
وقد رد ابن قدامة ﵀ على أهل هذا القول، فقال ما نصه:
قولهم: لا يمكن الأخذ غير صحيح؛ فإن الولي يأخذ بها كما يرد المعيب، وقولهم: لا يمكنه العفو يبطل بالوكيل فيها، وبالرد بالعيب، فإن ولي الصبي لا يمكنه العفو، ويمكنه الرد؛ ولأن في الأخذ تحصيلا للملك للصبي ونظرا له، وفي العفو تضييع وتفريط في حقه، ولا يلزم من ملك ما فيه الحظ ملك ما فيه التضييع، ولأن العفو إسقاط لحقه والأخذ استيفاء له. . . إلى أن قال: وما ذكروه من الضرر في الانتظار يبطل بالغائب. اهـ (١) .
стр. 762
٨ - شفعة الغائب
ذهب جمهور أهل العلم إلى: أن الغائب على حقه في الشفعة وإن طالت غيبته، روى ذلك شريح والحسن وعطاء، وبه قال الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والليث والثوري والأوزاعي والعنبري؛ لعموم قوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم (١) » .
قال ابن رشد: فإن الذي له الشفعة رجلان: حاضر، أو غائب، فأما الغائب فأجمع العلماء على أن الغائب على شفعته ما لم يعلم ببيع شريكه.
واختلفوا إذا علم وهو غائب.
فقال قوم: تسقط شفعته.
стр. 763
وقال قوم: لا تسقط، وهو مذهب مالك، والحجة له ما روي عن النبي ﷺ من حديث جابر: أنه قال: «الجار أحق بصقبه» أو قال: «بشفعته ينتظر بها إذا كان غائبا (١) » وأيضا فإن الغائب في الأكثر معوق عن الأخذ بالشفعة فوجب عذره.
وعمدة الفريق الثاني: أن سكوته مع العلم قرينة تدل على رضاه بإسقاطها. اهـ (٢) .
وفي [المدونة] : قلت: أرأيت الغائب إذا علم بالشراء وهو شفيع ولم يقدم يطلب الشفعة حتى متى تكون له الشفعة؟ قال: قال مالك: لا تقطع عن الغائب الشفعة بغيبته. قلت: علم أو لم يعلم؟ قال: ليس ذلك عندي إلا فيما علم، وأما فيما لم يعلم فليس فيه كلام ولو كان حاضرا. اهـ (٣) .
وقال ابن قدامة ﵀ على قول الخرقي: (ومن كان غائبا وعلم بالبيع وقت قدومه فله الشفعة وإن طالت غيبته) . ما نصه:
وجملة ذلك: أن الغائب له شفعة في قول أكثر أهل العلم. وذكر توجيه القول بذلك فقال: ولنا عموم قوله ﵇: «الشفعة فيما لم يقسم (٤) » وسائر الأحاديث، ولأن الشفعة حق مالي وجد سببه بالنسبة إلى الغائب فيثبت له كالإرث؛ ولأنه شريك لم يعلم بالبيع فتثبت له الشفعة عند علمه كالحاضر إذا كتم عنه البيع والغائب غيبة قريبة. اهـ (٥) .
стр. 764
وذهب بعض أهل العلم: إلى القول بمنع الغائب من الشفعة؛ لما فيه من الإضرار بالمشتري بامتناعه عن التصرف في ملكه حسب اختياره خشية انتزاعه منه، وهذا القول مروي عن النخعي والحارث العكلي والبتي.
ورد ابن قدامة القول بتضرر المشتري بأن ضرره يندفع بإيجاب القيمة له، وقد يرد على ذلك بأن غيبته ما دامت غير محددة بحيث تصل إلى عشر سنين أو أكثر، فإن تضرر المشتري ببقاء مشتراه معلقا حتى يحضر فيقرر رغبته في الشفعة من عدمها لا يقابل برد القيمة إليه؛ لما في ذلك من تعطل هذه القيمة عن الإدارة، فضلا عما في ذلك من تعطيل هذا العقار عن التعمير لتكون منفعته العامة والخاصة أكثر.
стр. 765
٩ - شفعة الوارث
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في جواز شفعة الوارث من عدمه تبعا لاختلافهم في متعلق حق الشفعة: هل هو متعلق بالملك فيورث، أم بالمالك فيمتنع إرثه لموت صاحبه، وقد تحصل من اختلافهم في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدهما: إذا لم يأخذها الشفيع قبل موته فلا يجوز لوارثه أخذها مطلقا، سواء طالب بها مورثه أم لم يطالب بها؛ لأن سبب أخذه الشفعة زال بموته وهو الملك، وقيام السبب إلى وقت الأخذ شرط لثبوت الحق في ذلك، وقد قال بهذا القول جمهور أهل الرأي.
