← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ما لم تقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (١) » وفي رواية أخرى لمسلم قال: «الشفعة في كل شرك من أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه (٢) » وفي رواية للترمذي: «من كان له شريك في حائط فلا يبيع نصيبه من ذلك حتى يعرضه على شريكه (٣) » . ٣ - ولأبي داود بإسناده إلى أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا قسمت الدار وحددت فلا شفعة فيها (٤) » قال الشوكاني في [النيل] : ورجال إسناده ثقات، ورواه ابن ماجه بمعناه. ٤ - وللترمذي بإسناده إلى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء (٥) » ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال كما قال الترمذي. وفي رواية للطحاوي بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄: «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شيء» ، قال الشوكاني في [النيل] : إسناد حديث جابر لا بأس برواته، كما قاله الحافظ. ٥ - وللبخاري وأبي داود والنسائي، واللفظ للبخاري بإسناده إلى عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ قال: يا سعد، ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله ما أبتاعهما، فقال المسور: والله لتبتاعنهما، فقال سعد: والله لا أزيدك على.

стр. 702

منجمة أو مقطعة، فقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجار أحق بسقبه (١) » ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطي بها خمسمائة دينار فأعطاه إياها. ٦ - ولأحمد والأربعة بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٢) » قال في [البلوغ] : ورجاله ثقات. قال الصنعاني في [شرحه] : أحسن المصنف بتوثيق رجاله وعدم إعلاله، وإلا فإنهم قد تكلموا في هذه الرواية بأنه انفرد بزيادة قوله: «إذا كان طريقهما واحدا (٣) » عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي. قلت: وعبد الملك ثقة مأمون لا يضر انفراده، كما عرف في الأصول وعلوم الحديث. ٧ - وفي [الموطأ] أن عثمان بن عفان ﵁ قال: (إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها، ولا شفعة في بئر ولا في فحل النخل) . قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا. ٨ - ولابن ماجه بسند ضعيف إلى ابن عمر ﵄: (الشفعة كحل العقال) ورواه ابن حزم وزاد: (فإن قيدها مكانه ثبت حقه، وإلا فاللوم عليه) . وأخرج عبد الرزاق عن شريح: إنما الشفعة لمن واثبها. وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على القول بها، ولم يعرف فيها مخالف إلا ما نقل عن أبي بكر بن الأصم من إنكارها، بحجة: أن في إثباتها إضرارا بأرباب الأملاك، حيث إن المشتري يحجم عن الشراء إذا علم أن ما يشتريه سينتزع منه فيتضرر الملاك بذلك.

стр. 703

وقد رد ابن قدامة ﵀ شبهته في معرض بحثه إجماع الأمة على القول بالشفعة، فقال: وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط، والمعنى في ذلك: أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليص شريكه من الضرر، فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه، ولا نعلم أحدا خالف هذا إلا الأصم، فإنه قال: لا تثبت الشفعة؛ لأن في ذلك إضرارا بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء فيستضر المالك. وهذا ليس بشيء؛ لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله. والجواب عما ذكره من وجهين: أحدهما: أنا نشاهد الشركاء يبيعون ولا يعدم من يشتري منهم غير شركائهم، ولم يمنعهم استحقاق الشفعة من الشراء. الثاني: أنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم فيسقط استحقاق الشفعة. اهـ (١) .

стр. 704

دفع شبه القول بمنافاتها للقياس لقد تكلم بعض أهل العلم في الشفعة من حيث زعم بعضهم منافاتها لبعض الأصول والمبادئ الشرعية: فقال السرخسي: وزعم بعض أصحابنا ﵏: أن القياس يأبى ثبوت حق الشفعة؛ لأنه يتملك على المشتري ملكا صحيحا له بغير رضاه، وذلك لا يجوز، فإنه من نوع الأكل بالباطل، وتأيد هذا بقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (١) » ولأنه بالأخذ يدفع الضرر عن نفسه على وجه يلحق الضرر بالمشتري في إبطال ملكه عليه، وليس لأحد أن يدفع الضرر على نفسه بالإضرار بغيره (٢) . وأورد ابن القيم ﵀ شبهة لنفاة الحكم والتعليل والقياس فقال: وحرم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه ثم سلطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة. وقد رد ﵀ على هذه الشبهة وعلى دعوى منافاة مشروعية الشفعة لأصول الشريعة ومبادئها، فقال: من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة، ولا يليق بها غير ذلك، فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به. ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي

стр. 705

بعضهم على بعض: شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة تارة، وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة، وانفراد أحد الشريكين بالجملة، إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك، فإن أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي، وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان، فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي، ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع؛ لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد. اهـ (١) .

стр. 706

الحكمة في مشروعية الشفعة لا شك أن الشريعة الإسلامية تهدف بتشريعاتها إلى تحقيق العدل، وتعميم الرخاء، وتحصيل المصالح، ودرء المفاسد، فهي عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه. والشفعة شرع الله، شرعها تعالى بلسان رسوله ﷺ ، فلا شك أن لمشروعيتها حكمة اقتضاها عدله تعالى بين عباده، ورحمته بين خلقه، ولا شك أن من الحكمة في مشروعيتها: إزالة الضرر بين الشركاء، أو الضرر مطلقا، فإن الشركات في الغالب تعتبر موطنا للخصومات ومحلا للتضرر والتعديات، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (١) قال ابن القيم ﵀: ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن

стр. 707

الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض، شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة تارة، وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة. اهـ (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الشفعة: فإنها شرعت لتكميل الملك للشفيع؛ لما في الشركة من التضرر. اهـ (٢) . ونقل علي حيدر عن [مجمع الأنهر] : أن الحكمة في مشروعيتها دفع ما ينشأ من سوء الجوار من الضرر على وجه التأبيد، كإيقاد النار، وإعلاء الجدار، وإثارة الغبار، ومنع ضوء النهار، وإقامة الدواب والصغار. اهـ (٣) . وباستعراض ما تقدم من تعاريف الشفعة لدى أهل العلم وحكمة مشروعيتها يتضح ما يلي: ١ - اتفاقهم على القول بالشفعة على وجه الإجمال. ٢ - اتفاقهم على ثبوت الشفعة للشريك المسلم بشرطه. ٣ - اتفاقهم على عدم اعتبار رضا الشريك والمشفوع عليه في انتزاع الشفيع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه. ٤ - اتفاقهم في الجملة على ثبوت الشفعة في العقار.

