وقال الباجي: فأما قول القتيل: دمي عند فلان فهو عند مالك في الجملة لوث يوجب القسامة، خلاف لأبي حنيفة والشافعي.
قد استدل أصحابنا في ذكره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١) الآية.
ففي [المجموعة] و [الموازية] قال مالك: وما ذكره الله من شأن البقرة التي ضرب القتيل بلحمها فحيي فأخبر عمن قتله دليل على أنه سمع من قول الميت.
فإن قيل: إن ذلك آية، قيل: إنما الآية في إحيائه، فإذا صار حيا لم يكن كلامه آية وقد قبل قوله فيه، وهذا مبني على أن شريعة من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه (٢) .
وقال ابن العربي: فإن قيل: فإنما قتله موسى ﷺ بالآية، قلنا: ليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه، فلعله أمرهم بالقسامة معه أو صدقه جبريل فقتله موسى بعلمه، كما قتل النبي ﷺ الحارث بن سويد بالمجذر بن زياد بإخبار جبريل ﵇ له بذلك.
انتهى المقصود.
وقال الباجي أيضا: واستدل أصحابنا على ذلك بما روى هشام بن زيد عن أنس: «أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق فقال: " أقتلك فلان؟ " فأشارت برأسها أن لا، ثم
стр. 912
قال الثانية، فأشارت برأسها: أن نعم (١) » ، وهذا الحديث رواه قتادة عن أنس فزاد فيه، فأتي به النبي ﷺ فلم يزل به حتى أقر، فرض رأسه بالحجارة (٢) أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما على اختلاف في الروايات مع الاتفاق على أصل القصة.
وجه الدلالة: قال المازري: استدل به- أي: بحديث الجارية المذكورة - بعضهم، أي: بعض المالكية- على التدمية؛ لأنها لو لم تعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة، قال: ولا يصح اعتباره مجردا؛ لأنه خلاف الإجماع فلم يبق إلا أنه يفيد القسامة.
وقال النووي: ذهب مالك إلى ثبوت قتل المتهم بمجرد قول المجروح، واستدل بهذا الحديث، ولا دلالة فيه، بل هو قول باطل؛ لأن اليهودي اعترف كما وقع التصريح به في بعض طرقه.
ونازعه بعض المالكية فقال: لم يقل مالك ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وإنما قالوا: إن قول المحتضر عند موته: (فلان قتلني) لوث يوجب القسامة، فيقسم اثنان فصاعدا من عصبته بشرط الذكورية، وقد وافق بعض المالكية الجمهور، واحتج من قال بالتدمية: أن دعوى من وصل إلى تلك الحالة وهو وقت خلاصه وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا- يدل على أنه لا يقول إلا حقا، قالوا: وهي أقوى من قول الشافعية: إن الولي يقسم إذا وجد قرب وليه المقتول رجلا معه سكين؛ لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين،
стр. 913
انتهى بواسطة ابن حجر (١) .
وقد ناقش ابن حزم الاستدلال بهذا الحديث أيضا، فقال أبو محمد ﵀: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن هذا خبر رويناه بالسند المذكور إلى مسلم نا عبد بن حميد، نا عبد الرزاق، نا معمر عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس: «أن رجلا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة، وأخذ فأتي به رسول الله ﷺ فأمر به أن يرجم حتى يموت (٢) » . وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد العطار، كلاهما عن قتادة عن أنس.
فإن قالوا: إن شعبة زاد ذكر دعوى المقتول في هذه القصة وزيادة العدل مقبولة.
قلنا: صدقتم، وقد زاد همام بن يحيى عن قتادة، عن أنس في هذا الخبر زيادة لا يحل تركها كما روينا من طريق مسلم: نا هداب بن خالد، نا همام عن قتادة عن أنس: «أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديا، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به النبي ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة (٣) » . . فصح أنه ﷺ لم يقتل اليهودي إلا بإقراره لا بدعوى المقتولة.
ووجه آخر: وهو أنه لو صح لهم ما لا يصح أبدا من أنه- ﵇ إنما قتله بدعواها- لكان هذا الخبر حجة عليهم، ولكانوا مخالفين له؛ لأنه ليس فيه ذكر قسامة أصلا وهم لا يقتلون بدعوى المقتولة البتة حتى يحلف
стр. 914
اثنان فصاعدا من الأولياء خمسين يمينا ولا بد.
وأيضا فهم لا يرون القسامة بدعوى من لم يبلغ، والأظهر في هذا الخبر أنها كانت لم تبلغ؛ لأنه ذكر جارية ذات أوضاح، وهذه الصفة عن العرب- الذين بلغتهم تكلم أنس - إنما يوقعونها على الصبية لا على المرأة البالغة، فبطل تعلقهم بهذا الخبر بكل وجه ولاح خلافهم في ذلك فوجب القول به، ولا يحل لأحد العدول (١) .
وقال الباجي أيضا: واستدلوا من جهة المعنى: بأن الغالب من أحوال الناس عند الموت ألا يتزودوا من الدنيا قتل النفس التي حرم الله، بل يسعى إلى التوبة والاستغفار، والندم على التفريط، ورد المظالم، ولا أحد أبغض إلى المقتول من القاتل، فمحال أن يتزود من الدنيا سفك دم حرام يعدل إليه ويحقن دم قاتله.
قال الباجي بعد ذكره لاستدلال المالكية بقصة البقرة والجارية: وهذا الدليل من المعنى. قال: وهذا عمدة ما يتعلق به أصحابنا في هذه المسألة وهي مسألة فيها نظر، والله أعلم وأحكم (٢) .
٢ - وقال ابن قدامة ﵀ على قول الخرقي رحمه الله تعالى: (وإذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال: دمي عند فلان، فليس ذلك بموجب القسامة ما لم يكن لوث) قال: هذا قول أكثر أهل العلم، منهم: الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال مالك والليث: هو لوث؛ لأن
стр. 915
قتيل بني إسرائيل قال: قتلني فلان فكان حجة. وروي هذا القول عن عبد الملك بن مروان، ولنا قول النبي ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم (١) » ، ولأنه يدعي حقا لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت، ولأنه خصم فلم تكن دعواه لوثا كالولي.
فأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه، فإنه لا قسامة فيه، ولأن ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى ﵇، حيث أحياه الله تعالى بعد موته، وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه، ولم يكن الله ينطقه بالكذب بخلاف الحي، ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم، ثم ذاك في تنزيه المتهمين فلا يجوز تعديتها إلى تهمة البريئين (٢) .
وجاء في [حاشية المقنع] : ونقل الميموني: أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان ثم سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل مثل هذا (٣) .
стр. 916
الصورة الثانية: شهادة بينة غير قاطعة على معاينة القتل:
١ - قال الأبي: (ع) : الصورة الثانية: اللوث من غير بينة قاطعة على معاينة القتل. لم يختلف قول مالك في أن شهادة العدل الواحد أو اللفيف من الناس وإن لم يكونوا عدولا لوث، وإنما اختلف قوله في شهادة الواحد غير العدل وفي شهادة المرأة هل ذلك لوث؟ وجعل بعض أصحابنا شهادة النساء والصبيان لوثا، وأباه أكثرهم، وجعل ربيعة ويحيى بن سعيد والليث
стр. 917
شهادة الذميين والعبيد لوثا (١) .
٢ - وقال النووي والرملي: وشهادة العدل الواحد: أي: إخباره ولو قبل الدعوى بأن فلانا قتله لوث؛ لأنه يفيد الظن، وشهادته بأن أحد هذين قتله لوث في حقهما، كما علم مما مر أول الباب، فيعين الولي أحدهما أو كليهما ويقسم، وكذا عبيد أو نساء، يعني: إخبار اثنين فأكثر أن فلانا قتله، وفي [الوجيز] : أن القياس أن قول واحد منهم لوث، وجرى عليه في [الحاوي الصغير] فقال: وقول راو، وجزم به في [الأنوار] وهو المعتمد. وقيل: يشترط تفرقهم لاحتمال التواطؤ، ورد بأن احتماله كاحتمال الكذب في إخبار العدل. وقول فسقة وصبيان وكفار لوث في الأصح؛ لأن اجتماعهم على ذلك يؤكد ظنه. والثاني قال: لا اعتبار بقولهم في الشرع، ولو ظهر لوث في قتيل فقال أحد ابنيه مثلا: (قتله فلان) وكذبه الابن الآخر صريحا- بطل اللوث، فلا يحلف المستحق؛ لانخرام ظن الصدق بالتكذيب الدال على عدم قتله، إذ جبلة الوارث على التشفي، فنفيه أقوى من إثبات الآخر، بخلاف ما إذا لم يكذبه كذلك بأن صدقه أو سكت، أو قال: لا أعلم أنه قتله، أو قال: إنه قتله. وبحث البلقيني أنه لو شهد عدل بعد دعوى أحدهم خطأ أو شبه عمد- لم يبطل اللوث بتكذيب الآخر قطعا، فلمن لم يكذبه أن يحلف معه خمسين يمينا ويستحق، وفي قول: لا يبطل كسائر الدعاوى، ورد بما مر من الجبلة هنا، وقيل: لا يبطل بتكذيب فاسق، ويرد بما مر أيضا، إذ الجبلة لا فرق فيها بين الفاسق وغيره، ولو عين كل غير
стр. 918
معين الآخر من غير تعرض لتكذيب صاحبه أقسم كل الخمسين على ما عينه وأخذ حصته. انتهى (١) .
٣ - قال ابن قدامة: السادس: أن يشهد بالقتل عبيد ونساء، فهذا فيه عن أحمد روايتان: إحداهما: أنه لوث؛ لأنه يغلب على الظن صدق المدعي في دعواه فأشبه العداوة. الثانية: ليس بلوث؛ لأنها شهادة مردودة فلم تكن لوثا كما لو شهد به الكفار. وإن شهد به فساق أو صبيان فهل يكون لوثا؟ على وجهين:
أحدهما: ليس بلوث؛ لأنه لا يتعلق بشهادتهم حكم فلا يثبت اللوث بها كشهادة الأطفال والمجانين.
والثاني: يثبت بها اللوث؛ لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي فأشبه شهادة النساء والعبيد. وقول الصبيان معتبر في الإذن في دخول الدار وقبول الهدية ونحوها، وهذا مذهب الشافعي، ويعتبر أن يجئ الصبيان متفرقين لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب، فهذه الوجوه قد ذكر عن أحمد أنها لوث؛ لأنها يغلب على الظن صدق المدعي أشبه العداوة.
وروي أن هذا ليس بلوث، وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام؛ لأن اللوث إنما يثبت بالعداوة بقضية الأنصاري القتيل، ولا يجوز القياس؛ لأن الحكم ثبت بالمظنة، ولا يجوز القياس في المظان؛ لأن الحكم إنما يتعدى بتعدي سببه، والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون والحكم، والظنون تختلف ولا تأتلف، وتتخبط ولا تنضبط، وتختلف باختلاف القرائن والأحوال والأشخاص، فلا يمكن ربط الحكم
стр. 919
بها، ولا تعديته بتعديتها، ولأنه يعتبر في التعدية به والقياس التساوي بين الأصل والفرع في المقتضى، ولا سبيل إلى يقين التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها، فعلى هذه الرواية حكم هذه الصورة حكم غيرها مما لا لوث فيه (١) .
стр. 920
الصورة الثالثة: شهادة عدلين بجرح، وعدل بالقتل:
١ - قال الأبي: (ع) : الصورة الثالثة: شهادة عدلين بجرح وحيي بعده حياة بينة ثم مات بعده قبل أن يفيق منه، قال مالك وأصحابه والليث: ذلك لوث. واختلف عندنا في شهادة العدل الواحد هل هي لوث؟ والأصح: الأول، وأنه لا بد من شاهدين، ولم ير الشافعي والحنفية في هذا قسامة، ورأوا فيه القصاص إن ثبت بشاهدين، قلت: قال ابن الحارث: إلا أن يكون ما شهد به العدلان من الجرح قد أنفذ مقاتله، فإن أنفذها فلا قسامة فيه، وهو كمقتول، والمشهور في شهادة الواحد أنها لوث، نص على ذلك في [المدونة] وفي [العتبية] لا قسامة فيه.
