← Джавами‘

Джавами‘ · id 21759

أبحاث هيئة كبار العلماء

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 330 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قال: فكنت: إذا أنت شهدت الموسم فناد: يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد: يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فاسأل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال، ومات المستأجر فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة: أن فلانا قتله في عقال. فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران، فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: (فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف) (١) . وقد أجاب الصنعاني عن الاستدلال بذلك فقال: هو إخبار عن القصة التي في حديث سهل بن أبي حثمة، وقد عرفت أنه ﷺ : لم يقض بها فيه

стр. 877

كما قررناه (١) . . . ثم قال: (وقد عرفت من حديث أبي طالب أنها كانت في الجاهلية على أن يؤدي الدية القاتل لا العاقلة، كما قال أبو طالب: إما أن تؤدي مائة من الإبل. فإنه ظاهر أنها من ماله لا من عاقلته، أو يحلف خمسون من قومك، أو تقتل، وهاهنا في قصة خيبر لم يقع شيء من ذلك، فإن المدعى عليهم لم يحلفوا ولم يسلموا الدية ولم يطلب منهم الحلف، وليس هذا قدحا في رواية الراوي من الصحابة، بل في استنباطه؛ لأنه قد أفاد حديثه أنه استنبط قضاء رسول الله ﷺ بالقسامة من قصة أهل خيبر، وليس في تلك القصة قضاء، وعدم صحة الاستنباط جائز على الصحابي وغيره اتفاقا، وإنما روايته للحديث بلفظه أو بمعناه هي التي يتعين قبولها) اهـ. وقد استشعر الصنعاني إيرادا على قوله: (وعدم صحة الاستنباط جائز على الصحابي وغيره اتفاقا، فأجاب عنه بقوله: وأما قول أبي الزناد: (قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان) . فإنه قال في [فتح الباري] : (إنما نقله أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت، كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه روى عن عشرة من الصحابة فضلا عن ألف) . قلت: لا يخفى أن تقريره لما رواه أبو الزناد؛ لثبوت ما رواه عن خارجة

стр. 878

ابن زيد الفقيه الثقة، وإنما دلس بقوله: (قتلنا) وكأنه يريد قتل معشر المسلمين وإن لم يحضرهم. ثم لا يخفى أن غايته بعد ثبوته عن خارجة فعل جماعة من الصحابة وليس بإجماع حتى يكون حجة، ولا شك في ثبوت فعل عمر بالقسامة وإن اختلف عنه في القتل، وإنما نزاعنا في ثبوت فعل عمر وإن اختلف عنه في القتل، وإنما نزاعنا في ثبوت حكمه ﷺ بها فإنه لم يثبت (١) . ويمكن أن يجاب عن قول الصنعاني: أنه ﷺ لم يقض بالقسامة. أن النبي ﷺ قضى في القسامة، ووجه كونه ﷺ قضى بها أنه طلب من الأنصار أن يحلفوا خمسين يمينا فامتنعوا، فبين لهم ﷺ أن لهم على اليهود خمسين يمينا وتبرأ اليهود من دم الأنصاري فلم يقبل الأنصار أيمان اليهود، فلم يكن امتناع النبي ﷺ عن الحكم لأولياء الدم لكون القسامة غير مشروعة، بل لإبائهم أن يحلفوا؛ لأنهم لم يشاهدوا الحدث ولم يقبلوا أيمان اليهود؛ لأنهم قوم كفار. الثاني: قصة عبد الله بن سهل، فأخرج البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي، عن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: «انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: " كبر كبر " - وهو أحدث القوم

стр. 879

- فسكت، فتكلما فقال: " أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ ! قال: " فتبرئكم يهود بخمسين "، قالوا كيف نأخذ أيمان قوم كفار؛ فعقله النبي ﷺ من عنده (١) » . وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " قالوا: يا رسول الله، (٢) » . . . . وذكر الحديث نحوه. وقد اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بأمرين: الأمر الأول: ما ذكره الصنعاني بقوله: أنه ﷺ لم يحكم بها وإنما كانت حكما جاهليا، فتلطف بهم رسول الله ﷺ ليريهم كيف لا يجري الحكم بها على أصول الإسلام، وبيان أنه لم يحكم بها أنهم لما قالوا: وكيف نحلف ولم نحضر ولم نشاهد؟ لم يبين لهم أن هذا الحلف في القسامة من شأنه ذلك بأنه حكم الله فيها وشرعه، بل عدل إلى قوله: «يحلف لكم يهود (٣) » فقالوا: ليسوا بمسلمين، فلم يوجب ﷺ عليهم، ويبين لهم أن ليس لكم إلا اليمين من المدعى عليهم مطلقا مسلمين كانوا أو غيرهم، بل عدل إلى إعطاء الدية من عنده ﷺ ، ولو كان الحكم ثابتا لبين لهم وجهه، بل تقريره ﷺ على أنه لا حلف إلا على شيء مشاهد مرئي - دليل على أنه لا حلف في القسامة، ولأنه لم يطلب اليهود للإجابة عن خصومهم في دعواهم، فالقصة منادية بأنها لم تخرج مخرج الحكم الشرعي، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهذا أقوى دليل بأنها ليست حكما شرعيا، وإنما تلطف ﷺ في بيان أنها ليست بحكم شرعي بهذا التدريج المنادي بعدم ثبوتها شرعا، وأقرهم ﷺ أنهم لا يحلفون على ما لا يعلمونه ولا شاهدوه

стр. 880

ولا حضروه، ولم يبين لهم بحرف واحد أن أيمان القسامة من شأنها أن تكون على ما لا يعلم. انتهى المقصود (١) . ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن يقال: الرسول ﷺ عرض على الأنصار أن يحلفوا خمسين يمينا فامتنعوا، ثم بين لهم أن لهم على اليهود خمسين يمينا يحلفها خمسون منهم، فبينوا للرسول ﷺ أنهم لا يقبلون أيمانهم، وهذا يدل على مشروعيتها، إذ لا يصح أن يحمل هذا التصرف منه ﷺ على العبث والألغاز التي لا يرشد إليها الكلام، وإنما يحمل عليها الكلام بمجرد الظنون والأوهام. الأمر الثاني: أن هذا الدليل مضطرب، والاضطراب علة مانعة عن العمل به فيكون مردودا، ويمكن أن نبين وجوه الاضطراب والجواب عن كل وجه بعده. الوجه الأول: الاضطراب بالزيادة والنقص وفي البدء بتوجيه الأيمان، فإن هذا الحديث ليس فيه طلب البينة أولا من المدعين، كما أنه يدل على البدء بتوجيه الأيمان إلى المدعين، وقد جاء ما يخالف ذلك: فروى البخاري في الصحيح بسنده المتصل إلى بشير بن يسار، زعم أن رجلا من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة - وذكر الحديث وفيه - فقال لهم: «تأتون بالبينة على من قتله " قالوا: ما لنا بينة، قال: " فيحلفون "، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود (٢) » . . . . الحديث. وقد أجاب ابن حجر عن ذلك بقوله: وطريق الجمع أن يقال: حفظ

стр. 881

أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان، فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا. وأما قول بعضهم: إن ذكر البينة وهم؛ لأنه ﷺ قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سلم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين، لكن في نفس القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهدا من وجه آخر، أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول ﷺ : أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليك برمته قال: يا رسول الله، أنى أصيب شاهدين، وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم (١) » . . . الحديث، وهذا السند صحيح حسن، وهو نص في الحمل الذي ذكرته فتعين المصير إليه. وقد أخرج أبو داود أيضا من طريق عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال: «أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبي ﷺ فقال: " شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم " قال: لم يكن ثم أحد من المسلمين وإنما هم اليهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا (٢) » .

стр. 882

الوجه الثاني: أن الحديث مضطرب لاختلاف العبارات، وقد وقع هذا في كثير من روايات الحديث لمن تأملها. ويمكن أن يجاب عنه: بأن الرواية بالمعنى جائزة، وما دام أن اختلاف الألفاظ لا يترتب عليه اختلاف تضاد في الحكم - فلا أثر له. الوجه الثالث: أن الحديث مضطرب؛ لوجود الاختلاف في دفع الدية، ففي رواية البخاري: «فوداه مائة من إبل الصدقة (١) » ، وفي رواية مسلم: «فوداه رسول الله ﷺ من عنده (٢) » ، وفي رواية النسائي: «فقسم رسول الله ﷺ ديته عليهم وأعانهم بنصفها (٣) » . ويجاب عن هذا: أولا بما قاله ابن حجر: قوله: (من إبل الصدقة) زعم بعضهم: أنه غلط من سعيد بن عبيد؛ لتصريح يحيى بن سعيد بقوله: (من عنده) وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده، أو المراد بقوله: من عنده، أي: بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانا؛ لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين، وقد حمله بعضهم على ظاهره، فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء: جواز صرف الزكاة في المصالح العامة واستدل بهذا الحديث وغيره، قلت: وتقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة في الكلام على حديث أبي لاس قال: حملنا النبي ﷺ على إبل من إبل الصدقة في الحج، وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها تحت

стр. 883

أمره وحكمه، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم. قال القرطبي في [المفهم] : فعل النبي ﷺ ذلك على مقتضى كرمه وحسن سياسته، وجلبا للمصلحة، ودرءا للمفسدة على سبيل التأليف، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق، ورواية من قال: " من عنده " أصح من رواية من قال: " من إبل الصدقة ". وقد قيل: إنها غلط، والأولى: أن لا يغلط الراوي ما أمكن فيحتمل أوجها منها، فذكر ما تقدم وزاد: أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء، أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم، أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة استئلافا لهم، واستجلابا لليهود. انتهى (١) . ويجاب ثانيا عن رواية النسائي بأمرين: أحدهما: من جهة السند والثاني: من جهة الدلالة. أما من جهة السند: فإن النسائي رحمه الله تعالى ذكر هذه الترجمة (ذكر اختلاف الناقلين لخبر سهل فيه) وساق عدة روايات، وقال بعد ذلك: (خالفهم عمرو بن شعيب أخبرنا محمد بن معمر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. . . وذكر الحديث، وقال في آخره: «فقسم رسول الله ﷺ ديته عليهم وأعانهم بنصفها (٢) » . وقال ابن القيم: قال النسائي: لا نعلم أحدا تابع عمرو بن شعيب على

стр. 884

هذه الرواية. ويمكن أن يقال: إن عمرو بن شعيب انفرد بهذه الزيادة وهو مختلف في الاحتجاج به، فتكون هذه الزيادة مردودة. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه سبق ما ذكر عن بعض العلماء كالإمام أحمد وابن المديني وغيرهما أنهم يحتجون به. وبناء على أنه حجة فيقال من جهة دلالته: يمكن الجمع بينه وبين ما جاء دالا على أنه ﷺ وداه من عنده، ووجه الجمع أن يقال: إن قول الراوي (فقسم رسول الله ﷺ ديته عليهم) أي: على اليهود، أي: على تقدير: أن يقروا بذلك، كأنه أرسل إلى يهود أن يقسم الدية عليهم ويعينهم بالنصف إن أقروا فلما لم يقروا وداه من عنده (١) . الوجه الرابع: أن الحديث مضطرب؛ لوجود ذكر الحلف دون عدد الأيمان والحالفين في بعض الروايات، ففي رواية البخاري " أتحلفون؟ " فذكر الحلف ولم يذكر عدد الأيمان ولا عدد الحالفين، وفي رواية البخاري " أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ "، ففيها بيان عدد الحالفين، وفي رواية مالك في [الموطأ] " أتحلفون خمسين يمينا؟ " ففي هذا عدد الأيمان. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن الروايات التي لم يذكر فيها عدد الأيمان وعدد الحالفين مجملة، والروايات التي جاء فيها عدد الحالفين

стр. 885

وعدد الأيمان مفسرة لهذا الإجمال، وذلك أن القصة واحدة فيكون المفسر مبينا للمجمل فيحدد معناه، وبهذا تجتمع الروايات وإذا أمكن الجمع وجب المصير إليه. وأما الإجماع: فقد سبق ما نقل عن السمرقندي وهو قوله: وإجماع الصحابة في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁ (١) . وقول خارجة بن زيد: فأجمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم ليقتلوه (٢) . قال ابن حجر: وقد تمسك مالك بقول خارجة المذكور، فأجمع أن القود إجماع (٣) . وقد تقدم ما نقله أبو الزناد عن خارجة من قوله: قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان، وسبقت مناقشته. ويرد دعوى الإجماع في عهد عمر بن عبد العزيز ما نقل عنه: أنه كان لا يرى القسامة؛ ولهذا نصب أبو قلابة للناس ليعلن أبو قلابة رأيه في عدم مشروعية القسامة. ويرد على دعوى إجماع أهل المدينة: ما ذكره ابن حجر بقوله: وسبق عمر بن عبد العزيز إلى إنكار القسامة سالم بن عبد الله بن عمر فأخرج ابن المنذر عنه أنه كان يقول: (يا لقوم يحلفون على أمر لم يروه ولم يحضروه،

стр. 886

لو كان لي من أمر لعاقبتهم ولجعلتهم نكالا ولم أقبل لهم شهادة) وهذا يقدح في نقل إجماع أهل المدينة على القود بالقسامة، فإن سالما من أجل فقهاء المدينة (١) . وأما الآثار: فقد وردت آثار عن الخلفاء الأربعة وغيرهم تدل على مشروعية القسامة، وبعضها لا يخلو من مقال

стр. 887

القائلون بعدم العمل بالقسامة: قال الأبي نقلا عن القاضي عياض: وأبطل الأخذ به - أي: بهذا الركن - فلم يثبت للقسامة حكما في الشرع سالم بن عبد الله، والحكم بن عيينة، وسليمان بن يسار، وقتادة، وابن علية، ومسلم بن خالد، وأبو قلابة، والمكيون، وإليه نحا البخاري، واختلف قول مالك في الأخذ به في قتل الخطأ. ط - والشهير عنه إثباتها فيه، وعنه: أنه لا قسامة فيه (١) . ونسبة البخاري إلى معاوية وعمر بن عبد العزيز، وستأتي مناقشة ما نسبه إليهما. مستند القائلين بالعمل بالقسامة مع المناقشة: احتجوا بالسنة والاستصحاب والأثر. أما السنة: فقال ابن حزم: نظرنا فيما يمكن أن يحتج به فوجدناه من

стр. 888

طريق نا طاهر نا ابن وهب عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (١) » ، وقوله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام (٢) » ، وقوله ﷺ : «بينتك أو يمينه ليس لك إلا ذلك (٣) » . قالوا: فقد سوى الله تعالى على لسان نبيه ﵊ بين تحريم الدماء والأموال، وبين الدعوى في الدماء والأموال، وأبطل كل ذلك، ولم يجعله إلا بالبينة واليمين على المدعى عليه، فوجب أن يكون الحكم في كل ذلك سواء لا يفترق في شيء أصلا، لا فيمن يحلف ولا في عدد يمين ولا في إسقاط الغرامة إلا بالبينة ولا مزيد. وهذا كله حق، إلا أنهم تركوا ما لا يجوز تركه مما فرض الله تعالى على الناس إضافته إلى ما ذكروا، وهو أن الذي حكم بما ذكروا وهو المرسل إلينا من الله تعالى - هو الذي حكم بالقسامة، وفرق بين حكمها وبين سائر الدماء والأموال المدعاة، ولا يحل أخذ شيء من أحكامه وترك سائرها، إذ كلها من عند الله تعالى وكلها حق، وفرض الوقوف عنده والعمل به، وليس بعض أحكامه علمه السلام أولى بالطاعة من بعض، ومن خالف هذا فقد دخل تحت المعصية وتحت قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٤) ولا فرق بين من ترك حديث «بينتك أو يمينه (٥) » لحديث القسامة وبين من ترك حديث القسامة لتلك الأحاديث (٦) .

стр. 889

ومما يوضح جواب ابن حزم ﵀ ما قاله الخطابي ﵀، قال: هذا حكم خاص جاءت به السنة لا يقاس على سائر الأحكام، وللشريعة أن تخص كما لها أن تعم، ولها أن تخالف بين سائر الأحكام المتشابهة في الصفة، كما لها أن توفق بينها ولها نظائر كثيرة في الأصول (١) . وجاء معنى ذلك عن ابن المنذر (٢) وابن حجر (٣) . وقد أورد ابن حزم: ﵀ اعتراضا على جوابه: وأجاب عنه فقال: فإن قالوا: الدماء حدود ولا يمين في الحدود. قيل لهم: ما هي الحدود؟ لأن الحدود ليست بموكولة إلى اختيار أحد إن شاء أقامها وإن شاء عطلها، بل هي واجبة لله تعالى وحده، لا خيار فيها لأحد ولا حكم، وأما الدماء فهي موكولة إلى اختيار الولي؛ إن شاء استقاد، وإن شاء عفا، فبطل أن تكون من الحدود وصح أنها من حقوق الناس، وفسد قول من فرق بينهما وبين حقوق الناس من أموال وغيرها إلا حيث فرق الله تعالى ورسوله بين الدماء والحقوق وغيرها وليس ذلك إلا حيث القسامة فقط (٤) . وقد أجاب شيخ الإسلام: بأن القسامة من الحدود لا من الحقوق، فقال: وهذه الأمور - أي: أمثلة منها القسامة - من الحدود في المصالح العامة ليس من الحقوق الخاصة، وقال: فلولا القسامة في الدماء لأفضى

стр. 890

إلى سفك الدماء، فيقتل الرجل عدوه خفية، ولا يمكن لأولياء المقتول إقامة البينة، واليمين على القاتل والسارق والقاطع سهلة، فإن من يستحل هذه الأمور لا يكترث باليمين (١) . وقد أجاب ابن القيم: ﵀ بجواب آخر عن هذا الدليل فقال: وأما حديث ابن عباس: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٢) » فهذا إنما يدل على أنه لا يعطى أحد بمجرد دعواه دم رجل ولا ماله، وأما في القسامة فلم يعط الأولياء فيها بمجرد دعواهم، بل البينة وهي ظهور اللوث وأيمان خمسين لا بمجرد الدعوى. وظهور اللوث وحلف خمسين بينة بمنزلة الشهادة أو أقوى، وقاعدة الشرع: أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين؛ ولهذا يقضى للمدعي بيمينه إذا نكل المدعى عليه كما حكم به الصحابة؛ لقوة جانبه بنكول الخصم المدعى عليه؛ ولهذا يحكم له بيمينه إذا أقام شاهدا واحدا لقوة جانبه بالشاهد فالقضاء بها في القسامة مع قوة جانب المدعين باللوث الظاهر أولى وأحرى (٣) . انتهى المقصود. وقد بسط ابن القيم ﵀ هذا الجواب في موضع آخر (٤) . وجواب ثالث عن مالك بن أنس ﵀ قال: إنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق: أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه، وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس، وإنما

стр. 891

يلتمس الخلوة، قال: فلو لم تكن القسامة إلا فيما ثبت فيه البينة ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق - هلكت الدماء، واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها، ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدءون بها فيها؛ ليكف الناس عن القتل، وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك (١) . أما الاستصحاب: فقال ابن رشد: وعمدة الفريق النافي لوجوب الحكم بها أن القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها: فمنها: أن الأصل في الشرع ألا يحلف أحد إلا على ما علم قطعا، أو شاهد حسا، وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتل، بل قد يكونون في بلد والقتل في بلد آخر؛ ولذلك روى البخاري عن أبي قلابة: أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس ثم أذن لهم فدخلوا عليه. فقال: ما تقولون في القسامة؟ فأضب القوم وقالوا: نقول: القسامة القود بها الحق، قد أقاد بها الخلفاء. فقال: ما تقول يا أبا قلابة؟ - ونصبني للناس - فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك أشراف العرب ورؤساء الأجناد، أرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا على رجل أنه زنى بدمشق ولم يروه أكنت ترجمه؟ ! قال: لا. قلت: أفرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا عندك على رجل أنه سرق

стр. 892

بحمص ولم يروه أكنت تقطعه؟ قال: لا. وفي بعض الروايات: قلت: فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا وهم عندك أخذت بشهادتهم؟ قال: فكتب عمر بن عبد العزيز في القسامة: أنهم إذا أقاموا شاهدي عدل أن فلانا قتله، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا، قالوا: ومنها: أن من الأصول أن الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء، ومنها: أن من الأصول أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر (١) . والجواب عن هذا الدليل من وجوه: أحدها: بأن التعليق في عدم اعتبار القسامة بأنها من قبيل الحلف على ما لا يعلمه الحالف وهو غير مشروع قد أجيب عنه بما يلي: أ- قال الإمام الشافعي: (واحتج - أي: القائل بهذا - بأن قال: أحلفتهم على ما لا يعلمون؟ قلت: فقد يعلمون بظاهر الأخبار ممن يصدقون ولا تقبل شهادتهم، وإقرار القاتل عندهم بلا بينة، ولا يحكم بادعائهم عليه الإقرار وغير ذلك، قال: العلم ما رأوا بأعينهم أو سمعوا بآذانهم، قلت: ولا علم ثالث؛ قال: لا. قلت: فإذا اشترى ابن خمس عشرة سنة عبدا ولف بالمشرق منذ خمسين ومائة سنة ثم باعه فادعى الذي ابتاعه أنه كان آبقا فكيف تحلفه؟ قال: على البينة، قلت: يقول لك: تظلمني؛ فإن هذا ولد قبلي وببلد غير بلدي وتحلفني على البينة وأنت تعلم أني لا أحيط بأن لم يأبق قط علما، قال: يسأل، قلت: يقول لك: فأنت تحلفني على ما تعلم

стр. 893

أني لا أبر فيه؟ قال: وإذا سئلت فقد وسعك أن تحلف، قلت: أفرجل قتل أبوه فغبي من ساعته فسأل أولى أن يعلم؟ قال: نعم، قال بعض من حضره: بل من قتل أبوه؟ فقلت: فقد عبت يمينه على القسامة ونحن لا نأمره أن يحلف إلا بعد العلم، والعلم يمكنه واليمين على القسامة من سنة رسول الله ﷺ وقلت برأيك يحلف على العبد الذي وصفت. اهـ. وقال الشافعي أيضا: وإذا وجبت القسامة فلأهل القتيل أن يقسموا وإن كانوا غيبا عن موضع القتيل؛ لأنه قد يمكن أن يعلموا باعتراف القتيل أو بينة تقوم عندهم لا يقبل الحاكم منهم ومن غيرهم غير ذلك من وجوه العلم التي لا تكون شهادة بقطع، وينبغي للحاكم أن يقول: اتقوا الله ولا تحلفوا إلا بعد الاستثبات ويقبل أيمانهم متى حلفوا. اهـ (١) . ب - وقال ابن قدامة: (قال القاضي: يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا غائبين عن مكان القتل؛ لأن النبي ﷺ قال للأنصار: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم (٢) » وكانوا بالمدينة والقتل بخيبر، ولأن الإنسان يحلف على غالب ظنه، كما أن من اشترى من إنسان شيئا فجاء آخر يدعيه جاز أن يحلف أنه لا يستحقه؛ لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه، وكذلك إذا وجد شيئا بخطه أو خط أبيه ودفتره جاز له أن يحلف، وكذلك إذا باع شيئا لم يعلم فيه عيبا فادعى عليه المشتري أنه معيب وأراد رده - كان له أن يحلف أنه باعه بريئا من العيب، ولا ينبغي أن

стр. 894

يحلف المدعي إلا بعد الاستثبات وغلبة الظن (١) . ج - ويمكن أن يقال: لا يلزم أن تكون اليمين على اليقين مطلقا، وتقرير ذلك أن شريعة الإسلام تبنى أحكامها على الظاهر، لا على الباطن. وعلى الظن لا على اليقين، وهذا جار في أسانيد الأدلة ودلالاتها وبقائها، وفي الجزئيات التطبيقية في حياة الرسول ﷺ فأخبار الآحاد ظنية الثبوت، ودلالة العموم على جميع أفراده مع احتمال مخصص، ودلالة المطلق على بعض ما يتناوله مع احتمال مقيد، ودلالة النص على مقتضاه مع احتمال ناسخ، ودلالة الظاهر على معناه مع احتمال دليل صارف له عن ظاهره إلى التأويل. هذه الأمور كلها ظنية ومع ذلك يعمل بها، ولو ترك العمل بهذا الباب فقيل: لا يعمل إلا باليقينيات لتعطل كثير من مواضع تطبيق الشريعة. وأما من الناحية التطبيقية في حياته ﷺ فمن ذلك قضية اللعان، فبعدما انتهى المتلاعنان قال ﷺ : «الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ (٢) » ثلاثا فهو ﷺ قضى بمقتضى اللعان مع أن أحدهما كاذب يقينا، وهذا الاحتمال لم يمنع النبي ﷺ من إجراء الحكم على الظاهر. د - ويمكن أن يقال أيضا: إذا حلف أنه لم يقتل ولا يعلم قاتلا فهذا يقين في الظاهر من الجهتين، فإن قوله: (لم يقتله) هذا نفي لصدور القتل منه، وقوله: (ولا يعلم له قاتلا، هذا نفي لعلمه بالقاتل ومورد النفي في الصورتين مختلف، لكن كل منهما يقين في الظاهر بحسبه، وتحقق مطابقة الظاهر للباطن لا يتوقف عليه ربط الحكم الشرعي بالظاهر وإن كان مخالفا

стр. 895

للباطن. ثانيها: روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: إني أريد أن أدع القسامة: يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا وكذا فيحلفون، قال: فقلت له: ليس ذلك لك، قضى بها رسول الله ﷺ والخلفاء بعده. وإنك إن تتركها أوشك الرجل أن يقتل عند بابك فيطل دمه فإن للناس في القسامة حياة (١) . ثالثها: يمكن أن يقال: إن قصة أبي قلابة أكثر ما يقال فيها: إنها أثر تابعي فهل يصح أن يكون معارضا لقول معصوم؛ كلا، فلا عبرة بقول من دون رسول الله ﷺ مع قوله ﷺ . رابعها: ويمكن أن يقال: إن قولهم: (الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء) غير صحيح؛ لأن المشرع هو الله جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسول الله ﷺ ، وطرق الإثبات في الشريعة كثيرة ومتنوعة وكل طريق منها أصل بنفسه والمشرع هو الذي جعله أصلا، فلا يصح أن تعارض هذه الأصول بعضها ببعض، بل كل أصل منها يعمل في موضعه، ومن ذلك القسامة الثابتة في قوله ﷺ : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته (٢) » ، وفي رواية مسلم «فيسلم إليكم» . خامسها: قولهم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر، قد سبق الجواب عنه في معرض الإجابة عن الدليل الأول من أدلة القائلين بعدم العمل بالقسامة.

стр. 896

قال الممانعون من العمل بالقسامة: ومما يؤيد دليل الاستصحاب أن ما ورد من الأحاديث في الحكم بالقسامة ليس نصا في ذلك، بل هي محتملة يتطرق إليها التأويل، فلم تنهض لمقاومة الاستصحاب فوجب تأويلها لتتفق مع الأصول الأخرى. قال ابن رشد: ومن حجتهم: أنهم لم يروا في تلك الأحاديث أن رسول الله ﷺ حكم بالقسامة، وإنما كانت حكما جاهليا فتلطف لهم رسول الله ﷺ ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام. ولذلك قال لهم: «أتحلفون خمسين يمينا (١) » أعني: لولاة الدم وهم الأنصار، «قالوا: كيف نحلف ولم نشاهد؟ قال: " فيحلف لكم اليهود " قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ (٢) » قالوا: فلو كانت السنة أن يحلفوا وإن لم يشاهدوا لقال لهم رسول الله ﷺ : هي السنة. قالوا: وإذا كانت هذه الآثار غير نص في القضاء بالقسامة، والتأويل يتطرق إليها فصرفها بالتأويل إلى الأصول أولى (٣) . وأما الأثر فمن ذلك: ما قال البخاري في [صحيحه] : قال ابن أبي مليكة: لم يقد بها معاوية. قال ابن حجر: وقد وصله حماد بن سلمة في [مصنفه] ، ومن طريقه ابن المنذر، قال حماد عن ابن أبي مليكة: سألني عمر بن عبد العزيز عن القسامة، فأخبرته: أن عبد الله بن الزبير أقاد بها، وأن معاوية - يعني: ابن أبي سفيان

стр. 897

- لم يقد بها، وهذا المسند صحيح. واعترض عليه بما نسبه ابن حجر إلى ابن بطال قال: وقد توقف ابن بطال في ثبوته فقال: قد صح عن معاوية أنه أقاد بها، ذكر ذلك عنه أبو الزناد في احتجاجه على أهل العراق، قلت - القائل ابن حجر -: هو في صحيفة عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ومن طريقه أخرجه البيهقي قال: حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال: قتل رجل من الأنصار رجلا من بني العجلان، ولم يكن على ذلك بينة ولا لطخ، فأجمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه، فركبت إلى معاوية في ذلك فكتب إلى سعيد بن العاص: إن كان ما ذكره حقا فافعل ما ذكروه، فدفعت الكتاب إلى سعيد فأحلفنا خمسين يمينا ثم أسلمه إلينا. وقد أجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض بثلاثة أجوبة ذكرها بقوله: ويمكن الجمع: بأن معاوية لم يقد بها لما وقعت له وكان الحكم في ذلك، ولما وقعت لغيره وكل الأمر في ذلك إليه، ونسب إليه أنه أقاد بها لكونه أذن في ذلك، ويحتمل أن يكون معاوية كان يرى القود بها ثم رجع عن ذلك، أو بالعكس (١) . وقد أخرج الكرابيسي في أدب القضاء بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة أخرى قضى فيها معاوية بالقسامة، لكن لم يصرح فيها بالقتل.

стр. 898

ويمكن أن يجاب عن هذا الأثر بالأجوبة السابقة. وقال البخاري في [صحيحه] : وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وكان أمره على البصرة - في قتيل وجد عند بيت من بيوت السمانين: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة. قال ابن حجر: وصله سعيد بن منصور حدثنا هشام حدثنا حميد الطويل قال: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز. . . . وذكر الأثر، وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن حميد قال: وجد قتيل بين قشير وعائش فكتب فيه عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز فذكر نحوه، وهذا صحيح. وقد اعترض على هذا الأثر بقول ابن حجر: وقد اختلف على عمر بن عبد العزيز في القود بالقسامة، كما اختلف على معاوية، فذكر ابن بطال أن في [مصنف حماد بن سلمة] ، عن ابن أبي مليكة: أن عمر بن عبد العزيز أقاد بالقسامة في إمرته على المدينة (١) . وقد أجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض بقوله: ويجمع بأنه كان يرى ذلك لما كان أميرا على المدينة، ثم رجع لما ولي الخلافة، ولعل سبب ذلك ما سيأتي في آخر الباب من قصة أبي قلابة، حيث احتج على عدم القود بها فكأنه وافقه على ذلك (٢) . والقصة التي أشار إليها ابن حجر هي ما رواها البخاري في [الصحيح]

стр. 899

من حديث أبي قلابة الطويل وفيه: قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ - أي: في القسامة، ونصبني للناس - فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل رسول الله ﷺ أحدا قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام (١) . ومما يدل على أن عمر بن عبد العزيز ﵀ كان يرى العمل بها ثم رجع: ما أخرجه ابن المنذر من طريق الزهري قال: قال لي عمر بن عبد العزيز إني أريد أن أدع العمل بالقسامة، يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا فيحلفون على ما لا يرون، فقلت: إنك إن تتركها يوشك أن الرجل يقتل عند بابك فيطل دمه، وإن للناس في القسامة لحياة (٢) . هذا وقد ذكر ابن حزم ﵀ مجموعة من الآثار الدالة على أنه لا يقاد بالقسامة ولا يحكم بها، وناقشها، وقد تركنا ذكرها اختصارا واكتفاء بما سبق من الأدلة.

стр. 900

الثالث: ضابط اللوث وبيان صوره واختلاف العلماء فيها ومنشأ ذلك مع المناقشة: ضابط اللوث (أ) ضابط اللوث في اللغة: قال الفيروزآبادي: اللوث: القوة، وعصبة العمامة، والشر، واللوذ، والجراحات والمطالبات بالأحقاد، وشبه الدلالة، واللوث بالضم: الاسترخاء والضعف، والالتياث: الاختلاط والالتفاف، والإبطاء، والقوة، والتلويث: التلطيخ والخلط والمرس كاللوث (١) . قال الرملي: لوث بمثلثة من اللوث بمعنى القوة لقوة تحويله اليمين لجانب المدعي أو الضعف، لأن الأيمان حجة ضعيفة (٢) . (ب) ضابط اللوث عند الفقهاء: ا- قال أحمد الشلبي: وسببها وجود قتيل لا يدرى قاتله في محلة أو دار أو موضع يقرب إلى القرية بحيث يسمع الصوت منه. ٢ - وقال الأبي: واللوث: هي القرائن الظاهرة الدالة على قتل القاتل.

стр. 901

٣ - وقال النووي والرملي: واللوث قرينة حالية أو مقالية مؤيدة تصدق المدعي بأن توقع في القلب صدقه في دعواه ولا بد من ثبوت هذه القرينة (١) . ٤ - أما عند الحنابلة: ففي ضابطه روايتان: الأولى: قال ابن قدامة: هو العداوة الظاهرة، وعنه: أنه يغلب على الظن صحة الدعوى به (٢) .

стр. 902

٣ - بيان صوره و اختلاف العلماء فيها: نذكر فيما يلي مجمل صور مما نص عليه المالكية، والشافعي ﵀، والحنابلة، ثم نتبعها بالكلام على كل صورة في حدود ما تيسر الاطلاع عليه. مجمل الصور: ١ - قال ابن جزي: وشهادة الشاهد العدل على القتل لوث، واختلف في شهادة غير العدل وفي شهادة الجماعة إذا لم يكونوا عدولا، وفي شهادة النساء والعبيد، وشهادة العدلين على الجرح لوث، إذا عاش المجروح بعد الجرح وأكل وشرب، واختلف في شهادة عدل واحد على إقرار القاتل هل يقسم بذلك أم لا؟ ومن اللوث أن يوجد رجل بقرب المقتول ومعه سيف أو شيء من آلة القتل أو متلطخا بالدم، ومن اللوث أن يحصل المقتول في دار مع قوم فيقتل بينهم، أو يكون في محلة قوم أعداء له، ومن اللوث عند مالك وأصحابه التدمية في العمد، وهو قول المقتول: فلان قتلني، أو دمي عند فلان، سواء أكان المدمى عدلا أو مسخوطا، ووافقه الليث بن سعد

стр. 903

في القسامة بالتدمية، وخالفهما سائر العلماء، واختلف في المذهب في كون التدمية في الخطأ لوثا على قولين (١) . وقال الباجي: وذكر أبو محمد في معونته قسما سادسا في فئتين اقتتلتا فوجد بينهما قتيل فيها روايتان (٢) وساقهما، وذكر وجه كل منهما، وسيأتي ذلك في موضعه. وقتيل الزحام نقله الأبي، كما سيأتي. وقال الشافعي رحمه الله تعالى بعد سياقه لقصة قتل عبد الله بن سهل قال: فإذا كان مثل هذا السبب الذي حكم رسول الله ﷺ فيه بالقسامة حكمنا بها وجعلنا فيها الدية على المدعى عليهم، فإذا لم يكن مثل ذلك السبب لم نحكم بها. فإن قال قائل: وما مثل السبب الذي حكم فيه رسول الله ﷺ قيل: كانت خيبر دار يهود التي قتل فيها عبد الله بن سهل محضة لا يخلطهم غيرهم وكانت العداوة بين الأنصار واليهود ظاهرة، وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر ووجد قتيلا قبل الليل، فكاد أن يغلب على من علم هذا أنه لم يقتله إلا بعض يهود، وإذا كانت دار قوم مجتمعة لا يخلطهم غيرهم وكانوا أعداء للمقتول أو قبيلته ووجد القتيل فيهم فادعى أولياؤه قتله فيهم فلهم القسامة، وكذلك إذا كان مثل هذا المعنى مما يطلب على الحاكم أنه كما يدعي المدعي على جماعة أو واحد، وذلك مثل أن يدخل نفر بيتا فلا يخرجون

стр. 904

منه إلا وبينهم قتيل، وكذلك إن كانوا في دار وحدهم أو في صحراء وحدهم؛ لأن الأغلب أنهم قتلوه أو بعضهم، وكذلك أن يوجد قتيل بصحراء أو ناحية ليس إلى جنبه عين ولا أثر إلا رجل واحد مختضب بدمه في مقامه ذلك، أو يوجد قتيل فتأتي بينة متفرقة من المسلمين من نواح لم يجتمعوا فيثبت كل واحد منهم على الانفراد على رجل أنه قتله فتتواطأ شهادتهم ولم يسمع بعضهم شهادة بعض، وإن لم يكونوا ممن يعدل في الشهادة، أو يشهد شاهد عدل على رجل أنه قتله؛ لأن كل سبب من هذا يغلب على عقل الحاكم أنه كما ادعى ولي الدم أو شهد من وصفت وادعى ولي الدم، ولهم إذا كان ما يوجب القسامة على أهل البيت أو القرية أو الجماعة أن يحلفوا على واحد منهم أو أكثر، فإذا أمكن في المدعى عليه أن يكون في جملة القتلة جاز أن يقسم عليه وحده وعلى غيره ممن أمكن أن يكون في جملتهم معه دعوى، وإذا لم يكن معه ما وصفت لا يجب بها القسامة، وكذلك لا تجب القسامة في أن يوجد قتيل في قرية يختلط بهم غيرهم أو يمر به المارة - إذا أمكن أن يقتله بعض من يمر ويلقيه (١) . وقال المزني زيادة عما تقدم نقله عن الشافعي قال: أو صفين في حرب أو ازدحام جماعة (٢) . ٣ - وقال موسى الحجاوي في الكلام على شروط القسامة: الثاني: اللوث، ولو في الخطأ وشبه العمد، واللوث: العداوة الظاهرة، كنحو ما كان بين

стр. 905

الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضا بثأر، وما بين أحياء العرب وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين البغاة وأهل العدل، وما بين الشرط واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن قتله. . . إلى أن قال: ويدخل في اللوث لو حصل عداوة بين سيد عبد وعصبته، فلو وجد قتيل في صحراء وليس معه غير عبده كان ذلك لوثا في حق العبد ولورثة سيده القسامة، فإن لم تكن عداوة ظاهرة ولكن غلب على الظن صدق المدعي كتفرق جماعة عن قتيل أو كان عصبته من غير عداوة ظاهرة، أو وجد قتيلا عند من معه سيف ملطخ بدم، أو في زحام أو شهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان والفساق أو عدل واحد وفسقة، أو تفرق فئتان عن قتيل أو شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين، أو شهد أن هذا القتيل قتله أحد هذين أو شهد أحدهما أن إنسانا قتله والآخر أنه أقر بقتله، أو شهد أحدهما أنه قتله بسيف والآخر بسكين، ونحو ذلك - فليس بلوث، ولا يشترط مع العداوة ألا يكون في الموضع الذي به القتل غير العدو ولا أن يكون بالقتيل أثر القتل كدم في أذنه أو أنفه. وقول القتيل: قتلني فلان ليس بلوث، ومتى ادعى القتل عمدا أو غيره، أو وجد قتيل في موضع فادعى أولياؤه على قاتل مع عدم اللوث حلف المدعى عليه يمينا واحدا وبرئ، وإن نكل لم يقض عليه بالقود، بل بالدية (١) . وقال ابن قدامة - بعد ذكر الرواية الأولى -: وعنه أنه ما يغلب على الظن

стр. 906

صحة الدعوى به كتفرق جماعة عن قتيل، ووجود قتيل عند من معه سيف ولطخ بدم، وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان ونحو ذلك (١) . ٣- بيان صوره واختلاف العلماء فيها مع المناقشة:

стр. 907

الصورة الأولى: التدمية . قال الأبي: (ع) وصور الشبهة سبعة: الأولى: قول الميت دمي عند فلان أو هو قتلني أو جرحني أو ضربني، وإن لم يظهر أثر ولا جرح أثبت مالك القسامة بذلك وقال: وعليه إجماع الأئمة في القديم والحديث، وشرط بعض أصحابنا ظهور الأثر والجرح إلا لم تكن قسامة، وخالف مالكا في ذلك سائر فقهاء الأمصار، ولم يوافقه عليه إلا الليث، وروي عن عبد الملك بن مروان. واحتج أصحابنا لذلك: بأن القتل حال تطلب فيه الغيلة والاستتار، والمرء عند آخر عهده بالدنيا يتحرى الصدق، ويرد المظالم، ويتزود من البر. واحتج مالك بقضية البقرة في قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (١) فأحيي الرجل وأخبر بمن قتله. . . إلى أن قال: قلت: ألغى القسامة بذلك ابن عبد الحكم ومن الأندلسيين عبد الرحمن بن بقي وعبيد الله بن يحيى، وقيل: إن ادعاه على من لا يليق به لفضله وصلاحه ألغيت تدميته وإلا أعملت، فالأقوال في المذهب

стр. 908

ثلاثة، ثالثها: الفرق المذكور. ابن عبد السلام: وإنما خالف مالكا والليث سائر الفقهاء؛ لأن فيه قبول الدعوى دون بينة، وقد علم أن الأموال أضعف حرمة من الدماء، ومع ذلك لم تقبل فيها الدعوى، فكيف تقبل دعوى القتل بهذه الحجة الضعيفة؟ ! فإن قلت: قيل: كما يحتاط للدماء أن تراق فكذلك يحتاط لها أن تضيع. قلت: شتان ما بين الاحتياطين. الثاني: دم فات وهذا دم يراق، إلا أنه كما قال بعض المفتين: لأن يقال: ألم تقتله؟ أحب إلي من أن يقال: لم قتلته؟ فإن قلت: أفتى مالك بحضرة أصحابه بقتل رجل، فلما ذهب به ليقتل جعل مالك يتطاول بعنقه وقد اصفر لونه، ثم قال لأصحابه: لا تظنوا أني ندمت في فتياي، ولكنني خفت أن يذهب من أيديهم فتضيع حدود الله. قلت: هذا مسلم؛ لأنه في قصاص ثبت، والقائل بإعمال التدمية وإن لم يظهر أثر- أصبغ، وهو ظاهر إطلاق الروايات، والقائل بإلغائها حتى يظهر الأثر - ابن كنانة، واختاره اللخمي وابن رشد، وبه العمل. قال اللخمي: إلا أن يعلم أنه قد كان بينهما قتال ويلزم الفراش عقب ذلك أو كان يتصرف تصرف مشتك عليه دليل المرض، وتمادى به ذلك حتى هلك. وباختيار اللخمي هذا أفتيت في نازلة (وقعت من سنة خمس عشرة وثمانمائة أرسل بها إلي الخليفة المعظم أبو فارس عبد العزيز بن الخليفة المرحوم أبي العباس أحمد الحفصي فأمر أن نفتي فيها بما ظهر لي صوابه)

стр. 909

والنازلة هي: أنه وقعت هوشة بين جماعتي مارغنة بالراء والغين المعجمة، ومزاتة بالزاي والتاء المثناة من فوق، وانكشف الجميع عن جرحى من الفريقين، فبعد أيام جاء رجل من مزاتة إلى العدول بسوسة، وادعى على جماعة مارغنة وليس به جرح ولا أثر ضرب حسبما ضمن ذلك شهود الرسم ثم مات من الغد، ونص فتياي: (الحمد لله، إذا لزم المدمى الفراش عقب الهوشة أو كان يتصرف تصرف مشتك عليه دليل المرض ودام به ذلك حتى مات، وكان أعيان المارغنيين المدعى عليهم معروفة ولم تكن فئة المدمى هي المبتدئة والأخرى دافعة - فالتدمية صحيحة، وإن لم يكن بالمدمى جرح ولا أثر ضرب ويستحقون قتل واحد أو يقبلون الدية، إلا أن يكون الميت أوصى أن يقبل فيه [الدية] فليس إلا الدية) هذا اختيار اللخمي في المسألة، وليس ببعيد من الصواب. والله أعلم. وليس من التدمية البيضاء، لأن البيضاء هي التي ليس فيها سبب حتى يستند إليه قول المدمى، وليس فيها إلا قول المدمى دمي عند فلان كقضية اللؤلئي، فإذا لم تكن من التدمية البيضاء فلترجع لتدمية قتيل الصفين. ولا يعترض على هذا بأنه قال في [المدونة] : ولا قسامة في قتيل الصفين؛ لأن معناه عند الأكثر، إذا كان ذلك بدعوى الأولياء، وأما بقول القتيل فإنه يقسم معه، وسئل عنها المعين للفتيا في التاريخ فأجاب: بأنها من التدمية البيضاء التي جرى العمل على إلغائها، وإليك الترجيح بين الجوابين والله أعلم بالصواب. واختلف إذا قال الميت: دمي عند فلان خطأ: فلمالك في [المدونة] ، يقسم على قوله. وفي [الموازية] ، لا يقسم لتهمة أنه أراد غنى ورثته، وفي

стр. 910

[المدونة] : وإن ادعى الورثة خلاف دعوى الميت من عمد أو خطأ فليس لهم أن يقسموا إلا على قوله، ولم أسمعه من مالك. وفي [الموازية] إن ادعوا خلاف قول الميت فلا قسامة لهم وليس لهم أن يرجعوا إلى قول الميت، وفي المدونة أيضا إذا قال: دمي عند فلان ولم يذكر عمدا أو خطأ، فما ادعاه ولاة الدم من عمد أو خطأ أقسموا عليه واستحقوا عليه واستحقوه. ابن الحارث: وفي المجالس عن ابن القاسم: أحسن من هذا أن قوله باطل، وفي [المدونة] ، أيضا: قال بعضهم: عمدا، وقال بعضهم: خطأ، فإن حلفوا كلهم استحقوا دية الخطأ بينهم وبطل الدم، فإن نكل مدعي الخطأ فليس لمدعي العمد أن يقسموا ولا دم ولا دية. واختلف في تدمية الزوجة: فظاهر المذهب: أنها كالأجنبية، وذكر ابن عات عن ابن حزين أنه قال: لا قود على الزوج إلا أن يتعمد واحتج: بأن الله أذن له في ضرب الأدب في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (١) قال: فالذي يريد أن يدمى فيه أصله الجواز، ولا تقام الحدود إلا بأمرين؛ لحديث «ادرءوا الحدود بالشبهات (٢) » ، وكذلك معلمو الصبيان يضرب أحدهم فيما يجوز له فيتعدى طرف الشراك أو عود الدرة فيفقأ العين، وإنما عليه العقل إلا أن يتعمد، وكذلك على الزوج، قال: وهذا الذي تعلمنا من شيوخنا (٣) .

стр. 911

وقال الباجي: فأما قول القتيل: دمي عند فلان فهو عند مالك في الجملة لوث يوجب القسامة، خلاف لأبي حنيفة والشافعي. قد استدل أصحابنا في ذكره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١) الآية. ففي [المجموعة] و [الموازية] قال مالك: وما ذكره الله من شأن البقرة التي ضرب القتيل بلحمها فحيي فأخبر عمن قتله دليل على أنه سمع من قول الميت. فإن قيل: إن ذلك آية، قيل: إنما الآية في إحيائه، فإذا صار حيا لم يكن كلامه آية وقد قبل قوله فيه، وهذا مبني على أن شريعة من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه (٢) . وقال ابن العربي: فإن قيل: فإنما قتله موسى ﷺ بالآية، قلنا: ليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه، فلعله أمرهم بالقسامة معه أو صدقه جبريل فقتله موسى بعلمه، كما قتل النبي ﷺ الحارث بن سويد بالمجذر بن زياد بإخبار جبريل ﵇ له بذلك. انتهى المقصود. وقال الباجي أيضا: واستدل أصحابنا على ذلك بما روى هشام بن زيد عن أنس: «أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق فقال: " أقتلك فلان؟ " فأشارت برأسها أن لا، ثم

стр. 912

قال الثانية، فأشارت برأسها: أن نعم (١) » ، وهذا الحديث رواه قتادة عن أنس فزاد فيه، فأتي به النبي ﷺ فلم يزل به حتى أقر، فرض رأسه بالحجارة (٢) أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما على اختلاف في الروايات مع الاتفاق على أصل القصة. وجه الدلالة: قال المازري: استدل به- أي: بحديث الجارية المذكورة - بعضهم، أي: بعض المالكية- على التدمية؛ لأنها لو لم تعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة، قال: ولا يصح اعتباره مجردا؛ لأنه خلاف الإجماع فلم يبق إلا أنه يفيد القسامة. وقال النووي: ذهب مالك إلى ثبوت قتل المتهم بمجرد قول المجروح، واستدل بهذا الحديث، ولا دلالة فيه، بل هو قول باطل؛ لأن اليهودي اعترف كما وقع التصريح به في بعض طرقه. ونازعه بعض المالكية فقال: لم يقل مالك ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وإنما قالوا: إن قول المحتضر عند موته: (فلان قتلني) لوث يوجب القسامة، فيقسم اثنان فصاعدا من عصبته بشرط الذكورية، وقد وافق بعض المالكية الجمهور، واحتج من قال بالتدمية: أن دعوى من وصل إلى تلك الحالة وهو وقت خلاصه وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا- يدل على أنه لا يقول إلا حقا، قالوا: وهي أقوى من قول الشافعية: إن الولي يقسم إذا وجد قرب وليه المقتول رجلا معه سكين؛ لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين،

стр. 913

انتهى بواسطة ابن حجر (١) . وقد ناقش ابن حزم الاستدلال بهذا الحديث أيضا، فقال أبو محمد ﵀: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن هذا خبر رويناه بالسند المذكور إلى مسلم نا عبد بن حميد، نا عبد الرزاق، نا معمر عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس: «أن رجلا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة، وأخذ فأتي به رسول الله ﷺ فأمر به أن يرجم حتى يموت (٢) » . وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد العطار، كلاهما عن قتادة عن أنس. فإن قالوا: إن شعبة زاد ذكر دعوى المقتول في هذه القصة وزيادة العدل مقبولة. قلنا: صدقتم، وقد زاد همام بن يحيى عن قتادة، عن أنس في هذا الخبر زيادة لا يحل تركها كما روينا من طريق مسلم: نا هداب بن خالد، نا همام عن قتادة عن أنس: «أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديا، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به النبي ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة (٣) » . . فصح أنه ﷺ لم يقتل اليهودي إلا بإقراره لا بدعوى المقتولة. ووجه آخر: وهو أنه لو صح لهم ما لا يصح أبدا من أنه- ﵇ إنما قتله بدعواها- لكان هذا الخبر حجة عليهم، ولكانوا مخالفين له؛ لأنه ليس فيه ذكر قسامة أصلا وهم لا يقتلون بدعوى المقتولة البتة حتى يحلف

стр. 914

اثنان فصاعدا من الأولياء خمسين يمينا ولا بد. وأيضا فهم لا يرون القسامة بدعوى من لم يبلغ، والأظهر في هذا الخبر أنها كانت لم تبلغ؛ لأنه ذكر جارية ذات أوضاح، وهذه الصفة عن العرب- الذين بلغتهم تكلم أنس - إنما يوقعونها على الصبية لا على المرأة البالغة، فبطل تعلقهم بهذا الخبر بكل وجه ولاح خلافهم في ذلك فوجب القول به، ولا يحل لأحد العدول (١) . وقال الباجي أيضا: واستدلوا من جهة المعنى: بأن الغالب من أحوال الناس عند الموت ألا يتزودوا من الدنيا قتل النفس التي حرم الله، بل يسعى إلى التوبة والاستغفار، والندم على التفريط، ورد المظالم، ولا أحد أبغض إلى المقتول من القاتل، فمحال أن يتزود من الدنيا سفك دم حرام يعدل إليه ويحقن دم قاتله. قال الباجي بعد ذكره لاستدلال المالكية بقصة البقرة والجارية: وهذا الدليل من المعنى. قال: وهذا عمدة ما يتعلق به أصحابنا في هذه المسألة وهي مسألة فيها نظر، والله أعلم وأحكم (٢) . ٢ - وقال ابن قدامة ﵀ على قول الخرقي رحمه الله تعالى: (وإذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال: دمي عند فلان، فليس ذلك بموجب القسامة ما لم يكن لوث) قال: هذا قول أكثر أهل العلم، منهم: الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال مالك والليث: هو لوث؛ لأن

стр. 915

قتيل بني إسرائيل قال: قتلني فلان فكان حجة. وروي هذا القول عن عبد الملك بن مروان، ولنا قول النبي ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم (١) » ، ولأنه يدعي حقا لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت، ولأنه خصم فلم تكن دعواه لوثا كالولي. فأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه، فإنه لا قسامة فيه، ولأن ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى ﵇، حيث أحياه الله تعالى بعد موته، وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه، ولم يكن الله ينطقه بالكذب بخلاف الحي، ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم، ثم ذاك في تنزيه المتهمين فلا يجوز تعديتها إلى تهمة البريئين (٢) . وجاء في [حاشية المقنع] : ونقل الميموني: أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان ثم سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل مثل هذا (٣) .
следующие страницы →