قال السرخسي: وإذا مات الشفيع بعد البيع، وقبل أن يأخذ بالشفعة لم
стр. 766
يكن لوارثه حق الأخذ بالشفعة عندنا، ثم علل ذلك بقوله: ونحن نقول: مجرد الرأي والمشيئة لا يتصور فيه الإرث؛ لأنه لا يبقى بعد موته ليخلفه الوارث فيه، والثابت له بالشفعة مجرد المشيئة بين أن يأخذ أو يترك، ثم السبب الذي به كان يأخذ بالشفعة يزول بموته وهو ملكه، وقيام السبب إلى وقت الأخذ شرط لثبوت حق الأخذ له. اهـ (١) .
وقال في [الدر المختار] : ويبطلها موت الشفيع قبل الأخذ بعد الطلب أو قبله، ولا تورث خلافا للشافعي. قال في الحاشية: قوله: (ويبطلها موت الشفيع. . إلخ) لأنها مجرد حق التملك، وهو لا يبقى بعد موت صاحب الحق فكيف يورث؟! اهـ (٢) .
القول الثاني: أن حق الشفعة لا يورث إلا إذا طالب بها الشفيع قبل موته؛ لأنه متعلق بالمالك، دون الملك، فحيث مات قبل طلب حقه في الشفعة فإن موته مسقط لذلك الحق، وهذا قول جمهور العلماء من الحنابلة وغيرهم.
قال ابن قدامة ﵀ في كلامه على قول الخرقي: (والشفعة لا تورث إلا أن يكون الميت طالب بها) ما نصه:
وجملة ذلك: أن الشفيع إذا مات قبل الأخذ بها لم يخل من حالين: أحدهما: أن يموت قبل الطلب بها فتسقط ولا تنتقل إلى الورثة.
стр. 767
وقال أحمد: الموت يبطل به ثلاثة أشياء: الشفعة، والحد إذا مات المقذوف، والخيار إذا مات الذي اشترط الخيار، لم يكن للورثة هذه الثلاثة الأشياء إنما هي بالطلب، فإذا لم يطلب فليس تجب إلا أن يشهد أني على حقي من كذا وكذا، وأني قد طلبته، فإذا مات بعده كان لوارثه الطلب به.
وروي بسقوطه بالموت عن الحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي، وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي، ثم ذكر المستند لذلك فقال: ولنا أنه حق فسخ ثبت لا لفوات جزء فلم يورث، كالرجوع في الهبة، ولأنه نوع خيار جعل للتمليك أشبه خيار القبول.
الحال الثاني: إذا طالب بالشفعة ثم مات فإن حق الشفعة ينتقل إلى الورثة قولا واحدا، ذكره أبو الخطاب، وقد ذكرنا نص أحمد عليه؛ لأن الحق يتقرر بالطلب، ولذلك لا يسقط بتأخير الأخذ بعده، وقبله يسقط.
وقال القاضي: يصير الشقص ملكا للشفيع بنفس المطالبة، وقد ذكرنا أن الصحيح غير هذا، فإنه لو صار ملكا للشفيع لم يصح العفو عن الشفعة بعد طلبها، كما لا يصح العفو عنها بعد الأخذ بها. فإذا ثبت هذا فإن الحق ينتقل إلى جميع الورثة على حسب مواريثهم؛ لأنه حق مالي موروث، فينتقل إلى جميعهم كسائر الحقوق المالية. اهـ (١) .
القول الثالث: ثبوت الشفعة للورثة إذا مات مورثهم قبل العفو والأخذ
стр. 768
لكون الشفعة حقا متعلقا بالملك الموروث فهي حق من حقوقه، وقد قال بهذا القول: مالك، والشافعي، والعنبري، وغيرهم، وذكر أبو الخطاب من الحنابلة أن هذا القول يمكن تخريجه؛ لأنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال فيورث كخيار الرد بالعيب.
قال الشيرازي: وإذا مات الشفيع قبل الأخذ والعفو انتقل حقه من الشفعة إلى ورثته؛ لأنه قبض استحقه بعقد البيع، فانتقل إلى الورثة كقبض المشتري في البيع ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال فورث كالرد بالعيب (١) .
وقال ابن رشد في معرض ذكره جملة من أحكام الشفعة هي موضع خلاف بين أهل العلم ما نصه:
فمن ذلك اختلافهم في ميراث حق الشفعة:
فذهب الكوفيون إلى أنه لا يورث، كما أنه لا يباع.