стр. 708

٥ - اختلافهم في سبب الشفعة، حيث اتفق الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، على أن الشفعة خاصة للشريك، فلا شفعة بجوار ولا بمرفق خاص مشترك كطريق وبئر ومسيل، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة، حيث أثبت الشفعة بالجوار وبالمرافق الخاصة، ووافقه في ذلك الإمام أحمد في رواية عنه في الشفعة بالمرافق الخاصة. ٦ - اختلافهم في الشركة فيما لا يقبل القسمة من العقار؛ كالحمام الصغير والحانوت. ٧ - اختلافهم في الشركة في المنقولات هل فيها شفعة؟ ٨ - اختلافهم في الكافر: هل له حق الشفعة على المسلم؟ حيث اتفق الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي على إثبات الشفعة له على المسلم، وخالفهم في ذلك الإمام أحمد، حيث منعها عنه بحجة أنه ليس له مثل حق المسلم. ٩ - اختلافهم فيما إذا انتقلت الحصة إلى الغير بعوض غير مسمى. ١٠ - اختلافهم في الوقف هل تثبت فيه وبه الشفعة؟ ١١ - اختلافهم في شفعة غير المكلف؛ كالصبي والمجنون. ١٢ - اختلافهم في شفعة الغائب. ١٣ - اختلافهم في إرث الحق في الشفعة.

стр. 709

وفيما يلي ذكر بعض من أقوال أهل العلم فيما اختلفوا فيه مما ذكر: ١ - الاشتراك فيما لا يقبل القسمة من العقار اختلف أهل العلم في ثبوت الشفعة بالشركة فيما لا يقبل القسمة من العقار، كالحمام الصغير والحانوت: فذهب جمهور الشافعية والحنابلة: إلى أن الشركة في ذلك لا تعتبر سببا للأخذ بالشفعة؛ لأن الشفعة مشروعة لدفع ضرر مئونة القسمة، واستحداث المرافق، وهذا غير موجود فيما لا يقبل القسمة، فانتفت الشفعة. قال في [المنهاج] : وكل ما لو قسم بطلت منفعته المقصودة كحمام ورحى لا لشفعة فيه على الأصح. اهـ (١) . وقال في [المجموع] : ولا تجب إلا فيما تجب قسمته عند الطلب، فأما ما لا تجب قسمته؛ كالرحى، والبئر الصغيرة، والدار الصغيرة فلا تثبت فيه الشفعة، وقال أبو العباس: تثبت فيه الشفعة؛ لأنه عقار، فتثبت فيه الشفعة قياسا على ما تجب قسمته، والمذهب الأول؛ لما روي عن أمير المؤمنين عثمان ﵁ أنه قال: لا شفعة في بئر، والأرف تقطع كل شفعة، ولأن الشفعة إنما تثبت للضرر الذي يلحقه بالمقاسمة، وذلك لا يوجد فيما لا يقسم. اهـ (٢) .

стр. 710

وذكر الشربيني وجه الخلاف في المذهب في ذلك فقال: هذا الخلاف مبني على ما مر من أن علة ثبوت الشفعة دفع ضرر مئونة القسمة واستحداث المرافق. . إلخ. والثاني: مبني على أن العلة دفع ضرر الشركة فيما يدوم، وكل من المسلمين حاصل قبل البيع، ومن حق الراغب فيه من الشريكين أن يخلص صاحبه منهما بالبيع له فإذا باع لغيره سلطه الشرع على أخذه منه؛ لما روى مسلم عن جابر: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (١) » اهـ (٢) . وقال ابن قدامة ﵀: الشرط الثالث: أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن قسمته من العقار؛ كالحمام الصغير، والرحى الصغيرة، والعضادة، والطريق الضيقة، والعراص الضيقة، فعن أحمد روايتان. إحداهما: لا شفعة فيه، وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي. والثانية: فيها الشفعة. إلى أن قال: والأول ظاهر المذهب، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة» والمنقبة: الطريق الضيقة، رواه أبو الخطاب في [رءوس المسائل] ، وروي عن عثمان ﵁ أنه قال: (لا شفعة في بئر ولا فحل) ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع؛ لأنه لا

стр. 711

يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها. ويمكن أن يقال: إن الشفعة إنما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج إليه من إحداث المرافق الخاصة، ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم. وقولهم: إن الضرر هاهنا أكثر لتأبده. قلنا: إلا أن الضرر في محل الوفاق من غير جنس هذا الضرر، وهو ضرر الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة فلا يمكن التعدية، وفي الشفعة هاهنا ضرر غير موجود في محل الوفاق، وهو ما ذكرناه فتعذر الإلحاق. اهـ (١) . وقد اختلفت الرواية عن الإمام مالك ﵀ في ذلك: قال أبو عبد الله المواق: قال ابن رشد: الشفعة إنما تكون فيما ينقسم من الأصول دون ما لا ينقسم، وهذا أمر اختلف فيه أصحاب مالك في [المدونة] : قال مالك: إذا كانت نخلة بين رجلين فباع أحدهما حصته فلا شفعة لصاحبه فيها، وفي [المدونة] أيضا، قال مالك: في الحمام الشفعة، وهو أحق أن تكون فيه الشفعة من الأرض؛ لما في قسم ذلك من الضرر، وقاله

стр. 712

مالك وأصحابه أجمع. اهـ (١) . وذهب الحنفية ومن وافقهم من الشافعية والمالكية والحنابلة: إلى ثبوت الشفعة في العقار مطلقا، سواء أمكن قسمته أم لم تمكن. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أصحابه، كما اختاره بعض أصحاب الشافعي؛ كأبي العباس بن سريج، وهو رواية [المهذب] عن الإمام مالك ﵀. قال السرخسي: واستحقاق الشفعة في الحمام والرحى قولنا، وذكر توجيه ذلك بأنه لدفع ضرر البادئ بسوء المجاورة على الدوام، وذلك فيما لا يحتمل القسمة موجود لاتصال أحد المالكين بالآخر على وجه التأبيد والقرار. وحجتنا في ذلك ما روينا من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الشفعة في كل شيء، ربع أو حائط (٢) » ولأن الحمام لو كان مهدوما فباع أحد الشريكين نصيبه كان للشريك الشفعة، وما يستحق بالشفعة مهدوما يستحق بالشفعة مثبتا، كالشقص من الجدار. ثم أجاب عن القول: بأن علة الشفعة دفع ضرر مئونة القسمة، وأنه لا قسمة فيما لا يقبلها فقال: وبهذا يتبين أن مئونة المقاسمة إن كانت لا تلحقه في الحال فقد تلحقه في الثاني، وهو ما بعد الانهدام إذا طلب أحدهما قسمة

стр. 713

الأرض بينهما. اهـ (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل القسمة قسمة الإجبار؛ كالقرية، والبستان، ونحو ذلك، وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار، وإنما يقسم بضرر أو رد عوض فيحتاج إلى التراضي، هل تثبت فيه الشفعة؟ على قولين: أحدهما: تثبت، وهو مذهب أبي حنيفة، واختاره بعض أصحاب الشافعي؛ كابن سريج، وطائفة من أصحاب أحمد؛ كأبي الوفاء بن عقيل، وهي رواية [المهذب] عن مالك، وهذا القول هو الصواب، كما سنبينه إن شاء الله. والثاني: لا تثبت فيه الشفعة. تم قال: والقول الأول: أصح، فإنه قد ثبت في [الصحيح] عن النبي ﷺ : أنه قال: «من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٢) » ، ولم يشترط النبي ﷺ في الأرض والربعة والحائط أن يكون مما يقبل القسمة، فلا يجوز تقييد كلام رسول الله ﷺ بغير دلالة من كلامه، لا سيما وقد ذكر هذا في باب تأسيس إثبات الشفعة، وليس عنه لفظ صحيح صريح في الشفعة أثبت من هذا، ففي [الصحيحين] ، «عن النبي ﷺ (أنه قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا

стр. 714

شفعة (١) » فلم يمنع الشفعة إلا مع إقامة الحدود وصرف الطرق، وهذا الحديث في الصحيح عن جابر، وفي [السنن] عنه: عن النبي ﷺ أنه قال: «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا (٢) » فإذا قضى بها للاشتراك في الطريق فلأن يقضي بها للاشتراك في رقبة الملك أولى وأحرى. إلى أن قال: وأيضا فمن المعلوم أنه إذا أثبت النبي ﷺ الشفعة فيما يقبل القسمة، فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه، فإن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة، وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد، وظن من ظن أنها تثبت لرفع ضرر المقاسمة لا لضرر المشاركة كلام ظاهر البطلان، فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه إذا طلب أحد الشريكين القسمة فيما يقبلها وجبت إجابته إلى المقاسمة. ولو كان ضرر المشاركة (٣) أقوى لم يرفع أدنى الضررين بالتزام أعلاهما، ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء القليل، فإن شريعة الله منزهة عن مثل هذا. وأما قولهم: هذا يستلزم ضرر الشريك البائع. فجوابه: أنه إذا طلب المقاسمة ولم يمكن قسمة العين، فإن العين تباع ويجبر الممتنع على البيع ويقسم الثمن بينهما، وهذا مذهب جمهور العلماء؛ كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد. اهـ (٤) .

стр. 715

وقال ابن قدامة ﵀ في معرض توجيه القول بثبوت الشفعة فيما لا تمكن قسمته بعد أن ذكر أنه رواية عن الإمام أحمد ﵀: ووجه هذا عموم قوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم (١) » وسائر الألفاظ العامة، ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر؛ لأنه يتأبد ضرره. اهـ (٢) . وسئل الشيخ حمد بن ناصر والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله عن الشفعة في أرض لا تمكن قسمتها إجبارا. فأجابا: هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها وفيها قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد. الأولى: أن الشفعة لا تثبت إلا في المبيع الذي تمكن قسمته، فأما ما لا تمكن قسمته من العقار؛ كالحمام الصغير، والعضادة، والطريق الضيقة، فلا شفعة فيه، وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي. وهذا هو المذهب عند المتأخرين من الحنابلة. قال الموفق في [المغني] : وهو ظاهر المذهب؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا شفعة في فناء، ولا في طريق، ولا في منقبة» والمنقبة: الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب في [رءوس المسائل] . والرواية الثانية: تثبت الشفعة فيه، وهو قول: أبي حنيفة، والثوري،

стр. 716

وابن سريج، ورواية عن مالك، واختاره ابن عقيل، وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين. قال الحارثي: وهو الحق؛ لعموم قوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم (١) » وسائر الألفاظ، ولأن الشفعة تثبت لإزالة الضرر بالمشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر؛ لأنه يتأبد ضرره، وهذا هو المفتى به عندنا، وهو الراجح. اهـ (٢) . وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ إجابة لسؤال وجه إليه عن رأيه في اشتراط أن تكون الشفعة في أرض تجب قسمتها ما نصه: وأما المسألة الثانية وهي: أنهم ﵏ لم يثبتوا الشفعة إلا في العقار الذي يمكن قسمته دون ما لا تمكن قسمته فهذا ضعيف أيضا؛ لأن حديث جابر المرفوع «قضى ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم (٣) » وهو في [الصحيح] صريح في عموم الشفعة في كل عقار لم يقسم، سواء أمكنت قسمته بلا ضرر أم لا. ومن جهة المعنى الذي أثبت الشارع الشفعة فيه للشريك لإزالة ضرر الشركة، وهذا المعنى موجود في الأرض التي لا يمكن قسمتها أكثر من غيرها لتمكنه في غيرها بإزالة ضرر الشركة في القسمة فيما يقسم بلا ضرر، وأما ما لا يمكن قسمته إلا بضرر فهو أعظم ضررا من غيره فكيف لا تثبت به؟ ! وهذا هو الصحيح، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد. اهـ (٤) .

стр. 717

٢ - الاشتراك في المنقولات لا يخلو أمر المنقول من حالين: إما أن يكون متصلا بالأرض؛ كالبناء، والغراس مما يباع مع الأرض فهذا يؤخذ بالشفعة تبعا لأصله. قال ابن قدامة ﵀ بعد أن حكاه قولا واحدا في المذهب بغير خلاف: ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا. اهـ (١) . وإما أن يكون منفصلا عنه: كالزرع والثمرة وغيرهما من المنقولات: فذهب الشافعية والحنابلة: إلى أن الشفعة لا تثبت فيه تبعا ولا منفردا؛ لأن الشفعة بيع في الحقيقة، وما كان منفصلا لا يدخل في البيع تبعا. قال الشربيني في شرحه قول صاحب [المنهاج] : (لا تثبت في منقول) . ما نصه: لا تثبت الشفعة في منقول كالحيوان والثياب، سواء أبيعت وحدها أم مضمومة إلى أرض للحديث المار (٢) فإنه يخصها بما تدخله القسمة والحدود والطرق، وهذا لا يكون في المنقولات، ولأن المنقول لا يدوم بخلاف العقار فيتأبد فيه ضرر المشاركة، والشفعة تملك بالقهر فناسب مشروعيتها عند شدة الضرر، والمراد بالمنقول: ابتداء لتخرج الدار إذا انهدمت بعد ثبوت الشفعة، فإن نقضها يؤخذ بالشفعة. اهـ. وقال أيضا في شرحه قول صاحب [المنهاج] : وكذا ثمر لم يؤبر في الأصح. ما نصه: ويأخذ الشفيع الشجر بثمرة حدثت بعد البيع ولم تؤبر

стр. 718

عند الأخذ؛ لأنها قد تعبت الأصل في البيع فتبعته في الأخذ بخلاف ما إذا أبرت عنده فلا يأخذها لانتفاء التبعية. أما المؤبرة عند البيع إذا دخلت بالشرط فلا تؤخذ؛ لما سبق من انتفاء التبعية، فتخرج بحصتها من الثمن. اهـ (١) . وقال ابن قدامة ﵀: القسم الثاني: ما لا تثبت فيه الشفعة تبعا ولا مفردا، وهو: الزرع، والثمرة الظاهرة تباع مع الأرض، فإنه لا يؤخذ بالشفعة مع الأصل، ثم ذكر توجيه ذلك بقوله: لأنه لا يدخل في البيع تبعا فلا يؤخذ بالشفعة؛ كقماش الدار، وعكسه البناء، والغراس، وتحقيقه: أن الشفعة بيع في الحقيقة لكن الشارع جعل له سلطان الأخذ بغير رضا المشتري فإن بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة كالطلع غير المؤبر دخل في الشفعة؛ لأنها تتبع في البيع فأشبهت الغراس في الأرض. وأما ما بيع مفردا من الأرض فلا شفعة فيه، سواء كان مما ينقل؛ كالحيوان، والثياب، والسفن، والحجارة، والزرع، والثمار، أو لا ينقل؛ كالبناء، والغراس، إذا بيع مفردا، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي. اهـ (٢) . وذهب الحنفية: إلى أن الثمرة في الأرض تابعة للأرض في استحقاق الشفعة استحسانا إذا شرطها المبتاع، وأما القياس فإن الشفيع لا يأخذها؛

стр. 719

لأنها في حكم المنفصل أشبه المتاع في الدار. قال في [الهداية] : ومن ابتاع أرضا وعلى نخلها ثمر أخذها الشفيع بثمرها، ومعناها: إذا ذكر الثمر في البيع؛ لأنه لا يدخل مع غير ذكر، وهذا الذي ذكره استحسان. وفي القياس: لا يأخذه؛ لأنه ليس يتبع، ألا يرى أنه لا يدخل في البيع من غير ذكر فأشبه المتاع في الدار، وجه الاستحسان: أنه باعتبار الاتصال صار تبعا للعقار كالبناء في الدار وما كان مركبا فيه فيأخذه الشفيع. اهـ (١) . وأما ما كان منفصلا عن الأرض؛ كأثاث الدار، والعروض، والسفن، والحيوانات، وغير ذلك من المنقولات فلا شفعة فيها؛ لأن الشفعة إنما وجبت لدفع ضرر سوء الجوار على الدوام، والملك في المنقول لا يدوم مثل دوامه في العقار فلا تلحق به. (٢) واختلفت الروايات عن الإمام مالك ﵀ في الثمرة على الأرض هل تؤخذ بالشفعة أم لا؟ قال ابن رشد: فتحصيل مذهب مالك: أنها في ثلاثة أنواع: أحدها: مقصود، وهو العقار من الدور والحوانيت والبساتين.

стр. 720

والثاني: ما يعلق بالعقار مما هو ثابت لا ينقل ولا يحول كالبئر. والثالث: ما تعلق بهذه كالثمار، وفيها عنه خلاف. اهـ (١) . وقد ذكر ابن رشد في [مقدماته] : أن النخل يوم الابتياع لا تخلو من ثلاثة أوجه: الأول: ألا يكون فيها ثمرة أصلا، أو يكون فيها ثمرة إلا أنها لم تؤبر، وهذه الحال لا خلاف في أن الشفيع يأخذ النخل بثمرته. الثاني: أن يكون فيها يوم الابتياع ثمرة مؤبرة. وقد ذكر الخلاف في استحقاق الثمرة تبعا للأصل، فذكر أن قول المدنيين في [المدونة] وهو قول أشهب وأكثر الرواة: أنه لا حق للشفيع في الثمرة إذا لم يدركها حتى أبرت، وأصل الخلاف في ذلك هل الأخذ بالشفعة كالأخذ بالبيع أو أن الثمرة تصير غلة بالإبار. الثالث: أن يكون في النخل يوم الابتياع ثمرة قد أزهت، وهذا الوجه كالوجه الثاني فيه الخلاف بين أصحاب مالك، وقد قال ابن القاسم في [المدونة] : أن الشفيع أحق بها ما لم تجذ ويأخذها الشفيع بحكم الاستحقاق لا بحكم الشفعة (٢) . وأما المنقولات المفصلة؛ كالسفن، والحيوانات، والأثاث وغيرها

стр. 721

فلا شفعة فيها. قال في [المدونة] : قلت: ولا شفعة في دين ولا حيوان ولا سفن ولا بر ولا طعام ولا في شيء من العروض ولا سارية ولا حجر ولا في شيء من الأشياء سوى ما ذكرت لي كان مما يقسم أو لا يقسم في قول مالك؟ قال: نعم، لا شفعة في ذلك ولا شفعة فيما ذكرت لك. (١) . وذهب بعض أهل العلم إلى أن الشفعة ثابتة في كل شيء حتى في الثوب؛ لما روى الترمذي بسند جيد عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعا: «الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء (٢) » ورواه مرسلا وصحح المرسل. قال الحافظ: ورواه الطحاوي بلفظ: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء» ورجاله ثقات (٣) . لأن الشفعة شرعت لدفع ضررا لمشاركة. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد. قال ابن قدامة ﵀ في معرض كلامه على الشفعة في المنقولات ما نصه: واختلف عن مالك وعطاء، فقالا مرة كذلك، ومرة قالا: الشفعة في كل شيء حتى في الثوب، قال ابن أبي موسى: وقد روي عن أبي عبد الله رواية أخرى: أن الشفعة واجبة فيما لا ينقسم كالحجارة والسيف والحيوان وما في معنى ذلك. اهـ (٤) . وقال في [حاشية الروض المربع] للشيخ عبد الله العنقري على قول

стр. 722

الشارح: (فلا شفعة في منقول كسيف ونحوه) ما نصه: قوله: فلا شفعة في منقول، إلى قوله: ونحوها. قال في [الإنصاف] : والرواية الثانية فيه الشفعة، اختاره ابن عقيل، وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين. قال الحارثي: وهو الحق، وعنه يجب في كل مال، حاشا منقولا ينقسم. اهـ (١) . وممن قال بذلك ابن حزم، ففي [المحلى] ما نصه: الشفعة واجبة في كل جزء بيع مشاعا غير مقسوم بين اثنين فصاعدا من أي شيء كان مما ينقسم ومما لا ينقسم: من أرض أو شجرة واحدة فأكثر، أو عبد، أو ثوب، أو أمة، أو من سيف، أو من طعام، أو من حيوان، أو من أي شيء بيع. اهـ (٢) .

стр. 723

٣ - الجوار لا يخلو أمر الجار من حالين: إما أن يكون شريكا لجاره في مرافق خاصة كشرب ومسيل وطريق غير نافذ ونحو ذلك، وإما ألا يشاركه في شيء من ذلك. فإن كان شريكا لجاره في المرافق الخاصة فقد ذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة: إلى القول بعدم الشفعة في ذلك؛ لما في [صحيح البخاري] عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «إنما جعل النبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق

стр. 724

فلا شفعة (١) » ولما روى مسلم في [صحيحه] عن جابر: أن النبي ﷺ قال: «الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط (٢) » حيث دل الحديثان على حصر الشفعة فيما هو مشترك ولم يقسم، فإذا قسم فلا شفعة؛ ولأن الشفعة مشروعة لرفع ضرر الاشتراك والمقاسمة، ولما في المقاسمة من احتمال نقص قيمة حصة الشريك بعد المقاسمة لما تستلزمه المقاسمة في الغالب من إحداث مرافق خاصة لما يقتسم. قال في [المدونة] : قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن قوما اقتسموا دارا بينهم فعرف كل رجل منهم بيوته ومقاصيره إلا أن المساحة بينهم لم يقتسموها أتكون الشفعة بينهم أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا شفعة بينهم إذا اقتسموا، قلت: وإن لم يقتسموا المساحة وقد اقتسموا البيوت فلا شفعة بينهم في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: أرأيت السكة غير النافذة تكون فيها دار لقوم فباع بعضهم داره، أيكون لأصحاب السكة الشفعة أم لا في قول مالك؟ قال: لا لشفعة لهم عند مالك. قلت: ولا تكون الشفعة في قول مالك بالشركة في الطريق؟ قال: نعم، لا شفعة بينهم إذا كانوا شركاء في طريق. ألا ترى أن مالكا قال: لا شفعة بينهم إذا اقتسموا الدار اهـ (٣) . وقال ابن رشد في معرض تعداد ما لا شفعة فيه: وكذلك لا شفعة عنده في الطريق ولا في عرصة الدار. اهـ (٤) . وقال الشربيني على قول صاحب [المنهاج] : (ولا شفعة إلا لشريك) .

стр. 725

ما نصه: ولا شفعة إلا لشريك في رقبة العقار، فلا تثبت للجار لخبر البخاري المار (١) ، ولا للشريك في غير رقبة العقار كالشريك في المنفعة فقط. ولو باع دارا وله شريك في ممرها فقط التابع لها، فإن كان دربا غير نافذ فلا شفعة له فيها؛ لانتماء الشركة فيها. اهـ (٢) . وقال النووي: وأما المقسوم فهل تثبت فيه الشفعة بالجوار، فيه خلاف: فذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء لا تثبت بالجوار، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبي الزناد، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، والمغيرة بن عبد الرحمن، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، اهـ (٣) . وذكر ابن قدامة ﵀: أن الشفعة لا تثبت إلا بشروط أربعة: أحدها: أن يكون الملك مشاعا غير مقسوم، فأما الجار فلا شفعة له. ثم ذكر من اختار هذا القول من أهل العلم ومن خالفه، كأبي حنيفة وغيره، ثم وجه القول بحصر الشفعة في الملك غير المقسوم، فقال: ولنا قول النبي ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٤) » وروى ابن جريج عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أو عن أبي سلمة أو عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قسمت الأرض وحددت فلا

стр. 726

شفعة (١) » رواه أبو داود. ولأن الشفعة تثبت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لمعنى معدوم في محل النزاع فلا تثبت فيه، وبيان انتفاء المعنى هو: أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته أو يطلب الداخل المقاسمة فيدخل الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم. . . إلى أن قال: إذا ثبت هذا فلا فرق بين كون الطريق مفردة أو مشتركة. قال أحمد في رواية ابن القاسم في رجل له أرض تشرب هي وأرض غيره من نهر واحد فلا شفعة له من أجل الشرب، إذا وقعت الحدود فلا شفعة. اهـ (٢) . وقال البهوتي ﵀: ومن أرضه بجوار أرض لآخر ويشربان من نهر أو بئر واحدة فلا شفعة بذلك. اهـ (٣) . وذهب الحنفية ومن وافقهم من أهل العلم: إلى أن الشفعة تثبت للخليط في حق المبيع إذا لم يكن ثم من يحجبه عنه، كوجود خليط في المبيع نفسه؛ وذلك لما روى الحسن عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: «جار الدار أحق بالدار (٤) » رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن جابر: أن النبي ﷺ قال: «الجار أحق بداره ينتظر به إذا كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا (٥) » رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وقال الحافظ في [البلوغ] : رواه أحمد والأربعة ورجاله ثقات، ولأن

стр. 727

اتصال ملكه به يدوم ويتأبد فهو مظنة التضرر بالاختلاط في حقوق المبيع كالشركة. قال في [الهداية] في معرض توجيهه القول بثبوت الشفعة للخليط في حق المبيع تم للجار ما نصه: ولنا ما روينا، ولأن ملكه متصل بملك الدخيل اتصال تأبيد وقرار فيثبت له حق الشفعة عند وجود المعاوضة بالمال اعتبارا بمورد الشرع؛ وهذا لأن الاتصال على هذه الصفة إنما انتصب سببا فيه لدفع ضرر الجوار، إذ هو مادة المضار على ما عرف، وقطع هذه المادة بتملك الأصل أولى. اهـ (١) . وقد قال بثبوت الشفعة بالشركة في مصالح العقار بعض الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وصاحب [الفائق] وهو اختيار الحارثي. قال أبو الحسن المرداوي: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ في رواية أبي طالب، وقد سأله عن الشفعة. فقال: إذا كان طريقهما واحدا لم يقتسموا، فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة، وهذا هو الذي اختاره الحارثي. وذكر ظاهر كلام الإمام أحمد المتقدم، ثم قال: وهذا الصحيح الذي يتعين المصير إليه، ثم ذكر أدلته، وقال في هذا المذهب جمعا بين الأخبار دون غيره فيكون أولى بالصواب. اهـ (٢) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد تنازع الناس في شفعة الجار على ثلاثة أقوال، أعدلها هذا القول: أنه إن كان شريكا في حقوق الملك ثبتت له الشفعة وإلا فلا. اهـ (٣)

стр. 728

وقال ابن القيم ﵀: والصواب: القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه، وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث: أنه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حق مشترك ألبتة، بل كان كل واحد منهما متميزا ملكه وحقوق ملكه فلا شفعة، وهذا الذي نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فإنه سأله عن الشفعة لمن هي؟ فقال: إذا كان طريقهما واحدا، فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وقول القاضيين: سوار بن عبيد الله وعبيد الله بن الحسن العنبري. . . إلى أن قال: والقياس الصحيح يقتضي هذا القول فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري، فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه، فهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة، وأقربها إلى العدل، وعليه يحمل الاختلاف عن عمر ﵁ حيث قال: لا شفعة فيما إذا وقعت الحدود وصرفت الطريق، وحيث أثبتها فيما إذا لم تصرف الطرق، فإنه قد روي عنه هذا وهذا. وكذلك ما روي عن علي ﵁، فإنه قال: (إذا حدت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) ومن تأمل أحاديث شفعة الجار رآها صريحة في ذلك، وتبين له بطلان حملها على الشريك، وعلى حق الجوار غير الشفعة، وأجاب ﵀ عن حديث أبي

стр. 729

هريرة: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (١) » بأن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود، فإن الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلها واقعة؛ بل بعضها حاصل، وبعضها منتف، فوقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق (٢) . وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هل تثبت الشفعة بالشركة في الطريق والبئر والشركة في السيل؟ فأجاب: تثبت للجار إذا كان شريكا في الطريق والبئر، ولا تثبت الشفعة بالشركة بالجدار، ولا بالشركة في السيل. وأجاب ابنه عبد الله بما نصه: قولك: هل تثبت الشفعة بالشركة في البئر والطريق ومسيل الماء؟ فالمفتى به عندنا: أنها تثبت بذلك، كما هو اختيار الشيخ تقي الدين وغيره من العلماء. اهـ. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن ثبوت الشفعة بالشركة بالسيل؟ فأجاب: المذهب: عدم ثبوت الشفعة بالطريق والسيل مثله، واختيار الشيخ. التشفيع بمرافق الأملاك من الطريق والبئر والسيل، وهو الذي عليه الفتوى عند أئمة الدعوة؛ لحديث: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها، وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا (٣) » ولمفهوم حديث: «فإذا وقعت

стр. 730

الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة (١) » وهو الذي نفتي به. اهـ (٢) . وقال ابن حزم: والشفعة واجبة، وإن كانت الأجزاء مقسومة، إذا كان الطريق إليها واحدا متملكا نافذا أو غير نافذ لهم، فإن قسم الطريق أو كان نافذا غير متملك لهم فلا شفعة حينئذ، كان ملاصقا أو لم يكن. برهان ذلك قول رسول الله ﷺ : «فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة (٣) » فلم يقطعها ﵇ إلا باجتماع الأمرين معا: وقوع الحدود، وصرف الطرق، لا بأحدهما دون الآخر. اهـ (٤) . وأما الجار غير الشريك: فقد ذهب الحنفية إلى القول بحقه في الأخذ بالشفعة على شرط انتفاء من هو أحق منه بها؛ كالخليط في المبيع أو في حقه، وذهب إلى القول بذلك: ابن شبرمة، والثوري، وابن أبي ليلى. قال في [الهداية] : الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع، ثم للخليط في حق المبيع؛ كالشرب، والطريق، ثم للجار. أفاد هذا اللفظ ثبوت حق الشفعة لكل واحد من هؤلاء وأفاد الترتيب. أما الثبوت: فلقوله ﵊: «الشفعة لشريك لم يقاسم» ولقوله ﵊: «جار الدار أحق بالدار، ينتظر له، وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا (٥) » ولقوله ﵊: «الجار أحق

стр. 731

بسقبه قيل: يا رسول الله، ما سقبه؟ قال: شفعته (١) » . ويروى «الجار أحق بشفعته (٢) » . إلى أن قال: وأما الترتيب: فلقوله ﵊: «الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من الشفيع» فالشريك في نفس المبيع والخليط في حقوق المبيع والشفيع هو الجار. اهـ (٣) .

стр. 732

أ - أدلة القائلين بقصر الشفعة على الشريك في المبيع دون الجار أو الشريك في حق المبيع ومناقشتها: استدل القائلون بقصر الشفعة على الشريك في المبيع دون الشريك في حق المبيع أو الجار بما يأتي: ١ - ما في [صحيح البخاري] عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١) » وفي لفظ: «إنما جعل النبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم (٢) » إلخ. ٢ - ما في [صحيح مسلم] من حديث أبي الزبير عن جابر قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه (٣) » إلى آخر الحديث. ٣ - ما روى الشافعي بإسناده إلى أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 733

«الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (١) » . ٤ - ما في [سنن أبي داود] بإسناد صحيح إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها (٢) » . ٥ - ما في [الموطأ] بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا صرفت الطرق ووقعت الحدود فلا شفعة (٣) » . ٦ - ما ذكره سعيد بن منصور بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ قال: (إذا صرفت الحدود وعرف الناس حدودهم فلا شفعة بينهم) . فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن الشفعة مشروعة فيما هو مشاع غير مقسوم، ولأن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق والأحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسم الموجب لنقص قيمة الملك بالقسمة. أما إذا قسمت الأرض فوقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة حينئذ لانتفاء الضرر بذلك. ووجه القائلون بذلك القول: حصر الشفعة للشريك دون غيره، وأجابوا عن الأحاديث الوارثة بالشفعة للجار. فقال ابن القيم ﵀: قالوا: وقد فرق الله بين الشريك والجار شرعا وقدرا، ففي الشركة

стр. 734

حقوق لا توجد في الجوار، فإن الملك في الشركة مختلط، وفي الجوار متميز، ولكل من الشريكين على صاحبه مطالبة شرعية ومنع شرعي؛ أما المطالبة ففي القسمة، وأما المنع فمن التصرف، فلما كانت الشركة محلا للطلب ومحلا للمنع كانت محلا للاستحقاق بخلاف الجوار؛ فلم يجز إلحاق الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف، والمعنى الذي وجبت به الشفعة: رفع مئونة المقاسمة، وهي مئونة كثيرة، والشريك لما باع حصته من غير شريكه فهذا الدخيل قد عرضه لمئونة عظيمة فمكنه الشارع من التخلص منها بانتزاع الشقص على وجه لا يضر بالبائع ولا بالمشتري، ولم يمكنه الشارع من الانتزاع قبل البيع؛ لأن شريكه مثله ومساو له في الدرجة فلا يستحق عليه شيئا إلا ولصاحبه مثل ذلك الحق عليه، فإذا باع صار المشتري دخيلا والشريك أصيلا، فرجح جانبه، وثبت له الاستحقاق، قالوا: وكما أن الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار فهو أيضا يقصد رفع الضرر عن المشتري، ولا يزيل ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري، فإنه محتاج إلى دار يسكنها هو وعياله، وإذا سلط الجار على إخراجه وانتزع داره منه أضر به إضرارا بينا. وأي دار اشتراها وله جار فحاله معه هكذا وتطلبه دارا لا جوار لها كالمتعذر عليه أو كالمتعسر، فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق؛ لئلا يضر الناس بعضهم بعضا، ويتعذر على من أراد شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده، وهذا بخلاف الشريك وأن المشتري لا يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها والشريك يمكنه ذلك بانضمامها إلى ملكه فليس على المشتري ضرر في انتزاعها منه وإعطائه ما اشتراها به. قالوا: وحينئذ تعين حمل أحاديث

стр. 735

شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة فيكون لفظ الجار فيها مرادا به الشريك. ووجه هذا الإطلاق: المعنى، والاستعمال: أما المعنى: فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه، فهما جاران حقيقة، وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران؛ ولذا سميت الزوجة جارة، كما قال الأعشى: أجارتنا بيني فإنك طالقة . . . . . . . . . . . . فتسمية الشريك جارا أولى وأحرى. وقال حمل بن مالك: كنت بين جارتين لي. . هذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة، فأما إن كان المراد بالحق فيها: حق الجار على جاره فلا حجة فيها على إثبات الشفعة، وأيضا فإنه إنما أثبت له على البائع حق العرض عليه إذا أراد البيع، فأين ثبوت حق الانتزاع من المشتري، ولا يلزم من ثبوت هذا الحق ثبوت حق الانتزاع. اهـ (١) . وقد ناقش القائلون بثبوت الشفعة للجار هذه الأدلة بما يأتي: ١ - بالنسبة لحديث جابر: فإن قوله: «فإن وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢) » . . فقد ذكر أبو حاتم بأنه مدرج من قول جابر، قالوا: ويؤيد ذلك أن مسلما لم يخرج هذه الزيادة. وأجيب عن ذلك: بأن الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت

стр. 736

الإدراج بدليل، فضلا عن أن هذه الزيادة قد وردت في حديث آخر، كحديث أبي هريرة. ٢ - وأما القول: بأن العقار إذا كان مقسوما معروف الحدود مصرفة طرقه فلا ضرر على مالكه بتداول الأيدي المجاورة فغير صحيح. ذلك أن في الضرر الذي قصد الشارع رفعه ضرر سوء الجوار، فإن الجار قد يسيء الجوار غالبا، فيعلي الجدار، ويتتبع العثار، ويمنع الضوء، ويشرف على العورة، ويطلع على العثرة، ويؤذي جاره بأنواع الأذى، وقد أجمعت الأدلة على ثبوت الشفعة للشريك لدفع الضرر الناشئ عنه اشتراك في الغالب، فإذا ثبتت الشفعة في الشركة في العقار لإفضائها إلى المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها. ٣ - وأما الاحتجاج بما في [صحيح البخاري] : «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١) » فعلى فرض انتفاء الإدراج من جابر فإن الجار المشترك مع غيره في مرفق خاص ما، مثل: أن يكون طريقهما واحدا، أو أدنى يشتركا في شرب أو مسيل أو نحو ذلك من المرافق الخاصة لا يعتبر مقاسما مقاسمة كلية، بل هو شريك لجاره في بعض حقوق ملكه، إذا كان طريقهما واحدا لم تكن الحدود كلها واقعة، بل بعضها حاصل، وبعضها منتف، إذ وقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق (٢) . ٤ - وأما القول بأن الشفعة شرعت للشريك لدفع ضرر المقاسمة فغير

стр. 737

مسلم به، فمشروعيتها لرفع الضرر مطلقا، سواء كان الضرر ناتجا عن المقاسمة أم عن الاشتراك. وتخصيص الشفعة برفع ضرر معين دون غيره من الأضرار تخصيص يحتاج إلى ما يسنده شرعا، وأيضا فلو كانت الشفعة مشروعة لدفع ضرر المقاسمة فقط؛ لثبتت مشروعيتها في المنقولات المشتركة لرفع ضرر المقاسمة فيها.

стр. 738

ب - أدلة القائلين بثبوت الشفعة بحق المبيع ومناقشتها: استدل القائلون بثبوت الشفعة بالمرافق الخاصة وبالجوار بما يأتي: ١ - ما روى البخاري في [صحيحه] عن عمرو بن الشريد، قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال: يا سعد، ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله ما أبتاعهما، فقال المسور: والله لتبتاعنها فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، فقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجار أحق بسقبه (١) » ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاه إياها. وجه الدلالة من ذلك قوله: «الجار أحق بسقبه (٢) » أي: بقربه، أي: إن الجار أحق بالدار من غيره لقربه، ويدل على أن المقصود بأحقية الجار شفعته الأحاديث الآتية: ٢ - روى أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي بإسناده إلى جابر بن

стр. 739

عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا (١) » وقد حسنه الترمذي. ٣ - روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: «جار الدار أحق بالدار من غيره (٢) » . ٤ - روى أحمد والنسائي وابن ماجه «عن الشريد بن سويد قال: قلت: يا رسول الله، أرضي ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار فقال: الجار أحق بسقبه ما كان (٣) » . كما استدلوا من جهة المعنى: بقولهم: واللفظ لابن القيم ﵀: إن حق الأصيل - وهو الجار - أسبق من حق الدخيل، وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار، فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتا فاحشا، ويتأذى بعضهم ببعض، ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود، والضرر بذلك دائم متأبد، ولا يندفع ذلك إلا برضا الجار، إن شاء أقر الدخيل على جواره، وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مئونة المجاورة ومفسدتها، وإذا كان الجار يخاف التأذي على وجه اللزوم كان كالشريك يخاف التأذي بشريكه على وجه اللزوم؛ فوجب بحكم عناية الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالة الضررين جميعا على وجه لا يضر البائع. اهـ (٤) .

стр. 740

المناقشة أجاب القائلون بحصر الشفعة في الشريك دون غيره بما يأتي: ١ - بالنسبة لحديث أبي رافع ﵁: فقد ذكر الحافظ ابن حجر في معرض شرحه هذا الحديث، وإيراده وجه استدلال الحنفية به على ثبوت الشفعة للجار، وإلزام الشافعية بالقول به؛ لكون الجار حقيقة في المجاورة، مجازا في الشريك، قال ما نصه: إن محل ذلك عند التجرد وقد قامت القرينة هنا على المجاز، فاعتبر للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور، فعلى هذا يتعين تأويل قوله: (أحق) بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك. اهـ (١) . ٢ - بالنسبة لحديث جابر «الجار أحق بشفعة جاره (٢) » إلخ، فقال الترمذي: لا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث، ثم قال: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: لا أعلم أحدا رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به، ويروى عن جابر خلاف هذا. اهـ. قال شعبة: سها فيه عبد الملك، فإن روى حديثا مثله طرحت
следующие страницы →