واختلف في شهادة الواحد على إقرار القاتل بالقتل: فقال أشهب: فيه القسامة، وفي [الموازية] : لا قسامة فيه (١) .
٢ - وقال النووي والرملي: وشهادة العدل الواحد، أي: إخباره ولو قبل الدعوى بأن فلانا قتله لوث؛ لأنه يفيد الظن، وشهادته بأن أحد هذين قتله لوث في حقهما، كما علم مما مر في أول الباب، فيعين الولي أحدهما
стр. 921
أو كليهما ويقسمه (١) .
٣ - وقال ابن قدامة: فصل: وإن شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين - لم تثبت هذه الشهادة، ولم يكن لوثا عند أحد علمائنا، قوله: وإن شهد رجلان أن هذا القتيل قتله أحد هذين الرجلين، أو شهد أحدهما أن هذا قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله، أو شهد أحدهما أن هذا قتله بسيف، وشهد الآخر أنه قتله بسكين- لم تثبت الشهادة ولم يكن لوثا، هذا قول القاضي واختياره، والمنصوص عن أحمد فيما إذا شهد أحدهما بقتله والآخر بالإقرار بقتله أنه يثبت القتل، واختار أبو بكر ثبوت القتل هاهنا، وفيما إذا شهد أحدهما أنه قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين؛ لأنهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته.
وقال الشافعي: هو لوث في هذه الصورة في أحد القولين، وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث؛ لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت شهادة النساء والعبيد.
ولنا أنها شهادة مردودة للاختلاف فيها فلم يكن لوثا كالصورة الأولى (٢) .
стр. 922
الصورة الرابعة: وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل أو عليه أثره:
١ - قال الأبي: (ع) : الرابعة: وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل وعليه أثر كالتلطخ بالدم وشبهه، فروى ابن وهب وقاله ابن عبد الحكيم هو لوث. وقال الشافعي: نحوه، قال ذلك إذا لم يوجد هناك أحد ولا به أثر سبع قال: ومنه إذا وجد في بيت أو صحراء وليس هناك
стр. 923
سواهم وتفرقوا عن قتيل، وهذا كله شبهة توجب القسامة. قلت: رواية ابن وهب ذكرها ابن الجلاب كأنها المذهب، قال: وإن وجد قتيل وبقربه رجل وبيده آلة القتل أو عليه شيء من دم القتيل أو عليه أثر القتل- فذلك لوث يقسم معه (١) .
٢ - وقال ابن قدامة: الرابع: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله، مثل: أن يرى رجلا هاربا يحتمل أنه القاتل، أو سبعا يحتمل ذلك فيه (٢) .
стр. 924
الصورة الخامسة: قتيل الصفين:
١ - قال الأبي: (ع) الخامسة: قتيل الصفين، تقتتل الفئتان فيوجد بينهما قتيل لا يدرى من قتله، ففيه عندنا روايتان:
الأولى: للأولياء أن يقسموا على من يعينونه منها أو على من يدعي عليه الميت كان منهما أو من غيرهما بالقسامة، قال الشافعي: وقال عقله على الفئة المنازعة، وإن عينوا رجلا ففيه القسامة.
قلت: الرواية الثانية في [المدونة] ، قال فيها: ولا قسامة في قتيل الصفين، لكن اختلف: فقيل: معنى قوله: لا قسامة إذا عينه الأولياء، وأما إذا عينه المقتول ففيه القسامة. وقيل: لا قسامة عينه المقتول أو الأولياء، وعلى الأول حمل [المدونة] ، الأكثر، ووجه ابن عات رواية القسامة بأن وجوده بينهما يغلب على الظن أن قتله لم يخرج عنهما، وذلك لوث،
стр. 925
ووجه الرواية الأخرى بأن القسامة لا تكون إلا مع لوث في مشار إليه معين، فإن اللوث إذا تعلق بواحد معين أثر في القسامة، أما إذا تعلق بجماعة على أن القاتل واحد منهم غير معين فلا يؤثر (١)
٢ - وقال الشافعي: إذا اقتتل القوم فانجلوا عن قتيل فادعى أولياؤه على أحد بعينه أو على طائفة بعينها أو قالوا: قد قتلته إحدى الطائفتين ولا يدرى أيتهما قتلته، قيل لهم: إن جئتم بما يوجب القسامة على إحدى الطائفتين أو بعضهم أو واحد بعينه أو أكثر قيل لكم اقسموا على واحد، فإن لم تأتوا بذلك فلا عقل ولا قود، ومن شئتم أن نحلفه لكم على قتله أحلفناه ومن أحلفناه أبرأناه، وهكذا إن كان جريحا ثم مات ادعى على أحد أو لم يدع عليه، إذا لم أقبل دعواه فيما هو أقل من الدم، لم أقبلها في الدم وما أعرف أصلا ولا فرعا لقول من قال: تجب القسامة بدعوى الميت، ما القسامة التي قضى فيها رسول الله ﷺ في عبد الله بن سهل إلا على خلاف ما قال، فيها دعوى ولا لوث من بينة.
٣ - وقال ابن قدامة: الثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل، فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم، فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه، ذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي؛ لأن الأصل عدم ذلك إلا أن يثبت ببينة (٢) .
стр. 926
وقال ابن قدامة: الخامس: أن يقتتل فئتان، فيتفرقون عن قتيل من إحداهما- فاللوث على الأخرى ذكره القاضي، فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل، هذا قول الشافعي.
وروي عن أحمد: أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه، وهذا قول مالك، وقال ابن أبي ليلى. على الفريقين جميعا؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه.
وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم وجرح بعضهم فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح، وإن كان فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شيء؟ على وجهين، ذكرها ابن حامد (١) .
стр. 927
الصورة السادسة: قتيل الزحام:
١ - قال الأبي: (ع) : الصورة السادسة: قتيل الزحام، قال مالك: دمه هدر، وقال الشافعي: فيه القسامة والدية، وقال الثوري وإسحاق: عقله في بيت المال، وعن عمر وعلي مثله، وقال الحسن والزهري: عقله على من حضر. قلت: الذي حكى أبو عمر عن الشافعي: إنما هو لا شيء فيه كقول مالك (١) .
وقال الباجي نقلا عن [الموازية] : وذلك أنه لا تتعلق التهمة بمعين ولا معينين (٢) .
وقال النووي والرملي: أو تفرق عنه جمع محصور يتصور اجتماعهم
стр. 928
على قتله وإن لم يكونوا أعداءه في نحو دار أو ازدحام على الكعبة أو بئر، وإلا فلا قسامة حتى يعين منهم محصورين فيكن من الدعوى والقسامة، فلا بد من وجود أثر قتل وإن قل، وإلا فلا قسامة، وكذا في سائر الصور خلافا للأسنوي (١) .
وقال ابن قدامة: الثالث: أن يزدحم الناس في مضيق فيوجد قتيل، فظاهر كلام أحمد: أن هذا ليس بلوث فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة: فديته في بيت المال، وهذا قول إسحاق. وروي ذلك عن عمر وعلي فإن سعيدا روى في [سننه] عن إبراهيم قال: قتل رجل في زحام الناس بعرفة فجاء أهله إلى عمر فقال: بينتكم على من قتله، فقال علي: يا أمير المؤمنين. لا يطل دم امرئ مسلم إن علمت قاتله وإلا فأعط ديته من بيت المال.
وقال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام: ينظر من كان بينه وبينه شيء في حياته، يعني: عداوة يؤخذون، فلم يجعل الحضور لوثا وإنما جعل اللوث العداوة.
وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام: ديته على من حضر؛ لأن قتله حصل منهم، وقال مالك: دمه هدر؛ لأنه لا يعلم له قاتل، ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إليه في رجل وجد قتيلا لم يعرف قاتله، فكتب إليهم: إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها إلا في الدار الآخرة، وهذا منها (٢) .
стр. 929
الصورة السابعة: وجود قتيل في محلة:
١ - قال شمس الدين السرخسي رحمه الله تعالى. (وإذا وجد الرجل
стр. 930
قتيلا في محلة قوم فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا بالله: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا: ثم يغرمون الدية، بلغنا هذا عن رسول الله ﷺ ، وفي هذا أحاديث مشهورة.
منها: حديث سهل بن أبي حثمة: «أن عبد الله بن سهل وعبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة خرجوا في التجارة إلى خيبر، وتفرقوا بحوائجهم فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر يتشحط في دمه، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ ليخبروه فأراد عبد الرحمن - وهو أخو القتيل- أن يتكلم فقال: ﵊: الكبر الكبر، فتكلم أحد عميه حويصة ومحيصة، وهو الأكبر منهما، وأخبره بذلك قال: ومن قتله؟ قالوا: ومن يقتله سوى اليهود، قال: تبرئكم اليهود بأيمانها؟ فقالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفار لا يبالون ما حلفوا عليه، قال ﵇: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد؟! فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة (١) » .
وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب: أن القسامة كانت من أحكام الجاهلية، فقررها رسول الله ﷺ في قتيل من الأنصار وجد في حي ليهود، وذكر الحديث. . . إلى أن قال: فألزم رسول الله ﷺ اليهود الدية والقسامة.
وفي رواية: فكتب إليهم: «إما أن يدوه أو يأذنوا بحرب من الله (٢) » وذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل خيبر: أن هذا قتيل وجد بين أظهركم، فما الذي يخرجه عنكم؟ فكتبوا إليه إن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل، فأنزل الله على موسى ﵇ أمرا، فإن كنت نبيا فاسأل الله مثل ذلك، فكتب إليهم:
стр. 931
إن الله أراني أن أختار منكم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يغرمون الدية قالوا: لقد قضيت فينا بالناموس، يعني: الوحي» .
وروى حنيف عن زياد بن أبي مريم قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان، فقال: اختر من شيوخهم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، قال: وليس لي من أخي إلا هذا؟ قال: نعم، ومائة من الإبل» .
وفي الحديث: أن رجلا وجد بين وادعة وأرحب وكان إلى وادعة أقرب فقضى عليهم عمر ﵁ بالقسامة والدية، فقال حارث بن الأصبع الوادعي: يا أمير المؤمنين، لا أيماننا تدفع عن أموالنا ولا أموالنا تدفع عن أيماننا، فقال: حقنتم دماءكم بأيمانكم وأغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم.
فهذه الآثار تدل على ثبوت حكم القسامة والدية في القتيل الموجود في المحلة على أهلها ونوع من المعنى يدل عليه أيضا، وهو أن الظاهر أن القاتل منهم؛ لأن الإنسان قلما يأتي من محلة إلى محلة ليقتل مختارا فيها، وإنما تمكن القاتل منهم من هذا الفعل بقوتهم ونصرتهم، فكانوا كالعاقلة، فأوجب الشرع الدية عليهم؛ صيانة لدم المقتول عن الهدر، وأوجب القسامة عليهم لرجاء أن يظهر القاتل بهذه الطريق فيتخلص غير الجاني إذا ظهر الجاني؛ ولهذا يستحلفون بالله: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا. ثم على أهل كل محلة حفظ محلتهم عن مثل هذه الفتنة؛ لأن التدبير في محلتهم إليهم، فإنما وقعت هذه الحادثة؛ لتفريط كان منهم في الحفظ حين تغافلوا عن الأخذ على أيدي السفهاء منهم ومن غيرهم، فأوجب الشرع القسامة
стр. 932
والدية عليهم لذلك، ووجوب القسامة والدية على أهل المحلة مذهب علمائنا. اهـ (١) .
قال الأبي: (ع) : الصورة السابعة: القتيل يوجد بمحلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم فقال مالك والشافعي: دمه هدر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة قوم ليلطخهم به. قال الشافعي: إلا أن يكون مثل قضية الأنصار التي حكم فيها رسول الله ﷺ للعداوة الظاهرة بين الأنصار واليهود، وخيبر مختصة باليهود ليس فيها غيرهم، وخرج عبد الله بعد العصر فوجد مقتولا قبل الليل. وقال أحمد نحوه، وتأوله النسائي على مذهب مالك، وذهب أبو حنيفة ومعظم الكوفيين إلى أن للقتيل يوجد في القرية والمحلة القسامة ولا سبب عندهم من الوجوه السبعة للقسامة سواه؛ لأنها الصورة التي حكم فيها رسول الله ﷺ فيحلف خمسون رجلا خمسين يمينا ويستحقون الدية على ما تقدم من مذهبهم في العمل بها، وذلك إذا وجد القتيل وبه أثر وإلا فلا قسامة فيه، وإن وجد القتيل في مسجد أهل المحلة فالدية في بيت المال إذا ادعوا بذلك على أهل المحلة. وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة وإن لم يكن فيه أثر على ما تقدم من مذهب.
وقال داود: لا قسامة إلا في العمد دون الخطأ على أهل القرية الكبيرة والمدينة، وهم أعداء المقتول.
قلت في [المدونة] : وإن وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم لا يدرى من
стр. 933
قتله - فدمه هدر، ولا دية في بيت المال ولا في غيره. ابن يونس: يريد إن لم يوجد معه، وإن وجد معه رجل عليه أثر قتله قتل به مع القسامة. ابن رشد: ولو وقع مثل قضية الأنصاري في زماننا الواجب الحكم به، ولم يصح أن يتعدى إلى غيره (١) .
وقال ابن حزم: واعترض المالكيون ومن لا يرى القسامة في هذا بأن قالوا: والقتيل قد يقتل ثم يحمله قاتله فيلقيه على باب إنسان أو في دار قوم.
فجوابنا وبالله تعالى التوفيق: أن هذا ممكن، ولكن لا يعترض على حكم الله تعالى وحكم رسوله ﵇ بأنه يمكن أمر كذا، وبيقين يدري كل مسلم أنه قد يمكن أن يكذب الشاهد، ويكذب الحالف، ويكذب المدعي أن فلانا قتله هذا أمر لا يقدر أحد على دفعه. . . ومضى إلى أن أيد ذلك بقصة عبد الله بن سهل (٢)
٣ - وقال النووي والرملي: واللوث قرينة حالية أو مقالية مؤيدة، تصدق المدعي، بأن توقع في القلب صدقه في دعواه. ولا بد من ثبوت هذه القرينة (بأن) أي: كأن، إذ القرائن لم تنحصر فيما ذكره، وجد قتيل أو بعضه وتحقق موته في محلة منفصلة عن بلد كبير أو في قرية صغيرة لأعدائه أو أعداء قبيلته دينا أو دنيا حيث كانت العداوة تحمل على الانتقام بالقتل، ولم يساكنهم غيرهم، كما صححه في [الروضة] وهو المعتمد، والمراد بغيرهم:
стр. 934
من لم تعلم صداقته للقتيل، ولا كونه من أهله، أي: ولا عداوة بينهما، كما هو واضح، وإلا فاللوث موجود فلا تمتنع القسامة، قال ابن أبي عصرون وغيره، وهو ظاهر. قال الأسنوي تبعا لابن الرفعة: ويدل له قصة خيبر. فإن إخوة القتيل كانوا معه، ومع ذلك شرعت القسامة. قال العمراني وغيره. ولو لم يدخل ذلك المكان غير أهله لم تعتبر العداوة، قال الأذرعي: ويشبه اشتراط ألا يكون هناك طريق جادة كثيرة الطارقين، وخرج بالصغيرة الكبيرة فلا لوث، بل وجد فيها قتيل فيما يظهر، إذ المراد بها من أهله غير محصورين، وعند انتفاء حصرهم لا تتحقق العداوة بينهم فتنتفي القرينة (١) .
٤ - وقال ابن قدامة: واختلفت الرواية فيه- أي. في اللوث المشترط في القسامة - فروي عنه: أن اللوث: هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين أهل البغي وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله.
نقل مهنا عن أحمد في من وجد قتيلا في المسجد الحرام، ينظر من بينه وبينه في حياته شيء- يعني: ضغنا- يؤخذون به، ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة إلا أنه قد قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل، فاللوث على الطائفة التي القتيل من غيرها، سواء كان القتلى بالتحام، أو مراماة بالسهام، وإن لم تبلغ السهام، فاللوث على طائفة القتيل.
إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط مع العداوة ألا يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو، نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها، وكلام الخرقي يدل
стр. 935
عليه أيضا. واشترط القاضي: أن يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط بهم غيرهم، وهذا مذهب الشافعي؛ لأن الأنصاري قتل في خيبر ولم يكن فيها إلا اليهود، وجميعهم أعداء، ولأنه متى اختلط بهم غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير، ثم ناقض القاضي قوله، فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل: إن كان في القوم من بينهم وبينه عداوة وأمكن أن يكون هو قتله، لكونه بقربه- فهو لوث. فجعل العداوة لوثا مع وجود غير العدو. ولنا: أن النبي ﷺ لم يسأل الأنصار: هل كان بخيبر غير اليهود أم لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها؛ لأنها كانت أملاكا للمسلمين، يقصدونها لأخذ غلات أملاكهم منها، وعمارتها، والاطلاع عليها، والامتيار منها، ويبعد أن تكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها، وقول الأنصار: (ليس لنا بخيبر عدو إلا يهود) يدل على أنه قد كان بها غيرهم من ليس بعدو؛ ولأن اشتراكهم في العداوة لا يمنع من وجود اللوث في حق واحد، وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله، فلأن يمنع ذلك وجود من يبعد منه القتل أولى.
وما ذكروه من الاحتمال لا ينفي اللوث، فإن اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه، ولا ينافيه الاحتمال، ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيج إلى الأيمان، ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة؛ لأنه يحتمل أن القاتل غيره، ولا على الجماعة، لأنه يحتمل ألا يشترك الجميع في قتله.
والرواية الثانية عن أحمد: أن اللوث ما يغلب على الظن صدق
стр. 936
المدعي، وذلك في دار أو غيرها، من وجوه: أحدها: العداوة المذكورة (١) وسنذكر البقية موزعة في مواضعها.
стр. 937
تحرير محل النزاع في اللوث مع بيان منشأ الخلاف:
اتفق من يقولون بالقسامة على أنها لا تثبت بمجرد دعوى أولياء الدم، واتفقوا على أنها تثبت بالدعوى إذا اقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بمقتضاها، ثم اختلفوا في الصور التي تتحقق فيها هذه الشبهة، ومنشأ الخلاف في ذلك اختلافهم في تطبيق ضابط هذه الشبهة المسماة لوثا على هذه الصور، فمن رآها متحققة في صورة من الصور السبع المذكورة أو نحوها أثبت بها القسامة، ومن لم يجد في نفسه غلبة الظن توجب الحكم بها في صورة لم يثبت الحكم بها في تلك الصورة. اهـ (١) .
стр. 938
الرابع: هل يتعين أن يكون المدعى عليه في القسامة واحدا أو يجوز أن يكون أكثر ولو مبهما، مع ذكر الدليل والمناقشة؟
لقد سبق الكلام على معنى اللوث وخلاف العلماء في صوره، وكان مما تقدم: أن القسامة عند الحنفية لا تكون إلا في صورة واحدة من الصور التي سبق الكلام عليها، وهي الواقعة بين الأنصار واليهود في خيبر، وتقدم النقل عنهم في هذه الصورة مستوفيا أدلتهم من السنة والآثار.
ومما تقدم يتبين: أن أبا حنيفة ﵀ يرى: أن الدعوى في القتل تكون على مبهم، فتركنا إعادة ذلك النقل اكتفاء بما سبق ذكره، ومعلوم أن هذا
стр. 939
الرأي يخالف قوله ﷺ : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم (١) » .
وأما المذاهب الثلاثة ففيما يلي تفصيل أقوالهم وما استندوا إليه، ومعلوم أن الأصل في هذا الباب هو قصة خيبر، وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته (٢) » .
١ - قال مالك: (وإذا كان القسامة لم تكن إلا على رجل واحد ولم يقتل غيره ولم نعلم قسامة كانت قط إلا على رجل واحد. قال الباجي: هذا قول مالك وأكثر أصحابه. وقال أشهب: إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على جميعهم ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في القسامة، كان ذلك لقول الميت: دمي عند فلان أو فلان أو لشهادة شاهد على القتل أو شاهدين على الضرب ثم عاش أياما. وجه قول مالك: أنه لا يقتل في القسامة إلا واحد فلا معنى للقسامة على غيره. ووجه قول أشهب: أن القتيل إذا ادعى قتل جماعة له فيجب أن تكون القسامة على قدر ذلك؛ لأن الأيمان لا تكون إلا موافقة للدعوى (٣) .
وقال الباجي في الكلام على من يستحق القتل بالقسامة: قال: وإذا قلنا: لا يقتل إلا واحد فهل يقسم على واحد أو على جماعة؟ ففي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك: لا يقسم إلا على واحد سواء ثبتت القسامة بدعوى الميت أو بلوث أو بينة على القتل أو بينة على الضرب ثم عاش أياما. وقال أشهب: إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على أكثر أو على جميعهم ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في قسامتهم.
стр. 940
وجه القول الأول: أن القسامة فائدتها القصاص من المدعى عليه القتل فلا معنى للقسامة على من لا يقتل ولا تؤثر فيه القسامة حكما.
ووجه القول الثاني: أن القسامة إنما هي على قدر الدعوى محققة لها ولا يجوز أن يكون في بعضه، فإذا وجب لهم القصاص بالقسامة المطابقة لدعواهم كان لهم حينئذ تعيين من يقتص منه؛ لأن القسامة قد تناولته.
وقال سحنون فيما جاء في القسامة على الجماعة في العموم: قال: قلت: أرأيت إن ادعوا الدم على جماعة رجال ونساء؟ قال: قال مالك: إذا ادعوا الدم على جماعة أقسموا على واحد منهم وقتلوا إذا كان لهم لوث من بينة، أو تكلم بذلك المقتول، أو قامت البينة على أنهم ضربوه ثم عاش بعد ذلك ثم مات- قلت: فللورثة أن يقسموا على أيهم شاءوا ويقتلوه؟ قال: نعم، عند مالك. قلت: فإن ادعوا الخطأ وجاءوا بلوث من بينة على جماعة أقسم الورثة عليهم كلهم بالله الذي لا إله إلا هو أنهم قتلوه ثم تفرق الدية على قبائلهم في ثلاث سنين؟ قال: نعم. وكذلك سألت مالكا فقال لي مثلما قلت لك، وقال لي مالك: ولا يشبه هذا العمد (١) وقال ابن رشد: واختلف الذين أوجبوا القود بالقسامة، هل يقتل بها أكثر من واحد؟ فقال مالك: لا تكون القسامة إلا على واحد، وبه قال أحمد بن حنبل. وقال أشهب: يقسم على الجماعة ويقتل منها واحد يعينه الأولياء وهو
стр. 941
ضعيف. وقال المغيرة المخزومي: كل من أقسم عليه قتل. وقال مالك والليث: إذا شهد اثنان عدلان أن إنسانا ضرب آخر وبقي المضروب أياما بعد الضرب ثم مات أقسم أولياء المضروب أنه مات من ذلك الضرب وقيد به، وهذا كله ضعيف (١) .
٢ - قال الشافعي في باب القسامة: ولهم- أي: ولاة الدم- إذا كان ما يوجب القسامة على أهل البيت أو القرية أو الجماعة أن يحلفوا على واحد منهم أو أكثر، فإذا أمكن في المدعى عليه أن يكون في جملة القتلة جاز أن يقسم عليه وحده وعلى غيره ممن أمكن أن يكون في جملتهم (٢) . . . . . وقال أيضا في اختلاف المدعى عليه في الدم، قال: فإن ادعى أولياؤه- أي: القتيل- على أهل المحلة لم يحلف لهم منهم إلا من أثبتوا بعينه فقالوا: نحن ندعي أنه قتله، فإن أثبتوهم كلهم وادعوا عليهم وهم مائة أو أكثر وفيهم نساء ورجال وعبيد مسلمون كلهم أو مشركون كلهم أو فيهم مسلم ومشرك أحلفوا كلهم يمينا يمينا؛ لأنهم يزيدون على خمسين وإن كانوا أقل من خمسين ردت الأيمان عليهم، فإن كانوا خمسة وعشرين حلفوا يمينين يمينين؛ وإن كانوا ثلاثين حلفوا يمينين يمينين؛ لأن على كل واحد منهم يمينا وكسر يمين، ومن كان عليه كسر يمين حلف يمينا تامة، وليس الأحرار المسلمون أحق بالأيمان من العبيد ولا العبيد من الأحرار ولا الرجال من النساء ولا النساء من الرجال، كل بالغ فيها سواء،
стр. 942
وإن كان فيهم صبي ادعوا عليه لم يحلف، وإذا بلغ حلف فإن مات قبل البلوغ فلا شيء عليه، ولا يحلف واحد منهم إلا واحد ادعوا عليه بنفسه، فإذا حلفوا برئوا.
وقال الشافعي: بيان ما يحلف عليه في القسامة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: وينبغي للحاكم أن يسأل من وجبت له القسامة: من صاحبك؟ فإذا قال فلان، قال: فلان وحده؟ فإن قال: نعم، قال: عمدا أو خطأ؟ فإن قال: عمدا سأله ما العمد؟ فإن وصف ما يجب بمثله قصاص ولو قامت بينة أحلفه على ذلك، وإن وصف من العمد ما لا يجب فيه القصاص وإنما يكون فيه العقل- أحلفه على ذلك بعد إثباته، وإن قال: قتله فلان ونفر معه، لم يحلفه حتى يسمي النفر، فإن قال: (لا أعرفهم وأنا أحلف على هذا أنه فيمن قتله) لم يحلفه حتى يسمي عدد النفر معه، فإن كانوا ثلاثة أحلفه على الذي أثبته، وكان له عليه ثلث الدية أو على عاقلته، وإن كانوا أربعة نفر فربعها، وإن لم يثبت عددهم لم يحلف؛ لأنه لا يدري كم يلزم هذا الذي يثبت ولا عاقلته من الدية لو حلف عليه، ولو عجل الحاكم فأحلفه قبل أن يسأله عن هذا كان عليه أن يعيد عليه اليمين إذا أثبت كم عدد من قتل معه، ولو عجل الحاكم فأحلفه لقتل فلان فلانا ولم يقل عمدا ولا خطأ أعاد عليه عدد ما يلزمه من الأيمان؛ لأن حكم الدية في العمد أنها في ماله وفي الخطأ أنها على عاقلته، ولو عجله فأحلفه لقتله مع غيره عمدا ولم يقل قتله وحده أعاد عليه اليمين لقتله وحده، ولو عجل فأحلفه لقتله من غيره ولم يسم عدد الذين قتلوه معه أعاد عليه الأيمان إذا عرف العدد، ولو أحلفه لقتله وثلاثة معه ولم يسمهم قضى عليه بربع الدية أو على عاقلته،
стр. 943
فإن جاء بواحد من الثلاثة فقال: (قد أثبت هذا) أحلفه أيضا عدة ما يلزمه من الأيمان، فإن كان هذا الوارث وحده أحلفه خمسين يمينا لقتله مع هؤلاء الثلاثة، فإن كان يرث النصف فنصف الأيمان ولم تعد عليه الأيمان الأولى، ثم كلما أثبت واحدا معه أعاد عليه ما يلزمه من الأيمان كما يبتدئ استحلافه على واحد لو كانت دعواه عليه منفردة، وإن كان له وارثان فأغفل الحاكم بعض ما وصفت أنه عليه أن يحلفه عليه، وأحلفه مغفلا خمسين يمينا، ثم جاء الوارث الآخر فحلف خمسا وعشرين يمينا، أعاد على الأول خمسا وعشرين عينا، لأنها هي التي تلزمه مع الوارث معه، وإنما أحلفه أولا خمسا وعشرين يمينا؛ لأنه لا يستحق نصيبه من الدية إلا بها إذا لم تتم أيمان الورثة معه خمسين يمينا (١) .
٣ - قال ابن قدامة: ذكر الخرقي من شروط القسامة: أن تكون الدعوى عمدا توجب القصاص إذا ثبت القتل وأن تكون الدعوى على واحد. وقال غيره: ليس بشرط، لكن إن كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين ويستحقون دمه، وإن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية (٢) .
وقال في [حاشية المقنع] : قوله: (وأن تكون الدعوى على واحد) : إذا كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين ويستحقون دمه، وهذا بلا نزاع. قال الشارح: لا يختلف المذهب أنه لا يستحق
стр. 944
بالقسامة أكثر من قتل واحد، وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يستحق بها قتل جماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة، وقول أبي ثور نحو هذا.
ولنا: قوله ﷺ : «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته (١) » فخص بها الواحد.
ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليه وتبقى على الأصل.
وأما إن كانت الدعوى خطأ أو شبه عمد: فقال في [لإنصاف] فالصحيح من المذهب والروايتين ليس لهم قسامة ولا تشرع على أكثر من واحد وعليه جماهير الأصحاب منهم: الخرقي والقاضي وجماعة من أصحابه؛ كالشريف وأبي الخطاب والشيرازي وابن البنا وابن عقيل، وغيرهم وجزم به في [الوجيز] و [المنور] و [منتخب الآدمي] ، وغيرهم، وقدمه في [المحرر] و [النظم] ، و [الحاوي الصغير] و [الفروع] وغيرهم. وعنه: لهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية، وهو الذي قاله المصنف هنا، وجزم به في [الهداية] و [المذهب] و [المستوعب] ، و [الخلاصة] وقدمه في [الرعايتين] ، وظاهر كلام المصنف هنا أن غير الخرقي ما قال ذلك، وتابعه الشارح وابن منجا وليس الأمر كذلك، فقد ذكرنا عن غير الخرقي من اختار ذلك. انتهى. قلت: والذي جزم به في [الإقناع] أن لهم القسامة في الخطأ كالعمد؛ لأن الخطأ أحد القتلين أشبه العمد، ويقسمون
стр. 945
على واحد معين كالعم١٥٨د، وهو معنى ما جزم به في [الإنصاف] (١) .
стр. 946
الخامس: ذكر خلاف العلماء فيمن توجه إليه أيمان القسامة أولا من مدع ومدعى عليه ومستند كل مع المناقشة:
اختلف أهل العلم القائلون بالقسامة فيمن توجه إليه أيمان القسامة ابتداء:
فذهبت طائفة منهم إلى أنه يبدأ بالمدعين فتوجه إليهم الأيمان.
قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا، والذي سمعت ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث: أنه يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون (١) .
وقال ابن رشد: قال الشافعي وأحمد وداود بن علي وغيرهم: يبدأ المدعون (٢) .
وجاء في [المقنع] وحاشيته: ويبدأ بأيمان المدعين، فيحلفون خمسين يمينا، هذا المذهب، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا وبرئوا، وهذا قول يحيى بن سعيد وربيعة وأبى الزناد والليث ومالك والشافعي (٣) .
واستدلوا لذلك بالسنة والإجماع والاستصحاب والنظر والقياس:
أما السنة: فروى الشافعي قال: أخبرنا مالك عن
стр. 947
ابن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن سهل بن أبي حثمة: أنه أخبره رجال من كبراء قومه: «أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما فتفرقا في حوائجهما فأتى محيصة فأخبر: أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير أو عين فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر ذلك لهم، فأقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل أخو المقتول، فذهب محيصة يتكلم- وهو الذي كان بخيبر - فقال رسول الله ﷺ لمحيصة كبر كبر يريد: السن، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة فقال رسول الله ﷺ : إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب إليهم رسول الله ﷺ في ذلك، فكتبوا إليه: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: لا، قال: فتحلف يهود؟ قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء (١) » .
وعورض هذا الحديث: أولا: بما روى أبو داود عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد بن قيظي أحد بني حارثة، قال محمد بن إبراهيم: وايم الله ما كان سهل بأعلم منه، ولكنه كان أسن منه، قال: والله ما قال رسول الله ﷺ : (احلفوا على ما لا علم لكم به) ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الأنصار: أنه وجد بين أبياتكم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول الله ﷺ .
وقد أجاب ابن قدامة ﵀ عن ذلك: فقال: ولنا حديث سهل،
стр. 948
وهو صحيح متفق عليه، ورواه مالك في [موطئه] وعمل به، وما عارضه من الحديث لا يصح؛ لوجوه:
أحدها: أنه نفي فلا يرد به قول المثبت.
والثاني: أن سهلا من أصحاب رسول الله ﷺ شاهد القصة وعرفها حتى أنه قال: ركضتني ناقة من تلك الإبل، والأخرى يقول برأيه وظنه من غير أن يرويه عن أحد ولا حضر القصة.
والثالث: أن حديثنا مخرج في [الصحيحين] متفق عليه، وحديثهم بخلافه.
والرابع: أنهم لا يعملون بحديثهم، ولا حديثنا، فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه فيه (١) .
وعورض حديث سهل ثانيا: بما جاء في البخاري من رواية سعيد بن عبيد: فقال لهم: «تأتون بالبينة على من قتله، قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة (٢) » .
وما جاء في البخاري من رواية أبي قلابة، وفيه قال: «أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه، فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون، قال: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم، قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده (٣) » .
وأجاب ابن حجر عن هذا الاعتراض: بعد ذكره لمجموعة من الروايات
стр. 949
فيها تقديم تحليف المدعين قال: كذا في رواية سعيد بن عبيد لم يذكر عرض الأيمان على المدعين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولا، وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم (١) فأبوا.
وقال أيضا: وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد - يعني: المذكورة في حديث الباب- بقول أهل الحديث: إنه وهم من رواية أسقط من السياق تبرئة المدعين باليمين؛ لكونه لم يذكر فيه رد اليمين، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ، فوجب قبولها، وهي تقضي على من لم يعرفها. نقله ابن حجر عن القاضي عياض (٢) .
وما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة» .
قال ابن حجر في الكلام على سند هذا الحديث: قوله: روي أنه ﷺ قال: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر إلا في القسامة (٣) » الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر من حديث مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به، قال أبو عمر إسناده لين، وقد رواه عبد الرازق عن ابن جريج عن عمرو مرسلا، وعبد الرزاق أحفظ من مسلم بن خالد وأوثق، ورواه ابن عدي والدارقطني من حديث عثمان بن
стр. 950
محمد عن مسلم، عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وهو ضعيف أيضا، وقال البخاري: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب فهذه علة أخرى (١) .
أما الإجماع: فقال البيهقي: وأصح ما روي في القتل بالقسامة وأعلاه بعد حديث سهل ما رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال: قتل رجل من الأنصار - وهو سكران- رجلا آخر من الأنصار من بني النجار في عهد معاوية، ولم يكن على ذلك شهادة إلا لطيخ وشبهته، قال: فاجتمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه. قال خارجة بن زيد: فركبنا إلى معاوية وقصصنا عليه القصة فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص - فذكر- الحديث، وفيه فقال سعيد: أنا منفذ كتاب أمير المؤمنين، فاغدوا على بركة الله، فغدونا عليه فأسلمه إلينا سعيد بعد أن حلفنا عليه خمسين يمينا.
وفي بعض طرقه: وفي الناس يومئذ من أصحاب الرسول ﷺ ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا، فحلفوا خمسين يمينا وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله ﷺ قضى بالقسامة. انتهى بواسطة ابن القيم (٢) .
وأما الاستصحاب: فقد نقل الأبي عن القاضي عياض: أن القسامة أصل في نفسها شرعت لحياة الناس، وليرتدع المعتدي، والدعاوى في