وذهب مالك والشافعي وأهل الحجاز إلى أنها موروثة، قياسا على الأموال (٢) .
وقد رد ابن قدامة ﵀ على أبي الخطاب في قياسه الشفعة على خيار الرد بالعيب فقال: ولنا أنه حق فسخ ثبت لا لفوات جزء فلم يورث؛ كالرجوع في الهبة، ولأنه نوع خيار جعل للتمليك أشبه خيار القبول، فأما
стр. 769
خيار الرد بالعيب فإنه لاستدراك جزء فات من المبيع. اهـ (١) .
هذا ما تيسر ذكره، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 770
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٤٤) وتاريخ ١٣\٤\١٣٩٦ هـ
المتعلق بمسألة الشفعة فيما لا يمكن قسمته من العقار
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد، وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لمجلس هيئة كبار العلماء، المنعقدة في مدينة الطائف في النصف الأول من شهر شعبان عام ١٣٩٥هـ من إدراج مسألة الشفعة بالمرافق الخاصة في جدول أعمال الدورة الثامنة فقد جرى دراسة المسألة المذكورة في دورة المجلس الثامنة المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر في مدينة الرياض.
كما جرى دراسة مسألة الشفعة فيما لا تمكن قسمته من العقار.
وبعد الاطلاع على البحث المعد في (مسألة الشفعة فيما لا تمكن قسمته من العقار) من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد تداول الرأي والمناقشة من الأعضاء، وتبادل وجهات النظر قرر المجلس بالأكثرية:
أن الشفعة تثبت بالشركة في المرافق الخاصة؛ كالبئر، والطريق، والمسيل، ونحوها.
كما تثبت الشفعة فيما لا تمكن قسمته من العقار؛ كالبيت، والحانوت،
стр. 771
الصغيرين ونحوهما؛ لعموم الأدلة في ذلك؛ ولدخول ذلك تحت مناط الأخذ بالشفعة، وهو دفع الضرر عن الشريك في المبيع، وفي حق المبيع، ولأن النصوص الشرعية في مشروعية الشفعة تتناول ذلك، ومن ذلك ما رواه الترمذي بإسناده إلى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء (١) » وفي رواية الطحاوي بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ : «قضى بالشفعة في كل شيء» . قال الحافظ: حديث جابر لا بأس برواته، ولما روى الإمام أحمد والأربعة بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا (٢) » قال في [البلوغ] : ورجاله ثقات، ولما روى البخاري في [صحيحه] وأبو داود والترمذي في [سننهما] بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٣) » .
ووجه الاستدلال بذلك: ما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابه: [إعلام الموقعين] : أن الجار المشترك مع غيره في مرفق خاص ما، مثل: أن يكون طريقهما واحدا، أو أن يشتركا في شرب أو مسيل، أو نحو ذلك من المرافق الخاصة لا يعتبر مقاسما مقاسمة كلية، بل هو شريك لجاره في بعض حقوق ملكه، وإذا كان طريقهما واحدا لم تكن الحدود كلها واقعة، بل بعضها حاصل، وبعضها منتف، إذ وقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق. اهـ.
стр. 772
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الثامنة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عبد الله بن حميد ... عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي
محمد الحركان لي وجهة نظر ... عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح
... إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد
صالح بن غصون ... عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين
محمد بن جبير لي وجهة نظر مرفقة ... صالح بن لحيدان ... عبد الله بن منيع
стр. 773
وجهة نظر المخالفين
بالنسبة إلى الشفعة بالشركة في المرافق هو: أن الشفعة لا تثبت إلا في العقار المشترك شركة مشاعة، ولا تثبت بالاشتراك في المرافق، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وبالله التوفيق.
عضو المجلس ... عضو المجلس
محمد بن إبراهيم بن جبير ... محمد بن علي الحركان
стр. 774
(١)
حكم تشريح جثة المسلم
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
стр. 775
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حكم تشريح جثة المسلم (١)
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد ... فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام ١٣٩٦هـ موضوع (حكم تشريح جثة مسلم من أجل تحقيق مصالح وخدمات طبية) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
حكم تشريح جثة المسلم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وبعد:
فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثامنة المنعقدة بالرياض في شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦ هـ من إعداد بحث في (حكم تشريح جثة مسلم من أجل تحقيق مصالح وخدمات طبية) وإدراج ذلك في جدول أعمال الدورة التاسعة - أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية